الأجداد بين الأبناء والأحفاد وفي مركز المسنّين: أيّة مكانة؟


إنسانيات عدد 72-73 | 2016 | الأشخاص المسنّون بين ضفّتي المتوسّط: أيّ مصير؟| ص27-44|النص الكامل


Grandparents between children and grandchildren and institution: what place?

Grandparents assume a lot of roles and functions within the family. Our goal in this article is to know better their integration in the family, their places as well as their support. What are their roles with grandchildren? Are they satisfied with the place they occupy within the family?

To answer these questions, we used the case study based on interviews with grandparents who live with family, their children and grandchildren. Then, to better understand their place in the family, we compared these grandparents with other cases living in a home for elderly people, away from their children and grandchildren. We also interviewed a group of students on the role of grandparents in their lives. Apart from the cases taken in the Center for the elderly, results show a great attachment to grandparents, but this does not exclude the existence of conflicts.

Keywords: grand-parents - old age - role - place - lived - representation.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


Mansouria BOUHALA, Université d'Oran 2, 31 000, Oran, Algérie. Université de Mascara, 29 000, Mascara, Algérie.


  •  مقدمة

أحدثت التغيرات والتطورات التي تعرضت لها الأسرة الجزائرية على المستوى البنائي والوظيفي تغيرات في تنظيم الأسرة وأدوارها؛ إذ أفرزت تفاعلات جديدة على الصعيد الأسري. فقد تناقص نمط الأسرة الممتدة الذي لا يمثل سوى %30 وصار نمط الأسرة النووية حسب الديوان الوطني الجزائري للإحصاء يمثّل %70 (الإحصاء العام للسكان 2008).

وأيًّا كان نمطها، تولي كلّ أسرة اهتماما بالغا للأجداد. فللأجداد دور كبير لا يتجزأ عن الأسرة باعتبارهم مشاركين في عملية التنشئة الاجتماعية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، خاصة وأنّ بيت الأجداد هو الملتقى الرئيسيّ لكافة أفراد الأسرة، كبارا كانوا أو صغارا، رجالا أو نساء؛ فالجميع يسعى إلى التواصل مع الآباء الكبار والأجداد، وقضاء حاجاتهم ما أمكن ذلك، ما يتيح الفرصة أمامَ أبناء الأسرة الواحدة ليتجمّعوا، ويلتقوا. أمّا بعد رحيل الأجداد، فإن فرصة تجمع باقي أفراد العائلة بعضهم مع البعض تقلّ، وكثيرا ما نسمع العبارات التالية: "كيروح الكبير يروح العزّ معاه"، "ملي راح الجد تبعثرت الأسرة"، "الكبير هو الِّي يجمعهم"؛ وهذا نظراً لانشغال كلّ واحد من الأولاد بأموره الخاصة، ومشاغله الحياتية المختلفة من جهة، ومن جهة أخرى أغلب الأبناء -بعد وفاة الآباء- يفقدون الحافز القويّ الذي كان يربط ما بينهم.

انطلاقا من هذا الواقع يطرح بحثنا التساؤلات التالية: كيف يعيش الأجداد الذين لديهم السلطة على أبنائهم وأحفادهم وكيف يشاركونهم الحياة اليومية؟ وكيف يعيش أولئك الذين فصلوا عن أسرهم ويعيشون في مراكز دور الرعاية الاجتماعية؟ وما هي نظرة الأحفاد لأجدادهم؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، تطرقنا إلى الموضوع من زوايا متعددة، مع القيام بدراسة سيكو- سوسيو أنثروبولوجية:

تطرّقت المقاربة السوسيولوجية إلى دور الأجداد داخل الأسرة أو العائلة واخترنا أسرة موسعة أين "يحكم" الأجداد (أي هم أصحاب القرار حسب كلام الأبناء) على أساس ملاحظات ومقابلات، ثم طرحنا أسئلة لمجموعة تتكوّن من (40) حفيدا وهم طلبة جامعيون من مدينة مستغانم بغية تفحص نظرتهم إلى أجدادهم ومكانتهم في حياتهم. 

وتطرقت المقاربة النفسية إلى دراسة المعاش والإحساس بالوِحدة النفسية بقياس درجات الوحدة النفسية ومقارنة هذه الدرجات عند أجداد مع ذويهم وأجداد في دور الشيخوخة حيث تم اختيار الحالات بطريقة قصدية تتوفر فيها ما يلي:
لا يعانون من مرض عقلي ولهم أحفاد.

قدّم هذا السلّم [1] وقام بترجمته وتقنينه محمد الدسوقي (1998) ويتكوّن المقياس من 20 بندا تقيس إحساس الفرد بالوحدة النفسية ويجيب عليه المفحوص بإعطاء علامة(*) أمام إحدى الخانات الأربع وهي: أبدا، نادرا، أحيانا، دائما، تبعا لدرجة إحساسه بالوحدة النفسية.

يجمع الجانب الأنثروبولوجي المقاربات السابقة ويحاول تحديد المعاني الرمزية للأجداد من خلال الملاحظة والمقابلة لكل مجموعة من زاويتها. واستمرت مدة البحث من 2015 إلى غاية أفريل 2017.

سنرتكز في دراستنا على نظرية[2] إ. ايركسون الذي يبيّن فيها بأن الشيخوخة هي مرحلة نمو طبيعية ويسميها مرحلة تكامل أو يأس: الإنسان في مرحلة الشيخوخة يمر بأزمة خاصة بهذا السن والتي يشعر من خلالها الفرد بأن أهميته تتحدّد بما فعل في حياته السابقة، فإذا كان ما فعله يبعث السعادة والإحساس بالإنجاز فإنه سيجتاز هذه الأزمة بنجاح وهذا ما يشعره بالتكامل والرضا والمكانة داخل النسق الأسري، أما إذا كانت نظرته للماضي تتسم بالإحباط وخيبة الأمل فسوف يشعر باليأس، وبالتالي فهو بحاجة إلى إشباع الحاجة النفسية والاجتماعية كالحاجة إلى احترام الأبناء والأحفاد المحيطين به وتقديرهم ومساعدتهم.

تتنوع حياة المسنين وتتقلص في الوقت ذاته: لا تبقى لهم الأدوار نفسها مع أبنائهم لكنهم يلتفتون نحو أحفادهم، وهم يلعبون دورا في التنشئة الاجتماعية لأحفادهم؛ لكن يبدو أن هذا الدور يتناقص بمقتضى ابتعاد الأبناء من جهة وتطور نوع من الاستقلالية الاجتماعية لدى الأبناء الذين ينفردون بأسرهم من جهة أخرى. وتارة لا يتقبلون تدخل الأجداد في تربية أبنائهم. عموما، فإنّ العلاقة التي تربط بين الأجداد والأحفاد من أجمل وأمتن العلاقات التي تجمع بين أفراد الأسرة الواحدة؛ فهي علاقة تواصل وامتداد كثيرا ما تكتنفها المودّة والألفة بين الطرفين، حيث يحتل الجد أو الجدة أو كلاهما مكانة خاصة عند الأحفاد، فهما رمز الحكمة ومنبع الحنان والعطف[3].

النتائج

الأجداد القوامون (في الأسرة الممتدة)

أجرينا ملاحظات ومقابلات مع عائلة ممتدة تتكون من الجد الذي يبلغ من العمر 83 سنة والجدة 75 سنة يمارس كلاهما السلطة بالمعنى الذي يجعلهما هم المقرران والمستشاران في كلّ القرارات الأسرية من أبنائهما الثلاثة سواء الذي يعيش معهم على أرض الوطن أو المغتربان. توصلنا من خلال هذه المقابلات إلى أن للجدين مكانة كبيرة في وسط هذه الأسرة؛ لأنهما يمثلان الصورة الوالدية الإيجابية والدور الفعال والبديل من خلال تأكيد أحفادهما التسعة لنا خاصة المقيمون بالجزائر. إذ أنّ الجد والجدة توليا قسطا وفيرا من تربيتهم وهذا ما جعلهما يحتلان مكانة خاصة: يمثلان لهم الحب، العاطفة والانتماء وأنهما في معظم الأوقات يحسسانهم بدور البديل الأبوي خاصة في الوقت الذي يغيب فيه أحد الوالدين عن البيت، فهما يقدمان الإرشادات والعناية ولقد شاركا
في تربيتهم منذ ولادتهم. الجد من جهته يؤكد هذا الدور إذ يقول :"أنا نعطيهم من خبرتي في الحياة خاصة النصائح والتوجيهات نخاف عليهم من المستقبل لأنّه صعب جدا".

وقد تمّ تصنيف الجدة كمرجع لاكتساب التراث الثقافي من خلال سرد القصص والحكايات الشعبية ومشاركتها لهم في الأنشطة المحببة والهوايات المشتركة كالطبخ وتلقين الأطباق التقليدية. ولطالما عبّر لهم الجد عن الخبرة والمسؤولية وتكريس وقت أكبر لسماعهم خاصة بعد تقدمه في السنّ وعند تقاعده. وانقطاع الجد عن العمل سمح له بالاحتكاك بأحفاده لوقت أطول. نرى هنا أن التقاعد أصبح في صالح الأحفاد وفي صالح الجد الذي وجد فرصة جديدة للتقرب من أحفاده.

ويصف الأبناء أباهم بالقسوة والتصلب عكس الأحفاد الذين يرونه لينا وحنونا. هكذا، فرغم قسوة الجد الزائدة مع أبنائه إلا أنه يحاول تعويض أبوّته مع أحفاده، كأنّ الجد يريد تدارك ما فاته مع أبنائه بعناية لطيفة مع أحفاده وتمرير القيم لهم. وهذا ما أكدته المحللة النفسية فرانسواز دولتوFrançoise Dolto[4] في دراستها عن الأجداد بقولها: "على الأجداد أن ينقلوا لأحفادهم عن شبابهم وقيمهم في شكل حكايات لأنّ الماضي الأسري يعبّر عن القيم"، يبقى للأجداد أفضلية على الأبوين بفضل الحماية والشعور بالأمان. ويشير في نفس المرجع ليبوفيسي[5]: "فهم يُعتبرون كمرجع عقلانيّ ولهم دور بارز، وهم يشعرونهم بالموروث والأمان ولهم دور بناء وهيكليّ في دعم الهوية الأسرية وهم من ينقلون القيم والذكريات".

أما الأحفاد الذين يعيشون بفرنسا فيعتبرون أن للجدين دورا كبيرا في توعيتهم وإرشادهم؛ لأنهما أساس الرابطة الأسرية وهم يحسون بنوع من النقص بسبب بعد المسافة التي لا تسمح لهم بالتقرب أكثر من جديهما، وأيضا يشعرون بالتدليل والحماية المفرطة في الفترة التي يقضونها معهم بالجزائر.

صراع أجيال أم غيرة وجدانية؟ 

للآباء الذين يعيشون بفرنسا والذين يعيشون بالجزائر نظرة مغايرة للأحفاد: إنهم يرفضون أن يستحوذ الأجداد على جلّ الاهتمامات ورعايتهم لأحفادهم لدرجة تدفعهم للتدخل في شؤونهم في أدق التفاصيل التربوية، ما يؤدي إلى تراجع كل من دور الأب والأم، فهم يفضلون أن يكون للأجداد دور أولي في الدعم النفسي الفعال وإعطاء الخبرة ودور ثانوي في التربية؛ لأن الجد في أغلب الأحيان يحاول أن يقدم لهم الحب الزائد كرشوة (يدللهم أكثر من اللازم ويقدم لهم الحلوى...) عاطفية خاصة، ويقول لنا "أعز ولد هو ولد الولد فهو المفضل عندي" وبالتالي قد يحدث تناقض أو تضارب مع توجيهات الوالدين وهما يفضلان التدليل المقنن. والملاحظ أيضا أن الأجداد يفضلون قول "ابني" وليس "حفيدي" وهذا يجعل من زوجة الابن تحسّ بنوع من الغيرة وكأنهما يحاولان التملك والاستيلاء على ابنهما.

التطوّر التكنولوجي حاجز بين الأجداد والأحفاد

ينظر الأجداد إلى أحفادهم نظرة تفاؤلية وكامتداد لمسيرتهم، ويدركون بأن تباعد الأفكار بينهم وبين أحفادهم شيء طبيعي بسبب فارق السّنّ، لكنهم بحاجة إلى أن يشعروا بالحب والأمان أكثر، لكن الأحفاد عندما يلتقون خلال العطلة لا يشاركون أجدادهم بالقسط الوافي حسب رأي الأجداد نظرا لتوجههم نحو الألعاب الإلكترونية وخاصة "البلاي ستيشن" (playstation)، فهم يعتبرون بأن أحفادهم منشغلون دائما عنهم بسبب هذا التطور التكنولوجي وانشغالاتهم في العمل. ويعيش الأجداد هذه الألعاب كمنافس لهم وهي تبعد عنهم أحفادهم، فهم يرغبون في تكثيف حضورهم معهم كي يقللوا من شعورهم بالعزلة وشعروا بأهميتهم.

الأحفاد كمرافقين في حالة المرض

في هذه الأسرة الممتدة، العلاقات متينة جدا بين الجدين والأحفاد، إذ يقول الجد "حفيدي، لما دخلت المستشفى كان ينام معي وكان يأخذني للمتابعة الطبية أكثر من أولادي لأنهم في الغربة وابني (الذي يعيش معه في الجزائر) في العمل، وفي ذلك الوقت (عندما مرض) أحسست بقيمة أحفادي".

تعرّضت الجدة، في نفس العائلة، لجلطة عصبية دماغية استدعت استشفاءها لمدة شهر فقامت بمرافقتها حفيداتها وكنتها وهذا ما طمأنها كثيرا؛ لأنها هي التي "ربت" حفيدتها وتعتبرها كابنتها. وتقول الجدة "ينجحوا، أنا اللي معايا في الجزائر (حفيداتها) نعتبرهم بناتي، أنا ما عنديش البنت هما ينصحوني ويعطوني حنانتهم. الحمد لله لما أصبت بالمرض لقيت كنّتي التي تقطن معي وحفيداتي ولولاهم ما كنت راح نمشي على رجلي". (وهنا تقول الجدة أنّ حنان ورعاية كنتها وحفيداتها ساعدها على الشفاء).  

وفي المقابلات، يركز الجدان على أهمية التضامن الأسري "في السراء وفي الضراء". يمارس الجدّ السلطة بمعنى أنّ لا شيء يجري دون موافقته، وهو الذي يأذن لكلّ أفراد الأسرة وما زال يملك كل قواه الجسمية والعقلية والنفسية. ويقول "أقدم لهم المساعدة المادية والمعنوية، أحاول دائما التحاور معهم دائما أوجههم لأنني ما زلت أحب النظام تاع العشيرة لأنني عشت في قرية فيها الحكم لكبير العائلة بقيت أنا كبير العائلة بعد ما توفت الأمّ. وفي الأعياد والمناسبات يتلموا كامل أفراد عائلتي عندنا في الدار ولما تكون مشكلة أو فرحة نحاول نتدخل في الصلح وفي الفرح أنا نشارك في اللمة وكل شيء".        

وللأجداد دور كبير وفعال في الحياة الاجتماعية باعتبارهم أساس بناء الروابط الاجتماعية والأسرية ، فهم نموذج رمزي للتاريخ والتقاليد والقيم الأساسية، وبهم تتماسك الهوية الاجتماعية التي لا يمكن الاستغناء عنها، فهم يمثلون دور المربين والمرشدين والمستشارين والمرجع الأساسي لاستقرار الأسرة، فغياب النموذج الأبوي يعتبر مؤلما بالنسبة للشباب[6] فهم أساس الحفاظ ودعم الروابط الأسرية خاصة وأن الآباء يعيشون مرحلة التغيرات الجذرية العاطفية والجسمية أثناء ازدياد مولود جديد؛ فدور الأبناء اختلف والمسؤولية ارتفعت والأجداد هم دائما من يساندون أبناءهم في هذه المرحلة الحساسة وأحيانا يتدخلون في تنشئة أحفادهم عندما يتطلب الأمر. وهذا في حد ذاته قد يكون نوعا من المساندة وأحيانا يشكل صراعا بين الأبناء و الأحفاد، فحسب فرانسوز دولتو (Françoise Dolto) الأجداد يقومون بتقديم تاريخ شبابهم في شكل قصة، وتؤكد على أنه وحتى وإن كان الأجداد متوفيين علينا أن نحكي لأبنائنا عنهم على الأقل ليتشكل للطفل صورة عن مكانة الجد داخل الأسرة وهذا مهمّ جدا للطفل في نموه النفسي والعاطفي .[7]

يرغب الأجداد أن يقدموا لأحفادهم الحب المجاني ويكون لهم الوقت الكافي للتحدث مع أحفادهم عن مواضيع مهمة وخاصة عن روابط الماضي مع الجيل السابق حيث سيمنحون للأحفاد الشعور بالانتماء و الانتساب؛ فهم من ينقلون القيم والتقاليد الدينية وأفضل من يقص الحكايات والخرافات وهم يمثلون التجربة والذاكرة وأحيانا يكون لهم دور في المساعدات المالية لأحفادهم.

في الأسرة التي قمنا بملاحظتها نجد أنّ علاقة الجدين بأبنائهما أكثر صلابة ويمكن وصفها بأكثر قسوة، لكن علاقتهما بأحفادهما أكثر ليونة ولطفا وحنانا، كأنهما (خاصة الجدّ) يستدركان ما فاتهما مع أبنائهما ويستغلان حلاوة الأبوة أكثرَ. ويقول الأبناء أنهم يتعجبون أمام لطف الجد مع أحفاده.

يمكن استخلاص دور الأجداد من خلال هذه الأسرة الممتدة أنّ الجد هو الذي يملك سلطة القرار الفعلي أو المعنوي، وأن الجد والجدة يُسيِّران هذه الأسرة، لهما علاقة مميزة مع أحفادهما ويتصرفان كبديل والديّ ويشاركان بقوة في التنشئة الاجتماعية لأحفادهما. 

مكانة الأجداد عند الأحفاد في غياب التسلّط الأبوي للجد

من أجل دراسة كيفية عيش الأجداد الذين يعيشون مع أحفادهم ولا يمارسون سلطة حيث يكون الابن والكنة هما مسيّرا البيت عكس الأسرة السابقة، حيث لا يتدخل الأجداد في شؤون البيت إلا عند الحاجة ولا يفرضون مواقفهم. وتمّ اختيارنا لعشرة 10 أجداد، 9 يعيشون مع أبنائهم و جدة واحدة تعيش بمفردها، تتراوح أعمارهم بين 60 و88 سنة، وكانت الدراسة كالتالي:

  • مع الأحفاد: قمنا بالمقابلة على أساس أسئلة معدة للأحفاد لمعرفة مكانة الأجداد بالنسبة إليهم؛
  • أما مع الأجداد: فطبقنا عليهم مقياس الوحدة النفسية الذي سيساعدنا في معرفة معاشهم النفسي.

وتوصلنا إلى أن للأجداد دورا كبيرا في تنظيم العلاقات الاجتماعية بين الأبناء والأحفاد، وأن جيل الكبار يكفل جيل الشباب في العطاء خاصة إذا توفر الجوّ النفسي المناسب؛ فالجد يمثل الإنجاز وهو الممثل الأساسي للعطاء والفخر. وفي حالة تعرض الأسرة لأزمة، فإنّ حضور الأجداد عامل من عوامل التوازن، فقد أشار[8] إلى دراسات بالولايات المتحدة الأمريكية من طرف (Petter & Uhlenberg) حيث قاموا بإجراء مقارنة لمواقف الأطفال أثناء حضور الأجداد وفي غيابهم. ولاحظوا بأن الأطفال تظهر عليهم أعراض نفسية قليلة عند حضور الأجداد وتزداد الأعراض في غيابهم، فعن طريق الجد يظهر الدور الجيد والبعد القيّم للأجداد ما يسهم في إثبات الهوية. بحوث أخرى حول ذاكرة الأسرة عن الأجداد والقيمة العاطفية، تبين بأنهم يعطوننا شيئا منهم ويطمحون في استمراريتنا لنكون خير سلف ومرجعا لبناء الهوية.

إلا أن الوجود في حضن الأسرة تارة غير كاف لحماية المسن من المخاوف والوِحدة النفسية. وقد حاولنا قياس هذه المشاعر من خلال اختبار نفسي يقيس درجات الوحدة النفسية عند المجموعتين ومقارنة نتائجهما:

الشعور بالوحدة درجات

من خلال المقابلات التمسنا عند المسنين نوعا من التناقض، فتارة يعبرون عن الرضا والارتياح النفسي وتارة يعبرون عن شعورهم بالوحدة النفسية وانشغالهم بمآلهم، الصحي خاصة. ومخاوفهم مرتبطة بفقدان الاستقلالية الجسمية. ولهذا قمنا بتطبيق اختبار الوحدة النفسية وتحصلنا على الدرجات التالية:

الجدول 1: مقياس الوحدة النفسية بالنسبة للأجداد الذين يعيشون مع ذويهم

 

 

 

 

 

 

 

 

تراوحت هذه النتائج بين 29 إلى 60 درجة كما يبين الجدول (1) ونلاحظ أن الشعور بالوحدة النفسية يختلف في الشدة حيث كانت الدرجة المرتفعة للحالة الرابعة والحالة العاشرة، فالجدة الرابعة مصابة بمرض السكري وهي بحاجة إلى رعاية صحية متواصلة، ولديها مشاكل مع زوجها، والحالة العاشرة تعيش بمفردها لكن يزورها أسبوعيا أبناؤها وأحفادها إلا أنها تعتبر هذه الزيارات غير كافية لأنها في معظم الأحيان وحيدة. أما الدرجة المنخفضة فكانت للجدة الثامنة فهي بصحة جيدة، لديها 4 أبناء و3 بنات يزورها الأبناء البعيدون عنها بصورة متكررة وفي نفس الوقت فهي تعيش مع أحد أبنائها وأحفادها وأيضا زوجها، وتحضى بالرعاية النفسية والمادية.

وبعض المسنين مستقلون ولكنهم يتعاملون مع الآخر وكأنهم تابعون، فهم يطلبون المساندة والقرب ويزداد شعورهم بالقيمة بمجرد حضور الأبناء والأحفاد، فحين يفتقدون القدرة على أداء المهام السابقة بنفس القدرات يزداد شعورهم بالشك وفقدان الثقة. والبعض الآخر يرفضون التنازل ويعتبرونه كـ "الموت الصغير" كما يصرح البعض، أي الاعتراف بأنهم "غير قادرين".

الأجداد المنفصلون في دور الرعاية

قمنا بإجراء مقابلات عيادية مع أربع حالات بدار المسنين بمدينة مستغانم، تتراوح أعمارهم من 72 إلى 78 سنة، ذكران و أنثيان (2) متواجدان بمركز المسنين لأكثر من 3 سنوات، لكن قبل عرض النتائج ومقارنتها، نقدم –باختصار- المركز: 

مركز المسنين بمستغانم: تقع دار الأشخاص المسنين بوادي الحدائق، ببلدية صيادة دائرة "خير الدين". تم إنشاء دار الأشخاص المسنين والمعوقين بولاية مستغانم سنة 1982 وتمّ استقبال أول مقيم سنة 1983، حيث كانت آنذاك تابعة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى غاية سنة 1987 إذ أصبحت مستقلة ماليا وإداريا، تم تدشين البناية الجديدة الحالية سنة 1998 بعد أن تحوّلت القديمة إلى دار الطفولة المسعفة.

يستضيف المركز في حدود 58 مسنّا بما في ذلك حالات تعاني من أمراض عقلية وإعاقات حركية، ويتكون طقم المركز من: مدير، موظفين بيداغوجيين (أخصائية نفسانية عيادية درجة ثانية، مراقب عام، 3 مربيين رئيسيين، 25 عاملا متعاقدا ومتخصصتين عياديتين اثنتين درجة أولى وممرضة)، موظفين إداريين (مقتصد، مساعد مصالح اقتصادية، تقني في الإعلام الآلي، عمال منفذين، 7 عمال مهنيين، عمال متهيئين خارج الصنف، سائق صنف 1 وعامل مهني صنف 1)، عمال نظافة وطباخين. ولدى المركز مساحة مكيفة وفقا لاحتياجات المسنين.

وسوف نعطي لمحة عن المؤسسة مركزين على معرفة جودة الرعاية والعلاقات العاطفية داخلها وهل للمؤسسة وظيفة الحفاظ على روابط المسنين وأبنائهم وأحفادهم إن وجدوا؟

جدول 2 : سن المقيمين

المجموع

ما فوق 60

من 51 إلى 60 سنة

من 40 إلى 50 سنة

الجنس

29

16

09

04

نساء

24

19

04

01

رجال

 

 

هذا العدد متغير حسب خروج البعض عند أسرهم أو عند أسر تقبل التكفل بهم وأيضا حسب الوفيات.

نجد أربع حالات مجهولة الهوية (ثلاث نساء ورجل واحد) كما أنّ المركز يستقبل المرضى عقليا والمتشردين الذين يجهلون تارة من أين أتوا وحتى مَن هم.

وفيات الرجال أكثر منه عند النساء: لقد سجّل المركز في الفترة الممتدة من 2010 إلى 2016 وفاة عدد كبير من الرجال مقارنة بالنساء بنسبة تقدر بـ%18,51 . فقد أكد المسؤولون في المؤسسة أن ذلك يعود إلى تدهور صحتهم الجسمية بفعل التدخين والأمراض المزمنة كالسكري والضغط الدموي وغياب المراقبة الطبية.  

الحالات المدمجة : يبادر المركز بتحسيس الأسر للتكفل بالمسنّ ولقد أدمجت 26 حالة بين رجال ونساء في أسر. ويتم دمج المسنين الموجودين بدور الرعاية في أسر "كفيلة"، بعد تقديم طلب إلى المدير، تقوم المختصة النفسانية بدراسة الملف الخاص بالأسرة وبعد موافقة المسن يتم دمجه في وسط أسري ملائم وفي معظم الأحيان تكون هذه الأسر من أقاربه.

استمرت مدة البحث في هذا المركز من 27 ديسمبر 2015 إلى غاية 29 أفريل 2017. تم اختيار الحالات بطريقة قصدية تتوفر فيها ما يلي: لا يعانون من مرض عقلي ولهم أحفاد.

لم نحصل إلا على أربع حالات في دار العجزة وفق الشروط المحددة (عدم وجود مرض عقلي، لهم أبناء أو أحفاد...): أخذنا 3 أجداد أرامل وجد مطلق. فالدراسات بالجزائر[9] تشير إلى أنّ العزوبة، ووفاة الزوج أو الطلاق هي عوامل مساهمة في التواجد بدور الشيخوخة.

بعد تقديم مقياس الوحدة النفسية على الحالات الأربع حصلنا على الجدول التالي:

جدول 3: مقياس الوحدة النفسية للحالات المقيمة بدار العجزة

الحالات

جدة 1

جدة 2

جد3

جد 4

مجموع درجات الوحدة النفسية

71

69

68

72

نوع الوحدة النفسية

شديدة

شديدة

شديدة

شديدة

 

 

نلاحظ في الجدول النتائج المتحصل عليها من خلال تطبيق مقياس الوحدة النفسية للحالات المقيمة في دار العجزة، حيث كانت درجاتهم تتراوح بين 68 و71، وهذا دليل على أنهم يعانون من درجة شديدة من الوحدة النفسية. فالأسباب في رأيهم هي: انفصالهم عن أبنائهم وأحفادهم ووضعهم في المؤسسة بدلا من وجودهم في بيوتهم، إذ يعيشون هذه الوضعية بمشاعر انحطاط من قيمتهم ومكانتهم. لا تحظي دور الشيخوخة بسمعة حسنة بل تعتبر كفشل الفرد في "تأمين" شيخوخته، فالأبناء والأهل هم الذين يحمون ويحضنون آباءهم وأهاليهم، فتواجد فرد في هذه المراكز يعتبر أمرا مخلا بالكرامة وإذا كان يصلح لفرد "تيناش" أي لم يخلّف وفقير ويتيم فهو عيب وعار بالنسبة لمن له أهل وأكثر لمن له أبناء؛ وهذا عكس ما يحدث في البلدان المصنعة التي تلعب فيها المؤسسات المخصصة للمسنين دورا كبيرا في التكفل بهم دون أن يثير هذا أيّ مشكل[10].

إن هذه النتائج مرتفعة جدا مقارنة مع نتائج المجموعة السابقة (أي الأجداد مع ذويهم) وإذا قارنا الجدول رقم 1 والجدول رقم 2 نرى أنّ أعلى درجة الوحدة النفسية التي تحصل عليها الأجداد الذين يعيشون مع ذويهم لا تصل لأدنى درجة تحصلت عليها مجموعة الأجداد في المركز. فهناك اختلاف شاسع بين المجموعتين سواء في المعاش النفسي أو في الاضطرابات أو في الشعور بالنقص من القيمة و المكانة.

كما تبين لنا أن الأجداد في المركز يعانون العديد من الاضطرابات النفسية والجسمية كعدم التكيف مع الوضع الجديد والاكتئاب النفسي والأرق وقلة الاهتمامات الاجتماعية. ونجد هذه الاضطرابات في دراسة خديجة حموا علي[11].

هذه المشاعر السلبية تؤزّم الوضعية؛ لأنّ المسنّ في المؤسسة، رغم قدراته الجسمية والعقلية السليمة، يعامل "كعاجز وغير قادر"[12] والعمال هم الذين يقومون بكل شيء دون إشراكهم في النشاطات اليومية وهذا ما أشار إليه غوفمان[13] في مفهوم المؤسسة "الشمولية" (totale) التي تجرد الفرد من هويته وخصائصه وتجعله يذوب في المؤسسة. زيادة على هذا يثير تواجدهم في المركز الشفقة ونظرة "وصم" (stigma).وهذا ما يزيد من مشاعر فقدان المكانة والنظرة السلبية للحياة وقلق الموت والإحساس بالوحدة والفراغ. ولاحظنا أيضا فقدان اهتمامهم بمظهرهم وشعورهم بعدم القيمة بسبب غياب الدعم الأسري، فقد أكّد معظم المسنين شعورهم "بأنهم متخلى عنهم" من قِبَلِ الأسرة ويشعرون بفقدان الحرية. فهم متواجدون مع أناس لم يقوموا باختيارهم وعليهم التعايش معهم وخاصة مع غياب أماكن ترفيه وحدائق، وخرجات ترفيهية، الخ. كما تعاني أغلب الحالات المتواجدة في المركز من أمراض عقلية، ما يزيد من قلق الحالات المدروسة؛ إذ أنّ المرضى العقليين يذكرونهم بأنّ هذا يمكن أن يحدث لهم أيضا لأنّ الآخر يمثل مرآة لما يهددهم ربما في المستقبل القريب هذا من جهة، ومن جهة أخرى، المرضى العقليون في حالة هيجان تارة ما يزعج الأصحّاء وهم بحاجة إلى الشعور بالراحة النفسية.

أما فيما يتعلق بأبنائهم وأحفادهم: خلال المقابلات لم يبدوا أية نظرة متفائلة اتجاه أبنائهم وأحفادهم فهم يرفضون التحدث عنهم لأنهم تخلّوا عنهم، وبالتالي فإن الأجداد الذين يعيشون بعيدا عن أسرهم تسودهم مشاعر الدونية والإحساس بعدم القيمة ومحتاجون إلى من يراعي نفسيتهم واحتياجاتهم الوجدانية. كل فرد يسعى إلى أن تكون له "مكانة" في الأسرة ومجموعة من الأفراد يتداولون عليه، كونه يحلو له الحديث عن الماضي والذكريات المشتركة، "الآخرون لا يعرفونني، عمّ أتكلم مع الغرباء وما الذي يجمعنا؟"، خاصة بعد فقدان أزواجهم الذين تركوا لهم فراغا عاطفيا، أما المسنّ الذي ما زال يتمتع برعاية أسرته وأبنائه فإن هذا الوضع يعطيه شعورا بأنه قادر على العطاء وكذلك شعوره بثقة الآخرين فيه واحترامهم لرأيه ويحسّ بالمتعة أثناء تربية أحفاده أو توجيههم؛ لأنه يعتبر رعاية الأحفاد كأبوة وأمومة "جديدة" تزيده تحفيزا وقوة حياة ونشاط نفسي.

حاولنا إيجاد أهالي هؤلاء لكن لم يشأ أي أحد من أفراد الأسرة أن يجري مقابلات معنا لمعرفة مكانة الأجداد بالنسبة للأحفاد وما هي تصوراتهم لتواجد الجد أو الجدة في المركز. 

مجموعة الأحفاد: مكانة الأجداد بالنسبة للأحفاد

في هذا الجانب من دراستنا، ركزنا على الأحفاد. وقد اقتصرت الدراسة على طلبة جامعيين بلغ عددهم 40 (28 أنثى و12 ذكرا) تتراوح أعمارهم بين 17 و28 سنة من جامعة مستغانم، قمنا بتقديم أسئلة معدة مسبقا وبلغ عددها 20 سؤالا حول المحاور التالية: العلاقات الاجتماعية بين جيل الشباب والأجداد واحتياجات الأحفاد، ودور الأجداد في التعامل مع احتياجات الأحفاد ووظائف الأجداد، مكانة الأجداد داخل النسق الأسري، أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف وكيف تتم رعايتهم من طرف أجدادهم.

يتراوح عمر الأجداد بين 72 و90 سنة وعمر الآباء من 48 إلى 60 سنة، بالنسبة لهذه الفئة من الطلبة (ذكور وإناث) من بين 40 طالبا 31 طالبا يعيشون بعيدا عن أجدادهم في أسر نووية و كلّ الأجداد متقاعدون.

تبين لنا في محور العلاقات الاجتماعية بين جيل الشباب والأجداد أن 30 طالبا كانت علاقاتهم جيّدة مع أجدادهم حيث عبّر الشباب بأنهم على علاقة جيدة مع أجدادهم وأن عدد الزيارات تتراوح بين مرة واحدة في الأسبوع إلى مرتين في الشهر (حسب بعد المسافة السكنية)، خاصة في المناسبات بسبب الانشغالات المدرسية، وأن 10 من الطلبة علاقاتهم سيئة بالأجداد خاصة من جهة الأب وأن السبب هو الصراعات بين الأم و الأجداد، أو بسبب أسلوب "تفرقة الأجداد بين أبنائهم" (جنس الذكور والإناث) هذا ما تسبب في اضطراب العلاقة ما بين الأبناء وآبائهم وجعل الأحفاد يحرمون جزئيا أو كليا من أجدادهم.

احتياجات الأحفاد

تمثلت احتياجات المبحوثين نحو أجدادهم في الحاجة الاجتماعية، الحاجة القيمية، الحاجات العاطفية وأنهم محتاجون إلى النصائح. فأغلب الإجابات كانت تركز على حاجتهم إلى حكمة أجدادهم وحبهم.

  • - وفي عنصر دور الأجداد في التعامل مع احتياجات الأحفاد، كانت معظم الإجابات تركز على أنّ الأجداد هم "المساعد الثمين في التربية والدعم العاطفي لا يمكن الاستغناء عنهم".
  • - أما وظائف الأجداد فتبين أن 30 من الطلبة أكدوا على أن الوظائف تكمن في أنهم دائما حاضرون ويقدّمون الرعاية والحماية، والخبرات "رغم كلّ الأخطاء التي نرتكبها في حقهم".
  • - وفي ما يخص مكانة الأجداد داخل النسق الأسري فإنّ معظم الإجابات ركزت على أنّ لهم مكانة كبيرة فهم فخر و هم من يحيي ويحكي التراث.
  • - أوجه الاتفاق تمثلت في تلبية الطلبات، التخفيف من قسوة الوالدين احداث التوازن. أما الاختلاف فيكمن في أنهم يتدخلون في اللباس والمقارنة بين الجيلين "بكري حنا كنا ...".
  • - الرعاية تتم من خلال الزيارات، خاصة في الأعياد، السفريات والحج والعمرة، الاعتناء بهم من خلال التنزه والحمامات الطبيعية.

خاتمــة 

تبين لنا من خلال هذه النتائج بأن هناك عوامل متداخلة لا بد من أخدها بعين الاعتبار لبناء علاقة جيدة مع الأحفاد، فلا بد من تتوفر مجموعة من العناصر هي :

ـ بيئة أسرية متفهّمة يسودها الودّ و الاحترام؛

ـ أجداد يلعبون دور المربي: فمعظم الإجابات %96 أكدت أن العلاقات جيدة بالأجداد لأن فيهم صفة المربي والقدوة وأنهم يقدمون الدعم المعنوي والمادي، و%4 من المستجوبين علاقاتهم مضطربة بسبب اضطراب العلاقة بين الآباء والأجداد؛ وبالتالي فإن الأجداد يمثلون الحنان والدفء، والذكريات الحميميّة، فهم ذاكرة الإنجازات الخاصة بالأبناء وكما يقول غوردال وفليدمان[14]: "هم من يعرفون الأخطاء وهم الملاذ الوحيد الذي يمكن أن تأتمن لهم أسرارك ومن يصلون لتحقيق أحلامك ولكي تتحقق أمانيك، فهم مَن يعبّرون عن الكلمة الجميلة والمشجعة وممثلون للعطاء والفخر ويعتبرونك إمدادا لهم ويعتزون بك".

للأجداد دور كبير وفعال في الحياة الاجتماعية باعتبارهم أساس بناء الروابط الاجتماعية والأسرية، فهم نموذج رمزي للتاريخ والتقاليد والقيم الأساسية وبهم تتماسك الهوية الاجتماعية التي لا يمكن الاستغناء عنها، فهم يمثلون دور المربين والمرشدين والمستشارين والمرجع الأساسي لاستقرار الأسرة، فغياب النموذج الأبوي يعتبر مؤلما بالنسبة للشباب[15] ويمنع تكوين هوية ذكورية وأنثوية سليمة متكيفة مع الخصائص الثقافية ومع المحيط الذي يعيشون فيه. والأجداد هم صور أبوية؛ إذ يكملون صورة الأب ويصححونها عندما تكون مختلة و يعوّضون نقائصها.

ويمكن القول في الأخير أن للأسرة دور كبير في تحقيق التوافق النفسي والاجتماعي لكلّ أفراد الأسرة بشكل عام وللأجداد بشكل خاص، من خلال تقديم الدعم والمساندة الاجتماعية، فبالرغم من الرعاية المقدمة في المؤسسات الإيوائية للأجداد لكنها لم تستطع تحقيق التكيف لهذه الفئة؛ لأنها بحاجة إلى العلاقات النفسية والاجتماعية والوجدانية مع أبنائها وأحفادها نظرا للروابط البيولوجية والاجتماعية والرمزية التي تربط كل فرد بأسرته. فابتعادهم عن أبنائهم وأحفادهم يعاش كـ "عار" و"عيب"؛ إذ يقول أحدهم "مثلي مثل التيناش" (أي الأبتر = لم يلد) فهم يعيشون هذا كهجر وتخلٍّ وإهانة لهم، ما يجعلهم يعيشون في حالة نفسية مضطربة مقارنة بمن يعيشون وسط أسرتهم، إذ وجدنا أن علامات اختبار الوحدة النفسية مرتفعة جدا مقارنة مع درجاتها عند المسننين في أسرهم، لكن هذا لا يمنع من وجود بعض الأجداد الذين يعيشون مع أبنائهم وأحفادهم لكن ليست لهم السلطة وهم يعيشون مجموعة من المخاوف التي تدفع بهم إلى الشعور بالوحدة النفسية وعدم الشعور بالأمان وخاصة حين يتوفى الزوج ويصبح المسن في حالة حداد. وجود صراعات متكرّرة بين الأجداد وأبنائهم يعكر الجوّ الأسري ويقلق المسنّ. وهذه الصراعات تلوّث أيضا علاقة الأحفاد بأجدادهم كما عبّر عنه ربع (40/10) الطلبة الذي صرحوا باختلال هذه العلاقة نظرا لعدم توافق آبائهم مع الأجداد.

فهناك قواعد تحكم هذه العلاقة حتى تصبح ناجحة، قواعد يلتزم بها كلّ من الأجداد والأحفاد تحدد مدى سطحية أو عمق العلاقة بينهم وبين أحفادهم: فكلما كانت العلاقات مبنية على التواصل النفسي والاجتماعي كانت للجدّ المكانة والسلطة والعطاء العلائقي والرمزي، وكلما اضطربت العلاقة بين الأبناء والآباء (أي الأجداد) أثّر ذلك بدوره في هذه العلاقة مع الأحفاد.

أغلب الحالات المدروسة تركز على مدى أهمية الأجداد في حياة أحفادهم من جهة وتبيّن أيضا مدى أهمية الأحفاد ومكانتهم في حياة أجدادهم، وهذه النتائج مهمة وتستدعي دراسات أخرى لتعميقها كي ندرك كلّ طيات وضعية الأجداد والمسنين في الجزائر وكيفية تقوية العلاقة بينهم وبين أبنائهم وأحفادهم وتطوير البحوث في علم الشيخوخة.

المراجع

مجلات

أوموسى، ذ.(2009)، "مكانة المسنين في المجتمعات"، مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية، العدد 8، جامعة سطيف، ص. 277.

كمال، يوسف بلان ك. م. (2009)، "دراسة مقارنة لسمة القلق بين المسنين المقيمين في دور الرعاية أو مع أسرهم"، مجلة جامعة دمشق، العدد 1-2، جامعة دمشق، ص. 21.

المراجع باللغة الفرنسية

Adriaensen, M.-C. (2009), La personne âgée face au deuil, comment lui venir en aide? Un guide pour les proches et les professionnels, Bruxelles, De Boek, 1ère édition.

Attias-Donfut, C., Segalen, M. (1998), Grands Parents : la famille à travers les générations, Paris, Odile Jacob.

Cadec, B., Passin, G., Deschamps, L. (2016), La dépendance affective les personnes âgées, Paris, PUF.

Delion, P. (2007), La fonction parentale, Bruxelle, Yapaka B.

Erikson, E. (1966), Enfance et société, Neuchâtel, Delachaux et Nestlé, 2ème édition.

Fortin, B. (2000), Côtoyer la souffrance des personnes âgées, Québec, Fides.

Goffman, E. (1979), Asiles : Études sur la condition sociale des malades mentaux et autres reclus, 1961 ; traduction de Liliane et Claude Lainé, présentation, index et notes de Robert Castel, Éditions de Minuit, coll. « Le Sens Commun ».

Gordell, J., Fleiderman, A. (2000), The World's Only Grandparent Nickname Book, New York, Club Press.

Lehalle, H. (1995), Psychologie des adolescents, Paris, PUF.

Manoukian, A. (2012), Les soignants et les personnes âgées, Paris, L’Harmattan.

Mohammedi, S.-M. (2013), « Famille, développement et troisième âge : Approche comparative entre l’Algérie et le Japon », Insaniyat, n° 59, Oran, Centre de recherche en anthropologie sociale et culturelle,.CRASC.

Moutassem-Mimouni, B. (2001), Naissances et abandons en Algérie, Paris, Karthala, (réédité en 2003, Oran, Ibn Khaldoun).

Moutassem-Mimouni, B. (2013), « Les personnes âgées en Algérie et au Maghreb : enjeux de leur prise en charge », in Insaniyat, N° 59, Oran, CRASC.

Simard, M., Alary, J. (2000), Comprendre la famille, Presses de l’Université du Quebec.

معتصم-ميموني، بدرة (2015)، مائدة مستديرة حول: "الشيخوخة: بين العجز والتعجيز" (vieillesse, entre âge et âgisme)، مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران 15 فبراير. منظمة من طرف فريق البحث حول الشيخوخة بين الضفتين.

أطروحات ماجستير ودكتوراه

حمو علي، خديجة (2012)، علاقة الشعور بالوحدة النفسية الاكتئاب لدى عينة من المسنين بدار العجزة المقيمين مع ذويهم، دراسة مقارنة لـ 12 حالة، مذكرة لنيل شهادة ماجستير في علم النفس العيادي، جامعة الجزائر 2.

عثمان حسين مصطفى، مروة (2016)، الصحة النفسية للمسنين بدار الإيواء بولاية الخرطوم وعلاقتها ببعض المتغيرات، رسالة ماجستير في علم النفس الاجتماعي، جامعة الرباط الوطني.

مطاري، شارب (2010)، الفضاء المنزلي والعمل، الأساتذة الجامعيون والعلاقات الجنوسية، رسالة لنيل شهادة دكتوراه، جامعة وهران.

بن شعيبي، محمد (2009)، دراسة مونوغرافية لمؤسسة خاصة برعاية الأشخاص المسنين: ملجـأ الحاج مصطفى "العشعاشي" بمنطقة تلمسان نموذجـا، مذكرة ماجستير، جامعة تلمسان.

 


الهوامش

[1] Russell, D.-W. (2010), UCLA Loneliness Scale (Version 3): “Reliability, Validity, and Factor Structure”, p. 20-40 | Published online: 10 Jun 2010

[2] Erikson, E. (1966), Enfance et société, Neuchâtel, Delachaux et Nestlé, 2ème édition.

[3] Fortin, B. (2000), Côtoyer la souffrance des personnes âgées, Québec, Fides.

[4] Delion, P. (2007), La fonction parentale, Bruxelle, Yapaka B.

 [5]نفس المرجع السابق.

[6] Moutassem-Mimouni, B. (2001), Naissances et abandons en Algérie, Paris, Karthala, (réédité en 2003, Oran, éd. Ibn Khaldoun).

[7] Simard, M., Alary, J. (2000), Comprendre la famille, Presses de l’Université du Quebec.

 [8]مرجع مذكور سابقا.

[9] Moutassem-Mimouni, B. (2013), « Les personnes âgées en Algérie et au Maghreb: enjeux de leur prise en charge », Insaniyat, n° 59, Oran, Centre de recherche en anthropologie sociale et culturelle, CRASC.

[10] Mohammedi, S.-M. (2013), « Famille, développement et troisième âge : Approche comparative entre l’Algérie et le Japon », Insaniyat, n° 59, Oran, Centre de recherche en anthropologie sociale et culturelle, CRASC.

[11] حمو علي، خ. (2012)، "علاقة الشعور بالوحدة النفسية بالاكتئاب لدى عينة من المسنين بدار العجزة المقيمين مع ذويهم: دراسة مقارنة ل 12 حالة"، مذكرة لنيل شهادة ماجستير في علم النفس العيادي، جامعة الجزائر 2.

[12] معتصم-ميموني، بدرة (2015)، مائدة مستديرة حول: "الشيخوخة: بين العجز والتعجيز"  (vieillesse entre âge et)، مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران 15 فبراير.  منظمة من طرف فريق البحث حول الشيخوخة بين الضفتين.

[13] Goffman, E. (1979), Asiles : Études sur la condition sociale des malades mentaux et autres reclus, 1961 ; traduction de Liliane et Claude Lainé, présentation, index et notes de Robert Castel, Éditions de Minuit, coll. « Le Sens Commun ».

[14] Gordell, J. & Fleiderman, A. (2000), The World's Only Grandparent Nickname Book, New York, Club Press.

[15] مرجع مذكور سابقا.

 

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2019 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche