الشريف بن حبيلس: آراؤه واهتماماته الفكرية

إنسانيات عدد 72-73 | 2016 | الأشخاص المسنّون بين ضفّتي المتوسّط: أيّ مصير؟| ص69-90|النص الكامل


 Nafissa DOUIDA : École Normale Supérieure de Bouzaréah, Alger 16 000, Algérie.


 

شخصية الشريف بن حبيلس: من القضاء إلى التأليف

ولد الشريف بن حبيلس بضواحي مدينة قسنطينة في 25 ديسمبر 1885م، أصوله الأسرية من عائلة جزائرية عريقة ومثقفة معروفة بالمنطقة، حيث تمكن من متابعة دراسته بالمدارس الفرنسية، وتلقى تعليمه أيضــًا على يد أهم الشيوخ والمدرسين هناك من أمثال: عبد القادر المجاوي ومحمد المولود بن الموهوب، ثم انتقل إلى العاصمة لاستكمال المرحلة الجامعية، واختار دراسة تخصص الحقوق بجامعة الجزائر، وبعد إنهاء مساره الجامعي عين بسلك القضاء، ومارس مهنته متنقلاً بين عدة مدن كسطيف وغيرها، واعتبر أحد أنشط القضاة الجزائريين تكوينًا وممارسة[1].

لم يختلف بن حبيلس عن بني جيله من المثقفين ثقافة فرنسية "عصرية"، فقد كان يعيش على الطريقة الأوربية لاسيما في لباسه، وكان من الذين طالما انتبهوا إلى ضرورة محاكاة الأوربيين في نمط حياتهم، وطريقة تعاطيهم مع المناسبات الاجتماعية والثقافية المختلفة، ورغم ذلك لم نعرف تفاصيل كثيرة عن الحياة الخاصة لابن حبيلس كزوجته وأبنائه، وعلاقاته مع المحيطين به مقارنة بشخصيات أخرى مماثلة كمحمد الصالح بن جلول أو فرحات عباس مثلاً[2].

تمكن بن حبيلس من تأسيس وترؤس ودادية موظفي المحاكم المسلمة في الجزائر (Amicale du personnel des Mahakmas de l’Algérie) التي أنشئت سنة 1920م، ثم تولى منصب الأمين العام لفيدرالية النواب المسلمين بمقاطعة قسنطينة، ونشط مختلف الفعاليات الثقافية والفكرية التي عرفتها المدينة آنذاك.

كما حظي بتقدير السلطات الاستعمارية على مختلف مستوياتها، وحصل على وسام الشرف (Chevalier de la légion d’honneur) سنة 1927م، وقد نوَهت به مجلة "صوت المتواضعين" (La voix des humbles) في إحدى مقالاتها المنشورة بهذه المناسبة[3].

اهتم بن حبيلس مبكرًا بمجال السياسة، وبإبداء أفكاره السياسية، ولم يمنعه الوظيف الإداري في مهنة القضاء من التعبير بصراحة عن أفكاره الشخصية على لسان رفاقه، واهتم بالكتابة حتى وجد من اعتبره بأنه أول كاتب جزائري باللغة الفرنسية[4]، وقد كتب عدة مؤلفات منشورة استقطبت الكثير من القراء والمهتمين نذكر منها بالخصوص كتابه الأول: "الجزائر الفرنسية منظورا إليها من طرف أندجاني" (L’Algérie française vue par un indigène). وكتابه: "فرنسا في الجزائر:
إلى أين؟" (Où va la France en Algérie) الذي نشر بمناسبة الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر سنة 1930م، ونشر أيضًا بالمطبعة الرسمية كتابه الهام والدقيق: "حصيلة مئة عام لفرنسا" (Bilan de cent ans de France)[5].

وعثرنا له على كتيب بعنوان: "إلى أين وصلنا؟" (Où en sommes- nous ?)، وهو عبارة عن نشرية صدرت سنة 1931م عن ودادية القضاة التي كان يترأسها. هذا بالإضافة إلى مجموعة من الكتب القانونية المتخصصة التي أصدرها تباعًا مثل كتابه "حماية ممتلكات الأهالي القصر بالجزائر ومجلس الإدارة" (La protection des biens de mineurs indigènes en Algérie et le conseil de gérance) الذي طبع سنة 1923م. وكذا كتابه عن: "إلغاء السلطات القضائية للقضاة" (La suppression des pouvoirs juridictionnels des cadis) الصادر سنة 1925م. وله أيضًا كتيب بعنوان "الأرواح" (Ames frontières (histoire d’un déraciné)) الذي طبع سنة 1931م، كما نجده جمع تدخلاته في المجالس النيابية في كتيبه المنشور سنة 1954م بعنوان: "تدخلات (نقاشات برلمانية)" (Interventions : débats parlementaires).

وبعد اندلاع الثورة التحريرية سنة 1954م استمر بن حبيلس على نهجه في الدعوة لمشروع الاندماج على الرغم من تجاوز الزمن له، واتخذ من المجالس البرلمانية منبرًا للتعبير عن ذلك، وهذا تحديدًا ما أدى لاغتياله في أوت 1959م بفرنسا في ظروف غامضة لم يتضح الطرف المسؤول عنها، وذلك في أعقاب لقائه برئيس الحكومة المؤقتة فرحات عباس.

الشريف بن حبيلس الكاتب

فضل بن حبيلس اختيار عنوان مثير وجريء لكتابه الأول، وهو "الجزائر الفرنسية منظورا إليها من طرف أندجاني" (L’Algérie française vue par un indigène)، وحسب ما يبدو فإن الطبعة الأولى والوحيدة للكتاب هي تلك الصادرة عن المطبعة الشرقية للإخوة فونتانـا بالجزائر العاصمة سنة 1914م، والتي جاءت في شكل مجلد متوسط الحجم من 195 صفحة.

كتب تقديم الكتاب "جورج مارسي" (Georges Marçais) مدير مدرسة تلمسان وصديق المؤلف، وتضمن التقديم مسائل هامة خصت موضوعات الكتاب، كما أشاد فيه بصديقه وبأفكاره.

وقد حظي الكتاب بالاهتمام والعناية من الجزائريين والفرنسيين على السواء، فقد اعتبره أحد الباحثين المعاصرين بمثابة "العلامة الأخيرة البارزة في النشاط الفكري والأدبي للشبان في مرحلة صعود نشاطهم الاجتماعي والسياسي"[6].

أما عن محتوى الكتاب فقد ضم قسمين: الأول تضمن: مقدمة وسبعة فصول وخاتمة، والقسم الثاني احتوى اقتباسًا لبعض محاضرات وخطب الشيخ المولود بن الموهوب (أستاذ الدراسات الإسلامية بالمدرسة الإسلامية ومفتي المالكية بقسنطينة) ألقاها باللغة العربية في مناسبات عديدة بنادي صالح باي[7].

وتمثل الهدف من عرض الجزء الثاني هو إعطاء نموذج للنشاط "الإسلامي" السائد في تلك الفترة، والذي حملت لواءه حركة الشبان في بدايات القرن، ويمكن اعتبار أن هذا الملحق المهم كان للتدليل والاستشهاد على أفكاره السابقة والواردة في القسم الأول (وسنخصها لاحقًا بملخص عن محتواها).

وبالعودة لكتاب بن حبيلس فقد استهله بمقولة نسبها لجريدة "الوقت" (Le Temps) الفرنسية (من غير أن يذكر تاريخها) مفادها: "تحضير وتعليم الأهالي، إنه بالتأكيد تقريبهم منا"[8]، وهذه العبارة لخصت تقريبًا مضمون الكتاب الذي تمحور حول "التقارب" الإنساني بين المسلمين والأوروبيين، حيث حاول الكاتب من خلال هذا المؤلف طرح العديد من قضايا الساعة، واستوفى دراستها وفق وجهة نظره الشخصية كمثقف من "الأهالي" تشبع بالثقافة الغربية.

وقد برر الكاتب في البداية أسباب تأليفه لهذا الكتاب بقوله في المقدمة: "إن هذا الحكم هو اعتراف (Confession) خجول لشاب جزائري من الأهالي تربى على مقاعد المدرسة الفرنسية، والذي يحب بعمق تسمية "فرنسي"، وأرجع الفضل للإدارة الفرنسية في تعليمه وتكوينه، وقال إنه يدين لها بالامتنان، وهو بذلك "لا يريد تجريح من أسدى له الجميل على غرار ما يفعله بعض ناكري المعروف، ولا يتملق الأقوياء ممن طوعت لهم الأمور يومًا"، إنه يتمنى ببساطة أن "يبرهن على وفائه للجميل عن طريق الإسهام بوضع لبنته في البناء الشامخ الذي تشيده الجمهورية الثالثة بالجزائر؛ أحيانًا بتسرع وحرارة؛ لكن غالبًا بنجاح ودائمًا بسخاء".

وختم في الأخير هذا التقديم بقوله: "إن هذه الشهادة ستكون البرهان الأمثل لمقابلة المعروف بكل صدق"[9]، وحاول بن حبيلس أن يعبر عن وفائه لأساتذته ومسؤوليه من دون أية أحكام مسبقة؛ بل اعتبره إخلاصا مشروعا لأصحاب الفضل عليه، وهذا الامتنان اللامحدود قد عبر عنه كثير من المثقفين الجزائريين المفرنسين لأنهم حرصوا على إثبات حضورهم وسط مجتمعهم بفضل مكاسب المدرسة الفرنسية[10].

الاهتمامات الفكرية للشريف بن حبيلس

وضح بن حبيلس وجهة نظره في الكثير من المواضيع والقضايا التي كانت تعنيه وتندرج ضمن اهتماماته الفكرية، وقد تطرق إليها في مؤلفاته لاسيما منها كتابه الأول. وبعيدًا عن المنهج الذي اتبعه والقائم على تكرار نفس الأفكار في عدة مواضع، وكذا عدم التركيز على تصنيف وتصفيف المادة المعروضة كما يجب؛ فإنه تميز بالأسلوب الجيد، وبالسلاسة والوضوح في الطرح. وسنحاول دراسة أبرز الآراء والمواقف التي تناولها بن حبيلس في كتابه.

على المستوى السياسي

في بدايات القرن العشرين لم يكن من السهل على الجزائريين التوصل لصيغة مثلى وأسلوب فعال يعبر عن مطالبهم وانشغالاتهم[11]، ولذلك جاء الحراك النهضوي بطيئا زمنيًا؛ ولكنه كان متنوع الوسائل، بدءًا باللوائح والعرائض والوفود، ثم المحاضرات والنشاط الصحفي والجمعوي والنقابي، وأخيرًا عبر تشكيل الأحزاب والمنظمات وغيرها في العشرينات والثلاثينات. وعمومـًا نشطت مجموعة الشبان (وضمنها بن حبيلس) في تلك المجالات[12]، ومن المواضيع المناقشة ذات الطابع السياسي نجد مثلاً:

مشروع الاندماج وآلياته (فلسفة التقارب)[13]

وضح بن حبيلس في الكثير من المناسبات رؤيته لمفهوم الاندماج (Assimilation)، وسماه أحيانًا بالتقارب (Rapprochement)، وانبنت أفكاره عمومًا على ضرورة التوصل إلى مرحلة مرضية من "التعايش الإنساني" المفترض بين المجتمعين الجزائري والفرنسي[14].   

وانطلق بن حبيلس في دعم مشروع الاندماج من منطق غريب مفاده ضرورة التعاون المتبادل، فأكد: "أن هذا التعاون أفضل وسيلة لتحقيق التقارب المرغوب، وهل بإمكان أحدهم أن يجرؤ على نكران هذا الإنجاز العظيم؟، ولعل أفكاره تلك قد توافقت مع أفكار زميله رابح زناتي الذي كتب قائلاً: "إن الهدف قبل كل شيء هو الفرنسة؛ يعني منحنا الروح الفرنسية والعقلية (التفكير) الغربية"[15].

وواصل بن حبيلس تحليله (الطوباوي) بتخيل مصير الجزائر المستعمرة في ظل الوجود الاستعماري؛ فقال: "إن الاستعمار حقق الثراء للبعض، ووفر الرخاء للبعض الآخر؛ لكنه نجح في إعطاء الأغلبية حياة أفضل، وعناية صحية أحسن، وقَلَب أوضاع الأهالي رأسًا على عقب، وأخرجهم من خمولهم الموروث، وحبب لهم العمل والنشاط"[16]، وحتمـًا كان يقصد استفادة فئة النخبة دون غيرها من المنجزات "الحضارية" للمستعمر.

وحاول الكاتب إقناع الجزائريين بمهمة الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وبأنه يتوجب عليهم الرضوخ لإرادته مادام يسعى لخيرهم. لكن هذا الإقناع جاء في صيغة إنسانية ذات بعد روحاني؛ فقد كتب: "إن الرضوخ للاستعمار لن يعتريه أي شعور بالندم؛ بل بالعكس هو شعور نبيل يشع بالإعجاب والتقدير، ويتوجب معرفة ما هو نصيب الأهالي من إيجابيات الاستعمار ما داموا قد خدموه بإخلاص؛ فهو وإن لم يقضِ على الفوارق المادية والمعنوية بين الشعبين، لم يخلق عراقيل جديدة؛ لأنه أحدث فئة جديدة من الأهالي تحظى بالامتيازات"[17].

ولم يفصل الكاتب في مدى انسجام المجتمع الجزائري نتيجة هذا الخلل الطبقي الذي استحدثه المستعمر، ولم يحدد قيمة تلك العلاقة القائمة على مبدإ "الاستغلالية" بين الغازي والسكان الأصليين، وهذا على عكس زميله رابح زناتي مثلاً الذي كان يرى الجزائر تلك "المستعمرة المقهورة" لكون سكانها المسلمين لم يصيروا فرنسيين بعد[18]، وقد لخص قناعاته بهذا الخصوص في قوله " إن طموحنا على المستوى الشخصي حول سياسة الأهالي هو القضاء وبسرعة على كل الفوارق الموجودة، والتي يتخذ منها بعض الأشخاص عائقاً يمنع تكوين شعب فرنسي حقيقة على هذه الأرض الجزائرية"[19].

لكن المؤلف لم يشرح أيضـًا قصده من المقابل الذي كافأ به المستعمر سواعد وجهود الجزائريين؛ رغم أنه تحدث مباشرة بعدها عن آلاف البدو الرحل الذين طردوا نحو الجنوب بعد الاستيلاء على أراضيهم، ومصادر رزقهم، وبرر ذلك بقوله: "إن هذا المشكل الخطير كان يقُض مضجع الإدارة الجزائرية المكلفة بالمحافظة على إحداث التوازن بين عناصر سكان المستعمرة"[20]، وبالتالي هو لم يجازف بطرح الموضوع، واكتفى بالإشارة إلى إمكانية الحديث عن ذلك مستقبلاً قائلاً: "ربما سيأتي اليوم الذي نكتسب فيه الخبرة، وتنضج أفكارنا بفعل مرور السنين، وبالتالي نتمكن من البوح بالحقيقة، ونحن سنعمل أثناءها على توضيح ماذا وكيف كان الاستعمار الأداة المثلى للتقارب: ذلك هو هدفنا"[21].

وتحدث الكاتب عن موقف الشاب المسلم ذي النسب المرموق أمام تنكر وسطه له الذي أطلق عليه اسم: الأرستقراطية البرجوازية (القسنطينية) القديمة التي تسمي نفسها أولاد لبلاد. وكتب على لسان هؤلاء الشباب في استنتاج مؤكد للحقيقة حسبه ما يلي: "سوف يضمحل هذا الشعب شيئًا فشيئًا، ويذوب في صلب العائلة الفرنسية الكبيرة، وحينئذ فإن البرجوازية المهانة، والتي تلتهب غيرة وأسفًـا على الفرص الضائعة؛ سوف تسرع لدخول ذلك البناء الفاخر الذي لم تسهم في تشييده، ويا ليتها تجد أبوابه موصدة مكتوب عليها: لم نعد هنا (On n’est plus ici)، وهي أمنية واحد من أفرادها الذين تنكروا لها، وهو يرجو من أعماق قلبه أن تتحقق"[22]. وقد بالغ بن حبيلس في هذه الأماني الحالمة البعيدة عن معطيات الواقع حينها.

مسألة التجنيس

حاول المؤلف أن يعطي مسألة التجنيس بالجنسية الفرنسية مكاناً مقنعاً في قاموس الجزائريين[23]؛ فخاطبهم قائلاً: "إن التجنيس فعل يقبله مبدئيًا كل أفراد النخبة ممن يعتقد أن الإحساس -الواجب- الديني مجرد قناعة شخصية[24]، لأنه أراد أن يثبت فعليًا أن التجنيس - وبالتالي التخلي عن الأحوال الشخصية- لا يتناقض مع الغاية السامية للدين!. وربما هو يقصد الإيمان والاستقرار الروحي الباطني الذي يوفره الالتزام الديني فحسب.

وبالمقابل اعترف بن حبيلس بصادقِِ بأن "القلة القليلة من الشباب تطلب الجنسية نظرًا للعراقيل الكثيرة التي تواجهها: فبالنسبة للأغلبية منها تحول الأسباب العائلية دون ذلك، ومن يستطيع وصف حالة التردد، وإنكار الإحساس بالقلق؛ اللذين كانا يخالجان معظمهم قبل اتخاذ قرار مثل ذلك، وهو قرار من شأنه أن يفصلهم إلى الأبد عن العائلة المسلمة الجزائرية... حين تصبح تسمية مطورني (M’tourni) ثمرة هذا الحكم؛ رغم أن اختيارهم الانضمام لجماعة أخرى -الجماعة الفرنسية- لن يكون على أساس ديني؛ فإنهم يعتبرون كفارًا لدى أهاليهم دون النظر لما يتمتعون به من إيمان صادق"[25]. وفي هذا القول أبلغ تعبير عن حالة المتجنس، وتصرف محيطه الجزائري المزدري له، وقد يكون نفسه مر بتلك الحال. وعمومًا ليس من السهل الحكم على حقيقة خيار النخبة في الرغبة في أن يصيروا فرنسيين، وعن تغييرهم لتلك الفكرة بعد رفضهم من قبل مجتمعهم[26].

الأمن في الجزائر

أبدى الكاتب تذمره من فترة ما قبل الاحتلال الفرنسي، حيث عرفت الجزائر نشوب النزاعات القبلية، وخضع فيها السكان للعصابات وقطاع الطرق فقال عن ذلك: "لقد تحولت الجزائر إلى وكر حقيقي للقراصنة، وقطاع الطرق في أغلب فترات الإخضاع السابقة؛ فهي لم تعرف توقفـًا عن السلب والنهب؛ إلا يوم أصبحت هذه الأرض فرنسية"[27]، وهي إشادة واضحة بالوجود الفرنسيفي الجزائر مقابل سخط دفين تجاه النظام القديم (سواءً للسلطة التركية العثمانية، أو حتى للسلطة القبلية التقليدية)، ولا تخفى محاولة الكاتب استنكار ظروف الفترة السابقة للاحتلال تحت مبرر انعدام الأمن.

وأعطى أمثلة عن تلك الفترة التي خلت من الأمن والاستقرار مستحضراً تجربة حية عرفتها نواحي مدينة قسنطينة، وقارنها في نفس الوقت بالروايات الشفوية المتوارثة في أوساط الجزائريين، والتي تغنى مضمونها بالأمجاد السالفة، ورَثَت الزمن الماضي "الجميل"؛ بل ولعنت الحاضر الذي انتصر فيه الكفر على حساب الإسلام؛ فقال عن تلك المفارقة: "أولئك الذين عايشوا تلك الفترة، وشهدوا على الخراب الذي بثه بوعكاز أمير فرجيوة في المنطقة قبل الاحتلال وبعده -بتواطؤ قوات المستعمر- هؤلاء لازالوا يرتعبون لتلك الذكريات. لكن هذا لا ينفي الآن الانتقال وسط الحقول دون الخوف من التعرض لسوء"[28]، وهو تحيز جلي لعهد الاحتلال، ونجده بالمقابل عقَب على المعارضين لرأيه مقارناً فقال:"إن الذين يفاضلون بين ما قبل 1830م، وما بعدها من غير إثبات صحة وجهة نظرهم هم محرفون للحقائق، مدافعون عن إخوانهم في الدين فقط"[29].

واستغل بن حبيلس المناسبة لمدح فرنسا بكثير من الإطراء؛ ذلك لأنها تمكنت من إحلال الأمن والاستقرار في الجزائر: "لقد تراجعت السرقة والاعتداءات بشكل لا يمكن تجاهله، وبالتالي فإنه وسيلة لتبرير تقاربنا [...]؛ بل إن إحلال الأمن يمثل إنجازًا عظيمًا يجني الأهالي فوائده الاقتصادية، وهو سبب مقنع يجب أن يدفعهم لإجلال فرنسا؛ كما أن تدعيم الاستقرار، وتوسيع رقعته يعني العمل بثبات لتحقيق اندماج إخواننا"[30].

وأرجع المؤلف قضية استتباب الأمن بالجزائر للجهود التي بذلتها الإدارة الفرنسية؛ فبعد انطفاء آخر مقاومة شعبية ساد نوع من الجمود والرتابة الظاهرية على الجزائريين، وخاصة في المدن؛ لأن الأرياف واصلت رفضها للوجود الأجنبي بكل الوسائل، وأضعفها إيمانًا المقاطعة والانكماش على الذات. أما بالمدن فإن موجة جديدة من الديناميكية بدأت تتخمر مع نهايات القرن 19م لاسيما في المدن الكبرى، أعطت في ظاهرها انطباعـًا بالهدوء؛ بينما تفاعلها الداخلي سيبعث نشاطًا غريبًا على المدى القريب جدًا.

كما ناقش بن حبيلس مواضيع أخرى هامة حيث أبدى مثلا امتعاضه من تعسف تطبيق قانون "الأهالي" فقال: "نعم إن قانون الأهالي حين يطبق بنزاهة يعتبر مكسبًا، وضمانًا للأمن العمومي، وقد أسفر في مناطق عديدة عن نتائج حسنة"[31]. لكنه لم يذكر أي المناطق تلك التي استفادت من قانون الأهالي.

على المستوى الاقتصادي والاجتماعي

حظيت القضايا الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بالجزائر باهتمام بن حبيلس (والنخبة المفرنسة إجمالاً)، إذ تطرق بكثير من الشرح والتحليل لحال الفلاح الجزائري، وأبرز علاقته بالإدارة الاستعمارية، وعرف بالمشاكل والعوائق "المفتعلة" التي تمنع وتؤخر تحقق مشروع الاندماج، ومنها على الخصوص ظاهرة الرشوة والفساد الإداري والربا... الخ.

الاهتمام بالفلاح[32]

ركز الكاتب اهتمامه على فئة الفلاحين، وحمَلها مسؤولية كبيرة، بل أوكل لها مهمة نجاح المخطط الاستعماري. واعترف من جانب آخر بجهود الفلاح الجزائري (وباقي الفئات الحرفية الأخرى) في تطوير البلاد وتحقيق التنمية الاقتصادية المطلوبة. ومما كتب بهذا الخصوص ما يلي: "إن التطور الذي يعرفه المجتمع الجزائري خلال العشرية الأولى من القرن 20م، والموسوم برخاء غير مسبوق مردَه تضافر جهود الموظفين والصناعيين والتجار والفلاحين دون تفريق على أساس الجنس أو الدين، وقد استفاد الفلاح الجزائري من هذا التطور رغم حرمانه من بعض الامتيازات"[33].

كما وصف بن حبيلس الإدارة الفرنسية بالجزائر بكونها "حامية المصالح العليا للجزائريين"، وطلب منها "إصلاح نظام الخماسة، وذلك باتخاذ إجراءات صارمة لمنع استغلال الفلاحين، وبأن لا يستعمل ملاك الأراضي سوى الأجراء اليوميين، وأن تفكر المصالح الفلاحية في تشكيل تعاونيات إنتاجية واستهلاكية من الفلاحين أنفسهم يكون هدفها تلبية المتطلبات الضرورية للفلاح بأسعار معقولة، وبذلك يتغير نظام الخماسة بفعل تغير علاقات الإنتاج"[34].

واعتبر بن حبيلس "أن صندوق الاحتياط الفلاحي من أهم المؤسسات التي تعمل لصالح الفلاحين الأهالي، والتي يمكن أن تعقد عليها الكثير من الآمال في حل مشاكل الفلاحين، ويجب توسيع انتشار هذه المؤسسات على المستويات المحلية، وهي خطوة ستكون هامة في سبيل التعاضد بين الفلاحين الذين من المفروض أن يكونوا من أوائل المساندين لفكرة التعاضديات باعتبار أن الإسلام يدعو إلى هذه المبادئ الاشتراكية"[35].

وبعد تعرضه لتحديث التقنية، وتطوير أساليب المكننة؛ خلص إلى تحديد وحصر نتائجها على الحياة اليومية للجزائريين، ومما كتب: "لقد حقق الاستعمار نتائج هائلة بالتغيير الكلي للوسائل التقنية الزراعية، وزاد من قطعان الماشية ومردودها، ورفع أجور العمال والفلاحين في الحقول، واستصلح الأراضي، أو بكلمة واحدة: زيادة الثروة العامة؛ بدون الحديث عن الطرق، ومجاري الصرف، والسكك الحديدية التي تم شقها، والتي تعتبر لوحدها عاملاً حضاريًا هامًا. كل ذلك أثر على ذهنية الأهلي وروحه"[36]. وفي كل مرة كان بن حبيلس يعود لطرح قضية "الفلاح البسيط الكادح والطّيع:
Fellah simple, laborieux et docile"[37].

ونجده قد نصح -مغالياً- إخوانه الأهالي بالتريث في معاملاتهم، والصبرفي نيل حقوقهم فقال: "ما الذي يضر أولئك المستعجلين للإجراءات الإدارية البطيئة؛ لو انتظر الأهلي قرنًا أو قرنين إضافيين في كنف السلم والطمأنينة التي زرعتهما الجمهورية الثالثة في أرض شمال إفريقيا؟"[38]. وبدا الكاتب مطمئناً للنتائج المنتظر تحقيقها لاحقاً من طرف السلطة الفرنسية.

وفي سياق متصل نجده اقترح تشجيع الهجرة إلى فرنسا نظرًا للنتائج التي يفرزها احتكاك "الأهالي" بإخوانهم الفرنسيين في فرنسا، والتي ستنعكس إيجابًا على إخوانهم بالجزائر فقال: "عندما يتم اتصالهم بإخوانهم وراء البحار في المصانع والورشات؛ فسوف يكوّنون فكرة حقيقية عن قوة فرنسا، وسينشرون هذه الفكرة لا محالة عند رجوعهم إلى الجزائر؛ بفضل خيالهم الواسع، ومن جهة أخرى سيخلق ذلك منافسة مع العمال القادمين من ألمانيا وإسبانيا وبلجيكا وإيطاليا، وبالتالي يحافظوا على العملة الفرنسية في فرنسا، كما يساعدهم ذلك على تحسين أوضاعهم المعيشية، ويمكنهم من أن يدخروا قدراً من المال"[39].

ونجده قد أشفق على فئة الفلاحين "لأنهم يقدمون للمدرسة الفرنسية تلاميذ نجباء مستعدون للاندماج مثل آبائهم"؛ كما أنه "في الأوساط الشعبية نعثر على العناصر التي يسهل إدماجها، والشعب وحده يمكن أن يرتمي في أحضان أمه بدون أفكار مسبقة، ووحده يمكن أن يمد يدًا نزيهة وصريحة لأبنائه؛ لأن ذلك السلوك لا يخلق في نفسه أدنى شعور بالندم على الماضي الذي وليّ، ولا على الحاضر، ولأنه لا يحسن إخفاء الحقيقة بالأقنعة. إنه اليوم لا يكره المنتصر؛ الذي لم يكن يحبه بالأمس، ولكن إذا عرفت الأمة كيف تواصل إنجازها بسخاء ففي استطاعتها السيطرة عليه تماما"[40]

قضية الفساد الإداري في الجزائر

عبر الكاتب عن ثنائه اللامحدود للإدارة الاستعمارية، ونبه إلى ضرورة أن تحظى باحترام الجزائريين فقال: "إن الإدارة هي حامية الرعايا الأهالي، وبأن أغلى الأمنيات ستتحقق يوم تتحالف الأفكار والطموحات والمشاعر، ولاحقًا أواصر الدم في شمال إفريقيا؛ تلك الأسس التي وضع قواعدها أمثال: بيجو (Bugeaud)، تيرمان (Tirman)، جونار (Jonnart)، ليتو (Lutaud)"[41]. ولم يوضح بن حبيلس الأسس الضرورية للتعاون المأمول، ولا جهود من ذكرهم في سبيل إيجاد حلول أفضل.

وأرجع الكاتب أسباب انحطاط الإسلام إلى عامل واحد هو الرشوة، وبأنها هي التي حرفت مبادئه النبيلة والحكيمة عن مواضعها، ولم يشك أبدًا في احتمال وجود فكر عصري تقدمي يستعمل اللغة العربية. كما لم يرَ أي تناقض بين المبادئ الإسلامية - وهو القاضي المتفقه في الأحكام القانونية والدينية- وبين ما تلقاه من معلميه الفرنسيين. إن الإسلام - كما قال - "قد دعا إلى البحث العلمي المؤدي إلى الحقيقة أنَى كانت، وهو أيضًا من المسلَمات التي سمحت للأوائل بمعرفة مستوجبات الدين الحق المعارِضة للتعصب"[42]. وهنا تبدو سماحة الكاتب مفتعلة هدفت أساسًا إلى عدم إثارة مشاعر عداء إخوانه المسلمين.

قيمة العمـل

تحيز بن حبيلس ودافع عن إخوانه المسلمين عندما أكد أنهم لم يحصلوا بعد على مقابل خدماتهم، وأكد على ضرورة نيلهم حقوقهم المترتبة عن العمل، وطالب السلطة بتطبيق مبدأ التساوي في الأجور من منطلق التساوي في قيمة العمل نفسه. ولم يكتف بن حبيلس بهذا المطلب المؤدي لتحقيق العدالة الاجتماعية؛ بل رأى أنه ركن هام لإقرار الأمن في الجزائر، ونجده كتب بهذا الخصوص: "إن هذا الجور الناجم عن حرمان الإدارة للأهالي من المساواة في الأجور؛ مادام عملهم مساويًا لعمل الآخرين -المعمرين- جور ينبغي رفعه عن الجزائريين، وأن تطبق قاعدة لكلٍ حسب كفاءته في العمل"[43]، وهو استنتاج منطقي ومقبول في حال مجتمع غير مستعمَر، ويتمتع بحد أدنى من الممارسة الإنسانية الحرة.

وشرح قضية انتشار الرشوة، وبيَن آثارها في المجتمع في قوله: "لابد من الحرص على عدم منح الرتب والتعيينات - ويقصد خاصة فئة القياد- سوى للعناصر التي تستحق بواسطة كفاءتها وولائها للسلطات العمومية، ويجب محاربة آفة الرشوة التي يتقاضاها هؤلاء من الأهالي بهدف الوصول إلى الثراء السريع، وذلك باستعمال جميع الإجراءات الإدارية ضدهم لأنهم يسهمون في بؤس الشعب وشقائه"[44]. وهي إشارة دقيقة لبعض الجوانب الخفية في طريقة تولي المناصب الإدارية.

كان بن حبيلس على يقين بقدرة "شعبه" على إحداث التغيير الذاتي الإيجابي الذي سيؤهله حتما للتطور، وفسر حالة الجهل والبؤس التي عكست التخلف المادي والفكري للجزائريين في كونها حالة عابرة سرعان ما سيتخلصون منها؛ لأنها ليست متأصلة فيهم. فالأهالي في نظره "ليسوا كتلة جامدة ومستعصية منذ ثمانين سنة، فلقد قدموا ما كان منتظرا منهم".

وصنف بن حبيلس في هذا الصدد إخوانه الجزائريين إلى قسمين: الأول "تراهم مندفعين مقبلين على العمل وقد أبهرهم نمط المعيشة الجديد في بعض نواحي المستعمرة". والثاني "تجدهم في نواحي أخرى من الحياة عديمي الإحساس وكسالى وغير مبالين بشيء". وختم وصفه ذاك بتساؤل غريب: "ما قيمة قرن من الزمن بالنسبة لمسار التطور الفكري لدى شعب من الشعوب؟"[45].

على المستوى الثقافي والديني

انبنت أفكار الكتاب وتمحورت حول هدف واحد كما أسلفنا وهو طُرق إحداث التقارب والاندماج، وركز في المجالين الثقافي والديني على دور المدرسة في المجتمع وعلى "الانفتاح" الديني.

قضايا التعليم

باتت المدرسة في نظر بن حبيلس (والنخبة) وسيلة فعالة تسهم في تحقيق الهدف؛ فقد أبدى تفاؤلاً في قوله: "إن الوحدة الضرورية بين الأهالي والأوروبيين ستكون قريبة المنال"[46]. وأكد على حاجة الإدارة للجزائريين المتعلمين فكتب: "في البداية تحتاج الحكومة لمجموع موظفين من الأهالي غير مؤهلين بعد لمختلف المناصب [..]ما يفرض عليها تعليمهم وتكوينهم أولاً"[47].

واستطرد: "لكن ما هو هذا التعليم المطلوب؟، وكيف ستستقبله جموع الأهالي؟، وأخيرًا ما هي نتائجه؟"[48]. وباشر الكاتب الإجابة عن تلك الأسئلة مبرزًا الجهود الفرنسية في سبيل ترقية التعليم، ومدح نواياها الحسنة إزاء ذلك، ليخلص في الأخير إلى نتيجة جد ملفتة للنظر، وهي ضرورة: "تبيان التطور المنجز خلال 84 سنة منذ أن رفرفت الراية الثلاثية الألوان -أي الفرنسية- على الأرض الجزائرية"[49] .

ووصف بن حبيلس هذا التطور بأنه حاسم: "ماذا تعني ثمانون سنة في عمر التطور الفكري لشعب من الشعوب؛ فالتطور باتجاه مملكة الفكر الفرنسي تتم بواسطة المحاربة المنظمة للجهل، والإكثار من عدد المدارس المخصصة لتعليم الأهالي"[50].

وبلغة الأرقام قدم شرحًا أكثر للإجابة عن الأسئلة السابقة فقال: "لقد أحصينا بين سنتي 1877م و1911م: 450 مثقفــًا من خمسة ملايين أهلي، ومن بين الـ 450 يجب أن نحسب بعض الأميين المسلمين"[51]، وتابع: "إن العيوب والنقائص التي تميز الأهالي، والتي مردها إلى الجهل والبؤس ليست متأصلة فيهم؛ ذلك أن العنصر العربي لا ينتمي إلى جنس منحط غير قابل للتعلم"، وكان يقصد أن الجزائريين القلائل الذين استفادوا ظاهريًا من التعليم الفرنسي لم يحظوا بالترقية المدنية المأمولة.

وحث الجزائريين-حالماً-على ضرورة تحصيل العلم من أجل التخلص من الإرث المتخلف والثقيل الذي يقف عائقاً أمام إدخالهم العائلة الفرنسية، والذي وصفه بالواجب المفروض عليهم من باب الاعتراف ورد الجميل لفرنسا فقال: "ليس لهذا الشعب البائس أي شيء يخسره؛ بل سيربح كل شيء حين يصبح فرنسيًا. إنه شعب بسيط وطيب، وسوف يكون طيَعاً بسبب الاعتراف بالجميل؛ لكن العقبة الوحيدة الموجودة هي ذلك الكمَ الهائل من الأحكام المسبقة الموروثة التي سوف يقضي عليها التعليم، عندما يتعلم الإنسان على مقاعد المدرسة الفرنسية سيتم كسبه"[52]. ولاشك أن المفارقة واضحة لدى بن حبيلس بين الاندماج عن طريق التجنس، وبيَن محاولة إثبات الذات "الأهلية" بواسطة التعليم.

قضية الأحوال الشخصية للجزائريين

فسر الكاتب تصوره لأهمية اشتراك الأمة في العامل الديني فيما يلي: "هل المقصود من عبارة الجامعة الإسلامية (Le panislamisme) هو الدلالة على مشاعر المحبة التي يكنها البدوي في سطيف لأخيه بالمدينة؟، إذا كان الرد بالإيجاب فلا يوجد ثمة أمر طبيعي أكثر من الود الذي نحسَه تجاه شخص يفكر مثلنا، ويحمل نفس المشاعر الأخلاقية، ونفس التقوى الدينية، ويخفق قلبه بنفس المشاعر الداخلية، ويستجيب لنفس التعليمات الإلهية؛ خاصة إذا لم يكن هناك واقع يفصلنا عنه. أليست هذه حال المسلمين جميعًا، وحال المسيحيين، واليهود؟؟"[53]. ونلاحظ هنا أن الرجل قد عمل على تأويل وتفسير مضمون حركة الجامعة الإسلامية التي كانت تناضل لأجل دعم الدولة العثمانية في مواجهة التحالفات الأوربية.

وعرض المؤلف أمثلة لذلك مجسَدة في شخص "مختار حاج سعيد[54] أحد أكثر الشباب الجزائري إخلاصًا؛ كان يرد على المعادين للعرب قائلاً: نحن لا نملك مواطنين اثنين؛ فاسطنبول والخلافة تمثل بالنسبة لنا نحن المسلمين ما تمثله روما والبابا بالنسبة للمسيحيين لا أكثر، هذا ما يؤكد أنه ما عدا الود الحقيقي الناجم عن الديانة المشتركة؛ فليس ثمة ما يجمع بيننا، وبين الأتراك، والفرس، أو المصريين"[55].

نظرته للمستعمر

إن تعلق المؤلف بالمستعمر يبدو -عن غير قصد- مبالغًا فيه؛ فهو لا يفتأ يمدح مآثر فرنسا، ويعدد أفضالها على "الأهالي"، ويستعرض منجزاتها بالجزائر؛ مستغلاً في ذلك كل مناسبة وأي ظرف بل كل موضوع للثناء عليها، والتنويه بميزاتها مقابل إبداء مقته الذات "الأهلية"، وعتابه عليها في المعادلة الحالمة: "عشق الآخر وكره الذات"[56]، والتي نفهم بواسطتها أن مبالغته في عواطفه تجاه فرنسا تدل على طوباويته (Utopie) بدليل قوله: "في الحقول وفي كل الأوقات: أثناء الأمطار الجليدية لشهر جانفي كما في موجات الحرارة المحرقة لشهر جويلية لا يوجد سوى معمر وأهلي [..] لا يوجد في أي مكان آخر صداقة وحميمية أكثر تعبيرًا من الرجلين اللذين يتقاسمان كل شيء، وقد جمعهما القدر جنبًا إلى جنب"[57]. ومن جهة أخرى تساءل الكاتب متسلحــًا بفلسفة الواقع قائلاً: "ما مصير المعمر بدون وجود الأهلي؟؛ بل ما مصير الأهلي بلا معمر؟.
من دفع هؤلاء الأهالي البسطاء الخاملين إلى النشاط والعمل إن لم يكن المعمر الأوروبي؟"[58]. وفاته أن يحدد من المستفيد في النهاية من العمل؟.

ندد الكاتب بالمتعصبين من الجزائريين "الأهالي"، وهو يقصد البرجوازيين منهم والقياد وأعوان السلطة، ونصحهم بالابتعاد عن الكسل، والأنانية، وعن المظاهر البراقة قائلاً: "أيها الارستقراطيون: إن المال بين أيديكم، وهو سلاح الأقوياء؛ فلا تركنوا إلى مظاهر الانحطاط. إن تقاليدكم وأعرافكم اختراع بشري، ومثل كل الاختراعات الإنسانية منها ما هو أخلاقي، وما هو غير أخلاقي. ابتعـدوا عن كل ما من شأنه أن ينزلكم إلى مستوى البهائم؛ فكرامة الإنسان أسمى من النزوات، وأنبل من الأحاسيس الهمجية: قرون من الانحطاط تكفي!!"[59]. وهذه الصرخة الأخيرة مثلت خلاصة تقييمية لحال الجزائر آنذاك.

ملحق الكتاب

وفيما تعلق بالملحق الهام الذي تضمنه كتاب بن حبيلس، والذي يخص اقتباسات مهمة عن خطب ومحاضرات الشيخ المولود بن الموهوب فقد أوردها بن حبيلس مترجمة باللغة الفرنسية، وكان قد نُشر بعضها على صفحات بعض الجرائد مثل كوكب إفريقيا، وتضمنت تلك المحاضرات إجمالاً الخوض في موضوعات عدة كانت محورًا للنقاش والجدل بين المثقفين، وكانت ذات صلة بأفكار محاور الكتاب.

ونذكر من تلك المواضيع مثلاً علاقة الأهالي والحضارة الأوربية، ودار محتواها عن المساعي الفرنسية في المجال "الإنساني" بالجزائر، ومما جاء فيها المقتطف التالي: "... إننا نلاحظ أن الأمة المتحضرة هي التي يتقاسم أناسها مشاعر اللطف والعكس صحيح،... الرأفة طبعًا لا تعني الخنوع أو الزهد في الأعمال؟، ما أعنيه هو نشر الأفكار المثالية بين الناس؛ فهل بلغت فرنسا بوسائل أخرى المكان الذي تشغله اليوم بين الأمم المتحضرة؟، إن التاريخ يرينا بدقة أن عظمتها منوطة بكثرة رجالها العظماء وقلوبها النبيلة"[60]، ومن الواضح أن الرجل أراد إبراز إعجابه بالتطور الفرنسي، ولكنه في الوقت نفسه حاول أن يبرر أسباب ذلك التطور، وأن يربطها بالعلم والمثل التي عرفتها أوربا في فترة العصر الحديث، ولكن فاته أن يذكر الجانب المظلم لذلك التطور، وآثاره على الأمم المستعمرة التي باتت حقل تجارب للهيمنة الغربية بمختلف اتجاهاتها وإيديولوجياتها.

وتطرق للتعصب والقبلية المنتشرة بين الناس فقال: "... أما أولئك الذين يرفضون رؤية الأعمال الخيرة التي تقوم بها القوات العمومية إزاء المسلمين فلابد أنهم لم يتساءلوا من قبل: هل ما أفعله طيب أم خبيث؟، عادل أم لا؟، فيه شيء من الجمال أم لا؟.. هي أسئلة تجرنا صوب الإنسانية الراقية؛ إلا أن في الإنسان ما يدفعه دائمًا صوب الأسفل فينسيه الحكمة.. إلا أن القاعدة الإنسانية تفرض علينا أشياء مثل أن العالم يقود الجاهل والقوي يقود الضعيف والغني يعين الفقير؛ بهذا الشكل تعلو نفوسنا، ويتزايد رصيدنا من الفضائل"[61].

وتناول موضوع التعصب الذي وصفه بالمشين والمرفوض؛ فكتب: "إن التعصب المشين مرفوض لدى النفوس الرفيعة... وأن ممثلي فرنسا بما لديهم من حب للخير وللحرية يرون المتعصب كشاة تهرب من قطيع الحضارة، وكعدو يريد المساس بأسوار البنيان الحضاري القوي؛ لأنه إذا كانت الحكومة ترضى لرعاياها الحياة فالمتعصب لا يرتضي سوى الموت".

ودافع بن الموهوب عن الجهود الفرنسية بالجزائر؛ فكتب: "...إن من ينتقدون أعمال السيد الحاكم العام لأجل تقوية إخواننا الجزائريين بالعلم والتكوين اللذين يتمتع بهما الفرنسيون؛ ما عليهم سوى تأمل دروس التاريخ، ماذا تعلمنا يا سادتي؟، أن أوربا قد بلغت أوج التقدم في قرن لويس الرابع عشر الذي أجرى إصلاحات ناجعة، واستحدث جوائز للعلماء، وبنى مصانع كبيرة، وشيد مدارس الفن ومؤسسات العلم، وبكلمة واحدة حول فرنسا إلى أكبر منارة حضارية في أوربا"[62].

وشخّص الشيخ ابن الموهوب حالة الجهل السائدة لدى الجزائريين، وفصل مسبباتها، ومما قال بهذا الخصوص: "...المسلمون جهلة لا نقاش ولا إنكار، ولا نستطيع مدح هذه الحال المزرية التي ستقودهم صوب الهلاك؛ في حين هم تحت وصاية فرنسا صاحبة أوسع دائرة استعمارية في إفريقيا الحاكمة على امتداد سبعة (07) ملايين كيلومتر مربع أغلب من يقطنها من المسلمين"[63]. ولاشك أن هذا الطرح كان يتوافق تمامًا مع آراء الشريف بن حبيلس.

وفي المقابل كان المحاضر موضوعيـًا في مسألة طلب العلم الذي ربطه بالوعي وبالشعور بالمسؤولية، ونبذ الفرقة والتعصب؛ فقال مثلاً: "أيها المسلمون: لا حياة بلا علم، ولا علم بلا بحث، لا بحث بلا رغبة قوية في التسامي، وهذا الشعور لا وجود له لدى أمة لها مستواها الثقافي متدن، لذلك فالتعليم والتنوير واجبنا جميعـًا، وتلك هي السبيل الوحيدة للارتفاع بالمرء فوق درجة الحيوان، وهي نفسها السبيل التي هجرها إخواننا، فالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يقول إن العلم كنز مفتاحه السؤال، فاسألوا لأن في السؤال منافع أربعة: السائل والمسؤول والمستمع والأقربون... كما أن التعصب الإسلامي لم يبدأ إلا منذ الحروب الصليبية، هؤلاء الذين أناطوا بالإسلام ما هو نقيضه؛ هم وحدهم مسؤولون على هذا الوضع... إن حججهم التي تبث الشتات لا هدف لها سوى جعل الإسلام دينـًا متعصبـًا متوحشـًا أبا لكل جهالة"[64].

وعمومـًا فقد تنوعت موضوعات المحاضرات التي جمع بعض نصوصها بن حبيلس في ملحق كتابه، ففي أسباب التخلف تأسف لحال الجزائريين والمسلمين عامة فقال: "لقد هجرنا العلوم والفنون، والتزمنا بالعزلة، إننا لا نبذل جهدًا للتأسي بالأمم المجاورة في تقدمها، ...والمؤسف أننا نرى الأمم الأخرى تنتج ما يحثنا عليه، والأدهى والأمر أننا صرنا نكفر وننبذ نتائج تلك الحضارة لذلك تصيبنا صواعق سوء أفكارنا وأعمالنا...أي عذر لنا وقد تسرب الخمول الى عقولنا؟، أي مبرر إزاءنا والكسل يمنعنا حتى من الاستفادة من المبتكرات العصرية؟، أيها الإخوة هل ستختارون الجهل الذي يبعدكم عن كل شيء؟، ماذا ستقولون دفاعـًا عن أنفسكم؟، لقد خالفتم قرآنكم ورسولكم وابتعدتم عن تقاليدكم، ونأيتم عن علوم زمانكم...كفوا عن هذه الخطايا، وخذوا مثل جيرانكم، وكفوا عن عبادة الجهلة، لقد حان الوقت للتجمع والاتحاد لأجل دفع عجلة العلم، وأن التباهي بالعلم لخير من التباهي بالنسب، إن الفخر حصان لا يركبه سوى الخاسر"[65].

خاتمـة

إن شخصية الشريف بن حبيلس تصنف ضمن الجيل الأول من النخبة الجزائرية المفرنسة التي اكتسبت الثقافة الأوربية واقتحمت المجال السياسي منذ بدايات القرن 20م، ونشطت المشهد العام بالجزائر في إطار الإيديولوجية التي حاولت الاستفادة من "مكاسب" الوجود الفرنسي بالجزائر.

لكن بالمقابل لا يمكن الجزم بكون مؤلفه الأول (الذي تناولناه بالدراسة) لسان حال النخبة أو مجموعة الشبان الجزائريين حينها، لكون صاحبه لا يعدو الممثل الحقيقي لهم، والمعبر عن انشغالاتهم. وبالرغم من ذلك فإننا نتفهم روح التطرف التي طبعت أفكار بن حبيلس في كثير من الأحيان، ونفسر اختلافه عن الآخرين ضمن الإطار العام لجماعة النخبة التي لم تتمتع بوحدة فكرية ولا إيديولوجية في العديد من الأوقات.

وأخيرًا نشير إلى غنى كتاب بن حبيلس في المحتوى المعلوماتي وفي البُعد الإيديولوجي، وتميزه بوضوح وسلاسة الأفكار، وهو بمثابة المرآة العاكسة لفترة حاسمة من تاريخ الجزائر. وتمثلت قيمته التاريخية في انفراده بمعالجة قضايــا كانت في حينها غير مكتملة المعالم لاسيما وأن الكاتب لم يستثنِ تجاربه الشخصية، ولم يخجل من طرحها واستحضار تفاصيلها.

وبالمقابل لا يمكننا بأي حال أن نتجاهل أفكار وإساهامات فئة النخبة عمومـًا كأحد مكونات النسيج الاجتماعي الجزائري، ولا أن نتجاوز أدوارها في إحداث نوع من التوازن بين التيارات السياسية والاجتماعية المختلفة التي لم تتفق أساسـًا بشأن تحديد مصطلح "الوطن" وتوضيح مفهوم "الوطنية".

 

الببليوغرافيا

مؤلفات الشريف بن حبيلس

L’Algérie française vue par un indigène.

Où va la France en Algérie?

Bilan de cent ans de France.

Où en sommes-nous?

La protection des biens de mineurs indigènes en Algérie et le conseil de gérance.

La suppression des pouvoirs juridictionnels des cadis.

Ames frontières (histoire d’un déraciné).

Interventions : débats parlementaires.

 

الحداد، سالم (2000)، صراع الهوية بين الأنا والآخر (المغرب العربي نموذجــًا)، تونس، الأطلسية للنشر، ط01.

بيرفيي، غي (2007)، النخبة الجزائرية الفرنكوفونية (1880- 1962)، ترجمة. م. حاج مسعود وآخرون، الجزائر، دار القصبة.

دويدة، نفيسة (2014)، النخبة الجزائرية: مسار وأفكار، الجزائر، دار ثالة.

صاري، أحمد (2004)، شخصيات وقضايا من تاريخ الجزائر المعاصر، غرداية، المطبعة العربية.

قداش، محفوظ (2008)، تاريخ الوطنية الجزائرية (1919- 1939)، ترجمة. أمحمد بن البار، الجزائر، دار الأمة، ج1.

ماكسيمنكو، فلاديمير، (1984)، الانتلجانسيا المغاربية: المثقفون أفكار ونزاعات، ترجمة. عبد العزيز بوباكير، الجزائر، دار الحكمة- النهضة، ط01.

بن حسين، كريمة (2008)، "المتجنسون مواقفهم أفكارهم وطموحاتهم"، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة قسنطينة، العدد 30، (ديسمبر).

دياكوف، نيكولاي (2009)، "النخبة والعقيدة الاندماجية: دراسة تقويمية في المراجع والأدبيات"، ترجمة. عبد العزيز بوباكير، مجلة معالم، العدد 01.

Letourneau, R. (1962), Evolution politique de l’Afrique du nord musulmane (1920- 1960), Paris, éd. A. Colin.

Lyautey, (1948), Paroles d’action, Paris, s.éd.

Merdaci, A. (2010), Auteurs algériens de langue française de la période coloniale, Alger, éd. Chihab.

Agéron, Ch.-R. (1964), « Le mouvement jeune algérien de 1900 à 1923 » ; Études maghrébine, Mélanges Ch. A. Julien, Paris, éd. PUF, p. 217-243.

Berque, A. (1947), « Les intellectuels algériens », Revue africaine, Vol. 91, p. 123-151.

Zenati, R. (1938), « Le problème algérien vu par un indigène, Renseignements coloniaux »  Supplément de L’Afrique française, Avril.

« La voix des humbles », (1927), N° 54, Novembre.


 

الهوامش

 

[1] Merdaci, A. (2010), Auteurs algériens de langue française de la période coloniale, Alger, éd. Chihab, p. 74- 75.

[2] لم تحظ شخصية الشريف بن حبيلس (في حدود مطالعاتي) بالدراسة العميقة، كما أنها لم تدرس في أعمال أكاديمية معاصرة إلا عرضًا، وذلك على الرغم من أهمية مسارها ودورها المؤثر في مسار الأحداث بالجزائر طيلة أزيد من نصف قرن.

[3] ممـا جاء في هذا التنويه الذي نشرته المجلة الفقرة التالية:      

« Le cadi Benhabilès Cherif est un des rares magistrats musulmans complètement évolué.

C’est un de ceux qui font le plus prêchant l’exemple, pour le rapprochement franco- musulman », Voir : « La voix des humbles », N° 54, Novembre 1927, p. 01.

[4] لكن من الواضح أن آخرين كانوا قد سبقوه في مجال الكتابة على غرار الطيب مرسلي وإسماعيل حامت وامحمد بن رحال ومحمد بن شنب وغيرهم.

[5] Berque, A. (1947),  « Les intellectuels algériens », Revue africaine, V. 91, p. 123- 151.

[6] انظر: دياكوف، نيكولاي (2009)، "النخبة والعقيدة الاندماجية: دراسة تقويمية في المراجع والأدبيات"، ترجمة. عبد العزيز بوباكير، معالم، العدد 01ظ، ص. 163- 189.

[7] حول شخصية المفتي ابن الموهوب، حياته وقضايا عصره، انظر: صاري، احمد (2004)، شخصيات وقضايا من تاريخ الجزائر المعاصر، غرداية، المطبعة العربية، ص. 7-28.

[8] « Civiliser, instruire les indigènes, c’est donc surement les rapprocher de nous ».

[9] Benhabilès, Ch. (1914), L’Algérie française vue par un indigène, Alger, imprimerie Fontana, p. 5.

[10] مثل إسماعيل حامت والطيب مرسلي ورابح زناتي وسعيد فاسي وفرحات عباس وغيرهم.

[11] من المعلوم أن فترة المقاومات والانتفاضات الشعبية كانت قد استنفذت واستنزفت قوى الجزائريين، وكان القمع والمصادرات المترتبة عنها كفيلة بإعادتهم للتفكير بحكمة في المصير الآتي؛ في ظل تثبيت الاستيطان الأوربي، واستقرار المؤسسات الإدارية الاستعمارية.

[12] انظر: Letourneau, R. (1962), Évolution politique de l’Afrique du nord musulmane (1920- 1960), Paris, éd. A. Colin, p. 56- 70.

[13] لم يكن الاندماج يعني المساواة في الحقوق فحسب بل كان يعني بوجه أخص تبني نمط حياة أجنبي. فالمثقفون الجزائريون الذين كانوا يتبنونه (وعددهم أكبر مما يعتقد) لم يكونوا يجهلون ذلك طبعا. انظر:

بيرفيي، غي (2007)، النخبة الجزائرية الفرنكوفونية (1880- 1962)، ترجمة. م. حاج مسعود وآخرون، الجزائر، دار القصبة، ص. 384.

[14] عرف أحدهم السياسة الأهلية في المستعمرات بأنها: "سياسة تعترف باختلاف العرق والبنية الذهنية ومطامح وحاجات السكان الأهالي وأسيادهم الأوربيين... إنها سياسة تنطلق من هذه الفروق إلى ضرورة الاختلاف في المؤسسات. واحترام المصالح المعنوية للأهالي. هذه هي السياسة الأهلية ويعني هذا حمل الأهالي على الإحساس تدريجيــًا بمحاسن السيطرة الأجنبية قصد تبني هذه السيطرة طواعية وليس تقبلها فقط... إن السياسة الأهلية تنبع من ذلك المبدأ الذي يقول إن أي شعب يعتز بعاداته سواءً كانت جيدة أم سيئة، وإن عاداتنا حتى وإن كانت أفضل ستبدو لهم مقيتة إن فرضت عليهم عنوة". نقلاً عن:

Lyautey, (1948), Paroles d’action, Paris, éd, p. 458.  

في: ماكسيمنكو، فلاديمير (1984)، الانتلجانسيا المغاربية: المثقفون أفكار ونزاعات، ترجمة. عبد العزيز بوباكير، الجزائر، دار الحكمة- النهضة، ط01، ص. 23.

[15] Zenati, R. (1938), Le problème algérien vu par un indigène, Renseignements coloniaux (Supplément de L’Afrique française), Avril, p. 32.

[16] Benhabilès, op.cit., p. 16.

[17] Benhabilès, Ibid., p. 19.

[18] انظر: بيرفيي، غي المرجع السابق، ص. 420.

[19] Zenati, R. (1928), « Notre ambition », La voix des humble, N° 58, mars 1928, p. 1-4.

[20] Benhabilès, Ibid., p. 20.

[21] Ibid.

[22] Benhabilès, Ibid., p. 80.

[23] من الضروري التذكير بأن تجنيس الجزائريين كان بمرسوم قانون "سيناتوس كونسيلت" الصادر سنة 1865م، والذي استمر العمل به حتى سنة 1947م بصدور القانون الاساسي للجزائر. وعرف خلال هذه الفترة تعديلين بسيطين: الأول سنة 1919م (إصلاحات كليمنصو)، والثاني سنة 1944م (أمرية مارس).

أما بخصوص أعداد طالبي الجنسية الفرنسية من المسلمين فإنها قدرت في الفترة ما بين سنتي 1865 و1890م بمعدل 30 طلبا سنويــًا، وما بين  سنتي 1890 و1899م بحوالي 35. انظر لأكثر تفاصيل:

بن حسين، كريمة، (2008)، "المتجنسون مواقفهم أفكارهم وطموحاتهم"، العلوم الإنسانية، جامعة قسنطينة، العدد 30، ديسمبر، ص. 127-143.

[24] Benhabilès, op.cit., p 112.

[25] Benhabilès, Ibid., p. 112-113.

[26] بيرفيي، المرجع السابق، ص. 384

بل كان ينظر إليهم على أنهم مارقين مرتدين خسروا الدارين الدنيا والآخرة؛ باعتبارهم أضاعوا لغتهم وغيروا عاداتهم وفقدوا روابطهم بمجتمعهم. وهذا الموقف الصعب هو الذي جعل البعض يغامر بطلب الاندماج القائم على أساس التجنيس الإجباري والجماعي على غرار ما حصل عليه اليهود بمقتضى مرسوم كريميو (أكتوبر 1870م) لتفادي لوم إخوانهم في الدين.

[27] Benhabilès, Ibid., p. 7.

[28] Benhabilès, Ibid., p. 8-9.                                        

[29] Benhabilès, Ibid., p. 9.

[30] Benhabilès, Ibid., p. 10.

[31] Benhabilès, Ibid., p. 59.

[32] لأكثر تفصيل انظر: دويدة، نفيسة (2014)، النخبة الجزائرية: مسار وأفكار، الجزائر، دار ثالة، ص. 152- 153.

[33] Benhabilès, L’Algérie, op.cit., p. 67.

[34] Benhabilès, Ibid., p. 78.

[35] Benhabilès, Ibid., p. 68-69.

[36] Benhabilès, Ibid., p. 17.

[37] Benhabilès, Ibid., p. 80-81.

[38] Benhabilès, Ibid., p. 76.

[39] Benhabilès, Ibid., p. 76-77.

رغم صعوبة الحصول على موافقة السلطات لطلب الهجرة، وذلك اثر الحملة الشرسة التي قامت بها الصحافة الفرنسية والمعمرون، وسيعرف الموضوع شروطاً صارمة في العشرينات؛ حيث سيشترط إحضار عقد عمل، وشهادة طبية، وبطاقة التعريف؛ بموجب التعليمات الوزارية الصادرة بتواريخ 08، 11 أوت و12 سبتمبر 1924م، والتي جددها مرسوم 04 أوت 1926م، بالإضافة إلى تلقيح مدته خمس سنوات، ومستخرج سليم من السوابق العدلية، ومبلغ من المال الموفر، مع ضرورة تأدية الطالب للخدمة العسكرية. انظر: قداش، محفوظ (2008)، تاريخ الوطنية الجزائرية (1919- 1939)، ترجمة. امحمد بن البار، الجزائر، دار الأمة، ج1، ص. 63. 

[40] Benhabilès, op.cit., p. 80-81.

[41] Benhabilès, Ibid., p. 36.

[42] Benhabilès, Ibid., p. 51.

[43] Ibid.

[44] Benhabilès, Ibid., p. 52.

[45] Benhabiles, op.cit., p. 29.

[46] Ibid., p. 21.

[47] Ibid., p. 21-22.

[48] Ibid., p. 22.

[49] Ibid.

[50] Ibid., p. 26.

[51] Ibid., p. 29.

[52] Ibid., p. 61.

[53] Benhabilès, Ibid., p. 123.

[54] كان محاميا بقسنطينة، ذهب في وفد 26 جوان 1912م لتقديم المطالب الأهلية حول التجنيد للرئيس بوانكاري (Poincaré)، وهو محرر رسالة هامة لجريدة (La Dépêche de Constantine) سنة 1913م حول برنامج النخبة. انظر:

Benhabilès, Ibid., p. 128-131.

[55] p. 129.

[56] انظر خاصة: الحداد، سالم (2000)، صراع الهوية بين الأنا والآخر (المغرب العربي نموذجـًا)، تونس، الأطلسية للنشر، ط01، ص. 263.

[57] Benhabilès, op.cit., p. 13.

[58] Benhabilès, Ibid., p. 15.

[59] Benhabilès, Ibid., p. 104.

[60] p. 123-124.

[61] p. 125.

[62] p .126.

[63] p. 127.

[64] p. 127.

[65] p. 128.

 

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2019 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche