بدر الدين شبل، الحريات السياسية في الجزائر: دراسة في تطور النصوص التشريعية والممارسة العملية، ط1، دار الراية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2016، عدد الصفحات 229.

استهل المؤلف كتابه بعرض أهمية دراسة الحقوق والحريات العامة في وقتنا الحالي، الذي شهد فيه العالم ظاهرة التحول السياسي، خاصة الدول المنتمية إلى العالم الثالث، التي عرفت انتقالا من الأنظمة الشمولية إلى التعددية السياسية بتداعياتها المتعددة: حرية إبداء الرأي، الحريات الصحفية مع الاعتراف بمبدإ المعارضة كأحد مظاهر الديمقراطية.

قسّم الباحث كتابه إلى فصلين توزّعا عبرثلاثة مباحث لكل واحد منهما. فتطرّق في الفصل الأول إلى مفهوم الحريات السياسية والحقوق وتطورهما التاريخي ومكانتها في التشريعات الدولية والجزائرية، بينما قدّم في الفصل الثاني مفهوم التحول السياسي في الجزائر وأثره في الحقوق والحريات السياسية.

استند في تعريف الحقوق والحريات السياسية إلى المفهوم الذي قدّمه جوزيف مغيزل المتمثل في "الحق في حرية الرأي والتعبير، الحق في حرية التجمع (و) الحق في المشاركة في الحكم وتولي الوظائف العامة"[1] التي شكّلت محاور دراسته.

اعتبر المؤلف أن تاريخ حرية الرأي والتعبير يعود إلى العصور القديمة بدءًا بالحضارة الفرعونية، فأفكار الإغريق في اليونان وصولا إلى أرسطو، الذي فضّل حكومة الأغلبية. كما ظهرت الصحافة منذ القِدم تَزَامُنًا مع حرية الرأي والتعبير، مشيرا إلى مكانة حرية الرأي والتعبير في الشريعة الإسلامية كواجب وفريضة، أما المجال السياسي فربطه بمبدإ الشورى في أسلوب الحكم.

حسب الباحث، فقد عرفت حرية الرأي والتعبير والصحافة، في العصر الحديث، انتعاشا بفضل جهود الفلاسفة بدءًا من القرنين السابع عشر والثامن عشر، تمظهرت في فكر كلّ مِنْ: فولتير، مونتسكيو وجون جاك روسو. وفُسِّرت الظاهرة وفق نظريات تمايزت حسب مداخل متعددة: السلطوي خلال القرنين 16 و17، الليبرالي خلال عصر النهضة في القرنين 18 و19، المسؤولية الاجتماعية في العقد الثاني من القرن العشرين، الشيوعي في الربع الأول من القرن العشرين، المسؤولية العالمية والدولية للصحافة سنة 1958 من قِبَل مختار التهامي وأخيرا المدخل التنموي. 

وقد اعتبر المؤلف حرية الرأي والتعبير من الحقوق والحريات السياسية ومصدرها. كما تشكل حرية الصحافة والإعلام مظهرا من مظاهر حرية الرأي، لكنها تختلف كمفهوم وفق اختلاف النظريات؛ إذ تقوم على مبدأين أساسيين: حرية العمل الصحفي والمصلحة العامة، إضافة إلى مجموعة من الضمانات أهمها التعددية في وسائل الإعلام. ولم يغفل الباحث تقديم مفهوم الاتصال، الذي ظهر أول مرة سنة 1969، كونه أشمل من الصحافة لتضمنه أكثرَ من وسيلة إعلامية عبر أكثر من بلد. أما مصطلح التعددية السياسية فظهر لأول مرة من قبل "غلير موأونيل وشميتر وواهيتهيد" في كتاب (Transition from Authoritarian Rules Prospects for demarage)، اللّذين اعتبرا التغيير الحاصل في الثمانينات في بعض دول العالم الثالث هو "لَبْرَلَة سياسية" ولا يعبر عن "دمقرطة". 

عرفت الجزائر، حسب المؤلف، انتقالا من نظام الحزب الواحد إلى التعددية، من خلال استعراض طبيعة النظام الجزائري منذ الاستقلال، التي قسّمها إلى عدة محطات تاريخية (1962-1965، 1965-1979، 1979-1989)، لتشكّل أحداث الخامس أكتوبر1988 تاريخ دخول الجزائر عهد التعددية السياسية عبر دستور 1989، التي اتسمت بتعدد الأحزاب مع اعتماد اختيار قادتها على معيار النضال الثوري، ضعف انتشارها المحلي وارتكازها على الحشد الجماهيري عبر المسيرات الشعبية. كما صاحبت التعددية السياسية التعددية الإعلامية من خلال كثرة العناوين الصحفية التي أَنشأت الأحزاب السياسية بعضها.

كما أظهر الباحث أثر التحوّل السياسي في الجزائر في وضع حرية الصحافة والإعلام، من خلال عرض الدساتير التي أقرّتها الجزائر والقوانين قبل التعددية السياسية وبعدها، بالرغم من إغفاله بعضَ التشريعات التي ظهرت بعد التسعينات، مُنَوِّها بوقوع الصحافة في انزلاق إعلامي، مع الإشارة إلى بعض العقبات التي عرقلت مبدأ الحريات الأساسية في الجزائر في بدايتها، كحالة الطوارئ مع حداثة التجربة الديمقراطية. فيما شكلت الأمية وتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، أزمة فعلية حالت دون تطبيق الحريات الأساسية، التي اعتبر وجودها "صوريا" في غياب صحافة حرة، ليكشف في الأخير أن عملية الانتقال الديمقراطي في الجزائر لَمْ تُرَاعِ خصوصية "الحالة الجزائرية."

نجاة لحضيري

 


الهامش

[1]بدر الدين، شبل (2016)، الحريات السياسية في الجزائر: دراسة في تطور النصوص التشريعية والممارسة العملية، ط1، دار الراية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ص. 11.

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2019 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche