جيرار موجي، أعمار و أجيال، باريس، (عمل مشترك). «Repères»،
2015 ، عدد الصفحات 128


يطرح الكتاب مشكلة الغموض الذي يحيط بمعنى السن والجيل بسبب تعدد استعمالاتهما في عدد من الحقول العلمية - خاصة البيولوجيا وعلم النفس - وكذا في الحياة اليومية والخطاب السياسي والإعلامي، ويحاول معالجة هذه المشكلة - في خمسة فصول - من خلال منظور سوسيولوجي يقوم على إحداث قطيعة مع معاني الحس المشترك و"دراسة وتحديد السن والجيل في السياق المادي والرمزي الذي يؤسس للمعنى الذي تحمله هذه المعطيات الطبيعية في لحظة ما من الزمن"1.

يبدأ الفصل الأول بعرض وضعية المشكلة، فيصف الكاتب السن والجيل كأحد أشكال التصنيف الإجتماعي الأولية الناتجة عن تحديد وتمثل وبناء هوياتي واجتماعي مسبق، ويلخّص استعمالهما في ثلاثة أنواع من التصنيفات وهي: التصنيفات المعرفية العادية، التصنيفات التي تقوم بها الدولة وأخيرا التصنيفات العلمية، كما ربط هذه التصنيفات بثلاثة أنماط متميزة من النشاطات ولكنها مترابطة وهي: عمليات التحديد الزمني التي يقوم بها الأفراد في الحياة اليومية، عمليات تنظيم الأفراد كمواطنين بالرجوع إلى سنهم، وأخيرا العمل العلمي لتحقيب périodisation المسارات البيوغرافية (التطور الفيزيولوجي للفرد، المراحل النفسية، مراحل الحياة الاجتماعية...).

ينتهي الفصل الأول بنقد هذه المعاني، حيث يرى أنها متناقضة سوسيولوجيا من حيث أنها لا تستطيع أن تجعل من السن مبدأ لبناء جماعات اجتماعية متجانسة، وأيضا في تفسير اختلاف تحديد الفئات العمرية عبر الزمان والمكان. في الفصل الثاني بعنوان "الأجيال العائلية" يتجاوز الكتاب التفسير الحتمي والعالمي لعقدة أوديب في تغليب شكل الصراع على العلاقات داخل الأجيال العائلية، ويقترح استراتيجيات إعادة الانتاج وشكل رأس المال المنقول داخل العائلة كمفهوم بديل وقادر على إظهار أشكال اخرى من العلاقات، وتوصل إلى أن العلاقات بين الأجيال العائلية ليست بالضرورة ذات طبيعة صراعية، ولكنها محددة اجتماعيا، بحيث تختلف في الوضع الذي يكون فيه الإرث المنقول ثقافيا بالأساس (علاقات سلمية) عنها عندما يكون هذا الإرث اقتصاديا (صراعية)، وتختلف أيضا في الوضع الذي يكون فيه الإرث العائلي الاقتصادي والثقافي ضعيف أو منعدم تماما.

ينتقل المؤلف في الفصل الثالث إلى توضيح أسباب ظهور الأجيال الاجتماعية وظروف امتدادها داخل الفضاء الاجتماعي. وبالاستناد على عالم الاجتماع الألماني Karl Mannheim، يرى Gérard Mauger أن الأجيال الاجتماعية تظهر في تلك الفترات التي تعرف تحولات أو قطيعة مع نمط إعادة الإنتاج السائد، ويحدث ذلك عادة بسبب وقوع أحداث أساسية تُغيّر من أطر ومحتويات التّنشئة الإجتماعية القائمة، كما أنّها تظهر بالتحديد عند الأفراد الذين يعيشونها خلال مرحلة شبابهم التي تمتدّ من 17 الى 25 سنة، حيث يكون الفرد خلال هذه المرحلة العمرية أكثر انفتاحا على التغيّر والتقلب في وعيه الباطن، وهو ما يؤهله لبلورة مواقفا وتوجهات وسلوكيات قد تمتد معه طوال حياته.

وبالنسبة لامتداد الأجيال في الفضاء الاجتماعي، فهي مسألة تتغيّر حسب طبيعة كل حقل وطبقة اجتماعية، لأن "التحولات التي تصيب نمط إعادة الإنتاج ليس لها نفس التأثيرات على مختلف مناطق الفضاء الاجتماعي، وهذا ما يتطلب تحديد الآثار المتمايزة اجتماعيا لنمط إعادة الإنتاج عن طريق رسم خريطة للفضاء الاجتماعي"[1] ولعل جيل الأزمة الذي ظهر خلال سنوات 1960 وكذا جيل 1968 أفضل مثال يعبر عن ذلك.

خُصص الفصل الرابع، الذي يعالج مسألة أعمار الحياة ( حالة الشباب )، لهدف إيجاد سيرورة اجتماعية ثابتة لتحديد سوسيولوجي لأعمار الحياة وخاصة مرحلة الشباب. وقد توصّل إلى أن الشباب لا يمكن أن يُحدد موضوعيا إلا من خلال ثلاثة مسارات أساسية للتنشئة الاجتماعية وهي مسار التعليم، الدخول إلى عالم الشغل وأخيرا الزواج والتحرر من العائلة الأصلية. ويتم هذا كله مع أخذ بعين الإعتبار لمجموعة من الظروف الثابتة والمتغيرة التي تتمثل في ظروف تراكم ونقل رأس المال الأولي في الطفولة، خصوصيات مرحلة انعدام الوزن الاجتماعي، التناقضات القانونية، عدم التحديد الاجتماعي، سن التصنيفات الاجتماعية، وظروف تبلور الهابيتوسhabitus .

في الفصل الأخير المتعلق بالعمل السياسي لتعبئة طبقات العمر، تطرق المؤلف في البداية إلى ظروف الوحدة والتشتت في عوالم الشباب، وخلص إلى أنها تخضع لنسق من العلاقات وعلاقات القوة بين الجماعات، حيث أنه: "حتى في حالة غياب كل تفاعل بين أعضائها، ترتبط الشبيبة فيما بينها من خلال علاقات التماهي والتمايز [...] حيث لا توجد جماعة اجتماعية[2] منعزلة ومنطوية على نفسها تماما، لا تفكر ولا تحكم على نفسها من خلال المقارنة مع الجماعات الأخرى"[3]. بعد ذلك، حاول توضيح العمل السياسي لتعبئة جماعة عمرية واقعية، أي البناء الرمزي لجماعة يكون العمر فيها هو أساس التميز. وتساءل عن كيفية تعبئة أفراد متمايزين وتقديمهم بشكل يظهر الوحدة والتضامن بينهم؟ ورأى أن نجاح هذا العمل يعتمد من جهة على قدرة وقوة الناطق الرسمي عن الجماعة
في تعبئة رأس المال الرمزي الذي تتمتع به. ومن جهة أخرى على استعداد الجماعة نفسها لتقبل هذا الخطاب وتكييفه مع خبراتها ثم الترويج له.

لقد ركز الكتاب على أن توضيح مفهومي السن والجيل مرهون بتخليصهما من سيطرة معاني الحس المشترك التي نتجت بسبب كثرة استعمالهما، ودراستهما وفق منظور سوسيولوجي يأخذ بعين الإعتبار ظروف إعادة الإنتاج وكذا الحقل الاجتماعي الذي يشتغلان ضمنه. لكن يبدو أن هذا المنظور، الذي سعى ضمنيا إلى تكييف نظرية الأجيال التي طورتها السوسيولوجيا الألمانية خلال القرن 19 مع النسق الفكري للسوسيولوجيا الفرنسية –خاصة سوسيولوجياPierre Bourdieu- لم ينجح في تجاوز النموذج المعرفي لسوسيولوجيا الأجيال الذي أسسه Karl Mannheim، خاصة من جانب عدم الإشارة لدور الوحدات الجيلية unités générationnelles  في تفسير التشتت الجيلي الذي عُوّض بنظرية الحقل والطبقة الاجتماعية.

يحي بن يمينة

 


الهوامش

1 Mauger, G. (2015), Âges et générations, Paris, La Découverte, coll. « Repères », p. 3.

[1] Mauger, G., op.cit., p. 47, 48.

[2] نترجم كلمةcommunauté  الفرنسية هنا بالجماعة الاجتماعية.

[3] Ibid., p.102.

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2019 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche