عن طقوس الغيْبَة: وعي تجاوزي، أم تملّص وجداني أو مُعالجة نفسيّة ؟


إنسانيات عدد مزدوج 75-76| 2017 | حول الإصلاحات في الجزائر| ص 31-50| النص الكامل

Toufik SAMAI :  Université Mohamed Lamine Debaghine, Sétif 2, 19 000, Sétif, Algérie


تقديم

تمثّلُ طقوس الغيْبَة "la transe" تجربة إنسانيّة فريدة من نوعها، يمكنها أن تكون مركز اهتمام الدراسة العلميّة والتحليل بغرض الكشف عن ماهيتها، حقائقها، مدلولاتها وأغراضها تمثّلُ الغيْبة، فوصفها إحدى تقنيات العلاج النفسي التقليدي حسب ما هو متداول في الأوساط الشعبية في بعض المناطق الجزائرية، وهي ظاهرة غير مألوفة يُعايشها الأفراد في المرحلة الأخيرة لنموذج الممارسة الطقسية. يستعرض هذا المقال تحليلا لطقوس الغيبة ووظيفتها داخل النسيج الثقافي الشعبي، ونتسائل: هل هي وعي تجاوزي، أو تملَص وجداني؟ وهل هي معالجة نفسيَة كما يَعتقد منظَمو هذه الطقوس العلاجية ؟

نريد من خلال هذا المقال تقديم إجابات لهذه التساؤلات من خلال تقديم نماذج لطقوس الغيْبَة، والتي قام بملاحظتها مجموعة من الدارسين الذين اهتموا بالموضوع في أعمالهم البحثيَة. يتمثل النموذج الأوّل في طقوس فورتا ليزا في مدينة رَسيف بالبرازيل (Fortaleza)، ويتمثّلَ النموذج الثاني في "الغيْبَة - الرقص- العلاج": (La T.T.T. Transe- Terpsichore- Thérapie) للطبيب جاك دونارس Donnars. J، الذي وظّف الغيْبَة لغرض العلاج في فرنسا، ويتمثّل النموذج الثالث في عرض نتائج الدراسة الميدانية التي قمنا بها حول طقوس الغيْبَة المُقامة في دار الديوان بمدينة سطيف بشرق الجزائر. لا نريد، من خلال هذا المقال مقارنة ما يجري في البرازيل وفرنسا بما يجري في الجزائر، لأنّ عمل المقارنة يشترط الدراسة الأمبريقية المُعمّقة تتطلّب الحضور الميداني الفعلي لمجوعة من الباحثين في كل نموذج من النماذج التي قُدِّمت في هذا المقال، بل غرضنا هو جمع وتدوين أكبر حجم من المعلومات ذات علاقة بطقوس الغيْبَة في بعض المجتمعات، مع تقديم التحليلات والتفاسير المُمكنة، وهو غرض نراه معقولا منهجيا مقارنة بالإمكانيات المُتاحة.  

حول الغيبة وطقوسها: عناصر للتحليل

تُعتبر طقوس الغيْبة إحدى تقنيات العلاج النفسي التقليدي، حسب ما هو متداول في الأوساط الشعبيّة وبعض الأوساط البحثيّة الحديثة والمعاصرة. لقد أفرزت الثقافة الشعبية تصوّرات خاصة لمفهوم "الاضطراب النفسي"، كما اقترحت أساليب وتقنيات وطرق خاصة للتعامُلِ معه بُغية تحقيق المُعالجة النفسية المنشودة. تتشكلُ هذه الأساليب والطرق في مجموعةٍ من الطقوس والمُمارسات تعبّر عن تراكم المعرفة العفويّة للفئات الشعبيّة. ومن المعلوم أنّ الكائن البشري عايَشَ في كلّ الأمكنة والأزمنة الاضطرابات والمُعاناة النفسيّة التي كانت مظهرا من حياته الوجدانيّة.

تتمثّلُ هذه الظواهر، كما فسّرَ ذلك علم النفس المعاصر، في اختلال التوازن السيكولوجي للشخصيّة يجعلُ من قدراتها على التكيّف تتضاءلُ، وشعورها بالارتياح النفسي يتدهوَرُ، وهو ما ينجم عنه بُنى نفسية تُأسِّسُ لتبلور صراعات داخليّة عند الفرد، دون أن نستثني القلق والمخاوِف وتصدّع العلاقة مع الغير، كما قد ينجم عن هذه الاضطرابات، أحيانا، أعراض جسديّة تُعرفُ بالاضطرابات السيكوسوماتية.

لكن، وقبل بروز علم النفس المُعاصر ونظرياته التفسيريّة للاضطراب النفسي والطرق العلاجيّة التي اقترحها، كان "الإنسان منذ العصور القديمة" يُحاولُ تفسير هذه الاضطرابات حسب مستواه الفكري وطبيعة اعتقاداته ودائرة خياله وتصوّراته. وفقد سعى إلى تنظيم أساليب وطرق علاجيّة كان يراها مُناسبة لغرض العلاج والتخفيف من حِدّتها. أمّا بخصوص تفسير الاضطرابات النفسيّة، فيبدو أنّه كان يُركِّزُ على تأثير العوامل الخارجيّة على الفرد أكثر من تأثير العوامل الداخليّة التي يُركّزُ عليها علم النفس الحديث والمُعاصر. يمكن ذكر بعض هذه التفسيرات التي تعلي من قيمة العوامل الخارجية مثل "اللّعنة الإلهية" و"أثر السحر والجن والقِوى الخفيّة". في هذا السياق، استنتج نورالدين طوالبي أنّ " 50 ،57% من العيّنة التي درسها صرّحت أنّ الاضطرابات هي ظاهرة ناتجة عن أمر سيء لا يُدركه البحث العلمي" (Toualbi, 1984)، ويتعيّنُ أساسا في "الجن" و"العين" و"القِوى الشريرة المُختلفة" التي لا يُمكن ملاحظتها، لذا " لا يُمثّلُ المرض، في الحقيقة، إلا مظهرا من المظاهر العامة لعمل القِوى الخفيّة" (Zerdoumi, 1982) .

يرتكزُ إذن التفسير التقليدي للاضطرابات النفسيّة على أفكار ميتافيزيقية، فلا تُفسَّرُ مثلا بخلل في الجهاز العصبي أو التركيبة المُخِيّة، بل كثيرا ما نجد هذا النوع من التفسير مُستبعد. ويُلاحظُ الشيء نفسه بالنسبة للعلاج، حيث تعتقدُ الثقافة الشعبيّة في فعاليّة المقدّس على تنوع مصادره في إحداث العلاج، فتارة يكون الله، وتارة الطْالَبْ وتارة الساحر وتارة الناشطون في دور الديوان المُتخصّصة في الطقوس العلاجية باستعمال إيقاعات موسيقية هدفها تحريض المُصاب إلى حالةٍ نفسيةٍ خاصة تُدعى الغيْبَة (transe)، وتارة الولي الصالح، والذي يظهر في الأوساط الاجتماعية كشخصية مقدّسة وتقيّة مُعترف بها "لأنّه حبيب الله والقريب منه"، حيث تعتقد جل الطبقات الاجتماعية، بما فيها المُثقفة أحيانا بقُدراتِهِ، فللولي الصالح، حسب خطابات الثقافة الشعبية"، قدرات خارِقة للعادة وكَرمات تشريفية بالنسبة للعملية العلاجيّة لأنّه قوي الإيمان والعلاقة بالله يجعله مُستجاب الدعاء الخاص بالشفاء والعافية.

سبق لجون دوفينيو "Jean Duvignaud" أن لاحظ أنّ التركيبة الاجتماعية مشاركة في طقوس الغيْبة العلاجية التي تُقام في البرازيل، على سبيل المثال، وتحديدا في مدينة رَصيف Récif، "فكل الناس، رجال ونساء من كل الطبقات الاجتماعية، عمّال ومُثقفون وفلاحون وموظفو المكاتب من كل الأجناس، وحتى المُلتزمون بالديانات الرسمية هناك، يأتون لتجربة ولعب أدوار مُخالفة للتي توفرها لهم الحياة الاجتماعية" (Duvignaud, 1977).

يُمكنُ تعريف العلاج النفسي التقليدي على أنّه مجموع التفسيرات المتعلّقة بالاضطرابات النفسيّة وكذلك مجموع التقنيات العلاجية غير الناجمة عن النظريات العلميّة الحديثة. فهو النموذج العلاجي النابع من التجربة الشعبية العفويّة، قّدّمت المُنظمة العالمية للصحّة للتعريف المُعالج التقليدي تقول فيه: "إنّها شخصية مُعترف بها من طرف الجماعة التي تعيش في وسطها، وذلك بكونها قادرة على تقديم علاجات صحيّة باستعمال مواد نباتية وحيوانية ومعدنية وطرق أخرى مبنية على الأساس الاجتماعي-الثقافي والديني، وعلى المعلومات والسلوكيات والمعتقدات المتعلّقة بالراحة الجسمانية، العقلية والاجتماعية، و بعلم أسباب الأمراض والعجز الصحي الظاهر داخل الجماعة") 1977(Chebel Malek, . ويبدو أنّ "البعد العلاجي النفسي قد مثّل منذ أبقراط أحد العوامل الأساسية رغم أنّه ضمني في التعاقد الذي يحكم واجبات الطبيب اتجاه أي مريض. أليس للنشاط العلاجي لأي طبيب في عمله اليومي بُعدا علاجيا نفسيا مهما كان اختصاص هذا الطبيب... في هذا المعنى نجد العلاج النفسي قديم قِدم الطب نفسه", )1968(Barande, ، وبما "أنّ كل الثقافات تعترف بالمرض وتملك طرقا لمعالجته"(Baras, 1978) ، بحيث"يرى بعض علماء النفس أنّه لا توجد أي ثقافة بدون نِظام عِلاجي نفسي تقليدي مُعقّد وفي كثير من الأحيان فعّال" )1984 (Boucebci, وتتجلى مظاهر المعالجة النفسية في الطقس العلاجي المتداول، والإقرارات الدينية والتعزيم والتشجيع–الحرمان والاستعمال التقليدي لتقنية التنويم المغناطيسي والسحر وإحياء الروح المفقودة والغيْبَة والتي يُمكِن وصفها على أنّها مظهر من مظاهر الاحتفال الشعبي وحالة وجدانية وجسديَة غير عادية تجعل المريض يتمظهر في صورة غير طبيعيَة. 

والمهم بالنسبة لهذه الحالة الوجدانيَة بالذات هو أنَّ كل من منظَمي هذه الطقوس والمعني بها مُباشرة، يُريدونها من البداية، ويطلبونها ويطمحُون إليها كغاية أساسيَة منشودة قبل شروعهم في مباشرة هذه الطقوس. ويُمكنُ تعريفُها على أنّها حالة نفسية نادرة مصحوبة بعدة حقائق وأعراض منها الارتعاش والذعر والروع وفقدان الوعي لِلَحظات والذهول والنشوة والشعور بالراحة تارة وبالارتياح النفسي التام تارة أخرى[1].يُعرِّفُ الطبيب المُختص جاك دونارس الغيْبَة بأنّها "مظهر جسماني يجتازُ في معظم الأحيان وبِعنف كل سلوك الفرد، حيث يبدو صاحبه للمُلاحظ الخارجي أنّ طبيعة الوعي الذي كان يربطه بمحيطه وبنفسه قد تَوقّفَ" (Donnars, 1985)، كما تعُرّف الغيْبَة على أنّها "ظاهرة نفسُ- جسدية باستطاعتها تحريك المُحتويات التعبيرية المُسجلة في جسم الإنسان" ،(Lapassade, 1975) ، ويتمثل هذا الباحث جسم الكائن البشري بمثابة مُذكرة للآلام والانفعالات المكبوتة، وترجع المُعتقدات المرتبطة بهذه الطقوس، حسب ما يبدو، إلى المصادر المعرفيّة للثقافة الشعبية[2]، والتي هي عموما مصادر معرفية عفويّة ناجمة عن تصورات وتفسيرات حدسيّة تكون في مستوى المعرفة غير الناتجة عن المجهود البحثي الذي يَشترطُه المنهج العلمي المُعاصر.

هناك العديد من النماذج الطقوسيّة العلاجيّة التقليديّة المُوظّفة للغيْبَة. سيتم في هذا المقال التركيز على ثلاث منها، وذلك بعرض وتحليل محتوياتها الثقافيّة ثم إظهار مكانتها لدى الأفراد الذين يَتَّبعون مُجرياتها ويؤمنون بفعاليتها.

النموذج الأوّل: طقوس فورتا ليزا في مدينة رَسيف بالبرازيل (Fortaleza)

قام الباحث الإثنولوجي جان ديفينيو Jean Duvignaud بنشر دراسة لطقوس الغيبة العلاجيّة المُمارسة في المناطق الشمالية الشرقية للبرازيل، والمعروفة بفورتاليزا Fortaleza ، وذلك في كتابه المُعنوَن "عطيّة اللاشيء" (Le don du rien) واستخلص الباحث على إثره أنّ الكائن البشري يمتاز بعدّة قدرات واستعدادات تجعله منفردا بها تتمثّل أساسا في القدرة على تحقيق الغيْبَة والقدرة على الضحك واللعب واستعمال الرموز، والقدرة على برمجة السلوك الهادف، ثم القدرة على العطاء (le don) والتي تعني القدرة على تقديم الهدايا حتى الثمينة منها دون انتظار مُقابل. وأكّد ديفينيو Duvignaud أنّ هذه القدرات هي خاصة بالإنسان وحده، فلا يُمكن للحيوان أن يُحقّقَ حالة الغيْبَة لأنّها تتطلّبُ ملكات نفسيّة وخياليّة مُعتبرة، كما لا يُمكنه أن يستعملَ الرموز لافتقاده التفكير التجريدي، كما أنّه يفتقد القدرة على الضحك والعطاء وتجاوز الغرائز التي تُشكِّلُ حدود العُضويّة التي ينتمي إليها، واستنتج الباحث أنّ تنظيم طقوس الغيْبَة تخضعُ مباشرة لنظام الرموز والمفاهيم الثقافيّة الشعبيّة المُكثّفة والسائدة في المنطقة المذكورة. يقول الباحث في هذا الإطار: "إنّ حالات الغيْبَة والاستحواذ هي حالات ترتبط بتنظيم مجموع التصوّرات الثقافيّة بصفة عامة، كما ترتبط بنموذج التجمّع الذي يُقام حيث يُسْمحُ لهذه الحالات بالظهور" Duvignaud Jean[3]. حدّدَ ديفينيو الغيبة على أنّها ظاهرة نفسُ فيزيولوجيّة لها علاقة مباشرة بحصيلة المُعتقدات التي تؤمِنُ بها الجماعة المُنظِّمة للطقوس، فالاعتقاد في قدرة الجنّ، أو تقديس شخصيّة ساحرة أو شخصيّة دينيّة هي مُعتقدات تتلاحم معها الأفراد من أجل التحقيق الفعلي لتلك الظواهر النفسيّة المُعقّدة، والتي تُعتبرُ الغاية المنشودة من طرف الجميع ألا وهي ظواهر الغيْبَة والاستحواذ، وذلك لأهميتها البالغة في العمليّة العلاجيّة. وعلى هذا الأساس لا يُمكنُ اعتبار الغيْبَة ظاهرة نفسية معزولة عن الواقع الثقافي لهذه الطقوس بالذات وترسانة الرموز التي تُحيط بها. أمّا بخصوص الأفراد الذين يُشاركون في هذه الطقوس، فقد لاحظ أنّهم يُمثّلون كل الفئات والطبقات الاجتماعية، فمنهم الطلبة، ومنهم المثقّفون والتجّار وأصحاب الأعمال وعمّال الإدارة وموظفو البنوك والفلاحون والبطّالون وأصحاب الديانات المسيحيّة والوثنيّة المختلفة، ثم المنتمون للأجناس العرقية المختلفة كالبيض والسود والهنود الحمر، أمّا بالنسبة لمتغيّر الجنس فالطقوس مُتّبعة من طرف الجنسين من الرجال والنساء.

أمّا من حيث وصف مُجريات الطقوس في هذه المدينة، فقد لاحظ الباحث الإثنولوجي أنّ المشاركين يجتمعون في الحفل قرب شاطئ البحر، يتغنون ويرقصون جماعيا، ثم يدخلون البحر من أجل القيام بالاستحمام. بعدها يتوجهون نحو أحد الأحياء الشعبيّة لمدينة رَسيف البرازيلية، أين توجد مجموعة من الدور تُدعى "تيريروTerreiro “، فيدخلونها من أجل التأثّر بالإيقاع الموسيقي ومباشرة الرقص والالتحام بالأجواء العاطفية والاجتماعية والتضامنية السائدة هناك، وعلى كلّ مُشارك أن يقوم بالمجهود الضروري من أجل التخلّص من كلّ الأعباء التي تفرضها الحياة الاجتماعية، كما لاحظ الباحث "مساواة مُطلقة بين الناس وزوال كل الاعتبارات الاجتماعية التي وتُصنِّفُ الأفراد داخل المجتمع كاعتبارات المال والطبقة الاجتماعية والمستوى الثقافي وامتلاك السلطة وعدم امتلاكِها"Duvignaud Jean [4]، ولاحظ أيضا أنّ الفرد، وأثناء تواجده داخل هذه الدور، يعيشُ لحظات تحرّر فعلي، حيث يستمتع بالأجواء الخالية من الصراعات والفروق؛ وتحقيق حالة الغيْبة المرجوّة يكون ممكنا عندما يتخلّص من أناه(Son Moi) ، أي الأنا الذي كان يَفرضُ عليه تصوّرات معيّنة في الحياة الاجتماعية وتصوّرات ناتجة عن الانتماءات الطبقيّة والمهنيّة. فالغيْبَة، إذن، هي بمثابة لحظات تحرّر من كلّ القيود، وهي حالة وجدانية لا تخضعُ لأي نظام أو تصنيف، بل هي حالة مُرتدّة على كلّ المواقف النظاميّة مهما كان مصدرها، وهي المواقف التي تشترط التدرّج في المراتب الاجتماعية سواء منها المُتعلّقة بالمراتب الإداريّة أو الماليّة أو العلميّة"[5]، وقد استنتج أنّ التهوّل أو الغيبة بإمكانهما أن يؤدّيان إلى حالة الاستحواذ (Possession) أين يتقمّص الفرد أثناء الغيْبَة شخصية معنويّة مرغوب فيها تكون دينيّة أو سحريّة، مما قد يُشابه ما حددته الثقافة الشعبية بالسحر الأبيض المُستعمل للتخفيف من حِدّة القلق والمُعاناة اليومية. وفي السياق نفسه، خاض الإثنولوجي في تقديم تفسيرات أيديولوجية للظروف المعاش العامة، فنجده يُرْجِعُ القلق إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي، وكأنّ الإنسان يُعبّرُ من خلال الغيْبَة وطقوسها بإلحاح عن رفضه للحضارة التكنولوجية واقتصاد السوق، كما لاحظ أيضا أنّ للغيْبَة عدّة مظاهر ونماذج تختلف باختلاف الأفراد وطِباعهم، فهناك الغيْبَة بالصُراخ، الغيْبَة بالضحك، الغيْبَة بالقلق، الغيْبَة بالصمت والغيْبَة بتحقيق رغبةٍ جنسيّةٍ، أمّا الوسائل التي تُستعملُ في هذه الطقوس فيذكر الأدوات الموسيقية، بعض الرايات مختلفة الألوان، التبغ للتدخين، المشروبات الكحوليّة، نبتة الرند للمضغ، بعض البخور، صنف من المُخدّرات وبعض الحلويات، وتستعملُ هذه العناصر أثناء المرحلة الأولى أما مراحل الطقس من بدايته إلى نهايته، فقد قسّمها الباحث إلى ثلاثة هي:

أ) مرحلة التحضير،

ب) مرحلة الغيْبَة،

ج) مرحلة ما بعد الغيْبَة.

أمّا بخصوص المعتقدات السائدة في هذا النموذج العلاجي فمرتبطة بأثر الجِنّ والأرواح المختلفة المشهورة هناك وهي أرواح الأوريكسا Les orixas التي تمثل في المُخيّلة الشعبية قوى مختلفة تعبّر عن العطاء والحبّ والمال والصبر، يشرع كل فرد إلى اختيار نوع القوّة التي يريدها والتي تكون في كثير من الأحيان قوّة مُضادة لسلوك الشخص الذي يعتبره سلوكا سلبيا. ويظهر أنّه يُعتقدُ في قوّات الأوريكسا في أماكن مختلفة من إفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتحديدا البرازيل والسلفادور. كما يُعتقدُ أيضا في "جِنّ البحر" أو "جِنّ الماء المؤدي للطهارة والصفاء" والمدعو "يامانجا" Yemenja. ثم هناك الاعتقاد في روح مريم المُقدّسة والتي تُصنعُ على شكل تِمثال وتُحمَلُ إلى مكان معين مُمثِّلةً صفةٍ رمزية لروحها، وكأنّها مُتواجدة بين الناس، كما يُعتقدُ أيضا في "إله النار والرعد" المسمى" كسانكو" Xango.

يرى جان ديفينيو أنّ طقوس الغيبة هي وسيلة تعبيريّة للإنسان الذي يُريد، من خلال مُمارستها، أن يستريحَ من ضغوطات وصعوبات وتعقيدات الظروف الحياتيّة العامة، فهو يُحاولُ الهروب والابتعاد مؤقّتا عن هذه الظروف، يُشعره فعلا عند الانتهاء منها بالاسترخاء والراحة والتحرّر، مُحصِّلا بذلك على توازن نفسي نسبي يُمَكِّنه من تجديد طاقاته لمُواجهة ظروف الحياة من جديد، لكن في حالة نفسيّة تكون أحسن بكثير من الحالة التي كان فيها قبل مباشرة هذه الطقوس؛ يدلُّنا على الطابع العلاجي الذي تتميّزُ به.

النموذج الثاني: الغيْبَة والرقص- والعلاج

استمدّ الطبيب المُعالج جاك دونارسDonnars Jacques  تقنيته العلاجيّة من الطقوس الشعبيّة التقليدية المبنيّة أساسا على الغيْبَة. وقام بشرح مجريات وتفاصيل هذه التقنيّة عبر صفحات كتابه المذكور: "الغيْبَة، تقنيّة الانشراح". أهم نتيجة تُستخلص من هذا الكتاب هو الربط الواضح الذي أراد هذا الطبيب المُعاصر أن يُظهره في ثنايا صفحاته، بين الغيْبَة بوصفها حالة نفسيّة خاصة والعلاج النفسي كنتيجة مُنتظرة مؤدية إلى التخفيف من حدّة الاضطرابات النفسيّة. لقد تأثّر هذا المُعالج النفساني، كما صرّحَ بذلك في بداية مشواره المهني، بتجارب أحد أطباء الأمراض العقليّة المُعاصرين، البرازيلي الجنسيّة، الذي استعمل طريقة الغيْبَة المُنبثقة عن الطقوس العلاجيّة الشعبيّة الممارَسة في بعض مناطق البرازيل لعلاج العُصابيين دافيد أكستاين .David Akstein

عَمَدَ دونارس إلى تطوير هذه التقنيّة العلاجية حسب أسلوبه الخاص وسُميت طريقته بالكلمات الثلاثة: الغيْبَة -الرقص-العلاج، والمرادفة للكلمات الفرنسيّة Transe- Terpsichore- Thérapie :  (La T.T.T)، ويرى الطبيب أنّ هناك اختلاف، نوعا ما، بين نموذج هذه التقنيّة والنماذج التقليدية التي تُمارس في الأوساط الشعبيّة بوصفها طقوسا، إلا أنّه يتشابه كثيرا معها في ثلاثة مسائل هامة. تتمثّلُ المسألة الأولى في الغرض المنشود لكليهما والمُتمثّل في وصول المُشارك إلى حالة الغيْبَة المُنتظرة، وتتمثّلُ المسألة الثانية في استعمالِهما لجسم المُصاب وتحديدا" لفيزيولوجيا الجهاز العصبي أثناء حدوث حالة الغيْبَة" (Donnars, 1985) ، وتتمثّل المسألة الثالثة في توظيفِهما للإيقاع الموسيقي والرقص لتحقيق الارتعاش المُراد، والذي يُعرف بحالة الغيْبَة "[6].

تخضع الغيْبَة، حسب الباحث، إلى العامل الثقافي والاجتماعي بحيث تمثل التصوّرات والمُعتقدات الشعبية العامل المُحرّض لتحقيق هذه الحالة، أمّا الاختلاف القائم بين الغيْبَة الطقسية والغيْبَة المُحَقَّقة بالتقنيات الحديثة، فيكمن في أنّ الأولى تعتمدُ المُعطيات الثقافية الشعبية من معتقدات وتصوّرات وممارسات محليّة مثل الاعتقاد في الجنّ والكائنات السحريّة، ثمّ استعمال الذبح والألبسة المختلفة وزيارة الأولياء وتقمّص الشخصيات المعنويّة المُفضّلة شعبيا، أمّا الثانية فنجدها مرتبطة بتوظيف معرفة علميّة متعلّقة بالجهازين العصبي والتنفسي. يقول جاك دونارس أنّ التقنية التي يعتمدها مبنية على أساس نفس فيزيولوجي(psychophysiologique) . أمّا المراحل التطبيقيّة الأساسية التي يتبعها مع المُصابين، فقد صنّفها في ستّة مراحل تظهر حسب التقسيم التقني التالي: البثّ الموسيقي، تمارين التنفس، الوضعية العامة للمُشارك، تثبيت العنق وغلق العينين ودوران الرأس، وتحديد عدد المساعدين بالنسبة للمُشارك الواحد، والموقف اتجاه المُشارك أثناء حدوث الغيْبَة الفعلية أو أثناء سقوطه "[7] .

ويمكِنُ تلخيص مُجريات تقنيّة جاك دونارس كالتالي: يُشرَعُ في بث إيقاع موسيقي تمّ تحديده واختياره من طرف الطبيب المذكور أعلاه دافيد أكستاين وسَبَقَ أن وظّفه في البرازيل أثناء الحِصص العلاجيّة. يظهر أنّ لهذا الإيقاع ميزات خاصة بذلك البلد. لكن يقوم بتعديله حسب أذواق وطلب المُصابين في فرنسا. يُفهمُ من هذا التعديل أنّ لكلّ مجموعة بشريّة إيقاعات مُعيّنة ترغبُ في سماعِها أثناء مُتابعتها لهذه الحِصص. بعدها، يقوم أحد أفراد الفِرقة المُنظِّمة بوضع يديه على عُنق المُصاب وجبهته، ويُحاولُ مساعدته على القيام بدوران الرأس حسب اتجاه عقارب الساعة طالبا منه الشروع في عملية التنفس وِفق نظامٍ معيّنٍ. يُؤكّدُ الطبيب المعالج أنّ عمليتا دوران الرأس والتنفس يؤديا إلى حالة تُشبه حالة الدوار، وهي مرحلة تحضيريّة هامة تهيئ المُصاب إلى مباشرة المراحل التي ستلي ذلك، كما أنّ تأثير الإيقاع الموسيقي يكون أكبر في هذه المرحلة، ويُطلعنا المُعالج أيضا أنّه يحرص على تطبيق مبدأ هام قبل مُباشرة العمل العلاجي مع المُصابين، ويتمثّلُ هذا المبدأ في ضرورة تطبيق التقنية العلاجيّة على كلّ مساعديه ليكون الجميع مُلِما بكلّ تفاصيل المراحل العلاجيّة.

يُلاحظُ المبدأ نفسه تقريبا عند المُحلّلين النفسانيين، إذ يفرضون على أنفسهم مُتابعة حِصص علاجيّة قبل مُباشرة مشوارهم المهني مع المُصابين. أمّا بالنسبة للوقت الذي تستغرقه حالة الغيْبَة في حدّ ذاتها فهو يتراوحُ بين 10 و45 دقيقة. وقد فسّرَ هذا الاختلاف إلى الفروق الفرديّة في طِباع ومِزاج الأفراد. أمّا الخصائص السلوكيّة التي تمكّن من ملاحظتها عند المُشاركين في الحِصص العلاجية، وخاصة أثناء حدوث حالة الغيْبَة المرغوبة فهي: سيلان العرق بكثرة، صُراخ، ضغط نفسي مُعتبر، حركات جسمانية غير مُنتظمة وحالة إغماء وتعب. تعاش الغيْبَة عموما كسابِقة انفعالية فريدة من نوعها، غريبة وخارجة عن العادة، حيث لم يسبق للفرد أن عايشها قبل قدومه إلى العيادة، وبعد انتهاء مظاهر الغيْبَة، يُبادر المساعدون إلى حمله ووضعه على فِراش ليستريح قليلا، وبعد انتهاء الحصّة العلاجيَة "يشعرُ المُصاب براحة نفسيّة وجسديّة وكأنّه تخلّص من ثقل كبير "[8].

يتمكّنُ المُشارك، بعد هذه التجربة من الانتقال إلى مستوى آخر من الوعي يُشْعره بثقة أكبر في قدراته من أجل التغيير الإيجابي. وهذا ما يُمثّلُ كما يرى جاك دونارس "بداية الطريق نحو العلاج النفسي وعلاج بعض الأمراض العضويّة كما يتمكّنُ المُصاب من وعيه بحدوده "[9]، أي تحقيق الوعي بحدود قدراته بحيث يصبح مُقتنعا بمواقف التواضعِ وتقبّل الذات كما هي، وحينها يبتعد عن أعراض القلق والمخاوِف والحيرة. وبالنسبة للقلق، يؤكّدُ صاحب المرجع أنّه يزول بصفة تامة بفضل إتّباع هذه التقنية العلاجية، فيشعر بعدها المُشارك بالطمأنينة والانسجام والراحة، كما لاحظ أيضا تحسّنا مُدهشا للحالات المرضية المتمثّلة في الربو (l’asthme) والنملة أو الحساسيّة الجلديّة (l’eczéma)[10] .

النموذج الثالث: طقوس دار الديوان بمدينة سطيف بالجزائر

تمّ جمع بيانات دار الديوان الكائن مقرها بمدينة سطيف على إثر تحقيق ميداني أجري سنة 1989 لنيل شهادة ماجستير في الثقافة الشعبية )سامعي توفيق 1995(، حيث قُمنا بزيارة هذه الدار برفقة أحد ناشطيها القدامى، وقد استُعمِلَت في ذلك وسيلتي المُقابلة والملاحظة المباشرة في الحصص المتعلّقة بالرجال فقط وهذا راجع إلى رفض النساء حضور الباحث.

للعلمِ مارَسَت هذه الدار نشاطها العلاجي منذ الفترة الاستعماريّة إلى حدّ سنوات السبعينات بعد الاستقلال، حيث توقّفت عن العمل نظرا لضغوطات تعرّض لها مسؤولوها. وترجع أسباب هذه الضغوطات، حسب تصريحات المُشرفين عليها إلى اعتبارات دينيّة بدأت تسود في المدينة، مفادها أنّ طقوس دار الديوان، كممارسات الذبح والرقص على سبيل المثال، تحتوي على أفكار وممارسات لا تنسجمُ مع العقيدة الإسلامية. ويبدو أنّ دور الديوان الثلاثة المتواجدة في مدينة قسنطينة أيضا ("دار بَحْري"، ودار "هَوْصَة، ودار" بَرْنو") قد عَرفت هي الأخرى الضغوطات نفسها ما أدّى إلى تراجع نشاطها بصفة مُعتبرة. 

تقع دار الديوان في المنطقة الشماليّة الغربيّة لمدينة سطيف بشرق الجزائر، وهي المنطقة المسماة بِلار باللهجة المحليّة، نسبة إلى التسمية الفرنسيّة "Bel air". وهي مُتواجدة وسط أحد الأحياء المعروف باللهجة المحليّة (كارطي الوصفان) أي حي الزنوج، ذلك لأنّ المشرفين على الدار هم سود البشرة يرجعون أصولهم للهجرات الإفريقيّة[11]. تقدّرُ مساحة هذه الدار التي تُقامُ بها هذه الطقوس العلاجيّة بحوالي خمس وعشرين (25) م2.

يُلاحَظُ الوافد على دار الديوان لأوّل وهلة مجموع الوسائل الموسيقيّة مُعلّقة كلّها على الجدران، وهي الوسائل التي تُوَظَّفُ أثناء تنظيم الطقوس، كما يُلاحَظُ قِطع من القماش ذات اللون الأخضر اللامع، المشابه دائما لما هو موجود على أضرحة الأولياء الصالحين. ويبدو أنّ الوظيفة الأساسيّة لدار الديوان، سواء عند المشرفين عليها أو عند الأوساط الشعبيّة، يتمثّلُ في مُعالجة المرضى المُصابين بالاضطرابات النفسيّة. يتمُّ هذا العلاج بصفة عامة عن طريق عمليّة تحريض المريض لتحقيق حالة الغيْبَة المنشودة، وذلك باستعمال عدّة وسائل بما فيها الإيقاعات الموسيقيّة المُتواصِلة.

يتميّز تصوّر مُشرفي دار الديوان للاضطرابات النفسيّة بالبساطة وبالطابع السحري- الديني، إذ يُصنّفونها إلى صِنفين، ويرجع هذا التصنيف إلى الأسباب المؤديّة لكلّ منهما. يُعتقدُ في دار الديوان أنّ الأسباب المتعلّقة بـ" الجن" هي المُتسبِّبة للصنف الأوّل، وتكون الأسباب المتعلّقة بـ" الله"، هي المُتسبِّبة للصنف الثاني الذي يُحدَّدُ مرضه على أنّه "مرض الطبيب".

بالنسبة للقسم الأوّل من المرض النفسي، يَرى القائمون على هذه الدار أنّ الجِنّ يدخل إلى الشخصية فيُسبِّبُ لها القلق والخوف وكلّ الأعراض السيّئة. ويبقى الجِن مُسيطِرا ومُتحكِّما فيها بصفة سلبيّة ما دام بداخلها. ويُعتَقدُ أيضا أنّ الأماكن التي يُمكنُ أن يتعرَّضَ إليها الإنسان لأذى الجِن هي متعدّدة، فمنها الأماكن القذِرة والأماكن الموجود فيها المياه كالأودية والحمامات وبيوت الخلاء، والأماكن الموجود فيها الدِّماء كالمذابح والأسواق الليلية خاصة، كما يُعتقدُ أنّه من الممكِن للجِن أن يُصيب المرأة عند مُباشرتها غسل أمعاء الخروف ومعدته ورأسه لتحضير الطعام، كما يُمكنهُ أن يُصيبُ المسلِم إذا توضأ دون النُطق بالبسْملة، أمّا الاضطرابات النفسيّة التي يروْنَ أنها آتية من عند "الله" فلا يقبلون أصحابها في مثل هذه الطقوس وينصحونهم بالتوجّه إلى مُعالج نفساني مُختص أو إلى مستشفى الأمراض العقليّة لتلقّي العلاج المُناسب.

يتمثّلُ العلاج النفسي التقليدي بالنسبة لدار الديوان في عمليّة "إخراج الجِن" المُتواجد في شخصية المُصاب الذي تأكّد أنّه مُستحوذ عليه، أمّا المُصاب الذي تلقّى ضربة فقط من "الجِنّ" أو حدث أنْ لامَسَهُ في حمام أو مستنقعِ (المس أو الأذى كما يقولون)، فالعلاج في هذه الحالة يكون بنزع أثر هذه الضربة أو هذا المسّ. وتتحقّق المرحلة العلاجيّة الأخيرة والحاسمة في دار الديوان وفي كلّ الحالات عندما يَصِلُ المريض إلى حالة الغيْبَة المُرْتقَبة والتي تُجْبِرُ "الجِن" على مُغادرة ذاته، أو تؤدي إلى إزالة أثر الضربة التي تلقّاها منه. ويكون كلّ ذلك مُمْكنا بفضل توفّر مجموعة من العوامل هي: إرادة المريض والذبح والبخور والرقصات المُتواصلة بسماع الإيقاعات والنغمات المرغوبة والمُكثَّفة.

تستغرقُ الحصّة العلاجيّة عامة ساعتين أو ساعتين ونصف، وذلك حسب الحالات[12]، وإذا لم ينجح الجميع في إيصال المريض إلى حالة الغيْبَة المطلوبة فيقوم أفراد أسرته بنقله إلى المنزل العائلي ليستريح قليلا ثم تُرجعه مرّة ثانية ليُباشرَ حصّة علاجيّة ثانية.

تستعمل دار الديوان العديد من الوسائل أثناء طقوسها العلاجيّة، ومن جُملة هذه الوسائل نذكر: وسائل التبخير بمادة الجاوي، التيس أو الخروف الذي يُذبح أثناء الحصّة، الوسائل الموسيقيّة المختلفة ومنها ثلاثة أنواع من الطبول تختلفُ في أحجامها، فمنها الطِبل الكبير، ومنها "السَرَّاحْ" وهو طبل متوسط الحجم، ومنها "الكويو" وهو أصغرهم حجما؛ ثم هناك "الكوركوتو" وهي آلة خشبيّة وجلديّة يُضْرَبُ عليها بأعمدة صغيرة، كما نجد أيضا قراقب حديديّة والمزمار، وأخيرا ما يسمّى "الشكوة أو الزرنة" التي يتم استعمالها من خلال نفخها بالهواء.

بعد أن يُقدّم المريض أو عائلته دعوة المُشاركة في الحصّة العلاجيّة، يُحدّد الموعد لذلك. وعند قدومه إلى دار الديوان يُستقبلُ من قبل المشرفين عليها. بعدها يأمرونه بالجلوس مباشرة على الأرض في وسط الدار. يتقدّم أعضاء الفرقة وكل واحد يحملُ الآلة التي سيستعملها؛ ثم يتقدّم قائد الفرقة ليطرح عليه بعض الأسئلة متعلّقة بمرضه وبمعاناته وبآلامه، فيحثه في هذه الخطوة الأولى على التعبير عن خفايا نفسه، وعند التأكّد من أنّ سبب المرض هو الجن تشرع الفرقة في إنتاج الإيقاعات الضرورية للحصّة والتي تُدعى من طرف دار الديوان "الحَرْجْ".

وبينما يبقى المريض جالسًا وسط الدار، تقوم امرأة بإشعال البخور الذي سيؤثّرُ بصفة كبيرة على المريض من خلال التأثير على الجهاز العصبي للمريض، وذلك نظرا للخصائص الكيميائيّة التي يحتويها، وفي هذه اللحظة بالذات يبدو المريض مهيئا تماما للمشاركة الفعليّة في الحصّة، فيقف ويُباشر حركات الرقص مُحاولا الانسجام مع النغمات والإيقاعات الصادرة، وبدون توقّف حتى يُحقّق الغيْبَة المُنتظرة. وأثناء الحصّة يُذبح تيس في فناء الدار ويُؤتى بقطرات من دمه لتلطّخ على جبهة المريض وعلى جلد كلّ الطِّبال المنتجة للإيقاع، وحينها يقوم فرد أو اثنين من عائلته لكي يُمْسِكوه لأنّه سيكون أثناء لحظات الغيْبَة في حالة تُشبه الغيْبوبة، إذ يُصدِر حركات عنيفة غير مُنتظمة وغير مُركّزة تدلّ على أنّه يعيش فعلا "حالة ثانية” (état second) كما يقول: جورج لاباصاد(Lapassade Georges) [13] نظرا لِما يُصيبه من تدَهْورٍ نفسُ- فيزيولوجي مؤقّتٍ، لكنّه سيحملُ توقّعات إيجابية على الحالة النفسية العامة للمعني بعد انتهاء الحصّة، هنا يقول الممارسون للطقوس العلاجية " فرّج عليه "، بمعنى أنّه تخلّص من الجِن الذي كان بداخله، والذي كان يُسبّب له التّعاسة والمرض، فيخلّص أناه من العناصر الشريرة، وبالتالي يُحقّقُ المعالجة التي تعني الراحة والتوازن النفسيين.

هنا يبدو أنّ "تجربة الغيْبَة تقودنا إلى مُلاحظة أنّه يُمكنُ للأنا أن يتحطَّمَ سامحا بذلك إمكانية تحقيق نماذج غير متناهية ومفتوحة من الوعي. وكأنّ شيء يحدث هنا في هذه اللحظات، والذي نجده غائبًا عن تحليل الأنثروبولوجيين، ويتمثّل هذا الشيء في أنَّ: الإيقاع والرقص يساعدان الجسم من التخلّص من الأنا المفروض، لكنّهما لا يقترحان دورا آخرا يُمكن أن يلعبه المعني"(Duvignaud Jean) [14]. يقول أحد المشرفين على الدار: "إذا وصل المريض إلى حالة الغيْبَة يُمكن القول أنّ غرض الحصّة قد تحقّقَ، أي أنّه وصل إلى الشفاء، الأمر الذي يُفْرِحنا جميعا".

بعد تحقيق حالة الغيْبة يُتَكفّلُ بالمعني جيدا حيث يستفيد برعاية خاصة، فيحملونه إلى مكان خاص من الدار، يمسحون عرقه ويرشونه بالعطور، ثم يُغطّونه بأغطية خفيفة، ويتركونه لينام قليلا. يتفاوت زمن استغراق الحصّة من حوالي ساعتين إلى ساعتين ونصف، ويرجع هذا التفاوت، حسب ما صرّحَ به مسؤولو الدار إلى مزاج المعني وإلى درجة تفاعله مع الأنغام الموسيقيّة المُقدّمة.

خلاصة

إنّ المعنى الإجمالي الذي يمكن استخلاصه من طقوس الغيْبَة الديوانيّة هو أنّ دار الديوان بفضل نظامها الاعتقادي ذو الطابع السحري- الديني والتي كانت تمتلكه وتقترحه، إضافة إلى الرقص والغيْبَة الموظّفان بدقّة من خلال رصيد التجربة التي جُمِعت في هذا المجال، كانت تستجيب لمطلب اجتماعي، حيث تمثّلت وظيفتها في التخفيف الفعلي من شدّة الاضطرابات والمُعاناة النفسيّة.

من هنا تظهر لنا العلاقة وثيقة بين الثقافة الشعبية والعلاج النفسي، حيث يتمثّلُ دورها في هيكلة التصوّر العام للمشارك المُضطرب وتحريضه لإتباع سيرورة الطقوس من بدايتها إلى نهايتها. ولقد لوحِظت هذه العلاقة في الكثير من الثقافات الإنسانية عبر العالم، حيث قيلَ عن المُشارك في طقوس الفودو الشهيرة  (le vaudou)في هايتي Haïti : "تزول الأعراض المرضيّة عامة حسب العادة عند انتهاء الرقص، وسيناريو هذا الطقس هو مخطّط من طرف الثقافة" (Tousignant et Murphy, 1978). لقد استُعمِلَ الرقص منذ القِدم في العلاج النفسي، حيث "يأتي في مقدّمة الفنون التي استعملها الإنسان منذ أقدم الحضارات الإنسانية، والتي قَدّمت له فرصة مُتميّزة من خلاله للتنفيس من التوتر الداخلي والروحي والنفسي ومن العواطف والرغبات المكبوتة" )إبراهيم الحيدري، 1984(، كما لوحِظَت في الكاميرون وساحل العاج وفي العديد من بلدان إفريقيا أنّ الطقوس العلاجية المبنيّة على الرقص تمارس بكثرة إلى حدٍّ جعل الأفارقة يقولون: "نرقص من أجل الشفاء"(Mokhtari, 1969) . ولقد أكّدت البحوث الإثنولوجيّة أنّ كل الأعمال الخاصة بالطقوس التقليديّة والمتمثّلة في تقديم الهدايا، الذبح، التبخر والغيْبة هي أعمال تُبين مدى علاقة الثقافة بالظاهرة العِلاجيّة")1967(Rodinso,. في هذا السياق، يبدو أنّ سبب "الفعالية النسبيّة" لدار الديوان في المُعالجة النفسيّة يرجع إلى تأثير عدّة عوامل مُتداخلة هي: عامل الثقافة الشعبية، عامل الثقة المعتبرة التي يوليها زوار دار الديوان لقدراتها العلاجية، عامل الإيقاع الموسيقي، ثم عامل الغيْبَة وما تُحدثه من تأثير وتغيرات سيكودينامية في شخصية المريض الراقص. ولقد أكّدَ العلاج النفسي الحديث عبر إحدى نظرياته وتقنياته المُحدّدة "بالعلاج النفسي بالموسيقى" أنّ الإيقاع والنغم الموسيقيَيْن لهما تأثير إيجابي في الحدّ من بعض الاضطرابات النفسيّة، وفي انشراح الشخصية، وقاعدة التأثير لهذه التقنيات السيكوموسيقيّة هي الأساس الحسي والعاطفي للإنسان" (le court, 1980),.أما بالنسبة للعامل الثقافي، فقد استنتج العديد من الباحثين إمكانية تأثير الثقافة على المعالجة، حيث لوحِظَ صعوبة تطبيق طريقة التحليل النفسي Psychanalyse على المُصابين الإفريقيين الذين يمتلكون رصيدا ثقافيا يختلف عن رصيد الثقافة الغربيّة (Tobie, 1986)، وقد اتجه أحد أطباء الأمراض العقلية المشهورين والمدعو هانري كولامب  (Henri Collomb)إلى حدّ اقتراح مشاركة المُعالجين التقليديين في مستشفى الأمراض العقلية بمدينة داكار، حيث سمح للمعالجين التقليديين المشهورين هناك أمثال "داود ساك" القيام بعمله العلاجي المؤسّس على طريقة الرقص والتدليك التابعة للطقس العلاجي المدعو ندابْ . (Berthome, 1981) (Ndoep) يبدو مؤكّد أمبريقيا أنُ طقوس الغيْبَة قادرة على إحداث نوع من الوعي التجاوزي عند المشارك فيها، وبالتالي إحداثها كذلك التملّص الوجداني من خلال التخلّص مؤقتا من الثِّقل الذي كان يعرفه المُصاب قبل مباشرة الطقوس وتحقيق مُعالجة نسبية. تأسيسا على ما سبق، يُمكنُ اعتبار طقوس الغيْبَة لدار الديوان منتجة لوعي تجاوزي وفي المسار نفسه محققة لتملّص وجداني ومُعالجة نفسيّة نظرا لقدرتها على التخفيف من حِدّة بعض الاضطرابات النفسيّة ذات البُنية العُصابيّة (névrose) لا الذهانيّة (psychose) كون هذه الأخيرة تشترطُ من أجل التكفّلِ بها طبيب الأمراض العقليّة.

المراجع

باللّغة العربية

العنتيل، ف )1978(. بين الفولكلور والثقافة الشعبية. القاهرة: الهيئة المصرية. للكتاب. مصر.

الحيدري، إ )1984(. إثنولوجيا الفنون التقليدية. الطبعة1، سوريا: دار النشر والتوزيع.

بن نعمان، أ )1988(. سمات الشخصية الجزائرية من منظور الأنثروبولوجيا النفسيّة. الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب.

سامعي، ت (1995). العلاج النفسي التقليدي لدور الديوان، قسنطينة ـ سطيف، أطروحة ماجستير، جامعة تلمسان. تلمسان: معهد الثقافة الشعبيّة.

باللّغة الفرنسيّة

Barande, R. (1968). Méthodes psychothérapiques, psychothérapie de la pratique courante, encyclopédie médicochirurgical. Paris : éditions techniques.

Baras, R. (1978). Thérapie et culture, encyclopédie médicochirurgical, psychiatrie, D-37725. Paris : éditions techniques.

Berthomé, C. (1981), entre le guérisseur et le psychiatre. Le monde. Dimanche, 20 décembre.

Boucebci, M. (1984). Maladie mental et handicap mental. Alger : éditions Enal.

Chebel, M. (1977). Médecines traditionnelles ou le pouvoir des Taleb, mémoire de fin de licence. Université Mentouri. Département de psychologie, Constantine, Algérie, juin.

Donnars, J. (1985). La transe : technique d’épanouissement. Paris : éditions Sand.

Duvignaud, J. (1977). Le don du rien. Paris : éditions Stock/monde ouvert.

Le court, E. (1980). La pratique de la musicothérapie, collection sciences humaines appliquées, 2ème édition, Paris : ESF.

Lapassade, G. (1975). Socioanalyse et potentiel humain. Recherches institutionnelles. France : Gauthier – Villars.

Maxime, R. (1967). Magie, médecine possession en Éthiopie. Paris : éditions Mouton.

Mokhtari, O. (1969). 1er festival panafricain. Alger : éditions Algérie- actualités.

Tobie, N. (1986). La folie des autres, traité d’ethnopsychiatrie clinique. Paris : Bordas.

Toualbi, N. (1984). Le sacré ambigu. Alger, Algérie : éditions ENAL.

Tousignant, M., et Murphy, H.B.M. (1978). Fondements anthropologiques et l’ethnopsychiatrie, encyclopédie médicochirurgicale. Paris : psychiatrie, 4- 377115-A-10.

Zerdoumi, N. (1982). Les enfants d’hier, l’éducation de l’enfant en milieu traditionnel algérien. Paris : éditions François Maspero.

Ziegler, J. (1979). Le pouvoir Africain. Paris : nouvelle édition. Éditions du Seuil.


الهوامش

[1] تعرّفتُ على هذه الأعراض والحقائق إثر الملاحظة المباشرة التي قُمنا بها في دار الديوان المُتواجدة في الحي الشعبي المدعو »السويقة « بمدينة قسنطينة أثناء تتبعنا للحصص المُسماة » الدرْدْبَة «  (أفريل 1989).

[2] إذا أردنا تحديد مفهوم للثقافة الشعبية لقُلنا أنّها تلك الثقافة المُكتسبة والمُتناولة تلقائيا وعفويا في الأوساط العائلية وخارجها، والتي تشمل العقلية الشعبيّة والذهنيات التابعة لها، ومجموع العادات والتقاليد والطقوس والأدبيات المختلفة من قِصص شعبيّة وأشعار وخرافة وحِكايات وألغاز وأغاني تكون عامة ومجهولة المصدر.

[3] Op. cit., p. 16.

[4] ibid., p. 16.

[5] Ibid.

[6] Ibid., p. 147.

[7] Ibid., p. 43.

[8] Ibid., p. 124.

[9] Ibid., p. 160.

[10] Ibid., p. 124.

[11] نظرا لغياب وثائق رسميّة في بلديّة سطيف تدلُّ على أصول هؤلاء الزنوج، اضطررنا إلى الاعتماد على بعض الإخباريين وهم كبار مشرفي دار الديوان وناشطيها بالدرجة الأولى، ثم بعض المُسنين من المدينة. ويبدو حسب بعض الناشطين القدامى لدار الديوان وقادتها، وهم (ب.س)، و(ب.ع)، و(ب.ز) أنّ ناس دار الديوان قد قدِموا من "السودان"، ويَقصدُ هؤلاء الإخباريون بكلمة "السودان" القارة الإفريقية بكاملها وليس بلد السودان وحده. ويُسمونهم في المدينة " وُصْفان "، وهي الكلمة التي تعني السود أو الزنوج، وقد جاؤوا إلى منطقة شمال إفريقيا إبّان فترة انتشار نظام الرّق المعروف ببيع وشراء البشر خاصة الأطفال منهم.

[12] تابع الباحث عينة من 15 مشارك في الحصة العلاجيّة، اختيرت بصفة عشوائية، أغلبهم من النساء حيث كان منهم 10 نساء و5 رجال طالب للعلاج. من الميزات الهامة لأفراد العينة هم أنّهم
لا يُعانون من أمراض عقليّة حادة كالأمراض الذُهانيّة التي لا تُقبلُ مشاركتها بل أنّهم يُعانون جميعا من اضطرابات عُصابيّة وهم واعون بحالتهم. حالتهم النفسية:

قبل الحصة: بناء على تصريحات أفراد العينة ظهر أنّهم يرغبون كثيرا في المشاركة في الحصة العلاجيّة ومباشرة كل مجرياتها، كما أنّهم يُعايشون اضطرابات وخصائص نفسيّة مختلفة تتفاوت من حيث ماهيتها وشدّتها. وعلى العموم فهم يُعانون من عدّة سِمات نفسيّة هي: الخوف (الفوبيا) منها الخوف من الفشل، الخوف من العلاقات الاجتماعية، الخوف في الوسط المهني، ثم القلق، الاكتئاب، الشعور باليأس، الشعور بتدني تقدير الذات، الأرق، تعب وشعور بالانهيار العصبي، العزوبة، مشكلات عاطفية على مستوى العلاقات الزوجية داخل الوسط الأسري وخارجه، أفكار هستيرية حيث تتصوّر الحالة أنّها مسكونة من طرف الجِن.

بعد الحصة: بعد تحقيق حالة الغيْبَة تُعايشُ الحالات دقائق تكون فيها غائبة عن الوعي تشعر الحالات المدروسة بالتعب الجسدي من جراء المجهود المبذول في الرقص طوال كل مراحل الطقس حيث يُلاحظُ سيلان العرق، كما يظهر على الحالات دافع للاستراحة والنوم. كما تشعر الحالات بالارتياح النفسي والغِبطة والسعادة والانتشاء والخِفّة وكأنّها تحرّرت من عبء كان يُثْقِلها.

ويُمكن اعتبار هذا العبء ناتجا عن المعاناة والاضطرابات التي عرفتها الحالة، كما يُمكن تفسير الشعور بالارتياح كنتيجة لعمليّة التنفيس الوجداني التي تحقّقت بفعل قوّة التأثير التي أحدثتها الغيْبَة والإيقاعات النغميّة والنشاط النفس جسدي المُكثَّف الذي سبقها.

[13] Ibid., p. 160.

[14] Ibid., p. 35.

 

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

© Copyright 2018 CRASC. Tous droits réservés.

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Plate-forme réalisé par : BAKIR Ilyes & DEKHIR Abdellah Merouan

Recherche