حاج ملياني، (الإشراف)، الانتاجات الثقافية استقبالاتها: الأدب، الموسيقى والسينما. منشورات مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، 2016، عدد الصفحات 199


إنسانيات عدد مزدوج 75-76| 2017 | حول الإصلاحات في الجزائر| ص 53-56| النص الكامل


"يندرج كتاب "الثقافة بين الإنتاج والتلقي: أدب، موسيقى وسينما" ضمن الكتب التي تهتم بإنتاج وتلقي الثقافة. وبهذا الخصوص، يتم النظر للمسألة من زاوية أخرى مرتبطة بالصناعة والسياسة الثقافية وشروط أو ظروف استقبالها من طرف المستهلكين، وكذا النظر إلى السيّاق التاريخي الذي انبثقت فيه. ويقدم لنا الكتاب دراسات تخص موضوع النشر والقراءة (الكتاب) في نصوص تشمل صناعة الكتاب الجزائر، المقروئية وما تعلق بأدب الطفل. وبالنسبة لموضوع استقبال الأعمال السينمائية، فقد تم التّطرق إلى مهرجان وهران للفيلم العربي. وأخيرا، فقد كان للأغاني والموسيقى حض وافر من الدراسة. إن هاته النصوص، وعلى اختلاف مواضيعها وسياقاتها الثقافية، مرتبطة بنشاطات مشروع البحث حول "التراث الثقافي والتكنولوجيات الجديدة للاتصال" الذي يشرف عليه الأستاذ والباحث المشارك حاج ملياني. والذي يقول في التقديم أنه : لا توجد وحدة عضوية بين النصوص المقدمة، فكل نص يتوافق مع نشاط علمي منفصل للمشروع.

 في البداية، وبالنسبة لصناعة الكتاب في الجزائر، تم التّطرق لمفهمين رئيسان أولهما حول "الصناعات الثقافية" الذي جاء ليحل محل مصطلح "الثقافة الموجهة للجماهير". وهنا يتبيّن أن الصناعة مرتبطة بمبدأ التقنين والقياسة La standardisation  وعقلنة سيرورات الإنتاج. وقد ظهر المصطلح في سياق انبثاق وسائل الإعلام ذات الانتشار الكثيف والواسع من أجل تقديم تحليل نقدي لقياسة المحتوى والبحث عن التأثير الموجود على نقيض ما هو بالأساس عمل فني (مدرسة فرونكفورت). أما المصطلح الثاني، فمرتبط بـ "السياسة الثقافية"، وفي هذا المجال، لا تمتلك الجزائر وثيقة مكتوبة. وفي المقابل، توجد خطاطة توجيهية تخص الممتلكات وخدمات التجهيزات الثقافية الكبرى. وهي وثيقة في خمسين صفحة، وضعت فيها وزارة الثقافة خارطة تتوافق مع الواقع، مقدمة إحصاءات وعناصر برنامج استثمار بالنسبة لكل قطاع ثقافي. وعموما، نلمس قلة الاهتمام بالصناعات الثقافية سواء بالنسبة للباحثين أو السلطات بسبب عاملين مرتبط أحدهما بالاقتصاد الرعوي، والآخر راجع إلى الحد من الحرية المقاولاتية في المجال الثقافي وذلك نظرا للمراقبة التي تفرضها الدولة على إصدار ومنح التراخيص. (ص. 18)

ورغم أن صناعة الكتاب تُعد من أقدم الصناعات بالمقارنة مع الفروع الثقافية الأخرى، إلا أنها تأثرت بالتّحول الذي حصل سنة 1989، والذي أدى إلى اختفاء دور نشر القطاع العمومي، ما ترك فراغا مهما لا يمكن مبادرات الخواص وحدها أن تملأه. كما أن هاته الصناعة كانت أحد ضحايا التراجيديا التي عاشتها الجزائر سنوات 1990. (ص. 23) وأحصت المكتبة الوطنية سنة 2011 أربعمائة دار نشر، حيث صار إنتاج الكتاب يخضع لمراقبة بيبليوغرافية بفضل فرض رقم الإيداع القانوني. وتعدّ التظاهرات العالمية، فرصة من أجل دعم قطاع النشر، إضافة إلى أن وزارة الثقافة تطلب كل سنة من الناشرين ألف إلى ألفي نسخة من كل كتاب. (ص. 33) وواضح أن التّحولات والانقطاعات السريعة التي عرفتها الجزائر صعّبت النقلة التي تريد الارتكاز على براديغم جديد قائم على ثقافة-تنمية. ويبقى الانتقال من اقتصاد مخطط ومبرمج إلى اقتصاد السوق مسألة في طور البناء (ص. 36-37).

وبالنسبة لأدب الطفل، بيّنت الدراسة المقدمة أن الطفل لا يلج إلى هذا العالم، أي إلى أدب الطفل إلا بوساطة الراشدين سواء كانوا مشترين (الآباء) أو ناشرين، وفي هذا الصدد، تم إجراء مقابلات مع ثمانية أمهات ومعلمين. وقد ارتكزت شبكة تحليل المقابلات مع الكبار على مؤشرات منها: نقل إرث القراءة، البعد التربوي، شروط اقتناء الكتاب، اختيار القراءة. أما شبكة تحليل المقابلات مع الأطفال، فقد ارتكزت على مؤشرات أخرى هي: دور الآباء، اختيار القراءة ولغة القراءة. وقد توصل التحليل الكيفي للمقابلات إلى أن الكبار يستعملون أدب الأطفال من أجل تعليم الصغار اللغة، (ص. 58) في حين أن الأطفال يريدون اختيار الكتب ذات القصص العجائبية والحكايات المرفقة بالصور والألوان والمكتوبة باللغة العربية، لأن الفرنسية تطرح لهم صعوبات على مستوى القراءة والفهم. كما أن الوسائط الرقمية قادرة على تعويض الكتاب الورقي. (ص. 58).

وبالانتقال إلى فئة عمرية أخرى، أي فئة الطلبة، تطرق فريق البحث إلى إشكالية المقروئية لدى طلبة اللغات، وذلك بإجراء تحقيق شمل طلبة المسيلة، تيزي وزو، تيارت، سعيدة، غليزان، الجلفة ومستغانم. وكان عددهم 719 طالبا (70% منهم إناث و21.4% ذكور). ومن نتائجه، أنه عندما يتعلق الأمر باختيار وسائل الترفيه، يقع الاختيار أولا على التلفزة وتأتي القراءة في المرتبة الرابعة، حيث أن مكتبة الطالب مشكلة ما بين كتاب واحد إلى 15 كتاب. وثلث الطلبة فقط يقرؤون على الأقل كتابا في الشهر وقراءة الروايات هو النوع المفضل لدى نصف المستوجبين. وبالنسبة للأثر الذي تتركه المراحل التعليمية السابقة على ذاكرة الطلبة، فإن 60% منهم لم يتمكنوا من تذكر أي عنوان كتاب أدب درسوه في مرحلة التعليم الثانوي. وفي الأخير، تساءل الأستاذ حاج ملياني قائلا: هل يمكن أن نقول أنه بالنسبة لجيل الطلبة الحالي، لم تعد الكتب الحامل المفضل للمعرفة والترفيه؟ (ص. 79).

ومن المنتجات الثقافية التي خصّها الكتاب بالدراسة، ما تعلق بالمجال السينمائي ووقع الاختيار على تناول مهرجان وهران للفيلم العربي. وتحدد دور المهرجان في كل طبعة، في تكريم أحد الفنانين المتوفيين أمثال: مصطفى العقاد، لخضر حمينة، أحمد راشدي... وتم الاعتماد على الطبعة السابعة للمهرجان التي جرت فعالياتها شهر سبتمبر 2013. وأجري حينها تحقيق ما بين 23 و30 سبتمبر، حيث وزعت 500 استمارة تم استرجاع 280، واستبعدت 32 منها. (ص. 90) ومن بين النتائج أن النساء أكثر بقليل من الرجال في تفضيل الفيلم الدرامي والفيلم الاجتماعي. ولم يحض الفيلم الهزلي والفيلم البوليسي باهتمام المبحوثين. (ص. 91) والنسب المائوية مهمة لدى النساء والرجال عندما يتعلق الأمر بأفلام الرومانسية. و66% من المبحوثين (رجال ونساء) يفضلون اللهجة الجزائرية. وتأتي اللهجة السورية في المرتبة الثانية، المصرية ثالثا، المغربية رابعا والتونسية خامسا. وعليه، فإن استقبال الأفلام العربية فرصة لمساءلة الفاعلين الاجتماعيين عن أفضل أشكال الترفيه، الاختيارات اللغوية على مستوى القراءة وعلى مستوى الاستماع والمشاهدة وأيضا المضمون الموضوعاتي المرغوب تتبعه. ويظهر جليا أن ما بين أدب الأطفال (العجائبي) والمقروئية لدى الطلبة (قراءة الرواية ومتابعة التلفزة) ومشاهدة الأفلام العربية (الدراما، القصص الرومنسية) علاقة على الأقل من حيث استقبال المادة الثقافية وأشكال الولوج إليها واعتبارها منتجا ترفيهيا يرتب ضمن الأولويات في سياق ثقافي يعرف إقبالا كبيرا على الأنترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي.   

وغير بعيد عن الترفيه، حضي التراث الثقافي الغنائي، وبالتحديد الأغنية الوهرانية بحوصلة تاريخية بيّنت أصولها ومنشأها وتطورها عبر الأجيال. لقد ظهرت الأغنية الوهرانية في عشرينيات القرن العشرين باعتبارها مزيجا من الموسيقى العربية الأندلسية، الغناء البدوي، اللحن الإسباني، الأغنية المصرية، والفرنسية. وفي "المدين الجديدة"، مقهى بن صحراوي والدارة (قصر الرياضة حاليا)، أقيمت "الحلقة"، وكانت فرق موسيقية خلال ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين تعرض أعمالها الفنية أمثال فرقة "العميان"، أين كان بلاحة يعزف على الناي، الهاشمي يضرب على الطبل، وبن يمينة يعزف على الرباب. (ص. 177) أما عن سياق هذه الأغاني، فقد ظهرت خلال الحرب العلمية الأولى، أغاني شعبية مجهولة المصدر كانت تُغنى في الساحات العمومية. ووثق محمد بلحلفاوي غناء نساء وهرانيات يرجع إلى أكثر من قرن، والتي كانت موجهة إلى (الأب، الأخ، الزوج أو الخطيب) ممن مسهم التجنيد، فوجدوا أنفسهم في خنادق وجبهات الحرب الفرنسية الألمانية، منها مثلا :

"حلي، حلي ديك التويقة * ألي مدفورة بالحواشي

* مولاها راح فترونشي * ورصاص ألماني * هيا

محايني * أمشيت نسنيي، ردوني!"    (ص. 178)

ومن بين المدونات الغنائية التي تم حفظها هي تلك المعنونة "زوج حويتات" والتي تسترجع بعض مقاطعها عبارات مغناة خلال الحرب العلمية الأولى عن حاج غيوم Hadj Guillaume "ألي مكسر، ألي مبليسي، آي راي كيراني" (ص. 179). كما أن تأثير عبد القادر خالدي على الأغنية الوهرانية بارز في تلك الفترة، حيث ستلهم نصوصه الأغنية الوهرانية أكثر من خمسين سنة. ومن أهم المغنين نجد : الشيخ زوزو، رينات Reinette وسعود الوهراني، أحمد وهبي، أحمد صابر، وراد بومدين، شيخ نعام، شيخة جنية، شاب حسني وشاب بلال. هؤلاء، وبفضل تراث غنائي استطاعوا أن يعبروا عن واقع اجتماعي في سياق استعماري صعب وفي سياق غير استعماري تحفوه مشاعر الحب والأمل، وتمكنوا هكذا وإلى اليوم من شد انتباه واهتمام كثير من الفئات الاجتماعية. 

محمد حيرش بغداد

 

 

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

© Copyright 2018 CRASC. Tous droits réservés.

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Plate-forme réalisé par : BAKIR Ilyes & DEKHIR Abdellah Merouan

Recherche