الدّيناميكية الحضرية والتّحولات المجالية في مجمّعة الشلف: من التّفكك والانقطاع إلى التّلاحم والامتداد

خليفة بن زخروفة (مؤلف)
حاج محمد معاشو (مؤلف)
1 – 50
التّوسّعات العمرانية والتّحدّيات البيئية
ع. 108 — م. 29 — 30/09/2025

يُعَدُّ النّموّ السكّاني الذي تشهده دول العالم اليوم عاملا أساسيا وحاسما
في تطوّر ونموّ المدن وخاصّة دول العالم الثّالث، ووفقا لتقرير الأمم المتّحدة بعنوان "آفاق التّحضّر العالمي" فقد ارتفعت نسبة التّحضّر في العالم
من 30% إلى 54%، خلال الفترة الممتدة من 1950 إلى 2014. واحتلّت إفريقيا النّسبة الأعلى في ذلك (حوالي 60% من سكّانها)، حيث عرفت هذه الأخيرة نموّا حضريا مكثّفا ترجع أسبابه إلى زيادة النّمو الطّبيعي للسّكان من ناحية، وارتفاع معدّل الهجرة من ناحية أخرى. الجزائر، باعتبارها واحدة من هذه الدّول تعرف مدنها هي الأخرى توسّعا عمرانيا كبيرا، وخاصّة خلال العقود الأخيرة بفعل انتعاش اقتصادها وزيادة عائداتها من المحروقات (Kateb, 2003).

وعلى غرار كبريات المدن الجزائرية، تواجه مدينة الشلف تحديّات جديدة
من أجل التّحكم في ظاهرة التّمدد العمراني الذي بات يطرح عدّة مشاكل اجتماعية، وظيفية ومجالية للمدينة، وخاصّة أنّ عمليات التّعمير تصطدم بمخلّفات الزّلزال الذي ضرب المنطقة سنة 1980 وساهم في إعادة هيكلة المجال الحضري. على إثرها أصبح هذا الأخير يتكوّن من المركز والمحيط، ويفتقد إلى وجود أحياء شبه مركزية. حيث تمّ إعادة بناء المدينة بوظائفها المركزية
في نفس موضع النّواة السّابقة، بينما شيّدت المناطق السّكنية على الأطراف بشكل منفصل مجاليا على شكل سكنات جاهزة (شاليهات)، محدثةً انقطاعات بين النّواة المركزية والأنوية المحيطية. التّطرق لمدينة الشلف من خلال هذا المدخل، يندرج ضمن الدّراسات الحديثة التي تحاول فهم آليات التعمير، ممارسات التّهيئة والتّحولات والتّشكلات العمرانية الجديدة التي عرفتها المدينة. في هذا السّياق، يمكن اعتبار انفجار النّسيج الحضري بعد الزّلزال، عمليات التّكثيف العمراني وملأ الفراغات العمرانية أو الجيوب العقّارية الموجودة بين النّواة الأصلية والأحياء الجاهزة المشيّدة بعد الزلزال نقاطا جوهرية وظاهرة عمرانية تميّز مدينة الشلف عن غيرها من المدن الجزائرية، وقد أدّى ذلك
إلى تحوّل أحياء "الشاليهات" إلى أنوية عمرانية وظهور أحياء شبه مركزية جديدة بين مناطق البناءات الجاهزة والمدينة الأم.

للإشارة، تقع مدينة الشلف في شمال الجزائر، الذي يعتبر جيولوجيا منطقة ذات نشاط إرتدادي (Anderson et Jackson, 1987)، وبالتّالي فهي مدينة معروفة بنشاطها الزلزالي، حيث تعرضّت إلى عدّة زلازل أهمّها كان خلال سنوات 1853، 1868، 1905،1922، 1934، 1954 و1980، ويشكّل كلّ من الزّلزالين الأخيرين (1954 و1980) محطّة مفصلية وتحوّل مهم في التّطور العمراني لمدينة الشلف. ضمن هذا السّياق نريد معرفة: كيف تطوّرت عمليات التّعمير بعد الزّلزالين؟ وماهي الميكانيزمات المتحكّمة في ذلك؟

عرفت مدينة الشلف في العقود الأخيرة ديناميكية ديموغرافية وعمرانية غير مسبوقة بالنّظر إلى مختلف المشاريع الاجتماعية والاقتصادية التي استفادت منها المدينة في إطار البرامج التّنموية الوطنية كغيرها من المدن الجزائرية الأخرى، فكيف انعكس ذلك على ظاهرة التمدّد الحضري لمدينة الشلف؟

يبرز تعدّد المصطلحات المستخدمة لفهم النّموّ المجالي للمدن (الدّيناميكية الحضرية، التفكّك، التّكثيف الحضري، التّلاحم...) صعوبة في فهم الظّاهرة، وتعدّ مشكلة التّوسع الحضري من المواضيع الرّئيسية في النّقاشات حول التّحديات التي تواجهها مدن القرن الواحد والعشرين، ولهذا فقد استأثرت انتباه العديد من الباحثين[1].

وظهر هذا الموضوع مع بداية الثّمانينات من خلال كتاب الدّيناميكية الحضرية (Dynamique Urbaine) للكاتب Chaline (1982) الذي يُشير فيه
إلى أنّ المدن عرفت على مرّ السّنين تحوّلات كبيرة من خلال نموّ الهوامش وبروز أزمة المراكز، وقد قام Chaline بتحليل الدّيناميكية الحضرية من خلال الدّراسة المتعاقبة لقواها المحرّكة ومكانيزماتها التي ترتبط بالعوامل الخارجية (الهجرة) والدّاخلية (الحركية السكانيّة). من جهتها أبرزت Dureau، بناء على الدّراسة التي قامت بها سنة(2004) "إنّ الدّيناميكية الحضرية هي ديناميكيات تتداخل وتتفاعل فيما بينها (ديموغرافية، اقتصادية ومجالية)".

أمّا الأبحاث المتعلّقة بهذا الموضوع، والتي تناولت تحديدا منطقة الشلف فهي قليلة، وإن وجدت فهي تركّز على الجوانب الجيوتقنية (Géotechnique)، الجيوفيزياء (Géophysique)، السّيزمولوجيا (Sismologie)، والتي تمثّلت في سلسلة من البحوث قدمتها الباحثة Boutaraa (2013، 2015 و 2018)، والتي تمحورت في مجملها حول الأضرار الزّلزالية على المستوى الحضري للمدينة وكيفية تسيير هذه الأخطار. أمّا الدّراسات الجغرافية فهي محدودة، حيث نجد أطروحة الدكتور Teguia (1992)[2] ومقال لراسي وبن ميسي (2021) عنوانه "تأثير مورفولوجية مدینة الشلف على نوعية خدمة النقل الجماعي". ومقال آخر لبوتشيشة (2023) تناول فيه واقع الرّيف بمنطقة الشلف أواخر الفترة الاستعمارية (1945-1962).

تهدف هذه الدّراسة إلى الوقوف على المكانيزمات التي ساهمت في خلق الدّيناميكية الحضرية في مدينة الشلف، وكذا التّحولات والانعكاسات النّاجمة عنها والتّمايزات بين أحياء المركز والمحيط.

للوصول إلى هذا الهدف، تمّ الاعتماد على مجموعة متنوّعة من المنشورات (كتب، مقالات، مداخلات، تقارير...) تتناول التّحضّر وتطوّره في الجزائر بشكل عام، ومنطقة الدّراسة على وجه الخصوص، بالإضافة إلى المصادر والوثائق التّاريخية (الصّور، التّصاميم المجالية والخرائط) والوثائق التّقنية الحديثة (صور جوية)، ومخطّط التّعمير التّوجيهي (PUD) لسنة 1975، مخطط التّهيئة لسنة 1983 والتّقسيمات الإدارية لسنة 1984، كما اعتمدنا البيانات الإحصائية للتّعدادات العامّة للسّكان والسّكن (RGPH) الصادرة عن الدّيوان الوطني للإحصائيات (ONS)، لقياس النمو السّكاني وتطوّره في مجال دراستنا. كما مكّنتنا أدوات التّهيئة والتّعمير لمدينة الشلف، المخطّط التّوجيهي للتّهيئة والتّعمير (PDAU) سنة 1996، مراجعة المخطّط التّوجيهي للتّهيئة والتّعمير سنة 2006، مراجعة المخطط التّوجيهي للتّهيئة والتّعمير سنة 2014 ومخطّطات شغل الأرض (POS) والملاحظة الميدانية من تحديد التّوجّهات العامّة والاختيارات التي جرى اتّخاذها. كذلك تمّ الإعتماد على المقابلات
مع الفاعلين (مديرية التّعمير والهندسة المعمارية والبناء، وديوان التّرقية والتّسيير العقّاري، بلدية شلف، مديرية السّكن وخليّة متابعة الشّاليهات بالشلف)، وكذا التّحقيقات الميدانية عن طريق دراسة استقصائية بواسطة استبيان أنجز عام 2023 مع سكّان الأحياء المحيطية لمنطقة الدّراسة، وبلغ عدد الاستمارات الموزعة 750 استمارة، وذلك بغية معرفة دوافع تنقّل قاطنة هذه الأحياء نحو مركز المدينة والوسيلة المستعملة في التنقل.

زلزالي 1954 و1980: محطّتين مفصليتين في توسّع مدينة الشلف وتشكيل المجمّعة

تحتلّ مدينة الشلف (اورليان فيل، الأصنام سابقا)، موقعًا استراتيجيا (خريطة 1) بين مدينتين كبيرتين: الجزائر العاصمة من الشّرق (207 كم)، ووهران من الغرب (223 كم)، وعلى بعد 53 كلم من السّاحل. تقع مدينة الشلف بين السّلسلتين الجبلتين الظّهرة شمالا والونشريس جنوبا، وتتموضع على هضبة ذات ارتفاع يبلغ 140م عن مستوى سطح البحر في قلب سهل شلف، حيث يخترقها أهمّ واد في الجزائر، وادي شلف، من الشّرق نحو الغرب، والذي يعدّ المورد الأساسي لمياه الرّي في السّهل (بوتشيشة، 2023). كما تعتبر منطقة اتّصال بين الشّمال والجنوب والشّرق والغرب) الطّريق السّيار شرق- غرب، الطّرق الوطنية والسّكة الحديدية).

خريطة 1: موقع منطقة الدّراسة

المصدر: المخطّط التّوجيهي للتّهيئة والتّعمير لبلديات شلف، سنجاس وأم الدروع، 2014.

إعادة إعمار مدينة الشلف بعد زلزال 1954 وفق مقاربة وظيفية حديثة

تعرضّت مدينة الشلف في 09 سبتمبر 1954 إلى زلزال عنيف وصلت درجته 7.1 على سلم رشتر، مخلّفا 1243 ضحيّة والعديد من الجرحى وحوالي 10000 منكوب بدون مأوى وأكثر من 3702 منزلا منهارا Niel, 1876, p. 182)). بعد الكارثة كانت هناك زيارة استعجالية للوزير الفرنسي (François Mitterrand) الذي قرّر التّكفّل بالمتضرّرين وتوزيع المؤونة والمساعدات بطريقة منتظمةوشحن 4 طائرات محمّلة بالخيام وزّعت على المنكوبين (صور1)، كما أمر بأن يعاد تأهيل كل الطّرقات التي انشقّت والمباني التي لم تتضرّر بشكل كبير Niel, 1876, p. 182)).

صورة 1: عمليّة إعادة إسكان منكوبي زلزال 1954 تحت الخيم

المصدر: مديرية الثقافة لولاية الشلف 2023.

بعدها شرع فريق من المعماريين في دراسة البنايات المتضرّرة جزئيا لإعادة تأهيلها من أجل الحفاظ على الهوية العمرانية والمعمارية للمدينة. في بداية الأمر تمّ تخصيص منطقة لإنشاء الحيّ الاستعجالي لإيواء المتضرّرين (بناءات جاهزة مؤقّتة) (خريطة 2) بمحاذاة وادي تسيغاوت على مساحة 20 هكتارا، حيث عملت السّلطات الفرنسية بعد عام من الكارثة على توجيه التّوسع نحو الجنوب بإنشاء بقعة سحنون للحفاظ على الأراضي الفلاحية الخصبة المحيطة بالمدينة، وإعادة بناء المدينة في موضعها الأصلي وفقا لهندسة معمارية معاصرة، وذلك بإزالة البنايات المؤقتة واستبدالها بأخرى حديثة تستجيب لمعايير البناء الزّلزالي.

خريطة 2: الحيّ الاستعجالي بعد زلزال 1954

المصدر: أرشيف بلدية الشلف، تحقيق ميداني، 2023.

كان زلزال 1954 نقطة انطلاق لحقبة جديدة ولعمارة جديدة في مدينة الشلف. رأى الفرنسيون في هذه الكارثة فرصة لمنح المدينة، التي دُمرت بنسبة 80% بسبب الزّلزال، مظهراً جديداً عن طريق إعادة بنائها بشكل عصري بواسطة معماريين شباب طموحين يريدون ترك بصمتهم في عالم العمارة، مع احترام كبير للسياق المحلي (Debia, 1955, p. 56).

نال مشروع إعادة الإعمار الذي قاده ميزونسول جون(Jean de Maisonseul) مدير خدمة التخطّيط العمراني في منطقة الجزائر، نجاحاً كبيراً، حيث تمّ إعادة بناء المدينة في ظرف قياسي مدّته عامين وعلى إثره استعادت المدينة حيويتها، وذلك بفضل العلاقات الممتازة التي كان يقيمها ميزونسول مع العديد من المعماريين المشهورين ذوي الخبرة، مثل رولاند سيموني (Roland Simounet) لويس ميكال (Louis Miquel)، اللذين أبدعا في تصميم المركز الثقافي ألبرت كامو (Albert Camus)، بالإضافة إلى جان بوسو (Jean Bossu) الذي صممّ المشروع الضخم المركز التجاري سان ريبارتوس (Saint Repartus) (صورة 2)، وكذلك بيير-أندريه إيمري(Pierre-André Emery) مصمّم فندق بودوين (Hôtel Baudouin) (صورة 3) وقد مَزج هذا التّعاون الشّباب والخبرة وأثمر جوّا من الإنتاجية والكفاءة أثناء عمليّة إعادة الإعمار Mahmoud, 2015)).

صورة 2: المركز التجاري سان ريبارتوس

المصدر: أرشيف بلدية الشلف.

صورة 3: إعادة بناء فندق بودوين

المصدر: أرشيف بلدية الشلف.

لم تشهد المدينة تغييرا في بنيتها العمرانية في السّنوات الأولى للاستقلال بالنّظر إلى استغلال سكنات المعمرين بعد مغادرتهم أرض الوطن. في منتصف السّبعينيات تمّ إنشاء منطقتين سكنيتين جديدتين (الزبوج ولاسيتي) ،الأولى
في الجهة الجنوبية الشّرقية والأخرى في الجهة الغربية .(PUD Chlef, 1975)

التّفكّك المجالي لمدينة الشلف بعد زلزال 1980 وظهور مناطق السّكنات الجاهزة (الشّاليهات)

في 10 أكتوبر 1980 ضرب المدينة زلزال آخر أكثر تدميرا من سابقيه بقوّة 7,3 درجات على مقياس ريشتر، وقد أودى بحياة نحو 2633 ضحية وإصابة 8369 شخص، فضلا عن تسجيل 348 مفقودا، وتشريد الآلاف، وخلّف خسائر مادّية فادحة تمثّلت في تدمير أكثر من 80 بالمئة من المدينة، تلته هزّات ارتدادية على مدى عدّة أشهر، كما تسبّب في حدوث صدع بطول 36 كيلو مترا بالقرب من منطقة بني راشد مع ارتفاع الطبقات الصخرية بمقدار 6 أمتار، وقد قدّرت الأضرار حينها بـ 20 مليار دينار (Gribi, 1989)في بداية الأمر جرى التّكفل بالمتضرّرين من الزّلزال من خلال المساعدات الإنسانية من داخل وخارج الوطن، حيث قامت السّلطات العمومية بوضع مخطّط استعجالي يمتدّ على ثلاث مراحل: تمثّلت الأولي في إسعاف المصابين وإسكان المنكوبين في الخيام، مع تقديم الرّعاية الطبية، لاسيّما مع انتشار الأمراض وبعض الأوبئة التي تفشّت بين السّكان بعد حدوث الكارثة، بسبب انعدام النّظافة ونقص المياه.

وظلّ المنكوبون في الخيام إلى غاية إعادة إسكانهم في الشّاليهات في بداية 1982. أمّا المرحلة الثانية فتمثّلت في توفير12362 بناءً جاهزًا (شاليهات) توزّعت على أربعة مواقع مختلفة (جدول1 وخريطة 3) و2431 بناءً جاهزا باولاد محمد على بعد 1,8 كلم، 2675 بالشّرفة على بعد 6 كلم (صور 4،5)، 1915 بلالّة عودة (3كلم) و5341 بالشّطية (9 كلم) لتعويض البنايات المنهارة. كما تدعّم قطاع التّربية بــ 1706 قسما ابتدائيا، 132مطعما مدرسيا، و41 متوسّطة، إضافة إلى ثماني ثانويات، كما أنجزت ثماني مستشفيات مرفقة بـ 18 عيادة متعــدّدة الخــدمــات، و47 مركزا صحّيا، إضافة إلى ثلاث مدارس شبه طبّية وفضاءات تجارية. كما تضمّن المخطّط إنجاز أكثر من 1600 مَحَلٍّ تِجَارِيٍّ والعديد من مراكز التّكوين المهني، إضافة إلى قاعتي سينما، ووحدة رئيسية للحماية المدنية (ديوان التّرقية والتّسيير العقّاري لولاية الشلف، 2022).

صورة 4: شاليهات بحيّ الشرفة 1982

المصدر: ديوان التّرقية والتّسيير العقّاري لولاية الشلف.

صورة 5: شاليهات باولاد محمد

المصدر: ديوان التّرقية والتّسيير العقّاري لولاية الشلف

جدول 1: توزيع الشّاليهات بمدينة شلف بعد زلزال 1982

الأحياء الجاهزة

عدد السّكان

عدد الشّاليهات

المساحة/
هكتار

الكثافة السّكانية

ن ⁄ م₂

البعد عن الحيّ المركزي (كلم)

اولاد محمد

17903

2431

133,3

7,3

1,8

الشّرفة

29136

2675

146

7,5

06

لالّة عودة

12367

1915

135

6,4

03

الشّطية

38140

5341

233

7,1

09

المجموع

97186

12362

647,3

7,1

/

المصدر: ديوان الترّقية والتّسيير العقّاري لولاية شلف، مصالح البلدية.

ظلـّــت عمليــّة البناء وإسكـــان المتضرّريــن من الزّلزال الشّغل الشّاغـل للسّلطـات المحليــة، فقد سارعت الحكومة إلى تحقيق البرنامج الاستعجالي المسطّر في إطار تحقيق خطوات المرحلة الثّانية من إعادة إعمار مدينة شلف، حيث قامت السّلطات المعنية باستدعاء 24 مؤسّسة وطنية متخصّصة
في الأشغال العمومية وشركات أجنبية قصد الانطلاق في بناء السّكنات الجاهزة في المواقع المختارة، استفادت هذه المواقع من 12362 بناءً جاهزا لعشرين نوعا من ثمانية بلدان أوروبية مختلفة (فرنسا، إيطاليا، البرتغال، سويسرا، كندا، الدنمارك، بريطانيا وبلجيكا). حيث حصلت العائلات المتكوّنة من أقل من أربعة أفراد على بناء جاهز ذو ثلاث غرف والعائلة التي يزيد عدد أفرادها عن الأربعة استفادت من بناء ذو أربع غرف. وقع ربط تلك الشّاليهات بمختلف الشّبكات (ديوان التّرقية والتّسيير العقّاري لولاية الشلف، 2022). لتنتهي أشغال إعادة الإعمار في أواخر سنة 1983م. وبعد عام من الإسكان تَرَقَّت الشّطية إلى بلدية خلال التقسيم الإداري 1984، وبالتّالي لم تعد ضمن مجمّعة الشلف.

خريطة 3 : الأحياء الجاهزة بعد زلزال أكتوبر 1980

المصدر: الوكالة الوطنية للتّهيئة الإقليمية شلف، تحقيق ميداني، 2023.

تمّ توزيع المتضرّرين على الأحياء الجاهزة كما يلي: نُقل 83% من سكان الحيّ المركزي إلى حيّ اولاد محمد، و17% الباقية إلى حيّ الشّرفة، 98% من سكّان الحيّ الاستعجالي نُقِلوا إلى حيّ الشّرفة و 2% الباقية إلى اولاد محمد، 98% من سكّان حيّ الحرية (المزرعة سابقا) جرى توطينهم في حيّ الشّطية والبقية منهم نُقِلوا إلى حيّ الشّرفة واولاد محمد. ما يقارب نصف سكّان حيّ السّلام (بقعة سحنون) تمّ نقلهم إلى الشّطية والبقية منهم تمّ ترحيلهم إلى حيّ لالّة عودة (5,32%) والشّرفة (20,5%) (Teguia, 1992).

تمّ توزيع السّكنات الجاهزة مجّانا على مدى ثلاث سنوات، مع إعفاء المستفيد من أي إيجار. وهو ما لاقى استحسانا من قبل السّكان لما توفّره لهم الشّاليهات من الدّفء والرّاحة الّتي لم يعرفها جزء كبير منهم تحت الخيام (أحواض الاستحمام، غاز المدينة، والتّدفئة... إلخ). لكن رغم أنّ الشّاليهات كانت بمثابة حلّ مؤقّت باعتبار عمرها الافتراضي عشر سنوات. الاّ انّها بقيت إلى يومنا هذا.

موازاة مع ذلك قامت السّلطات العمومية بإعادة بناء مدينة الشلف بعد زلزال 1980 على أنقاض المدينة المهدّمة، وذلك بإزالة البنايات التي باتت آيلة للسّقوط، وترميم تلك التي لم تتأثّر كثيرا، مع إنشاء كلّ من حيّ بقعة سحنون وحيّ السّلام والجامعة جنوب مركز المدينة، وغربا الحيّ الأولمبي ولاسيتى، وشرقا حيّ الزّبوج والشّارة وحيّ الحرية شمالا وفقا لمقاييس البناء الزّلزالي في تلك الفترة، والتي تختلف عن المعايير الزّلزالية الجزائرية التي اعتُمِدت بعد زلزال بومرداس 21 ماي 2003 حيث كان البناء الأفقي النّمط الغالب.

ما ميّز هذه المرحلة هو إعادة بناء الشلف وانفجار النّسيج الحضري إلى عدّة أحياء جاهزة، بعيدا عن الحيّ المركزي ممّا أدّى إلى انفصال تام في التّطور المجالي للمدينة خلافا لما أنجز بعد زلزال 1954. حيث نجم عن إعادة البناء بعد زلزال 1980 صعوبات في ربط الأحياء مع بعضها البعض، مع انعدام خطوط النقل الحضرية التي تربط بين الحيّين الجاهزين وداخل الحيّ نفسه. على سبيل المثال، للـتّنقل من حي اولاد محمد إلى مستشفى الإخوة باج بحيّ الشّرفة يتوجّب
على المرضى أن يمرّوا عبر وسط المدينة الذي يشهد غالبا ازدحاما مروريا خانقا ونفس الأمر بالنسبة لباقي الأحياء.

لم يتجاوز عدد السّكان 25 ألف نسمة سنة 1954، إذ تمّ إعادة بناء المدينة على أنقاض تلك المدينة المهدّمة مع خلق حيّ استعجالي بمحاذاة المركز، كما أنّ عمليّة إعادة البناء جرت في ظرف قياسي لا يتجاوز عامين وبهندسة معمارية معاصرة. في حين بعد زلزال 1980 بات عدد سكّان المدينة يفوق 75 ألف نسمة، وانتهت عملية إعادة البناء في مناطق بعيدة عن المدينة المهدّمة ممّا أدّى
إلى انفجار كلّي للنّسيج الحضري وتحوّله إلى أحياء محيطية مؤقّتة.

نموّ سكانيّ في تزايد مستمر

شهدت مجمّعة الشلف تزايدا سكّانيا متصاعدا بعد الاستقلال رغم الظّروف التي مرّت بها. لاسيما بعد السّبعينيات حيث ارتفع عدد السّكان
من 75864 نسمة عام 1977 إلى 87681 نسمة عام 1987، بمعدّل نموّ بلغ 1,58%، ليصل إلى 125234 نسمة في عام 1998 بمعدّل نموّ مرتفع قُدِّر
بـ 3,17%، مسجّلاً بذلك أعلى معدّل نموّ سنويّ بين التّعدادات. واستمرّت هذه الزّيادة، على الرّغم من انخفاض وتيرتها قليلاً لتصل إلى 155134 نسمة عام 2008، بمعدل نموّ بلغ 2,10%. وقُدّر عدد السّكان في بداية عام 2022 بحوالي 220512 نسمة، بمعدّل نمو بلغ 2,52% (مديرية البرمجة ومتابعة الميزانية لولاية الشلف، 2022) (الشكل 2).

D:\TD Urbanisme 2024- 2025\معدل النمو.jpgالشّكل 1: التّطور السّكاني لمجمّعة الشلف من 1977 إلى 2022

المصدر: الديوان الوطني للإحصائيات (1977، 1987، 1998، 2008) ومديرية البرمجة ومتابعة الميزانية لولاية الشلف (2022) تحقيق ميداني، 2025.

مبادرات التّهيئة وإعادة تشكّل المجالات العمرانية في مجمّعة الشلف: المخطّطات العمرانية المتعاقبة بين الانقطاع والاستمرارية

خلال الفترة الاستعمارية، لعبت الهندسة العسكرية دورا رئيسيا في تخطيط المدن الاستعمارية، حيث مثّلت خطّة المحاذاة (alignement) الأداة الرّئيسية للتّحكم في النّمو الحضري وتحديد مراحل توسّع المدينة والأماكن العامّة وتفاصيل الشّوارع والبنية التّحتية والاحتياطات العقّارية، حيث يعتمد هذا التّعمير بشكل رئيسي على شكل الجزيرة (Ilot) التي ميّزت المدن الفرنسية والأوروبية

لم تشهد المدن الجزائرية بعد الاستقلال نموّا ملحوظا بالنظر إلى الحظيرة السّكنية التي تركها المعمّرون الفرنسيون. في مجال التّعمير تمّ الإبقاء على نفس المخطّطات الموروثة عن الاستعمار، وبقيت سارية المفعول حتى سنة 1974، لتظهر بعد ذلك فكرة المخطّط العمراني التّوجيهي (PUD)، حيث عملت السّلطات العمومية على تنظيم المجال الحضري في حدود الامكانيات المادية والبشرية المتاحة في تلك الفترة وذلك بالاعتماد على الادوات العمرانية الفرنسية والمتمثّلة في المخطّط العمراني التّوجيهي (PUD) من خلال قانون 31 ديسمبر 1962 الذي ترك القوانين الفرنسية سارية المفعول في مجال التّعمير باستثناء تلك التي لا تتوافق مع السّيادة الوطنية، لذلك كان المخطّط العمراني التّوجيهي هو الأداة المرجعية لتوجيه وتوسّع المدن.

استفادت المدينة من مخطّط عمراني توجيهي (PUD) سنة 1975 كأداة للتّخطيط وتنظيم المجال الحضري، والّذي نصّ على مواصلة توسّع المدينة في الجهة الغربية والجهة الجنوبية الشّرقية. إضافة إلى مواصلة التّوسع على طول الطّريق الوطني رقم 4 الذي يربط الجزائر بوهران. وفي إطار التّخطيط العملياتي (Urbanisme opérationnel)، أُنشئت منطقتين سكنيتين حضريتين جديدتين (ZHUN) لتلبية حاجيات السّكان المتزايدة في مجال السّكن، الأولى تتمثّل في حيّ ابن الدّين في الجهة الغربية والثانية تتمثل في حي الزّبوج في الجهة الجنوبية الشّرقية، كما أُنجزت منطقة صناعية خارج المدينة في وادي سلي. انتهى إدماج هاتين العمليتين في المخطّط العمراني التّوجيهي. كذلك ركّز هذا المخطّط على ربط المدينة بمختلف الشّبكات والبنية التّحتية والتّجهيزات. استمرّ العمل به إلى غاية سنة 1980.

أدّى الزّلزال العنيف إلى تدمير قرابة 80 في المئة من مباني المدينة، وبعد الكارثة مباشرة بدأت الدّولة في تنفیذ مخطّط استعجاليّ من أجل إسكان المواطنين وذلك على ثلاث مراحل، تمثّلت المرحلة الأولى في إسكان المنكوبين
في الخیام، أمّا المرحلة الثّانیة (1982-1986)، وفي إطار مخطّط عمراني استعجالي لتسيير وتنظيم المجال، فانتهت بإعادة الإعمار عن طريق البناء الجاھز خارج المدينة، ووقع الاختيار على أربع مواقع لاستقبال الشّاليهات الّتي بلغت 12000 مسكن، أمّا في المرحلة الثّالثة فقد توقّف العمل بالمخطّط العمراني الاستعجالي سنة 1990، أين جرى استبداله بوسيلة جديدة عرفت بالمخطّط التّوجيهي للتّهيئة والتّعمير (PDAU) ومخطّط شغل الأراضي (POS)، فكان لمجمّعة شلف مخطّط توجيهي للتّهيئة والتّعمير سنة 1996 والّذي تمّت مراجعته سنة 2006 بعد استهلاك الأوعية العقّارية القابلة للتّعمير، والمحدّدة في المخطّط السّابق، قبل أوانها بالنّظر إلى المشاريع التّنموية الّتي استفادت منها المدينة خلال العقود الأخيرة بعد عودة الاستقرار السّياسي والأمني والانتعاش الاقتصادي بارتفاع أسعار المحروقات، الأمر الذي دفع الحكومات المتعاقبة
إلى توجيه الاستثمارات نحو تشييد البنية التّحتية للمدن، وإطلاق مشاريع إسكانية وعمرانية بمختلف المدن الجزائرية. وكان نفس المصير لهذا المخطّط بعد إطلاق مخطّط جديد سنة 2014 صودق عليه سنة 2018 ، وضمّ ثلاث بلديات: الشلف، امّ الدّروع وسنجاس في إطار مقاربة جديدة تتمثّل في التّضامن ما بين البلديات المجاورة كما هو الحال بالنّسبة لبلدية سنجاس وأمّ الدّروع.

حافظ هذا المخطّط على نفس مناطق التّوسع في الجهة الجنوبية والجنوبية الشّرقية على المدى القصير والمتوسّط، بينما على المدى الطّويل تمّ اقتراح التّوسع على حساب بلدية سنجاس. حيث قدّرت المساحة المعمّرة بـ 1901 هكتار، والمساحة التي هي في طور التّعمير بـ 625 هكتار، والمساحة المبرمجة للتّعمير المستقبلي بـ 306 هكتار(المخطّط التّوجيهي للتّهيئة والتّعمير لبلديات شلف، سنجاس وأمّ الدّروع، 2014). استفادت مجمّعة شلف من عدّة مشاريع في مجال التّنمية الحضرية في السّنوات الأخيرة، ففي المجال السّكني تم إنشاء أقطاب عمرانية جديدة، لتخفيف الضّغط على مركز المدينة، والتوجّه نحو إعمار الضّواحي والأطراف الحضرية كحيّ بن سونة، البرادعي، الحسنية والكفافسة بمجموع 12679 سكن بمختلف الصّيغ على مساحة تفوق 550 هكتار (المخطّط التّوجيهي للتّهيئة والتّعمير لبلديات شلف، سنجاس وامّ الدّروع، 2014). وتشييد مجموعة من التّجھیزات ذات بعد جهوي وحتى وطني. مكّنت التّوسعات العمرانية الجديدة السّلطات المحلية من توجيه بعض التّجهيزات الإدارية نحو تلك الأقطاب. وعلى مستوى أحياء الشّاليهات أنجز عدد من مخطّطات شغل الأرض، تضمّنت مجموعة من السّكنات والتّجهيزات كما هو الحال في الشّرفة، حيث أنجزت 712 وحدة سكنية اجتماعية وتجهيزات رياضية وثقافية، في اولاد محمد أُنشِئَت كذلك العديد من الصيغ السكنية والتجهيزات الرياضية، إدارية وصحية. وفي لالّة عودة أنجزت كذلك سكنات وتجهيزات رياضية جوارية وثقافية.

رغم كلّ ما جاءت به المخطّطات من تسيير وتنظيم للمجال العمراني إلاّ أنها أظهرت بعض القصور، حيث أنّ هذه المخطّطات لم تستطع الحدّ
من استهلاك العقّار الفلاحي كما هو الحال في المنطقة الموجودة بين مركز المدينة والأحياء المحيطية، إضافة الى انتشار بعض البنايات الفوضوية
(حيّ المصالحة غرب، حيّ الشّرفة جنوب، حيّ الحسنية وحيّ لالّة عودة بجانب واد تسيغاوت...)، وعدم الأخذ بعين الاعتبار المحتوى البشري بشكل دقيق لبناء احتياجات دقيقة تستجيب لحاجيات السّكان المتزايدة، وذلك بالاعتماد على الإحصائيات القديمة كمرجع (التّعداد العام للسكان والسّكن 2008). إضافة إلى أنّ المدّة الطّويلة لإعداد المخطّطات العمرانية تجعل النّموّ العمراني يتجاوز مقترحاتها (المخطّط العمراني الأخير انطلق سنة 2014 ولم يصادق عليه إلا سنة 2018) يضاف إلى ذلك ضعف الرّقابة.

من بين التّعديلات القانونية التي أتت بعد المخطّطات هو قانون مطابقة البنايات وإتمام إنجازها 08-15 المؤرّخ في 20 جويلية 2008 لتسوية البنايات المنجزة بدون رخصة قبل سنة 2008، يُعدُّ صدور هذا القانون خير دليل على رضوخ هذه المخططات إلى الأمر الواقع (Yamani & Trache, 2020).

السّكنات الجاهزة بين برامج إعادة الإسكان وممارسات السّكان: من شاليهات مؤقّتة إلى سكنات دائمة

بعد عشر سنوات من الزّلزال الأخير ودخول الجزائر فترة عدم الاستقرار (1990)، ومع اختفاء بوادر إتمام المرحلة الثّالثة المتعلّقة باستبدال الشّاليهات بسكنات لائقة وانتهاء مدّة صلاحيتها وتضاعف عدد أفراد الأسر، وفي ظل غياب عملية المراقبة والمتابعة القانونية قام قاطنو البنايات الجاهزة بالاستيلاء على المساحات الموجودة بين كل بناء جاهز وآخر، واستغلال المساحات التي كانت مخصّصة للّعب (الشكل 1)، ما نجم عنه تضييق الممرّات بين كل مسكن وآخر. كما تفاقمت ظاهرة ارتفاع توافد السّكان من الولايات المجاورة (تيسمسيلت وعين الدّفلى) والبلديات المجاورة (سنجاس، وادي سلي، لبيض مجاجة، واد الفضّة والكريمية) نحو أطراف الأحياء الجاهزة بحثا عن الأمن والاستقرار هروبا من تدهور الوضعية الأمنية بالأرياف، ما ترتّب عنه زيادة السّكن غير القانوني بالأحياء الجاهزة (الشّرفة، لالة عودة وأولاد محمد).

الشّكل 2: أهم التّدخلات على الشّاليهات بعد زلزال أكتوبر 1980

D:\thése  DE Teguia faudil\تدخلات.jpg

المصدر: تحقيق ميداني، 2023.

التّجاوزات التي حدثت في شاليهات مدينة الشلف لم تتكرّر في عين تموشنت (زلزال 1999) وبومرداس (زلزال 2003) أثناء عملية إعادة الإسكان، وذلك لتوفُّر الإمكانيات المالية التي سمحت بإنجاز مشاريع سكنية جديدة في فترة زمنية وجيزة وإعادة إسكان قاطني تلك البنايات الجاهزة والتخلص منها نهائيا. لقد شرعت السّلطات المحليّة في القضاء على الشاليهات منذ سنة 2009، من خلال إصدار مجموعة من التّعليمات الوزارية بهدف استبدالها بمساكن لائقة، حيث استفادت ولاية الشلف، على غرار ولايات قسنطينة، تيبازة وعين الدّفلى،
من برنامج خاص يتضمّن منح إعانات مالية لأصحاب الشّاليهات المشيّدة بعد زلزال 1980، بموجب التعليمة رقم 01 المؤرّخة في 24-01-2009، حُدِّدَ التّعويض
في بداية العملية بـ 700000 دج، ليتمّ رفعها فيما بعد إلى 000 200 1 دج، بموجب التّعليمة الوزارية المشتركة رقم 05، المؤرّخة في 14-11-2012.

سنة 2014 صدرت تعليمة وزارية مشتركة مؤرّخة في 15 سبتمبر 2014، وتضمّنت تبسيط وتسهيل الإجراءات الخاصّة بالحصول على الإعانة، لاسيّما كيفية دفع أشطر الإعانة. في بداية الأمر كان يشترط هدم البناء الجاهز أوّلا قبل الحصول على الشّطر الأول من الإعانة الموزّعة على ثلاث دفعات، كذلك لم يلق استحسانا من قبل الساكنة كونهم لا يملكون المال لبدء عملية الهدم. وبموجب تلك التّعليمة أصبحت تُدْفع على شطرين وبدون إلزامية الهدم.
إذ يتحصّل المستفيد في الشطر الأول على 480.000 دج، ثم 720.000 دج
في الشّطر الثّاني، إلاّ أنّها لم تسجّل إقبالاً كبيرا باعتبارها غير كافيّة. ممّا دفع بالسّلطات العمومية إلى تمديد تاريخ آجال العملية مع نهاية كلّ سنة إلى غاية غلقها نهائيا سنة 2021. رغم كلّ الإجراءات المُتَّخذَة لإمتصاص البنايات الجاهزة إلاّ أنّها لازالت قائمة إلى يومنا هذا بسبب تعقد الوضعية: وفاة الشّاغلين الأصليين للشّاليهات، رفض بعض الملفات نظرا لاستفادة المعنيين من عقّارات
أو أراضي صالحة للبناء أو سكنات اجتماعية، إيداع الملفات من طرف أشخاص أجانب ليسو من شاغلي البنايات الجاهزة، إضافة إلى استراتيجيات قاطني تلك الشّاليهات المتمثلّة في استغلال الإعانات المالية والبناء في الفضاءات الشّاغرة الموجودة بين كل شاليه وأخرى دون هدمها (صور 6، 7).

صورة 6: بناء جاهز باولاد محمد

المصدر: تحقيق ميداني 2025.

صورة 7: بناء جاهز بالشّرفة

المصدر: تحقيق ميداني 2025.

تشير البيانات إلى نموّ ملحوظ في السّكنات والسّكان في جميع الأحياء الجاهزة بين عامي 1987 و2022 (جدول 2)، إذْ شهدت أحياء الشاليهات زيادة معتبرة في عدد السّكان وتطوّر في الحظيرة السّكنية، ما سمح بتحوّل أحياء الشاليهات من مناطق مؤقّتة إلى مناطق سكنية دائمة. حيث تضاعف العدد من 49212 نسمة سنة 1987 إلى 100711 نسمة سنة 2022 (مديرية البرمجة ومتابعة الميزانية لولاية الشلف، 2022). هذه الزّيادة كانت مدفوعًة بعدّة عوامل أهمّها زيادة حجم الأسر واستقرار الأوضاع الأمنية وهجرة بعض السّكان من المناطق المجاورة نحو مناطق البنايات الجاهزة، والتي أصبحت توفّر بنية تحتية جيدة ومرافق متعدّدة. صاحب تلك الزّيادة السّكانية تطوّر وتنوّع
في الحظيرة السّكنية على مستوى أحياء الشاليهات، من 5856 وحدة سكنية جاهزة إلى 24666 وحدة سكنية تنوّعت بين الفردي، الجماعي، الجاهز والتّقليدي، مع احترام مقاييس البنابات المضادّة للزّلازل بعد 2003.

جدول 2: تطوّر السّكان والحظيرة السّكنية للأحياء الجاهزة بين 1987 و2022

تعداد

المجمّعات

1987

2022

معدّل النموّ السّكاني %

السّكنات

السّكان

السّكنات

السّكان

الشّرفة

2387

21323

12899

52346

1,80

لالّة عودة

1112

10457

2592

13604

0,52

اولاد محمد

2357

17439

9175

34761

1,38

المجموع

5856

49212

24666

100711

1,44

المصدر: الدّيوان الوطني للإحصائيات، مصالح بلدية الشلف، تقديرات 2022.

التّكثيف وشغل الفجوات المجالية لبرمجة وظائف هيكلية وسكنيّة جديدة: نحو تشكيل مجالات شبه مركزية

بالنّظر إلى الاستهلاك غير العقلاني للعقّار وكثافة المشاريع السّكنية الّتي استفادت منها مدينة الشلف، على غرار المدن الأخرى في الوطن، تمّ التّفكير
في خلق أقطاب عمرانية للتّحكم في النّمو العمراني للمدينة وتوجيهه. فالأقطاب العمرانية مفهوم جديد قامت وزارة السّكن والعمران والمدينة بتجسيده بموجب التعليمة الوزارية رقم 152 بتاريخ 13 ماي 2013م، والقطب العمراني يقصد به إنشاء مجالات حضريّة جديدة، تتكوّن
من مجموعة أحياء سكنيّة ومرافق متنوّعة لتلبية الحاجيات الأساسية للسّكان. وفي هذا الإطار شُيِّدت أربع أقطاب عمرانية، وهي: حي الشّرفة الجديدة (البرادعي)، حي الحسنية وحي الكفافسة، على مساحة إجمالية بلغت 552,5 هكتارا، مع تشييد 12679 وحدة سكنية تنوّعت ما بين الجماعية والفردية بمختلف الصّيغ (السّكن الاجتماعي الإيجاري LPL، السّكن التّرقوي المدعّم LPA، السّكن الاجتماعي التّساهميLSP، السّكن التّرقوي العمومي LPP، سكن البيع بالإيجار عدل، السّكن التّرقوي الخاص، السّكنات الوظيفية، والسّكنات الخاصة بالصندوق الوطني للخدمات الاجتماعية FNPOS) (جدول 3 وخريطة 4) بالإضافة إلى مختلف التّجهيزات (تعليميّة، صحيّة، رياضيّة، أمنيّة ومراكز تجاريّة ومحلاّت ...) والتي تمّ تشييدها وفقا لمعايير البناء الحديث للبنايات المضادّة للزلازل.

جدول 3: الأقطاب الحضريّة الجديدة بمجمّعة الشلف

الأقطاب الحضرية

المساحة

هكتار

عدد السّكنات

نوع السّكنات

- حي بن سونة

112,5

6800

الاجتماعي (LPL)، الترقوي المدعم (LPA)، التساهمي العمومي (LSP)،الترقوي العمومي (LPP)، البيع بالإيجار عدل والسكن الوظيفي

- الشّرفة جديدة (البرادعي)

77,1

3912

الاجتماعي (LPL)، الترقوي المدعم (LPA) والترقوي العمومي (LPP)

- حي الحسنية

245

3500

البيع بالإيجار عدل

- حي الكفافسة

117,5

1110

الاجتماعي (LPL)والتّرقوي المدعم (LPA)

المجموع

552,5

12679

المصدر: مديرية السكن لولاية الشلف، 2023.

D:\المذكرة النهائية للدكتوراه\الخرائط\الاقطاب الحضرية.jpgخريطة 4: الأقطاب الحضرية الجديدة بمجمعة الشلف

المصدر: المخطّط التّوجيهي للتّهيئة والتّعمير لبلديات شلف، سنجاس وامّ الدّروع، 2014.

شُيِّدت هذه الأقطاب في الفراغات المجالية التي كانت موجودة بين الحيّ المركزي والأحياء الجاهزة، نجم عنها تشكيل مجالات شبه مركزيّة. تمثّلت
في البداية في إنجاز منطقة نشاطات على مساحة تفوق 11 هكتارا بين حيّ اولاد محمد ومركز المدينة، وبعدها تمّ إنجاز القطب الجديد بن السّونة
(صورة 8) بين حيّ لالة عودة وحيّ السّلام ولاسيتي، كما جرى نقل العديد من المرافق الإدارية (مديرية التّربية، مديرية السّياحة، المراقب المالي، المديرية الجهوية للخزينة، والغرفة الفلاحية...) من مركز المدينة إلى المركز الإداري الجديد بحيّ بن سونة لتخفيف الضّغط على المركز( شميني، 2014). تلاها قطب البرادعي غرب المدينة بين الشّرفة القديمة ولاسيتي على امتداد محور الطّريق الوطني رقم 04. إضافة إلى إنشاء ثلاث مناطق نشاطات في حيّ الشّرفة على مساحة تفوق 7 هكتارات، القطب الثالث حيّ الحسنية في الجهة الجنوبية يحتوي على 3500 وحدة سكنية موزعة على مساحة 245 هكتار طبقا لتوجيهات المخطّط التّوجيهي للتّهيئة والتّعمير لبلدية الشلف لسنة 2006. وحسب تقديرات مديرية البرمجة ومتابعة الميزانية لولاية الشلف بلغ عدد سكّان مجمّعة الشلف سنة 2022 220512 نسمة. مخالفة بذلك التّوقعات والتّوجهّات الّتي كانت مسطّرة وفقا للمخطّط التّوجيهي للتّهيئة والتّعمير لبلدية الشلف لسنة 2006 (177270 نسمة سنة 2020)، ممّا دفع بالسّلطات المحلية إلى مراجعة هذا المخطّط وبالتّالي توسيع الحدود الحضرية وإدماج مساحات ريفية ضمن المجال الحضري الجديد، وهذا ما جاء به المخطّط التّوجيهي للتّهيئة والتّعمير لبلدية الشلف لسنة 2014 حيث انتهى إلى دمج منطقة الكفافسة جهة الجنوب الشرقي المتربعة على مساحة 117,5 هكتار لاستقبال 1110 وحدة سكنية جديدة، وتوجيه التّوسّع نحو الجنوب باتّجاه سنجاس والجنوب الغربي باتّجاه المعامرية ووادي سلي، للحفاظ على الأراضي الفلاحية المسقية ذات المردودية العالية في الجهة الشّمالية. كما تمّ اختيار أرضية لإنجاز مركّب رياضي على مساحة 73,4 هكتار في الجهة الجنوبية الشّرقية للمدينة (خريطة 5).

D:\TD Urbanisme 2024- 2025\سكن.jpgصورة 8: سكنات ترقوي عمومي في طور الإنجاز بحي بن سونة

المصدر: تحقيق ميداني 2025.

خريطة 5: التّوسع العمراني لمجمّعة الشلف

التّطور الوظيفي للمجالات العمرانية الجديدة وإعادة تشكّل العلاقة محيط - مركز

أدّى تمدّد مدينة الشلف إلى زيادة مساحتها المجالية وتباعد المسافات بين مركزها والأحياء السّكنية الجاهزة منها والحديثة النّشأة. وهو ما نتج عنه تباعد
في مسافات التّنقل اليومي للأفراد. ورغم الزّلازل المدمّرة التي تعاقبت عليها إلاّ أنّها حافظت على دورها الرّيادي في إقليمها. يتجلّى ذلك من خلال تنظيم الحياة الرّيفية حولها (George, 2008) وهيمنتها تجاريا، وإداريا وخدماتيا
على محيطها. ما جعلها أكثر استقطابا وبالتّالي أكثر الوجهات المقصودة
من طرف ساكنة المناطق المحيطية بها، وهذا ما أضفى عليها صبغة المدينة المركزية. وقد تختلف التّحركات اليومية لقاطنة الأحياء المحيطية نحو هذه الأخيرة حسب اختلاف دوافعهم والوسيلة المستعملة.

من أحياء شاليهات إلى مركزيات ثانويّة في طريق التشكّل

شهدت التّجهيزات العمومية داخل الأحياء المؤقتة تطوّرا ملحوظا
في السّنوات الأخيرة، حيث كانت مناطق البنايات الجاهزة تفتقر إلى العديد من المرافق والخدمات الأساسية الضّرورية لمتطلّبات الحياة باعتبارها أحياءً مؤقّتة. لكن مع مرور الوقت، ونتيجة لبعث عديد البرامج العمرانية العمومية بهدف تحسين البنية التّحتية وتوفير التّجهيزات العمومية، أصبحت الأحياء المنبثقة بعد زلزال 1980 تتوفّر تقريبا على كل المرافق الضّرورية، حيث تمّ إنشاء 54 مؤسّسة تعليمية، 13 مركزا صحّيا، 06 مراكز ثقافية، 03 ملاعب جوارية، 03 ملاحق إدارية و 05 تجهيزات أمنية (مديرية التّجهيزات العمومية لولاية الشلف، 2022). أدّى إلى هذا التّنوع في المرافق ساهم في تطوير البيئة الاجتماعية داخل مناطق البنايات الجاهزة وفي خلق فرص اقتصادية جديدة، تجلّت في ظهور أسواق محلية، ساهمت في تحفيز الاقتصاد المحلّي.

لم تعد الأحياء الجاهزة المحيطية البعيدة عن مركز المدينة ذات وظيفة سكنية فقط، بل أصبحت تحتوي أيضا على عدد معتبر من الأنشطة التّجارية والخدماتية المتنوّعة، ومحلاّت بيع بالجملة والتّجزئة. أظهرت الزّيارات الميدانية أنّ هناك تنوّعا كبيرا من حيث النّشاطات التّجارية والخدماتية والحرف
في الأحياء المحيطية والّتي تتداخل في معظمها مع الوظيفة السّكنية بعد تحويل جزء من المجالات السكنية إلى محلّات تجارية، حيث يهيمن النّشاط التّجاري على النّشاطات الأخرى في كلّ الاحياء: حيّ لالّة عودة ( 220 محل)، حيّ الشّرفة (422 محل)، حي اولاد محمد (325 محل) (تحقيق ميداني 2023)، في المرتبة الثّانية نجد النّشاط الخدماتي وفي الأخير النّشاط الحرفي (شكل 3 والخريطة 6) وأغلبها تتمركز في الشّوارع الرّئيسية والمحاور الأساسية، ممّا أنتج مناطق نشطة سمحت بجذب سكّان الأحياء وسكّان المناطق المجاورة لها. ساهم في ذلك وجود وسائل نقل تسمح بالوصول إلى أماكن هذا التّمركز التّجاري والخدماتي ممّا أضفى عليها ملامح المركزيات الثّانوية المحيطية بطريقة مشابهة لباقي كبريات المدن الجزائرية (Otmane et al., 2023).

بعدما كانت قاطنة الأحياء الجاهزة تعتمد كليّا على الحيّ المركزي لدوافع متعدّدة، وبعد مرور أكثر من أربع عقود من الزمن أصبح مركز المدينة يخضع لمنافسة حقيقية من قبل أحياء الشاليهات، ذلك بفعل التّطوّر الملحوظ في توزيع الأنشطة والخدمات، بالإضافة إلى التّجهيزات ذات البعد الجهوي، ما جعلها تشهد هي الأخرى ديناميكية داخل وسطها الحضري. ورغم كل التّطورات
التي شهدتها كل من الشرفة، اولاد محمد وحي لالّة عودة في مختلف المجالات، والتي مكّنتها من التّوجه نحو "المركزيات الجديدة" إلّا أنّ مركز المدينة ورغم إعادة بنائه مرّتين مازال يهيمن على بعض التّجهيزات والخدمات.

الشّكل 3: توزيع المحلات التّجارية والخدماتية بأحياء مجمّعة الشلف

المصدر: تحقيق ميداني، 2023.

خريطة 6: توزيع الأنشطة التّجارية والخدمات والتّجهيزات بمركز المدينة والأحياء الجاهزة

المصدر: تحقيق ميداني 2023.

النّقل الجماعي: محرّك رئيسي لربط المحيط بالمركز

بفضل السّياسة المنتهجة من طرف الدّولة في قطاع النّقل والمتمثّلة في فتح الاستثمار أمام الخواص، من خلال القانون 88-17 المؤرّخ في 10-06-1988، أصبح القطاع الخاص ينافس القطاع العمومي على خطوط النّقل الحضرية الهامّة (Kaddouri et al., 2024).

تملك مجمّعة الشلف أسطولا من وسائل النّقل بمختلف أنواعه على مستوى المحيط الحضري، يتكوّن من 246 حافلة مستغلّة من طرف 229 متعامل وموزعة على 16 خط. وعلى مستوى النّقل الريفي تتوفّر 474 حافلة مع 452 متعامل خاصّ و122 خط، وعلى مستوى ما بين البلديات تتوفّر 954 حافلة مع 899 متعامل و56 خطّ، أمّا على المستوى الولائي فتملك مجمّعة الشلف 355 حافلة مع 197 متعامل و47 خط. إضافة إلى خطّ السّكة الحديدية الّذي يربط بين الجزائر العاصمة ووهران مرورا بمجمّعة الشلف، حيث بلغ عدد المسافرين 115921 مسافرا والبضائع 102394 طنا لسنة 2019 (مديرية النقل لولاية الشلف، 2022).

توجد بمجمّعة الشلف ثلاث محطّات بريّة رئيسية لنقل المسافرين (وطنية، ولائية، حضرية وشبه حضرية)، الأولى بالحمّادية بقدرة استيعاب 460 حافلة، الثّانية بساحة التّضامن بقدرة استيعاب 418 حافلة والمحطّة الثالثة بحيّ الحريّة 5 جويلية 1962 بقدرة استيعاب 458 حافلة. بالإضافة إلى وجود 425 سيارات أجرة مرخّصة وأخرى تعمل بصورة غير قانونية (راسي وبن ميسي، 2021).

عرفت الأحياء الجاهزة حركيّة كثيفة بفعل تطوّرأسطول شبكة النّقل
من خطّ واحد يربط بين مركز المدينة والأحياء المنبثقة بعد زلزال 10 أكتوبر
إلى 23 خطّ شبه حضري جديد يتكوّن من 419 متعامل و445 حافلة موزعة كما يلي: اولاد محمد 11 خطّ بـ 172 متعامل و195 حافلة، حيّ الشّرفة 08 خطوط
بـ 242 متعامل و242 حافلة، لالّة عودة 04 خطوط بـ 07 متعاملين و08 حافلات (مديرية النّقل لولاية الشلف، 2022). هذا وقد سهّل التّطور الكبير في شبكة الطّرق والمواصلات التي شهدته الأحياء المحيطية حركة المرور، وساهم في ربط مناطق الشاليهات ببقيّة المدينة بشكل أكثر كفاءة. كما تمّ تحسين وسائل النّقل العامّة، ممّا سهّل التّنقّل داخل المدينة.

من خلال التّحقيقات الميدانية يلاحظ أنّ ما يقرب النّصف من المتردّدين
على مركز المدينة من حيّ اولاد محمد وحيّ الشّرفة يستعملون النّقل الحضري ممّا يعكس أهمّية هذا النّمط في ربط المحيط بالمركز، بينما يستعمل ثلث المتنقّلين سياراتهم الخاصّة في كلّ من الحيّين، في حين بلغت نسبة استعمال سيارات الأجرة 18,8% في حيّ اولاد محمد و17% في حيّ الشّرفة، أمّا الوسائل الأخرى المستعملة فنسبتها ضئيلة (جدول 4 والشّكل 4).

جدول 4: التّحركات السّكانية بين حيّي اولاد محمد، الشّرفة ومركز المدينة

حيّ الشّرفة

حيّ اولاد محمد

وسائل الاتّصال

النّسبة%

العدد

النّسبة%

العدد

32,05

117

31,42

121

سيارة خاصّة

16,98

62

18,88

65

سيارة أجرة

1,36

5

1,29

5

الدّراجات النّارية

-

-

3,37

13

مشي بالأقدام

49,58

181

47,01

181

نقل حضري

100

365

100

385

المجموع

المصدر: تحقيق ميداني، 2023.

الشّكل 4 : التّحركات السّكانية بين حيّي اولاد محمد، الشّرفة ومركز المدينة

المصدر: تحقيق ميداني، 2023.

التّسوّق والخدمات: دوافع رئيسية للتّنقلات اليومية من المحيط نحو المركز

السّبب الّذي يدفع قاطنة الأحياء المحيطية بما فيها الأحياء الجاهزة للتنقّل يوميا نحو الحيّ المركزي هو هيمنة هذا الأخير على التّجهيزات الأساسية والخدمات الحضرية الضّرورية، وهذا ما يُبقي الفضاءات المحيطية تابعة للمدينة الأم بشكل مباشر أو غير مباشر. يظهر من نتائج العمل الميداني على مستوى الأحياء الجاهزة والحيّ المركزي (2022-2023) أنّ حركيّة أغلب أرباب الأسر نحو المدينة الأم تكون لعدّة دوافع (الجدول 5).

الجدول 5: الغاية وفترة تنقل السّكان إلى الحيّ المركزي

المصدر: تحقيق ميداني، 2023.

التّسوق هو الدّافع الأوّل لتنقّل أغلب أرباب أسر الأحياء المحيطية نحو مركز المدينة لقضاء حاجياتهم اليومية بنسبة 54,66%، ويليها العمل والخدمات الإدارية بنسب متقاربة 11,20%- 14,13% على التّرتيب بالنّظر
إلى التّمركز الكبير للنّشاطات الاقتصادية والخدمات الإدارية في مركز المدينة. في حين لا يمثل دافع الدّراسة إلا نسبة ضئيلة 0,1% بسبب توفّر أغلب هذه التّجهيزات في الأحياء المحيطية. تزداد هاته التّنقلات والتّحرّكات اليومية
في الفترة الصّباحية بنسبة 82,53% وتنخفض في الفترة غير المنتظمة زمنيا بنسبة 15,2% وأما باقي الفترات فهي ضئيلة جدا.

خاتمة

بعد مرور أكثر من أربعة عقود من الزّمن عن الزّلزال الأخير 1980، عرفت مدينة الشلف ديناميكية ديمغرافية وعمرانية غير مسبوقة أفرزت تحوّلات جذرية وانعكاسات متنوّعة اجتماعية ومجالية.

تتعرض مدينة الشلف، باعتبار موقعها الجغرافي في منطقة زلزالية بامتياز لمعضلة دائمة تحصرها بين هاجس الزّلزال من جهة، وسكان متجذّرين في هذا المكان منذ عقود متمسّكين بالبقاء فيه وتطوير حياتهم اليومية وتنمية مدينتهم من جهة أخرى. وقد أدّت السّياسات العمرانية المتعاقبة على مدينة الشلف
إلى إنتاج ثلاث نماذج عمرانية متباينة اجتماعيا وعمرانيا (Teguia, 1992). نموذج مدينة أورليان فيل (Orléansville)، مجال عمراني كولونيالي، يتميّز بمخطّطه العمراني الشّطرنجي (مركز المدينة). بعد زلزال 1954، تمّت إعادة إعمار المدينة على أنقاض المدينة المهدّمة، حيث بدأت بإنشاء حيّ استعجاليّ على مساحة 20 هكتارا، مهّد لتوسّع المدينة باتّجاه الغرب. واستمرّ ذلك
مع تكثيف عمراني في وسط المدينة.

بعد الاستقلال جاء نموذج مدينة الأصنام واستمر نموّ المدينة بعد الاستقلال بإنشاء أحياء جديدة وإنشاء المنطقة الصّناعية وادي سلي على حساب الأراضي الفلاحية المحيطة بها ما أنتج تعميرا خطّيا على طول الطّريق الوطني رقم 4 الرّابط بين الجزائرووهران. وآخر القطاعات العمرانية التي كانت في طور الإنجاز هي الحيّ الأولمبي وحيّ الشّارة الّلذين دمّرهما زلزال 1980. وجاء المخطّط العمراني التّوجيهي P.U.D لعام 1975 ليؤكّد النّمو العمراني الطّولي.

وأخيرا نموذج مدينة الشلف بعد إعادة الإعمار عقب زلزال 10 أكتوبر1980، والذي تجلّى من خلال إنشاء أربعة أحياء جاهزة (الشّاليهات) على أبعاد مختلفة من المدينة الأمّ، ممّا أدّى إلى انفجار النّسيج العمراني للمدينة وصعوبة التّنقّل بين الأحياء ومركز المدينة. يعتبر هذّا التّاريخ نقطة تحوّل في نموّ المدينة حيث شهدت انفصاما واضحًا في التّطوّر المجالي للمدينة وأخذت شكل رجل الوزّة (patte d’oie)، على خلاف ما حدث في إعادة إعمار المدينة بعد زلزال 1954. ومع مرور الزّمن عرفت تلك الأحياء تكثيفا عمرانيا كبيرا.بعد سنة 2000، شهدت المدينة نموّا سكّانيا بوتيرة متصاعدة صاحبه تمدّد عمراني كبير، تجلّى في ملأ معظم الفراغات الموجودة بين الأحياء التي تشكّلت أثناء المراحل السّابقة، مكوّنة بذلك مجمّعة الشلف الكبرى. وقد ساهمت المشاريع السّكنية العديدة بمختلف الصيغ والتّجهيزات، على شكل أقطاب حضرية، في هذا التحوّل الذي استفادت منه المدينة كغيرها من المدن الجزائرية في إطار البرامج الوطنية المختلفة، خاصة بعد تحسّن الوضعية الاقتصادية والمالية للجزائر، وذلك طبقا للمخطّطات التّوجيهية للتّهيئة والتّعمير لمجمّعة الشلف، مع تكثيف عمراني في المدينة الأمّ.

بعد الانقطاعات المجالية التي صاحبت إعادة الإعمار بعد زلزال 1980 أعيد تشكيل المجال الحضري بمجمّعة شلف وفق مقاربات عمرانية متباينة ممّا خلق مجالات غير متجانسة اجتماعيا ووظيفيا. أدّى هذا التّمايز إلى تكوين مركزيّات حضريّة جديدة في طور التّشكل في المناطق المحيطية وخاصّة في أحياء الشّاليهات الّتي تحوّلت من سكنات مؤقّتة الى سكنات دائمة طرأت عليها تعديلات وتغييرات لاستقبال أنشطة ذات طابع تجاري وخدماتي من جهة،
ومن جهة أخرى أدّى إلى تشكيل مجالات شبه مركزية على شكل أقطاب عمرانية جديدة. لقد أدى اكتساب المدينة للعديد من الوظائف ذات المستوى العالي مثل الجامعة، المطار، المستشفى والعيادات المتخصّصة، إضافةً إلى الأنشطة التجارية والخدماتية، أدّى إلى تعزيز مكانتها الحضرية ومنحها مؤهلات للعب دور متروبولي في تنظيم العلاقات المجالية على المستويين الإقليمي والوطني. غير أنّ هذا التطوّر السريع جعلها تواجه تحديات حضرية كبرى مرتبطة بضرورة التحكم في التعمير والتوسع العمراني، مع مراعاة خصوصيات محيطها الطبيعي والزراعي، وكذا المخاطر الزلزالية التي تميّز مجالها الجغرافي.

قائمة المراجع

بوتشيشة عبد القادر، (2023). واقع الريف بمنطقة الشلف أواخر الفترة الاستعمارية (1945-1962). الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والإنسانية، 15(2)، 539‑544.

حسام راسي، وبن ميسي احسن، (2021). تأثير مرفولوجية مدينة الشلف
على خدمة النقل الجماعي. مجلة العلوم الإنسانية، 23(4)، 147-164.

شميني نصر الدين، (2014). التوسّعات العمرانية الحديثة بمجمعة شلف [مذكرة ماستر]. جامعة وهران 2.

Anderson, H., & Jackson, J. (1987). Active tectonics of the Adriatic Region. Geophysical Journal International, 91(3), 937–983. https://doi.org/10.1111/j.1365-246X.1987.tb01675.x

Arellano, R. (2012). The urban sprawl: A planetary growth process? : An overview of USA, Mexico and Spain [Mémoire de maîtrise]. Universitat Politècnica de Catalunya.

https://upcommons.upc.edu/handle/2099/12722

Agence Nationale de l'Aménagement du Territoire (ANAT). (1996). Plan directeur d'aménagement et d'urbanisme (PDAU) de la commune de Chlef. Chlef.

Agence Nationale de l'Aménagement du Territoire (ANAT). (2006). Plan directeur d'aménagement et d'urbanisme (PDAU) des communes (Chlef, Sendjas, Oum Drou, Ouled Fares, Chettia et Labbiodh Medjadja) (Révision). Chlef.

Agence Nationale de l'Aménagement du Territoire (ANAT). (2014). Plan directeur d'aménagement et d'urbanisme (PDAU) des communes (Chlef, Sendjas, Oum Drou) (Révision). Chlef.

Berrard, V. (1867). Indicateur général de l’Algérie description géographique, Historique et statistique de toutes les localités. Bastide. Consulté sur https://fr.scribd.com/document/537445298/1867-Indicateur-General-de-l-Algerie-Berard

Boutaraa, Z., Negulescu, C., Arab, A., & Sedan, O. (2018). Buildings Vulnerability Assessment and Damage Seismic Scenarios at Urban Scale: Application to Chlef City (Algeria). KSCE Journal of Civil Engineering, 22(10), 3948–3960. https://doi.org/10.1007/s12205-018-0961-2

Boutaraa, Z. (2015). Analyse de la vulnérabilité sismique à l’échelle urbaine: application à la ville de Chlef. Dans 7ème Symposium sur la construction en zone sismique (SYCZS’2015).

Boutaraa, Z., & Verrhiest-Leblanc, G. (2013). Retour d’expérience des séismes le cas de la ville de Chlef (Algérie). https://urlz.fr/uBe2

Chaline, C. (1980). La dynamique urbaine. Presses Universitaires de France (PUF).

Charmes, É. (2011). La ville émiettée. Essai sur la clubbisation de la vie urbaine. Presses Universitaires de France (PUF). https://doi.org/10.3917/puf.catal.2011.01

Centre National d'Études et de Recherches en Urbanisme (CNERU). (1975). Plan d'urbanisme directeur (PUD) de la commune de Chlef. Alger.

Centre National d'Études et de Recherches en Urbanisme (CNERU). (1983). Plan d'aménagement de Chlef. Alger.

Debia, R. Y. (1955). Orléansville : Naissance et destruction d’une ville, sa résurrection. Éditions Baconnier.

Dureau. F. (2004). Croissance et dynamiques urbaines dans les pays du Sud. https://www.documentation.ird.fr/hor/fdi:010041382

Ewing, R. (1997). Is Los Angeles-Style Sprawl Desirable? Journal of the American Planning Association, 63(1), 107-126. https://doi.org/10.1080/01944369708975728

George, P. (2008). Introduction à l’étude de la banlieue. Dans
T. Paquot (Éd.), Banlieues : Une anthologie. Presses Polytechniques
et Universitaires Romandes.

Galster, G., Hanson, R., Ratcliffe, M. R., Wolman, H., Coleman, S., & Freihage, J. (2001). Wrestling Sprawl to the Ground: Defining and measuring an elusive concept. Housing Policy Debate, 12(4), 681-717. https://doi.org/10.1080/10511482.2001.9521426

Geoffroy, B., Bauer, G., & Roux, J-M. (1977). La rurbanisation ou la ville éparpillée. https://urlz.fr/uBeD

Gribi, M. (1989). Impact du séisme sur le quartier périphérique de bocca Sahnoun [Rapport de recherche non publié]. IGAT. Oran.

Kaddouri, F. Z., Yousfi, B., & Trache, S. M. (2024). (Dé)cohabitation du transport conventionnel et artisanal dans l’agglomération oranaise (Algérie). Méditerranée. Revue géographique des pays méditerranéens / Journal of Mediterranean geography. https://doi.org/10.4000/11ua8

Kateb, K. (2003). Population et organisation de l’espace en Algérie. L’Espace géographique, 32(4), 311-331. https://doi.org/10.3917/eg.324.0311

Mahmoud, M. (2015). La reconstruction d’Orléansville
(1954-1960): Contribution à l’histoire de l’architecture et de l’urbanisme du Mouvement moderne en Algérie
. Université de Paris 1.

O. Niel, (1876). Géographie de l’Algérie. Librairie Imprimerie Dagand.

Otmane, T., Maachou, H. M., & Yousfi, B. (2023). Émergence des nouvelles centralités à Oran en Algérie entre métropolisation
et circulation marchande mondialisée. Suds. Géographies critiques, perspectives des Suds, (287), Article 287.

https://doi.org/10.4000/suds.340

Pumain, D. (1982). La dynamique des villes. Cahiers de géographie du Québec, 27(70), 2-141. https://doi.org/10.7202/021599ar

Reisser, E. (1898). Quelques notes sur la partie de la plaine du Chéliff s’étendant d’oppidum Novum a castellum Tingitanum.

Rivière, J. D., Pinson, S., & Thomann, S. (2005). La maison en ses territoires. De la villa à la ville diffuse. Norois, 195(2), 11. https://doi.org/10.4000/norois.590

Teguia, F. (1992). Catastrophes naturelles et sociétés : La reconstruction de la ville de Chlef après le séïsme du 10 octobre 1980 [Thèse de doctorat non publiée, Université de Pau et des Pays de l'Adour]. https://theses.fr/1992PAUU1004

Yamani, L. (2014). Logiques d’acteurs, processus et formes d’urbanisation : Le cas de la ville de Mostaganem [Thèse de doctorat, Université des Sciences et de la Technologie Mohamed Boudiaf d'Oran].

Yamani, L., & Trache, S. M. (2020). Contournement des instruments d’urbanisme dans l’urbanisation de l’agglomération mostaganémoise (Algérie). Cybergeo: European Journal of Geography, (925). https://doi.org/10.4000/cybergeo.34731

Zaninetti, J. M. (2007). Dynamiques urbaines de la Nouvelle-Orléans avant Katrina : Étalement urbain et ségrégation raciale. Annales de géographie, 654(2), 188-209. https://doi.org/10.3917/ag.654.0188

  1. أمثال:

Cite this article

BENZAKHROUFA, K. & MAACHOU, H. M. (2025). الدّيناميكية الحضرية والتّحولات المجالية في مجمّعة الشلف: من التّفكك والانقطاع إلى التّلاحم والامتداد. Insaniyat - Algerian Journal of Anthropology and Social Sciences, 29(108), 1–50. https://insaniyat.crasc.dz/en/article/aldynamykya-alhdrya-walthwlat-almjalya-fy-mjmaa-alshlf-mn-altfkk-walanqtaa-ila-altlahm-walamtdad