النظم الإدارية في بلاد المغرب خلال العصر الفاطمي 296-362هـ/909-973م

 إنسانيات عدد 4 | 1998|  الأسرة : الأمس و اليوم  | ص101-108 | النص الكامل 


Bouba MEDJANI : Université de Constantine, Institut des sciences sociales, Département d'histoire, 25 000, Constantine, Algérie


 

موضوع النظم الإدارية في بلاد المغرب في القرون الأولى للهجرة من المواضيع التي لم تحض باهتمام الدراسين لكون هذه المنطقة ظلت أرض ولاية تابعة لدار الخلافة بالمشرق، سواء دمشق أم بغداد، و من ثم لم يولها المؤرخون القدامى اهتماماتهم التي انصرفت إلى تدوين أحداث دار الخلافة.

و على الرغم من ظهور عدّة إمارات مستقلة إبتداء من أواخر النصف الأوّل من القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، إلا أن هذه الإمارات قضت معظم حياتها في حروب وصراعات مع بعضها البعض من أجل البقاء وترسيخ الأقدام. ولهذا إنصبّت إهتمامات من أرّخ لها على الجوانب السياسية والعسكرية دون الجوانب الحضارية و منها موضوع النظم.

هذه الملاحظات تنسحب على غرب المغرب الأوسط و الأقصى. أما شرقه أو ما يعرف بالمغرب الأدنى وإفريقية فإنها ظلّت دار ولاية تابعة للخلافة العبّاسية ببغداد، حتى ظهور الخلافة الفاطمية في نهاية القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي. فأصبحت دار خلافة يتبعها باقي أقسام بلاد المغرب كولايات.

و على الرغم من هذا التّطور إلاّ أن اهتمام المؤرّخين ظلّ منصرفا إلى الأحداث السياسية والعسكرية دون الإلتفات إلى الجوانب الحضارية و منها النظم. ماعدا ما يأتي عرضا أثناء التاريخ لحادثة سياسية أو عسكرية ما فندرت بذلك الأخبار عن النظم ممّا جعل الدراسين يضربون صفحا عنها.

إلى جانب الأسباب السابقة الممثلة في وضعية المغرب الإدارية، حيث ظل طرفا و لم يتحول إلى مركز إلا عندما أسّست على أرضه الخلافة الفاطمية، إلا أن هذا المركز ظل ثانويا كذلك، منافسا للمركز الأصلي و هو بغداد. و على الرغم من المجهودات التي بذلها الفاطميون من أجل صرف أنظار المسلمين عن بغداد و تحويلها إلى المغرب، لأن المذهب الذي حكمت به مذهب معارض للأغلبية السُّنية بالمشرق والمغرب سواء بسواء. و بذلك فشلت في السيطرة على قلب العالم الإسلامي و أراضيه  المقدسة فظلّت خلافة طرف.

و كان المشروع السياسي الفاطمي يسعى إلى تأسيس خلافة في الطرف بعيدا عن المركز، ثم الزحف من هذا الطرف على المركز و إسقاط الخلافة العباسية السُّنية لتصبح الخلافة الفاطمية هي الخلافة الشرعية التي تحكم كل العالم الإسلامي من قبله.

و من الأسباب التي أدت بالمؤرخين القدامى إلى إهمال النظم هو قصر الفترة الزمنية التي قضاها الفاطميون في بلاد المغرب. وهذا السبب مرتبط بالسابق و هو هذف المشروع السياسي الفاطمي الذي يسعى إلى العودة إلى المشرق واتخاد منطقة المغرب منطقة عبور فقط.

كما أن طابع المرحلة العسكري، حيث صرفت في معارك من أجل تحقيق أهداف العودة بالسيطرة على بلاد المغرب.

إلى جانب ذلك هناك الأسس المذهبية التي كانت قامت عليها هذه الخلافة، كالتنظيم الدعوى الذي أحكمت تنظيماته فاستهوت بذلك فضول الباحثين فكتب معظمهم في التاريخ السياسي و الدعوي و العسكري دون التاريخ الحضاري. على الرغم من أن التنظيمات الدعوية هي التي وضع على منوالها، و ارتبطت بها ارتباطا عضويا. فالدّاعية الذي شغل مرتبة في مراتب الدّعوة أصبح موظّفا إداريّا بعد تأسيس الدّولة.

 

هنا تكمن أهمية موضوع النظم الإدارية خلال العصر الفاطمي. فهذه النظم هي التي نقلت المذهب الإسماعيلي من مجاله الفكري النظري إلى المجال العلمي التطبيقي. وهذا النوع من الدراسات الدقيقة قادر على سبر أغوار و فحص الأحداث السياسية والعسكرية و الكشف عن أبعادها وأهدافها. هذه الأحداث التي تصورها المصادر على أنها تاريخ سخائم بين العصبيات القبلية المغربية البترية  والبرنسية. غير أن الواقع لم يكن كذلك، فدراسة النظم كشفت لنا عن مدى قدرة السلطة على التكيّف مع المجتمعات التي تحكمها وتطويع هذه السخائم و الإحن لخدمة أهدافها السياسية بالتقرّب مِمَّنْ يظاهرها العداء بالوظائف الإدارية. و في ذات الوقت مكافأة رجال دعوتها الذين حققوا لها حلم الوصول إلى السلطة وتأسيس خلافة شيعيّة تواجه الخلافة العبّاسيّة.

هذه المعطيات هي التي جعلتني أقدم على دراسة هذا الموضوع على الرّغم من العقبات الكثيرة التي تواجه كل من يتصدّى له بالدراسة ويمكن حصر إشكالية الموضوع وعقباته في التالي:

1- نذرة المادة الخبرية، و القليل المتوفّر مشتت في مصادر مختلفة ومتنوعة تختلف -أي المصادر- مذاهبها من شيعية و سنية  و خارجية. كما تتنوع موضوعاتها ما بين التاريخ السياسي و العسكري، العام والإقليمي، و الجغرافيا والرحلة و كتب الطبقات و الأدب والعقائد.

2- بعض قضايا التاريخ الفاطمي، ما تزال غامضة بسبب بقاء كثير من مصادره سريّة لا يتداولها و لا يسمح بالإطلاع عليها إلاّ المهتمين من اتباع المذهب ذاته. و حتى بعض المصادر التي تم الكشف عنها لم تفك الرموز التي كتبت بها حفاظا على أسرار المذهب حسب ما يصرح به ناشروها[1].

ولا مراء في أن كثير من المصادر الإسماعيلية تمّ نشرها في المدة الأخيرة، إلا أنها لم تَضِفْ الكثير في المجال التاريخي، فإن إفادتها تخص الجانب العقائدي والفلسفي للمذهب.

3- الملفِتُ للإنتباه كذلك أنه على الرغم من التبحر الذي عرفته الدراسات الإسماعيلية في السنوات الأخيرة إلا أن اهتمام الدارسين ظلّ محصورا في المشرق، ولم يحظ بعد المغرب بهذا الإهتمام ماعدا بعض الدراسات التي قام بها باحثون مغاربة مثل الدكتور موسى لقبال[2]، من جامعة الجزائر و الدكتور فرحات الدشراوي[3]، من جامعة تونس.

4- صعوبة الإستفادة من كتب النظم الخاصة بالتجربة العبّاسيّة نظرا للتمايز والإختلاف بين التجربيتين على الرغم من أن كلتاهما قامتا على أساس تنظيم دعوي سري. غير أن الخلافة العبّاسيّة استغنت عن تنظيمها الدعوي بعد قيامها. بينما الخلافة الفاطمية ظل التنظيم الدعوي هو الذي يتحكّم في سياستها                و يوجّهها. ومرد ذلك إن الدعوة الفاطمية لم تتمكن من تحقيق أهدافها بعدم وصولها إلى الحكم الإسلامي من بغداد.

و لهذا أرى أنه يتعذر على أي باحث أن يدرس النظم الإدارية الفاطمية بعيدا عن التنظيمات الدعوية سواء من ناحية بناء الجهاز الإداري أو من جانب رجال الإدارة لأن جهاز الدعوة و كما سبق الحديث هو نفسه جهاز الإدارة.

كما أنه يصعب على الدارس كذلك ان يدرس التجربة الفاطمية في بلاد المغرب من خلال التجربة العباسية في بغداد لأن خصوصية المذهب و الظرف و المكان تحول دون ذلك.

5- أما ما كتب عن نظم الفاطميين في المرحلة المصرية، هو تدوين لهذه التجربة بعد أن بلغت مداها في التطور، فهي تختلف عن مرحلة التأسيس في بلاد المغرب. و مع ذلك تبقى مجالات الإستفادة من تجربة تلك المرحلة ممكنة، لأنه ما تم في المرحلة المصرية يعتبر تطورا لما كان معمولا به في المرحلة المغربية.

و الملفت لنظر الدارس في المرحلة المغربية، هو الإفتقار التام لهذا النوع من الكتابات سواء ما تعلق منها بتاريخ الخلافة الفاطمية أوغيرها من الدول التي قامت على أرض المغرب وسبقت الخلافة أولحقت تاريخ ظهورها. مما جعل أحد كبار المتخصصين في تاريخ المغرب يقرر بأن الدواوين لم يكن لها وجودا، في بلاد المغرب إلا في عصر الموحدين [4].

 

كل ذلك يضع المتصدي لهذا الموضوع أمام خيار واحد فقط وهو الجري وراء مبعثرات مادته في المصادر المختلفة، محاولا استقراءها وتمحيصها، مع اللجوء إلى المقارنة والإفتراض حسب ما تسمح به طبيعة الفترة الزمنية. و هذا في غياب الأدلّة    القاطعة و الخبر الصحيح.

و هذا المسلك في نظري هو الذي يمكن الدارس من بناء هيكل للإدارة الفاطمية التي مارست به حكمها لبلاد المغرب.

و هناك مصادر صورت تطلّع أصحاب المذهب إلى نموذج مثالي للهيكل الإداري أي الصورة التي تأمل أن تكون عليه إدارتها و هو ما تمثله بعض كتابات فقيه الدولة وقاضي قضاتها القاضي النعمان[5].

و لكي لا تكون هذه الدراسة جامدة لا تهتم إلا بالهياكل الإدارية تم الكشف عن دور الإدارة و حركايتها وتأثيرها في الأحداث السياسية و العسكرية والإقتصادية و الإجتماعية. لأنّ الإدارة ونظمها هي تطبيق للفكرة السياسة والمذهبية التي تحكم المجتمع، باستخدام أدوات ووسائل هي المؤسسات و جهاز الموظفين ومجموعة القواعد التي تنظم العلاقة و تنسقها بين فئات هذا المجتمع من ناحية، و بين فئات المجتمع والسلطة من ناحية أخرى.

و لتحقيق كل ذلك تم لم شتات هذا الموضوع ومبعثراته، والربط بينها ثم تقسيمه إلى مقدمة و خمسة أبواب و خاتمة.

مقدمته تـم التعريف فيها بالموضوع وإبراز أهميته، ثم عرض اشكاليته مع تبيان المنهج الذي عولج به. وأرفقت بعرض تحليلي ونقدي لأهم مصادر البحث ومراجعه، مع إبراز مدى إسهاماتها في سائر مباحثه.

و في الباب الأول عرضت العوامل المؤثرة في الإدراة الفاطمية ومنطلقاتها الفكرية الفلسفية و المذهبية. مبينة في ذات الوقت سياسة الدولة في بلاد المغرب وأهدافها. هذه السياسة التي ترجمت فكر الدولة السياسي في الواقع مع محاولة التّأقلم مع المجتمع الذي تحكمه فاصطدمت بمعارضة قوية بسبب الاختلاف في المذهب. مما جعلها تغير من وسائلها لتحقيق أهدافها. هذا المبحث يؤدي حتما بالباحث إلى دراسة المصاعب التي واجهت الدولة سواء من طرف بعض كبار رجالها مثل أبي عبد الله الداعي و أخيه أبي العباس المخطوم وبعض رجالات العصبية التي أقامت الدولة.

كما كانت للخلافة الفاطمية مواجهة مع المخالفين لها في المذهب، سواء أكانوا سنة مالكية، أم خوارج إباضية. و هذا بـهدف إجلاء حقيقة الدور الذي لعبته الممارسة الإدارية في ظهور هذه المصاعب.

في مبحث آخر عولجت المجابهة مع من كان ينافسها على حكم بلاد المغرب وهو أمويو الأندلس الذين ارتكزوا في صراعهم مع الفاطمين على قبائل مغربية ومتخدين من بلاد المغرب مسرحا لهذه المواجهة. و هذا يتطلب إبراز الكيفية التي تعامل بها الفاطميون إدارة مع الجبهة الخارجية التي اعتمدت على عناصر داخلية.

أما الباب الثاني الذي خصصته للإدارة المركزية، عالجت فيه المحور الذي دار عليه الفكر السياسي الفاطمي، ألا و هو موضوع الإمامة، التي هي حجر الأساس في البناء الإداري فبينت كيف حاول فقهاء المذاهب و فلاسفته كل قدراتهم العقلية لخدمة الفكرة. فجمعوا السلطة ومركزوها في يد الإمام، مسوغين هذه المركزية بتأويلات لبعض آيات القرآن الكريم.

و في هذا الباب تمت دراسة موضوع ولاية العهد التي يرتبط ارتباطا كليا بموضوع الإمامة، فكلاهما يمثل قمة الهرم الإداري.

ويلحق بوظيفة الإمام وظائف أخرى إدارية مركزية، وضعت في خدمته -أي الإمام- وهي الوزارة و الكتابة والحجابة.

أما الدواوين المركزية فبحتث في الباب الثالث من هذه الدراسة وكان منطلقها الأسس التي بنيت عليها الدواوين في مرحلة الدعوة ببلاد كتامة. و هذه الدواوين كانت وسيلة من وسائل تطبيق السياسة الفاطمية عن طريق العمل المسلح.

كما أن الباحث في الدواوين يتطلب منه إبراز بنية الجهاز الإداري لكل ديوان من الدواوين الدائمة منها و الظرفية، مثل ديوان الفارين مع زيادة الله بن الأغلب، و الذي لم نعد نسمع عنه شيئا بعد إنتهاء مرحلة التأسيس.

و في الباب الرابع درست الإدارة الإقليمة التي بدأ العمل بها منذ فترة الدعوة ببلاد كتامة. فتمت معالجة قضية التقسيم الإداري لبلاد المغرب و الأسس التي أقام عليها، مع تبيان أهمية بعض الأقاليم ذات المكانة الإستراتيجية مثل إقليم برقة و بلاد الزاب وتاهرت.

كما عولج موضوع الوظائف الإقليمية و العلاقة بين الجهازين الإداريين المركزي و الإقليمي.

أما الباب الخامس و الأخير فلقد خصص لدراسة فلسفة الفاطميين الإدارية في حكم بلاد المغرب، وإبراز الثابت في السياسة الفاطمية و المتغير في إدارتها. غيرت عناصر الجهاز الإداري باستخدامها قبيلة كتامة في مرحلة الدعوة والتأسيس. ثم أبعدت كتامة من المراكز الحساسة واستبدلتها بالصقالبة ورفعت من مكانتهم بل جعلتهم في نفس مكانة الأحرار و بذلك تقدموا إلى الصفوف الأمامية في المجتمع.

إلى جانب الصقالبة استخدمت عنصرا بربريا آخر هو قبيلة صنهاجة كل ذلك من أجل منع كتامة صاحبة الفضل في إقامة الدولة من التسلط. و في ذات الوقت استخدام عصبية بربرية مجاورة لقبيلة زناتة المعارضة للخلافة الفاطمية ومذهبها وحكمها و المعادية لقبيلة صنهاجة كذلك، والمدعومة بالخوارج وأمويي الأندلس فسهل عليها لجمها.

وتأسيسا على ما سبق أوضحت في هذا الباب أنه رغم السخائم التي حكمت العلاقة بين الفاطميين وعدوّها اللّدود قبيلة زناتة، إلا أنها لم تبعدها نهائيا عن حساباتها السياسية. فلقد استخدمت في جهازها الإداري من سالمها منها مثل قبيلة مكناسة لضرب من ظل يظاهرها العداء من هذه القبيلة -أي زناتة- حتى يسهل عليها السيطرة على معابر التجارة السوداء التي تمدها بما يلزمها من أموال لتحقيق مشروعها السياسي.

و جاءت خاتمة هذا البحث لتعرض أهم النتائج المتوصل إليها والتنبيه للقضايا التي استعصى عليّ الوصول إلى حقائقها و فك ألغازها لتكون مواضيع للبحث في المستقبل.


الهوامش

[1]- أنظر على سبيل المثال: يعقوب بن كلس.-  الرسالة المذهبة، تحقيق عارف تامر.- بيروت، دار المسيرة، الطبعة الاولى، 1408هـ/1988م.

[2]- دور كتامة في تاريخ الخلافة الفاطمية منذ تأسيسها إلى منتصف القرن الخامس الهجري/11م.- الجزائر، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع، 1979.

[3]- Le Calefat fatimide au  Maghreb (296-362 H / 909-973 J.C ) Histoire, politique et institutions.- Tunis, STD, 1981.

[4]- GOLVIN,  G.S;  E I. Art diwan.- Nouvelle Edition 1977, Tom 3.- p. 314

[5]-  دعائم الإسلام و ذكر الحلال و الحرام و القضايا و الأحكام عن اهل بيت رسول الله عليه وعليهم افضل السلام، تحقيق أصف بن علي أصغر فيضي.- القاهرة، دار المعارف، الطبعة الثانية، 1969 و الجزء الثاني.-  القاهرة، طبع بدار المعارف، بدون تاريخ.

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2020 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche