النخبة النقابية بمدينة عنابة: تكوينها وتمثلاتها

إنسانيات عدد 05 | 1998  | المدن الجزائرية  | ص 19-34  | النص الكامل 


Formation and representations of a trade union elite in Annaba

Abstract : This paper analyses survey data relation to the emergence of a local trade union elite in the industrial region of Annaba.
In the first axes, we provide a historical overview of the region and its development. While in the second, we discuss a number of issues including socio-demographic characteristics of union leaders, as well as their social, occupational and military backgrounds. In the third and final axes, we suggest an interpretation of trade unions social representations (social images), relating to a number if highly sensitive issues such as; future development of the union movement, economic and political reforms, democracy, the status of religion and women in Algerian society... etc.

Keywords : Annaba, union, elite, reforms, changes


Layachi ANSER: Département de sociologie, Université de Annaba, 23 000, Annaba, Algérie.
Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle, 31 000, Oran, Algérie.


 تتناول هذه الورقة سيرورة تكوين النخبة النقابية المحلية في المنطقة الصناعية لمدينة عنابة، وذلك من خلال عرض وتحليل مجموعة من المعطيات المحصلة عن طريق تحقيق ميداني. سوف يتم التركيز على إبراز المسارات الاجتماعيّة والمهنية وكذلك بعض الخصائص المميزة لمجموعة من القيادات النقابية المحلية على مستوى الاتحاد الولائي للاتحاد العام للعمال الجزائريين. أما المحور الثاني فيخص تمثلات ومواقف تلك القيادات من عدد من القضايا التي تهم المنظمة النقابية وأخرى تتعلق بالحياة الاجتماعية في جوانبها الاقتصادية السياسية والثقافية.

1-الخلفية التاريخية

كانت مدينة عنابة (بون في ظل الإحتلال) أكبر مركز حضري يستقطب السكان من أصل أوروبي في الشرق الجزائري. ومنذ الحرب العالمية الثانية وبخاصة عند انطلاق ثورة التحرير الوطني في 1954 شهدت منطقة عنابة حركة سكانية كثيفة بسبب مخطط استعماري يهدف إلى عزل السكان الجزائريين عن الثورة من خلال عمليات الترحيل والتهجير القسريين إلى المناطق الحضرية.

وقد أدّى ذلك إلى ارتفاع عدد سكان مدينة عنابة في ظرف قصير من 112.000 نسمة في 1954 إلى 150.000 نسمة في 1959، أي بزيادة تبلغ 34%، كما شهدت المنطقة، بموازاة هذه الحركة السكانية، تحوّلات في المجال الاقتصادي، بحيث عرفت انخفاضا محسوسا في اليد العاملة المشتغلة بالزراعة والصناعة لصالح قطاعي التجارة والإدارة [ EL- Kenz 1983:37]. وعانت المنطقة عموما من سياسة التفقير التي مارسها الاستعمار لصالح اقتصاد الميتربول في إطار الاتجاه العام للإستراتجية التي طبقتها سلطات الاحتلال على مدار قرن وثلث القرن من الاستعمار.

تميزت عنابة في ظل الاحتلال بطابعها الثنائي القائم على تناقض صارخ بين المدينة الأوروبية الحديثة بكل مقوماتها الحضارية [ قاعات السينما، المسرح، ملاعب رياضية، شواطئ ومتزهات...] وكلها كانت تحت التصرف المطلق للأقلية الأوروبية وفي خدمتها. في المقابل، نجد الوجه الآخر الذي يعكس حالة الفقر ويجسد القهر الاستعماري، إنه الضواحي المحيطة بالمدينة الأوروبية حيث الأحياء الشعبية التي تغص بالسكان الأصليين.

لم يكن هؤلاء بدورهم يشكلون مجموعة متجانسة بل ينقسمون بحسب أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والمهنية إلى ثلاث مجموعات كبرى.

1- تتكون المجموعة الأولى من 5000 أسرة من العمال المياومين الذين يقطنون أكواخا قديمة في أحياء مكتظة مثل سيدي سالم، بوحمرة ووادي الذهب، وهم في معظمهم من الوافدين الجدد على المدينة بفعل الهجرات الداخلية المتتالية للسكان.

2- المجموعة الثانية تشكل النواة الصلبة للسكان الأصليين للمدينة ويبلغ عددهم حوالي 11.000 أسرة تعيش في مساكن من البناء الصلب ( الحجارة، الطين، والقصدير)، وهم في غالبيتهم من التجار والحرفيين وبسطاء الموظفين. وتتركز هذه المجموعة في أحياء تخلى عنها المعمرون مثل، بني محافر، المدينة القديمة، حي الزهور، حي أوزاس.

3- أما المجموعة الثالثة فتوجد في الأحياء الجديدة حيث تتركز أقلية تتكون من حوالي 1500 أسرة تتكون في غالبيتها من الموظفين في المستويات العليا والمتوسطة وكذلك العمال المهرة [ 42EL- Kenz 1983:].

أما بالنسبة للنشاط النقابي فقد كان رائجا في منطقة عنابة في ظل الاحتلال بفعل تمركز يد عاملة زراعية ( بروليتاريا فلاحية) في مزارع الحمضيات والخمور، إضافة إلى بروليتاريا حضرية متمركزة في الميناء والسكك الحديدية وهما قطاعان على درجة من التطور والنشاط بفعل ارتباطهما بتصدير المنتوجات الزراعية ( حمضيات وخمور) وكذلك الموارد المعدنية للمنطقة الشرقية ( حديد من الونزة، وفوسفات من الكويف وجبل العنق).

في مرحلة الإستقلال عرفت عنابة والمناطق المجاورة انطلاقة جديدة نحو النمو الاقتصادي والاجتماعي، غير أن ذلك لم يتحقق إلا بعد فترة من الإنكماش والتدهور الذين أصابا البلاد ككل بعد الاستقلال مباشرة بفعل النزوح الجماعي للمعمرين، وعمليات التخريب التي رافقت رحيلهم عن المزارع والمنشآت الاقتصادية والإدارات. وهكذا عاشت عنابة مرحلة صعبة تميزت بارتفاع معدلات البطالة بسبب توقف كثير من المزارع والمشاغل عن نشاطها، إضافة إلى تأثير التشوه الذي ميز البنية الاقتصادية الاستعمارية مما يعني غياب قطاعات أخرى، عدا الزراعة، التجارة، والإدارة، بإمكانها استيعاب فائض اليد العاملة. هذه المشكلات التي عانتها منطقة عنابة هي في الواقع نفسها التي واجهها الاقتصاد الوطني بعد الاستقلال مما دعا الدولة الجزائرية الفتية إلى انتهاج سياسة تنمية أعطيت فيها الصدارة للقطاع الصناعي.

في ذلك الإطار استفادت عنابة من مخطط تنمية يتضمن إنشاء منطقة صناعية واسعة تضم عددا من المنشآت والوحدات الصناعية في مختلف الصناعات ويأتي في مقدمتها مصنع الحجار (1964)، ومصنع التعدين والبناءات المعدنية،ومصنع المواد الكيمياوية والفوسفات. ثم تتالت الوحدات الصناعية بعد ذلك ضمن المخططات الوطنية للتنمية ومخططات التنمية الجهوية.

على العموم بقيت عنابة والمناطق المجاورة لها في حالة تخلف وركود إقتصادي حتى سنة 1966 حيث دب النشاط فيها من جديد مع البدء في إنجاز مركب الحجار للحديد والصلب الذي أعطى دفعا قويا لمختلف قطاعات النشاط الأخرى قبـلا وبعـدا مثل البناء والأشغال العمومية، المواصلات والتجارة وكذلك التكوين. غير أن الأوضاع لم تتحسن بسرعة لأن التحول الصناعي في المنطقة استغرق مدة زمنية طويلة نسبيا قبل أن تظهر نتائجه وتعم كافة المنطقة ( 1966-1977).

وتبين الإحصاءات المتوفرة عن تلك الفترة أن التشغيل والبطالة كانا المشكلين الرئيسيين للمنطقة، فقد بلغت نسبة المشتغلين في سنة 1977 حوالي 21.6% من إجمالي السكان البالغ عددهم 468.316. ويمثل ذلك في زيادة ضئيلة تقدر ب 1.6% مقارنة بنسبة 1966. وقد بلغت نسبة المشتغلين من بين السكان النشطين في سنة 1977 حوالي 86.2% مقابل 63.7% في سنة 1966. كما تناقضت معدلات البطالة بشكل محسوس خلال هذه العشرية فوصلت إلى13.8% سنة 1977 مقابل 36.3% في سنة 1966 [Si Ammour].

كانت الهجرة الداخلية إحدى السمات المميزة لفترة التصنيع في منطقة عنابة، كما في باقي البلاد حيث احتلت عنابة المرتبة الرابعة بعد كل من الجزائر، وهران،والبليدة باستقطاب حوالي 95000 مهاجر من المناطق الداخلية. وشكلت الولايات المجاورة لها الخزن الرئيسي بحيث تأتي في المقدمة قالمة بنسبة

49.8% ثم تبسة وسكيكدة 8.8% قسنطينة 6.4%.وكانت الميزة الأساسية لليد العاملة المهاجرة إلى عنابة شبابيتها ( أقل من 29 سنة) إضافة إلى ضعف مهرتها وتأهيلها [98 - 196 EL- Kenz].

لعله يمكننا تلخيص مسار نمو المنطقة وتطورها في ثلاث مراحل رئيسية تتوافق على العموم مع المراحل التي عرفتها البلاد ككل، تأتي في مقدمتها مرحلة الاستعمار التي تميزت بنمو غير متكافئ ومتناقض: إزدهار وتطور بالنسبة للمعمرين وأقلية من الجزائريين، وفقر، بطالة وقهر بالنسبة للغالبية من السكان. أما المرحلة الثانية فكانت غداة الاستقلال مباشرة حيث عرفت البلاد تدهورا اقتصاديا خطيرا وعدم استقرار سياسي أخطر لأنه كاد أن يؤدي إلى حرب أهلية. في هذه المرحلة عاشت منطقة عنابة ركودا لم تعرفه من قبل بحيث ارتفعت معدلات البطالة وتقلصت المداخيل بشكل ملحوظ. أما المرحلة الثالثة فانطلقت مع بداية تنفيد المخطط الأول لتنمية ( 1967-1969) وصادقت بداية تشغيل الأقسام الأولى من مركب الحجار وتنفيد الأجزاء الأخرى وبذلك انتعشت حركة البناء والأشغال. ومع انتعاش النشاط الاقتصادي وتوسعه جرى استقطاب اليد العاملة من المناطق المجاورة إضافة إلى تلك التي كانت تعمل في قطاعات الزراعة والإدارة والتعليم في منطقة عنابة، وقد نال مركب الحجار حصة الأسد من حركة اليد العاملة في تلك الفترة.

في ظل التحولات المتسارعة على مختلف الأصعدة تشكلت شريحة عريضة من العمال الصناعيين إضافة إلى عمال قطاعات البناء والأشغال والمواصلات، وقد أعطت نفس الظروف دفعة جديدة لسيرورة تكوين نخبة نقابية محلية وظيفتها تأطير العمال والدفاع عن حقوقهم والمساهمة في تنفيد برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. وقد تركزت تلك النخبة النقابية ( التي تشكل من عناصر قديمة وأخرى جديدة) في قطاعات البناء والأشغال والصناعات الصغيرة، وكذلك الميناء، والسكك الحديدية التي كانت تمثل قطاعات تقليدية للنشاط النقابي في المنطقة. وقد يقدر أحد القادة النقابيين القدامى في المنطقة عدد المنخرطين في التنظيم النقابي غداة الإستقلال بحوالي 3700[1].

وقد علمت النخبة النقابية خلال الفترة الأولى من الاستقلال على عدة جبهات ( تأطير مجالس العمال في قطاع التسيير الذاتي، إنعاش قطاع البناء والأشغال، انطلاق العمل في الميناء بعد توقفه)، كما ساهمت في تشكيل عدة تعاونيات عمالية وتأطيرها مثل تعاونية عمال الميناء، تعاونية عمال الأرض، ثم الدهانين...ألخ.

ويعترفو نقابيو المنطقة أن مرحلة تطبيق التسيير الاشتراكي للمؤسسات في بداية السبعينات كانت بمثابة منعرج حاسم في حياة المنطقة النقابية والنخبة المحلية. ففي سنة 1975 تم تأسيس الاتحاد الولائي بالمدينة، وفي 1976 أنشئ ما لا يقل عن 546 هيئة نقابية على مستوى الولاية[2].

جدول (1) تطور عدد المنخرطين في النقابة بمنطقة عنابة ( 1965-1993)

السنة

عدد المنخرطين

السنة

عدد المنخرطين

1956

1966

1967

1968

1969

1970

1971

1972

1973

1974

1975

1976(1)

1977

1978

1979

23542

15366

20849

25317

31059

32049

34604

39604

46028

56588

64437

50303

41161

49301

55924

1980

1981

1982

1983

1984

1985

1986

1987

1988

1989

1990

1991

1992

1993

-

68668

68287

80067

52502

54287

58276

61424

55010

50607

47717

38543

46175

36674

37254

 

المصدر: ا.ع.ع.ج، أمانة الاتحاد الولائي.

(1) تناقض عدد المنخرطين منذ 1976 بسبب استبدال " التقسيم الجهوي" بالتقسيم الولائي".

2. تكوين النخبة النقابية المحلية

سنقوم في هذا الحزء بعرض وتحليل معطيات تخص سيرورة تكوين النخبة النقابية المحلية بالنظر إلى عدة أبعاد منها الخصائص الاجتماعية والديمغرافية [السن، الحالة العائلية، مستوى التعليم، نشاط أفراد العائلة، مستوى الدخل...]، ثم بعد ذلك نتعرف على المسار الاجتماعي والمهني والنقابي للنخبة المحلية من خلال عدد من المؤشرات[ الأصل الاجتماعي والجغرافي، التاريخ المهني، التاريخ النقابي ].

المعطيات التي نعرضها ونحللها هنا تخص مجموعة من القادة النقابيين ( 16 فردا) يشغلون مناصب في الهياكل المحلية للتنظيم النقابي، ويتوزعون كالتالي[3].

03- من أمانة الاتحاد الولائي

07- من اللجنة التنفيدية للاتحاد الولائي

04- من أمانة الاتحاد المحلي

02- من اللجنة التنفيدية للاتحاد المحلي.

1.2. بعض الخصائص الاجتماعية- الديمغرافية

لعل الخاصية الأولى التي شدت انتباه هي تلك المتعلقة بسن القادة النقابيين حيث أن ¾ المجموعة تتجاوز أعمارهم 42 سنة، مما جعلنا نتساءل عما إذا كان تولى المناصب القيادية في التنظيم النقابي يعتمد إلى حد كبير على عامل السن المرتبط بدوره بالتمرس في الميدان المهني وطول الخبرة النضالية. ومهما يكن فإن هذه النـزعة قد ترتبط بآثار معينة مثل انخفاض مستوى التعليم لدى الجيل الأول لما بعد الاستقلال مقارنة بالجيل الثاني، وغلبة المواقف والتصورات المحافظة المرتبطة بعاملي السن وضعف مستوى التعليم، وفي المقابل هناك الخبرة النضالية الطويلة والثرية المرتبطة بالحركة النقابية في فترة الاحتلال. كل هذه عوامل من شأنها أن تجعل النخبة النقابية المحلية تبدو بمثابة جماعة شبه مغلقة تقاوم محاولات التجديد والتغيير في طرق عمل وتسيير المنظمة وهياكلها، ويصبح من الصعب اختراقها من قبل عناصر شابة وجديدة في التنظيم النقابي.

وتشير المعلومات التي وفرها التحقيق الميداني إلى أن الصورة النموذجية للإطار القيادي هو على العموم رجل يبلغ من العمر 45 سنة، رب عائلة، أب لأربعة (04) أطفال في المتوسط، ولا يتجاوز مستواه التعليمي المتوسط أو الثانوي. أما إذا أضفنا مجموعة أخرى من الخصائص الاقتصادية والاجتماعية فإن الصورة التي تبرز لدينا عن القيادة النقابية المحلية تتضح أكثر، كونها نخبة ذات بنية ضعيفة نسبيا من الناحية الاقتصادية إذ أن غالبية أعضائها (80%) لا تتجاوز مداخيلهم 10000دج في وقت عرف مستوى المعيشة تغيرا كبيرا بفعل تطبيق الإجراءات المرتبطة بتنفيد برنامج التعديل الهيكلي الناتج عن اتفاقيات إعادة الجدولة ( أفريل 94).

كما تبين المعطيات أن مرتبات المبحوثين تشكل في غالبية الحالات مصدر الدخل الوحيد حيث أن (02) إثنين فقط من المجموعة يستفيدون من دخل آخر يتمثل في حيازة واستغلال قطعة أرض، إضافة إلى (04) منهم زوجاتهم يعملن. وتبرز أهمية ودور مستوى التعليم ( ¾ المجموعة لم يتجاوز مستوى التعليم الثانوي) لدى النخبة النقابية إذا أخذنا في الاعتبار المهمة المنوطة بها وهي تسيير الهياكل والهيئات المحلية، إدارة المنشآت، مفتشيات العمل، المحاكم...). وتكتسي هذه المهمة طابعا خاصا في الظروف الراهنة للمجتمع التي تتزايد تعقيدا بفعل التحولات المتلاحقة والمتسارعة على مختلف الأصعدة [اعتماد مبادئ الاقتصاد الحر، المفاوضات الجماعية مع أصحاب العمل والمسيرين...الخ]

2.2 المسار الاجتماعي المهني

سننظر إلى المسار الاجتماعي والمهني لأعضاء النخبة النقابية من خلال التعرف على أصولهم الاجتماعية[مهن الجد، الوالدين، الانتماء إلى عائلة كبيرة مالكة، أو بسيطة... ]، إضافة إلى معلومات تخص التاريخ المهني والنقابي لأعضاء النخبة [سن، الالتحاق بأول عمل، عدد المهن التي زاولها، سن الانخراط في النقابة، المناصب التي تقلدها، عدد السنين التي قضاها في صفوف النقابة... ].

لقد أبرز التحقيق هيمنة الأصول الفلاحية والريفية لدى النخبة النقابية المحلية حيث أن غالبيتهم ينحدرون من عائلات سيطر فيها العمل الفلاحي [87.5% من الأجداد و 62.5% من الأباء]، بينما كانت مجموعة صغيرة ذات أصول عمالية حسب مهن الأباء (03 أعضاء) ومجموعة أخرى مماثلة من أصل متواضع أي موظفين صغار. كما بينت المعطيات أن غالبية أعضاء النخبة ينتمون إلى عائلات بسيطة غير مالكة (56.25%) بينما تنمي البقية ( 34.75%) إلى عائلات صغار الملاك من الفلاحين والحرفيين. اعتمادا على هذه المعطيات التي توضح الخصائص الاجتماعية والاقتصادية العامة يمكننا الافتراض أن هذه السمات ستكون ذات دلالة في تشكيل تمثلات ومواقف أفراد النخبة وبلورة آرائهم وتصوراتهم تجاه الشرائح الاجتماعية التي يمثلونها، وصياغة رؤى محددة تجاه أمهات القضايا المطروحة على منظمتهم وفي المجتمع عامة.

أما بخصوص الأصل الجغرافي ونشأة أعضاء النخبة فإن التحقيق يبرز أن غالبيتهم (56.25%) ولدوا خارج ولاية عنابة[4] ثم انتقلت عائلاتهم إلى هذه المنطقة حيث زاول غالبيتهم (56.25%) تعليمه، كما أن الغلبية العظمى منها ( 82.75%) مارسوا نشاطهم المهني لأول مرة في هذه المنطقة. وبهذا الصدد توضح معطيات التحقيق أن معظم أعضاء النخبة إلتحق بعالم الشغل في سنة مبكرة نسبيا بحيث أن 68.75% كان عمرهم لا يتجاوز 21 سنة لدى إلتحاقهم بالعمل لأول مرة. وتؤكد نتائج التحقيق وجود حراك مهني معتبر أوساط النخبة، ذلك أن أكثر من نصف المجموعة مارس ما بين مهنتين وأربع مهن قبل الاستقرار في العمل الحالي.

أما بخصوص التاريخ النقابي لأعضاء النخبة فتبين النتائج أن غالبيتهم التحقوا بالنقابة في سن مبكرة حيث أن 56.25% منهم انخرطوا قبل سنة 25 سنة، وترتفع النسبة كثيرا لتصل 81.25% انخرطوا قبل بلوغهم سن 29 سنة.

على العموم فإن المسار لأعضاء النخبة يبرز وجود حراك مهني معتبر نتيجة تظافر عدة عوامل منها ما يتعلق بالمنطقة والمرحلة التي التحقوا فيها بعالم الشغل، وهي فترة التصنيع الواسع، ومنها ما يتعلق بهم مثل التحاقهم بالعمل في سن مبكرة نسبيا. ذلك ما منح لغالبية النخبة خبرة مهنية لا يستهان بها إذ قضى معظمهم في المعدل 24 سنة في الحياة المهنية حتى تاريخ إجراء التحقيق، وهي فترة غنية بالأحداث والتحولات التي بلورت المجتمع الجزائري المعاصر وكذلك الحركة النقابية.

أما بخصوص المناصب التي تقلدها أعضاء النخبة النقابية فتتراوح ما بين أمين الفرع النقابي إلى أمين الاتحاد الولائي مرورا بعضوية اللجنة التنفيدية وعضوية الأمانة في كل من الاتحاد المحلي و الولائي, ويبرز التحقيق النتائج التالية على مستوى الهياكل الأفقية والعمودية.

جدول (2)

تولي منصب القيادة

المنصب

فرع نقابي

اتحاد محلي

اتحاد إقليمي

اتحاد ولائي

الفيدرالية

أمين عام

عضو أمانة

عضو لجنة

تنفيدية

08

 

05

-

 

03

 

05

03

01

 

03

-

01

 

03

10

01

 

04

04

كما أبرزت نتائج التحقيق أن عددا من أعضاء النخبة النقابية قد شغلوا المناصب القيادية عددا من المرات مثل:

05 شغلوا منصب عضو أمانة الفرع مرتين (02)

07 شغلوا منصب في اللجنة التنفيدية للإتحاد الولائي 04 مرات.

03 شغلوا منصب عضو أمانة الإتحاد الولائي 03 مرات.

وتجسد هذه الإحصاءات درجة الاستقرار في سيرورة تكوين النخبة النقابية نتيجة لتظافر مجموعة من العوامل لعل في مقدمتها عدد السنوات التي قضاها أعضاء النخبة داخل التنظيم. وهي مدة معتبرة كما يوضح لنا الجدول التالي:

جدول (03) عدد السنوات في النشاط النقابي

السنوات

عدد الأفراد

%

-10

11-19

20-28

+29

3

5

 7

1

18.75

31.25

 43.75

6.25

المجموع

16

298

 

تبين نتائج التحقيق أن الصورة النموذجية للقيادة النقابية المحلية تتشكل من عدد من المتغيرات، السيطرة المطلقة للذكور، وهم في غالبيتهم (75%). يتجاوزون 40 سنة لكنهم دو مستوى تعليم لا يتجاوز مرحلة التعليم الثانوي (75%). غالبيتهم متزوجون ولديهم في المتوسط 4 أطفال، أزواجهم لهن مستوى تعليم محدود لا يتجاوز مرحلة المتوسط، ونسبة ضئيلة جدا منهن يعملن (02). يقطنون جميعا الأحياء الشعبية وليست لديهم مصادر دخل غير رواتبهم التي لا تتجاوز في غالب الحالات 10000دج. وهم ينحدرون من أوساط إجتماعية فقيرة ومتواضعة في أحسن الحالات. أصولهم في الغالب فلاحية- ريفية [87% أجدادهم فلاحون و26.5% أبائهم فلاحون]. غالبيتهم ولدوا ونشأوا خارج ولاية عنابة، كما أن الغالبية منهم إلتحقوا بالعمل في سن مبكر (21 سنة) ومارسوا النشاط النقابي خلال سنوات طويلة (10-29 سنة) وتقلدوا مناصب قيادية عديدة على المستوى المحلي والوطني.

3-تمثلات النخبة حول النقابة والمجتمع

نتعرض في هذا الجزء إلى تمثلات أعضاء النخبة النقابية بخصوص المنظمة النقابية: نشاطها ومشكلاتها. وكذلك إلى تصوراتهم ومواقفهم تجاه بعض القضايا الحساسة في حياة المجتمع سواء منها الاقتصادية، السياسية أو الثقافية.

3.1 تمثلات النشاط النقابي

كانت أولى القضايا التي حاولنا أن نتعرف عليها تخص تمثلات أعضاء القيادة النقابية بشأن طريقة عمل وسير المنظمة النقابية، وقد عبرت النخبة عن اعتقادها في أن التنظيم النقابي فقد كثيرا من فعاليته وقدراته التنظيمية والتعبوية وذلك بسبب إرتكازه إلى مبادئ " أيديولوجية وسياسية" وغلبة هذه الأخيرة على اهتمامه وانشغالاته المهنية التي هي أصل وجوده. كما عبر القادة النقابيون عن نقص الإمكانات المادية ( بخاصة التمويل) التي تتوقف مصادرها على اشتراكات المنخرطين بعد التقلص الكبير في الهبات والمساعدات التي كانت النقابة تحصل عليها من الدولة وبخاصة عدم ملائمة القوانين والتشريعات السائدة لمتطلبات المرحلة وخصوصياتها، ومن ثم ضرورة تعديلها.

وفي نفس السياق يؤكد القادة النقابيون أن مكاسب النقابة تقلصت كثيرا. إذ بالرغم من الإعتراف لها بحقها في ممارسة النشاط النقابي وحق الإضراب والتفاوض الجماعي، والاستقلالية، فإن هذه المكاسب تخضع لقيود عديدة ومتنوعة وتقلص من الحرية الفعلية للمنظمة، كما لا تحقق نتائج ملموسة بالنظر إلى نقص أو غياب الوسائل والإمكانات الضرورية لتحقيق الفعالية المطلوبة.

وبخصوص المطالب النقابية يجمع أعضاء النخبة على شرعيتها وموضوعيتها ( زيادة الأجور، الترقيات، الحفاظ على مناصب العمل...) لكنهم يعترفون بالصعوبة التي تواجههم اليوم في تحقيق تلك المطالب بسبب تدهور الأوضاع المالية للمنشآت، وكذلك السياسة المالية للدولة، والحالة المتدهورة للاقتصاد ككل، إضافة إلى ارتباط تحقيق تلك المطالب بإمكانات وقدرات النقابة على التعبئة والتنظيم والفعالية في المفاوضات سواء مع المسيرين أو مع الحكومة. وما يزيد في إضعاف موقف النقابة هو تدني مستوى الانضباط وتراجع التعبئة في صفوف النقابة الذي يرجع حسب رأي القادة على القوانين " وكذلك سيطرة النشاط الطقوسي على المنظمة النقابية ( تحضير المؤتمر والمشاركة في مختلف التظاهرات الاحتفالية).

وعند الحديث عن تدهور الانضباط وانخفاض مستويات التعبئة في التنظيم النقابي أشار القادة إلى مسألة التعددية والاستقلالية وكأنهما المسؤولتان، ولوجزئيا، عن تلك الأوضاع،. وفي ذلك إشارة صريحة إلى أن فعالية المنظمة في المرحلة السابقة لم تكن سوى "وهما" بالنظر إلى غياب الالتفاف الحقيقي والفعلي للقاعدة العمالية . كما تشير تمثلات الدولة القادة إلى حنينهم فترة سيطرت فيها الآلـة البيروقراطية للحزب والدولة على النقابة ونشاطها. لذلك فإن آرائهم بخصوص نقص الانضباط والتعبئة ربما تعكس تمسكهم بمناصبهم ومواقعهم بإلقاء اللوم والملامة على القادة الجدد. ولا تخلو مواقف وأراء القيادات النقابية من التناقض، إذ نجدهم يقرون بالأغلبية (75%) على أن فترة ازدهار النشاط النقابي بدأت منذ الاستقلالية التي وفرت حرية التعبير، والتنافس والإقتناع بالنشاط النقابي.

أما بخصوص موضوع التعددية النقابية فقد انقسـم المبحوثون إلى مجموعتين متساويتين، اعتبرت الأولى التعددية حالة إيجابية لإتاحتها فرصة المنافسة من أجل مصلحة العمال دون الخضوع لجهة معينة. بينما ترى المجموعة الثانية في التعددية خطرا يتهدد وحدة وتماسك العمال والحركة النقابية التي تواجه بذلك احتمال الانقسام بين الولاءات السياسة والإيديولوجية المتنافسة على الساحة السياسية الوطنية.

وتعترف غالبية الأعضاء (62.5%) بصعوبة المرحلة التي تقدم عليها النقابة في ظل التحول نحو اقتصاد رأسمالي حيث تحتاج إلى كامل مواردها وإمكاناتها المادية والبشرية من أجل تعبئة العمال وتكوينهم. وتؤكد هذه الغالبية أن الحركة النقابية قد فقدت الدعم الذي تمتعت به في العهد السابق من قبل الدولة والنظام، وعليها الآن أن تفرض نفسها في محيط صعب ومعادي. وبهذا الصدد هناك أغلبية متفائلة بمستقبل العمل النقابي وتعتقد أن هناك جهودا معتبرة تبذل من أجل تحقيق درجة عالية من الفعالية. وفي المقابل هناك أقلية تعتقد أن التنظيم النقابي في وضعيته الراهنة لا يرجى منه شيئا بسبب عوامل عديدة في مقدمتها "إقصاء وتهميش قطاع كبير من النقابيين الأكفاء"، إضافة إلى غياب الديمقراطية في الهياكل النقابية محليا ووطنيا.

في نفس السياق ينتقد أعضاء النخبة آليات تكوين القيادات في المرحلة الراهنة ( معايير الترشيح لمناصب قيادية) بسبب عدم جديتها ونقص موضوعيتها مقارنة بالمعهد السابق. ويوجهون أصابع الاتهام صراحة إلى الجيل الجديد من الإطارات النقابية بسبب " سيطرة المصالح المادية عليهم بدا الروح الوطنية". لذلك فإن " المحاباة، الجهوية، العشائرية" أصبحت مقاييس لاختيار القيادات بدا "الكفاءة والنـزاهة والخبرة". هذه الوضعية أدت إلى فقدان الثقة في المنظمة النقابية والنقابيين الجديين.

في نفس السياق ينتقد أعضاء النخبة النقابية لا تخلو من الصواب فإنها تعبر أيضا عن نزعة قوية لديهم إلى تحسين صورتهم والظهور بمظهر لائق أمام المنافسة القوية التي فرضتها فئات جديدة من العمال والنقابيين على الهياكل النقابية وقياداتها بعد سنوات الاحتكار المطلق الذي فرض على النقابة.

في الختام، بإمكاننا القول أن تكثلات أعضاء النخبة النقابية ونشاطاتها ومشكلاتها يعتبرها كثير من التردد، الغموض والتناقض. فهي تارة ترحب باستقلالية النقابة وتخلصها من وصاية الحزب والدولة، وتارة أخرى تعبر عن حنينها واسفها على العهد السابق وممارساته. كما نلحظ لديهم الترحيب بعهد التعددية التي تسمح بالتنافس القائم على الفعالية والكفاءة، وفي ذات الوقت الخوف من فقدان مناصب القيادة لصالح أجيال جديدة، ومقاومة التغيرات المرتقبة والتنديد بها كونها مسؤولة عن ضعف النقابة وتراجع نشاطها. وتؤكد هذه المواقف أن النظرة التقليدية للنقابة ونشاطها التي تغلب عليها الأداتية والفئوية الضيقة ما تزال مسيطرة ولم تفقد كثيرا من قوتها لدى النخبة النقابية الحالية. فالمركزية المفرطة، والنظرة السلبية " الإحتقارية" للعمال والمغالاة في تقييم دور القيادات الراهنة كلها تصورات ذات حضور قوي في تمثلات وآراء أعضاء النخبة.

2.3. تمثلات حول قضايا المجتمع

تبرز تمثلات النخبة النقابية حول بعض القضايا الحساسة في المجتمع وجود استعداد لدى هذه الأخيرة للتكيف مع التحولات التي تحدث في الساحة الاجتماعية على مختلف الأصعدة. غير أن تلك التمثلات كشفت كما سنرى عن كثير من الغموض، التردد والتناقض في مواقف وآراء هذه النخبة.

لقد عبر غالبية الأعضاء عن "إيجابية" التحول الجاري من الاقتصاد المخطط المسير بصفة إدارية ومركزية إلى اقتصاد السوق. لكنهم يطالبون في ذات الوقت بالحفاظ على القطاع العام وإنعاشه لمواجهة المنافسة مستقبلا. وفي نفس الاتجاه يعتبر أعضاء النخبة عملية الخوصصة إجراء سلبيا له نتائج وخيمة على العمال

[ البطالة، انخفاض الأجور، زيادة استغلال العمال]مما يجعلهم يتخذون موقف الرفض بشأنها. هذه المعارضة لا تنمعهم من الاعتراف بوجود فائض في اليد العاملة في المنشآت نتيجة لسوء التسيير وانتشار الفساد بين المسييرين، ومن ثم ضرورة التخلص من ذلك الفائض، ولكن بطريقة تحفظ مصالح العمال وحقوقهم.

أما بشأن الجانب السياسي فكانت القضايا هي طبيعة النظام السياسي، الديمقراطي، والتعددية السياسية، وهنا أيضا لم تخل تمثلات أعضاء النخبة من الغموض والتناقض، إذ تجدهم مثلا يدافعون عن النظام في عهد الأحادية الحزبية مركزين على ما حققه من إنجازات، بخاصة منها الاقتصادية ولكن دون إغفال "أخطائه" كالمركزية المفرطة واحتكار القرار. وفي نفس الوقت التنويه بحفاظه على الوحدة الوطنية وعدم زجه للمجتمع في "أزمة اقتصادية". تعتبر هذه التصورات عن قصر النظر في تحليل طبيعة النظام السياسي الذي ساد وما يزال والنتائج المترتبة عنه ويتضح ذلك بخاصة في الاعتقاد أن الأزمة التي تعيشها البلاد على مختلف الأصعدة مردها التعددية السياسية.

نفس المواقف المتناقضة تعبر عنها تمثلات النخبة بشأن الديمقراطية التي تنال تأييدهم المطلق كمثل أعلى وليس كممارسة بسبب التشويهات التي لحقها والصعوبات التي تواجهها. التعددية السياسية هي الأخرى تحظى بقبول أعضاء النخبة وتقييمهم الإيجابي لها باعتبارها أحد الشروط الأساسية لتحقيق الديمقراطية. لكنهم يرفضون في ذات الوقت أن تكون التعددية في نظرهم مجرد فتح للمجالين السياسي والإعلامي أمام مختلف القوى السياسية دون أن يترتب عن ذلك تغيير في النظام، أو أن يحدث تداول على الحكم. لا شك أن هذه التصورات تعبر بوضوح عن مدى عمق التأثير الذي مارسته الظروف التي تكونت فيها هذه النخبة حيث صاغت أيديولوجيا" الأحادية" مواقفهم وبلورت قناعاتهم.

أما بخصوص تمثل قضايا الاجتماعية والثقافية مثل تعليم المرأة وخروجها للعمل، مكانة الدين في المجتمع، وقضية اللغة فإن المواقف التي عبر عنها أعضاء النخبة لا تخرج عن الإطار القيمي المرجعي التقليدي، وإن كان هناك محاولات للتكيف مع العصر وتحدياته. هكذا نجدهم يدافعون بقوة عن تعليم المرأة وخروجها للعمل، ويركزون في ذات الوقت على تأكيد مكانتها ودورها باعتبارها قبل كل شئ مربية أجيال مما يعني أن تعليمها وخروجها للعمل ينبغي أن لا يغير من تلك المكانة وذلك الدور التقليديين. وذلك ما يؤكده تفضيلهم لقطاعت نشاط محددة مثل التعليم والصحة.

نفس التناقض نجده في محاولة الجمع بين ضرورة منح الدين دورا حاسما في حياة المجتمع من حيث تربية وتنشئة الأجيال لتعزيز هويتهم والحفاظ عليها في وجه " الغزو الثقافي"، ولكنهم في ذات الوقت يؤكدون ضرورة إبعاد الدين عن الحقل السياسي في المجتمع ويحسم أمرها خارج الحقل السياسي، وبعيدا عن مؤسساته.

ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لتمثل قضية اللغة، فالتصور السائد بشأنها يتكون من ثلاثة أبعاد: أولا، موقف دوغمائي تجاه العربية كونها اللغة الوطنية والرسمية. ثانيا، موقف نفعي تجاه الفرنسية باعتبارها لغة الانفتاح على العالم والتواصل معه. ليس ذلك فحسب، بل لأن الجزائر ما تزال تحيا وتعمل بالفرنسية. ثالثا، موقف نمطي من الأمازيغية التي هي مجرد " لهجة" على حد تعبيرهم ينبغي الحفاظ عليها لكونها جزءا من تراث المجتمع. هذا التصور الذي عبرت عنه النخبة النقابية بشأن مسألة اللغة يقدم نسخة طبق الأصل من المواقف الرسمية للسلطة ونظامها.

خلاصة

تؤكد هذه الدراسة، على محدودية نطاقها ومعطياتها، أن المخبة النقابية المحلية مثلها مثل الطبقة العاملة التي انبثقت عنها هي في طور التكوين، وتعبر بخصائصها وتمثلاتها عن تأثير الظروف التي تكونت فيها بخاصة منذ الاستقلال.

إنها تسجد خصائص وسمات المرحلة، وخصوصيات المجتمع الجزائري، فهي ذات أصول متواضعة جدا (ريفية، فلاحية)، ولكنها ذات طموحات عالية وبعيدة المدى بلورتها الأيديولوجية الشعبوية للحركة الوطنية من جهة، والأيديولوجية الأممية للحركة النقابية العالمية من جهة ثانية. لذلك نجدها تحمل في تكوينها، ومواقفها وتصوراتها كثيرا من الصور المشرقة في تاريخ الحركتين عندما كانتا في عنفران نضالهما من أجل التحرر والإنعتاق. لكنها تحمل أيضا كثيرا من التشويهات التي لحقت تلك الحركتين، والتناقضات الناتجة عن صعوبة الجمع بين هذين البعدين.

هكذا تظهر النخبة النقابية بمثابة حلقة وصل بين طبقة عاملة في طور التكوين تطمح لحياة كريمة بعيدا عن الاستغلال والقهر والظلم الاجتماعي، ونخبة سياسية تسليطية تتربع على نظام إجتماعي مهدد بالإنهيار من جراء استخدامها المستديم لموارده وإمكاناتها لإشباع مصالحها الفئوية الضيقة، وانفرادها باحتكار القرار والسلطة. لعل ذلك ما جعل النخبة النقابية تجمع في تكوينها، وفي ممارساتها وتمثلاتها كل المتناقضات التي طبعت مسار تكوين المجتمع الجزائري المعاصر.

من الناحية السوسيولوجية تقف هذه النخبة في موقع غير مستقر وغير ثابت على الحدود بين الطبقة التي "أنجبتها" وتنتمي إليها موضوعيا وإلى درجة معينة أيديولوجيا، من جهة. والطبقة التي تحلم بأن تصبح جزءا منها بفعل الارتقاء الاجتماعي، والتماهي والتثاقف، وأيضا من خلال الممارسة الموضوعية للسلطة في حدود مركزها ووظيفتها الاندماجية التي تعد إلى جانب وظيفتها التمثيلية، وجهتين مختلفتين لممارسة واحدة تفرضها طبيعة النظام الاجتماعي وعلاقاته ومؤسساته.

المراجع

  • El-Kenz. A,- Monographie d’une expérience industrielle en Algérie: Le complexe sidérurgique d’El-Hadjar ( Annaba).- Thèse de Doctorat d’état, Paris XII, 1993.
  • SI AMMEUR. S.- Les effets sur l’emploiA.R.D.E.S , Tome2. 1979.
  • ANSER, L.- Colonialism and class formation, in Algeria , Arab Economic Journal , N° 5 Spring, 1996, p. 5-74.

عنصر العياشي.- التصنيع وتشكل الطبقة العاملة في الجزائر.-مجلة اقتصادية عربية، عدد 3، خريف 1993.- ص. 83-109.


الهوامش

[1]محمد بن عيسى قائد نقابي بارز في المنطقة، عضو المجلس الوطني للإتحاد العام للعمال الجزائريين خلال السبعينات والثمانينات.

[2]كانت ولاية عنابة آنذاك تشمل منطقة واسعة نسبيا تضم دوائر عنابة، القالة، الذرعان، الطارف، الحجار، عين الباردة، سيرايدي وعزابة.

[3] المعطيات المعروضة والمحللة في الورقة هي في الأصل جزء من تحقيق ميداني قام به طلبة السنة الرابعة علم الاجتماع لتحضير مذكرة ليسانس تحت إشرافنا خلال السنة الجامعية 1994/1995.

[4]قادمون من ولاية مجاورة: قالمة سوق أهراس وأخرى بعيدة نسبيا مثل قسنطينة وخشنلة.

 

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2020 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche