إشكالية الإنتماء القومي للأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية

إنسانيات عدد 09 | 1999| المغرب : ثقافة، غيرية | ص 05-13 | النص الكامل  


A problematic about Algerian literature in the French language belonging to the nation

Abstract: In the study, the author first tackles the role of the language in identifying French litterature, just as historical reasons which contributed to a bilingualism  in Algerian, and as well as the difficulties which have prevented these Algerian writers from knowing the Arabic language and culture. This aspect of the problem has made a certain number of literary critics to make this literature culpable in spite of its attachment to the Algerian reality.
The author concludes that a language as the only criteria is inconsistent as a judgement that we can pass on this literature. This, after having exposed different views of Algerian and French literary critics, because to settle this question, we must refer to very precise studies, be it the literary or historical field.
Among the Algerian critics quoted by the writer, we find Abdellah Rekibi who affirms this literature’s Algerian and national identity, and on the other hand we have Abdelmalek Mortad who weakens this identity.
In France there are several critics whose point of view on the question diverge (Raymond Queneau, Charles Bonn, Jean Déjeux et Jacqueline Arnaux but none of them classify this literature in the history of French literature.


Mabrouk KADA : Institut des langues, institut de Traduction, Université d'Oran, 31 000, Oran, Algérie


إن الخوض في الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية إشكالية يعتريها غموض و التباس كبيران،  إلتباس لم يقتصر على مستوى أدب شمال إفريقيا فحسب بل تعداه إلى بعض الآداب الأوروبية، ككندا و الكيبك و أدب الأنتيل. و هنا يجد الباحث نفسه أمام سؤال أبدي على نحو : إلى أي مدى تصح جنسية هذه الآداب؟

هذا في حين إذا استقرأنا الأدب المقارن، ألفيناه مدارس متعددة، فرنسية، و أمريكية و سلافية، و ألمانية. الإختلاف  قائم  فيما بينها على مستوى التعريف و المنهج، فإذا نحن إلتفتنا إلى المدرسة الفرنسية وجدنا أنها تركز على اللغة كعنصر محدد لهوية النص، و بالتالي يشترط   -حتى تصح-  المقارنة  أن يختلف النصان المقارنان لغة، كما تراعي في الوقت ذاته الصلة التاريخية و وجوب تحقيقها و التي لا تقوم  المقارنة إلا بإثباتها قصد  الكشف عن  مناطق  التأثير و التأثر [1].

أما إشكالية اللغة فلا تطرح بالحدة ذاتها بالنسبة للمدرسة الأمريكية التي ترى أن الدراسة المقارنة يمكن إقامتها مع مراعاة عنصر القومية و ليس عنصر اللغة، و بالتالي يمكن إدخال الأدب الأمريكي و الإنجليزي في مجال الأدب المقارن.

أما فيما يخص المدرسة الفرنسية التي سنحاول إعتمادها في كونها تحقق للدرس المقارن خصوصيته منهجيا، فالإشكال قائم حول قضية اللغوي و دوره في تحديد جنسية المكتوب.

قبل طرح  إشكالية جنسية الأدب الجزائري المكتوب باللغة  الفرنسية، و قبل الخوض في الموضوع، يجدر بنا الإشارة إلى الأسباب التي أدت إلى الإزدواجية اللغوية في الجزائر، و تمثلت في عدة عوامل من بينها التاريخية و الثقافية و الإجتماعية خلفتها بالدرجة الأولى المرحلة الإستدمارية التي حاولت طمس الشخصية الوطنية عن طريق محاربة اللغة العربية [2].

كل هذه العوامل و غيرها أسهمت في خلق الإزدواجية اللغوية و تنميتها مما أوجد جيلا من الكتاب  الجزائريين، يكتبون بلسان و قلم أجنبيين بالضرورة لعدم انتباههم لهذه الظاهرة بسبب سيادة اللغة الفرنسية، مما أدى بأحد الباحثين إلى القول : "و قد ظل هؤلاء الكتاب في معظمهم معجبين كل الإعجاب بالحضارة الفرنسية، بوجه خاص، و الحضارة  الغربية بوجه عام  جاهلين  بالتاريخ  العربي غير ملمين بمعالم  الحضارة الإسلامية، إذ أنى لهم أن يدركوا شيئا من ذلك و هم محرومون من الإلمام الكافي بلغتهم التي بواسطتها يطلعون  على التراث العربي و كنوز حضارته الغنية بمعطياتها الإنسانية إطلاعا حقيقيا خاليا من الشوائب و الشرور" [3].

هذا و إلى جانب خضوع الواقع الثقافي للواقع السياسي و تطوره في ظروف مأسوية   أدت حتما إلى تناقضات اجتماعية و فكرية  أفرزت هي الأخرى بدورها أدوات تعبيرية أجنبية.

إضافة إلى ذلك، فتأخر الثقافة العربية في الجزائر، أوجد تخلفا في اللغة العربية، مما أوجد فجوة كبيرة في الحصول على أسلوب لغوي روائي مرن - في الأدب الجزائري بعامة، و القصصي بخاصة- فكان من البديهي أن يلجأ الكتاب الجزائريون إلى استخدام الأداة الأجنبية لملء الفراغ، فساهموا بطريقة غير مباشرة في تطور الفن الروائي نسبيا [4].

غير أنه و في خضم تنامي الروح الوطنية، و تطورها تولد حقد ضد كل ما يمت إلى الإستعمار بصلة، فكان الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية في موقف الإتهام، فنظر إليه نظرة رفض و إنكار، و هذا على الرغم من تعبيره عن واقع وطني جزائري كما هو الحال بالنسبة لرواية "رصيف الأزهار لا يجيب " لمالك حداد، و "نوم العدل" لمولود معمري.

قد يقودنا هذا الإنكار و الرفض إلى سؤال سنحاول الإجابة عنه، و هو إلى أي حد يمكن للعامل اللغوي أن يتحكم في هوية النص الأدبي بعامة و الجزائري المكتوب بالفرنسية  بخاصة؟

إن  أول ما يثيره هذا التساؤل هو قضية الهوية الأدبية التي ظلت تتنازعها أقلام و تحركها مذاهب عرقية مختلفة  غير أني أرى أنه من الصعب الإعتماد على مقياس القومية في تحديد هوية  بعض  الآداب لتعقد مشكلات القومية، بسبب إرتكازها على أسس متباينة و واهية في ظل غياب  منهج  مضبوط  يحدد خصائص و طباع كل أمة و دورها في العملية الأدبية، و لأنه "إذا كان علينا أن نقر بأن الآداب في لغة واحدة هي آداب قومية متميزة، كما هي الحال في الأدب الإنجليزي و الإيرلندي. ثمة أسئلة في حاجة إلى أجوبة، نحو : لماذا لا يدخل نتاج سميث   و شترن، و شريدن في حلقة  الأدب  الأيرلندي بينما يعتبر ييتس  و جويس فيها، و هل لبلجيكا و سويسرا و  النمسا آداب مستقلة؟ و ليس من السهل أن تحدد النقطة التي يكف فيها الأدب المكتوب في أمريكا عن كونه " أدب المستعمرات الإنجليزية" ليغدو أدبا قوميا       و مستقلا. فهل  المسألة  مجرد  الحصول على الإستقلال السياسي؟ أم أنها مسألة الوعي القومي لدى  الكتاب أنفسهم؟ و هل هي إستعمال  مادة الموضوع القومي "و اللون المحلي أم أنها ظهور أدب قومي بأسلوب محدد " [5].

لعل عدم احتواء المقياس القومي على منهج نموذجي في تحديد جنسية الآداب لم يكن ليفك الإشكالية المطروحة حول الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية.

و من أجل ذلك يبقى الإشكال قائما، إذ يجدر بنا اللجوء إلى سبر بعض الآراء النقدية لبعض الدارسين  الجزائريين و الأجانب و بعض آراء المبدعين الذين يكتبون باللغة الفرنسية.

سنتطرق بادئ ذي بدء، لآراء جملة من الدارسين الجزائريين  في كونهم أول من أثار قضية الإنتماء الوطني للنص المكتوب باللغة الفرنسية.

و تأسيسا على ما سبق نجد بعضهم من يعترف بعروبة هذا الأدب و انتمائه الوطني الجزائري  على  الرغم مما يحمله  من ثقافة غربية، و من تدوين لغوي أجنبي، و بعضهم من تبنى في تحديد  هوية  هذا الأدب، رأي الناقد الفرنسي كلود ماني [6] في كون هذا الأدب يعيش عصر القصة  الأمريكية باعتبار أن الظروف التي أفرزت أدبا قوميا في أمريكا - الذي كان محل إعتراف - هي الظروف نفسها التي يمر بها أدب شمال إفريقيا - المكتوب باللغة الفرنسية- كما أنه يحمل الشخصية و الروح الوطنيتين في دفاع هؤلاء الكتاب عن ماض و تقاليد جزائرية خاصة. و مما يزيد لهذا الرأي تأييدا، التصريح القائل بوجوب "الإعتراف بشخصية  المغرب العربي، و لا شك أن الأدب الجديد في إفريقيا الشمالية يعطي سببا واضحا لهذا الإعتراف" [7].

و على ضوء ما سبق، نجد عبد الله الركيبي يقف الموقف نفسه من هذا الأدب - المكتوب باللغة الفرنسية - مصرحا : " وجملة القول فإن الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، قد أوجد لظروف و  أسباب في مرحلة معينة، و هو إن كتب بلغة أجنبية، فإنه عبر عن مضمون جزائري و واقع وطني الأمر الذي يجعل منه أدبا محليا وطنيا " [8].

فإذا كان هذا القبول متأتيا من أحد الأدباء الجزائريين المدافعين بحماس عن عروبة الجزائر، و ضرورة  الأخذ بالإعتبار هذه النصوص المكتوبة باللغة الفرنسية فمن الغرابة  بمكان أن يكون الرأي نقيضه صادرا عن دارس يحمل لواء العروبة نفسه مبررا موقفه بضرورة اعتماد هذه النصوص للحرف العربي، و من بينهم أحد الدارسين الجزائريين الذي صرح قائلا : "إن هذا الأدب غريب في نفسه، و منفي عن موطنه  الذي كتب فيه، و لم يستطع أن يلعب دورا كبيرا في نهضة الأدب المعاصر بالجزائر فضلا عن أن يلعب دورا خطيرا في إذكاء نار الثورة التي قيضت للشعب الجزائري أن يكسر قيود الإستعمار الثقيلة"[9].

نتبين من خلال هذا التصريح الأخير أن الباحث يعتمد على نتيجة، و دور الوظيفة الفنية  و الأدبية و اللغوية و غيابها في تحريك الأدب الجزائري، و بالتالي ينفي إنتماءه إلى الهوية الجزائرية.

و مواكبة منا لما سبق نجد أن كثيرا من الدارسين، و الباحثين قد جاروا في رأيهم بالإنتساب الوطني لهذا الأدب - الباحث أبو القاسم سعد الله - في ضرورة التعامل مع هذه النصوص تعاملا موضوعيا [10].

في ظل هذا الطرح المتباين، آثرنا الوقوف عند شخصية عربية أخرى رغبة منا في الاطلاع على ما خلفته  هذه  التجربة من مواقف إزاء الأدب المكتوب باللغة الأجنبية بعامة،   و الأدب الجزائري المكتوب بالحرف الأجنبي بخاصة هذا و بناء على تلميحاته الداعية إلى عدم إغفال الظاهرة اللغوية في تحقيق فعل الإنتماء القومي للأدب الجزائري - و ضرورة أخذ الوسيلة اللّغوية بعين  الإعتبار في تحديد  هوية النص الوطنية. و تتمثل هذه الشخصية في الشاعر العربي عبد المعطي حجازي الذي يوضح بـ "… أن الأدب لا ينسب للغة التي يكتب بها عندما تقول رواية  مكتوبة  بالفرنسية  هي فرنسية  يكتبها جزائري… مقدما فيها رؤيته للعالم نعم      و لكنها فرنسية، مثل تماما  الشعر العربي  نصفه كتبه فرس و لكنه عربي  بلغته، و متى  تصبح جزائرية إلا بعد  أن تصبح  الفرنسية لغة وطنية، المستقبل كما هو واضح بالعربية و بالرغم من أن الفرنسية لغة نافذة على اللغة العالمية…" [11].

لعل ما يلاحظ على هذه الآراء. هو الاختلاف حول ظاهرة الإنتماء، أو بالأحرى التباين في  التحديد النظري للمقياس الموضوعي، الذي نستطيع على أساسه كسر الحواجز بين الدارس و المبدع، و بالتالي إيجاد منهج ما يسمى بالمقاربة [12] و إسقاطه على الموضوع لإزاحة هذه  الضبابية التي  تشوب الإشكالية الأخيرة، و بالتالي فك العزلة عن النص المكتوب باللغة الفرنسية، و يومها يتسنى لنا الإجابة عن السؤال الأبدي، هل تكمن هوية النص المكتوب باللغة الأجنبية الفرنسية فيما يوحي به مضمونه دون شكله ؟ أم فيما يوحي به شكله دون مضمونه ؟ أم فيما يوحي به كلاهما ؟

هذا و على ضوء ما سبق، سنحاول طرح الإشكالية الخاصة بالإنتماء الوطني للنصوص المكتوبة باللغة الفرنسية في ضوء الرأي الأجنبي. غير أن  ما يمكن ملاحظته عند أول احتكاك بهذه  الآراء هو  تذبذبها مما يوحي بالشك في موضوعيتها، و قبل التعليق عليها يجدر بنا الوقوف على أهمها حسب الترتيب الآتي بدءا بـ Raymond Queneau، و مرورا بـ Charles Bonn و Jean Dejeux، و Jaqueline Arnaud.

أما " R. Queneau " [13] فيمكن الإطلاع على رأيه و بالتالي التماسه  من خلال مصنفه "Histoire des littératures" في الجزء الثالث و هو جزء يحتوي على الأدب الفرنسي أو ما يعرف بـ"Les belles lettres" و الأدب الملحق "Littérature connexe" و الأدب الهامشي."Littératures marginales" إذ يخصص لأدب شمال إفريقيا جزءًا ضمن الأدب الملحق مما ينبئ بإنتمائية هذا الأدب إلى الأدب الفرنسي مادام الباحث عمل على تصنيفه ضمن الأدب الفرنسي، و إلحاقه به، غير أن ما إستدعى انتباهنا عند تفحصنا لكتاب تاريخ الآداب ج.3. للباحث  الفرنسي " R. Queneau " لاحظنا  أن الباحث قد صنف أدب شمال إفريقيا – المكتوب باللغة الفرنسية – بما فيه الأدب الجزائري ضمن الأدب الملحق إلى جانب الأدب الهامشي، و يتكون  الجزء  الخاص بالأدب الملحق من 300 صفحة مع العلم أن المؤلف يحتوي على 2055 ص تقريبا فإذا كان أدب شمال إفريقيا – المكتوب بالفرنسية ينتسب إلى الأدب الفرنسي كما زعم المؤلف فلماذا صنفت هذه النصوص ضمن الأدب الملحق، و الأدب المشكوك  في  أدبيته كأدب الأطفال، و الرواية البوليسية في آخر المؤلف ؟ و لماذا لم يصنفها إلى جانب الأدب الفرنسي الخاص بـ "Les belles lettres" [14] ؟

هذا في حين نجد أن " Charles Bonn" الذي عمل على تصنيف هذا الأدب المكتوب باللغة الفرنسية - على  أنه  مزدوج الهوية لكونه يحمل في جوفه الهوية الأوربية، في الوقت ذاته الذي يحمل فيه الهوية العربية و لكونه قد تغذى من الثقافتين، الغربية و العربية في آن معا، و لا يستطيع تحديد الأولى إلا بالثانية غير أن الحضور الأيديولوجي هو الذي يحتم عليه  تحديد قوميته أو هويته العربية الجزائرية دون الإشارة إلى اللغة، و هذا التحديد لا يمكن أن يكون له أي معنى إلا في حضور العنصر الأجنبي المتمثل في اللغة و الثقافة العربية [15].

أما " Jean Dejeux" فيخالف الرأي السابق، في كون أن الأدب المغربي - ذا اللسان الأجنبي - لا يخرج عن دائرة الكتاب المغاربة، على الرغم من تشبعه بالثقافة الغربية، و مما يزيد رأيه ثبوتا تصريحه بـ "سيظل  الكاتب المغربي باللغة الفرنسية يمثل مغرب اليوم في ثقافته و تحولاته، و تساؤلاته على الرغم من كونه يحمل البصمة الأجنبية في كتاباته" [16].

هكذا يدرج " Jean Dejeux " الأدب الجزائري وفق الأدب المغاربي معترفا بهويته المغاربية، المعبرة عن  مضامينه الحاملة  للروح العربية المغاربية، و التي لا يجب إغفالها في إثبات هويته.

أما الدارسة "J. ARNAUD" فتقف في الصف ذاته مع "C. BONN" في نظرتها إلى هذا الأدب، في إعتبارها أن  الأدباء المغاربة - ذوي اللسان الأجنبي - بما أنهم يشتغلون في الحقل نفسه الذي نعمل، فهم أقرب منا إلى الكتاب العرب المعاصرين أمثال طه حسين، و توفيق الحكيم و الطيب صالح [17].

نتبين من خلال هذا التلميح أن الباحثة " ARNAUD" قد عملت على إدماج الأدب  الجزائري  ذي  اللسان الأجنبي ضمن الأدب العربي المعاصر، و هذا لكون أن هؤلاء الأدباء  - الجزائريين -  يشبهون إلى حد كبير الأدباء العرب، يجمعهم في ذلك الطابع العربي بما في ذلك التقاليد الفنية العربية، و التي لا نلقى لها صدى عند الكتاب الأجانب، و بالتالي يظل عنصر اللغة و غيره من العناصر التاريخية و الطباعية غير كافية لإلحاق هذا الأدب بالأدب الأجنبي و تغريبه عن موطنه و أصالته.

إذا كانت آراء بعض الدارسين السابقين اتسمت بالتوفيقية إلى حد غير بعيد، فإن بعضهم يكاد يميل إلى  آراء بعض الدارسين العرب في نظرتهم إلى هذه الروايات الجزائرية في قولهم  إنها روايات عربية مترجمة إلى الفرنسية لأنها كانت تحمل بصدق آلام هذا الشعب فمن العيب ضرب هذه الإنجازات الأدبية التي أوصلت قضية الجزائر خارج حدود المحلية … [18].

إن المتتبع لآراء النقاد الغربيين يتبين أنهم يستندون في مجمل آرائهم على ثنائية الإنتماء الوطني لهذه النصوص مؤسسين رؤيتهم حول قضية الإنتماء الأوروبي، و العربي للنص المكتوب باللغة الأجنبية، و يرتد ذلك إلى عدة عوامل من بينها عامل الثقافة الغربية، و العربية المعتمدة من قبل الكتاب.

في صميم هذا المخاض، الذي يتخبط فيه الأدب الجزائري المكتوب باللغة الأجنبية، و في سياق البحث عن خيط آريان لحسم الإشكالية، عملنا على إدراج آراء بعض المبدعين الجزائريين الذين يكتبون  بالقلم الأجنبي، كتتمة لما سبق البحث فيه، و هذا من خلال تتبع تصريحاتهم، و وجهات نظرهم  المميزة لشخصيتهم الإبداعية، و تتمثل هذه المجموعة في كل من مالك حداد، ليلى صبار، رشيد بوجذرة و كاتب ياسين.

إذ نجد أن الكاتب مالك حداد يقر بدور الأدب الجزائري المكتوب بالحرف الأجنبي، في تصويره، و تجسيده للمجتمع الجزائري بوسيلة لغوية أجنبية، مما انتج خطابا هجينيا، و هذا حصيلة  تفاعل  الجسد اللغوي الأجنبي بالروح العربية الجزائرية، إلا أن طغيان الروح الوطنية، و طفوحها على القالب اللغوي الأجنبي أدى بالنقاد الفرنسيين إلى رفض الأدب الجزائري،        و هذا تبعا لقول  مالك حداد على نحو : " إن أكبر النقاد في فرنسا يرون أن أدبكم، هو  أدب أجنبي يختلف اختلافا كثيرا عن الأدب الفرنسي… أو بالأحرى يستعملون الصيغة التالية : الأدب الفرنسي ذو التعبير الجزائري " [19].

لقد انعكس ذلك الرفض الأخير من قبل النقاد الفرنسيين لذلك الأدب على نفسية الكاتب مالك حداد، و بالتالي الإحساس و التساؤل حول حقيقة هوية الأدب الجزائري على نحو إلى أي مدى يساهم  العامل اللغوي في تحديد جنسية الأدب الجزائري ذي الحرف الأجنبي؟

لقد بين الكاتب الجزائري مالك حداد في اكثر من موقف حقيقة الإنتماء القومي للأدب الجزائري، و الذي لا يُرَدُّ حسب رأيه  إلى  عنصر اللغة فحسب، و لا إلى مجرد عاطفة نكنها و نقدس علاقتها بالموضوع، أو بالبلد، كافية لتحديد فعل الإنتماء. و هذا وفق تصريحه في  كون " الجنسية  الجزائرية ليست إقرارا قانونيا، كما لا توجد لها أي علاقة بالمشروع، و لكن بالتاريخ، أما عن الأدباء ذوي الأصل الأوروبي، و الذين آثروا الجنسية الجزائرية فالمستقبل هو المشترك الوحيد" [20]

أما الكاتبة ليلي صبار فتذهب إلى كوننا "… نواجه أدبا إقليميا، أو ما يعرف بالأدب المنبوذ هذا إذا كانت الهجرة تعني الإقليم " [21].

إن إنتماء هذا الأدب يكمن حسب الرأي الأخير في جغرافيته و انتماء الأديب يساوي انتماء إبداعاته، و الإعتراف  بالرقعة التي ينتمي إليها، يستلزم الإعتراف بإمكانياته الإبداعية  و الثقافية، و كل رفض لمكان  المبدع يعني إنكار إبداعاته و عدم الإعتراف بهويته. و عندئذ يولد سؤال : هل يكمن الإنتماء الأدبي في العامل اللغوي أم في العامل الجغرافي؟

في حين و في  النسق ذاته، نستشف أن الممارسة  الإبداعية في نظر الكاتب رشيد بوجذرة  لا  تكاد  تقف على لغة واحدة، بل نجده كثير  التقلبات، بل كثير  الإنتقال من لغة إلى أخرى، فهو في البدء كتب باللغة الفرنسية نذكر من بين رواياته "La répudiation" سنة 1969 و "L'escargot entété" .

قد يعود ذلك إلى عدة عوائق اعترضته و اعترضت كتاب عصره من بينها تدني مقروئيته في الوسط الجزائري، و بعض المشاكل الخاصة بالطبع. مما ولد لديه أثرا كبيرا في الميل إلى احتراف الحرف الأجنبي. و بعد فترة وجيزة نلفيه يستخدم الأبجدية العربية محاولة منه في تشكيل رواية عربية  ذات شكل و مضمون عربيين. غير أنه لا يلبث أن يغير من أداته لينتقل ثانية  إلى القلم الأجنبي و استعارته مستندا في ذلك  على علة واهية مفادها أن الحرف العربي كبله، حصر خياله  و أداته الطاعنة في المقدس و الممنوع، و هو الذي زعم لنفسه تثوير اللغة العربية بإدخال عنصر الجنس و المحرم في رواياته، إلا أنه في الأخير يستكين إلى اللغة الفرنسية مرة أخرى، مدعيا وفاءه، وحبه للغة العربية، إلا أن رغبته في الكتابة باللغة الفرنسية فـي كونها تحقق له ذاته و هذا حسب قوله في : " أريد الكتابة باللغة العربية و أفضل الكتابة بها بالتأكيد، و لكن عمليا أفضل الكتابة باللغة الفرنسية، لأننا بها نعرف بأننا سنكون ذوي قيمة في نظر الآخر، و نظرته لنا لها وزنها بالنسبة إلينا" [22].

حينئذ يثور سؤال آخر و مفاده، هل مجرد الميل إلى الكتابة بلغة يعني الإنتماء  إليها؟ أم الإنتماء كامن في هوية المبدع؟  أم في إختياره اللغوي.

فيما سبق عرضنا لآراء جملة من الدارسين العرب و الأجانب و آراء المبدعين فيما يتعلق بهوية  النص و ضوابطه. و فيما يلي، و قبل الشروع في تطبيق المسطرة  القانونية على النص الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية،  يجدر بنا الوقوف عند نقطة نحاول من خلالها تبسيط الموضوع  المطروح، و يتجلى  هذا  الأخير في كون النص  البوجدري بخاصة و النص الجزائري بعامة، نص يحمل في جوفه إشكالية الإنتماء القومي كما سبق و أن بينا، و هو إشكال لم يكن هينا منذ البداية، و منذ ولادة الأدب الجزائري نظرا لتعثر كل من عنصر القومية و اللغة و الشكل و المضمون بالإضافة إلى العامل الجغرافي، و عدة عوامل أخرى في تبيان نسبته. الحال التي جعلتنا نرتإي عرض القضية عن  النص  القانوني و الإحتكام إليه آملين العثور على سبيل توجيهية تمنح النص الأخير لقبا، و هوية يستدل بها. و عليه إلتجأنا إلى مذكرات القانون الدولي الخاص بالجنسية الجزائرية الأصلية في محاولة لإسقاطه على هذا الأدب، على اعتبار أن النص كائن أو مولود حي لا يختلف في كثير عن الكائنات البشرية.

إذا افترضنا أن بوجدرة جزائري الجنسية و النص المكتوب باللغة الفرنسية، هو ابن لبوجذرة، هذا اذا سلمنا بالشبه بين عملية الكتابة، و عملية المخاض أو الولادة و اسقطنا النص  القانوني  على  النص - الأدبي - و أخذنا بفحوى و حرفية التشريع القائم على الحكم برابطة الدم فإن مولود بوجذرة - النص المكتوب بالفرنسية- له الحق في التمتع بالجنسية الجزائرية بحكم رابطة الدم و مما يزيد رأينا ثبوتا النص القانوني التالي القائم على الجنسية الجزائرية من خلال رابطة الدم و الإقليم في التشريع الجزائري حاليا في حين يقوم التشريع الفرنسي على المساواة بين الإنحدار من رابطة الدم بين الأب و الأم على السواء.

اعتمادا على الحالة الأولى المتمثلة في "… كل من انحدر من دم أب جزائري تثبت له الجنسية الجزائرية مهما كانت جنسية أمه و مهما كان ميلاده بالإقليم الجزائري أو بالخارج"[23].

و بالتالي يكون النص القانوني قد خول لنص بوجدرة بخاصة و النص الجزائري المكتوب باللغة  الفرنسية بعامة حق الانتماء  الوطني و بالتالي إكتساب الهوية الجزائرية التي كانت محل صراع و نزاع دائمين.


الهوامش

[1]- كفافي، محمد عبد السلام.- في الأدب المقارن دراسات في نظرية الأدب و الشعر القصصي.- بيروت، دار النهضة العربية، ط.1، 1982.- ص.25.

[2]- بن نعمان، أحمد.- التعريب بين المبدأ و التطبيق.- الجزائر، ش.و.ن.ت، ط.1، 1981.- ص.9.

[3]- مرتاض، عبد الملك.- نهضة  الأدب العربي في الجزائر (1925-1954).- الجزائر، ش.و.ن.ت، ط.2، 1983.- ص.26.

[4]- الركيي، عبد الله.- القصة الجزائرية القصيرة.- الجزائر، م.و.ك، ط.1، 1983.- ص.ص.249-273.

[5] -ويلك، رينيه ؛ وارين، اوستن.- نظرية الأدب : ترجمة، محي الدين صبحي.- المؤسسة العربية للدراسات و النشر، ط.2، 1981.- ص.55.

[6] - أبو القاسم، سعد الله.- دراسات في الأدب الجزائري الحديث.- ط.الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1984.- ص.102.

[7] - المرجع السابق.- ص.113.

[8] - ينظر عبد الله الركيي .- القصة الجزائرية القصيرة.- ص.249.

[9] -مرتاض، عبد الملك،- نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر.- ص.6.

[10] - وسيني، الأعرج.- إتجاهات الرواية العربية في الجزائر.- ط.1، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، 1986.- ص.77.

[11] - سلوم، صغير ؛ رحمان عبد المعطي حجازي، فاطمة .- يصرح للشروق : في الشروق الثقافية أسبوعية (الجزائر).- مؤسسة الشروق للإعلان و النشر، أفريل 1994، ع.40.- من 12.

[12] - المسدي، عبد الله.- الأسلوب و الأسلوية.- ط.2، بيروت، الدار العربية، 1982.- ص.187.

[13]-QUENEAU, Raymond.- Histoire des littératures.- Paris, Gallimard, 1958.- p.1397.

[14]- Idem.- p.p. 1397.

[15]- BONN, Charles.- La situation Algérienne et conscience nationale. Après l’indépendance.- Paris, Notre librairie, n° 85, Oct-Déc 1986.- p.36.

[16] - DEJEUX, J..- Situation de la littératures Maghrébine de langue Française.- Alger, Ed. OPU, 1982.- p.184.

[17]- ARNAUD, J..- La littérature de langue française.- Paris, T2 le cas de kateb yacine publisud, 1982.- p.606.

[18]- واسيني، الأعرج.- المرجع السابق.- ص.71.

[19]- DEJEUX, J..-Op.cité.- p.84.

[20]- SAADI, B.N..- p.225.

[21]- Notre libraire  n°84.- p.37.

[22]- على سليمان، علي.- مذكرات في القانون الخاص الجزائري.- الجزائر، د.م.ج.، 1984.- ص.24.

[23]- DEJEUX, J..- Op.cité.- p.108.

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2020 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche