التأصيل التاريخي * لحركة الموحدين خلال القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي


إنسانيات عدد 12 | 2000 | إشكالية التراث ؟ | ص49-60 | النص الكامل


Fatima BELHAOURI  : Professeur et chercheur Faculté des sciences humaines et civilisation islamique, Département d'histoire, Université d'Oran, 31 000, Oran, Algérie


1. التقديم[1]

إن الإسلام منذ ظهوره أصبح يمثل الأفق الإيديولوجي لجميع المطالب الاجتماعية أيا كانت الأشكال التي اتخذتها هذه المطالب و أيا كان اختلافها.

اعتبر الاسلام بالنسبة لنموذج العرب في شبه الجزيرة العربية المثل الأعلى الذي دفع هؤلاء لإنـجاز تحول اجتماعي اقتصادي و تحول سياسي من خلال إنشاء "دولة"، وهذا الفعل سـيتكرر في مناطق أخرى لكن على مستوى التقليد لعدم تكرار الرسالة الإلهية في التاريخ. ولما كان الإيمان دائما مهددا لهزات، فان تجديده اعتبرت مسألة ضرورية، الأمر الذي كان يدفع ببعض المسلمين إلى أن يعيدوا للشريعة وجهها السليم في ممارسة إسلامية[2].

لقد تعرض" عبد الإله بلقزيز" في بحثه عن" مفارقات الجدل في إشكالية الدين والسياسة" إلى ظاهرة استغراب بعض العلمانيين العرب لاستثمار المقدس في السياسة أي لاستعمال الرأسمال الرمزي الديني في الحقل السياسي معللا انه لم يكن الديني لينفصل يوما في سائر التجارب التاريخية عن السياسي وأن الأمر لا يتعلق في هذا بالحقبة الوسيطية إذ استمر تأثير العامل الديني في مجال الممارسة السياسية إلى الحقبة الحديثة [3]. و قد نؤكد ذلك عند الحديث عن نموذج الدولة المغربية الوسيطية وظروف قيامها، نجد انه تعاقبت على الرقعة الجغرافية لبلاد المغرب دول متعددة محلية وخارجية تختلف الواحدة عن الأخرى في الانتماء إما مذهبي أو قبلي أو عـرقي، ونقصد في هذا الجماعة المستحوذة بالسلطة بمختلف مستوياتها المعنوية والمادية فكل حركة إصلاح قامت في المنطقة جاءت لرد اعتبار" مشروع الدولة الإسلامية" فلعب العامل الديني دورا كبيرا اسبغ عليها طابعا قدسيا، وذلك بالتركيز على الدعاية العقائدية وتلوينها بألوان ظروف الزمن والمكان، إذ هو تخطيط موروث لا يجوز لأحد أن يشوهه أو يتجاهله كما هو تقليد لكل من فكر في المسألة السياسية من باب ارتباطها بالعقيدة، إذ لا سبيل في إقرار شرعيتها إلا باستخدام الدين[4].

ننطلق في هذه الدراسة من بحث العلائق بين مكونات الدولة المغربية الوسيطية و المسألة الثـنائية العصبية و الدعوة متخذين نموذج حركة الموحدين خلال القرن السادس الهجري حقلا لإجراء عملية اختباريه مسترشدين في ذلك بنظرية ابن خلدون السياسية و التي تشكل مرجعية هامة في هذا الصدد بل تفيد بامتياز في ملاحقة هذه الظاهرة السوسيوسياسية.

2-العصبية و الدعوة في الفكر السياسي الخلدوني

استطاع" ابن خلدون "أن يطور مفهوم "الدولة" من خلال دراسة القاعدة الاجتماعية التي ارتكزت عليها السلطة في المجتمعات السياسية المعاصرة له و المتقدمة عليه، و يعود الفضل في اكتشاف الأساس الاجتماعي للسلطة إلى المنهج التحليلي الذي وظفه في دراسته الهادف إلى تحديد الأنساق العامة للفعل الاجتماعي و السياسي انطلاقا من المعطيات التاريخية[5].

لقد حلل" ابن خلدون" مكونات الدولة المغربية القر وسطية انطلاقا من مقاربات متعددة تتلخص في العصبية القبلية و الدعوة الدينية [6] وخلص بعد دراسة لنماذج مختلفة إلى أن ظهور الدول و زوالها متوقفان على بروز و اختفاء عصبة منظمة متضامنة فيما بينها وفق رابطة أطلق عليها اسم "العصبية".

أ/ العصبية و مفهومها

لكن ما هي العصبية ؟ لن نبحث كثيرا عن جواب في تعريفات قاموسية، و لا فيما عسى أن يكون للكلمة من مدلول بالنسبة لبنيات قبلية معينة، بل نركز على الرؤية الخلدونية، و التي تمثل منطلقا منهجيا لتفسير توليد الدولة من رحم القبيلة في المغرب الوسيط، و يمكن تسليط النموذج الخلدوني على الفترات السابقة له باعتبار أن القبيلة بقيت إحدى الثوابت الأساسية و عنصرا هاما في بنيته الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الثقافية رغم أنها أخذت أشكالا مختلفة و لعبت أدوارا متباينة مرتبطة بالظرفية التاريخية [7].و بالتالي، فان تتبع آليات التطور القبلي و كيفية تولد "العصبية" و "الملك" و "الحضارة" يحتاج بالضرورة إلى تحديد المفهوم و تحليل أسس المحتوى رغم ما أدى إليه تراكم المعرفة من تعدد الرؤى حول العصبية[8].

ولقد قدم "محمد عابد الجابري "تعريفا مبسطا لمفهوم العصبية عند ابن خلدون بكونها رابطة اجتماعية سيكولوجية شعورية و لا شعورية معا، تربط أفراد جماعة ما قائمة على القرابة ربطا مستمرا يبرز و يشتد عندما يكون هنالك خطر يهدد أولئك الأفراد كأفراد أو كجماعة [9].

فالعصبية، هي القوة التي تمنح القبائل القدرة على المواجهة و تنتقل بها من طور التشتت إلى إطـار اكثر اتساعا متمثل في نظام الحلف باعتبار أن هذه القبائل أرزاقها في رماحها لا تفرق بين ثروة الأرض و الغنيمة[10].

و بالتـالي فألا ساس الذي تركز عليه "العصبية" هي المصلحة المشتركة أو كما يسميها ابن خلدون "المساهمة و المشاركة" المساهمة في السلطة السياسية و المشاركة في الثروات الناجمة عن الغنائم، و يعتبر هذا العامل أساسيا في تطور الدورة العصبية و وصولها الى الملك[11].

و الملاحظ، أن "ابن خلدون" ينطلق في تصوره "للعصبية" من أنها الوازع الذي يدفع العدوان الواقع على إحياء البدو من الخارج، و هذا يعني أن العصبية خاصة بالمجتمع البدوي4 لأنه وحده منبت العصبية و مرتعها الخصب[12].

إن العصبية لا تشتد و لا تلعب دورها التاريخي إلا حيث يكون الناس أحرارا من كل سـلطة خارجية، سواء كانت سلطة الدولة أو سلطة عصبية غالبية مستبدة، و سواء كانت هذه السلطـة تحكما في النفوس أو استغلالا للخيرات و الأموال بوجه من وجـوه الاستغلال، و لو كانت ضرائب و مغارم ذلك لأن في المغارم و الضرائب ضيما و مذلة، لا تتحملها النفوس الأبية إلا إذا استهونتها عن القتل و التلف و إن عصبيتها حينئذ ضعيفة عن الـمدافعة و الحماية[13]. و هكذا فإذا "رأيت القبول بالمغارم في ربقة من الذل فلا تطمعن لها بملك آخر الدهر[14]بكون المذلة و الانقياد كاسران لسورة العصبية و شدتها[15].

لقد أوضح "ابن خلدون" الاستعداد لنيل الانتصارات بأسباب أدبية التي تحمل قوة الهجوم لدى المـجتمع إلى أعـلى درجة في القبائل التي تقضي حياة بدوية و هذه القبائل هي التي تلوح له أنها الأكثر استعدادا للقتال بنجاح و عناد، و" الأمم الوحشية أقدر على التغلب ممن سواها"[16] و هو يدلي بالقاعدة الدقيقة القائلة "و من كان من هذه الأجيال أعرق في البداوة و أكثر توحشا كان أقرب إلى التغلب على سواه إذ تقارب في العدد و تكافأ في القوة و العصبية"[17] و قد أولى ابن خلدون عناية خاصة لتوفر شرط أساسي لضمان النقلة من طور التجمع القبلي إلى الملك و هو الدعوة الدينية [18].

ب/الدعوة و مفهومها

و هي الإيديولوجية التي تستقطب القبائل وتحفزهم على التغيير سواء كانت نبوة أو رسالة أو دعوة إصلاحية تعتمد في نشاطها على مبدأ "الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر"[19]، و هذا الأخير كان يقدم دوما الغطاء اللازم لإخفاء الدوافع و الأهداف الحقيقية لكثير من الحركات السـياسية الثورية، كما كان يقتضي دوما الرجوع إلى سنة السلف الـصالح[20]، و قد نساير في هـذا العبارة الجابرية أنه يمكن النظر إلى ذلك كله كنتيجة للتناقض بين البناء الفوقي (وحـدة الدين و الدولة / الخلافة) و بين أساسه التحتي (مجتمع الكثرة و أقتصاد الغزو). فالتاريخ يشهد على عدة محاولات تستهدف المستحيل أو شبه المستـحيل و ذلك بالتوفيق بين المثل الأعلى الديني في الحكم (الخلافة) و بين المثل الأعلى المبني على تصور الشيء مثالي للماضي، فبالتالي هو يحدث انقلابا في الأوضاع القائمة و يطالب بتغيير الموروث الاجتماعي[21]، الذي لا يتأتى إلا بتفويض دول و ممالك و إنشاء أخرى[22].

و نظرا لكون الدعوة الدينية تجد صداها العميق في العناصر البدوية و بخاصة عندما يتعلق الأمر بالرجوع إلى الأصول الاجتماعية في المعاش، فقد كانت البادية تمثل دوما القوة العسكرية لكل محاولة سياسية [23]،كما يظهر اثر الدعوة الدينية مزدوجا في هذا الصنف من البدو، فهو يجـمع القلوب و يؤلف بينها و من ثم يصرف عنها التحاسد والتنافس، و يحسن تعاونها و تـحقق بالتالي وحدتها هذا من جهة [24] و من جهة أخرى فهي تقضي على الطبيعة العدوانية التي جبلت عليها في حياة الغزو و النهب إلى الجهاد المنظم تقوده ضمن قضية عادلة [25].

و تستمد الدعوة الدينية قوتها أيضا من إيمان العصبية بمشروعها المستقبلي[26]، و ذلك أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم لأن فاعلية العامل الإيديولوجي مشروطة بعوامل أخرى و على رأسها العصبية، فهي الإطار التنظيمي و الطبيعي لكل حركة سياسية في أوساط البدو و عـلى رسوخ العصبية الطبيعي و الفطري يضيف الدين ديمومة جذب الإيديولوجي، "فالدعوة الدينية تزيد الدولة في اصلها قوة العصبية التي كانت لها من عددها".

و كثيرا ما نوه "ابن خلدون" باستمرار بشرحه للحديث "ما بعث الله نبيا إلا في منعه من قومه" و قد استخرج من ذلك معيارا للتعرف على ما إذا كان فردا ما مهيأ أم غير مهيإ للملك[27] "المنعة في قومه" هو من علامات الرئيس من حيث تتجلى فيه العصبية التي هي إشارة إلى الفوز السياسي و شرط المؤهلات للرياسة و التي ينبغي أن تحسب في عدادها الصبغة الدينية[28].

و بهذا التفصيل، نصل إلى انه لا تتم أية دعوة دينية من غير شوكة عصبية، تلك هي الخـلاصة التي يمليها التاريخ و التي يؤكد عليها "ابن خلدون" باستمرار [29]و يبرهن عليها "عبد الله العروي" [30] عند دراسته لتاريخ المغرب في الفترة الوسيطية و ذلك انه لا يوجد في تاريخ الإسلام دولة قامت على العصبية وحدها أو على الدعوة الدينية وحدها او على التنظيم العقلي الصرف، إذ لابد من تواجد الدعائم الثلاث فهي لا تتنافى فيما بينها بقدر ما تتكامل فكل موقف يعلل الآخر.

3. نموذج حركة الموحدين

و كما أسلفنا الذكر سنتناول في هذه الدراسة تأصيلا تاريخيا للحركة الموحدية، فالثورة السياسية و المذهبية التي أنجزها "محمد بن عبد الله بن تومرت" و من وراءه قبيلة مصمودة الأطلس الكبير خلال القرن السادس الهجري / الثاني عشر ميلادي بما حملته من مستجدات في تجديد الفكر الإسلامي و ما أسفرت عنه من نتائج في المجال السياسي[31].

لقد تباينت و اختلفت آراء المؤرخين عموما حول شخصية هذا العقل المدبر و مشروعه الإصلاحي و السياسي من جهة اذ رفعه البعض[32] إلى درجة التقديس، بينما يصفه الآخر بالشعوذة و القدرة على الاحتيال [33]، و من جهة أخرى حول الظروف التي اجتمعت لميلاد هذه الحركة و التي أسفرت فيما بعد عن ظهور اعظم تجربة مغربية شاع صيتها في الداخل و الخارج، إذ تطورت القبيلة المغربية معها من المحلية المحدودة ثم الإقليمية الواسعة إلى الوطنية الشاملة.

أ/ قبائل مصمودة و دورها التاريخي خلال القرن السادس الهجري.

تعتبر مصمودة أكثر قبائل البربر و أوفرهم في المغرب الأقصى و لم تقارب الأبحاث التاريخية اسم "مصمودة" بأي اسم قديم قبل الإسلام، و أول ما ورد ذكره كان في المصادر الجغرافية العربية القديمة [34]. بخلاف المؤرخين الأوائل الذين أرخوا لعهود الفتح الإسلامي و بخاصة ابن عبد الحكم فلم يذكر مصمودة، و أول ذكر لها كان يعني الجهات الشمالية من المغرب الأقصى، و قد تبين تاريخيا أن القرون الثلاثة الأولى للفتح الإسلامي بالمغرب الأقصى امتازت بالمشاركة الفعلية لمصامدة شمال المغرب في صناعة وقائعه التاريخية[35].

لقد تطورت تاريخيا الخريطة البشرية لقبيلة مصمودة و قد تعرض "ابن خلدون" للتفصيل عنها و ذلك بقسميها الشمالي و الجنوبي[36] و التي اقتبستها الموسوعة الإسلامية و ذلك في تقسيم كولان "Colin" لمجموعة مصمودة إلى ثلاث وحدات رئيسية قبل القرن الخامس الهجري[37].

1ـ مجموعة مصمودة الشمال من البحر المتوسط إلى نهر سبو و نهر ورغه و هم غمارة

2ـ مجموعة مصمودة الوسط من سبو إلى نهر أم الربيع و هم برغواطة

3ـ مـجموعة مـصمودة الجـنوب جنوب نهر أم الربيع إلى سلسلة جبال الأطلس الصغير و هؤلاء هم المصامدة الخلص

و الملاحظ أن قبيلة مصمودة الأطلس الكبير (درن) الدين كونوا الدولة الموحدية في القرن السادس الهجري ما هو إلا حلف جديد يعبر عن تطور آخر في بنية المجتمع المغربي له وزنه الاجتماعي و السياسي المتميز [38]، كما يعتبر هذا العمل بالحلقة الثانية في العمل المصمودي التاريخي[39] و لم يكن الفرق بينهما إلا في الأساس التنظيمي الذي لم يتمكن مصامدة الشمال من تحقيقه، الشيء الذي تحقق في العصر الموحدي و يبدو أن الظروف قد ساعدت قبيلة مصمودة في الظهور، و بخاصة في عهد يوسف بن تاشفين بالذات [40] اذ كانوا يخضعون نظريا لحـكم المرابطين، و قد تمثلت سلطة هذه الدولة على هؤلاء البدو في جباية الضرائب، و كانت الحملات العسكرية التي تبعث لمثل هذه المهام و كأنها تدخل بلادا مفتوحة[41]، يبدو أن قبيلة مصمودة تجشم الصعاب في إخضاعها و التي كانت جبال الأطلس لهم من المناعة بمثابة الصحراء للبدو[42].

و الملاحظ أنه لا أثر لورود دليل على الشعور بالثورة ضد السلطة الحاكمة قد ظهرت عند هؤلاء المصامدة قبل عودة المهدي خلال القرن السادس اليهم من المشرق، و يتبين مما ذكره ابن خلدون أن الظهور التاريخي للمصامدة عندما ظهر بينهم المهدي بدعوته فلبسوا صبغتها و تضاعفت قوة عصبيتهم بها [43] كما أنه "لم تزل طاعة المصامدة لإبن تومرت تكثر، وفتنتهم به تشتد وتعظيمهم له يتأكد، إلى أن بلغوا في ذلك حدا لو أمر أحدهم بقتل أبيه أو أخيه أو ابنه لبادر إلى ذلك من غير إبطاء وأعانه على ذلك وهونه عليهم ما في طباعهم من خفة سفك الدماء عليهم، وهذا أمر جبلت عليه فطرتهم واقتضاه ميل إقليمهم "[44]. الأمر الذي يؤكد مدى اتحاد قوة هذه القبيلة المصمودية بالمشروع التومرتي.

ب/ ابن تومرت و دوره القيادي

فمن هو هذا المهدي[45] ؟ هو "محمد بن عبد الله ابن تومرت" من هرغة احدى قبائل المصامدة في السوس الأقصى فاعتبرت مسألة نسبه من النقط الهامة، التي فتحت باب النقاش بـين مختلف الاتجاهات التاريخية فان المؤرخين الذين نشأوا في كنف الدعوة الموحدية و المتشبعين بمبادئها يؤكدون انتسابه للشجرة الشريفة، و يأتي على رأس هؤلاء أبو بكر الصنهاجي المكنى بالبيدق، و ابن القطان حيث عمد ابن أبي زرع الى الارتياب في صحة هذا النسب بينما نجد "ابن خلدون" والذي أولى عناية واضحة لتاريخ دولة الموحدين يفضح صراحة المتحاملين على ابن تومرت باسم الحقد والحسد الذين استوليا على قلوب خصومه قاصدا في ذلك فقهاء المالكية نظرا لتفوقه عليهم في أمور العلم وفي هذا الصدد يقول "وأما انكارهم نسبه في أهل البيت فلا تغضه حجة لهم مع أنه أن ثبت أنه ادعاه وانتسب إليه فلا دليل يقوم على بطلانه لأن الناس مصدقون في انسابهم [46]، وإذا كان من الثابت تاريخيا أن "المهدي بن تومرت" قـد ترأس على قبائل مصمودة التي ناصرته وبايعته على الموت " وتساقطت في ذلك من أتباعه نفوس لا يحصيها إلا خالقها[47]، فالحل لهذه الإشكال قد أوجده "ابـن خلدون"، "بأن نسبه الشريف كان خفيا قد درس عند الناس، وبقى عنده وعند عشـيرته يتناقلونه فيهم، فيكون النسب الأول كأنه انسلخ منه ولبس جلدة هؤلاء وظهر فيها فلا يضره الانتساب الأول في عصبيته، اذ هو مجهول عند العصابة"[48].

ويبدو أن جدال "ابن خلدون" من أجل اثبات صحة نسب المهدي في آل البيت إنما يرجع لإعـجابه بالرجل وبعظمة الدولة التي قامت من بعده فألهاه ذلك عن اعتبار الدواعي التي ترجع أن نسبه منتحل وأنه المهدي المنتظر.

لقد عالج "ابن خلدون " قضية النسب فهو يرى "أنه أمر وهمي "لا حقيقة له، فليست هنالك في نظري دماء صافية تنتقل من السلف إلى الخلف، بل أن اختلاط الأنساب هي الظاهرة السائدة "وما زالت الأسباب تسقط من الشعب إلى الآخر"[49]، بخلاف ما يؤكده في قضية نسب هذا الداعية، فهو يتحايل على طبائع العمران بمختلف الطرق وبذكاء شديد لادراج هذه المسائل في إطار تلك الطبائع و تكييفها بشكل غير مشروع[50].

إذ تقتضي طبائع العمران بأن الرئاسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم وأن الملك و الدولة العامة إنما يحصلان بالقبيل والعصبية[51].والظاهر، أن الإنتماء للأصل الشريف الذي تحدثت عنه بعض المصادر سوى سند إرتكز عليه هذا الداعي لجلب الأنصار وانجاز الدعوة حتى يضفي عليها الشرعيـــة. إذ تناول "ابـن خلدون" هذه القضية مؤيدا و معارضا وفقا للنتائج التي تحققت من وراءها من جهة و مواقفه من الشخصية من جهة أخرى[52] و الـظاهر تاريخيا أن قضية النسب الشريف لعبت دورا أساسيا في تجميع ارادة القوة، فالاعتماد عليه يحتفظ بقيمته المرجعية عندما يحين موعد المطالبة بالرياسة[53].

و فحوى القول، أن سلسلة النسب الشريفي "لابن تومرت" ليست أكيدة و قد لا تقوم على أساس و ما يهم في هذا أنه قد تلقى تعليمه في بيئة بربرية صرفة و أسلافه من المصامدة. بيد أنه من المؤكد حينما عاد الى المغرب بعد حصيلة العلم النظري الذي استوعبه في المشرق فلم تعد مجرد صورة ذهنية بل اعتبر نفسه صاحب رسالة و هي رسالة الإصلاح الديني و الدنيوي[54].

فهو مبعوث العناية الالهية على رأس المائة السادسة[55] و هكذا اعتبرت رحلة القفول الى المغرب بداية ثورته [56] حيث أنزل فكره النظري الى حيز الواقع لاختبار فعاليته فالواقع هو المحك الأساسي لكل تجربة نظرية.

لقد عزم "ابن تومرت" في بناء مجتمعه الجديد في مستوى التصور العقيدي و أيضا في مستوى الممارسة الاجتماعية، غير أنه اصطدم بعدة عراقيل داخل البيئة المغربية ذات البنية السوسيولوجية البربرية، لهذا السبب نجده يراعي المعطيات المحلية في كتاباته[57]، فألف كتابا في التوحيد باللغة البربرية فصار عندهم كالقرآن العزيز فهو يتضمن تعاليم في العقيدة و في الأخلاق و الشرائع كما قام بتبسيطه و ذلك بتقسيمه الى سبعة أقسام تبعا لأيام الأسبوع[58].

و كان يشرف على تعليمهم بنفسه مستعينا بنجباء الطلاب مما كان لهم دورا بارزا في تأسيس أركان الدولة الموحدية فيما بعد[59]، مقتديا بالرسول (صلى الله عليه و سلم) في أقواله و أفعاله و تنظيماته فكثيرا ما كان يظهر التشبه بالصالحين والتشدد في إقامة الحدود، جاريا في ذلك على السنة الأولى[60].

و هكذا فقد اعتبر "ابن تومرت" نفسه مؤسسا لاسلام بربري يختلف عن الاسلام المشرقي، فراجعت أفكاره الى خلق مجتمع اسلامي جديد كان هو امامه[61] فانطلق يغير المنكر في كل أوساط المجتمع خاصته و عامته مطبقا للمبدا الاسلامي"الامر بالمعروف و النهي عن المنكر"[62].

وكانت هذه عادة الدعاة عند الجهر بمشاريعهم الاصلاحية و الامتثال الى سنن السلف الصالح. كما أن المرابطين لم يقفوا ساكتين أمام الخطر السريع لأمر هذا الداعية بل كثيرا ما تعرضوا له بالاهانة و الضرب و التعذيب في بعض الحالات[63].

و الملاحظ، أن "ابن تومرت" كان يدرك تماما طبيعة التكوين السياسي و الايديولوجي للدولة التي رغب في اسقاطها، فدولة المرابطين اعتمدت على المذهب المالكي و على فقهائه الذين لعبوا دورا ايديولوجيا للدولة[64]، و كما كان كل سلطة تقوم باسم شرعية ما فان الخروج عليها يكون بدعوى فقدانها لهذه الشرعية[65]. و رأى "ابن تومرت" أن الحل الأنجح لاسقاطها يتوجه الى بنية هذا المذهب لمحاولة تأزيمه و اظهار عجزه و ركوضه، فكثيرا ما أسفرت تلك المناظرة التي كانت تعقد بينه و بين خصومه من المالكية عن تفوقه عليهم و متصديا بذلك لها لتهم الايديولوجية[66]، و كثيرا ما أشاد ابن خلدون بتفوق هذا الداعية على فقهاء الدولة المرابطية مبينا أثرها في الكن له كل الضغائن[67].

وخلاصة القول، أن حركة الموحدين قامت أساسا بالعصبية الهرغية. و المصمودية و مكانة صاحب الدعوة ("المهدي بن تومرت") منها و الأحوال المتأزمة للدولة المرابطية.

و في ضوء هذه المعطيات، ليس جزافا أن تظهر الدعوة الموحدية في عصبية مصمودة كما و لـيس جزافا أن تتبنى الدعوة الموحدية فكرة العدل الاجتماعي على يد مؤسسها المهدي ابن تومرت.

فاطمة بلهواري **

 


الهوامش

[1]- أومـليل، عـلي.- الخطاب التاريخي، دراسة لمنهجية لابن خلدون.- منشورات، كلية الآداب و العلوم الإنسانية، الرباط- المغرب، 1984، ط2،.- ص.156 ؛ الجابري، محمد عابر.- العقل السـياسي العربي محدداته و تجليا ته، المركز الثقافي العربي بيروت، الدار البيضاء ط2.- ص57. ؛ أمين، سمير.- برهان غليون حوار الدولة و الدين، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء ط1، 1996.- ص.ص. 37-40. مفارقات الجدل في إشكالية الدين و السياسة عبد الإله بلقزيز عن سلسلة كتب المستقبل العربي ط1 بيروت، يناير 1999.- ص.ص. 142 - 143.

[2]- أومليل، علي.- الخطاب التاريخي.- ص.156.

[3] - عن سلسلة كتب المستقبل العربي (الحركة الإسلامية والديمقراطية ).- ص.152.

[4]- نفسه.- ص.141.

[5]- الخوري، فؤاد اسحق.- المذاهب الأنثروبولوجية و عبقرية ابن خلدون دار الساقي، ط1، 1992.- ص.37 ؛ صافي، لؤي.- الدولة الإسلامية بين الإطلاق المبدئي و التقييد النموذجي، سلسلة كتب المستقبل العربي، الحركات الإسلامية و الديموقراطية مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ط1، يناير1991.- ص.119.

[6]- الجابري، محمد عابد.- فكر ابن خلدون، العصبية و الدولة.- بيروت، دار الطليعة، ط3، 1982.- ص245 ؛ لابيك، جورج.- السياسة و الدين عند ابن خلدون، ترجمة، موسى وهبى، شوقي دويهي، دار الفارابي، بيروت، ط1، 1980 .- ص.85. العروي، عبد الله.- مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، بيروت، دار البيضاء.- ص.ص.93-100.

[7]- راجع فصول العصبية عند ابن خلدون: المقدمة.الدار التونسية للنشر، المؤسسة الوطنية للكتاب،1984، ج1.- ص.173.

[8]- بن حسن، محمد.- القبائل و الأرياف المغربية في العصر الوسيط.- تونس، دار الرياح الأربع للنشر، 1986.- ص.12 ؛ باتسييفا، سفيتلانا.- العمران البشري في مقدمة ابن خلدون ترجمة رضوان ابراهيم.- ليبيا-تونس، الدار العربية للكتاب، 1978.- ص.ص. 244-250.

[9]- الجابري، محمد عابد.- العصبية و الدولة.- ص.254.

[10]- نفسه.- ص. 266 ؛ باتسييفا،. سفيتلانا.- نفس المرجع.- ص.245.

[11]- المقدمة، ج1..- ص.185 ؛ مزيان، عبد المجيد .- النظريات الاقتصادية عند ابن خلدون.- الشركة الوطنية للنشر و التوزيع، 1981.- ص 179.

MEGHERBI, Abdelghani.- la pensee sociologique d’Ibn Khaldoun.- Alger, E N A L. 2eme.éd, 1977.- p.p. 160-161

[12]- الجابري، محمد عابد.- نفس المرجع.- ص.ص. 261-280. باتسييفا، سفيتلانا.- نفس المرجع.- ص.248.

[13]- ابن خلدون المقدمة، ج1.- ص.ص. 188-189

MEGANI, Mohamed.- Histoire et sociologie chez Ibn Khaldoun traduit de l’anglais par Mohamed TERBAH.- Alger, éd. O.P.U., 1994.- p107.

[14]- نفسه، ج1.- ص.ص. 189.

[15]- نفسه،ج1.- ص.ص. 187.

[16] نـفسه، ج1.- ص.184. بوتول، غاستون.- ابن خلدون، فلسفته الاجتماعية، ترجمة عادل زعيتر.- بيروت، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، ط2، 1984.- ص.81.

[17]- ابن خلدون.- نفس المصدر، ج1.- ص.ص. 184-185.

[18]- نفسه، ج1، ص.ص. 207- 208 ؛ MAGANI, Mohamed.- Op.cité.- p110

[19]- ابن خلدون.- نفس المصدر، ج.1.- ص.209.

[20]- الجابري، محمد عابد.- نفس المرجع.- ص.427.

[21]- نفسه.- ص.ص. 426-427.

[22]- ابن خلدون نفس المصدر،ج1.- ص.193

[23]- الجابري، محمد عابد.- نفس المرجع، ص.427.

[24]- ابن خلدون.- نفس المصدر، ج1.- ص.207

[25]- أومليل، علي.- في الـتراث و التجاور.- ط1، المركز الثقافي العربي بيروت، دار البيضاء 1990.- ص.ص.50-57.

[26]- الجابري، محمد عابد.- نفس المرجع.- ص.287.

[27]- ابن خلدون.- نفس المصدر، ج1.-ص.ص. 207-208.

[28]- نفسه، ج.1.-ص.209.

[29] نفسه.- نفس الصفحة.

[30]-مفهوم الدولة.- ص.98.

[31]-روجي لي تورنو.- حركة المـوحدين في المغرب في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ترجمة أمـين الطيبي.- تونس، طباعة الدار العربية للكتاب، 1982.- ص.ص.12-13 ؛ هوبكنز، ج.ف.ب.- النظم الإسلامية في المغرب في القرون الوسطى، تعريف أمين الطيبي الدار العربية للكتاب تونس - ليبيا، 1977.-ص.14.

[32]- أبي بكر الصنهاجي المكني بالبيدق، كتاب أخبار المهدي ابن تومرت، وابتداء دولة الموحدين، تحقيق ليفي بروفنصال باريس 1928 ص ص21، 32، ابن القطان، النظم الجمان، تحقيق محمود علي مكي، تطوان، بدون تاريخ ص 74.

[33]- ابن أبي الزرع.- الأنيس المطرب بروض القرطاس، الرباط، طباعة دار المنصور، 1973.- ص.172

[34]-. فالجـغرافي الإصطخري ( توفي في النصف الأول من القرن الرابع الهجري 10 م ) يذكر مصمودة القبيلة عموما باعتبارها من البرانس، المسالك والممالك، طباعة القاهرة 1961، ص 36، وكذلك ذكرها ابن حرذاذية ( ت 300هـ) أثناء تعرضه لبلاد البربر المسالك و المممالك طباعة ليدن، 1889.-ص.90.

[35]- و يقصد بذلك دور إمارة برغواطة في منطقة تامسنا بالمغرب الأقصى.

[36]- ابن خـلدون.- كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر.- بيروت، مؤسسة جمال للطباعة و النشر، ج6، 1979.- ص.ص. 206-211.

[37]- COLIN, G.S..-Encyclopedie Isla mique, Art, Massmuda, 2eme ED,TVI.- p.p.730-733.

[38] - هشام العـلوي القاسمي مجتمع المغرب الأقصى حتى منتصف القرن الرابع الهجري منتصف القرن العاشر الميلادي، طبعة وزارة الأوقاف المغربية – الرباط، 1995، ج1.- ص.263.

[39]- نفسه، ج1.- ص.ص. 262-263.

[40]- المـراكشي، عبد الواحد.- المعجب في تلخيص أخبار المغرب.- مطبعة الإستقامة بالقاهرة، 1949.- ص.177.

[41]- ابن الآثير.- الكامل في التاريخ.- طبعة بيروت، 1967، مجلد 8.- ص.296.

[42]- روجـي لي تورنو.- حركة الموحدين في المغرب في القرنين الثاني عشر و الثالث عشر.- ص.13. جورج لابيكا، السياسة والدين عند ابن خلدون.- ص.ص. 174-175.

[43]- نفس المصدر، ج1.- ص.208.

[44]- المراكشي.- نفس المصدر.- ص.191

[45] انظر تفاصيل شخصية المهدي عن أبي بكر الصنهاجي " البيدق "، كتاب أخبار المهدي ابن تومرت، ص ص 21-32 ابن قطان، نظم الجمان.- ص.35. مؤلف مجهول، الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، تحقيق أ، س، علوش، الرباط، 1936.- ص.85.

عبد الواحد المراكشي، نفس المصدر،ص ص 190-191.

BOUROUIBA, Rachid.- IBN Tumart.- ED.SNED, 1982.- p.p.11-18.

CAMPS, G..- Les berberes, Memoire et identite.- Paris, ED. errance, 1987.- p.193.

[46]- المقدمة، ج1.- ص. 56.

[47]- المقدمة، ج1.- ص.57..

[48]- المقدمة،ج1.- ص. 174.

[49]- نفسه ج1.- ص.ص. 75-58.

[50]- عاصي، حسين.- ابن خلدون مؤرخا.- بيروت، دار الكتب العلمية، ط1،1991.- ص.120.

[51]- المقدمة،ج1.- ص.174.

[52]- نفسه المصدر، ج1.- ص.178 .

[53] لابيكا، جورج.- نفس المرجع.- ص.126.

LAROUI, Abdallah.- L’histoire du Maghreb.- Paris , Maspero, 1975.- p.160.

[54]- راجع تفاصيل الرحلة عند البيدق، أخبار المهدي ابن تومرت.- ص.ص. 51-72، لبن أبي زرع، القرطاس.- ص.177.

[55]- مـوسى، عز الدين.- الموحدون في الغرب الإسلامي - تنظماتيهم ونظمهم.- بيروت، ط 1، دار الغرب الإسلامي، 1991.- ص.32 .

[56]- ابن أبي زرع.- القرطاس.- ص. 81.

[57]- المصدر السابق.- نفس الصفحة ؛ المراكشي.- المعجب.- ص.ص. 187 –188 .

[58]- نفسه.- ص.ص. 177 – 178  

MARCAIS, G..- La berberie Musulmane et L’Orient du Moyen âge, t1, Paris , 1946, 257; LAROUI, Abdalla.- Op.cité.- p.p. 159-164.

[59]- مراكشي.- المعجب.- ص 187. ابن ابي زرع.- القرطاس.-ص.181 .

60- مراكشي.- نفسه المصدر.- ص.ص. 193-194، ألفرد، بل.- الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، ترجمة عبد الرحمن البدوي.- دار الغرب الإسلامي، ط 3، 1987.- ص.ص. 262-263 .

BASSET, H. et TERRASSE, H..- Sanctuaires et forteresses almohades.- Hesperis, n°1, Paris, 1924.- p.p. 16-32.

[61]- بولقطيب، الحسين.- ابن تومرت وتجديد الفكر الإسلامي.- الاجتهاد.- بيروت، عدد 20 السنة 5، 1993.- ص.67 .

الجابري، محمد عابد.- نفس المرجع.- ص.286 .

[62]- البيدق.- اخبار المهدي ابن تومرت.- ص.ص. 13-17 .

[63]- المراكشي.- المعجب.- ص.84.

[64]- LAROUI, Abdellah.- Op.cité.- p.p. 161-162 ; BOUROUIBA, Rachid.- Op.cité.- p.p. 45-46.

[65]- أمليل، علي.- نفس المرجع.- ص.55.

[66]- ابن ابي زرع.- القرطاس.- ص.ص. 174 –175 .

[67]- المقدمة، ج1.- ص.56 ؛ الطويلي، أحمد.- عبد الرحمن ابن خلدون - دراسة و منتخبات.- نشر و توزيع مؤسسات عبد الكريم، تونس، 1993.- ص.40-41 .

 

 

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2020 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche