مساكن القرى الاشتراكيةالزراعية : ماذا بعد أكثر من أربعين سنة؟


إنسانيات عدد 94، أكتوبر – ديسمبر 2021، ص. 63-89


علي طيب براهيم: جامعة عبد الحميد بن باديس، مستغانم، قسم العلوم الاجتماعية ، شعبة علم الاجتماع 27 000، مستغانم، الجزائر


في بداية السبعينات من القرن الماضي، أبصر النور مشروع تنموي يحمل تحديات جديدة للجزائر المستقلة. مشروع تعددت تسمياته المتداولة -قرى الثورة الزراعية ، قرى نموذجية، اشتراكية...إلخ- للتعبير عن تجربة أريد من خلالها إحلال التنمية داخل عالم الريف، وتحقيق نقلة نوعية من حيث العلاقة مع الأرض وكيفية تسيير العمل الزراعي. كان على تلك القرى أن تحتضن نظرة مستقبلية للأمور بخلفية تعتمدالاشتراكية سبيلا أوحد لا بديل عنه، والنتيجة أن عممت تجربة على مستوى وطني أريد من خلالها تجسيد معاني التنمية والنهضة من منظور رجال السياسة في المقام الأول.

يتسع موضوع القرى الاشتراكية[1] ليحيط بجوانب متعددة تعم واقعا معيشيا مركبا وثريا ، يتيح إمكانية مقاربته من زوايا مختلفة يكمل بعضها بعضا.

لا بد هنا من التذكير  بخصوصية البحث حول القرى الاشتراكية بعد أربعين سنة من إنجازها وإعمارها، حيث نستحضر كل الاختلاف في السياق المجتمعي، السياسي، والاقتصادي.

تختصر عبارة "الزهر تاع les villages socialistes راح مع بومدين"، وهي لأحد سكان قرية فلاوسن، واقع التغيرات التي مسّت تجربة القرى الاشتراكية والمصير الذي واجهته بعيدا عن فترة السبعينات التي صنعت أمجادها وصورتها الأكثر بهاء.

لماذا البحث حول المسكن بالقرية الاشتراكية؟

تستمد البحوث حول المسكن في علم الاجتماع أهميتها من كون المجال السكني الأقرب للإنسان لاحتضانه جوانب الحياة الأكثر حميمية. وفي هذا الصدد يعتبرRapoport, 1981)) المسكن منتجا ثقافيا بامتياز ويشدّد على جانبه الإنساني،فمن خصوصياته أن يسمح في كثير من الحالات بالتعبير عن النموذج الثقافي المستبطن لمالكيه. ومشاركتنا في مشروع البحث حول القرى الاشتراكية تستجيب لرغبة في فهم المسألة السكنية بوصفها بوصفها جزء لا يتجزأ من فكرة القرى الاشتراكية نفسها. إن الأصل أن يتحقق مشروع تنموي يفضي إلى استقرار مجموعة أفراد قرب الأراضي الزراعية بتوفير المساكن. ثم ومن ناحية فيزيقية محضة، لا تعدو القرية كونها تجمعا سكنيا[2] ترافقه بعض التجهيزات أو هكذا تبدو من الخارج، بذلك يمكن أن نبصرها "جشطلتيا" ككل يطغى عليه المجال السكني الذي يذكرنا بوجود القرية نفسها. وقد انصب اهتمامنا داخل مشروع البحث المذكور آنفا، على فهم الكيفية التي تعامل بها سكان القرى الاشتراكية محل الدراسة مع مجالهم السكني بعد مضي أربعين سنة من شغلهم له، باعتبار أن السكن يتعدى كونه مجرد شغل للمجال ليعبر عن الحاجات الاجتماعية والثقافية المرافقة للحاجة إلى السكن (Rapoport,1981, p. 85). وعليه، حاولنا تسليط الضوء على كيفية تعامل ساكنة القرى الثلاث مع مجال صُمِمَ وأُنجِزَ ليحتضن ويوجه سلوكها، وبالمقابل تجتهد هي لجعله قابلا للعيش تبعا لما يعنيه عند Lefebvre مفهوم (السكنى L’habiter) (Hadjidj, 2002, p. 17)[3].

اعتمدت هذه الدراسة عينة من ثلاث قرى اشتراكية بالغرب الجزائر هي : قرية "أوراس المايدة" ببلدية بوحجر (ولاية عين تموشنت)، قرية "فلاوسن" ببلدية بوسفر (ولاية وهران)، وقرية "بلعسل" ببلدية سيدي خطاب (ولاية غليزان). كما نستثمر في هذا المقال نتائج الملاحظات المباشرة والمقابلات شبه الموجهة التي أجريناها مع أفراد من هذه القرى الثلاث تركزت ملاحظاتنا حول المجال السكني وتمظهراته المختلفة، التي تمكن من قراءة التعديلات والتحويلات التي مسته ونوعيتها. كما أنّ المقابلات منحتنا فرصة الوقوف على المعاني التي تسند اليها الممارسة السكنية بالقرى الاشتراكية محل البحث.

مشروع تقدمي

عندما نرجع بالزمن إلى أكثر من أربعين سنة، تستعيد كلمة "تقدمي" كل زخمها. بحيث اكتسبت فيه تلك الكلمة رنينا قويا يتماشى مع خلفية إيديولوجية تتغنى بالاشتراكية لمواجهة المشروع الغربي الرأسمالي في مرحلة ما بعد الاستعمار. عُرِض "التقدم" آنذاك بوصفه بوصفه نقيض (للرجعية) الملخصة لمعاني التخلّف، "فالثورة الزراعية اختيار لا رجعة عنه وعلى الفلاحين أن يفرضوا وجودهم بالعمل ويسكتوا أصوات الرجعية والبرجوازية" (من خطاب الرئيس الشاذلي،1979)[4]. رسمت ثنائية (التقدّم والرجعية) معالم التوجه السياسي لجزائر الاستقلال، وتحولت المشاريع المبرمجة في شكل مخططات إلى إنجازات تبغي التقدم وتعد بمستقبل أفضل يحقق كل القطيعة مع الماضي.

اعتبرت القرى الاشتراكية أحد الإنجازات المجسدة للتقدم، لكنها تميزت عن غيرها من المشاريع باستهدافها عالم الريف. ويختلف أمرها عن إنجاز المصانع والمركبات الضخمة؛ لكونها استثمار في الحياة اليومية لفئة من الجزائريين سبق أن ارتبطت يومياتهم بالغبن والشقاء. هنا يحلّ التقدّم في كل رمزيته ليعرض كل الاختلاف عن ما عنته العلاقة مع العمل على الأرض زمن الماضي الاستعماري؛ لأنّ الجزائر المستقلة ستعيد تقسيم الثروة، ستعيد ملكيتها للجزائريين، وسيتحول العمل الزراعي برعاية الدولة الحديثة إلى رمز للسيادة والحرية بعد أن ظل طويلا عنوانا للاضطهاد والاستعباد. "إن الثورة الزراعية لا يقصد بها التغيير الجذري للريف فقط بل تشمل تكوين الفلاح وتغييره، ولا يخفى علينا بأن الفلاح في فترة الحرب التحريرية كان يعيش تحت ضغط الاستعمار الفرنسي وعبوديته" (من حوار مع الأمين العام لاتحاد الفلاحين، 1979)[5].

من القضايا التي نبهنا إليها بحثنا هذا، فكرة "القرية الاشتراكية الأولى" التي تتكرر كثيرا دون أن تحقق أي إجماع لدى ساكني القرى الاشتراكية التي زرناها. الحاجة للتباهي بأن تكون هذه القرية أو تلك ذات السبق أو ضرورة التصريح بهذه الميزة، يدعونا للتساؤل عن مدى استبطان الأفراد لتجربة القرى الاشتراكية؟ وبالشكل الذي يضمن لهم تثمينا يحقق تمايزا عن بقية القرى! كما يمكن أن يعني ذلك استحضارا للعلاقة مع مشروع وطني كان يرمز لاهتمام السلطات بعالم الريف الجزائري، قبل أن يستحيل ذلك الاهتمام إلى تخلٍّ. ومنه نفترض إمكانية أن تكون عبارات مثل ( بوُمَدْيَنْ جَا هْنَا، هُو لِي فْتَاتَحْ الفِيلاَجْ، قَاعْ جَاوْ)[6] شكلا من التحسر على الواقع الحالي الذي يختلف كثيرا عن الماضي وعن صورة القرى الاشتراكية التي روج لها بقوة. إنها صورة عبرت عن النموذج التنموي ومثلت فخر الخطاب السياسي الشعبوي الذي خالفت نتائجه أهدافه بكل وضوح (Souiah & Marhoum, 2018, p. 201).

حققت الالتفاتة إلى عالم الريف -عبر مشروع القرى الاشتراكية- تأييد فئات مختلفة من الجزائريين ورضاهم في البداية[7]، خاصة وأن الصورة الإعلامية المسوقة آنذاك بشكل حصري، عرضت مشاهد التدشين المليئة بالبهجة وبحضور قوي لشخصية الرئيس المزاوجة بين روح الدعابة والصرامة في آن واحد. ولا أفضل من خلفية المساكن المنجزة حديثا، المصفوفة والمتوازية -التي تثمل نشازا مع طوبوغرافية المنظر بانحناءاته الطبيعية- لأخذ الصور ومحاورة المستفيدين. وبذلك سيصبح منظرها ملازما لمعنى القرى الاشتراكية لدى الجزائريين وإلى الأبد.

بشكل متناقض، يقترب منظر القرى الاشتراكية من منظر القرى الاستعمارية فيما تمثلانه من حضور مجالي مصطنع داخل عالم الريف. لذلك يمكن تمييز كل منهما بسهولة داخل المنظر العام، خاصة زمن إنشائهما. وكأن جزءا من تقسيم المجال، توزيعه، وتنظيمه أريد له أن يحل بشكل مصطنع في بيئة مختلفة عنه. ربما هذا ما جعل (Megdiche, 1977) لا تترد في التنبيه إلى التشابه -بسبب غموض على مستوى الدلالات- بين فكرة القرى الاشتراكية ومشروع قرى المستقبل أو مراكز التجميع التي شرع في بنائها المستعمر الفرنسي.

نفترض مما سبق وجود سبب مقنع كفاية ورغبة قوية في التأكيد على ما يميز القرى الاشتراكية عن المشروع الفرنسي، بالتذكير الدائم بالجانب "التقدمي" المناهض للصورة المظلمة لواقع الفلاحين في الماضي. والنتيجة أن تنتشر صورة للقرى الاشتراكية التي ستعيد للفلاح الجزائري ما أخذ منه في الماضي وتؤرخ لمرحلة جديدة من العلاقة
 مع الأرض والعلاقات الاجتماعية داخل الريف.

اجتماع إنساني مصطنع

من الضروري الإشارة إلى أهمية تجربة الانتقال إلى القريةالاشتراكية بوصفها نمط حياة ريفي مستحدث سنوات السبعينيات؛ لأنّ المسألة  تتعدى كونهامجرد تغيير مكان الإقامة الأصلي لتصل إلى خوض غمار تجربة حياتية ككل، يتحول عبرها ذلك الانتقال إلى عنوان لحياة جديدة يختبرها الوافدون رفقة أقران لهم قدموا من أماكن مختلفة وبخلفيات متنوعة، سعيا نحو حياة أفضل وحدتها نمذجة تتغاضى عن أي فروقات اجتماعية ثقافية بينهم. وفي الوقت نفسه يعبّر الانتقال للعيش داخل القرية الاشتراكية عن تجربة سكنية جديدة تبرز المسكن وكأنّه مجال محتضن ومؤطر في آن واحد للحياة اليومية، "فالسلطات استخدمت الإطار المبني  لتحويل الطبيعة الأصلية للمجتمع الريفي"(Chabi , 2008 , p. 55).

الحديث عن تجربة سكنية يعني اختبارا لوضعية ما داخل المجال ولعلاقة ما مع مجموعة اجتماعية مقارنة بأخرى سابقة وكلتا الوضعيتين بإمكانهما الإفصاح عن كثير من المعاني والدلالات التي نحتاجها في إطار هذا البحث. ما يلفت الانتباه حول انتقال المستفيدين[8] إلى القرى الاشتراكية، أنه اندرج ضمن استراتيجية إعمار لم تعتمد بالضرورة جلب ساكنة محلية أو الأكثر قربا من مواقع إنشاء القرى[9]، بل جرت عن طريق جلب أفراد لا تربطهم صلة فيما بينهم ومن مناطق بعيدة عن محل إقامتهم الأصلية، وهو ما فرض عليهم التواجد في وضعية اختبار اتجاه المكان وساكنته في آن واحد.

لا يمكن للحياة الاجتماعية في الريف، كما يخبرنا ابن خلدون (2009) أن تزدهر، إلا بعد أن تتطور علاقة الأفراد فيما بينهم استثمارا في صلة رحم موجودة أصلا أو مصاهرة أو حلف أو ما شابه. لكن ما يختبره المستفيدون من مشروع القرى الاشتراكية أشبه بما يختبره المرحلون في إطار صيغة السكن الاجتماعي اليوم، والذين يتعين عليهم تقبل التواجد مع غيرهم في علاقة غربة متبادلة بينهم لأنّهم لا يملكون بديلا عنها.

وهنا تتكرر قاعدة القرب المجالي والبعد الاجتماعي (Chamboredon & Lemaire, 1970)، التي تمنح القدرة على تفسير الواقع حتى مع اختلاف في السياق الاجتماعي والجغرافي. فالعبارة "جَابُو النَاسْ مَنْ كُلْ بْلاَصَة"[10]، لذلك تشير اليوم إلى خطاب مربك لدى ساكني القرى الثلاث، منشأه التأرجح بين بقايا رغبة في الانطواء على الذات -كآلية للدفاع عند القدوم إليها-وضرورة الانخراط في حياة اجتماعية لا مفر منها. كما يذكرنا خطابهم بحالة الانطواء على الذات بدافع غربتهم بعضهم عن البعض، وفي الوقت نفس يعرضون علينا نماذج من التعايش اليومي لا يختلفون من خلالها عن سكان المدن ! "حْنَا كُلْ وَاحَدْ لَاهِي بْرُوحَهْ بَصَحْ نْقَادْروُا بَعْضْنَا، ...لاَ مَاكَانْشْ مَشَاكِلْ الجْوَارِينْ هَاذُو قَاعْ تَاعْ بَكْرِي ،نَتْلَقَاوْ في الْجَنايِزْ وَلَا فَالعْرَاسْ"[11].

ما يزيد تعقيد الظاهرة الاجتماعية بالقرى الاشتراكية اليوم أنّ حركة الإعمار التي استمرت زمنيا بعد فترة التدشين ضاعفت مفعول الغربة الاجتماعية؛ لأنّ حركة البيع وانتقال الملكيات نفعل التجديد الجيلي الطبيعي مثلا، سيرسمون خارطة لواقع اجتماعي مخالف لمضمون خطة الإعمار الأصلية. لا يتعلق الأمر باستمرار مجتمع الفلاحين أو تطوره، إنما بمجتمع جُمِّعَ أفراده بشكل اصطناعي قرب أراضي فلاحية فرضت تقاسم المهام والتساكن قبل انسحاب الدولة باعتبارها راعٍ وموجه لمشروع القرى الاشتراكية الزراعية، خاصة وأنّ العلاقة مع العمل الفلاحي التي تمثل قاسماً مشتركا بين المقيمين بالقرى ستتحول إلى غير رجعة.

مسكن لمن يخدم الأرض

القرية الاشتراكية تجمع سكني زراعي يؤسس لثنائية الأرض والمسكن. معادلة بسيطة للغاية، فلكل مستفيد من الأرض الحق في الحصول على مسكن بغية تثبيت الساكنة بالمكان، بذلك تكونت الهوية المجالية للقرية الاشتراكية. ولأن المشروع موجه لعالم الريف، أخذ شعار "الأرض لمن يخدمها " كل الزخم. إن الحق في الحصول على فرصة للعمل بالأرض وحق استغلالها الجماعي متوقف على الاستعداد للعمل.

في سياق ذي صلة، يفصل (Marouf, 1981, p. 136) فيما يرتبط بذلك الشعار، حيث يعرض الرأي القائل بنسبة عبارة " الأرض لمن يخدمها" إلى يوغرطا، قبل أن يؤكد استخدامها من طرف الجنرال بيجو كذريعة لاستهداف الأراضي الخصبة بالهضاب. والعبارة نفسها أعيد استخدامها لمرافقة مرسوم مارس 1936، ثم لشرعنة أمرية 8 نوفمبر 1971 التي طبّقت المبدأ نفسه لكن على الملكيات المتوسطة والكبيرة للخواص[12] هذه المرة. ثم هناك الشعار الترويجي الآخر لمشروع القرى الاشتراكية "خد المفتاح يا فلاح ". ومن ناحية الدلالة الرمزية، يشير المفتاح إلى الحصول على ملكية ما يحتاج الفتح وبذلك لا يصدق على الاستفادة من الأرض بل المسكن. لقد مثّل المسكن المشهد الأساسي لصورة القرية الاشتراكية ومثلت الأرض الخلفية والمحيط الحاضن. ولا أدل على ذلك من أصل التسمية نفسها: "قرية"، أي تجمع سكني، وحتى عمليات التدشين كانت تركز على المجال المعيشي للمستفيدين لتعبيره الواضح عن الإنجاز ككل.إنّ ما يميز القرى هو مجالها السكني مقابل تشابه خلفية الأراضي الزراعية التي تمتد وتتداخل لترسم صورة تتكرر في كل مكان.

تشهد القرى الثلاث التي عاينّاها على جلب أعداد من المستفيدين من خارج المناطق المختارة لإنشاء القرى الاشتراكية وتمكينهم من مساكن، حيث يسترسل أحد سكان قرية فلاوسن مشتكيا: " جَابُوهُمْ مَنْ هَاكْ وهاك كَايَنْ لِي جابُوهْ مَنْ تيارت، غليزان، معسكر، كاين لي جابوه من دُوارْ تَنْزَلْ لَهْ بْلِيلِيكُوبْتَارْ وْسَكْنُوهْ، جَابُو حتى مَاْلصَحْرَا ...كَايَنْ غِي جَدِي لِي مَنَا مَنْ وهران"[13]. ويتكرر الموقف نفسه بأوراس المايدة " كل واحد مِينْ جَابُوهْ، جابو من مشرية، النعامة، بلعباس،...القرية كان فيها الورد فالطريـﭪ [...] بَصَحْ [...] مايَعَرْفُولَهشْ ". في هذا المستوى يتحول المسكن إلى مصدر جذب أساسي بغية الإعمار، بذلك يتجاوز قوة جذب العمل على الأرض، حيث أن إغراء الحصول على مسكن جديد يفسر كيف أن العديد من المستفيدين لم يكونوا فلاحين قبل قدومهم إلى القرى.

بمرور الزمن ستفقد الهوية المجالية ذات الطابع الثنائي (مساكن وأراضي فلاحية) من واقعيتها، بل ستتحول بشكل يكاد يكون كليّا في بعض القرى التي زرناها، لأنه -وببساطة- سيضعف الرابط المباشر بين المسكن والأرض.

واقع التداخل بين الفكرة الأصلية لإعمار القرى -التي تجعل العمل الزراعي مبررا[14] للحصول على مسكن- وبين الإعمار الذي اعتمد في الكثير من الأحيان على إغراء المسكن لا الأرض، أضعف مع مرور الزمن من صلابة تلك الهوية، كما أنّ عدم ثبات الرعاية الرسمية لمشروع القرى،وكذا تراجع الاهتمام بإنجاحها مقابل الاكتفاء بتسيير ما أنجز قبل أن يتم التخلي عنها. قد قاد نحو انفصال المسكن عن الأرض، خاصة عندما أمكن التصرف في الأراضي الفلاخية. "الفلاح وَلَّا مَاصُونْ، الناس تَاعْ سَتِينْ عام مِينْ كَانُو صْغَارْ، كَانُو يَخَدْمُو فَالْفْلاَحَ فَالْسَبْعِينَاتْ، دَرْوَكْ قَاعْ رَاهُمْ يَا مَاصُونْ يَا كْلُونْ دِيْسَتان ...والشَبِيبَة تَاعْ الِفيلاَجْ يَخْدْمُو فَالْعْيُونْ"[15].

صاحب ذلك التخلي عن العمل بالأرض، المحافظة على ملكية المسكن والاستفادة منه خلافا لمصير الأرض.

"كَايَنْ بَزَافْ لِي بَاعُو حَقْهُمْ في إطار المجموعات وَلِي شْرَاوْ صْحَابْ اَلْدْرَاَهَمْ، الأرض تاَعْ الفلاحة بْنَاوْ فيها، يْجُو يْفَوْتُو فيها لِي فَاكُونْسْ، قَاعْ لِي شُونْتَاْر شْرَاوْ أراضي هْنَا وْبْنَاوْ دْيَارْ بَلْجَارْدَن لَا بِيسِينْ وَلْحَفْلَاتْ ... وِينْ رَاهُمْ اَلْفَلاَحَة مَا بْقَاوْشْ مَا كَانْ فَلاَحَةَ... كَايَنْ الأرض الِليِ تْبَاعَتْ بمليون ونصف وْدَرْوَكْ رَاهِي تَسْوَى رَبْعْ مْيَاتْ مليون، كَايَنْ لِي بَدْلُوهَا بْتِيليِفِيْزيُون ... المْسَائِيلْ كَانوا فَاْلمْرسَى جَابُو نَاسْ وبَاعُولْهُمْ ، كَايَنْ الأرض اَلْلِي تْبَاعَت ْزُوجْ تَلْتْ مَرَاتْ"[16].

كان الانتقال إلى القرية الاشتراكية في الماضي يعني الحصول على شيئين أساسين: العمل المرتبط بالأرض والمسكن الجديد كونهما ضمانا لاستقرار الوافدين. لكن وبعد الأربعين سنة شهدت تراجع العلاقة مع الأرض التي استفيد منها في إطار جماعي، وأصبح المسكن مسألة شخصية ضمن إطار أسري منفرد. ورغم التخلي المتواصل عن مهنة الفلاح، إلّا أن المساكن لا تزال قائمة حتى بعد أن غيرت شكلها، لونها، ونمط تقسيم مجالها الداخلي، وباعتماد واقع قرانا الثلاث المتباين، نجد أنّ قرية فلاوسن تعبّر بوضوح عن الفصل بين مصير المسكن والأرض، خاصة وأنها أصبحت مندمجة داخل نسيج عمراني أكبر، تماشيا وخصوصية إعمارها وكيفية اندماج مكوناتها العمرانية (Souiah & Marhoum, 2018, p. 204).

تسمية موحدة و مورفولوجية متباينة

إجمالا نعتقد أنّ كل قرية من القرى التي مسّها البحث تحتفظ لنفسها بتفاصيل ترسم اختلافها عن غيرها، وهو ما نبهنا باكرا إلى تعقيد الواقع الذي كان علينا مواجهته في هذه الدراسة؛ لأن من شأن تسمية "قرى اشتراكية زراعية " أن تختزن اختلافا لا تدل عليه وحدة التسمية، خاصة إذا ما اعتمدنا تمييز (Lesbet, 1983) القرى الإشتراكية بين أولية وأخرى ثانوية. من بين القرى الثلاث محل الدراسة، نجد أنّ أوراس المايدة هي الأكثر حفاظا على صورتها الأصلية[17] مقارنة بكل من بلعسل وفلاوسن. إضافة إلى أنّ الانفصال المجالي لأوراس المايدة -عن التجمعات السكنية ذات التاريخ الأقصر- يسهم في تمييزها بسهولة. في المقابل، لا تعرض قريتا فلاوسن وبلعسل نفسيهما على الملاحظ بالطريقة نفسها، خاصة وأنّهما تتصلان بنسيج عمراني أعمّ، كما أنّ التعديلات والتحويلات التي مست مورفولوجية المساكن بهما ذات أثر قوي.

وفي سياق ذي صلة، نجد أنّ مستقبل القرى الاشتراكية - حاضرها اليوم- تحدد بشكل صريح بعد تخلي الدولة عنها، بحيث كان على كل قرية أن تواجه مصيرا مختلفا نوعا ما عن الأخرى. لذلك نجد أنّ بعض القرى يحتويها نسيج عمراني أكبر كما هو حال بلعسل وفلاوسن[18]، بينما تحتفظ أوراس المايدة بوضوح مجالي أفضل ووحدة معمارية أكثر حضورا. لكن إذا ما اعتمدنا المساكن ذات الطابع المعماري الموحّد وشكل توزعها عبر المساحة بإعتبارها عناصر مؤسسة للهوية العمرانية بالقرية الاشتراكية، فنقدّر أن الاختلافات المجالية التي لمسناها بين القرى الثلاث تمسّ مدى وضوح الهوية المجالية المشتركة في الأساس[19]؛ لأن ذلك الكل الذي يشعر بوجود هوية مجالية معينة ماثل للعيان ويجعلنا نستحضر وجودنا بمكان متميز يختلف عن غيره. لا يتعلق الأمر بقرية ما بالريف الجزائري، بل بقرية اشتراكية زراعية ذات مورفولوجية قادرة على البوح بما يميزها عن غيرها. وفي حين على الزائر لقريتي فلاوسن وبلعسل تحري نقاط التشابه بين المساكن التي تتكرر وتصطف عبر الشوارع المكونة للقرية، سيسهل عليه الأمر بأوراس المايدة.

لا بد من التذكير بأنّه من مميزات السكن الريفي التناثر عبر المجال وليس التجمع، كما أنّ الريف الجزائري عادة ما يعرض مورفولوجية تخضع المجال لتلقائية مبدعة، بينما تجميع المساكن وقربها داخل بيئة ريفية من حيث الحجم، شكل، النوعية مواد البناء) يسمح لمورفولوجية القرية الاشتراكية الزراعية بالبروز ولو بمستويات متباينة، "فالقصد من استحداث القرى الاشتراكية هو تحويل تنظيم المجال الريفي" (Chabi, 2008, p. 54).

قادنا ذلك الأسلوب المعماري المفتقد للحيوية من سبعينيات القرن الماضي للتثبت من أماكن القرى التي كنا نبحث عنها، بعد أربعين سنة تداخلت خلالها الأنسجة العمرانية وتحوّلت من ملامحها الأصلية، فلم يكن يدلنا عليها غير تلك النمطية وذلك التكرار في شكل المساكن وأحجامها أو ما بقي منها على هيئته الأصلية، إضافة إلى طريقة تصميم بعض المرافق العمومية.

المسكن ذو الفناءين

يعتبر المسكن ذو الفناء (Patio) من خصائص العمارة المتوسطية التقليدية بامتياز، ولا يتعلق الأمر بإبداع هندسي ينتمي إلى مدرسة أو تيار معماري معين بقدر ما يعتبر إنتاجا مجتمعيا يغطي الحاجة إلى السكن في منطقة المتوسط. تصميم مساكن القرى الاشتراكية يجسد فلسفة "المسكن ذو الفناء" لكن بمساحات وتفاصيل أكثر سخاء، نتحدث هنا عن مسكن بفناءين اثنين - أحدها أساسي والآخر ثانوي أكثر تواضعا يقع بالقرب من المدخل -، وبواجهتين اثنتين. ربما نستطيع الجزم بأنّ هذا الخيار الهندسي من أكثر ما يقرب ساكنة القرى من مساكنها؛ لأنّه يعرض سخاء فيما يتعلق بالمجال المفتوح (الفناء) باعتبار تعدد الاستخدامات التي يسمح بها، وحجم العلاقة التي يوفرها مع الطبيعة (الشمس والهواء ).

من البديهي أنّ المسكن يلقى تقبلا أكبرا تبعا لما يتيحه لساكنيه من خيارات وملاءمة لأنشطتهم اليومية، فتصميم المسكن بالقرى الاشتراكية يستوعب الحاجة إلى الفناء لتحقيق ممارسة سكنية أكثر انسجاما مع عناصر الطبيعة، خاصة وأننا نتحدث عن مساكن ريفية. أبعد من ذلك، يقدّر حسن فتحي أن "الفناء خاصية نموذجية للمسكن العربي" (Pinson, 1993, p. 117). كما تتضح الحاجة إلى الفناء من باب خصوصية حياة الفلاح وانتظامها حول العمل بالأرض، ثم انعكاس ذلك على تفاصيل الحياة اليومية داخل المسكن.يبقى أن العلاقة مع العمل الزراعي -رغم كل التحولات التي مست القرى الاشتراكية - أكثر بروزا ببلعسل وأوراس المايدة، في حين تختفي بفلاوسن.

نتحدث عن فناء ذي مساحة سخية تتربع على ثلثي المساحة الكلية للمسكن في بعض الحالات، تتراوح مابين المائة أو المائة والخمسين مترا مربعًا تبعا لنوعية التصميم، الذي يجمع الفناءين - الأساسي والثانوي معا، تعرض هذه المساحة إمكانات لا حصر لها من شأنها أن تجعل المسكن أكثر راحة وملاءمة. لكن وجب التذكير إلى أن الجانب العملي للمساكن الريفية مرتبط بشكل توزيع الفضاءات التي تستغل لأنشطة متعددة. والفرق كل الفرق يتأتى من كون المسكن والفناء الذي يرتضيه الفلاح يعتمد تسييرا فعالا للمساحة. وهو ما لا يخفيه المبحوثون الذين حاورناهم "الشْنَابَرْ ضَيْقِيينْ، بَصَحْ الحَوْشْ كْبِيرْ "[20]. المسكن ذو الفناء الفسيح وبغرفتين متواضعتين من حيث المساحة لن يشعر ساكنيه بالراحة، كما أنّه لا يراعي متطلباتهم، لذلك أمكننا بوضوح الوقوف على تشابه كبير من حيث إضافة غرفة أو اثنتين كتوسعة اضطرارية للمسكن، قبل الشروع في التوسعات الكبرى.

التملك مفتاح لفهم العلاقة مع المسكن

يذكرنا حجيج (Hadjidj, 2002) بتوظيف علماء الاجتماع لمفهومي التملك (Appropriation)  والسكنى (L’habiter) قصد الإحاطة بممارسات المسكن والتصورات المرافقة لها. ونعتقد أن ذلك من أنسب الطرق لتغطية الوضعية السكنية داخل القرى الاشتراكية، خاصة وأن التملّك يعبّر عن الرغبة في ترك الساكن بصمته الشخصية داخل المجال الذي يحوي حياته. من هذه الزاوية يتحوّل سلوكا التعديل والتحويل إلى مؤشرين يمكن رصدهما من خلال تتبع مورفولوجية المسكن بين ماض وحاضر، بالاعتماد على الشكل والتصميم الأصليين للمسكن أو ما يدل عليهما من شواهد. أبعد من ذلك يصبح التحدي حقيقيا عندما نستطيع سبر أغوار الدلالات الرمزية التي يختزنها الفضاء السكني تماشيا و نوعية الحياة الاجتماعية التي يحتضنها من جهة، وحجم الإكراهات التي من شأنها أن تصعب أو تمنع إحلال معاني تلك الدلالات من جهة أخرى.

لابد من الإشارة - أولا - إلى ما يتعلق بالقدرة على مباشرة سلوكيات التملك من عدمها، ذلك أنّ الرغبة في التملك لا تترجم دائما على أرض الواقع بنفس الوضوح والشدة. وحتى عندما نسلم بما يراه Lefebvre حول كون التملك هو "الهدف، المعنى، الغاية من الحياة الاجتماعية".  (Hadjidj, 2002,p.22)نعتقد أن الملكية من بين العوامل المحددة للتملك بالقرى الاشتراكية، ففي زمن الاستفادة ضمن مشروع القرية الاشتراكية لم يكن متاحا التصرفّ أو المساس بشكل المسكن، كما أنّ صفة المالك لم تتوفر آنذاك في المستفيدين الذين كانوا يدفعون أقساطا شهرية مقابل شغلهم مساكنَهم.

لفت انتباهنا عامل آخر مرتبط بالمساحة الشاغرة داخل المساكن، والمتمثلة في الفناءين اللذين أشرنا إليهما آنفا. إنه إغراء يصعب مقاومته مع مرور الوقت، لذلك نجد أن استخداماتهما ستتعدد وتتنوع بحسب الحاجة إليهما. عندما نتفقد إمكانية التملك من عدمه، نجد أن توفر مساحة داخل المسكن بحجم سخي تسمح للساكن بالتعبير عن بعض رغباته السكنية كما تحقق الحاجة إلى التوسع. مثل هذاالتصميم يجعل من المسكن في خدمة الساكن وبذلك تتعزز فرص مباشرة التملك.

كما أنّ هناك عاملا آخر يحدد مصير الرغبة في مباشرة التملك؛ لأن "غياب القدرة المالية لا يسـهل بتـاتـا التحويـلات الثقافية والمجاليـة الضرورية" (Rouag-Djenidi, 1998, p. 17). والتملك لا يحصل واقعا إلا إذا توفرت إمكانات التعبير عنه بوساطة إمكانيات مالية يجعل منه حقيقة ماثلة للعيان. نتعمّد هنا تجنب الحديث عن الجانب الرمزي للتملك، لرغبتنا في تسليط الضوء على العوامل التي تجعله ممكنا بالشكل الذي تترتب عليه آثار في المجال الفيزيقي من تعديل أو تحويل، وإلا فالتملك "قادر على التجسد رمزيا أو من خلال التحويلات المادية الملموسة" (Navez-Bouchanine, 1997, p. 68).

إنّ اجتماع العوامل الثلاثة السابقة الذكر من شأنه أن يصنع الفارق بين حصول التملك من عدمه؛ لأن العلاقة مع الملكية، المساحة الشاغرة، والإمكانات المادية تؤسس لثلاثية تعزّز من قدرة الساكن على التعبير عن حاجاته ورغباته السكنية، كما يمكن لغيابها أن يؤثر بوضوح في تلك القدرة. وفي مستوى ثان نجد عاملا اختفى تأثيره منذ زمن، ويتمثل في تراجع الاهتمام بمشروع القرى الاشتراكية باعتباره نموذجا لسياسة تنموية ريفية وجب إنجاحها، فلا يمكن نسيان الاهتمام والحرص اللذين استفاد منها مشروع القرى الاشتراكية، وهو الأمر الذي استبطنه سكان القرى وظل يوجه علاقتهم مع مساكنهم مدة من الزمن، إلى حين اختفت الرعاية والاهتمام المباشرين للدولة الجزائرية عن أحد إنجازاتها. ليأتي دور النمو الديموغرافي ليسرع وتيرة الإفصاح عن تطلعات سكنية تتجاوز جمود التصميم الأولي وتستفيد من مساحاته الشاغرة. لم تأتي الأمور دفعة واحدة، لكن فالفترة ما بين منتصف الثمانينيات إلى غاية منتصف التسعينيات كانت شاهدة على بداية جديدة للعلاقة مع المسكن، ثم تطور الأمر بشكل أسرع منذ الألفية الجديدة.

تملّك مجالي بحثا عن تحقيق السكنى

تمثل القرى الاشتراكية مجالا خصبا لملاحظة التوافق أو التنافر بين المسكن كمنتج هندسي ثقافي أيضا، وبين شكل ممارسة ساكنيه ضمنه، خاصة وأنّها تتجلى عبر أشكال من التملك المادي والرمزي، قادرة على شحن المجال المادي بمعانٍ و دلالات استجابة لنموذج ثقافي مستبطن. تعُمُّ الرغبة في التملك واقع القرى الثلاث مع اختلاف في التعبير عنها الرغبة من منطقة إلى أخرى. لن نفشي سرا عندما نؤكد حدوث عمليات تملّك؛ لأن أي ممارسة مجالية يمكن اختصارها في ما يقترحه Chombart de lawe حول العلاقة بين الفضاء الاجتماعي الموضوعي والفضاء الاجتماعي الذاتي (Marchal & Stebe, 2010).

ومن الناحية الخارجية للمسكن يتجلى التباين في حجم التعديلات أوالتحويلات الدالة على حصول التملك، فنجد أنّ الواجهة الخارجية للمساكن بكل من بلعسل وفلاوسن تعرضت لتغيرات كبيرة لدرجة أفقدت الكثير من المباني هويتها الأصلية، في حين تحافظ أوراس المايدة على صورة تكاد تطابق ما كانت عليه في الماضي. تطفو بأوراس المايدة مسألة منع المساس بالطابع العمراني إلى السطح مباشرة، وهو أمر لا يختلف حوله من حاورناهم من مسؤولين القرية أو ساكنيها. يمكننا أن نفترض وجود علاقة بين ضرورة الحفاظ على مظهر القرية الاشتراكية "لأوراس المايدة"، وبين ما يروجه قاطنوها حول كونها ثاني قرية اشتراكية تم افتتاحها[21]، وأنها استضافت عديد القادة في الماضي ككاسترو، جياب ...إلخ. وبذلك فإن رمزية ما مثلته في الماضي تؤسس لرغبة في إبقائها على هيئتها الأصلية.

في المقابل نجد أنّ "قرية فلاوسن" و"بلعسل" قد فقدتا الكثير من المميزات الخارجية للمساكن، لدرجة لم نتمكن من العثور إلا على بضع مساكن "ببلعسل "وواحد فقط "بفلاوسن" لا زال يحافظ على هيئته الخارجية. ضف إلى ذلك خاصية ارتباطهما بنسيج عمراني يخفي موقع القرية، خاصة بفلاوسن التي تعرضت لتأثير حركة الإعمار القوية بالساحل الوهراني تماشيا وتطوّر سوق العقار وعلى الرغم من التباين في حجم التغيرات التي مست واجهات المساكن بالقرى الثلاث، إلا أنها تفيد حدوث التملك، وحتى باعتماد حالة "أوراس المايدة "لا يمكن لعبارة" دَارُونَا مَسْمَارْ جْحَا، Ne touchez à rien في الداخل ولاَ فَلْخَارَجْ"[22] أن تعكس الواقع بشكل وفيّ.

صممت مساكن القرى الثلاث على طريقة المنزل ذي الفناء Patio، وأنجزت فوق مساحات سخية تترواح من 200 إلى 300م مربع، لكن تظل المساحة القابلة للسكن بها صغيرة مقارنة بالمساحة الإجمالية، حيث يستحوذ الفناء على ما يعادل نصفها أو أكثر. مثل هذاالتوزيع للمساحة، فرض على أسر الفلاحين أن تتقاسم ثلاث غرف متواضعة الحجم وعرض أمامها مساحة مغرية، سوف تكفلت الأربعون سنة التي تلت إنجازها بالتعبير عن ردة فعل اتجاه الإكراه المجالي الذي تمثله، لذلك لا تقتصر شواهد التملك على ما مس الواجهات من تعديلات أو تحويلات بل تمتد إلى داخل المساكن، أين تكتسي كل الزخم والوضوح. إذا تسمح مساحة الفناء أحيانا بتعمير مسكن قد تصل مساحته المائة متر أو أكثر و دون استهلاكها كليا. الأمر أشبه "بدمى روسية" يختزن بعضها بعضا، وهنا يلعب عامل سخاء المساحة دورا حاسما في تجسيد رغبات السكان وبالشكل الذي يحافظون من خلاله على التصميم الداخلي الأصلي للمسكن، ثم يضيفون له مسكنا آخرا بكل مستلزماته، فيتحول المسكن الأصلي إلى حاضن لنمو الأسرة الممتدة ومساير لها. يفسر حسن فتحي ما يجري على المساكن من تحويل
أو تعديل بعدم رضا وذلك نتيجة "محاولة تصنيف الأسر ومجانسة المساكن لها من طرف المسؤولين عن السكن، أين تكون الأداة العلمية التي قاموا باستخدامها لهذا الغرض"(Pinson, 1993, p. 116) ، والنتيجة إنشاء مجالًا لن يحافظ على شكله الأصلي مستقبلا.

يتكرر نموذج التوسعة الداخلية للمسكن بكل من "بلعسل" و"أوراس المايدة"، لكنه يغيب بقرية "فلاوسن" أين يتحول المسكن الواحد إلى مسكنين متجاورين أصغر حجما، عن طريق فصل مساحة الفناء عن بقية أجزاء المسكن وبيعها، فيتحول البناء العمودي إلى حل ملائم لتجاوز إكراه المساحة المتواضعة، والناتج أنّ تتحول موروفولجية المسكن بشكل كبير جدا. تعبّر وضعية "فلاوسن" عن ارتفاع قيمة العقار القريب من الساحل بوهران ومن ثم مضاربة المؤديين إلى تغييرِ جذريِ في شكل المباني والقرية.

لابد من استحضار نوعية العلاقة مع الملكية التي من شأنها أن تسمح بالتصّرف في المسكن، سواء بتحويل مسكن ، أو تعديله، أو فصله، أو بناء مسكن كامل داخل آخر. وتصريحات السكان حول قيامهم بتغييرات داخل المساكن تعبّر عن رغبة في تبرير شرعية ما قاموا به بعد أن دفعوا أقساط الكراء وتكاليف نقل الملكية: "أنا مِينْ خَلَصْتْ الدار بْنِيتْ"[23]. وبهذا تتحول المساحة إلى إمكانية فعلية يمكن الاستفادة منها "ليِ عَنْدَهْ Acte وعَنْدَهْ تَسْريِحْ يْوَسَعْ عْلَى رُوحَهْ وعلى وْلَاَدَهْ ...كَايَنْ الْوْسَعْ مْيَا وعَشْرِينْ مِيتْرَا، نَبْنِي عْلاَشْ مَا نَبْنِيشْ"[24]. في سياق متصل لا يجب إغفال دور عامل الإمكانات المالية الذي يرسم كل الاختلاف بين من يملك أن يجعل المسكن يتحدث لغته الخاصة، وبين من يكتفي مرغما بتحدث لغة المسكن، لأنّه حتى في حالة انتقال الملكية، ووجود المساحة اللازمة لإحداث تحويلات أو تعديلات على المسكن وجب توفر المال لمباشرة التملك. نعتقد أن هذا ما حفظ لبعض المساكن صورتها الأصلية "بفلاوسن" و"بلعسل"،حيث يعتبر (Bonetti, 1994, p. 40) "أن اختيار السكن يمثل بشكل عام توافقا بين الإمكانيات المالية التي بحوزة العائلات وتطلعاتهم الاجتماعية".

تمرّ رحلة البحث عن تحقيق السكنى عبر أشكال من تملك المساكن، ونعتقد أنّ من شأنها توضيح حجم المسافة الفاصلة بين النموذج الأصلي لمشروع القرى الاشتراكية وحقيقة الواقع الموجود فعلا، لكن حوار الفلاح مع المصمم يحتمل الاختلاف كما الاتفاق أحيانا، خاصة وأن الخضوع للتصميم، التكيف معه -أو القدرة على جعل المسكن يتكلم لغة ساكنيه بتعبير (1980Sayad, )- ينتج وضعيات متباينة.

يفرض علينا تركيزنا على علاقة البشر بمجالهم السكني، ثم سعينا للكشف عن مدى ملاءمة التصميم للحياة التي يحتضنها، استحضار مزايا مساحة مساكن القرى الاشتراكية المعتبرة وأفنيتها التي تمنح إمكانيات متعددة لمسايرة نمو الأسرة، فكلما عرض المجال فرصا أكبر للمناورة أصبح أكثر قربا من تطلعات ساكنته ورغبتهم في ترك بصماتهم. وعلى خلاف ما يلحق بغرفة استقبال الضيوف من آثار التملك القوية، أين يتم تعديل وضعيتها بالشكل الذي يسمح بعزلها عن الفضاء الحميمي، لم تمس التغيرات الداخلية بمساكن القرى الاشتراكية الثلاث غرفة الاستقبال، لأنّ تصميمها يقترب من تطلعات السكان.

لقد سمح تزويد المساكن بفناءين من احترام بعض التفاصيل الحياتية لسكان القرى، فنلاحظ أنّ موضع الفناء الأمامي المتصل بواجهة المساكن وقربه من غرفة الاستقبال يسمح بتحقيق الرغبة في فصل الفضاءات الأكثر حميمة وإبعادها عن الغرباء. كما يسمح بتحقيق عزلة بصرية للأشخاص المتواجدين به، "فاستقبال الزوار يعني السماح بتواجدهم داخل المجال الحميمي والإفصاح عن جزء غير متحكم فيه من الأنا "(.(Petonnet, 1985, p. 48 وفي الحالة التي نقر فيها بأنّ "مجموعة العناصر الهندسية مثل الباب والنوافذ، تُفَسَرُ من خلال ضرورة حماية المرأة من نظرات الغرباء" (Sid, 1986, p. 25) سنحكم بتفوق تصميم المساكن ببلعسل على غيرها فيما يتعلق بغرفة الاستقبال، حيث يضمن اتصال الفناء الأمامي بباب خاص لغرفة الاستقبال عزلا تاما للفضاءات الحميمية، وبشكل لا تطأ من خلاله أقدام الغريب سوى الفناء الأمامي ثم المكان المخصص لاستقباله. نتحدث هنا عن تصميم يسمح بالتدرج قبل أن يصبح المسكن متاحا، ويمكن الساكن من التعبير بشكل واضح عن الحدود المادية والرمزية التي يرتضيها لمسكنه.

يمكننا التصريح بأن التملك مَسَّ معظم المساكن بالقرى الاشتراكية ولو بتباين واضح من حيث الشدة، "فالعلاقة بين السكان وفضائهم تتكون بشكل تدريجي، يصبح من خلاله المجال مسكنا بأتم معنى الكلمة، في حين يصل إليه ساكنوه لأول مرة ويكون شبيها بقوقعة فارغة، تستثمر شيئا فشيئا وتشحن بمعان الحياة" (Bonetti, 1994, p. 16). نعتقد أيضا أن الاختلاف بين ولايات (غليزان، وهران، عين تموشنت) انعكس على مصير القرى الاشتراكية باعتبار أن لكل منها خصوصياتها، إذ تعرض "قرية فلاوسن" وهران النموذج الأكثر وضوحا من حيث قوة التغيير الذي مسّ المجال السكني ووضوحه، بينما نصنف "بلعسل" غليزان كحالة وسطية لا تخلو من آثار التملك لكن بحدة أقل ودون الابتعاد الكلي عن عالم الزراعة. وتتذيل قرية " أوراس المايدة " عين تموشنت الترتيب بسبب اقتراب مورفولوجيتها من النموذج الأصلي لما كانت عليه القرية الاشتراكية. يمكن تصنيف ما جرى للقرى الاشتراكية التي قمنا بدراستها بإدراجه تحت التغير الاجتماعي الذي من خصوصياته أن يحدث -في بعض حالاته- بشكل تدريجي، لذلك يسمح عامل الزمن بتتبع نتائجه والوقوف عليها، فالأربعون عاما التي مضت سمحت لتجربة القرى الاشتراكية أن تأخذ كل الوقت لتصبح على ما هي عليه الآن، وتنتج وضعاً مخالفاً لما بدت عليه في الماضي. جزء من الماضي يستمر في الحاضر ويستجيب لمتطلباته.

خاتمة

قصدنا القرى الاشتراكية بعد أربعين سنة من إنشائها، بلا ذكريات عن ماضيها، ولا معرفة مسبقة عن واقعها. إنه عالم جديد يتكشف أمامنا بعد أن قرأنا وسمعنا عنه فقط. يمكن القول أنها أقرب "لعالم هجين" لا يسمح بتأكيد ديمومة طابعه الزراعي الأصلي أو إقرار التخلي الكلي عنه،فقد تحولت القرى الاشتراكية من أيقونة لسياسة تنموية تجسد اهتمام القيادة السياسية بعالم الريف، إلى مجرد واقع تتكشف نقائصه وإكراهاته شيئا فشيئا.

لقد فقدت تجربة القرى الاشتراكية بريقها مع مرور الوقت، خاصة وأنّ السياق العام الذي أوجدها قد اختفى، فلم تعد تلك المجالات نموذجا للتنمية الريفية، ولا شعارا للعدالة الاجتماعية والمساواة، خاصة بعد أن اختزل الريف الجزائري رمزية التهميش مرة أخرى.والحاصل أن تجمعات سكنية -قرى اشتراكية في الماضي- تحيط بها أراضٍ زراعية، معزولة أحيانا بحكم الموقع كحال "أوراس المايدة "، أو قريبة ومدمجة ضمن تجمعات حضرية كحال "بلعسل" و"فلاوسن"، تحتضن حياة اجتماعية يختصرها عنوان "حضرية ريفية"، انطلاقا مما تعنيه بعض رموز الحضري وسماتها في إطار بيئة ريفية.

يحتمل موضوع القرى الاشتراكية مقاربات عدة، وما المقاربة المجالية إلا زاوية للإحاطة بتجربة متميزة تكشف عن علاقة الأفراد بمجالهم السكني، لكن تتداخل مع تفاصيل أخرى من المشهد الكلي لكي تقودنا نحو العلاقة المعقدة بين الزراعة والتغير الاجتماعي بالريف الجزائري الانتقال للعيش داخل القرى الاشتراكية وضع الأفراد في مواجهة بنية فيزيقية واجتماعية لم يكن المسكن ضمنها سوى تفصيل عن منظومة أكبر أطرت الحياة الريفية مدة من الزمن اضطرت ساكنة القرى الاشتراكية لتكييف مع بعض من قيمها وتمثلاتها السكنية تماشيا وضرورة الاستفادة من السكن والشغل، بينما أصبح الأمر أكثر تعقيدا عندما أتيحت لهم فرصة جعل فضائهم السكني خاضعا لمتطلباتهم الثقافية والحياتية في أبسط تفاصيلها، متجاوزين بذلك كونهم مجرد شاغلين للمجال.

بيبليوغرافيا

الفلاح والثورة، (1979). اللسان المركزي للاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين، 19.

عبد الرحمان ابن خلدون، (2009)، المقدمة، عين مليلة: دار الهدى للنشر.

Benguergoura, C. (2013). L’agglomération rurale en Mitidja et son évolution. Insaniyat, 62, 97-120.

Bonetti, M. (1994). Habiter. Le bricolage imaginaire de l’espace. Paris: Hommes et perspectives.

Chabi, N. (2008). Les villages socialistes, une image fabriquée pour l’espace rural. Sciences & Technologie, 27, 53-60.

Hadjidj, E. (2002). L’habiter: la spatialisation des modes de vie, Revue science humaines, 17. 19-24.

Lesbet, D. (1984). Les 1000 villages socialistes en Algérie. Alger : OPU.

Megdiche, C. (1977). Les villages socialistes en Algérie (élément pour une approche socio-historique). Cahiers de la Méditerranée, 14, 81-92.

Marouf, N. (1981). Terroirs et Villages Algériens. Alger : OPU.

Navez-Bouchanine, F. (2002). Habiter la ville marocaine. Paris : L’Harmattan.

Petonnet, C. (1985). On est tous dans le brouillard. Paris : Galilée.

Pinson, D. (1993). Usage et architecture. Paris : l’Harmattan.

Rapoport, A. (1981). Pour une anthropologie de la maison. Paris : Dunod.

Révolution Africaine, 1384, septembre 1990/3.

Rouag-Djenidi, A. (1998). L’appropriation de l’espace dans les grands ensembles à Constantine. Les cahiers du CREAD, 44, 5-18.

Sid, B. (1986). L’habitat en Algérie, Stratégies d’acteurs et logiques industrielles. Lyon : Presses universitaires de Lyon.

Souiah, M. ; Marhoum, F. (2018). Pour une sociologie des villages socialistes. AT-TDWIN, 1, (10), 201-208.

Stebe, J.-M. ; Marchal, H. (2010). Sociologie urbaine. Paris : Armand Colin.


الملاحق

الصورة 1: استخدام المساحة الداخلية للمسكن لأغراض مرتبطة بالعمل الفلاحي وتربية الحيوانات بقرية بلعسل

 

 

 

المصدر: الباحث 2017.

الصورة 2: منظر عام من قرية أوراس المايدة يوضح الحفاظ على هيئتها الأصلية

المصدر: الباحث، 2017.

الصورة 3: منظر للمسكن الوحيد المحافظ على هيئته الأصلية بقرية فلاوسن