من أجل إعادة النظر في البنية الديموغرافية لمجتمع مدينة الجزائر. معطيات مستقاة من الوثائق المحلية

إنسانيات عدد 19-20| 2003 | الاسطوريوغرفيا المغاربية : حقول وممارسات | ص 33-44 | النص الكامل


Reconsidering Algiers society demographic structure : data springing from local archives

Abstract: From Mahkam and Beït El Mel Local Archives (Algiers) sources, mainly real estate development registers and property after death registers, and records of inheritance selling off, we have tried to make a set of statistical data about the demographic and socio-ethnic structure of Algiers society ; between 1799 and 1826.
On the socio-ethnical plan we were able to determine the native element predominance in the business of settling shares among heirs, as we could elsewhere call to attention the role played by newcomers in population renewal. The statistical treatment of a sample for succession acts spread over the period from 1817 –1826 enabled us to make a certain number of indicators concerning the Algiers family, such as its structure, its size, and the number of children.
In the light of this demographic – and socio-ethnic data we are justified in asking ourselves, if Algiers at that epoch had the seeds of a plural society ?

Key words : Algiers – XVIIIth century – Local archives – Succession registers – Mahkam demographic structure.


Aïcha GHETTAS : Maître de conférences Faculté des Lettres et sciences sociales Département de l'Histoire.


 

ليس من الهين دراسة البنية الديموغرافية لمجتمع مدينة الجزائر إبان العهد العثماني لغياب إحصاءات رسمية حيث يجد الباحث نفسه أمام تقديرات غربية صادرة إما عن الرحالين أو عن رجال الدين أو عن الجواسيس الذين طلب منهم إعداد تقارير في ذلك الشأن. كما أن المصادر الإسلامية عزفت عن ذكر أي تقدير ما عدا مصدر حسن الوزان الذي يعود إلى العشرية الثانية من القرن السادس عـشر[1] وبوجه عام يغلب على تلك التقديرات عدم الدقة ويذهب الباحثون اليوم إلى أنه لا يمكن الأخذ بها[2]. وسعيا للوصول إلى نتائج أكثر دقة وواقعية[3] تأكد مع بداية التسعينات التوجه الذي يدعو إلى ضرورة الاستناد إلى دفاتر المخلفات لما توفره من إحصاءات كمية ودقيقة في آن واحد[4].

في هذه المحاولة استندنا إلى دفاتر المخلفات الصادرة عن مؤسسة بيت المال لما توفره من معطيات إحصائية في غاية الأهمية عن جميع الأشخاص الذين لم يخلفوا عاصبا[5]. فتقوم مؤسسة بيت المال بالإشراف على تصفيتها. ولم يكن هناك أي فصل أو تمييز في مجال الإشراف على تصفية التركات بين الشرائح الاجتماعية فجل المخلفات بما في ذلك مخلفات أفراد الفئة الحاكمة وأفراد الجيش الإنكشاري خضعت للمؤسسة نفسها. وتغطي دفاتر المخلفات التي اعتمدناها الفترة الممتدة من 1799-1826[6].

ورغم أهمية دفاتر المخلفات بيد أنها لا تجيب عن كل التساؤلات المتعلقة بالبنية الديموغرافية وبوجه خاص حجم الأسرة.

الأمر الذي جعلنا نستند إلى سجلات المحاكم الشرعية لما تتضمنه من عقود التركات إذ يتعلق الأمر بتصفية وتقسيم الإرث المتنازع حوله تحت إشراف القاضي. وتتميز الوثائق الصادرة عن المحكمة بالدقة في ذكر الحيثيات المتعلقة بالورثة من حيث عددهم و وضعيتهم وما إلى ذلك. ونظرا لعدم خضوع سجلات المحاكم الشرعية لأي تصنيف حسب طبيعتها وفحواها أو لأي ترتيب كرونولوجي فإننا لا نتوفر على مجموعة متناسقة ومتسلسلة من عقود التركات، لذا وقع الاختيار على عينة سنأتي على وصفها.

1. البنية الديموغرافية لمجتمع مدينة الجزائر من خلال دفاتر المخلفات

1.1. غلبة العنصر المحلي

تباينت التقديرات الواردة في المصادر الغربية حول أهمية عنصر الحضر "البلدي" بالمديـنة حيـث ذكـر "ابن منصور" استنادا إلى "كراماي" أنه كان أقـلـية : " ... فهذه الأقلية التي تشكل نحو10 % من مجموع سكان مدينة الجزائر كانت محل خوف و حسد نظرا للمكانة التي كانت تحتلها في البني الاقتصادية من حيث القوة الاقتصادية التي كانت تمثلها و من حيث قدراتها التنظيمية ....."[7] لكن "فانتور دي بارادي" المستشرق المتميز بدقة الملاحظة اكتفى بإعطاء تقدير شامل للسكان الأصليين للمدينة بلغ اثنين و ثلاثين ألف نسمة و لم يستثن منه حتى الوافدين من جربة[8]. بينما يخبرنا مصدر ألماني أن الحضر شكلوا أهم عنصر مع نهاية العهد العثماني[9]. أما روزي Rozet فقد قدر العنصر المحلي و الكرغلي بثمانية عشر ألف نسمة من جملة ثلاثين ألفا مما جعلهم يشكلون % 60 [10]. فما هي المعطيات التي تفيدنا بها دفاتر المخلفات ؟ يتبين من الإحصاءات التي استقيناها بعد استقراء دفاتر المخلفات[11] أن فئة الحضر شكلت وزنا ديموغرفيا هاما، و هو ما يمثل نحو نصف العدد الإجمالي للسكان. و ظل وزنهم تقريبا نفسه من أواخر القرن الثامن عشر إلى نهاية العهد رغم الانخفاض الطفيف الذي سجلناه في المرحلة الأخيرة و بلغت نسبـتهم % 50 في الفترة ما بين 1799 إلى 1803، و قاربت % 47 في الفـترة مـا بـين 1807 و1817، أما في العشرية الأخيرة فقد بلغت % 45,34. و احتل الأتراك المرتبة الثانية من حيث القوة العددية، حيث تراوحت نسبتهم ما بين 30,65 % إلى 32,79 % من الثمانينات من القرن الثامن عشر إلى 1826 مثلما يبينه الـجدول رقـم 1 :

جدول رقم 1 : البنية الديموغرافية من خلال دفاتر المخلفات[1]

1826-1817

1817-1807

1803-1799

الفترة الزمنية

 التركات

النسبة

العدد

النسبة

العدد

النسبة

العدد

32,79

507

34,48

567

30,65

196

الأتراك

45,34

701

46,77

769

50

319

الحضر

2

30

1,26

20

3,6

23

الكراغلة

9,20

141

4,86

80

4,20

27

البرانية

3,20

50

2,79

46

3,90

25

الوافدون من المدن

1,20

20

0,79

13

0,15

1

المغاربيون

5,95

92

8,39

138

7,35

47

العبيد

0,32

5

0,66

11

0,15

1

الأعلاج

100

1546

100

1644

100

639

مجموع التركات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2.1. الوافدون على المدينة و وزنهم الديموغرافي

ما وزن العناصر الوافدة في التركيبة الديموغرافية بمجتمع مدينة الجزائر؟ في الواقع ليس من الهين الإجابة عن هذا السؤال في غياب المعطيات العلمية. و ما بحوزتنا يتصف بالشمولية و يفتقد الدقة[1]. فالتعداد الذي أورده فانتور دي بارادي و رغم أهميته لا يفيدنا بالشيء الكثير مثلما سبقت الإشارة إليه. ولا شك أن صعوبة تعداد هذه الفئة البشرية يعود إلى طبيعتها فهي تتميز بعدم الاستقرار الدائم بالمدينة، فتواجدها مؤقت و موسمي و تتحكم فيه ظرفيات معينة، كفرص العمل المتاحة بالمدينة.

واستنادا إلى دفاتر المخلفات[2] خرجنا بالنتائج التالية : فـي الـفـتـرة ما بيـن 1799 و 1803 بـلـغـت نـسبة المتوفين الذين انتظموا ضـمـن جـمـاعـات4,21 %و تضاعف عددهم في العشرينات من القرن التاسع عشر حيث شكلت نسبتهم 9,12 %. و ارتبط ذلك بظرفية تاريخية، إذ شهدت الأرياف الجزائرية اضطرابات خطيرة انعكست سلبا على الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و لاريب أنها كانت وراء هذا النزوح الريفي الكثيف، سعيا للحصول على فرص العمل ولقمة العيش[3]. ولابد من الإشارة إلى أن الغلبة العددية ضمن مجموعة الدخلاء كانت للعنصر الجيجلي ثم على التوالي : جماعة القبايل وجماعة الباسكرة ثم جماعة الأغواطية، بينما شكل أهل مزيتة و بنو عباس أصغر الجماعات حجما.

كما شهدت هذه الفترة تدفق عدد من النازحين "الغرباء" الذين وفدوا من المناطق الداخلية بحثا عن فرص العمل و عن كسب الرزق و كان عددهم هاما بل فاق العدد الإجمالي للأغواطية و أهل مزيتة و بني عباس في الحقبة نفسها.

وتسمح لنا المعطيات الديموغرافية التي خرجنا بها بإعادة النظر في التقديرات العائدة إلى السنوات الأولى من الاحتلال و الواردة أيضا في بعض الدراسات الحديثة و الخاصة بالوزن الديموغرافي للعناصر البرانية والتي ذهبت إلى"… أن القبايل شكلوا في أغلب الأحيان أكبر نسبة من جماعة البرانية و لاسيما ضمن الخدّامين، و العمال الأجراء و البحارين .. "[4]. وفي الواقع لم يشكل هؤلاء أكبر جماعة من حيث العدد، لكنهم شكلوا فعلا أعلى نسبة ضمن البحارين[5] .

أما بخصوص شريحة العبيد "الزنوج" توحي لنا المعطيات الإحصائية التي انتهينا إليها أنها شكلت نسبة هامة و هو ما تبينه النسب التالية حسب الفـترات :

- 1799 إلى 1803 7,35 %

- 1807 إلى 1817 % 8,39

- 1817 إلى 1826 % 5,9

لكنه لا بد من تسجيل ذلك بكل حذر و تحفظ، إذ يعكس ذلك بلا شك الأوضاع المادية الصعبة و المتدنية التي كان يعيشها العبيد. كما أن المصادر الغربية العائدة إلى الفترة نفسها تؤكد ذلك حيث أشار شالر" إلى أن الزنوج شكلوا أحد عناصر التركيبة السكانية لكن حجمها كان صغيرا[6] و على خلاف العناصر البرانية التي لاحظنا تزايدها ابتداء من أوائل القرن التاسع عشر فإن عدد العبيد بعد التزايد الذي شهده في الفترة بين 1807 إلى 1817 أصبح في تناقص مع أواخر العقد الثاني قدر بــ % 5,95 و ارتبط ذلك بظرفية تاريخية تمثلت في إلغاء الرق، ويجدر بالذكر إلى أنه يغلب على تركيبة الزنوج العنصر النسوي.

2. عدد الوفيات بمدينة الجزائر : دراسة لعينة 1817 إلى 1826

وقع الاختيار على هذه العينة لاعتبارات منها أنها تغطي فترة زمنية هامة نحو عشر سنوات، كما أنها شهدت وباء 1817-1822 . لقد سجل أهم عدد من التركات عـام 1233هـ/1817-1818م[7] إذ أحـصيـنـا تـسـعـا و ثمانين وأربعـمــائـة حــالــة (489) ثم يليه عام 1237هـ/1821-1822م [8] حـيـث بـلـغ عدد الحالات تسعا و ثلاثين ومائتين، ثم يليه عام 1234هـ/1818-1819م[9] بثمان و ثمانـيـن و مائـة حـالة ثم يليه عام 1236هـ/1820-1821م[10] بثلاث وستين و مائة حالة، بينما انخفض عدد الوفيات انخفاضا ملموسا عام 1241هـ/1825-1826م حيث هبط إلى سبع و عشرين حالة[11] .

لكن كيف يمكن تفسير تزايد عدد التركات في سنوات معينة و تراجعها في سنوات أخرى؟ بالعودة إلى عدد الوفيات الناجمة عن وباء 1822-1817 نجد أن الفترة التي تفاقم فيها الداء تمتد من نوفمبر 1817 إلى نهاية أكتوبر 1818، حيث بلغ عدد الوفيات 6095 حالة عام 1817 ليرتفع إلى 6844 وفاة عام 1818 . و إذا أردنا التوقف عند سنة 1233 هـ/1817-1818م نجد أن أهم عدد من التركات سجل في الأشهر التالية : محرم 61 حالة و صفر 51 حالة وربيع الأول 65 حالة و جمادى الأولى 70 حالة و رجب 78 حالة.

إن الأخبار الإحصائية التي توفرها لنا دفاتر المخلفات تؤكد ما أورده كل من "كيون" و "مارشيكا" من أن داء الطاعون بلغ ذروته في صائفة 1817 كما اشتدت وطأته عام 1818 في فصل الربيع، من فبراير إلى ماي، و لم يبدأ في التراجع إلا بحلول شهر جوان ليتلاشى خلال شهري أوت و سبتمبر[12]. وعرفت حركة تسجيل التركات (الوفيات) التقلبات نفسها حيث تناقص عدد التركات بأزيد من أربعة أضعاف خلال فترة تراجع الوباء فمن 489 حالة عام 1233 هـ/1817-1818م إلى 105 حالة عام 1235 هـ/1819-1820م. و تراوح المتوسط الشهري للمتوفين ما بين 7 إلى 41 حالة .

و يتضح من هذه المقارنة أن هناك توافقا واضحا بين اشتداد الوباء و تزايد حالات تصفية التركات المعروضة أمام بيت المالجي وقد لاحظ حمدان خوجة أن الفترة التي تشهد فيها مؤسسة بيت المال نشاطا كثيفا هي تلك التي تتزامن والوباء[13]. و لن نجانب الحقيقة إذا قلنا إن وباء الطاعون كان العامل الأساسي في تراجع حركة النمو الديموغرافي.

3. التركيبة العائلية

1.3. حجم الأسرة

لدراسة حجم الأسرة استندنا إلى العقود الخاصة بتقسيم التركات المحفوظة ضـمـن سـجـلات الـمحاكم الشرعية أي التركات التي صفيت بالمحكمة تحت إشراف القاضي. لكن هذه السلسلة لا تضم مجموعة متسقة من عقود التركات فعمدنا إلى اختيار عينة تضم واحدا و ستين و مائة حالة. تتميز المدونة بتنوع كبير حيث تخص شرائح عدة من مجتمع مدينة الجزائر من حضر وأتراك وكراغلة وبرانية[14]. وهي تخص المتوفين من الرجال دون النساء و لا بد من الإشارة إلى ملاحظة هامة و هي أننا لا نتوفر على عدد الحالات نفسها بالنسبة للفترات الزمنية التي سندرسها.

سنحاول دراسة حجم الأسرة انطلاقا من هذه المدونة، لكن العدد المشار إليه أعلاه هو عدد الأسر المرصودة و لا يعني بالضرورة عدد الأسر التي خلفت أولادا عند وفاة الوالد، (رب الأسرة) مثلما سنرى. بالنسبة للنصف الأول من القرن الثامن عشر رصدنا خمسين حالة أي بمعدل حالة لكل سنة. و في تسع و ثلاثين حالة خلف المتوفون أولادا و في إحدى عشرة حالة لم يخلف المتوفون وريثا من الأولاد، و يتوزع عدد الأولاد حسب الأسر على النحو التالي :

جدول رقم 2 : عينة عن حجم الأسرة في النصف الأول من القرن الثامن عشر

النسبة

عدد الأولاد

عدد حالات الأسر

2,56 %

8

1

 % 2,56

7

2

 % 12,82

6

5

% 10,25

5

4

% 10,25

4

4

% 17,94

3

7

% 28,20

2

11

% 15,38

1

6

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يتبين لنا من الجدول أدناه أن ظاهرة الأسرة ذات الحجم الكبير أي التي تراوح عدد الأولاد فيها ما بين سبعة إلى ثمانية تبقى قليلة إذ لا تمثل سوى %5,12 من مجمل الحالات كما لا تمثل الأسر التي تراوح فيها عدد الأولاد ما بين أربعة إلى خمسة سوى % 20,51 . أما عدد الأسر التي تراوح فيها عدد الأولاد ما بين واحد إلى ثلاثة، فقد بلغ خمسا و عشرين حالة و هو ما يعادل نسبة% 64,10 .

و بـالـنـسبة للنصف الثاني من القرن الثامن عشر، فقد رصدنا تسعين حالة، و في خمس و خمسين حالة فقط خلف المتوفون ورثة و هي العينة التي سنقوم بدراستها.

جدول رقم 3 : عينة عن حجم الأسرة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر 

النسبة

عدد الأولاد

عدد حالات الأسر

% 1,81

10

1

% 3,63

7

2

% 7

5

3

% 20

4

11

% 12,72

3

6

% 36,36

2

17

% 18,18

1

7

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يتبين لنا من الجدول رقم 3 : أن عدد الأسر ذات الحجم الكبير يبقى ضئيلا خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر أيضا حيث ارتفع عدد الأولاد إلى عشرة في أسرة واحدة فقط و في حالتين فقط وصل عدد الأولاد إلى سبعة، بينما بلغ عدد الأسر، التي يتراوح فيها عدد الأولاد ما بين أربعة إلى خمسة، أربع عشرة أسرة، و هو يمثل نسبة % 27,27. بينما تشكل الأسر ذات الحجم الصغير من (3-1 أولاد)، غالبية العينة و لا تمثل الأسر ذات الحجم الكبير أي تلك التي تراوح فيها عدد الأولاد ما بين سبعة إلى ثمانية سوى % 3,62 .

و لا بـد مـن الإشـارة إلى أن مجتمعات عربية أخرى شهدت الظاهرة نفسهـا و توصل الباحثان "باسكوال" و "استابلي" بخصوص التركيبة الديموغرافية لمجتمع مدينة دمشق عام 1700 إلى نتائج مشابهة : " … إن ظاهرة الأسرة الكبيرة تعد اسـتـثـنـاء، فالقاعدة هي ولد و اثنان و ثلاثة في الأسرة الواحدة ...[15] كما انتهى الباحث عبد الكريم رافق في الدراسة التي خص بها المجتمع الدمشقي في الفترة 1795-1791 إلى نتائج مماثلة حيث كتب ما نصه : "... تغلب الأسرة ذات الولد الـواحـد بـيـن الـمـتـوفـيـن و المتوفيات من المسلمين على حد سواء، على ما عداها، و تشكل الأسر ذات الولد أو الولدين أو الثلاثة أعلى النـسب %76,55..."[16]

2.3. قراءة في وسطي (معدل) الأولاد

في النصف الأول من القرن الثامن عشر بلغ معدل الأولاد في الأسرة الواحدة 3,33 بينما انخفض في النصف الثاني إلى 2,45 ، أما في النصف الأول من القرن التاسع عشر فقد بلغ 2,66. فهناك تراجع واضح في وسطي الأولاد في النصف الثاني من القرن الثامن يقدر بـ 0,88 .

ويمكن القول إن معدل حجم الأسرة من 1702 إلى 1750 يدنو من ثلاثة أولاد و نصف و هو حجم متوسط. و لم تحافظ الأسرة على المعدل السالف الذكر بل انخفض بصفة ملموسة بحيث أصبح ولدين و نصف. و يعود هذا التراجع إلى جملة من العوامل أهمها تدني الأوضاع الصحية الناتج عن كارثة وباء الطاعون الذي اشتدت وطأته وضراوته في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وكان أخطر ها، الوباء الكبير، الذي دام نحو عشر سنوات، و كان عائقا كبيرا في سبيل حركة النمو الديموغرافي أو التزايد السكاني. أما في النصف الأول من القرن التاسع عشر، فرغم وباء 1816، يسجل نمو بطيء في وسطي الأولاد يقدر بنحو 0,21 و نحتمل أنه حدث في المرحلة الأخيرة و على وجه التحديد ابتداء من 1820 إلى غاية 1830مع فترة انكماش قصيرة خلال عام 1822 نتيجة اشتداد وطأة وباء الطاعون .و بوجه عام يمكن اعتبار السبع سنوات الأخيرة (1823 إلى 1830) فترة هدوء و استقرار انعكست إيجابا على حركة النمو الديموغرافي .

و نلخص إلى القول إن ما ميز حركة النمو الديموغرافي بوجه عام في الفترة التي نخصها بالدراسة هو التراجع لا سيما إذا قارنا النتائج المتوصل إليها بتلك التي انتهى إليها "خياري"[17] بخصوص حجم الأسرة في مجتمع مدينة الجزائر إبان القرن السابع عشر، و هي أن معدل الأولاد خلال النصف الأول من القرن السابع عشر وصل إلى 4,15 بينما ارتفع ارتفاعا طفيفا خلال النصف الثاني منه بلغ 4,22 [18] و اتسمت حركة النمو الديموغرافي إبان القرن السابع عشر بالاستقرار بل هناك اتجاه نحو الزيادة على خلاف القرن الثامن عشر.

مجتمع مدينة الجزائر، مجتمع تعددي ؟

لقد جعلت الدراسات السوسيولوجية و الانثروبولوجية الغربية من ظاهرة تعدد الزوجات في المجتمع العربي إحدى السمات المميزة له. و ظلت الصورة التي تركتها هذه الأدبيات لاصقة بالمجتمع العربي، بحيث كل ما ذكر المجتمع العربي، ذكر الحريم معه .

".... L’existence de la polygamie, du harem a particulièrement été source de fantasme...". [19]

تـرى مـا مدى صحة ما ذهبت إليه الأدبيات الغربية بل الدراسات الإستشراقية ؟ حينما شرعنا في المسح الشامل لسجلات المحاكم الشرعية سيما التركات، أول ما لفت انتباهنا، عبارة تكررت مرات عديدة و هي " توفي عن زوجة ... " و هو الأمر الذي شجعنا على طرح موضوع "تعدد الزوجات". وفكرنا في طرح المسألة لكن بحذر شديد، بحيث طرحنا على أنفسنا السؤال التالي، هل الحالات التي عرضت أمام القاضي، يمكن اعتبارها ممثلة للمجتمع بمختلف شرائحه؟

بالنسبة للعينة التي وقع عليها الاختبار، هي نفسها التي استفدنا منها في دراسة حجم الأسرة. بلغ الحد الأقصى لعدد الزوجات أربعا، وهي على ما يبدو ممارسة قليلة الشيوع. حيث لم نرصد سوى حالة واحدة لأربع زوجات[20] و أحصينا حالتين لثلاث زوجات. و لم تتجاوز حالات المتوفين الذي جمعوا بين زوجتين عند الوفاة سبع حالات و بلغ عدد الذين تزوجوا مرتين ست عشر حالة.

وتتيح لنا دفاتر المخلفات و هي سلسلة منسجمة و متناسقة دراسة ظاهرة تعدد الزوجات في شموليتها أي لدى مختلف شرائح المجتمع بما في ذلك الجيش. ففي عينة 1787 م – 1792 م رصدنا تسعا و عشرين و مائة حالة لمتوفين متزوجين، لم نسجل أي حالة لتعدد الزوجات [21]. أمــا في عينة 1799 – 1803 فقد بلغ مجمل عدد المـتزوجـيـن مـن الـنـسـاء و الرجال ثمان و أربعين و مائة حالة و هي تتوزع على النحو التالي :

113 حالة خاصة بالرجال .

35 حالة خاصة بالنساء .

ألغينا حالات وفاة الزوجة قبل الزوج لعدم وضوحها. و بلغ عددها أربع عشرة حالة حينئذ سندرس تسعا و تسعين حالة أو أسرة ؟ إن الاتجاه الغالب هو الاكتفاء بزوجة واحدة وكان الجمع بين زوجتين في حالتين فقط. أما في عينة 1807 – 1817 فمن جملة 263 متوف، في ست حالات فقط كان الجمع فيها أكثر من زوجة و في خمس حالات كان الجمع بين زوجتين

و ارتفع عدد الزوجات إلى أربع في حالة واحدة، فظاهرة تعدد الزوجات لم تتعد نسبة % 2,28 [22].

هذه جملة من المعطيات الديموغرافية خرجنا بها بعد استقراء عدد هائل من الوثائق ورغم أهميتها والطابع الكمي الذي يميزها فإنها تبقى تقريبية. وهي نتائج نعتبرها أولية في انتظار أن تحظى باهتمام الديموغرافيين.


الهوامش

* هذه المساهمة هي في الأصل جزء "مراجع ومعدل " من الفصل الموسوم بالوضع الديموغرافي من الأطروحة التي تقدمنا بها لنيل شهادة دكتوراه دولة في تاريخ الجزائر الحديث بعنوان: الحرف والحرفيون بمدينة الجزائر إبان العهد العثماني 1830 -1700 - مقاربة اجتماعية – اقتصادية. نوقشت بقسم التاريخ – كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية 2002 .

[1]- Léon, Jean : dit l'Africain Description de l’Afrique.- Paris, nouvelle édition, Traduite de l’italien par Epaulard, Adrien, Librairie d’Amérique et d’Orient, 1981.- 2 vol.

[2]- Raymond, A. : Grandes villes arabes à l’époque ottomane.- Paris, Sindbad, 1986.-p.60.

- Raymond, A. : Signes urbains et études de la population Grandes - Villes arabes à l’époque ottomane.- Bulletin d’études orientales, n° 27, 1974.

[3]- منذ الستينات من القرن العشرين تبذل مجهودات جادة في سبيل تذليل عقبة عدم توفر المعطيات الإحصائية لدراسة البنية الديموغرافية بالمدن العربية. لقد أكد أندري ريمون و مانتران على ضرورة الرجوع إلى دراسة وقائع البنية الحضرية كتمركز المساجد والحمامات العمومية والعيون لأنها كفيلة بتزويدنا بأخبار عن تطور البنية الديموغرافية .

[4] - حول الموضوع انظر :

Pَascual, J-P. : Les inventaires après décès une source pour l’histoire économique et sociale de Damas au XVIIe siècle. Les villes dans l’empire ottoman : Activités et sociétés, sous la direction de Daniel PANZAC.- Paris, CNRS, T.1, 1991.

- رافق، عبد الكريم : سجلات التركات (المخلفات) كمصدر للتاريخ الاجتماعي و الاقتصادي، مثال من دمشق 1791-1795م.- منشور في بحوث و دراسات في التاريخ العربي مهداة إلى الأستاذ الدكتور نور الدين حاطوم، تحرير ناظم كلاس، دمشق، دار شمال للطباعة و النشر، 1992.- ص.173.

[5]- سجلات المحاكم الشرعية رصيد ضخم يضم نحو 15000 وثيقة تتوزع على 153 علبة. وهو يخص في معظمه مدينة الجزائر والمناطق المجاورة لها. ويغطي فترة زمنية معتبرة حيث يمتد من النصف الأول من القرن السادس عشر إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر .وهو رصيد ثري ومتنوع حيث يضم عقود التحبيس، والمرافعات وعقود البيع والشراء و القروض وعقود الزواج والطلاق والهبات وعقود العتق والوصايا. و هو أمر يفسر بالدور الذي أضحى يؤديه الحاكم الشرعي أي القاضي بالمدينة الذي اتسعت دائرة مهماته لتشمل مجالات عدة كما يكشف لنا هذا الرصيد عن طبيعة العلاقة بين السلطة القضائية والأهالي. حول طبيعة سجلات المحاكم الشرعية. انظر:

- غطاس، عائشة : سجلات المحاكم الشرعية وأهميتها في دراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لمجتمع مدينة الجزائر - العهد العثماني.- إنسانيات عدد 3 ،1997.- ص.ص. 69-86 .

- سعيدوني، ناصر الدين : نظرة حول الوثائق العثمانية بالجزائر ومكانتها في تاريخ الجزائر الحديث.- مجلة التاريخ، عدد 4، 1976 .- ص.ص.157-135 .

Glassman, V. : Les documents du tribunal religieux de Hama. Leur importance pour la connaissance de la vie quotidienne dans une petite ville centrale à l’époque ottomane.

Les villes dans l’empire ottoman : Activités et sociétés.- sous la direction de Daniel PANZAC, Paris, CNRS, 1991.

[6]- يتعلق الأمر بدفاتر التركات الصادرة عن مؤسسة بيت المال، إحدى المؤسسات الهامة القائمة بمدينة الجزائر وقتئذ، يتصدرها موظف يدعى بيت المالجي. تتولى هيئة بيت المال بوجه عام الإشراف على تصفية تركات أو مخلفات المتوفين أو الذين يطول غيابهم، ويعدون بذلك في عداد الموتى، و لم يخلفوا عاصبا. وهي مصنفة ضمن سلسلة بيت المال، ومحفوظة بمركز الأرشيف الوطني ببئر الخادم، الجزائر .- الدفاتر المعتمدة تحمل الأرقام التالية : دفتر رقم 49، دفتر رقم 54، دفتر رقم 58.

[7]- Ben Mansour, A. : Alger XVIe –XVIIe siècles. Journal de Jean -Baptiste Grammaye. - Paris, Cerf, 1998.- p.98

[8]- Venture de Paradis : Tunis et Alger au XVIIIe siècle.- Paris, Sindbad, 1983.- p.109.

[9]- دودو أبو العيد، الجزائر في مؤلفات الرحالين الألمان 1830-1855، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1989 ص 12 .

[10]- Rozet, M. Voyage dans la Régence d’Alger ou description du pays occupé par l’armée française en Afrique du Nord, 3T, Paris, Bertrand, 1833.

[11]- بيت المال، الدفاتر التالية، دفتر 35، دفتر 49، دفتر 54، دفتر 58

[12] - أعد الجدول استنادا إلى الدفاتر التي سبقت الإشارة إليها .

[13]- في الفترة ما بين 1799 و 1803 بلغت نسبة المتوفين الوافدين من المدن الجزائرية % 3,96 من مجمل الحالات. أما في الفترة الممتدة من 1807 إلى 1817 فقد بلغت % 2,79 ، و في الفترة الممتدة من 1817 إلى 1826 وصلت إلى 3,23 %.

[14] - بيت المال، الدفاتر التالية : 35 ،49، 54، .58

[15] - نعني بذلك الثورات التي تزعمتها الطرق الصوفية لاسيما الطريقة الدرقاوية .

[16]- Merrouche: Les berranis à l’époque turque et au début de la période coloniale.- Travaux.- p.6.

[17]- هذا ما يبدو من دفاتر المخلفات

[18]- شالر : مذكرات تحقيق وتقديم إسماعيل العربي.- الجزائر، ش.و.ن.ت، 1982.- ص.90.

[19]- من غرة محرم إلى نهاية السنة / الموافق ل 17 نوفمبر 1817 إلى نهاية أكتوبر 1818

[20]- من غرة محرم إلى نهاية السنة / الموافق ل 28 سبتمبر 1821 إلى 17 سبتمبر 1822

[21]- من غرة محرم إلى نهاية السنة / الموافق ل 31 أكتوبر 1818 إلى 19 أكتوبر 1819

[22]- من غرة محرم إلى نهاية السنة / الموافق ل 9 نوفمبر 1820 إلى 27 سبتمبر 1821.

[23]- من غرة محرم إلى نهاية السنة / الموافق لـ 16 أوت 1825 إلى 4 أوت 1826.

[24]- عن الأوضاع الصحية انظر : سعيدوني، ناصر الدين : الأحوال الصحية والوضع الديموغرافي في الجزائر أثناء العهد العثماني.- المجلة التاريخية المغربية، عدد 39-40، 1985.- ص.ص. 431-445. العدد 17/18، 1998.- ص.ص. 361-3700.

[25]- حمدان بن عثمان، خوجة : المرآة أولمحة تاريخية و إحصائية على إيالة الجزائر.- تعريب وتقديم العربي الزبيري، الجزائر، ش.و.ن.ت، 1982.

[26]- خرجنا بهذه المدونة بعد استقراء عدد هام من علب سلسلة سجلات المحاكم الشرعية.

[27]- Establet, c., Pascual, J.P. : Famille et démographie autour de 1700: quelques données nouvelles.- Actes du sixième congrès international. Histoire économique de l’empire Ottoman, 1995.- p.28.

[28]- رافق، عبد الكريم : سجلات التركات.- سبق ذكره.- ص.173 .

[29]- تعد دراسة فريد خياري من الأعمال الحديثة الجادة التي استندت إلى الوثائق الأصلية، غير أنه يلاحظ أن الباحث لم يبين المدونة و لا العينة التي اعتمدها .

[30]- Khiari, F. : Développement Historique et contradictions de la formation Sociale du pachalik d’Alger de 1570 à 1670.- Une approche Socio-économique à partir de documents internes et inédits. Diplôme de Doctorat, Paris VII, 1990, T.1.- p.p. 49 –50.

[31]- Establet ; Pascual : Famille et démographie.- Op. cité.- p.428 .

[32]- م. ش، ع 1 / 14 و (68).

[33]- لا بد من الإشارة إلى أننا لم نأخذ في الحسبان سوى الحالات الواضحة في هذه العينة .

[34]- لقد توصل الدكتور عبد الكريم رافق في دراسة خص بها مجتمع مدينة دمشق إلى نتائج متقاربة، حيث بلغت نسبة الذين خلفوا زوجة واحدة، 72، 44% .- ص.177.

 

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2020 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche