قضية العرائش بين المطامع السياسية و ضغوط العلماء (1019هـ / 1610م)

إنسانيات عدد 19-20 | 2003 | الاسطوريوغرفيا المغاربية : حقول وممارسات | ص 89-98 | النص الكامل


The question of Laraches « el Ara’iches » between political covetousness and scholarly influence (The year 1019 Hegira, Christian Year 1610)

Abstract: Morocco knew great political events in the time of the Sâadites, especially the Larache (1019 Hegira or 1610 for the Christians), which were among the most serious disasters of XVIIth C Morocco.
The factors which brought an these events resulted from the political disorder owing to El Mansour Ed- Dahbi’s death (1578 – 1603), the most famous sultan of the Sâadite state. The conflict which opposed his heirs concerned the contest of power, and the throne. What led one of his sons, El Ma’Moun to ask the king of Spain’s help, by delivering the gate-way to the Larache in counter part, so that he could build his military base “St Michael of Oltramar” (Saint Miguel).
This decision irritated scholars, and made the people angry, from whence El Ma’Moun took the initiative to issue a legal law, a fetwa, justifying the odious act, with the participation of men of learning in Fez.
We can quote among them the great scholar and man of letters of Algeria at this time, Abou El-Abbes Ahmed Ben Mohamed El Maqqari Et-Tlemçani.
These scholars were divided in their evaluation of this fetwa, there were three tendencies : Those who legalized El Ma’Moun’s action, those who disowned it and severely criticized it, and lastly those who prefered to wait for another sovereign to publish another fetwa.
The question of Larache was a blow for the Sâadite state, which didn’t stop experiencing instability, from whence the Moroccan desire to be governed by a sultan of El-Mansour calibre, who was very respected..
The population in dispair seeing the Sâadite sovereigns unable to keep back provocative Iberian crusades against Moroccan coasts, found itself in the brave position of scholars and Zaouia – Cheikhs as an alternative political ideology.

Key words : Morocco – Larache – Sâadites – El Ma’Moun Es-Sâadi – Spaniards – Scholars – Political disasters – XVIIth C.


Mohamed BEN MAAMMAR : Maître de conférences, Université d'Oran, Faculté des Lettres et civilisation islamique,  31 000, Oran, Algérie


 

تعد قضية العرائش التي عرفها المغرب الأقصى على عهد السعديين، مع مطلع القرن السابع عشر الميلادي، واحدة من النوازل السياسية الكبرى. ذلك أن التطاحن والصراع حول العرش بين أبناء المنصور الذهبي ورغبة كل واحد في الاستحواذ عليه، كان سببا في لجوء أحدهم وهو المأمون إلى الملك الإسباني مستصرخا ومستنجدا. وأبرمت بين الطرفين صفقة سياسية تنازل بموجبها المأمون السعدي للملك الإسباني عن ميناء العرائش الذي تأسست فيه قاعدة حربية إسبانية تسمى "سان ميجيل دي أولترامار".

وقد أثار تسليم ميناء العرائش للأسبان حفيظة العلماء وسخط العامة. ولم يجد المأمون أمامه من سبيل سوى التحايل على علماء فاس بأن استصدر منهم فتوى شرعية تبيح له ما فعل. وكان من جملتهم عالم الجزائر وأديبها وقتئذ أبو العباس أحمد المقرى التلمساني[1]. فماذا عن جواب هؤلاء العلماء؟

وضع المغرب الأقصى السياسي بعد موت المنصور الذهبي

لقد تميز عصر المنصور الذهبي (986-1012هـ/1578-1603م) بهدوء لم تعرفه البلاد قبله، ولم يخرج عليه في بداية عهده من آل بيته إلا ابن أخيه داود بن عبد المؤمن بن محمد الشيخ، فأرسل إليه قائده الذي طارده حتى أخرجه إلى الصحراء ومات هناك[2]. ومن عظائم أعماله تنظيمه للتجارة وتشجيعه لها، وبناء جيش قوي منظم. وعلى العموم فإن الفترة التي حكمها المنصور الذهبي تعتبر من أزهى فترات التاريخ السعدي سياسيا واقتصاديا وثقافيا، إذ عرفت البلاد في عهده نهضة حضارية عظيمة.

وبعد موته دخل المغرب الأقصى مرحلة جديدة اتسمت بالصراع والتطاحن حول العرش بين أبنائه الثلاثة وهم: أبو عبد الله محمد الشيخ المأمون، وأبو فارس عبد الله الواثق، وزيدان الناصر. أما الذي يحتاج منا إلى وقفة فهو الابن الأول نظرا لعلاقته بقضية العرائش.

لقد أخذ المنصور الذهبي البيعة بولاية العهد لابنه المأمون وهو لم يبلغ الحلم بعد، وفي شوال سنة 992هـ/1584م جددها وأخذها له على إخوته الذين كانوا في البيعة الأولى قبل البلوغ، فأراد أن يستوثق منهم بعد البلوغ حسما للنزاع بينهم. وتمت البيعة في تامسنا بحضور الأعيان وأهل الحل والعقد وقرئ الظهي[3].

وظل المأمون وليا لعهد أبيه المنصور وخليفته على فاس وأعمالها سائر مدة أبيه الذي كان كثير الاعتناء به والاهتمام بشأنه، حتى قيل إن المنصور كان لا يختم على صندوق من صناديق المال إلا قال: "جعل الله فتحه على يد الشيخ" رجاء أن يقوم بالأمر بعده[4].

ولكن سرعان ما خابت ظنون المنصور في ولده وولي عهده المأمون الذي انتقض عليه، وسبّب له متاعب كثيرة في أواخر أيامه، فشقي به شقاء كبيرا، لأنه كان "فاسقا خبيث الطوية مولعا بالعبث بالصبيان مدمنا للخمر سفاكا للدماء غير مكترث بأمور الدين"[5]. تلك هي صورة المأمون في مصادر التاريخ، فهو إلى جانب سيرته الشخصية السيئة، كان صاحب حماقات واعتداءات على الناس.

وكانت للمأمون قوة عسكرية تعدادها اثنتان وعشرون ألفا، اهتم بها وأغدق عليها المال وكسا رجالها، وقد اغتر بها فأسرف في عداوته على الناس، وانتقض بها على أبيه المنصور في آخر أيامه وحاول الاستنجاد بالأتراك ضده. فكتب إليه محذرا وأرسل إليه وفدا لرده إلى رشده ولكن دون جدوى. وقد أورد اليفرني أحداث الصراع بين الأب وابنه في خبر طويل ونقل عنه ذلك الناصري[6]، وهي الأحداث التي انتهت بالقبض على المأمون وإلقائه في سجن مكناسة سنة 1011هـ/1602م.

وفي السنة الموالية مات المنصور الذهبي قرب فاس وكان معه ابنه زيدان، فبايع لنفسه وأعلن نفسه سلطانا. ولم يكد أخوه أبو فارس والي مراكش يسمع بذلك حتى نادى بنفسه سلطانا هو الآخر أواخر ربيع الأول سنة 1012هـ/1603م وتلقب بالواثق، وأطلق سراح أخيه المأمون وأخذ عليه العهد بالطاعة له وأمّره على جيش كبير وسيره لحرب أخيهما زيدان.

فدخلت البلاد في صراع مرير وتطاحن كبير على السلطة بين أبناء المنصور السعدي الذين ظلوا يتقاتلون طيلة سبع سنوات ويتحالف الواحد منهم مع هذا  أو ذاك. وفي دوامة هذا الصراع اغتيل أبو فارس سنة 1019هـ/1610م على يد ابن أخيه المأمون وهو عبد الله الذي كان شديد الشبه بأبيه في القسوة والعنف. و"عادت البلاد إلى الانقسام إلى قسمين: شمالي مركزه فاس، وجنوبي مركزه مراكش، كما كانت الحال في أوائل أيام السعديين"[7]. ورغبة منه في الانفراد بالعرش السعدي والتخلص من منافسيه، لجأ المأمون إلى نصارى الإسبان مستنجدا لمساعدته على تحقيق هدفه.

استنجاد المأمون بالإسبان وتسليمهم العرائش

في خضم الصراع بين الأمراء السعديين حول السلطة، استفحل أمر أحدهم سنة 1016هـ/1609م وهو الأمير زيدان الذي تكلم به أهل فاس وسائر بلاد المغرب، في الوقت الذي ازدادت فيه سمعة المأمون سوءً، إذ ملّته النفوس ورفضته القلوب وضاق أهل فاس بشؤمه ذرعا. وبسبب هذه العزلة التي فرضتها الخاصة والعامة عليه، انتقل إلى العرائش ومنها إلى القصر الكبير. وهناك اتخذ قراره الخطير القاضي بطلب النجدة من نصارى الإسبان لتمكينه من العرش.

لقد ركب البحر إلى طاغية الإسبان مستصرخا به على أخيه السلطان زيدان فأبى الملك الإسباني أن يمده بالعون، فراوده المأمون على أن يترك عنده أولاده وحشمه رهنا، ويعينه بالمال والرجال حتى إذا تمكن من العرش بذل له ما شارطه عليه. ولم يزل به إلى أن شرط عليه الملك الإسباني تسليمه ميناء العرائش، فقبل المأمون الشرط ورجع فنزل حجر باديس ثم تقدم فنزل بلاد الريف وذلك سنة 1018هـ/1609م.

وما أن سمع أهل فاس بخبر قدوم الأسطول الإسباني حتى خرج وفد من أعيانهم وعلمائهم لملاقاة المأمون وتهنئته بالقدوم، خوفا من بطشه وشوكته لما عُرف عنه من التهور والقسوة. ومن هؤلاء العلماء القاضي أبو القاسم بن أبي النعيم[8]، والشريف أبو إسحاق إبراهيم الصقلي الحسيني وغيرهما. ولم يفت المأمون أن يطلب من القبطان الإسباني استعراض مدافعه وأسلحته أمام الوفد إرهابا وإظهارا لقوة النصارى[9].

ثم انتقل المأمون إلى القصر الكبير (قصر عبد الكريم) حيث أقام مدة يراود قواده ورؤساء جيشه على الوقوف معه في تمكين النصارى من العرائش ليفي له الملك الإسباني بما وعده من النصرة على الوصول إلى العرش. ولكنهم رفضوا ولم يوافقه على ذلك إلا قائده الكرني الذي تولى مهمة إخلاء العرائش بالقوة، إذ قتل جماعة من أهلها حين رفضوا الخروج وأجلى الباقين. وفي الرابع من رمضان سنة 1019هـ/1610م دخل النصارى الإسبان المدينة واستولوا عليها بمساعدة المأمون.

وقد أثار تسليم العرائش حفيظة العلماء وعواطف العامة وفي ذلك يقول صاحب النزهة: "ووقع في قلوب المسلمين من الامتعاض لأخذ العرائش أمر عظيم، وأنكروا ذلك أشد الإنكار، وقام الشريف أبو العباس أحمد بن إدريس العمراني ودار على مجالس العلم بفاس ونادى بالجهاد والخروج لإغاثة المسلمين بالعرائش، فانضاف إليه أقوام وعزموا على التوجه لذلك"[10].

ومن الغريب أن يستنكر العلماء والعوام هذا الأمر الخطير ويثوروا ضد أصحابه، ويسكت عنه من كان يمثل السلطة الشرعية في الدولة السعدية آنذاك وهو السلطان زيدان الذي كان مركزه في مراكش. فقد تغاضى عما فعله أخوه من التنازل للإسبان عن العرائش التي أنشأوا بها قاعدة حربية تسمى سان ميجيل دي أولترامار. وقد يكون ضعف السلطان زيدان الذي ظل يحكم حكما مزعزعا مضطربا حتى وفاته سنة 1039هـ/1630م، سببا في عدم تصديه للنصارى الإسبان الذي تحول إلى شبه حليف لهم.

والحقيقة أن التحدي والاستفزاز المتواصل الذي كانت تفرضه الدولة الإيبيرية المسيحية وتكالبها على شواطئ المغرب العربي، والشعور بضعف الدولة المغربية هو الذي حرك ضمائر طائفة من العلماء والمتصوفة وجعلهم يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم. وفي هذا الصدد يسجل الناصري في الاستقصاء عدة ظواهر وأحداث وقد علق عليها قائلا: ولما نزل بأهل المغرب الأقصى ما نزل من غلبة عدو الدين واستيلائه على ثغور المسلمين، تباروا في جهاده وقتاله وأعملوا الخيل والرّجل في مقارعته ونزاله، وتوفرت دواعي الخاصة منهم والعامة على ذلك. وصرفوا وجوه العزم لتحصيل الثواب فيما هنالك، فكم من رئيس قوم قام لنصرة الدين غيرة واحتسابا، وكم من ولي عصر أو عالم مصر باع نفسه من الله ورأى ذلك صوابا حتى لقد استشهد منهم أقوام وأسر آخرون[11].

المأمون يستصدر فتوى من علماء فاس تبيح له ما فعل

يقول صاحب النزهة: ولما خاف المأمون الفضيحة وإنكار الخاصة والعامة عليه إعطاءه بلدا من بلاد الإسلام للكفار، احتال في ذلك وكتب سؤالا إلى علماء فاس وغيرها يذكر لهم فيه أنه لما وغل في بلاد العدو الكافر واقتحمها كرها بأولاده وحشمه، منعه النصارى من الخروج من بلادهم حتى يعطيهم ثغر العرائش، وأنهم ما تركوه خرج بنفسه حتى ترك لهم أولاده رهنا على ذلك، فهل يجوز له أن يفدي أولاده من أيدي الكفار بهذا الثغر أم لا؟.

فأجابوه بأنّ فداء المسلمين سيما أولاد أمير المؤمنين سيما أولاد سيد المرسلين من يد العدو الكافر بإعطاء بلد من بلاد الإسلام له جائز، وإنا موافقون على ذلك. ووقع هذا الاستفتاء بعد أن وقع الإعطاء، وما أجاب من أجاب من العلماء عن ذلك إلا خوفا على نفسه[12].

لقد انقسم الفقهاء والعلماء في موقفهم من هذه الفتوى إلى ثلاث طوائف:

- طائفة مالأت المأمون وأباحت له فعلته الشنعاء خوفا منه.

- طائفة أنكرت على المأمون عمله وأغلظت له في الملام.

- طائفة اختفت مدة عن الأنظار حتى تصدر الفتوى عن غيرها، استبراء لدينها.

ومن الذين أفتوا بالجواز الفقيه محمد بن قاسم بن القاضي الذي قتلته العامة بالقرويين عند العشاء يوم الاثنين 21 ذي الحجة 1040هـ/1630م. وسبب قتله ما اتهم به من موافقته على تمكين النصارى من ثغر العرائش إذ كان حضر مع من استدعى محمد الشيخ من العلماء لأجل ذلك فتعلق بأغراض فاسدة وأمور واهية لم يقبلها أحد[13]. وقد تأخر قتله عن الحادثة بسنين، ويظهر أن العامة كانت تحقد عليه فعلته وانتهزت فرصة الفتن التي توالت بعد ذلك بفاس فانتقمت منه.

وممن أنكر على المأمون وأغلظ له في الملام الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن المعروف بالحاج الأغصاوي البقال، من أولاد الحاج البقال، فأنفذ المأمون أعوانه وأتوا به إلى فاس فقتله بها ضربا، ودفن بالسياج وبنيت عليه قبة[14].

أما الطائفة التي اختفت فيقول عنها الناصري: وقد فرّ جماعة من تلك الفتوى كالإمام أبي عبد الله محمد الجنان صاحب "الطرر على المختصر"، والإمام أبي العباس أحمد المقري مؤلف نفح الطيب، فاختفيا مدةً استبراءً لدينهما حتى صدرت الفتوى من غيرهما، وبسبب هذه الفتوى أيضا فرّ جماعة من علماء فاس إلى البادية كالشيخ أبي علي الحسن الزياتي والحافظ أبي العباس أحمد بن يوسف الفاسي وغيرهما[15]. هكذا اختارت هذه الطائفة الحل الوسط، فلم تمالئ ولم تجاهر بالرفض والإنكار وفضّلت الاختفاء والهروب إلى البادية حفاظا على النفس والدين.

لقد كان المقري من العلماء والفقهاء الذين فضلوا الاختفاء. ولم تخبرنا المصادر التاريخية عن المدة التي قضاها مختفيا ولا المكان الذي لجأ إليه والظروف التي مر بها أثناء ذلك، وهي من الفترات الهامة في حياة المقري في المغرب الأقصى التي لا تزال غير مدروسة. ولكن يستبعد أن يكون المقري قد عاش ظروف التشريد كمحمد العربي الفاسي المشار إليه في الهامش، نظرا للمكانة والسمعة الطيبة التي كان يحظى بها لدى الكثير من الأسر الفاسية، ومن ثَمَّ يكون قد لجأ إليها فاحتضنته وأكرمته.

أما السؤال الذي يتبادر إلى الذهن عن موقف المقري، هو لماذا فضل الاختفاء بدل المجاهرة بالرفض والإنكار مثلما فعل الحاج الأنصاري البقال؟. لا ننسى أن المقري كان فقيها، ويدرك أن موقفا كهذا يكلفه حياته سيما وأن المأمون السعدي قد عرف بسفكه للدماء، فقدم مصلحة الحفاظ على النفس التي هي من الضروريات الخمس. "لقد كان العلماء في مقدمة وقود الفتنة إذا وقعت، لأن مكانتهم وخصوصا إذا كانوا في منصب الإفتاء، تجعلهم هدفا لطلب التأييد والنصرة"[16]. وما كان ليغيب عن المقري ما وقع لابن بلده الونشريسي الذي قتل في فاس سنة 914هـ على يد أنصار المطالب بالعرش، لأنه كان وفيا لبيعة أحمد الوطاسي، ولا لغيره من كثير من فقهاء عصره الذين استهدفهم المستهترون من رجال السياسة بالقتل والتشريد.

لم يكن المقري بموقفه هذا بدعا في شيء، ويكفيه أنه امتنع عن تجويز فعلة المأمون الشنعاء، ودليلنا في أن العامة والخاصة في فاس قد قدرت فيه هذا الموقف واعتبرت تصرفه شرعيا، أنه بعد ثلاث سنوات من هذه الفتنة رقي إلى أعلى منصب في جامع القرويين وذلك في سنة 1022هـ/1613م وهي السنة التي عرفت مقتل المأمون السعدي بتطوان.

في هذه السنة مات الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد الهواري خطيب جامع القرويين، فخلفه المقري الذي بلغ من علو شأنه وارتفاع مكانته أن جمع بين الخطابة والإمامة والفتوى بنفس الجامع، وهي وظائف قلما تجتمع لشخص واحد. ولم يبلغ ذلك إلا بسبب مواقفه المشرفة دفاعا عن حرمة الدين ووحدة البلاد.

تدخل هذه الفتوى التي تحايل بها المأمون على فقهاء فاس ضمن النوازل السياسية الكبرى التي عرفها المغرب الأقصى مع السعديين، وأثارها الفقهاء والعلماء في ذلك العصر، ذلك أن دور العلماء المتصاعد أصبح يقلق الحكم السعدي بشكل كبير. "لقد طُرحت قضية العلاقة بين العلماء والسلطان بحدة واستمر الصراع بين الطرفين طوال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين (16-17م)"[17].

وقد سبقت قضية العرائش قضية أخرى لا تقل عنها خطورة في تاريخ الدولة السعدية، وهي استصراخ المتوكل السعدي ملك البرتغال سباستيان لمواجهة عمه عبد الملك المعتصم الذي طرده من العرش واستولى على الحكم في البلاد، وهي القضية التي تعرف في مصادر التاريخ بمعركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة سنة 1578م. وقد اكتست القضية صبغة الخيانة العظمى في أعين الناس لأن المتوكل مكّن للنصارى من النزول في بلاده والتدخل في شؤونها.

لقد كان المتوكل في قضية وادي المخازن كالمأمون في قضية العرائش. إذ أن المتوكل لما وجد نفسه في موقف حرج تجاه الرأي العام في المغرب الأقصى والعلماء على وجه الخصوص، أراد تبرير فعله الشنيع في رسالة وجهها إلى "أعيان المغرب من علمائه وأشرافه وذوي الرأي فيه"، وفيها يعاتبهم على نكث بيعته وبيعتهم لعمه. وقد أورد الناصري في الاستقصاء نص الرسالة المطولة التي صدرت عن "كافة أهل المغرب من الشرفاء والعلماء والصلحاء والأجناد والرؤساء" جوابا على رسالة المتوكل[18]. وقد فندت الرسالة بحجج دامغة شرعية كل مزاعم وادعاءات المتوكل وتضمنت مواد من الدستور الإسلامي خاصة بالشروط التي يجب أن تتوفر في خليفة المسلمين أو رئيس الدولة الإسلامية بوجه عام. أما الفرق بين النازلتين فيكمن في أن المأمون وجد من العلماء من يجيز له عمله تحت الضغط وهو ما لم يحصل عليه المتوكل قبله.

وإذا كان المنصور السعدي الذي اعتلى العرش إثر معركة وادي المخازن، لم يعرف عهده الكثير من تدخل العلماء نظرا لهيبته وقدرته على الاضطلاع بأعباء الدولة، بل إنه استطاع بدهائه أن يضمن رضا العلماء ويجتذب البعض منهم أمثال المنجور وابن القاضي والمقري والقشتالي وغيرهم ممن كانت حضرته تعج بهم، فإنه بعد وفاته قد فتح المجال واسعا أمام العلماء كي يتدخلوا من جديد ويعلنوا عن مواقفهم بسبب الأزمات السياسية وتردي الأحوال، وهو ما وقفنا عنده في قضية العرائش.

لقد كانت قضية العرائش ضربة قاضية للدولة السعدية، فلم يستقم لسلاطينها أمر بعدها، وأحس الناس أنهم بحاجة إلى سلطان جدير بالطاعة من طراز المنصور، وظهر الأمر بصورة جلية في فاس التي انتشرت فيها الفوضى بشكل كبير وحصدت فيها الحرب الأهلية زهاء سبعة آلاف قتيل. وفقد الناس الأمل في السعديين الذين تخاذلوا في رد العدوان الصليبي على الشواطئ المغربية، وفقدوا رسالتهم ووظيفتهم الأساسية. وكان على المغاربة البحث عن البديل، فوجدوه في طائفة العلماء ورؤساء الزوايا الصوفية، وهي القوة الجديدة التي التفّ حولها الناس.

ومن هؤلاء الشيخ سعيد الدكالي الذي كان رئيس زاوية قوية كثيرة المريدين في دكالة. وهو أول من جمع الناس وسار بهم لحرب نصارى الجديدة. والمجاهد العياشي الذي دوّن أخباره الكثير من معاصريه، وكشفت المادة التاريخية الضخمة التي كتبت عنه، النقاب عن كثير من جوانب شخصيته. ويعتبر أبو حسون السملالي من أبرز أصحاب الزوايا الذين تولوا الأمر في المغرب الأقصى خلال فترة الانتقال من الشرفاء السعديين إلى الشرفاء العلويين، والقائمة تطول ...

غادر المقري المغرب الأقصى سنة 1027هـ بعد حوالي خمسة عشر سنة قضاها هناك. وقد أشار هو نفسه إلى هذه المغادرة قائلا: "إنه لما قضى الملك الذي ليس لعبيده في أحكامه تعقب أو رد، ولا محيد عما شاءه سواء كره ذلك المرء أو رد، برحلتي من بلادي، ونقلتي عن محل طارفي وتلادي، بقطر المغرب الأقصى، الذي تمت محاسنه لولا أن سماسرة الفتن سامت بضائع أمنه نقصا، وطما به بحر الأهوال فاستعملت شعراء العيث في كامل رونقه من الزحاف إضمارا وقطعا ووقصا"[19].

هكذا يشير المقري إلى الظروف والتطورات الخطيرة في المغرب الأقصى التي دفعته إلى الهجرة دون أن يفصح عنها. فمن الواضح أنه لما أحس بأنّ الأمور تسير على غير ما يروم قرر الرحيل، سيما وأنه اتّهِم بالميل إلى عرب الشراكة. لقد ترك المغرب الذي أصبحت أمواجه مصطخبة وأمنه منعدما وأوضاعه متدهورة ليبحث عن مفر آمن لنفسه فلم يجده سوى في أرض النبوءة بجوار قبر الرسول عليه السلام.


الهوامش

[1] قد ولد أبو العباس أحمد المقّرِي بتلمسان سنة 986هـ/1578م، وهي السنة التي اعتلى فيها عرش الدولة السعدية في المغرب الأقصى أبو العباس أحمد المنصور الذهبي، أشهر سلاطين السعديين وقمة مجدهم وواسطة عقد ملكهم. اتصل به المقري في حضرة مراكش إبان رحلته الأولى إلى المغرب الأقصى ما بين صفر 1009هـ/1600م وذي القعدة 1010هـ/1601م. وقد انبهر بما رأى من أبهة الملك وانتشار العلم ورخاء الحياة، ولم يرجع إلى تلمسان إلا وفي نيته العودة إلى المغرب الأقصى ثانية. وبالفعل فقد عاد المقري إلى المغرب الأقصى ثانية سنة 1013هـ/1604م بعد سنة من وفاة الخليفة المنصور الذهبي، حيث استمرت إقامته هناك حتى سنة 1027هـ/1618م فيكون قد قضى فيه حوالي خمس عشرة سنة، وهي فترة هامة من حياته، عايش خلالها أحداثا سياسية بارزة في تاريخ المغرب، من أخطرها أزمة العرائش. وحياة المقري مبسوطة في كتابيه: نفح الطيب وروضة الآس.

[2]- الناصري : الإستقصا.- الدار البيضاء، دار الكتاب، 1997، مج2، ج5.- ص.ص. 94 - 95.

[3]- اليفرني : نزهة الحادي (طبعة حجرية).- ص.84.

[4]- المصدر نفسه.- ص.147.

[5]- اليفرني : نزهة الحادي.- ص.152.

[6]- المصدر نفسه.- ص.ص. 147 – 160 – الناصري : الاستقصاء.- ج5.- ص.ص. 169–185.

[7]- مؤنس، حسين : تاريخ المغرب وحضارته.- مج2، ج3.- ص.209.

[8]- أحد شيوخ المقري بفاس وقد ترجم له في روضة الآس العاطرة الأنفاس. ط.- الرباط، 1983م.- ص.ص. 335 – 336 وفي طريق العودة اعترض سبيل الوفد عرب الحياينة وسلبوا أفراده وجردوهم من ملابسهم جميعا، نكاية فيهم لاستقبالهم الكفار، ولم ينج من السلب سوى هذا العالم لأنه عرف بزي القضاء فاحترم.

[9]- اليفرني : نزهة الحادي.- ص.168.

[10]- اليفرني : نزهة الحادي.- ص.169.

[11]- الناصري : الإستقصا.- ط. 1955، ج4.- ص.111.

[12]- اليفرني : النزهة.- ص.169.

[13]- القادري، محمد الطيب : نشر المثاني.- فاس ط. حجرية، ج1.- ص.156.

[14]- القادري : المصدر السابق.- ج1.- ص.101.

[15]- الناصري : الاستقصا.- ج6.- ص.22. وممن فر إلى البادية أيضا، محمد العربي الفاسي ابن الشيخ الشهير أبي المحاسن يوسف الفاسي، كان غزير العلم كثير التآليف فقيها أصوليا، أديبا متمكنا. وقد ظل مشردا في البادية طوال تلك الفترة المضطربة مسخرا قلمه كفقيه وأديب لنصرة قضايا بلاده.

[16]- أبو القاسم، سعد الله : تاريخ الجزائر الثقافي.- دار الغرب الإسلامـي، ط.1، 1998، ج2.- ص.214.

[17]- زنيبر، محمد : النوازل السياسية في المغرب الحديث.- الرباط، منشورات كلية الآداب، 1995، ص.130.

[18] - الناصري : الاستقصاء.- ج5.- ص.ص. 70– 78.

[19]- المقري : نفح الطيب، بيروت، 1968، ج1.- ص.13.

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2020 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche