صياغة الألقاب العائلية أواخر القرن الـ 19 بين دور المفوض والموروث المحلي - دوار احساسنة أنموذجا (قسنطينة)-


 انسانيات عدد 82| 2018 |النصّ الروائي : فضاء و هويّة| ص 13-33| النص الكامل



Toufik BENZERDA :Université Lerbi Ben M’hidi, Département des Sciences Humaines, Oum El Bouaghi 04 000, Algérie.


 مقدمة

شكلت المجالات الريفية -على غرار المدينية- في الجزائر معالم لفضاءات ثقافية واجتماعية، تقاطعت فيها التجارب الماضية مع الموروثات المحلية، لتمدنا بمدلولات في شكل مقاربات تحاكي محصلة فترات تاريخية، تركت بضلالها على البنية الهوياتية لهذه المجالات، التي بالكاد اكتمل ملمحها الثقافي- الاجتماعي خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، حتى زحفت التشريعات الاستعمارية لتفرض منطق الغلبة، على هذا الملمح، الذي أخذ يتآكل تدريجيا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت أولى بوادره، تجسيد مراسيم السيناتيس كونسلت (Sénatus-consulte) (22 أفريل 1863) التي فككت المجالات الريفية، إلى مساحات متباينة السكان والثروة، عرفها المشرع باسم دوار كومين (Douar commune)، جُمعت فيه شتات العناصر الأهلية (Sénatus-Consult, 1868, p. 04) التي تم انتزاعها من مواطنها الأصلية، والانتقال بها إلى مشروع اندماج اجتماعي- ثقافي مُصطنع(Boukhobza. 1978, p. 24, 25). سرعان ما استهدف في رأسماله الرمزي، من خلال فرض منظومة تسموية هزت عاداته التقليدية المحلية، بعد تطبيق قانون الملكية 26 جويلية 1873 (قانون Warnier)، ليعمم بعدها نظام الحالة المدنية، بموجب قانون 23 مارس 1882، لذلك تحول الدوار في المجالات الريفية في الجزائر، على غرار الريف القسنطيني، إلى فضاء مرجعي وذاكرة محلية، تجمع مختلف المتناقضات، وتؤرخ لعديد المتغيرات.

لقد انتقينا في هذه الورقة البحثية عينة دوار احساسنة، الواقع على مشارف مدينة قسنطينة كي نطلق من خلاله نبشا أكاديميا، يبحث في آليات صناعة المنظومة التلقيبية، وحقولها الدلالية، ومستوى القطيعة التي أحدثتها مع المنطق السلالي المحلي، ومع والبنية الأنوماستيكية التقليدية، وحجم استهدافها لما بقي قائما من تماسك أسري، والتفاف اجتماعي داخل هذا الدوار. وقد تتبعنا جل هذه التغيرات الحادثة، من خلال الكشف عن حجم بروز الموروث المحلي التقليدي في الألقاب العائلية ومدى تسلل الممارسات البشرية الغير مقننة، انطلاقا من الخلفية الاجتماعية والثقافية لمفوض الحالة المدنية ودورها في صناعة هذه الألقاب وصياغتها، كأحد أوجه الرأسمال الرمزي.

لقد بنينا هذه الورقة البحثية على الأرصدة الأرشيفية التي انبثقت عن أشغال إقامة نظام الحالة المدنية بدوار احساسنة، تمثلت في سجل الشجرات العائلية (Registre des arbres généalogiques)، والسجل الأم (Registre matrice)، إلى جانب نسخ من سجلات  الزواج، المواليد، والوفيات، وهي الأرصدة التي تم تحويلها سنة 1964 من بلدية عين امليلة (ولاية أم البواقي) التي كان يتبعها دوار احساسنة، إلى بلدية عين عبيد (ولاية قسنطينة)، التي أصبح ملحقا بها. في المقابل افتقدنا للوثائق والمراسلات الإدارية، التي أرخت لأطوار اقامة الحالة المدنية بدوار احساسنة، لذلك استأنسنا بوثائق دوار السفرجلة، كندي السمندو (بلدية زيغود يوسف)، التي عثرنا عليها بمصلحة أرشيف ولاية قسنطينة، أما أرشيف ما وراء البحار بفرنسا  فاعتمـــدنا فيه على بعـض الاحصائيات الموجــــــــــــــودة في العلبــــــة رقم 55/ 12(H FR ANOM, douar A).

دوار احساسنة: الأصول والتأسيس

شكلت مدينة قسنطينة خلال حكم الأتراك للجزائر، عاصمة جهوية لغالبية ريفية تقاسمت الجغرافيا والثروة بمستويات متباينة، كانت محصلة لترتيبات مجالية أقدم عليها البايات، عندما دفعوا بمختلف الجماعات لتعمير الفضاءات الواقعة في محيط هذه المدينة، قصد تشكيل ممتلكات ترابية بتقاليد زراعية  أو عسكرية، تضمن من خلالها تمويل مخازن السلطة بمادة الحبوب، وتؤمن المجبى بمختلف صيغه على القبائل (Babes, 1984, p. 334) ، وهو ما حول هذه الفضاءات الطرفية إلى قواعد خلفية للمدينة، وإطار مادي جمع شتات جماعات زراعية – رعوية كانت في الغالب مترحلة عبر نقاط اعتادت ارتيادها (Chellig, 2005, p. 145).

فخلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، دفع الأتراك بثلاث جماعات هم احساسنة، مراشدة، وبني مسلم ينسبون لقبيلة بني عامر، التي عاشت بسهول سطيف، للهجرة والاستقرار ضواحي مدينة قسنطينة شرقا، عبر السهول التي يقطعها وادي مهيريس (شرق وادي بومرزوق)[1] ، وهي الجماعات التي اقترنت تسميتها بعامر الشراقة، نسبة للوجهة التي سلكوها شرقا، مقارنة بالموطن الذي عاشوا به، حيث كانت تسميات الشراقة، الغرابة، الظهرة، والقبلة، آليات شائعة وقتها للتمييز بين  القبائل (قشي، 1998، ص، 192) .

عاشت جماعات عامر الشراقة، عبر تلال سهلية ذات هوية تاريخية – أمازيغية، عرفت محليا بـ"الصراوات" p. 32) Féraud, 1865,) والتي تعد من أغنى الأراضي الزراعية بالسهول العليا القسنطينية، ويتراوح علوها ما بين 700 متر إلى أكثر من 1000 متر (Carte topographique, 1959). حيث جعل الأتراك من هذه الجماعات كمزارعين و"غرٌامة"[2] في أراضي السلطة البايلكية على مساحة تجاوزت 21 ألف هكتار، وهو ما حولها إلى كيانات اجتماعية- زراعية تجاوزت مفهوم الروابط الدموية والعلاقات اللحمية، إلى بناء علاقات نفعية تشاركية، تحولت إلى وازع لديها للتأقلم مع الواقع المادي الذي فرض عليها، وهو الواقع الذي استمر إلى عشية سقوط هذه الفضاءات تحت سلطة الاحتلال الفرنسي، على يد الجنرال نيكولا قالبوا (Galbois Nicolas) بتاريخ 20 سبتمبر 1838 (De Reynaud, 1854, p. 299).

أقدمت الإدارة الفرنسية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على تجسيد مجموعة من القوانين العقارية على أراضي قبيلة عامر الشراقة، من أهمها قانون السيناتيس كونسلت الذي عمدت لجنته الثانية عشر على تحييز هذه الفضاءات السهلية الواقعة على أبواب مدينة قسنطينة، ثم إعادة تركيبها وفق آليات، أتاحت تغلل الاستعمار الرأسمالي الفلاحي، ممثلا في المؤسسة الجزائرية العامة (Société générale algérienne)، التي سيطرت على نصيب واسع من مجالات القبيلة، أما أرض العرش، وبموجب المرسوم الصادر بتاريخ 16 جوان 1866 (Golzeiguer, 1977, p. 412)، تم تفكيكها إلى أربع مساحات جغرافية متفاوتة الثروة والسكان هي: 1 .دوار المراشدة 2. دوار أولاد ناصر 3. دوار عامر صراوية 4. دوار احساسنة (Accardo. F, 1879, p. 15)، هذا الأخير الذي شكلته اللجنة من بنية ترابية جمعت بين أرض عرش أولاد عبد النبي وأولاد سلطان مهيريس، إلى جانب أراضي بايلكية، تمثلت في البشبشية وسطيطيرة، حيث قدرت المساحة الاجمالية للدوار بـ 4468 هكتار و05 آر، منها 3929 هكتار خصصت للفلاحة (498 /FR ANOM, 1KK).

اختارت اللجنة للدوار تسمية مستوحاة من اسم أحد الجماعات الرئيسية لهذه القبيلة، وهم احساسنة[3] ،بعدما ركبت نسيجه الاجتماعي من مزارعين عاشوا على أرض العرش، هما أولاد عبد النبي وأولاد سلطان مهيريس، وآخرون كانوا يتوزعون على أرضي بايلكية، هما أولا شرقي والبشابشة، بينما مجموعات أخرى فتم توطينهم داخل حدود الدوار، وهم أولاد لشطر الذين أفرغتهم اللجنة من أراضي مجاورة، استولت عليها مصلحة الدومين، ليبلغ اجمالي السكان داخل حيز الدوار حسب احصائيات سنة 1866 هو 2397 نسمة، منهم 627 رجل و803 امرأة و957 طفل[4] Cheraga, 1866)، أما احصائيات سنة 1882 فأشرت عن انخفاض هذا العدد إلى 1966 نسمة (إحصاءات  1882).

موريس بوات مفوض للحالة المدنية

عند الاطلاع على قانون إقامة الحالة المدنية، الصادر بتاريخ 23 مارس 1882، إلى جانب مختلف المراسيم والتعليمات التي جاءت مُكملة لهذا القانون، الذي انجرت عنه منظومة الألقاب نكتشف أن المشرع قد أسس لهيكل إداري بتسلسل هرمي، أسندت له مهمة الاشراف على هذه العملية وتجسيدها في أوساط الأهالي المسلمين،  على رأسهم وزير العدل والحاكم العام للجزائر، ثم عامل العمالة، الذي يعين بدوره لجنة مركزية، يمثلها هو أو نائبه، إلى جانب وكيل الجمهورية أو نائبه، ومفتش مصلحة ملكية الأهالي، وضمن هذا الهيكل الإداري، نجد أيضا اللجان المحلية، التي تكون عادة على مستوى الأحواز والبلديات، وفي هذا المستوى التنظيمي، نصادف مفوض الحالة المدنية، كأهم شخصية "مفتاحية" لما له من دور ميداني، ومهام وظيفية تقتضي منه أن يكون في احتكاك مباشر مع الساكنة، الذين سيطبق عليهم نظام الحالة المدنية، حيث كان يؤدي مهامه بإشراف عام من اللجنة المركزية، التي كانت بدورها تنقل المعلومات المتبادلة بين اللجان المحلية، إلى جانب عقدها لاجتماعات دورية مرتين في الشهر، للاطلاع على محاضر الأعمال الميدانية المرسلة وتقييمها، حيث كانت مطالبة بإرسال تقريرين مفصلين عن سير الأشغال، الأول يوجه لوزير العدل، والثاني لعامل العمالة باعتباره المشرف الأول على هذه العملية (زمولي، 2003، ص. 52، 35).

إن هذه الهرمية الوظيفية لتجسيد نظام الحالة المدنية في الجزائر ومنه نظام الألقاب، تؤشر عن تناسق وظيفي كان قد رسم خطوطه المشرع بتركيب أطراف إدارية- تنظيمية تنوعت مستوياتها واختلفت مهامها، فيما يبقى في اعتقادنا مفوض الحالة المدنية شخصية ملفتة وحلقة جوهرية في صياغة القاموس التسموي للألقاب العائلية، وذلك لتسلل خلفيته الثقافية والايديولوجية، ومن ورائها مدى تحكمه في الحروف العربية وترجمتها للحروف الفرنسية، وحتى علاقاته الاجتماعية والشخصية، كلها عوامل في اعتقادنا قد يكون لها تأثير في هذه العملية، وهو ما سنحاول تتبعه في هذه الدراسة.

لقد وقع الاختيار على موريس بوات (Maurice Boëte) كمفوض أسندت له مهمه إقامة نظام الحالة المدنية بدوار احساسنة، وطبعا شكلت سيرته الذاتية في هذه الورقة البحثية، قاعدة بيانات وظيفية، كونت من خلالها مقاربات تحليلية، عن الوجه العام الذي تشكلت من خلاله منظومة الألقاب في هذه العينة التي اخترناها من الريف الشرقي القسنطيني.

ولد موريس بوات بقسنطينة في 29 ديسمبر 1855، وهو ابن جون لويس بوات (Jean Louis Boëte) وماري موريي (Marie Mauriès) أدى الخدمة العسكرية ابتداء من 01 سبتمبر 1876، في الفيلق الثالث للزواف برتبة رقيب، بعد الخدمة العسكرية تولى عدة وظائف إدارية منها سكرتير ببلدية ميلة (1878)، ثم كاتب من الصف الرابع (1880)، ليتدرج مع الوقت ليصل إلى كاتب رئيسي سنة 1891 (Cherouana, 2017, p. 218).

أخذ المسار المهني لموريس بوات يتداخل مع حياته الشخصية ابتداء من سنة 1887 عند زواجه من كليومنص ليسبرو (Clémence Lesbros) ابنة جاك بيار ليسبرو (Jacques-Pierre Lesbros) رئيس اللجنة المركزية المكلفة بإقامة نظام الحالة المدنية في مقاطعة قسنطينة، حيث منحت هذه المصاهرة، دعما قويا لبوات (Boëte)، وفتحت له الباب واسعا للضفر بإقامة نظام الحالة المدنية، في أكبر مدن الشرق الجزائري من حيث الكثافة السكانية، وهي مدينة قسنطينة، إلى جانب عدد كبير من الدواوير بلغ عددها 196 دوارا يتوزعون على 26 بلدية، من أصل 489 دوارا ينتشرون على 108 بلدية، حيث وصل اجمالي ما قام موريس بإحصائه من سكان، ثم تلقيبهم هو 695.599 نسمة، منهم 1915 نسمة بدوار احساسنة، وهو ما جعل من مكاسبه المادية تكون معتبرة، كون كل لقب منحه تراوح تقديره من 20 إلى 60 سنتيما، وذلك بحسب الظروف والصعوبات التي لقيها (زمولي، 2003، ص. 58).

انطلاق الأشغال وآجالها

قبل تجسيد الإدارة الاستعمارية لقانون إقامة الحالة المدنية في الريف القسنطيني، كانت قد انتقلت بهذا الأخير من خلال القوانين العقارية، من الحيز القبلي الذي تحكمه مؤسسة المشيخة، والأعراف المحلية، إلى الجغرافيا المفككة على مساحات ترابية، تم دمجها لاحقا ضمن حدود إدارية للبلدية، التي تحكمت في نوعها نسبة تركيز الجاليات الأوروبية، والساكنة المحلية، حيث شهدت سهول شرق قسنطينة نمط البلدية المختلطة أين توزع الأهالي بشكل كبير (Sautayra, 1883, p.157).

كان دوار احساسنة قد ألحق ابتداء من سنة 1885 بالحيز الإداري للبلدية المختلطة عين امليلة[5]، التي تم تشكيلها من الفضاءات التاريخية، للجماعات الريفية التي عاشت شرق وادي بومرزوق وهم الزمول، السقنية، البرانية، البحيرة الطويلة، وعامر الشراقة، حيث انقسموا مجتمعين على عشرين دوارا بثقافات محلية، تنوعت بفعل التركيبة الاجتماعية، التي جمعت بين الموروث الأمازيغي والعربي (Achille, 1909, p. 162).

انطلق في تأسيس نظام الحالة المدنية بدوار احساسنة، ابتداء من تاريخ 17 جانفي 1891 تزامنا وفضاءات أخرى داخل حيز البلدية المختلطة عين امليلة، تمثلت في دوار: بلعقل، دوار أولاد عزيز، دوار أولاد جحيش، دوار أولاد قاسم، ودوار أولاد سلام، حيث ورد في جريدة المبشر أن الحاكم العام للجزائر وبناء على المادة 22 من قانون 23 مارس 1882، والمادة 01 و02 من مرسوم 13 مارس 1883 أصدر قرارا ورد في بنده الأول، ضرورة مباشرة أشغال إقامة الحالة المدنية للأهالي المسلمين، بهذه الدواوير التابعة لمقاطعة قسنطينة (Mobacher, 1891, p. 02).

في المقابل كشفت لنا الأرصدة الأرشيفية، أن هذه الأشغال استمرت إلى سنة 1892، بدوار احساسنة، عندما أصدر الحاكم العام للجزائر، قرارا نشر في جريدة المبشر، بتاريخ 19 نوفمبر أعلن فيــه عن نهايــة هـــذه الأشغــال، التــي استمــــرت تقريبا سنتيـن[6] ، وهو ما يعكس تعقد العملية وتشعبها، في هذه الفضاءات الريفية، التي طبق عليها نظام الألقاب لأول مرة، بعكس فضاءات أخرى كانت قد عرفت هذا النظام، منذ تجسيد قانون الملكية (Loi Warnier) في 26 جويلية 1873.

القاموس التسموي التقليدي وبداية التغيرات الحادثة

في الواقع وقبل الخوض في منظومة الألقاب التي ظهرت بدوار احساسنة، بعد تجسيد نظام الحالة المدنية، وجدت أنه من الضرورة الاشارة إلى القاموس التسموي التقليدي، الذي كان قائما في هذه الفضاءات السهلية المجاورة لمدينة قسنطينة، وفي الشرق الجزائري، وذلك بغية تتبع التغيرات الحادثة التي ألمت بهذا القاموس بعد تجسيد قانون 23 مارس 1882.

مما لا شك فيه أن الاسم يعد تراث اجتماعي ورصيد تاريخي، يحمل من المدلولات ما يجعله، شاهدا زمنيا، وتعبيرا هوياتيا مشحونا بالمحصلات الثقافية لأية مرحلة، وبقدر ما تطرأ من حين لآخر متغيرات نسقية بفعل تحولات داخلية، أو اجتياحات خارجية، بقدر ما يكون التصنيف عندها مقوما أساسيا للفعل التسموي، من حيث استمراريته أو قطيعته مع الماضي، بعد سريان هذه المتغيرات، حيث تطرح في هذا الصدد تساؤلات، عن معالم البنية الاسمية في الجزائر عامة وفي الريف القسنطيني قبل مرحلة الاحتلال الفرنسي وبالتحديد خلال حكم الأتراك ؟

في الحقيقة كنا قد نشرنا منذ سنوات قليلة دراسة، عالجنا فيها منظومة الأسماء في بايلك قسنطينة خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر من خلال أحد الدفاتر الإدارية (بن زردة، 2017، ص .140-148)، حيث خلصنا في هذه الورقة البحثية، التي عاينا فيها 2090 اسما إلى أن أكثر الأسماء انتشارا كان اسم محمد، يليها الاسم المركب من محمد أو أحمد مع اسم آخر على غرار: محمد بلقاسم، محمد المجدوب، أحمد زروق، إلى جانب ذلك سجلنا شيوع أسماء النسبة بتعدد دلالاتها المدينية والقبلية والجغرافية، مثل مصطفى البجاوي، رمضان العنابي، محمد القبايلي، عباس الأوراسي، سعد النموشي، بوزيان الحناشي...الخ. يضاف إلى هذا القاموس التسموي خلال حكم الأتراك، شيوع الكنية مثل بوغرارة، بوقفة، بونوارة. كما كانت  الأوصاف الجسدية حاضرة ولو بشل محدود، مثل فم الناقة، علي الأبيض، بوحفص الأحمر، الأعمش، مقطوع اليد، مسعود بورقبة ( بن زردة، 2017، ص. 143).

وربما أكثر ما أثار ذهولنا في هذا البحث يومها، هو انتشار الأسماء التي تحول الكثير منها إلى ألقاب عائلية بعد تجسيد قانون 23 مارس 1882، خاصة بعد اعتماد القانون على أحد الآليات وهو تحويل اسم الجد إلى لقب، ومن هذه الأسماء التي رصدناها نذكر: مروش، المسعي، القشي، رحال، طراد، سديرة، حملة، دربال، جفال، هوشات، شبلي، بلوم،الخ، في المقابل كانت كل هذه الأسماء خلال حكم الأتراك، يتم تداولها وجردها وفق التسلسل التراثي المعروف (اسم الابن والأب والجد). وهي بذلك تختلف عن النظام التلقيبي الذي جاءت به الإدارة الفرنسية (بن زردة، 2017، ص. 145-147).

أما بعد مرحلة الاحتلال الفرنسي للجزائر فقد عمد المشرع، على إقامة نظام الحالة المدنية في مرحلة مبكرة، انطلقت في شكل محاولات سنتي 1838 و1848، عندما سن قرارا في 20 جويلية 1848، يفرض فيه إجبارية تسجيل المواليد، بإشراف قايد البلاد(Megnaoua, 1850, p. 15) ، أما في مرسوم 08 أوت 1854، فألزم فيه بضرورة تسجيل مواليد ووفيات الفئات التي تعيش في الفضاءات المدنية، وهي المهمة التي أوكلت للمكاتب العربية، ولشيوخ القبائل، حيث تلقوا سجلات خاصة يجردون فيها باللغة العربية، ليقدموها في نهاية كل شهر إلى السلطة الاستعمارية، بغية تقييد الوضعيات الجديدة باللغة الفرنسية[7] ومع توسع القبضة العسكرية على الجزائر، توسع معها تطبيق نظام الحالة المدنية، حيث صدر قرار 20 ماي 1868، نص على تكليف سكرتير في كل جماعة ريفية، بحمل سجلات يدون فيها حالات الميلاد، الزواج، والوفيات (Ageron, 1968, p. 176-178).

طبعا في كل هذه القرارات والمراسيم السالفة، لم يفرض بعد اللقب على الجزائريين، حيث بقي الأمر يقتصر على تقييد الحالات المدنية (ميلاد، زواج، وفيات)، حتى سُن قانون فارنيي أو قانون الملكية الفردية (1873)، الذي يشكل بداية التأسيس الفعلي للنظام التلقيبي في الفضاءات الريفية، حيث ألزمت مادته السابعة عشر على ضرورة تدوين ألقاب عائلية في عقود الملكية (Estoublon et Lefébure, 1896, p. 410)، حتى يمكن تمييز الملاك عن بعضهم البعض، وذلك للتشابه الكبير بين أسمائهم، بفعل الوعاء التسموي المشترك الذي كانوا يأخذون منه أسمائهم (Ageron, 1968, p. 178).

لقد كانت صياغة هذه المادة في هذا القانون، بمثابة بداية التفكيك لمنظومة الاسم الثلاثي التي كانت قائمة في الجزائر قبل مرحلة الاحتلال، حيث أصبح الملاك يحملون ألقابا مختلفة يتنوع مدلولها وتتعدد تراكيبها، اكتشفتها في سجلات إقامة الملكية على مستوى مصلحة الدومين بمدينة قسنطينة، حيث اقترنت القوائم الطويلة لأسماء الملاك بألقاب عائلية لأول مرة[8]ومع ذلك فإن تطبيق هذا القانون على مراحل، ومع الميزانيات الضخمة التي كان يستنزفها، أخر تجسيده في بعض الفضاءات الريفية إلى بداية القرن العشرين، على غرار دوار احساسنة أنموذج هذه الدراسة.

سُن بعدها قانون 23 مارس 1882 بعنوان "إقامة الحالة المدنية للأهالي المسلمين" ليعمم خاصية اللقب على كامل الجزائريين في الريف والمدينة على السواء، حيث وردت فيه ثلاثون مادة وضع فيها المشرع الضوابط العامة التي يتم من خلالها لإدارة الاحتلال منح الألقاب للجزائريين، ليرفق لاحقا القانون بتعليمات 17 أوت 1885، وأخرى بتاريخ 20 أفريل 1888، تحت وصاية الحاكم العام للجزائر، بعنوان "الحالة المدنية للأهالي" وهي التعليمات التي جاءت لتفصل أكثر في مراحل منح الألقاب العائلية على أرض الواقع، وكيفية التعامل مع الحالات المختلفة، التي تصادف القائمين على هذه العملية (Gouvernement général de l’Algérie 1888)، حيث تلقى ساكنة دوار احساسنة النظام التلقيبي بموجب هذا القانون (23 مارس 1882)، لذلك سقط دور المفتش العقاري (كلف بتجسيد قانون الملكية) في صناعة الألقاب، وبرز دور مفوض الحالة المدنية موريس بوات.

الألقاب: هويات، دلالات ومآلات

قبل الخوض في هويات الألقاب ودلالاتها بدوار احساسنة، كنت قد أجريت مقارنة عامة بين الوجه العام لصيغة الألقاب في هذا الدوار ودواوير مجاوره له، على غرار دوار المراشدة الذي كلف فيه المحقق العقاري إدوارد جوفر Edouard Joffre))[9]  ودوار عامر صراوية الذي عين على رأسه المفوض جوزاف سيترا[10] (Joseph Sutra)، حيث كشفت لنا هذه المقارنة العامة عن وجود سياق خاص لكل دوار، أشرت ضمنيا عن حضور الخلفية الثقافية واللغوية، وتفاوتها بين هؤلاء المفوضين والمحققين.

إن المعاينة التي قمنا بها للسجلات الأم والشجرات العائلية بدوار احساسنة، أمدتنا بقائمة 223 لقبا، كان فيها تدخل المفوض موريس بوات في العملية التلقيبية واضحا من خلال اعتماده على عدة طرق كان أبرزها تأنيث الألقاب العائلية، وهي طريقة ظهرت أكثر في الدواوير التي عين عليها موريس بوات (Cherouena, 2017, p. 22)، نذكر من هذه الألقاب بدوار احساسنة: عواشرية، عميرية، عقايبية، غنمية، غربية، دراجية، ربايحية، مباركية، ملوحية، مساوية، لوالمية، لعمايرية، لعلاونية، سعيدية، ساحلية، زغدنية، زروقية، طواهرية، ثعابنية، رزقية، حدية، حابية، مسعودية، قسمية. [11]

كما كشف لنا القاموس التسموي للألقاب، عن اعتماد بوات على قاعدة تقوم على تحويل اسم الجد إلى لقب (Cornu, 1889, p. 20) على غرار الألقاب شايب، شوفي، معروف، مشري، نحوي، قوميدة، طبوشي، زغنون، رسول، شرقي، حملاوي ...الخ، وحتى لا يحدث تشابه في الألقاب عمد بوات (Boëte) في أخرى على تغيير الوزن مثل لقب قاسمي نسبة للجد بلقاسم، ولقب حمدية نسبة للجد حمدي، والعمارية نسبة للجد العماري، وخلوفي نسبة للجد لخلف، ولقب مومني نسبة للجد مومن، أما عينات ثالثة شكل فيها اللقب بإضافة البنوة لاسم الجد على غرار بن حسنة، بن لخلف، بن قرة.[12]

أما النسبة القبلية أو الجغرافية فكانت ضعيفة التركيز، عكست التوافد المحدود على هذا الدوار على الأقل خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، انحصرت في غرزولي (الغرازلة بسطيف)، دراجي (أولاد دراج بالمسيلة)، ريغي (ريغة بسطيف)، نايلي (أولاد نايل بالمسيلة)، لشلح (أولاد شليح بالأوراس)، شلالي (شلالة)، غربي (عامر الغرابة بسطيف)، أما بعضها الآخر فاستقيناه من اللقب نفسه على غرار لقب فريتح، الذي يعود في أصله لاسم أحد الجماعات القبلية، التي كانت منضوية تحت سلطة كنفدرالية الحراكتة القبلية وقاعدتها عين البيضاء[13].

لقد كان تبني النسب ظاهرة عامة متوارثة في الوسط المديني خاصة والريفي على وجه العموم، لكن ما يثير الانتباه هو بداية القطيعة مع الهوية الاسمية التقليدية القائمة على البنوة، بعد فرض ألقاب عائلية خول فيها قانون 23 مارس 1882، نظريا كبير الأسرة أو الابن البكر أو العم الأكبر، حق اختيار اللقب من الموروث المحلي (Gouvernement général de l’Algérie, 1881) لكن في ظل وجود ألقاب عائلية تتعارض مع القيم الاجتماعية يحيل إلى التساؤل عن نسبة حق الاختيار ؟ خصوصا وأن هذه العملية كانت تجر وراءها مشروعا استعماريا يهدف إلى تفكيك البنية الأسرية، وتشتيت الحلقات الاجتماعية التي تعرف بالفرق في الوسط الريفي.

لقد أمدتنا القائمة المستخرجة من السجلات الأم وشجرة العائلات، ببروز ألقاب في شكل كنى التي تقوم في الغالب مقام الاسم الأصلي، وتصاغ بلفظي "أبو" أو "ابن"، وهي ظاهرة ثقافية محلية متجذرة في الأوساط الاجتماعية الريفية (حماش، 2006، ص، 222)، قننتها التشريعات الاستعمارية عندما خولت لمفوض الحالة المدنية، استعمال ألفاظ بادئة مثل "بن" "بو". ففي دوار احساسنة توزع هذا النوع من الألقاب بصيغة "بو" بشكل معتبر نذكر منه: "بوذينة" كنية عن الذي يستمع لكل الاقتراحات، "بوعروج" وهو صاحب الحزام الأحمر من الصوف، "بوقزولة"، كنية عن صاحب العصا الغليظة، "بوقوس" كنية عن اعوجاج الظهر، "بوغرارة" وهو صاحب الكيس المصنوع من شعر الماعز (Bencheneb, 2014, p. 83, 345, 387)، وكنى أخرى مثل، بومعزة، بوعتروس، بوكبش.

كما انتشرت بدوار احساسنة الكنى بصيغة "بن" التي وردت في عينات منها "بن طريفة"، كنية عن صاحب الجسم الصغير، "بن زرداب"، كنية عن من يمارس الحفر، و"بن زيتون" التي تدل على ممارسة الفلاحة أو التجارة في هذا النوع من المنتوجات، "بن فنازة" كنية عن الذي يقوم بقطع أرجل الثيران وغسلها بعد ذبحها، "بن كماش" كنية عن الذي قبضة يده شديدة (Yermeche, 2005, p. 22-24).

إن هذه الكنى ودلالاتها المتنوعة، هي تحصيل حاصل للبيئة الثقافية للمجتمعات الزراعية التي عاشت في نطاق السهول العليا القسنطينية، وحتى في باقي الأقاليم الريفية في الجزائر حيث اقترنت حياتها بنشاط زراعة الحبوب ورعي الحيوانات، فيما انساقت مفرداتها نحو البساطة والتعبير عن أبنية ذهنية روتينية وليدة هذا الوسط، الذي يختلف في جوانب كثيرة عن الفضاء المديني، حيث تتعقد العلاقات أكثر آخذة بعدا منفعيا، يعتمد بشكل كبير على الصناعات الحرفية والتقليدية، لذلك نجد في هذا الوسط ألقاب "بوناطيرو" وهو صانع القلنسوات، "بوقلمون" صانع سلك السلاسل، " بودباغ" وهو محترف دباغة الجلود، وغيرها من الألقاب الحرفية (Bencheneb, 2014, p. 82-83).      

هذا ويمكن ملاحظة التشويه النسبي للهوية الاسمية بدوار احساسنة، من خلال منح ألقاب جارحة مستوحاة من أوصاف جسدية، على غرار بولحية، فرطاس، رقيق، جادور، أوصيف، جعوط، مصفار، لعور، كشراد، لحول، لرقط، لكحل، طبوشي، وأخرى لأسماء حيوانات وطيور عاشت في هذه الفضاءات، ولو أن توظيفها كان محدودا مثل كبش، ذيب، ثعبان، ثعباني، قنفود، طير، عقابي حيث من الصعب معرفة مدى تقبل السكان لهذا النوع من الألقاب. في المقابل سقطت في السجلات ألقاب المهن والحرف، كون السكان يعيشون على الفلاحة ولا يوجد ما يميزهم، حيث انحصر هذا النوع من الألقاب في براح، بعاج، نجار[14].

إن الوثائق المتوفرة لدينا بينت أيضا أن موريس بوات وعند تشبع قاموس الألقاب بمعايير النسبة، والكنية، والصفات الجسدية، وأسماء الحيوانات، لجأ إلى المنظومة الأنوماستيكية التي كانت متداولة محليا في تلك الفترة، جاعلا من بعضها ألقابا عائلية، متجنبا في نفس الوقت الأخذ من الوعاء التسموي المستمد من اسم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وأسماء الصحابة وذلك بسبب تركزها الكبير، ما يجعل من ظاهرة تشابه الألقاب واقعا، وهو ما يتناقض وأبعاد قانون 23 مارس 1882، الذي سعى إلى فصم الروابط الأسرية عبر تنويع الألقاب العائلية ولو بالقدر الذي يجعل من بعضها رموزا حرفية مفرغة المحتوى فاقدة الدلالة.

كان من الأسماء الخاصة المحلية التي حولها مورس بوات إلى ألقاب عائلية، نذكر "قروش" بمعنى الذي يقرمش بأسنانه، "زغدود" بمعنى الذي يَدُب في الأرض أو يسير ببطيء، "دقيش" وهو الذي يكسر الأشياء إلى قطع صغيرة، "نكاع" وهو المُرضع، "جلاب" وهو تاجر الماشية، "قروج" وهو الذي يقدم علفا للحيوانات، "بوشوشة" وهو الرجل المتميز بخصلة من الشعر، "زفزاف" تطلق على من عقله قليل النضج، "زويش" وهو صاحب الصوت المنخفض، "زغدنية" من زغداني وهو برنوس أسود بصوف كثيفة، "هباش" وهو المُكد في العمل، "دبش" وهو الذي يتحدث في مواضيع فاقدة القيمة (Bencheneb, 2014, p. 83, 342, 434, 1003)، أما أسماء أخرى التي حولها بوات إلى ألقاب، فوردت معلومة الدلالة مثل رضوان من الرضى، زهواني من الزهو، حيث عند تصفحنا للشجرات العائلية وجدنا غياب الصلة بين هذه الألقاب واسم الجد أو الأب، ما يحيل اقتباسها من قبل المفوض من الفضاء المحلي[15].

أما أكثر ما أثار ذهولنا ونحن ننجز في هذا البحث، هو كثرة الشجرات العائلية لنساء دون وجود رجال، ما يعكس الإرباك الديمغرافية، والتشرد الأسري الذي حل بهذا الدوار، دون أن نقف على مسبباته الحقيقة لغياب الشواهد التاريخية المتمثلة في الوثائق، فقد كانت النساء وحتى البنات كثيرات من مختلف الأعمار من سن 16 سنة إلى سن 70 سنة، يشكلن شجرة عائلية مبتورة الأوصال الأسرية، ورغم أن القاعدة العامة من قانون إقامة الحالة المدنية، حددت حق اختيار اللقب في عنصر الذكور، إلا أن المادة الرابعة من نفس القانون، ذكرت أنه في حالة الأسرة التي سيشملها اللقب ولا تتكون إلا من نساء، فإن اختيار اللقب يعود إلى واحدة منهن، فيما تعليمة الحاكم العام المؤرخة في 20 أفريل 1888، فتركت حرية التصرف للمفوض بالنسبة للنساء الكبيرات في السن وليس لديهن عقب ذكوري (Gouvernement général de l’Algérie, 1888, p. 17).

لقد كشفت لنا قائمة الشجرات العائلية عن تعامل المفوض مع عينة البنات والنساء بتأنيث ألقابهن، لكن بطريقتين الأولى هي توزيع اللقب بطريقة فردية على كل واحدة تم احصاؤها، مثل مباركة (35 سنة) ابنة مبارك بن دراجي، التي يبدو أنها اختارت لقب دراجي عن جدها، لكن موريس بوات دون لها لقب دراجية، وعلى شاكلتها فاطمة (26 سنة) بنت احمد بن حمدي، تلقت لقب حمدية عن الجد حمدي، وفاطمة (25 سنة) بنت بلقاسم بن بوغابة، دون لها لقب قسمية عن الأب بلقاسم، وحدة (22 سنة) بنت علي بن العماري، لُقبت العمارية، ونفس الشيئ بالنسبة لقرمية (16 سنة) بنت العيادي حيث لُقبت العيادية...الخ.

أما الطريقة الثانية فاعتمد فيها المفوض على توزيع نفس اللقب لمجموعة من النساء، رغم غياب صلة القرابة بينهن، فعلجية (60 سنة) بنت طاهر بن طاهر، وزعرة (57 سنة) بنت المكي، ويمينة (70 سنة) بنت علي بن الحاج، وزهرة (20 سنة) بنت علي تلقين كلهن لقب عليوية، وكل واحدة منهن شكلت شجرة عائلية، أما حليمة (30 سنة) بنت عمار، عائشة (44 سنة) بنت الطيب، ومسعودة (35 سنة) بنت عمار، تلقين لقب عمارية، ونفس الأمر للقب مباركية الذي كان نفسه في الشجرات العائلية من رقم 129 إلى رقم 132، ولقب سهلية في الشجرات العائلية من رقم 160 إلى رقم 165، ولقب سعيدية في الشجرات من رقم 166 إلى رقم 168...الخ.

إن هذه الظاهرة في توزيع ألقاب متشابهة في نفس الدوار رغم منع تشريعات الادارة الفرنسية لذلك، مرده في اعتقادنا إلى طبيعة الفئة التي تعامل معها المفوض، كون ألقابهن المتشابهة سيكون مآلها الاندثار مع الوقت بفعل الوفاة بالنسبة للكبيرات في السن، أو ستضمر عند الصغيرات بسبب الزواج.

إن ظاهرة تشابه الألقاب في دوار احساسنة لم نلمسها فقط في شجرات النساء، بل وقفنا عليها أيضا عند أسر في أعضائها رجال، كانت في ألقاب عواق، جادور، فرطاس، لحول، زوغامي، بوربش، لشطر، حيث تكررت الألقاب السبعة الأولى مرتين فيما اللقب الثامن تكرر ثلاث مرات. فهذه الحالات الفريدة تحيل إلى احتمال تلقي بعض هذه الأسر لألقاب خارج حدود دوار احساسنة التي تكون قد وفدت إليه في مرحلة متأخرة، وهو ما أدى إلى تشابه الألقاب، حيث ورد في الفقرة رقم 176 من الأوامر العامة المؤرخة في 17 أوت 1885، أنه في حالة الأهلي الذي تلقى لقبا في مجالات إدارية أخرى، فيتم احصاؤه في المجال الذي تنقل إليه (Gouvernement général de l’Algérie, 1888, p. 10).

في الواقع إن اقرار قانون الحالة المدنية بدوار احساسنة أدى في النهاية إلى احداث فوضى اجتماعية، وارباك أسري في تشكيل الشجرات العائلية، وقطيعة في بنية العوائل القديمة، التي لم نعد نعرف عنها سوى اشارات وردت في بعض تقارير المكاتب العربية، أو في المخططات العقارية، مثل عائلة بوعطية التي تنسب إلى أولاد سلطان، حيث شكل أفرادها أكبر شجرة عائلية في دوار احساسنة بمجموع 170 فردا، -منهم 28 فردا متوفون- اجتمعوا على اختيار لقب مستمد من اسم الجد أحمد بن بوعطية، تعبيرا عن امتدادهم الوجودي والأنوماستيكي[16] ومن العوائل القديمة أيضا عائلة شيبي بن محمد من أولاد عبد النبي (Douar Ahssasna, l’arbre généalogique, no 74)، وعائلة عمار بن دايرة التي تنسب لأولاد شرقي الذين جعل منهم بايات قسنطينة قوة عسكرية تعرف بالدواير يجردونها في حملاتهم ضد القبائل الواقعة شرق مدينة قسنطينة[17].  

من العوائل أيضا التي أشير إليها في المخططات العقارية الأولى عائلة سيدي امبارك، التي حملت هوية صوفية، مشكلا هذا النوع من العوائل نشازا في هذه الفضاءات التاريخية التي تنسب لقبيلة عامر الشراقة، التي كانت تربتها الثقافية بخلفية زراعية وتقاليد فلاحية، لذلك كانت بعيدة عن نشاط التصوف الذي لم تعرفه إلا في مرحلة متأخرة، عندما أسس بلقاسم بوحجر أحد تلامذة أحمد الزواوي، الزاوية الحنصالية على حدود وادي تيجرارين، في بداية القرن التاسع عشر (بوحجر، 2016، ص. 16) ، حيث اجتاحت الطرقية هذه الفضاءات في مرحلة متأخرة، لذلك كانت القباب غائبة، والعائلات بهوية صوفية نادرة التواجد (Cour, A. 1921, p. 91)، تمثلت في عائلة مقدم، وعائلة سيدي امبارك -كما أسلفنا-، الذي حمل أحفاده لقب بن زردة، كنية عن اقترانهم بطقوس الزردة التي كانوا يقيمونها كل خريف عند مزار الجد، الواقع قرب العين التي تحمل بدورها اسم عين الزردة[18].

إلى جانب ذلك تراجعت عن مشهد دوار احساسنة، أسماء الفرق التقليدية والنسبة إليها وهم أولاد تواتي، أولاد شرقي، أولاد حميدة، أولاد بلعيد، البشابشة، العثامنة، أولاد بوخالفة، أولاد سلطان، وسجلنا الاستثناء إلا في أولاد لشطر حيث حملت أحد الأسر المنحدرة منهم لقب لشطر. أما البقية فتشتتوا على عدة ألقاب، ولم يعد يُعرف عن نسبهم سوى ما احتفظت به الذاكرة المحلية على غرار الألقاب بوقوس (عثامنة)، شوفي (أولاد شرقي)، درويش (بشابشة)، وحتى جماعات الصخارة وزهانة الذين وفدوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من سهول وادي الزناتي (قالمة)، تشتتوا إلى مجموعة من الألقاب شكلت قطيعة مع نسبهم (Achille, R. p. 172) .فيما البعض الآخر لم نعد نعرف عن أصولهم سوى أنهم غرباء عن دوار احساسنة على غرار الشجرة رقم 44 عندما دُون لمحمد (36 سنة) بن سلامة بن محمد مع اخته حليمة (25 سنة) وابن أخيهم سلامة (08 سنوات) لقب براني[19].

لقد تحولت هذه الألقاب في اطار تثبيت ركائز الحالة المدنية في الوسط الريفي إلى ظاهرة هوياتية لصيقة بالأسماء الخاصة، تُورث سُلاليا للمولودين الجدد، انطلاقا من المواد رقم 291-1075-1028-87، حيث أخذت هذه الظاهرة بعدا وجوديا بدوار احساسنة حتى قبل إعلان نهاية الأشغال به في 19 نوفمبر 1892، ففي أواخر الدفتر الأم الذي كان مخصصا للإحصاء، دونت به حالات لولادة جديدة كان قد ألصق بها اللقب لأول مرة، بعدما حملته عائلاتهم على غرار الطفلة ظريفة التي ولدت في 12 أوت 1892، دون لها المفوض لقب والدها بن دايرة، وأيضا الطفلة حفصية التي ولدت في 18 أوت 1892 استقبلت لقب بوهجاجة، ونفس الشيئ بالنسبة للطفل علي الذي دون له المفوض بعد ولادته في 12 أوت 1892 لقب مترفي[20]. هي عينات عبرت عن بداية تجذر نظام الحالة المدنية في الوسط الريفي الجزائري، ودفعها للأفراد على التعامل مع هذا الواقع التسموي الجديد للعائلات.

خاتمة

بعدما كانت منظومة الأسماء الثلاثية التقليدية تشكل بنية لغوية بمدلولات ثقافية وعقائدية ترسخت وجودا وممارسة، في المجتمعات الزراعية التي استطاعت أن تبني من خلالها علاقات متشعبة وقوية، جاءت التشريعات الفرنسية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كظاهرة سالبة أحدثت قطيعة مع هذه الأسماء، من خلال الدفع بنظام الحالة المدنية، الذي أقر خارطة تلقيبية مبنية على الحيز المجالي لكل دوار، الذي تحول إلى فضاء رمزي يحتضن مدلولات محلية تعكس تركيبته الاجتماعية، وخلفيتها الثقافية، تختلف في الكثير من الأحيان عن دواوير أخرى، وهو ما حول الفضاء الريفي إلى فسيفساء من الدلالات الهوياتية المتنوعة والمتباينة.

لقد كشفت لنا عينة دوار احساسنة عبر فضاء الريف القسنطيني عن تغيرات حادثة ألمت به، بعد أن اجتاحته هشاشة اجتماعية، وحلحلة في نسيجه الأسري الذي تشتت على 223 شجرة عائلية، تقاطعت فيها الألقاب بصيغ مختلفة، ودلالات متباينة كان فيها دور مفوض الحالة المدنية موريس بوات واضحا، عندما تداخلت حياته الشخصية، وخلفياته الثقافية مع مساره المهني، انعكست في اعتماده الغالب على طرق بسيطة في صياغة الألقاب العائلية، التي كان أغلبها بسيط المعنى سهل التأويل على غرار الكنى والنسبة القبلية والألقاب المؤنثة، وإن كان بعضها الآخر قد صاغه في شكل رموز حرفية مفرغة المحتوى فاقدة الدلالة.

لقد تحولت هذه الألقاب مجتمعة إلى ظاهرة سالبة مشوشة للانتماء، مفككة للروابط الدموية، ومحدثة لشروخ وتصدعات اجتماعية، بعدما صارت مشهدا متجذرا نُطقا وتوثيقا هز العادات التسموية في الوسط الريفي، وعزلها عن السياق السلالي التقليدي المحلي.

بيبليوغرافيا

حماش خليفة، (2006). الأسرة في مدينة الجزائر خلال العهد العثماني، رسالة مقدمة لنيل دكتوراه دولة في التاريخ الحديث، جامعة الاخوة منتوري قسنطينة.

زمولي ياسمينة، (2003). الألقاب العائلية في الجزائر من خلال قانون الحالة المدنية أواخر القرن التاسع عشر (1870-1900) قسنطينة أنموذجا، مذكرة ماجستير في التاريخ الاجتماعي، جامعة الاخوة منتوري قسنطينة.

عمارة علاوة، من عالم الدوار إلى البلدة الريفية (2015)، تاريخ منطقة بني حميدان من أقدم العصور إلى غاية 1962، قسنطينة، منشورات اقرأ.

قشي فاطمة الزهراء، (1998). قسنطينة المدينة والمجتمع في النصف الأول من القرن الثالث عشر للهجرة، من أواخر القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، دكتوراه دولة في التاريخ الاجتماعي، جامعة تونس الأولى.

Achille, R. (1909). Étude ethnographique sur la population indigène de la commune mixte d’Ain M’lila, Recueil des notices et mémoires de la société archéologique du département de Constantine, no 43.

Ageron, Ch.- R. (1968). Les Algériens musulmans et la France (1771-1919), tome I, Paris : Presses universitaires de France.

Atoui, B. (1996). Toponymie et espace en Algérie. thèse pour l’obtention du diplôme de doctorat, université de Provence Aix Marseille1.   

Babés, L. (1984). Mythes d’origine et structures tribales dans le Constantinois sous la domination Turque, Essai sur le fondement du pouvoir politique. Thèse pour le doctorat troisième cycle, université Aix Marseille.

Benramdane, F. (1997). De quelques représentations anthroponymiques et toponymiques dans les pratiques langagières dans l’ouest algérien. In : Les récits et l’histoire, Alger : Cnrpah.

Benramdane, F. (1999). Espace, signe et identité au Maghreb : du nom au symbole, Insaniyat, 9, 181-70.

Benramdane, F. (2000). Qui es-tu ? J’ai été dit : de la déstructuration de la filiation dans l’état-civil d’Algérie ou éléments d’un onomacide sémantique, Insaniyat, 10, 193-166.

Boukhobza, M.(1978) , Monde rural, Contraintes et mutations. Alger : Office des Publications Universitaires.

Chellig, N. (2005). Du nomadisme, essai  d’anthropologie historique sur les relations entre les pouvoirs dans la société algérienne. Alger : CNRPAH.

Cherouana, R. (2017). Le statut des commissaires de l’état-civil en Algérie à la période coloniale: l’exemple de Jean-Maurice Boët. El Maalim, 20, 216- 224.

Cornu, E. (1889). Guide pratique pour la constitution de l’état civil des indigènes. Alger : librairie Adolphe Jorda.

Estoublon, R. et Lefébure. A. (1896). Code de l’Algérie annoté, recueil chronologique des lois, ordonnances, décrets, circulaires etc., formant la législation actuellement en vigueur. Alger : libraire- éditeur Adolphe Jordan.

Féraud, L. Ch. (1869). Notes historique sur les tribus de la province de Constantine. Recueil des notices et mémoires de la société archéologique du département de Constantine, no 13.

Gouvernement général de l’Algérie (1888). État civil indigènes, instruction, faisant suite aux instructions générales du 17 août 1881 sur la constitution de l’état civil des indigènes musulmans de l’Algérie, 20 avril 1888, Alger : imprimerie administrative Gojosso.

Julien, Ch.- A. (2006). Histoire de l’Algérie contemporaine, La conquête et les débuts de la colonisation (1827-1871). Alger : Casbah éditions.

Lachraf, M. (1998). Des noms et des lieux : mémoires d’une Algérie oubliée. Alger : Casbah.

Ministre de la Guerre (1840). Tableau de la Situation des Établissements Français dans l’Algérie. Paris : imprimerie Royale.

Ministre de la Guerre (1866). Tableau de la Situation des Établissements Français dans l’Algérie. Paris : imprimerie Royale.

Ben Cheneb, M. (2014). Dictionnaire pratique Arabe-Français. Alger : Office des Publications Universitaires.

Megnaoua, C. (1929). Le registre du Caïd el Bled de Constantine (30 mai-28 février 1850). Analyse des arrêtés pris par le Caïd el Bled. Constantine.

Yermeche, O. (2005). L’état civil algérien: genèse d’un processus dénominatif des noms et des noms, État civil et anthroponymie en Algérie. Oran : Edition du Crasc.

Yermeche, O. (2005). Le patronyme algérien : essai de catégorisation sémantique, Nomination et dénomination: des noms de lieux, de tribus et de personnes en Algérie. Oran : Edition du Crasc.

الهوامش

[1] يعد من أهم الأودية التي زودت قسنطينة بالمياه عبر التاريخ، ينبع من عيون بومرزوق بعين مليلة ليأخذ مجراه وُجهة من الجنوب نحو الشمال الشرقي بطول  31.5كم، عبر طبوغرافية منبسطة، تغذيه عدة روافد توزعت في الحوض الجزئي بقبيلة الزمول (عين مليلة)، والحوض الجزئي بقبيلة السقنية (من عين فكرون إلى سيقوس)، والحوض الجزئي لمجال قبيلة عامر الشراقة (من مهيريس إلى الصفصافة).

صندراء بوستي، (2005). ص. 19-20.

[2] غرٌامة من الغرامة بمعنى يدفعون الضرائب لسلطة الأتراك.

[3] Tableau de la situation des établissement français dans l’Algérie, 1840, p. 327.

[4] Procès-verbal, état par douar de la population des Ameurs, 1866.

[5] شيدت مستوطنة عين امليلة على طريق قسنطينـــــــــة بسكــــرة شمل مجالها الاستعماري كل من عزلة عين حدادة، وعزلة الفزقية وعزلة كرشة، والقراح، بمساحة أكثر من 2017 هكتار.

FR ANOM, 15L/1, Territoire de colonisation d’Ain M’lila.

 

[6] Registre des arbres généalogiques, douar Ahssasnah, 1892.

[7] Tableau de la situation des établissements français dans l’Algérie, 1840, p. 229.

[8] Liste des propriétaires, douar Meracheda, 1891.

[9] Propriété indigènes, liasse no 91.

[10] Registre des arbres généalogiques, douar Ameur Seraouia, 1892.

[11] Registre des arbres généalogique, douar Ahssasna, 1892.

[12] Ibid.

[13] Tableau de la situation des établissement français dans l’Algérie, 1840, p. 323.

[14] Registre des arbres généalogiques, douar Ahssasna, 1892.

[15] Registre des arbres généalogiques, douar Ahssasna, 1892.

[16] Douar Ahssasna, l’arbre généalogique, n° 46.

[17] Procès-verbal, Historique des Ameurs Cheraga, 1864.

[18] Procès-verbal, sources et puits, 1866.

[19] Douar Ahssasna, l’arbre généalogique, n° 74.

[20] Registre matrice, douar Ahssasna, 1892.

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2020 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche