تقديم


انسانيات عدد 88| 2020 |رهانات سياسية وديناميات اجتماعية - الخطابات والفاعلون |ص 09-12| النص الكامل



ليس ثمة شك في أن الحراك مايزال مجالًا بحثيا غير مدرك بشكل كامل. وعلى الرغم من وفرة الدراسات حول هذا الموضوع، إلا أنه قلب موازين اليقين والدلائل حول وضعية الجزائر في فترة ما بعد "الربيع العربي".

وتقتضي دراسة الحراك على أنه مؤشر اجتماعي وأنثروبولوجي لعلاقة الجزائريين بمؤسساتهم، كما أنه يشكل فعلا سياسيا يندرج ضمن مسار عملية الاضطرابات وإعادة التشكيل التي تشهدها البلاد منذ أحداث أكتوبر 1988 (Benzenine, Boumaza & Yalaoui (dir.), 2012; El Kenz, 1991; Boukhobza, 1991).

علاوة على ذلك، يكشف الوضع السياسي والاجتماعي الجديد في الجزائر مثلما هو شأن الاحتجاجات الشعبية والحركات الاجتماعية في المنطقة (العالم العربي) عن هشاشة العلاقة بين الدولة بمؤسساتها وبالمواطن، و هو ما يعبر أيضا عن حقيقة نعرفها منذ 2011 مفادها أنّ قوة النُظم تكمن في "ظاهرها" (Camau & Vairel, 2014).

يشكّل الحراك، بلا شك، لحظة تاريخية كشفت غليانا شعبيا غير مسبوق، على اعتبار أنه حركة اجتماعية وشكلا من أشكال العمل الجماعي المتظافر لصالح قضية ما" (Le Saout, 1999) ،وعلى هذا الأساس تمّ التفكير في إنجاز هذا العدد من إنسانيات. فهو عدد يندرج ضمن التراكم المعرفي لإنتاجات المجلة حول موضوع الحركات الاجتماعية والحركات الجمعوية، ففي سنة 1999 جاء العدد الثامن لمجلة إنسانيات ليتناول موضوع "الحركات الاجتماعية، الحركات الجمعوية" وفي سنة 2012، العدد المزدوج 57-58 "الجزائر خمسون سنة بعد الاستقلال" (1962-2012). بين الاستمرارية والتغيّر. وفي سنة 2008، وأصدر مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية مؤلفا حول الجزائر بعد 50 سنة. حوصلة المعارف في العلوم الاجتماعية والانسانية 1954-2004 (تحت إشراف بن غبريط-رمعون ومصطفى حداب)، قدّم من خلاله المساهمون عرضا حول تطور المعارف المتعلقة بالمجتمع الجزائري خلال أربعة عقود من الزمن.

في أبريل 2019، نظّم  المركز ندوة تناول من خلالها عددا من الملاحظات المستخلصة من الحراك واضعا إيّاها في اطارها العلمي الصحيح[1]، و ذلك من خلال الإشارة إلى النماذج والمبادئ الضمنية التي تنظم هذه الحركة : المطالبة بدولة القانون، والطابع السلمي (السلمية) والتلاحم الذي ميّز المسيرات والتجمعات ورفض أي شكل من أشكال محاولات الاستحواذ السياسي أو الحزبي، واستحضار التاريخ، وخاصة حرب التحرير الوطنية بالإضافة إلى رفض أي تدخل أجنبي في الشأن الداخلي، إلخ.

كشف تملُّك المتظاهرين للفضاء العمومي وبشكل دائم، عن ما اصطلح عليه كل من (Alban Bensa) و(Eric Fassin) بـــــــ "الـقطيعة مع الإدراكية". وتبقى أسباب انطلاق الحراك ومنطق انتشاره غير مفهومة على الرغم من الدراسات والنقاشات الأكاديمية والتحليلات السياسية التي تنبأت بوقوعه، بعد سنة 2011، في ظل الواقع السياسي والاجتماعي الذي أنذر بحدوث اضطرابات وعدم استقرار (ديرآش، 2019؛ عدي،2017؛ بن عمارة، 2016؛ بلخضر، 2015؛ جابي، 2012، إلخ.)

ترمي مجلة إنسانيات، من خلال هذا العدد، إلى استخراج العناصر الأولية ذات العلاقة بمدى "التفرد" الحقيقي أو المزعوم لهذه "الثورة" المواطنية من جهة ، ومن جهة أخرى إلى التفكير في ظروف نشأتها و تنظيمها وجداول أعمالها.

في النهاية، يطمح العدد إلى اشراك الباحثين في التساؤل عن "نقاط الظل" في هذا الميدان البحثي، مع الحفاظ على المسافة اللازمة مع "المشاعر السياسية" Braud)، 1996)، و هو هدف صعب المنال خصوصا إذا ما تعلق الأمر بالحراك الذي يعد مسارا غير مكتملة المعالم ولا تزال ديناميتها مستمرة ومتعددة الأوجه.

سمح انفتاح العدد على التحقيقات الواسعة باستقبال العديد من المقالات من الجزائر وخارجها. تناولت بالدراسة مواضيعا مختلفة، تمّ جمعها في جزئين " التاريخ، الاعتراف والمؤسسات " و"الخطابات والفاعلون".

أمّا في الجزء الثاني من هذا العدد "الخطابات والفاعلون"، فهو يستكشف أغوار الحراك ومداه وشدّته بالإضافة إلى الأسس التي شيّدت هذا المشروع والفاعلين الذين أحيوا تطلعاته وأيضا الخطابات والمواقف التي عارضته. 

وفي هذا الجزء يتطرق عمار محند عامر الى الأدبيات السياسية المخصصة لخطاب التفنيد للفلسفة الكامنة وراء حراك 22 فيفري 2019. يرتكز التدقيق في هذا الخطاب حول الفكرة والاتهام المتعلق بموضوع الارتباطات "المزعومة" للحراك بقوى خارجية وكذلك الجدل القائم حول وحدة وتجانس هذه الحركة عبر الزمن.

في هذه النقاشات، ليس من الخطأ التفكير في الحراك على اعتبار أنه تعبير عن شرخ داخل المجتمع وتفكك للرابطة الاجتماعية بين مختلف شرائح المجتمع وأصحاب القرار.

وعلى هذا الأساس، يعتبر سعيد بلقيدوم في مساهمته أن أزمة النظام الجزائري هي أزمة النظام الباتريموني، موضحا أن القطيعة الجيلية كانت موجودة، ولكنها ما تزال  غير ملحوظة. وبفضل الحراك وديناميته تم الكشف عن هذه القطيعة وتسجيلها في زمن تاريخي حيث يمكن الرهان على بناء مشروع سياسي واجتماعي جديد.

داخل هذه المقاربة الجديدة للممارسة السياسية التي فعلّها الحراك، تدرس عائشة بن عمّار التعبئة النسوية في ضوء سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية وعلاقتها بالنضال الحزبي. وفي ذلك تتطرق الباحثة إلى محددات ومنطق عمل هذه الحركة السياسية والاجتماعية المبتكرة والمختلطة اعتمادا على دراسة ميدانية.

كما توسعت فاطمة أوصديق في التحقيقات لتطال مجموعات اجتماعية أخرى بالاعتماد على وسائل الديموغرافيا، وفي ذلك يعتمد مقالها على تقديم فوتوغرافيا للمتظاهرين. والسؤال الرئيس المطروح يرجع الى ضرورة إعادة تشكيل قصة التاريخ الوطني وتحرره من القيود السياسية والايديولوجية لصالح مشروع العصرنة والديمقراطية التي جاء بها الحراك. 

علاوة على ذلك، شكلت الأشكال المختلفة والمتعددة المعاني للتعبير ( شعارات، أغاني، رسومات، كوريغرافيا، أعلام ورايات، ..الخ) المستخدمة في حراك 22 فيفري 2019 مجالا خصبا للدراسة. فمعظم المقالات المنشورة في هذا العدد أو في مجلات أخرى اعتمدت على هذه المادة العلمية.

تعتمد مساهمة كريم وراس على مقاربة ميشال فوكو، حلّل من خلالها الحراك ليس على اعتباره وعاء بسيطا للنضال والهيمنة ولكن كخطاب والخطاب المضاد له، خصوصا إذا ما تعلق الأمر بالإسقاط على سمته وممارسته الجديدتين. المهم بالنسبة للكاتب هو حصر الثنائيات التاريخية و الأنثروبولوجية واللسانية والسوسيو سياسية المعقدة التي أبرزتها القفزة الجماهيرية لسنة 2019.

من جهتها، عالجت مريم موساوي موضوع الحراك من خلال الممارسات والتعابير اللغوية. فهي تنظر إلى الحراك، من خلال مقالها، على أنه فضاء متعدد الاستعمالات أين يتم صياغة الخطابات من مختلف الشرائح الجيلية. ويتعلق الأمر هنا أيضا بالكلمات/الشعارات وديناميتهم وبحركة الكلام. ففي هذه الوضعية، اللّغة متعددة وتشير اختلافاتها إلى البعد الهوياتي والاستدلالي والاجتماعي. 

تناولت صافية أرزقي الحراك انطلاقا من تحليل اللغات المستعملة في تحرير الملصقات (post-it) المعلقة على جدران ساحة موريس أودان (الجزائر العاصمة). تساءلت الباحثة حول اللغة في ذاتها وأشكالها واستعمالاتها بالإضافة إلى علاقتها وارتباطها بمطالب الحراك. يكشف العمل عن أهمية التعددية اللّغوية داخل الدينامية السياسية والاجتماعية لحركة 22 فيفري 2019.

ختاما، نحن نطمح من خلال هذا إلى تحقيق هدف لجنة القراءة لمجلة إنسانيات بإنجاز هذا العدد حول الحراك مع احترام المسافة المعرفية اللازمة في مواجهة استدعاء التاريخ بشكل غير معهود وغزارة المعلومات. 

حقيقة، لقد كانت تجربة تحريرية فريدة حيث أن الديناميات السياسية والاجتماعية التي جاء بها حراك 22 فيفري لازالت تؤثر في المجتمع وفي المؤسسات. وهذا ما أظهرته جل المساهمات، فالحراك تدّفق مستمر على الرغم من أنّ جائحة كوفيد 19 قللت نسبيا من فاعليّته.

و أملنا في المستقبل أن يفتح مسار البحث والأعمال الأولية التي قدّمها هذا العدد آفاقا أرحب نحو فكر أعمق ومشاريع أوسع ونتائج متجدّدة حول حراك شكّل علامة مميّزة في المجتمع الجزائري.-اليوم-

عمار محند عامر

ترجمة سارة بن عبدالقادر

جـــابي عبد الناصر، (2012). لماذا تأخر الربيع الجزائري. الجزائر : منشورات الشهاب.

Addi, L. (2017). Système politique et paix civile en Algérie. Confluences Méditerranée, 1, (100), 27-39. URL: https://bit.ly/3tRTApX.

Baamara, L. (2016). L’écart difficile aux routines contestataires dans les mobilisations algériennes de 2011. Actes de la recherche en sciences sociales, 1, (211-212), 109-125

Belakhdar, N. (2015). « L’éveil du Sud » ou quand la contestation vient de la marge: Une analyse du mouvement des chômeurs algériens. Politique africaine, 1, (137), 27-48.

Benghabrit-Remaoun, N., Haddab, M. (dir.), (2008). L'Algérie 50 ans après. État des savoirs en Sciences Sociales 1954-2004. Oran : Editions CRASC.

Bensa, A. & Fassin, E. (2002). « Les sciences sociales face à l’événement ». Terrain, (38). URL : http://journals.openedition.org/terrain/1888 ; DOI :10.4000/terrain.1888.

Benzenine, B. & Boumaza, N. & Yalaoui, A. (2012). Algérie. 50 ans après l’indépendance (1962-2012) : permanences et changements (présentation), Insaniyat, (57-58).

Boukhobza, M. (1991). Octobre 88 : évolution ou rupture ? Alger : Bouchène.

Braud, Ph. (1996). L’émotion en politique. Paris : Presses de Sciences Po.

Camau, M., Vairel, F. (dir.), (2014), Soulèvements et recompositions dans le monde arabe. Paris: Les Presses de l’Université de Montréal.

Direche, K. (2019). L'Algérie au présent. Entre résistances et changements. Paris: Karthala.

El Kenz, (1991). Au fil de la Crise : 5 études sur l'Algérie et le monde arabe. Alger: Bouchène.

Le Saout, D. (1999). Les théories des mouvements sociaux. Structures, actions et organisations : les analyses de la protestation en perspective. Insaniyat(8) , , 145-163.

[1] "حراك 22 فيفري 2019 : عناصر أولية للنقاش"، نقاشات مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، 22 أفريل 2019.

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2021 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche