Warning: in_array() expects parameter 2 to be array, null given in /home/mcrmamjf/insaniyat.crasc.dz/plugins/system/helix3/core/classes/menu.php on line 66

Warning: in_array() expects parameter 2 to be array, null given in /home/mcrmamjf/insaniyat.crasc.dz/plugins/system/helix3/core/classes/menu.php on line 66

Warning: in_array() expects parameter 2 to be array, null given in /home/mcrmamjf/insaniyat.crasc.dz/plugins/system/helix3/core/classes/menu.php on line 66

Warning: in_array() expects parameter 2 to be array, null given in /home/mcrmamjf/insaniyat.crasc.dz/plugins/system/helix3/core/classes/menu.php on line 66

Warning: in_array() expects parameter 2 to be array, null given in /home/mcrmamjf/insaniyat.crasc.dz/plugins/system/helix3/core/classes/menu.php on line 66

Warning: in_array() expects parameter 2 to be array, null given in /home/mcrmamjf/insaniyat.crasc.dz/plugins/system/helix3/core/classes/menu.php on line 66

Warning: in_array() expects parameter 2 to be array, null given in /home/mcrmamjf/insaniyat.crasc.dz/plugins/system/helix3/core/classes/menu.php on line 66

Warning: in_array() expects parameter 2 to be array, null given in /home/mcrmamjf/insaniyat.crasc.dz/plugins/system/helix3/core/classes/menu.php on line 66

Warning: in_array() expects parameter 2 to be array, null given in /home/mcrmamjf/insaniyat.crasc.dz/plugins/system/helix3/core/classes/menu.php on line 66

Warning: in_array() expects parameter 2 to be array, null given in /home/mcrmamjf/insaniyat.crasc.dz/plugins/system/helix3/core/classes/menu.php on line 66

Warning: in_array() expects parameter 2 to be array, null given in /home/mcrmamjf/insaniyat.crasc.dz/plugins/system/helix3/core/classes/menu.php on line 66

Warning: in_array() expects parameter 2 to be array, null given in /home/mcrmamjf/insaniyat.crasc.dz/plugins/system/helix3/core/classes/menu.php on line 66

الشريك المثالي بين الواقع و المخيال : دراسة لتمثلات شباب بمنطقة وهران

 إنسانيات عدد 62 | 2013 | عدد متنوع | ص39-56 | النص الكامل   


The ideal partner between reality and imagination: a study of representations of young people in the region of Oran 

Abstract: The choice of the partner is regarded as a fundamental experience of life and it is based, according to the convergence of several studies, on various factors, which developed after the retreat of the traditional pattern, which gave more weight to the family in the choice. Our subject of interest in this article relates to this choice through the study of the representations of the young people in the region of Oran while taking into account of the dimension of the kind.
It was revealed from this study that women depart from reality in the partner’s choice and consider that the partner of the conjugal life or the husband should be the ideal one. But for men the image of the ideal partner is conceived from imagination while the choice of the wife is based on reality, with the confirmation of the impossibility that the wife is the ideal partner because the issue is related to the sexual stake, the stake used by the man to move between the norm (represented by reality and the spouse) and his foolishness (represented by the imaginary and ideal partner) assigning responsibility for this displacement, the norm excess and vice versa, the woman alone.

Keywords: sexuality, body, reality, fantasy, social representations


Keltouma AGUIS: Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle, 31 000, Oran, Algérie


مقدمة

ورد التحرش الجنسي في أولى المراتب من حيث درجة الانتشار وآخر المراتب من حيث درجة الخطورة في سلم الممارسات الجنسية التي قمنا بتصنيفها في إطار تحضيرنا لأطروحة دكتوراه في الأنثروبولوجيا [1]، وذلك رغم أن المعطيات المتداولة عن التحرش الجنسي بلغت من الأهمية ما جعل مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية يخصّص لها مشاريع بحث تُوّجت بملتقى دولي تناول التحرش في كل أشكاله وأبعاده في العديد من الفضاءات، خاصة الوسطين الأسري و المهني[2].

التناقض الصارخ، الكامن في تحميل التحرش الجنسي شحنة إيجابية، و الذي يعتبر في الأصل تجاوزا للمعايير الاجتماعية ـ فهو جنحة حسب قانون العقوبات [3]ـ ، يمكن لنا أن نرجعه إلى ثلاثة عوامل: العامل الأوّل هو جهل هؤلاء المتحرشين أو ربّما تجاهلهم للتعريف القانوني للتحرّش الجنسي؛ العامل الثاني هو ضعف المتابعة الجزائية ضد ممارسي التحرش الجنسي على الغير، رجلا كان أم امرأة، فالظاهر أنّ الإجراءات المتبَعة لا تبدو صارمة ومعروفة كتلك المتّعلقة بالاغتصاب مثلا؛ العامل الثالث يكمن في أن الكثير من المتحرشين ينفون الخطورة تماما في تصنيفهم للتحرّش الجنسي ويعطونه مرادفا مغايرا، فبدلا من العنف في أشكاله المتعدّدة، يعطونه معنى المغازلة والتودد إلى الآخر، الذي غالبا ما يكون امرأة.

يبدو أنّ قيام الرجل بمغازلة المرأة والتوّدد إليها لم يعد ممارسة سلبية في المجتمع الجزائري اليوم، أو على الأقل ممارسة يحرص الفاعلون فيها على أن تتّم بصورة خفية، بل أضحت من المشاهد المتكرّرة في الفضاء العام مثلما سبقت الإشارة إليه. وأكثر من ذلك فإن إسقاط الخطورة تماما عن التحرّش الجنسي لا تقف عند هذا المستوى، بل تستمر إلى أن يصبح فرصة لمشروع ارتباط جاد إذ كثيرة هي تجارب الزواج التي قد تنطلق من وضعية تحرش جنسي، أو ما قد يوحي إليه المشاركون بأنّه مغازلة وتوّدد إلى الغير.

هذه الممارسات دفعتنا لطرح الأسئلة التالية: عمّ يبحث ’’المغازلون’’؟ نتصّور أنّهم في عملية بحث متواصلة عن الشريك المثالي، لكن كيف يتصّورون هذا الأخير؟ ما هي الخصائص التي يشترطونها فيه؟ هل تقوم على الجمال فقط؟ و كيف تتموقع الخصائص المتعلّقة بالجنسانية؟ كيف يتم التعامل معها من حيث الأهمية؟ كيف تتعامل النساء مع خصائص الشريك المثالي وكيف يتعامل الرجال مع خصائص الشريكة المثالية؟ هل يراد بالشريك المثالي الزوج أم أنّ هناك اختلافا بينهما؟

سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال تطرّقنا إلى التمثلات حول الشريك المثالي لدى مجموعة من الشباب بوهران و ذلك من خلال التركيز على المفاهيم التالية: الجنسانية، الجسد، الواقع، المخيال، الرقابة الاجتماعية و التمثّلات الاجتماعية.

حول مفهوم التمثّلات الاجتماعية

تعرِّف "دونيس جودلي"(Denis Jodelet) التمثلات الاجتماعية بكونها: "طرق تفكير تطبيقية موّجهة نحو التواصل، الفهم والتحّكم في المحيط الاجتماعي.إنّها تقدّم خصائص محدّدة حول مخطط تنظيم مضامين العمليات الذهنية والمنطق"[4] . و يقدّم "س. موسكوفيسي" (S. Moscovici) بدوره تشريحا دقيقا لمفهوم التمثلات الاجتماعية فيرى بأنها :"بُنية تقع بين المفهوم والتصّور، تساهم في تكوين السلوكات وفي توجيه المعارف الاجتماعية، تتميز بالتركيز على علاقة اجتماعية و على ضغط تجاه الاكتشافات، تتبلور في كيفيات مختلفة من التواصل: الانتشار، الادعاء و الإشاعة، تبلغ مسارات الموضوعية و التصنيف" [5].

لقد قام كل من "محمد برنوسي" و "أنياس فلوران"(Agnés Florin) برصد القواسم المشتركة في التعريفات التي يقدّمها عدد من المفكرين المهتّمين بدراسة التمثّلات الاجتماعية و قدما التعريف التالي: "تأتي [التمثلات] في شكل معرفة مُبلوَرَة ومشتركة اجتماعيا، لها هدف تطبيقي كدمج الحقيقة وتفعيلها للتواصل (..) ويمكن تناولها كمنتوج و لكن أيضا كسيرورة، إذ يتعلّق الأمر بتملّك حقيقة اجتماعية تكون في الغالب خارجية (..) و تقع في أضيق مساحة داخل العلاقات الرمزية بين المجموعات و داخل المجموعة الواحدة" [6].

لا تعرف المعاني التي قُدمّت حول التمثلات الاجتماعية اختلافا يصل إلى حدّ التناقض فيما بينها،إلاّ أنّ هذا لا يمنعنا من التمسّك بأحدها دون البقية وهو المعنى الذي يطرحه "جودلي" حيث يرى أنّ " التمثّل هو عملية ذهنية يقوم الفرد من خلالها بالارتباط بموضوع معيّن، شخصا كان أو شيئا أو حدثا، نفسيا أو اجتماعيا، ظاهرة طبيعية، فكرة، نظرية... و قد يكون واقعيا كما قد يكون خياليا أو أسطوريا، لكنّه مُكْتسَب دائما"[7] .

يحمل أغلبية الأفراد مجموعة من التمّثلات حول الشريك المثالي، فيضعون له مجموعة من الخصائص قد تكون شائعة وقد تكون محددة. الأمر الذي يجعل هذا الشريك المثالي مرتبطا بالمخيال الاجتماعي و تحديدا بما يعرف بالفانتازم (fantasme) من جهة، والواقع الاجتماعي من جهة أخرى. و نظرا لأهمية هذه الخصائص في تحديد كيفية و نوعية و عدد العلاقات التي يربطها الفرد، رجلا كان أم امرأة، بالشريك المثالي، والتي تفسّر حالات التحرّش الجنسي الممارسة في الفضاء العام بكونها عمليات بحث متكرّرة ومتواصلة عن هذا الشريك، فإنّنا نريد معرفة الخصائص التي يطلبها الأفراد في الشريك المثالي، وسنرّكز بوجه خاص على الخصائص المتعّلقة بالجنسانية وبالجسد، باعتبارهما من المفاهيم الأساسية المعتمدة في هذا العمل البحثي.

اختيار الشريك و تعدّد مقاربات البحث

شدّ اختيار الشريك كموضوع بحث اهتمام العديد من الباحثين، فمن الدراسات المرجعية نجد تلك التي أشرف عليها "ألان جيرارد" (Alain Gérard) حول اختيار الشريك سنة 1964، إذ اهتمت بمحاولة الإجابة على سؤال "من يتزوج من ؟" انطلاقا من استبيان ميداني مسّ أكثر من 1200 زوج. لقد أسفرت النتائج على أنّ الزواج ورغم بساطته لا يبدو كفعل يتطلّب تفكيرا مطوّلا فحسب، وإنّما يعدّ تجسيده في كثير من الأحيان صعبا لأن المجتمع وضع حدودا بين الجنسين، لتظهر الحفلات الراقصة بكل أشكالها كمؤسسة موجّهة لتشجيع الزواج مع تواطؤ للبالغين [8].

من جهتها كشفت "مونيك دوبري لا تور" ( Monique Dupré La Tour) لدى دراستها لاختيار الشريك، ضمن مقاربة التحليل النفسي، أن عملية الاختيار تتطلب أخذ كل الوقت اللازم مما يتيح مستقبلا تكوين ثنائي، و تطرح أربع غايات يقوم عليها اختيار الشريك: أولا بهدف الانفصال عن الأبوين، وثانيا تأسيس عائلة، وثالثا مواجهة الجنسانية، وأخيرا إنقاذ الذات عن طريق إنقاذ الآخر [9].

أما "ميشال موران" ( Michel Moral) فقد تناولت مسألة اختيار الشريك من زاوية مختلفة، إذ تساءلت عن كيفية تأثير العلاقة التي تجمع بين البنت و الأم في اختيار شريك البنت وذلك من خلال الاعتماد على القصة كمجال بحث رئيسي. لقد بينت في دراستها أن الواقع يعكس اختلافا جليا بين ما تداولته القصص، و منها قصة عروس البحر ذات الرجلين المتلاصقتين، و بين رفض أو بالأحرى تملّص الشابات من قوة العلاقة بين الأم و البنت على قرار اختيار الشريك [10].

و تُعّد الأطروحة التي أنجزتها "مغنية بلحاج" في نظرنا من أهم الأعمال التي تناولت الموضوع، فقد اشتغلت على الاستراتيجيات التي تبلورها الشابات الفرنسيات من أصول جزائرية أثناء اختيار الشريك. و انطلقت في دراستها من التساؤل التالي:كيف تختار هذه الشابات شركاءهن؟ و كيف تتصورن الحياة الزوجية و الحياة العائلية؟ و بعد إنجازها لتحقيق ميداني مسّ 70 شابة بين 20 و 39 سنة، توصّلت إلى أنّ الشابات الفرنسيات من أصول جزائرية طوّرن استراتيجيات تعكس تمرّدهن على النماذج التقليدية للارتباط، حيث فرضن الشعور بالحب كعامل أساسي في عملية الاختيار، و وسّعن من هامش حرّيتهن بتبني العزوبية كاختيار، رغم تأويله كشكل من أشكال مقاومة الزواج في المنطقة المغاربية، فضلا عن فرضهن العيش مع الشريك خارج إطار الزواج كاختيار قوي الحضور [11].

و أما العمل الذي قام به "بيار بان غوزي" (Benghozi Pierre) فنجده من أقرب الدراسات إلى موضوع عملنا، إذ اشتغل على خصائص اختيار الشريك و جعلها في ثلاثة مستويات يتم على أساسها الاختيار: يتعلق المستوى الأول بتلبية الرغبات و الحاجات، و يرتبط الثاني بشعور طلب الحب، في حين يتعلق المستوى الثالث بالولاء إلى الفئة الجيلية[12].

كل هذه الدراسات كانت ملهمة لنا في بحثنا حول اختيار الشباب الجزائري للشريك من خلال التمثلات التي يحملونها عن الشريك المثالي و شريك الحياة الزوجية، و ذلك في إطار مقارن بين الشريكين.

منهجية التحقيق الميداني

من أجل الإجابة على تساؤلاتنا قمنا بتحقيق ميداني مع مجموعة شباب في مدينة وهران، 10 مشاركات و 10 مشاركين و هذا حفاظا على البعد الجندري للبحث. يكمننا عرض خصائصهم السوسيوديموغرافية في الجدول التالي:

الجدول 1 : الخصائص السوسيوديمغرافية لمجتمع البحث

الخصائص

 

 

مجتمع البحث

العدد

السن

المستوى الدراسي

الوضعية الاجتماعية

المهنة/ التكوين

مكان الإقامة

نساء

10

19-40

ثانوي/ جامعي

غير مرتبطات/ متزوجات

عاملات / طالبات

وهران/ الجهة الغربية للجزائر

رجال

10

18-42

متوسط/ جامعي

غير مرتبطين/ متزوجين/ مطلقين

عمال/ موظفون/ طلبة

وهران

أما فيما يخص تقنية جمع المعطيات، فقد اعتمدنا على تقنية المقابلة نصف الموجهة حيث كانت الأسئلة مفتوحة و موّزعة على محورين أساسيين: يشمل الأوّل الخصائص التي يضعها المشارك والمشاركة للشريك المثالي، و يتضمّن الثاني المقارنة بين الشريك المثالي و الزوج.

النتائج

يمكن عرض النتائج العامة في الجدول التالي:

الجدول 2 : مقارنة بين خصائص الشريك المثالي وخصائص الزوج

الشريك(ة) المثالي(ة) هو الزوج(ة)

الزوج (ة)

الشريك(ة) المثالي(ة)

التمثلات

 

 

مجتمع البحث

ممكن

الوفاء، التقوى، العمل المستقر، الجمال

الوضعية المادية الجيّدة، الشباب، الجمال

النساء

مستحيل

الجسد، الجمال، العمل

الجسد، الجمال، الخبرة الجنسية

الرجال

 

نرى من خلال هذا الجدول تباينا واضحا بين التمثلات التي تحملها النساء

و التمثلات التي يحملها الرجال حول الشريك المثالي وحول الزوج، وذلك قياسا مع اختلاف الميزات ومصادر التمثلات(الواقع، المخيال)التي تقدّمها كلّ فئة على حدة.

أأ. الجنسانية: الغائب الأكبر لدى النساء

عندما تتحدّث المشاركات العشرة عن الشريك المثالي تضعن مجموعة من الميزات في شكل ترتيب وجب احترامه لأنّه يحدّد في نظرهن الفرق بين المهّم و الأهّم ضمن تلك الميزات. تعدّ الوضعية المادية الجيّدة أوّل و أهمّ ميزة تحرص المشاركات على توفرها في الشريك المثالي، إذ أجمعت سبعة مشاركات من أصل عشرة، أنّهن يفضّلن الرجال الذين ينشطون لحسابهم الخاص، عوضاً عن الأجراء و عن أولئك المتواجدين في طور الدراسة و التكوين. و جعلت المشاركات التّجار أكثر المرّشحين لأن يكونوا الشريك المثالي، بمعنى أنّهن يربطن بين ميزة الوضعية المادية الجيّدة للشريك المثالي وبين تمتعهّن بوضعية أحسن من تلك التي يتواجدن فيها أصلا، و ذلك بحصولهن على هدايا، و زيارتهن لأماكن جديدة وغيرها. و هو ما يطرحه "ميشال بوزون" عند دراسته لتشكيل الثنائي، إذ قد يكون الطموح في الترقية إلى وضعية مادية أحسن، واحدا من عوامل اختيار الشريك [13].

و يمكن لنا القول، انطلاقا من تصريحات المشاركات العشر دائما، أنّ الأجراء لا يدخلون ضمن احتمالات الشريك المثالي، على الأقل بالنسبة لأغلبية منهنّ و معظمهن طالبات جامعيات[14].

و الميزة الثانية للشريك المثالي التي تشير إليها المشاركات العشرة هي الشباب، إذ فَصَلْنَ في المسألة بصريح العبارة مُعْرِبَاتٍ عن كونهن لا يتصّورن أن يكون الشريك المثالي متقدّما نسبيا في السن.ومعإصرارهن على الوضعية المادية الجيدة إلاّ أنّهنّ غالبا ما يربطنها بالرجل الشاب.

يعود تفضيلهن للرجل الشاب كشريك مثالي إلى عاملين:العامل الأوّل هو أنّ المشاركات ينتمين إلى فئة الشباب، فأغلبهن أقل من 32سنة، و بالتالي فمن المتوّقع أن تبحثن عن الشريك المثالي في الرجال الذين ينتمون أو يقتربون من الفئات العمرية التي ينتمين إليها، خاصة وأنّ معظمهن طالبات جامعيات يتعاملن باستمرار مع مجموعة من الرجال الشباب. و أماّ العامل الثاني فيعكس طموحاتهن في أن يكون الشريك المثالي طرفا في مشروع ارتباط جاد، فهنّ في الغالب و إن يتصّورن علاقتهن بالشريك المثالي عابرة فإنهن لا يتجاهلن فكرة الاستثمارفيها وتحويلها من عابرة إلى مشروع ارتباط جاد.

تكمن الميزة الثالثة التي تطمح المشاركات معنا إلى توّفرها في الشريك المثالي في الجمال، و ترّكز المتحدّثات على جمال المظهر عموما دونما حديث عن خصائص دقيقة لجسد الشريك المثالي أو تفاصيل دقيقة متعلّقة بتقاسيم وجهه. نشير في هذا السياق إلى ملاحظة أثارت انتباهناحيث أجمعت المشاركات العشر على أنّ ما يقصدنه بالجمال ليس صورة واضحة و راسخة في أذهانهن، و إنّما المقصود بالجمال هو أن يكون المظهر العام للشريك المثالي مقبولا من قبل الآخرين أي ألاّ يكون فيه عيب يثيرالانتباه.نجد الخصائص التي تضعها المستجوبات هنا مختلفة نسبيا عن تلك التي وردت في دراسة أجرتها" ليليان داليغان" حيث ورد فيها أنّ اختيار الشريك يبنى انطلاقا من الانطباع الأولي على أساس القواسم المشتركة بين الطرفين و ليس على أساس القواسم التكميلية بينهما،فتتحدّث المشاركات في هذا العمل عن "... ضخم و قوي…" و أحيانا "...إنه لبق في كلامه…" بينما قلما ترد عبارات مثل "...إنه يحبّني بجنون..."، "... إنه ذكي..." [15].

الوفاء ميزة تحدّثت عنها المشاركات مطوّلا، إذ كان فرصة لسرد تجاربهن السابقة مع شركاء تخلّوا عنهن. نلاحظ جيّدا أنّه رغم أهمية ميزة الوفاء في التجارب السابقة حسب خطابات معظم المتحدثات، إلا أنّهن أجمعنعلى وضعها في آخر قائمة الميزات المتعلقة بالشريك المثالي. و يمكن تبرير ذلك في نظرنا بوضعيتين اثنتين: الأولى هي أنّ المشاركات تتعّمدن وضع ميزة الوفاء في آخر الميزات المطلوبة في الشريك المثالي لأنهن يدركن أنّه لوتّم وضعها على رأس القائمة فإنّهن لن يتواصلن مع الشريك المثالي مطلقا. و أماّ الوضعية الثانية فهي أنّ أغلبية العلاقات اللائي دخلنها أو سيدخلنها مستقبلا، يُرّجّح أن تصطدم بالوفاء. فهذا الأخير هو ميزة مبحوث عنها من قبل المشاركات، و هو في الوقت ذاته شبه مفقود- حسب تصريحاتهن دائما- لدى الرجال و الشباب ذوي الوضعيات المادية الجيّدة بالخصوص. و عليه يتحوّل الوفاء من ميزة إلى عائق لدى الشريك المثالي، و هذا ما جعل، ربما، المشاركات يضعنه في آخر القائمة.

و مقارنة بتمثلات المشاركات العشرة حول الشريك المثالي، نجد أنّهن تبلورن تمثلات مختلفة تماما حول الزوج حيث تحتفظن ببعض الميزات التي تأملن توّفرها في الشريك المثالي لكنّهن تعرضنها في ترتيب آخر مختلف. ينتقل الوفاء مثلا من آخرميزات الشريك المثالي إلى أولى ميزات الزوج، فوضعه في هذه المرتبة يوحي بأهميته الكبيرة ضمن علاقة الزواج.لقد أُسّست علاقة الزواج في نظرهنّ لتكون مستمرة أطول فترة ممكنة، و لبلوغ ذلك، فإنّ المشاركات يرّكزن على ميزة الوفاء، ففي مناخ زوجي يغيب فيه الوفاء يمكن للنزاع أن يحتل حيّزا كبيرا، و من ثمّ تتضاعف احتمالات فشل العلاقة مع الزوج [16]، و بالتالي يمكننا أن نفهم انطلاقا من تصريحات المشاركات أنّه من لا تتوفرفيه ميزة الوفاء لا ينجح في علاقته كزوج.

أشارت المبحوثات إلى ميزة ثانية في الزوج مقارنة مع الشريك المثالي و هي ميزة التقوى الدينية. لقد رّكزت المشاركات عليها كثيرا و جعلنها في نفس المرتبة تقريبا مع ميزة الوفاء، و أكدّت معظمهن أنّ الزوج إذا ما توّفرت فيه ميزة التقوى فإنه حتى و إن اختلفن معه فإن التقوى تمنعه من إيذائهن و لو رمزيا، و أثار انتباهنا ترديدهن لآية في القرآن أو إشارة إلى معناها و هي الآية :"فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" [17]. إنّ التركيز على التقوى في الزوج يوحي بأنّ المشاركات يتوّقعن أن علاقتهن به قد تصادفها عقبات و مشاكل، و لا تجدن ما يتناسب لحل تلك المشاكل أو تذليلها أو التقليل من تأثيرها سوى تقوى الزوج. و المعنى الذي حمّلته المشاركات للزوج التقّي هو معنى الزوج الذي يخاف الخالق فلا يُقْدِمْ على إيذائهن بأي شكل من الأشكال.

لم تشر المستجوبات إلى العمل المستقر كميزة حينما تحدثن عن الشريك المثالي، بل على العكس تماما، يمكن لنا القول أنّهن رّكزن عليه كميزة مناقضة، حيث تحدّثن عن الوضعية المادية الجيدة بصراحة، و أقصَيْن الوضعية المادية القائمة على الأجرة بشكل ضمني، و هو ما سبقت الإشارة إليه، عند التطرق إلى تفضيلهن للتجّارمقارنة بالأجراء.

ب. الشريك المثالي و الزوج: مسألة ترتيب أولويات

يمكن القول أنّ ما كان مقصيّا من ميزات في الشريك المثالي نجده حاضرا في الزوج، إذ جعلت أغلبية المشاركات من العمل المستقر ميزة في الزوج. ففي إطار علاقة الزواج التي تتصّورنها جادة مقارنة بالعلاقة مع الشريك المثالي، لا تبحث المستجوبات عن المتعة القائمة على أساس مادي بقدر ما تبحثن عن الاستقرار و ديمومة هذه العلاقة، لهذا نَرَاهُنّ يُفصِحن، و بصريح العبارة، أنّ العمل المستقر للزوج، و لو كان وظيفة، أفضل من العمل للحساب الخاص. فالعمل المستقر معناه مصدر دخل مستقر و هو ما تراه المشاركات عاملا جوهريا في ديمومة علاقاتهنّ مع الزوج.

و على عكس التمثلات التي تبلورها حول الشريك المثالي، فإنّ المشاركات في هذا العمل البحثي يضعن الجمال في آخر قائمة الميزات المبحوث عنها لدى الزوج. و منه نطرح تساؤلا حول سبب هذا التمثل المختلف لترتيب ميزة الجمال بين الشريك المثالي و الزوج، و بإجراء مقارنة بسيطة انطلاقا من تصريحات المشاركات أنفسهن، يمكن لنا أن نضع كمرادف لجمال الزوج ميزة غياب الإعاقة و مختلف التشوهات الجسدية .

انطلاقا ممّا وَرَدَ، نلاحظ أنّ المشاركات يُقدّمن ميزات متشابهة إلى حد ما بين الشريك المثالي و الزوج، ويعود ذلك في نظرنا إلى عاملين: الأوّل هو أنّ المشاركات يضعن احتمالا بأن يتحوّل الشريك المثالي إلى زوج، و هذا ما ورد بشكل متكرر خلال رّدهن حول إمكانية الزواج من الشريك المثالي. إذنيمكن للشريك المثالي و الزوج أن يلتقيا في لحظة معيّنة فيتداخل الدوران. بمعنى أنه يمكن للشريك المثالي أن يكون زوجا، كما يمكن للزوج أن يكون شريكا مثاليا و هو يمارس دوره كزوج.

و أماّ العامل الثاني فهو أنّ التمثلات التي تبلورها المشاركات تميل إلى الواقع أكثر من ميلها إلى المخيال، و ربما يعود ذلك إلى عدم إدراجهن للجانب المتعّلق بالجنسانية كميزة مرغوب فيها حيث لا نجدها في ميزات الشريك المثالي، كما أننّا لا نعثر عليها في الخصائص المرجوّة في الزوج. يفيدهذا الغياب بأنّ النساء في المجتمع الجزائري، عند اختيارهن للشريك، سواءكان الشريك المثالي أو الزوج، يتجاهلن بوعي أو بدونه الميزة الجنسية و يمكن أن نرجع تجاهل النساء للميزة الجنسية إلى التنشئة الاجتماعية التي تلقينَها طيلة مسار حياتهن حيث استوعبن أن الجنس مجال ذكوري صرف لا يتاح للمرأة الخوض فيه بل و حتى التفكير فيه[18]. و هذا ما يفسّر غياب البعد الجنسي كميزة مبحوث عنها في الشركاء،إذ شّد انتباهنا كثيراأنّ المشاركات العشر لم تشرن في المقابلات إلى جسد الشريك و إلى ما يمكن تسميته بـ"المؤهلات" الجنسية، و ذلك على عكس التمثلات التي يُبلورها المشاركون حول الشريكة المثالية وحول الزوجة.

ج. الشريكة المثالية و الزوجة: استحالة تبادل الأدوار

لا نجد في مقابلاتنا مع المشاركين الذكور علاقة الارتباط بين الشريك المثالي و بين الزوج كما تمت بلورتها من طرف المشاركات، إذ وضعوا للشريكة المثالية ميزات تتعلق بالجسد و الجمال و أخيرا الخبرة الجنسية. و أمّا بخصوص الميزات التي يرونها في الزوجة، فهي الجسد، الجمال والعمل، بمعنى أن يكون لها منصب عمل مستقر، مع تسجيل تذبذب في مواقفهم من العائلة التي تنتسب إليها. فهناك من يراها ميزة وهناك من يطمح إليها، و لكنّ غيابها لا يعني بالضرورة كونها سببا مباشرا في عدم ترجيح هذه المرأة إلى مشروع زواج. نسجّل بوضوح تراجع اللّجوء إلى المرجعية الدينية في اختيار الزوجة، إذ لم يستند المستجوَبون إلى ما يطرحه الدين في هذه المسألة، أو ما يمكن اختزاله في الحديث النبوي التالي: "تُنْكَحُ الْمَرْأَة ُلأرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" [19].

نلاحظ في التمثلات التي يحملها الرجال حول الشريكة المثالية أنّها تضع الجسد في المقدمة يليها مباشرة الجمال، وهذا ما يفسر في نظرنا تكرار وضعيات التحرش الجنسي، و التي يراها المبحوثون علاقة مغازلة و تودد تجاه المرأة. فالظاهرأنّ التفكيرفي تعيين الشريكة المثالية يعتمد على الجسد، و تحديدا على مجموعة من الخصائص، و التي قد تختلف باختلاف ميول الأفراد، إلاّ أنها عموما لا تخرج عن إطارالجسد المثمَّن بمعنى الأعضاء المثيرة جنسيا، مثل الصدروأسفل الظهر.

الجمال هو ثاني ميزة يضعها المشاركون في تعيينهم للشريكة المثالية، ومثلما ذكرناه بالنسبة للجسد، فإن الجمال حتى وإن اختلفت الميول حوله، إلاّ أنّه لا يخرج عن إطار التبرج (الماكياج + الشعر) بمّا يعطي اهتماما بكل تقاسيم الوجه في أدق تفاصيله، وهو ما جعل ارتباط الجمال بالتبرج سائدا. و هذا ما يمكن تفسيره انطلاقا من تثمين الجسد عن طريق اتباع كل ما تحمله خطوط الموضة ، بدءا باللياقة وصولا إلى الجراحة التجميلية [20].

و ثالث ميزة يتفرّد بها المشاركون الذكور عن الإناث هي الخبرة الجنسية. فقد أجمع أغلبية المشاركين أنّ الشريكة المثالية هي من تتمتع بمؤهلات و أداءات جنسية تستحق عليها لقب المثالية. إنّ الشريكة المثالية تقترن بميزة الخبرة الجنسية أكثرمن اقترانها بالميزتين السابقتين. لكن ونظرا للارتباط الوثيق بين الجسد والجمال من جهة وبين ممارسة الجنس من جهة أخرى، فإن المشاركين يفترضون في كل من يَرون في جسدها وجمالها ما يناسب طموحاتهم أن تكون شريكة مثالية.يعكس امتلاك الشريكة المثالية لجسد وجمال مُثيرَينفي نظر المستجوَبين إلى كونها ذات خبرة جنسية تتناسب و تمثلاتهم. و الظاهر أن أغلبية المشاركين يتفقون إلى حدّ ما حول محتوى الخبرة الجنسية، إذ أشارت إجابات العديد منهم إلى ممثلات أفلام البورنوغرافيا كنموذج عن الخبرة الجنسية، أي أن تقوم الشريكة بكل الممارسات الجنسية الواردة في الإنتاج البورنوغرافي. و لا مكان للمعايير الاجتماعية في العلاقة مع الشريكة المثالية، يقول المشاركون، فهي في حدّ ذاتها تساعد على ذلك، طالما أنّها تقوم بجميع الممارسات حتى تلك التي قد تعرف بـ"الشاذة"، دون إشعار شريكها بأن كليهما محل تجاوز للمعايير. وضمن مجال تغييب المعيار الاجتماعي يُبلور المشاركون ميزات الشريكة انطلاقا من المخيال.

و مع ذلك فالتواصل مع الشريكة المثالية، و التي حدّدت ميزاتها انطلاقا من المخيال، يمكن تحقيقه في الواقع، إذ يعطي المشاركون تفاصيل دقيقة عن العلاقات التي جمعتهم بمن يصِفونهنْ بالشريكة المثالية، و كنّ في أغلب الحالات من المومسات المرخّصات و من المومسات الخفيّات [21]. نرى أنّ التجارب التي خاضها المشاركون مع عدد من اللائي تنطبق عليهن ميزات الشريكة المثالية كانت عاملا مؤثرا في تحديدهم لميزات الزوجة، إذ نجدهم يحتفظون بالجسد و الجمال و يضيفون ميزتين جديدتين هما منصب العمل و نسب العائلة مع إسقاط الخبرة الجنسية بصورة مطلقة من ميزات الزوجة.

يصّر أغلبية المشاركين على ميزة الجسد ويضعونه على رأس قائمة ميزات الشريكة سواء تعلّق الأمربالشريكة المثالية أوبالزوجة. وباعتبارأنّ الجسد يقترن بالجنسانية شأنه شأن الجمال، فإنّنا نرى أن المشاركين لا يتنازلون عمّا يحملونه من ميزات تخص الجسد وتخصّ الجمال مهما كانت الشريكة. في الظاهر يبدو و كأنّ الجسد و الجمال ضرورتان تشترك فيهما كل من الشريكة المثالية و الزوجة، لكننّا نلمس اختلافات جوهرية في هذه المسألة تحديدا، فهي و إن كانت ضمنية إلاّ أننّا نجدها عميقة من حيث المعنى. فالجسد المرغوب في الشريكة المثالية هو الجسد المثمّن عن طريق إبرازمناطق معيّنة فيه، شأنه شأن الجمال، ذلك أنّ تمثّل الجمال في الشريكة المثالية هو الجمال المُتبرج المتعلق أساسا بالماكياج و الاعتناء يشكل الشعر. و عندما يتعلّق الأمر بالزوجة، يأخذ الجسد و الجمال المرغوب فيهما بعدا آخر فيبدوان مختلفين تماما عن الجسد المُثمَنْ وعن الجمال المتبرِج لأن تثمين الجسد مرتبط بالضرورة مع الشريكة المثالية و ليس مع الزوجة، فجسدها يجب أن يكون مخفيا و غيرمثمّن على عكس جسد الشريكة المثالية. و من هنا نفهم أنّ المشاركينيضعون فروقا بين الشريكة المثالية و الزوجة لدرجة أنّ إحداهما لا يمكن أن تكون في مرتبة الأخرى.

د. رهان الخبرة الجنسية

يتواصل هذا الفصل الصارم بين تمثل الشريكة المثالية و الزوجة بوضوح في إجابات المشاركين عندما يتعلق الأمر بمستوى ثان من التساؤل هو مدى إمكانية تحوّل الشريكة المثالية إلى مشروع زوجة. جاءت الإجابات كلها سلبية دون أدنى استثناء، فالشريكة المثالية لا يمكنها أن تتحوّل إلى زوجة. كانت إجاباتهم مرفوقة بنوع من الحزم، ظهرمن خلال تغيّر لمسناه في نبرات أصواتهم، و في ملامح وجوههم، فبمجرّد طرح هذا التساؤل انفعل المشاركونوأبدوا صرامة تجاه هذا الموقف. فالشريكة المثالية و الزوجة لا تلتقيان أبدا، إنّهما أشبه بخطّين متوازيين يستحيل تقاطعهما كما يؤكد أحد المشاركين.

حاولنا البحث عن تبرير لهذه الصرامة فافترضنا اختلاف الخصائص بين الشريكة المثالية و بين الزوجة. ركزثمانية مشاركين عن تفضيلهم لوضعية قطاع التعليم و قطاع الصّحة على قطاعات أخرى. نجد لهذا التفضيل مُنْطَلَقًا و هو الانطباع العام حول هذين القطاعين في المجتمع الجزائري، فإذا انطلقنا من أنّ فئة النساء تمثّل الأغلبية النَشِطة في القطاعين سالفي الذكر حيث يشير تقرير وطني [22] إلى أنّه"من بين أهم خصائص عمل المرأة الجزائرية هي ارتفاع نسبة النساء فـي بعض الفروع والأسلاك المهنية مثل التعليم والتربية: أكثر من 60% (سنة 2007)، الصحة 60% (سنة2009)"، و قد شكّل هذا الحضور النسوي بنسب عالية تصورًا بأنّ القطاعين هما ما يناسب المرأة إن هي عملت خارج المنزل.

لكن يتضّح أنّ خاصية عمل المرأة و حتى خاصية نسب العائلة، و التي أثارها ثلاثة مشاركين فقط من أصل عشرة، لا تشّكل الفيصل بين الشريكة المثالية الزوجة. فاتجهنا إلى البحث أكثر في خاصية أصّر عليها المشاركون في الشريكة المثالية و أسقطوها تماما عن الزوجة، و هي خاصية الخبرة الجنسية التي تكون سببا في منح شريكة دون سواها صفة الشريكة المثالية. إذ تكون الشريكة مثالية إلاّ إذا توّفرت على خبرة جنسية، و التي لمح إليها أغلبية المبحوثين بأخذ الممثلة في الأفلام البورونوغرافية بوصفها نموذجا. و يُحْتَمِلُ أنّ إجماع مجتمع البحث على إسقاط الخبرة الجنسية كخاصية في الزوجة بإغفالها إنمّا يقصدون به ضرورة عدم امتلاكها هذه الخبرة.

نتصوّر أنّ القول بضرورة انعدام الخبرة الجنسية كخاصية مطلوبة في الزوجة هو خطاب حول الجنس بوصفه رهانا حقيقيا للرجل يوّظفه في المجتمع ليُحْكِمَ به هيمنته على المرأة في الوقت الذي يسمح لنفسه بتجاوز المعيار الاجتماعي. يوحي القول بانعدام الخبرة الجنسية لدى الزوجة بأنّها لا تملك تجربة في مثل هذه الممارسات، و هو يعني أنّها خضعت خلال حياتها التي سبقت وضعيتها كزوجة إلى الرّقابة الاجتماعية فحافظت على عذريتها، أو كما تشير إلى ذلك عبارات فاطمة المرنيسي في وصف هذه الوضعية بقولها: "فعذرية المرأة تُستوعَبُ كدلالة على رجولة من ربّاها و فحولة من سيتزوجها" [23].

لكن يبدو أن العذرية التي كانت من قبل دليلا كافيا على عفة المرأة لم تعد كذلك اليوم، إذ وَرَدَ في تصريحات أغلبية المشاركين أنّه سبق و أن دخلوا في علاقات مع نساء مارسوا معهنّ الجنس و تزوجّن بعد ذلك بسهولة. فقد كُنّ يشترطن في العلاقة الجنسية عدم الاقتراب من غشاء البكارة. و عليه يُعّدُ انعدام الخبرة الجنسية لدى الزوجة أو الحكم عليها بأنّها كذلك أكثر من ميزة، فهو شرط يجب توفّره في الزوجة.

الخبرة الجنسية التي لا تمتلكها الزوجة تجعل الفترات الأولى من الزواج تمرّ بشكل إيجابي، إذ غالبا ما يقاسمها الزوج شعوره بالارتياح لكونه أوّل من لامس جسدها. و بغض النظر عن فترة استمرار هذه العلاقة الإيجابية، و التي قد تمتد شهورا أو سنوات، إلاّ أنها مُنْتَهٍية لا محالة. فقد استنتجنا من خلال تصريحات المشاركين معنا في العمل البحثي بأنّ انعدام الخبرة الجنسية عند الزوجة في بداية الزواج ميزة و شرط لابد من توّفره إلاّ أنّه سرعان ما يتحوّل في نظرهم إلى عيب فيها بعد ذلك، إذ يَعِيبُ الشاب على زوجته، بصفة علنية أو ضمنية، افتقارها للخبرة الجنسية فيحكم عليها بما يسميه عجزا جنسيا لديها، و غالبا ما يتّخذ ردّ فعله شكل برود جنسي و امتناع عن معاشرتها كذريعة منه ليبحث عن ما يتناسب و تصوّراته ورغباته عند غيرها، فيشرع على ضوء تمثّله للخبرة الجنسية في البحث عنها عند امرأة أخرى غير زوجته، و التي لن تكون إلاّ تلك الشريكة المثالية.

خاتمة

يتضح من خلال ما سبق بأنّه يبدو أن الرجل في المجتمع الجزائري لا زال يوّظف العلاقة الجنسية بشكل يخدمه هو، أي بما يرضي حاجاته و تمثلاته و يحمي استمرار هيمنته الذكورية حسب تعبير بيار بورديو [24]. فهو يرى في الخبرة الجنسية ميزة في الشريكة المثالية، و التّي لا يمكن لها أن تكون تحت أي ظرف من الظروف ميزة للزوجة. هذه الأخيرة، و إن كان اختيارها على أساس ميزات جسدية و جمالية، إلاّ أنه اختيار ينطلق من الحكم بأنّها عديمة الخبرة الجنسية. هذه الميزة التي تمنح للزوجة مكانة سرعان ما تتحوّل إلى عائق لديها، و هو ما يمكن أن يتّخذه الزوج ذريعة للبحث عنه في امرأة أخرى هي الشريكة المثالية.

و ما يمكن أن نستنتجه أيضا هو أنّ الخطّين المتوازيين اللّذين وضعهما الرجل لطبيعة علاقاته بين الشريكة المثالية و الزوجة، ففصل بينهما وجعل من المستحيل تقاطعهما، إنّما يعودان إلى الأسس التي يبني عليها تمثلاته بخصوص ميزات هذه و تلك إذ مجال الشريكة المثالية هو المخيال، تبدأ منه و تصل إليه، فهو الحيّز الذي لا مكان فيه للمعايير الاجتماعية؛ أمّا الزوجة فمجالها هو الواقع الاجتماعي، تأتي منه و تبقى فيه، و هو الحيّز الذي لابد أن تتم فيه المحافظة على استمرارية احترام المعايير الاجتماعية.

كما يرفض الرجل أن تنتقل المرأة من مجال معيّن وجدت فيه إلى مجال آخر، بمعنى أنّه يرفض تنقلها بين المعيار و تجاوز هذا المعيار في الوقت الذي يمنح لنفسه هذا الحق، و يحمّل المرأة وحدها مسؤولية مروره ذاك. و هذا ما يفسّر العقوبة الاجتماعية التي نجدها سائدة في الخطابات الاجتماعية إذ قد تُوصم المرأة بأنها مذنبة بل حتى مومسة إن بدا عليها ما يحكم عليه الرجل بأنه من خصائص الشريكة المثالية، لا من خصائصها هي.

لكن تبقى هذه النتائج محدودة بحدود التحقيق الميداني (فترة التحقيق، مجتمع البحث و المنطقة الجغرافية) و تعتبر، إضافة لأبحاث أخرى حول الشريك المثالي، و في مجتمعات محلية أخرى (ريفية، صحراوية، في الجالية بالمهجر...)، - تعتبر محطة أخرى من أجل دراسة التحولات الاجتماعية في المجتمع الجزائري اليوم.

المراجع

العسقلاني، ابن حجر، بن علي، أحمد.، (1407هـ / 1986م)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، القاهرة، دار الريان للتراث.

بن عبد الله، زهية (2004)، الجمال و الجسد الأنثوي، مذكرة ماجستير في علم الاجتماع، جامعة وهران.

المرنيسي، فاطمة. (2001)، ما وراء الحجاب، الجنس كهندسة اجتماعية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة.

التقرير الوطني للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، بيجين+ 15، في:  css.escwa.org.lb/ecw/1065/Algeria_formatted.doc

Benghabrit-Remaoun, N. (dir.) (2013.), « Les conflits : analyseurs des configurations des liens familiaux, Présentation des résultats des programmes nationaux de recherche », Les pénériades des PNR, CRASC.

Benghozi, P. (1/ 2012), « Paradoxalité du pacte d'alliance… conjugal et remaillage réciproque des contenants généalogiques de couple et de famille », in Revue de psychothérapie psychanalytique de groupe, n° 58, p. 105-120, URL : www.cairn.info/revue-de-psychotherapie psychanalytique-de-groupe-2012-1-page-105.htm .

Belhadj, M. (2003), « Choix du conjoint et stratégies matrimoniales de jeunes femmes françaises d’origine algériennes », in Revue européenne des migrations internationales, n° 1, Vol. 19, mise en ligne le 13-06-2003. http : // remi.revues.org.www.sndl1.arn.dz/2977.

Bernouss, M., Agnès, F. (1995), « La notion de représentation: de la psychologie générale à la psychologie sociale et la psychologie du développement », in Enfance, n° 1, t. 4.

Bozon, M., Héran, F. (2006), La formation du couple, Textes essentiels pour la sociologie de la famille , Paris, la Découverte.

Bourdieu, P. (1992), La domination masculine, Paris, Seuil.

Daligand, L. (2/ 2008), « Violences conjugales », in Le Journal des psychologues, n° 255, p. 49-53.

Gérard, A. (1964), « Le choix du conjoint, une enquête psycho- sociologique en France, présentation d’un cahier de L’I.N.E.D », in Population, n° 4, Vol. 19.

Jodelet, D. (1989), Les représentations sociales, Paris, PUF, 6 eme édition.

Moral, M. (2/2002), « les deux versions de la petite sirène ou comment la relation mère-fille pèse sur le choix du mari de la fille », in Dialogue, n° 156, p. 89.

Dupré La Tour, M. (2005), Les crises du couple, leur fonction et leur dépassement, Edition ERES.

Moscovici, S. (1979), Psychologie des minorités actives, Paris, PUF.

Perseil, S. (2009), Les cadres de la prostitution, Paris, l’Harmattan.

Tassadit, Y. « Genèse de la domination masculine », in Séminaire Ecole Doctorale en Anthropologie, CRASC, le 19/05/2013.URL : www.cairn.info/revue-le-journal-des-psychologues-2008-2-page-49.htm


الهوامش

[1] الدعارة الخفية في المجتمع الجزائري: حالة اختلافيي و مثليي الجنس بوهران ، أطروحة دكتوراه في الأنثروبولوجيا قيد الإنجاز، تحت إشراف الأستاذة نورية بنغبريط-رمعون.

[2] Colloque international, « Du milieu familial au milieu professionnel : Situation de harcèlement », CRASC, Oran, 4-5 avril 2012.

[3] المادة 341 مكرر: الحبس من شهرين إلى سنة، و غرامة من 50 ألف إلى 100 ألف دج.

[4] Jodelet D. (1979), « Représentation sociale : phénomènes, concept et théorie » in Moscovici, S., Psychologie sociale, p. 361.

[5] Moscovici, S. (1979), Psychologie des minorités actives, Paris, PUF, p. 43-44.

[6] Bernuossi, M., Florin, A. (1995), « La notion de représentation: de la psychologie générale à la psychologie sociale et la psychologie du développement », in Enfance, t. 48, n° 1, p. 76.

[7] Jodelet, D. (1989), Les représentations sociales, Paris, PUF, 5eme éd., p. 80.

[8] Gérard, A., « Le choix du conjoint (1964), une enquête psycho- sociologique en France, présentation d’un cahier de L’I.N.E.D », in Population, n° 4, Vol. 19, p. 730-731.

[9] Dupré La Tour, M. (2005), Les crises du couple, leur fonction et leur dépassement, éd. ERES, p. 133-149.

[10] Moral, M. (2/2002), « les deux versions de la petite sirène ou comment la relation mère-fille pèse sur le choix du mari de la fille », in Dialogue, n° 156, p. 89.

[11] Belhadj, M. (2003), « Choix du conjoint et stratégies matrimoniales de jeunes femmes françaises d’origine algériennes », in Revue européenne des migrations internationales, n° 1, Vol. 19, mise en ligne le 13-06-2003. http : // remi.revues.org.www.sndl1.arn.dz/2977.

[12] Benghozi, P. (1/ 2012), « Paradoxalité du pacte d'alliance… conjugal et remaillage réciproque des contenants généalogiques de couple et de famille », in Revue de psychothérapie psychanalytique de groupe, n° 58, p. 105-120, URL : www.cairn.info/revue-de-psychotherapie-psychanalytique-de-groupe-2012-1-page-105.htm.

[13] Bozon, M., Heran F. (2006), La formation du couple, Textes essentiels pour la sociologie de la famille , Paris, la Découverte, p. 45-49.

[14] يمكن الإشارة هنا إلى البرنامج التلفزيوني الذي أثار الرأي العام الجزائري بعد كشفه لطالبات جامعيات يدخلن في علاقات مع أصحاب السيارات الفخمة. و يتعلق الأمر ببرنامج المذيع نكاع يوسف بعنوان : "عندما تتحول الطالبات الجامعيات إلى بائعات هوى"، قناة "النهار" (قناة جزائرية) يوم 14/ 12/2013 .

[15] Daligand, L. (2/ 2008), « Violences conjugales », in Le Journal des psychologues n° 255, p. 49-53, URL : www.cairn.info/revue-le-journal-des-psychologues-2008-2-page-49.htm .

[16] Benghabrit-Remaoun, N. (dir.( (2013), Les conflits : analyseurs des configurations des liens familiaux , Présentation des résultats des programmes nationaux de recherche, Les pénériades des PNR, CRASC.

[17] سورة البقرة، الآية 229.

[18] Tassadit, Y. (2013), « Genèse de la domination masculine », in Séminaire Ecole Doctorale en Anthropologie, CRASC, le 19 mai 2013.

[19]العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر. (1407هـ / 1986م)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الريان للتراث، ص. 4776 .

[20] بن عبد الله،زهية. (2004)، الجمال و الجسد الأنثوي، مذكرة ماجستير في علم الاجتماع، جامعة وهران، ص. 68.

[21] و هو مالا يتطابق مع ما ورد في إحدى الدراسات المتعلقة بالدعارة، إذ رفضت ممثلات أفلام البورنوغرافيا تصنيفهن كمومسات، و أصرين على انهن محترفات يتعاملن مع "جمهور" ولا يتعاملن أبدا مع "زبائن". أنظر:

Perseil, S. (2009), Les cadres de la prostitution, Paris, l’Harmattan, p. 17-21.

[22] التقرير الوطني للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، بيجين+ 15، مرجع سابق،في: css.escwa.org.lb/ecw/1065/Algeria_formatted.doc

[23]المرنيسي، فاطمة. (2001)، ما وراء الحجاب، الجنس كهندسة اجتماعية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، ص. 115.

[24] Bourdieu, P. (1992(, La domination masculine, Paris, du Seuil, p. 45-57.

 

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran

95 06 62 41 213+
03 07 62 41 213+
05 07 62 41 213+
11 07 62 41 213+

98 06 62 41 213+
04 07 62 41 213+

© حق النشر 2020 كراسك. جميع الحقوق محفوظة.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

بكير إلياس و دخير عبد الله مروان

 

Recherche