محمد القورصو (إشراف.)، (2017). الصّحيفة وآثارها في الجزائر خلال النصف الأوّل من القرن العشرين. منشورات الكراسك، عدد الصفحات 199


انسانيات عدد مزدوج 77-78| 2017 | الممارسات اللّغوية المتعدّد والتنقّل بين البلدان المغاربية وأوروبا | ص 31-34| النص الكامل


 يدخل الكتاب الموسوم "الصحيفة وآثارها في الجزائر: النصف الأول من القرن العشرين"، والصادر سنة 2017، ضمن سياق إعادة تثمين "الذاكرة العلمية" لمجموعة من الدراسات التي أنجزت خلال الفترة التي سبقت تحوّل وحدة البحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية إلى مركز، وهذه المطبوعة بقدر ما تكشف لنا عن مواضيع الاهتمامات البحثية نهاية ثمانيات القرن الماضي، بقدر ما تعطي لنا صورة عن نوعية البحث في مواضيع التاريخ والذاكرة في بعض أقسام علم التاريخ في الجزائر[1].

من الضروري التأكيد على الغاية من نشر أعمال هذا الفريق البحثي مع تحيينها فمضمونها ليس راجعا فقط إلى الرغبة في التعريف بالمونوغرافيات البحثية المهتمّة بالإعلام في علاقاتها مع مواضيع التاريخ السياسي والثقافي والنضالي المتزامنة مع بداية نشاطات الحركة الوطنية في الجزائر، بل غايتها أيضا تكمن في إعادة تذكير الجيل الجديد من الباحثين والمهتمين بالحقلين الإعلامي والتاريخي بالأهمية التاريخية للصحفيين العصاميين الذين أَثْروا بنشاطهم الثقافي والسياسي والديني والفكري النضال الوطني و"زاحموا الصحيفة الأوروبية"، خصوصا المعبّرة عن الثقل الكولونيالي".

يستهل محمد القورصو (المشرف على الكتاب) بعرض يوضّح فيه الأسباب العلمية والمنهجية لنشر هذا المؤلف، ويذكّر القراء بزمن كتابة هذه الأوراق العلمية في سياق الجامعات الناشئة في الجزائر، كما يؤكد على أهمية المقاربات النقدية والمنهجية التي تمرّس عليها المؤرخون الأوائل في الجامعات الفرنسية والتي سمحت لهم بالخوض في مواضيع تاريخية أثرت الحقل البحثي. الكتاب، وإن كان لا يبتغي عرضا كرونولوجيا لنشأة الصحافة وتطوّرها في الجزائر، يقارب التحولات الجذرية التي طرأت على الوضع الجزائري ما بين الحربين ويركز على تغلغل فكرة الصحافة والصحفيين العصاميين في إثراء الحقل الثقافي، ويكفي هنا الاطلاع على المقالات التسع (09) لِيَتَّضِّح للمهتم بهذه الإشكاليات عمق الطرح المقترح.

ففي مستهل هذا الكتاب، تركز وردة سياري تنقور تساؤلها حول العناوين الصحفية التي كانت تقرأ في القطاع القسنطيني، وتستنتج بعد استعراضها جدول عدد قراء جريدة "الإقدام"، احتواءها على مضامين عدائية تجاه سياسة الاستعمار "التعسفية" و"التمييز" المنتهجة نحو الصحافة الأهلية والأجنبية مع خضوعها للرقابة.

أمّا زَهير إحدادن2 فيتطرق لكيفية استخدام الدين بوصفه وسيلة لترويج الأيديولوجيات السياسية خلال الفترة الاستعمارية عبر تحليل مضامين ثلاث صحف هي: "الفاروق" و"الإقدام" و"الشهاب" والتي كانت مسيّرة من طرف الشخصيات السياسية الجزائرية الهامة التي لعبت دورا في مسار الحركة الوطنية (عمر بن قدور، الأمير خالد وعبد الحميد ابن باديس)، ليبيّن استحالة الوفاق بين السياسة الاستعمارية المنتهجة في تلك الفترة والاسلام (خطابا، ممارسة وتمثلات) بوصفه مقوّما هوياتيا مهماً في مواجهة خطابات المؤسسة الاستعمارية. 

ويتساءل أيضا فؤاد صوفي عن مقروئية جريدة Oran Républicain ويبيّن أنّ الاطلاع على مضمونها ليس فعلا "فرديا" فحسب بل هو فعل "جماعي" يعبّر عن الواقع السياسي في الظرف الكولونيالي وساهم في تشكيل الرأي العام المناهض له، فالباحث إذ يستفسر عن قرّاء هذه الجريدة، التي اختارها انطلاقا من تميز مضامينها، يحاول أن يتوقّف عند نوع تأثيرها في علاقاتها مع مواقفها تجاه السياسة الاستعمارية، فالجريدة، حسب الباحث، ليست إخبارية فقط وإنّما كان لها الفضل في التعريف بـ"القضية الوطنية" من خلال التساؤل حول "أصول الأمة الجزائرية".

ويعود رضوان عناد ثابت3 لمواقف الصحافة الاستعمارية من المجازر الموافقة لأحداث 8 ماي 1945، والتي بالرغم من كثرتها وتنوعها، إلا أن البعض منها لم يتعرض إلى الحدث، كما كشف عن مواقف متباينة من هذه الأحداث الفظيعة التي مثلت جزء منها الصحف التي صنف انتماؤها إلى: أيديولوجيا "شيوعية" و"ليبرالية"، مستنبطا بأن فرنسا انتهجت "سياسة السكوت" بهدف الحفاظ على هيبتها لفترة ما بعد هذه الأحداث.

وتختار مليكة قورصو موضوع الصحف في فترة حرب التجرير الوطني وتتساءل حول الجماعة الكاثوليكية التي كانت تعيش في متروبول خلال هذه الفترة الهامة من تاريخ الجزائر. لقد استخلصت الباحثة بعد تحليل مضامين الصحافة الكاثوليكية وعي هذه الفئة بما كان يجري، وبيّنت تحوّل هذا الوعي إلى "أزمة ضمير" هذا الاعتراف بالجرائم المرتكبة كلّفها الحجز والتعليق مع انخفاض في عدد نسخها خاصة صحيفة Témoignage Catholique.

مرة أخرى قام محمد القورصو بدراسة العناوين الصحفية الصادرة في الفترة الاستعمارية والتي يتم استيرادها من البلدان المغاربية والعربية في محاولة لفهم دواعي اهتمام السلطات الاستعمارية بحركية الصحف بين البلدان المغاربية مع مدى تكيف الجزائريين مع التشريعات الاستعمارية "المنظّْمة لحركة الصحافة"، واكتشف بأنّ الصحف التي كانت تدخل إلى الجزائر في تلك الحقبة كانت خاضعة إلى الرقابة الاستعمارية بل قد تصل إلى الحجز الكلي أو الجزئي للعناوين التي تمجد التحرير، لكن إجراءات "عزل" الجزائر عن الحركية الصحفية العربية والمغاربية من طرف السلطات الاستعمارية لم يمنع دخول الصحف وترويج أفكارها التحرّرية ومساهمتها إلى حد كبير في تنشيط الحركة الصحفية في الجزائر.

وفي السياق ذاته، قدّم محمد غالم تحليلا دلاليا لجريدة "الحق الوهراني" وذلك بهدف كشف خصائص الشخصية الجزائرية مع تحليل الظروف السياسية والثقافية والاجتماعية من منظور الجريدة، ليستنتج بأن الجزائري (بوصفه صورة إعلامية) وفق خط الطرح الذي كانت تتبناه الجريدة كان متمسكا بدينه ولغته. أمّا فاطمة الزهراء قشي فتستند إلى دراسة مونوغرافية لعدد من الصحف الصادرة باللغة العربية في الفترة الاستعمارية خلال سنوات (1946-1954) بهدف كشف مواقفها من السياسة الاستعمارية، وتشير الباحثة إلى صمود بعضها مثل جريدتي: "البصائر" و"النجاح" رغم عدم انتظام صدروهما، وهذا ما أسهم في غياب الصحف اليومية خلال الفترة المدروسة، وتخلص الباحثة إلى أنّ إصدار الصحيفة باللغة العربية كان بمثابة "اتخاذ موقف سياسي علني من المؤسسة الكولونيالية".

تبدو الحاجة ملحّة لإثراء هذا الحقل المعرفي المتداخل بين علوم الإعلام والتاريخ من خلال إعادة إحياء البحث الجامعي متعدّد التخصّصات، فما قدمه الباحثون من معطيات استقوها من الأرشيف وفق طرح منهجي صارم يفتح المجال أمام إشكاليات أخرى يمكنها أن تسهم في التراكم المعرفي المنشود.

نجاة لحضيري وفؤاد نوار

الهوامش

 [1]يعتبر محمد القورصو أنّ هذا المؤلف يحمل بصمة زمنه ليس لكون الدراسة تعود إلى نوفمبر 1992 فقط بل لأنّها تشير أيضا إلى زمن باحثيها الشباب وجامعاتهم الناشئة، الذين استفادوا من التكوين في المقاربات المنهجية والنقدية فترة تكوينهم في الجامعات الفرنسية.

2 فقدت الجامعة الجزائرية الباحث والأستاذ الجامعي والمناضل زهير إحدادن يوم 20جانفي 2018، وقد ترك للمكتبة الجامعية إرثا غنيا نذكر على سبيل المثال لا الحصر كتابه حولhistoire de la presse indigène en Algérie : des origines jusqu’en 1930 وأخرى حول الموضوع نفسه ولكن في فترات زمنية مختلفة. المسار النضالي والصحفي والبحثي يعكس جزاء كبيرا منه منشرواته العلمية ومحاضراته.

3 فقدت الساحة العلمية الباحث رضوان عناد ثابت في يوم 4 ديسمبر 2017، السنة الموافقة لصدور هذا المنشور. لقد أثرى هذا الباحث نشاطات وحدة البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية وترك لنا مجموعة قيّمة من الدراسات حول تاريخ الجزائر خصوصا الطبعة الثانية لكتابه حول أحداث الثامن من ماي 1945 والتي قدم لها عبد القادر جغلول، وكتابه عن الولاية الخامسة في منطقة سيدي بلعابس (الجزائر).

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

© Copyright 2019 CRASC. Tous droits réservés.

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Plate-forme réalisée par : BAKIR Ilyes & DEKHIR Abdellah Merouan

Recherche