التقسيم البلدي ورهانات التّصرف العمراني بتونس الكبرى


انسانيات عدد مزدوج 80-81| 2018 | الصحة في الحياة اليومية بالبلدان المغاربية| ص 41-63| النص الكامل


Faouzi ZERAI: Université de Tunis, Faculté des Sciences Humaines et Sociales de Tunis, Unité de Recherche Régionalisation et Développement Régional, 1007, Tunis.


مقدمة

انقسم التشبيك الإداري للبلاد التونسية إثر الاستقلال (1956)، إلى صنفين أساسيين: الأول إداري يرجع بالنظر للدّولة (الولاية والمعتمدية والعمادة) والثاني بلدي، كما تطوّرت التقسيمات في اتجاه تكثيف التشبيك والزيادة المتواصلة في عدد الوحدات الترابية (Hayder, 2002, p. 102).

تجدر الإشارة إلى أن البلاد التونسية قد شهدت بداية الظاهرة البلدية منذ أواسط القرن التاسع عشر، ببعث بلدية تونس في سنة 1858، ثم تتالى استحداث البلديات خلال فترة الاستعمار الفرنسي وبعد الاستقلال ليبلغ عددها 282 بلدية في مارس 2015[1]. لقد مثّلت عملية بعث بلديات جديدة بعد الاستقلال، إحدى الوسائل المعتمدة من قبل الدولة لتأطير السكان وتقريب الخدمات منهم، لاسيما بالمدن الصغيرة المفتقرة لأبسط المرافق الاجتماعية، أمّا بالمدن المتوسطة والكبيرة فتعتبر هذه الاستحداثات من آليات مواكبة التمدّد العمراني وارتفاع عدد السكان من أجل تقريب الخدمات منهم وتخفيف الضغط على مراكز المدن.

من ناحية أخرى، بلغت مسألة التقسيم البلدي ذروة أهميتها بالمجموعات الحضرية الكبرى لاسيما بالمدينة المليونية الوحيدة بالبلاد والمتمثلة في تونس العاصمة، نظرا لاختلال توزيع التجهيزات والشغل حسب مناطقها الترابية؛ إذ تتركز أغلب مواطن الشغل في قطاع الخدمات بقلب العاصمة والضواحي الشمالية مقابل تركّز أغلب الشغل الصناعي بالضواحي الجنوبية، أمّا الضواحي الغربية فوظيفتها الأساسية الفلاحة مع غلبة السكن غير القانوني[2] (DGAT, 1996, p. 73, 2010) والحاجة الماسّة إلى استثمار كل الإمكانات الماليّة والبشريّة بما يوفّر الخدمات والمرافق للسكان ويحدّ من مشاكل الحياة الحضرية وتعقّدها.

سنبيّن فيما يأتي إن كان التشبيك البلدي الحالي بتونس الكبرى يساعد على كسب الرّهانات المطروحة، ومنها الحوكمة الرّشيدة في التصرّف البلدي، وذلك من خلال التطرّق إلى علاقة التقسيم بالتّحكم في التمدّد العمراني والحدّ من الإقصاء الاجتماعي والتهيئة العمرانية، وسنبرز جدوى اتباع سياسة تجميع للبلديات الصغيرة من أجل تحكم أنجع في المجال وجدوى أكبر في التهيئة.

التشبيك الترابي بتونس الكبرى وتفاوت مكانة البلديات

شهد التشبيك الترابي لتونس العاصمة عدّة تغيرات منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، نظرا لدورها الوظيفي بوصفها عاصمة سياسية واقتصادية للبلاد، وباعتبار نمو سكانها وتوسّع مجالها العمراني؛ فحتى مطلع الثمانينات انحصر ترابها في ولاية واحدة[3] (ولاية تونس) قُسِّمت إلى ثلاث ولايات في سنة 1983 وهي تونس وأريانة وبن عروس[4]، وفي سنة 2000 قرّرت السلطة المركزية تقسيم ولاية أريانة إلى ولايتين وهما أريانة ومنوبة[5]، وبذلك أصبح إقليم تونس يتكون من أربع ولايات تشمل 48 معتمدية و327 عمادة، في حين بلغ عدد البلديات 34[6].

يُبرز الجدول أدناه تواجد نصف المعتمديات وقرابة نصف العمادات وقرابة ربع البلديات في إقليم ولاية تونس، ويمكن تفسير ذلك بتضخّم عدد السكان الذي فاق المليون نسمة، كما جمعت ولاية بن عروس أكثر من ثلث بلديات إقليم تونس مقابل أكثر من الربع بمنوبة.

جدول رقم 1: الوحدات الترابية والبلديات حسب ولايات إقليم تونس في2014

تطوّرت التقسيمات الترابية حسب التطوّر الديمغرافي والمجالي والوظيفي لتونس الكبرى، وقد اعتبرت الدولة عملية الترقية الإدارية من الحلول الممكنة للحد من مشاكل العاصمة وإحدى وسائل التحكّم في التراب وتأطير السكان ومراقبتهم.

خريطة رقم 1: التقسيم الإداري لإقليم تونس في سنة2014

المصدر: رسم فوزي زارعي، بالاعتماد على: الإدارة العامة للتهيئة الترابية، 1996 والمعهد الوطني للإحصاء،2014.

خريطة رقم 2: المجال البلدي بإقليم تونس في سنة 2014

رسم: فوزي زارعي، بالإعتماد على Turki S. Y., Verdeil, E. 2015

بُعثت بلدية "تونس المدينة"[7] في سنة 1858، وقد كانت تغطي المدينة العتيقة وأرباضها، ثم تتالى استحداث البلدية زمن الاستعمار بالضواحي التي تركزت بها جاليات أوروبية وخاصة الفرنسية منها (حلق الوادي وسيدي بوسعيد وحمام الأنف ومنوبة وأريانة والزهراء وباردو وقرطاج والمرسى ومقرين وبن عروس، فضلا عن مدينة صغيرة طرفية وحيدة وهي طبربة)، وقد بلغ عدد بلديات العاصمة تونس مع استقلال 14 بلدية، وبعثت منذ سنة 1956 إلى سنة 2004 تاريخ آخر الإحداث البلدي، 20 بلدية جديدة (الجدول رقم 2).

يُبرِز الجدول الآتي وجود تفاوت كبير بين بلديات إقليم تونس حسب الحجم الديمغرافي، من ذلك أن أكبر بلدية (بلدية تونس) تفوق بـ أكثر من 108 مرات حجم أصغر بلدية (سيدي بوسعيد)[8]، كما يفوق حجم البلدية الأولى بقرابة 4 مرات ونصف (4,5) حجم البلدية الثانية (التضامن المنيهلة) وبذلك يمكن أن نتحدث عن "عظمة رأس" بلدية تونس المدينة، بالمقارنة مع بقية بلديات إقليم تونس.

جدول رقم 2: تواريخ استحداث بلديات إقليم تونس وعدد سكانها في سنة2014

نتبيّن حسب الجدول الآتي وجود بلدية واحدة يتجاوز عدد سكانها 500 ألف نسمة (بلدية تونس) كما توجد ثلاث فئات أخرى من المدن حسب الحجم وهي الآتية:

  • البلديات الكبيرة: يترواح عدد سكانها ما بين 000 و499.999 نسمة، ويبلغ عددها ست بلديات وهي : أريانة وفوشانة-المحمدية والتضامن-المنيهلة والمروج وسيدي حسين وسكر والتي. يبلغ تعدادها النسبي قرابة ثلث سكان إقليم تونس.
  • البلديات المتوسطة: يترواح عدد سكانها بين 000 نسمة و99.999 نسمة، ويبلغ عددها 8 بلديات وهي: المرسى وبن عروس ورادس ووادي الليل ودوار هيشر ورواد وباردو والكرم. وتجمع أكثر بقليل من ربع سكان إقليم تونس، وتسجّل هذه البلديات أعلى نسب النمو الديمغرافي السنوي خلال الفترتين 1994-2004
    و2004-2014 (الخريطتان رقم 3 ورقم 4).
  • البلديات الصغيرة: لا يفوق عدد سكانها 999 نسمة ويبلغ عددها 19 بلدية وهي: حلق الوادي وسيدي بوسعيد وحمام الأنف والزهراء والبطان وقرطاج ومقرين وقلعة الأندلس والجديدة وبرج العامري وسيدي ثابت والمرناقية ومرناق والخليديّة والدندان وحمام الشط ودوار هيشر وبومهل-البساتين وطبربة، وتجمع قرابة خمس سكان إقليم تونس، وبهذه الفئة يمكن أن نميّز البلديات الصغيرة جدًّا وهي التي يقلّ عدد سكانها عن 10000 نسمة وعددها أربع بلديات وهي سيدي بوسعيد والبطان والخليدية وبرج العامري.


الجدول رقم 3: توزيع فئات البلديات حسب الحجم بتونس الكبرى في 2014

 

الفئات / الحجم

عدد البلديات

إجمالي السكان

% من إقليم تونس

الكبيرة جدا

500000 وأكثر

1

638.845

26.3

الكبيرة

100000-499999

6

707.575

29.1

المتوسطة

500000-99999

8

622.540

25.6

الصغيرة

30000-49999

7

266.830

11

10000-29999

8

166.657

6.9

أقل من 10000

4

27.353

1.1

الجملة

34

2.429.800

100

المصدر: إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء، 2014 (بالتصرف)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تُهيمن البلديات الصّغيرة عدديّا بتونس الكبرى، نصفها الأوّل من الضواحي والنصف الثاني من المدن الصغيرة الطرفية، علما أن هذه الفئة من البلديات تشكو أكثر من غيرها من نقص الموارد المالية والبشرية وتواجه عدة صعوبات في التصرف اليومي في الشأن البلدي، وهي في حاجة متواصلة للدعم المالي للدولة.

خريطة رقم 3: المعدل السنوي لنمو سكان بلديات تونس الكبرى بين سنتي 1994 و2004(%)