السلوك الجانح لمراهقِين موضوعين بمراكز إعادة التربية: قراءة في مسارات مدرسية


انسانيات عدد مزدوج 83-84| 2019 |جنوح الأحداث : الواقع والتكفّل| ص 13-33| النص الكامل



Khedidja MOKEDDEM: Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle, 31 000, Oran, Algérie.


المقدمة

تتناول هذه المساهمة موضوع جنوح المراهقِين والمراهقات الموضوعين بمراكز إعادة التربية بمدينة وهران، وتنطلق في تحليلها لبعض المسارات المدرسية من مجموعة من التساؤلات حول التجربة الشخصية لهذه الفئة المبحوثة في علاقتها مع الجنوح: هل ثمة علاقة بين التجربة المدرسية لهؤلاء والاتجاه نحو الجنوح؟ كيف تتفاعل تجربة حياة هؤلاء المراهقين معالبيئةالمدرسية؟ وإلى أي مدى تسهم في تنامي السلوك الجانح؟

نسعى في هذا المقال إلى الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال مناقشة مظاهر الجنوح لدى عينة البحث وفقا لبعض المعطيات البيوغرافية، مُركِّزين في ذلك على حالات التداخل بين التجربة العائلية والتجربة المدرسية في تكوين هذه الشخصيات التي ننعتها بالجانحة.

تلعب المدرسة باعتبارها عنصرا قويّا في تنشئة الأحداث حتّى بعد انقضاء السنّ القانونية للتمدرس في الجزائر (16سنة) دورا فيتزويد التلاميذ بالمعرفة والتربية والتكوين-كما يشير إلى ذلك ماريز إستارل (2015، ص.42)، وتنمّي عندهم المهارات الأساسية (قراءة وكتابة وحساب)، وتشبع حاجتهم إلى الاكتشاف، فهي بذلك تغني معارفهم الخاصة بالواقع المحيط بهمعبر محتويات البرامج المدرسية والعلاقات القائمة بينها وبينهم. و نظرا لما يكتسيه الفضاء المدرسي من حيوية وأهمية فقد مثلت المدرسة رهانا سياسيا وتربويا مهمّا عبّرت عنه العديد من القوانين التوجيهية[1]، إذلم تكتف بتحديد ملمح التخرّج منها بل ناقشت متطلبات المواطنة التي ينبغي أن يتمتع بها التلميذ.

تبيّن حالة العلاقات بين المدرسة والأسرة نوعية مسارات التنشئة الاجتماعية وتكشف عن الرهانات التي تنتجها بعض الفراغات التربوية التي قد تغفلها إحداهما (عائشة بن عمار، 2012، ص. 5)، فالعلاقة بينهما (المدرسة والأسرة) "متعدّدة، منظمة أحيانا، غير رسمية أحيانا أخرى، يطبعها التضامن أو الصراع، لكنها تظل قويّة" (Benghabrit, 2012, p. 9). وفي هذا الفضاء تتشكل لدى المراهق أسس اختياراته المهنية والمستقبلية كما يشرحها مصطفى حدّاب (Haddab, 1997) عندما يؤكد على: "الوظائف الاجتماعية للمدرسة والتي تتمثّل في إنتاج قوى العمل في مختلف التخصّصات التي تشكّل المجال الاقتصادي والاجتماعي".

تجد المدرسة أحيانا صعوبات في أداء الدور المخوّل لها، لتصبح مجالا لتمظهر مفارقة اجتماعية تُمثل لاحقا عاملا يعزّز احتمالية الجنوح، وهذه الصعوبات ليست مرتبطة أساسا بالمدرسة بل قد تكون نتاجا للعلاقات المتعسّرة بينها وبين الأسرة. يدفعنا تحليل المسارات التعليمية للعيّنة المبحوثة[2] إلى افتراض أنّ المدرسة يمكنها أن تصبح- بالشكل الذي تنشط به حاليا- أحد الفضاءات العاجزة[3] عن التكفّل بالسلوك الجانح للمراهق، وعوض أن تدعم هذه المؤسسة الوظائفالتربويةللأسرة وتسندها (149      ,1971-1996 ,Catalano et Hawkins)،نجدها تساهم في هشاشة المسارات الدراسية للعيّنة المبحوثة.

وللإجابة على هذه التّساؤلات وتحليلا لمسارات المدرسية الخاصة بالعينة نتبنى التصوّر النظري الذي يربط بين تكوين السلوك المنحرف والعلاقات بين المدرسة، الأسرةوالتلميذ، يهتم هذا الطّرح بتحليل عوامل الخطر ويعالج إشكالية ضعف التكفل بالمراهق الجانح داخل المؤسّسة التعليمية وخارجها، ويقارب ما يترتّب عنه من آثار اجتماعية ونفسية قد تعرقل مسيرته المدرسية، ونقصد بالجنوح في هذه الدراسة تلك السلوكات اللاّإجتماعية التي تهدّد أمن المجتمع و استقراره، والتي تصدرعن الحدث المراهق أو مجموعة من المراهقين الذين لا يتجاوز سنّهم الثامنة عشر(18)، ويشمل الجنوح كل سلوك يخترق القواعد المتعارف عليها اجتماعيا (مثل التمرّد، العنف بجميع أشكاله،تعاطي المخدرات، الهروب، التشرّد...)،ويفترض من النّاحية القانونية أن تجري محاكمتهم في محاكم للأحداث الجانحين، ويتم وضعهم في مراكز متخصّصة لإعادة التربية أو الحماية الاجتماعية.

جنوح الأحداث: السّياق النّظري والمقاربة الميدانية

يؤكد العلماء والبّاحثون[4] على أنّ المراهقة هي مرحلة التكوين الشخصي ومرحلة الاختيارات المستقبلية وتحقيق الاستقلالية وإثبات الذات،أمّا إشكالية جنوح هذه الفئة فهي ظاهرة متشعّبة وتقع في دائرة عدّة اختصاصات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولا تقتصر إشكالية جنوح المراهقين على بلد بعينه بل هي ظاهرة مجتمعية تناولتها العديد من الأبحاث التي حاولت فهمها وتقديم المعرفة بشأنها[5]، لقد تطوّرت النظرة إلى هذه الظاهرة عبر الزمن،وتعدّدت الكثير من التفسيرات والمواقف والأطروحات التي قدّمت بشأنها باختلاف تخصّصات الباحثين (علم نفس،علم إجرام، علم اجتماع...)، ويمكن أن نلخّص هذه المقاربات في ثلاثة تيّارات نظرية: يركّز التيار الأول[6]على الفرد الجانح والفعل الجانح، أو على الظاهرة بشكل عام ويتوسّل الفهم السريع للمشكلة، أمّا التيار الثّاني[7] فيؤكّد على دور العوامل الشّخصية لتكوين السلوك الجانح مثل التاريخ الأسري والخصائص المزاجية للفرد الجانح، وينطلق التيار الثالث من العوامل الاجتماعية وعلاقتها بالجنوح ليؤكّد على الظروف العامة للمجتمع ونوعية الثقافة والوضع الحضاري والتغيير الاجتماعي، وانهيار المعايير التي تنظّم المجتمع، ويتزعّم هذا التيار Emile Durkheim et Robert K. Merton.

وتختلف هذه المقاربات أيضا باختلاف السياقات الثقافية، لذا لا نجد تعريفا مطلق الظاهرة جنوح المراهقين، فما قد نعتبره جنوحا في منطقة ماليس كذلك في منطقة أخرى،وعليه نحتفظ بما معناه أنّ الجنوح "مفهوم قضائي" من حيث القوانين المشرّعة لإدانته ولجبر ضررالضحية، ويعد «مشكلة تربوية" اجتماعية من حيث ارتباطها بأساليب التنشئة الاجتماعية والبرامج التربوية ومن حيث عواملها وآثارها الاجتماعية، وهو "ظاهرة نفسية –فردية « من حيث الدوافع والأسباب التي أدّت إلى ارتكابها ومن حيث طرق معالجتها، وهو "مسألة بيولوجية" عضوية من حيث العوامل والاستعدادات الوراثية والعضوية والعقلية (ذهانات، أمراض عصبية...) والجسدية للفرد، وهو "مشكلّة سياسية" من حيث البرامج والسياسات العمومية التي انتهجت لمواجهتها، فمنذ الاستقلال تسعى الجزائر لبذل الجهود التي يمكن أن تسهم في الحدّ من تنامي الظاهرة في الآونة الأخيرة[8]. ونلاحظ هذا الانشغال من خلال مصادقة الجزائر على كل الاتفاقيات الدولية والعربية والإفريقية[9] التي تهدف إلى حماية هذه الشريحة من المجتمع.

لقد تزايد اهتمام الدولة بهذه الفئة بشكل ملحوظ منذ سنوات 2000،إذ عرفت عدالة الأحداث تطوّرا ملفتا للانتباه تميّز بمراجعة التشريعات والقوانين التي تعالج الظواهر الاجتماعية السلبية المرتبطة بهذه الفئة من المراهقين، ومحاولة إعادة الاعتبار للفاعل البشري في مواجهة الظاهرة، مع تحديث جهاز العدالة خاصّة ما يتعلّق بإدارة السجون و المراكز العقابيةو إعادة التربية[10].

ساعدتنا أبحاثنا الميدانية في مجال الطفولة الجانحة على استنتاج أنّ الجنوح سلوك اجتماعي يعبّر عن رد فعل سلبي وعن انتفاضة المراهق الجانح ضدّ سلطة الكبار وغضبه من الأسرة والمجتمع معا، وبهذا المعنى نعتبرالجنوح وسيلة وآلية دفاعية يقول بها المراهق: "لا" لأساليب التنشئة، ونمط الحياة الذي يعيشه، وعن رفضه للحياة التي سطّرها له الكبار ولم يخترها. وقد ترتبط مشكلة الجنوح بالظروف النفسية والاجتماعية لسن المراهقة، وبإشكالية تأسيس الذّات وتكوين الهوية والمكانة الاجتماعية (مقدم،2014،ص. 145) في مجتمعات غابت فيها طقوس المرور من مرحلة عمرية إلى أخرى،وتبقى المراهقة سنّا قانونيا يرتبط بالقوانين التي شرّعت لمعالجة الجنوح، ومرحلة مدرسية ترتبط بالسنّ القانونية للتعليم أكثر منها سنا اجتماعيا.

منهجيا استندنا لإنجاز هذه المساهمة على تجربتين بحثيتين مختلفتين، إحداهما اهتمّت بالبحث في إشكالية الشباب المنحرف والسياسات العمومية الخاصة بمعالجة الظاهرة[11]، والثانية تجربة مهنية[12]، واعتمدنا لفهم الموضوع ومعالجته المنهج الاجتماعي الإكلينيكي[13]، هو تيار طوّره و حيّنه Vincent de Gaulejac وقد استخدمنا المقابلة الإكلينيكية الموجهة، والملاحظة التي تساعد على توضيح أوضاع التأزم المختلفة وما تخلفه من انعكاسات خطيرة على جوانب الحياة النفسية السلوكية والاجتماعية، لما تمنحه لنا هذه الأدوات المنهجية من إمكانية تحليلل لمعطيات التي يقدمها المفحوصون، وتبنينا منهج تحليل المضمون في مقاربة المعطيات المحصّل عليها.

ومن أجل اختيار عينةالبحث فحصنا ملفات الأحداث الذين وضعوا في مرحلة مابمراكز إعادة التربية المتخصّصة للجنسين،بأمر من قضاة الأحداث لمختلف الجهات القضائية لأسباب منها: السرقة، التشرّد، الخطر المعنوي، أو بطلبمن الأولياء، وقد أعدنا تفحّص العيّنة التيسبق لنا دراستهافي بحثنا الموسوم بـ"مشروعالحياةعندالمراهقالجانح(2014)"، وتتكوّن العيّنة من عشرين حالة (20)، عشر إناث وعشرة ذكور، يتراوح سنّهم بين 15 و18 سنة. وينتمي أفراد العيّنة المبحوثة إلى أوساط اجتماعية تكاد تتشابه من حيث الأصل الجغرافي و الظروف الأسرية والاجتماعية الصعبة، ويتراوح مستواهم التعليمي بين الابتدائي والمتوسّط ونادرا مايصل إلى الثانوي.

ينتمي أغلب أفراد العيّنة إلى أوساط اجتماعية هشّة (هشاشة مهنة الأولياء) ويسكنون أحياء شعبية ومعظم أوليائهم مطلقون أو غير معروفي النسب، ويتشابه معظمها من حيث الظروف المعيشيةومن حيث التجربة المدرسية الفاشلة. وقد أكدت الدراسةالتي مسّت مراكز إعادة التربية على الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية الصعبةلهذه الفئة (Moutassem-Mimouni et al., 2014)، وقد تمّ الاطلاع على أحكام قضاة الأحداث وتقارير الأخصائيين النفسية والاجتماعية التي حُرّرت عن ظروفهم، وهذا ما ساعدنا على انتقاء العينة التي أجرينا معها المقابلات.

نعرض فيما يأتي النتائج الميدانية وسنحاول -من خلال استعراض بعض الحالات- توضيح السيرورة التي أدّت بالعيّنة المبحوثة إلى نقل حالة الصراع مع الأسرة إلى صراع ونفور من المدرسة، وهذا من خلال ثلاثة عناصر أبرزتها مضامين المقابلات والمتمثلة في:

علاقة سيّئة مع المعلم والسلوك الجانح

تؤكّدالكثير من الأبحاث[14]على أهميّة العلاقة تلميذ/معلّم في النجاح وفي الفشل وفي إنجاح العلاقات الاجتماعية وتشجيع السّلوكات الحسنة داخل القسم، مما قد يحدّ من خطر الانزلاق نحو الانحراف، كما تذهب دراسات أخرى[15] إلى إبراز دور العلاقة بين المدرّس والمتعلّم وتأثيرها الايجابي في العملية التربوية، واعتبارالعلاقة الحسنة عاملا مساعدا على تنمية الشعور بالانتماء إلى المدرسة والذي يساعد بدوره على التكيّف مع النظام المدرسي، فيما قد يؤدّي العكس إلى عدم التوافق مع المؤسّسة التعليمية وبروز اضطرابات سلوكية.

تفرزبعض الممارسات المتسلّطة للمعلّم وعدم تعاطفه مع التلميذ مناخا تربويا سيئا داخل القسم ما يحمله على معاكسة القوانين الانضباط، ومحاولة "زعزعة نظام القسم" كردّ فعل ضدّ هذه السلوكات التي تنعكس مباشرة على نفسيات التلميذ -موضوع التسلّط-وعلى تحصيله، ويكــــــــون بذلك المعلم سببا فينقل السلوكـــــــــــات المنحرفة إلى داخـــل هذه المؤسّسة الحيوية.(Giguer, Morinet Janoszi, 2011, p. 28)

تبيّن المقابلات التي أجريت مع هذه الفئة حالة الجهل لدى المعلم بظروف التلميذ المتمرد أو غيرالمتكيف مع قوانين المدرسة ويأسهمن نجاحه، فالمعلم لايكلّف نفسه مساعدة التلميذإمّا بحجة أنّ هذه المهام لا تدخل ضمن مجال تدخله، أوبحجة محدودية ذكاء التلميذ، وينتهي هذا الوضع غالبا بطردالتلميذ وإقصاءه، وكأنّنا أمام مدرسة تتحجّج بمحدودية ذكاء التلميذ لتبرّر عجزها على إيجاد الطرق الناجعة لتتكيف مع متطلبات هذا النموذج من التلاميذ (أحكام معيارية)، وقد يؤدّي سوء تعامل المعلم مع هذا النموذج من التلاميذ-حين يلجأ إلى السخرية والتقليل من شأنه والمبالغة في عقابه وتوبيخه لعدة أسباب- إلى إضباط عزم التلميذ على التعلّم، كما قد يفضي التسامح المفرط وعدم اكتراث المدرسين بهذه الحالات إمّا إلى اضطرابات سلوكية ونفسية انفعالية، أو إلى انسحاب التلميذ من العلاقات المدرسية والاستسلام لوضعيتهم الرّاهنة، ما يؤدي إلى ضعف ثقة التلميذ بنفسه مع تفاقم مشاكله لا سيما ما يتعلق بالتّحصيل، وقد ينتهي به الأمر إلى عدم احترام سلطة المدرسة. لكن يجب الإشارة في نفس الوقت إلى أنّتمرّدالتلميذ ومشاكسته هو ما يستفز ردّ فعل المعلم، والذي يحتكم بدوره إلى ظروف عمله في المدرسة التي غالبا ما يستحيل معها تحقيقاستجابة فردية مع كلّ تلميذ على حدة.

تمثّل الحالات المعروضة نموذجا لانتقال العلاقات الصراعية من الأسرة إلى المدرسة وضعف تكوين المعلمين في التعامل مع مثل هذه الفئة، فأحمد ابن السادسة عشرمن عمره، والذي ينتمي إلى أسرة متواضعة اجتماعيا يعاني -حسب تصريحاته- من مشاكل ذات علاقة بالسّلطة الأبوية والخضوع لها[16]، وهذا الرفض لهذا النوع من السلطة أدى به إلى رفض سلطة الأساتذة، ويعكس التصريح التالي جانبا من علاقته السيئة مع التأطير التربوي:

"بدأت مشاكلي بالثانوية لمّا كنت في السنة الأولى عندما أرغمتني أستاذة اللغة الانجليزية على نزع القبّعة التي تعوّدت على ارتدائها داخل القسم في مختلف الحصص، ولمّا رفضت نزع القبّعة صفعتني أمام الكل. لم أقبل منها هذا التصرّف وزايدت معها في الكلام. قدّمتني للمجلس التأديبي الذي قضى بتحويلي إلى ثانوية أخرى، لم أقبل أيضا هذا السلوك، فأطلقت ضدها الشتائم ومن ثمّ دخلت في صراع معها جعلها تقدّم شكوى ضدّي إلى مصالح الشرطة التي قدّمتني إلى قاضي الأحداث الذي وضعني تحت نظام الإفراج المراقب[17]، ما بغيتش نقرا في ثانوية أخرى".

اعتبر المبحوث هذه الممارسة إهانة لشخصه، خاصةوهو في سن حرجة من عمره حيث يواجه الفرد تحدّي إثبات ذاته وهويته وبناء مكانة اجتماعيةخاصّة به، وهو الأمر الذي حمل أحمد على ترك المدرسة كلّية ورفضها واختيارالشارع كفضاء يمنحه الحرّية والاستقلالية التي ينشدها الفرد في مثل هذهالمرحلة. فالعلاقة السيئة بين التلميذ والمعلّم -التي قد تكون امتدادا لعلاقاته مع المنظومة السلطوية الأسرية-قد تحوّل المدرسة إلى مثير شرطي للألم والعقاب والعنف الرمزي والتمييز، وتصبح المدرسة بسبب هذه الممارسات أقل جاذبية من أماكن أخرى مثل الشارع، وهو ما قد يسهّل الانزلاق إلى عالم الانحراف، وفي مثل هذه الحالات يصبح المعلّم  نموذجا سلبيا غير جدير بالاقتداء به في أعين هذه الفئة من التلاميذ، ويتحول القسم إلى ساحة صراع بين المتعلم والمعلّم تنتهي في غالب الأحيان بطرد التلميذ-المشاغب من المدرسة (خديجة مقدم، 2014).

والحال نفسه يعبّر عنه محمد (16 سنة) الموضوع بمركز إعادة التربية بسبب السرقة والتشرّد، والذي ينتمي إلى أسرة مفكّكة، الأب متزوج من امرأتين تسكنان معا في بيت واحد، إذ تبدوالعلاقة السيئة لهذا المراهق مع المدرسة في جانب منها امتدادا لسوء العلاقة بينه وبين والده الذي كان يعاقبه (بالضرب) باستمرار. يصرّح محمد أنه:

"كره المدرسة مبررا ذلك برفض الطريقة التي يتعامل بها المعلمون،كما لم يكن راضيا عن طريقة المدرسين في إلقاء الدرس وشرحه، والذين كانوا يؤكّدون على ضرورة الحفظ، بالإضافة إلى الضغط الذي مارسه عليه والده الذي كان يدرّس بنفس المدرسة، والذي كان يصحح الأخطاء التي تصدر عنه على مرأى من الجميع. وهو ما كان يشعره بالازدراء والخجل والتقليل من قيمة ذاته،ويزعزع حبه لنفسه واعتزازه بها، الأمر الذي جعله يرد بعنف وتمرد أكبر عن طريق السخرية المستمرة من معلميه اختلاق الأعذار له ولغيره للتخلّف عن الدرس إلى أن وصل به الأمر إلى إشعال النّار بالمدرسة،ما اوصله إلى المثول أمام المجلس التأديبي والفصل نهائيا".

الملاحظ من هذه الحالة أنّ المبحوث لم يكن في نيّته الإساءة كما جاء في تصريحاته بل كان يريد إثارة الضحكو "الفكاهة" (مايدلّ على ضعف النضج الوجداني و المعرفي)، كما تشير إليه الأدبيّات التي تناولت مرحلة المراهقة[18]،حيث يتّصف المراهق في هذه الفترة من العمر بروح الداعبة والميل إلى السخرية دون نظر إلى المآلات لعدم تقديره لعواقب فعله وتصرفاته. وما إضرامه النارفي المدرسة إلا دليل على عدم تقديره لخطورة فعله وما يمكن أن ينجم عنه، في حين تُظهر بعض مواقف الفاعلين التربويين في المدرسة قصورا في فهم هذه الحالة الاجتماعية وبالتّالي مساعدتها، ثمّ جاء قرار المجلس التأديبي بإقصاء التلميذ من التمدرس وتحويل ملفه  إلى "المحكمة" ليفاقم من صعوبات التكفلّ المؤسساتي بمثل هذه الحالات. فهذه  النّماذج من السلوكات لا تساعد على التكوين الفردي للتلميذ المتمرّد، وتهدّد بخطر الانزلاق نحو الجنوح و الانحراف، ويمكن القول أنّ المدرسة، على غرار الأسرة، أبانت محدوديتها في التّعامل مع مثل هذه الحالات، وربما فضّلت (أو أرغمت نظر المحدودية إمكانياتها) الحلول الراديكالية، واختارت بذلك توقيف مسار تمدرس المبحوث بدل المرافقة الاجتماعية له. ويبدو تأثّر تجربة المبحوث المدرسية بالتجربة العائلية وعجزه عن بناء علاقات ناجحة في الوسط المدرسي والاجتماعي على حد سواء نظرا لغياب الدعائم الأسرية والاجتماعية التي تساعده على التفاعل الاجتماعي وبناءشخصيةمرنة ومتأقلمة، غير تلك التي ظهر بها والتي انتهت به إلى إحالته المتكرّرة على مركز إعادة التربية والإدماج.

تساهم مثل هذه المعاملات في توسيع الفجوة بين الحالات المدروسة وبين المدرسة، وتضاعف من عزلتها الأسرية ومن إحساسها بغياب الاعتبار وبالوصم، وكل هذا دفع بهم إلى التصعيد من سلوكياتهم العدوانية داخل القسم كردّ فعل على علاقة الصراع وعدم الشعور بالأمن والراحة النفسية، وكوسيلة لإشاعة الفزع والرعب في أوساط التلاميذ والمعلمين الذين لم يقدروا على الاندماج معه ولم يحظوا بمكانة مقبولة بينهم.

تعكس هذه الحالات تصرفاتِ المعلم العنيفة (من حيث الألفاظ المستعملة لمواجهة الحالات الجانحة في القسم) ضدّ التلميذ الجانح، وجهله بالحالة الفردية للمراهق وضعفِ كفاءاته المهنية في التعامل معه،وانسحابه من مثل هذه الأدوار التي يفضل أن يلقيها على عاتق الإدارة المدرسية أو العدالة، وكلّها ممارسات قد تتسبّب في فشل التجربة التعليمية وإخفاق التلميذ في استثمار هذا الفضاء الحيوي بصورة موفّقة، حيث لا يجد في غالب الأحيان حلا سوى "ترك المدرسة والبقاء في الشارع".

الممارسات البيداغوجية في المدرسة وسلوك الانحراف

نقصد بالممارسات البيداغوجية تلك النشاطات التعليمية التي ترتبط بسيرورة الدرس (Keddar, 2012, p. 79)، أي كل ما يقوم به المعلّم من أجل توفير الشروط المادية والمعرفية والعاطفية والعلاقات الاجتماعية لمساعدة التلميذ على التحصيل، فالظروف التي يقدّم فيها الدرس والطرق التي يلقى بها والبرامج التدريسية التي يلقنّها الأستاذ باعتباره الفاعل التربوي الأهم وكذا العلاقات داخل القسم كلها عوامل تساعد على الاستثمار الحسن للمدرسة.

ويربطالكثير من الباحثين[19] بين الممارسات البيداغوجية واتّجاه التلميذ الجانح إلى ترك المدرسة وما يترتّب عن هذا الانسحاب من تنامي سلوك الانحراف، ويتأكّد هذا الواقع في معظم خطابات العيّنة المدروسة التي يصّرح الكثير من أفرادها عن موقفهم المستهجن لطرق إلقاء الدرس والتي يصفونها "بالجافة"، ومن الطريقة التي ينتهجها المدرسون الذين يؤكدون على ضرورة الحفظ، وهو ما يحدّ من مجال المبادرة والتعبير عن قدرات التلميذ حسب تصريحات المبحوثين. ويحيلنا هذا الواقع الذي عاشه أفراد العيّنة داخل القسم إلى ما يطرحه فارنند أوريحول البيداغوجية المؤسّساتية وعن الحياة داخل القسم، إذ يشبّه هذا الأخير القسم بالتعاونية الحيّة وبأنّه فضاء وجود وفضاء كلام ومكان نشاط لا يمكن اختزاله إلى آلة تعليم، وهو أيضا مجال مناسب للرغبات وللتماهيات و لمختلف الإسقاطات (إيف جيين، 2008، ص.115). تساهم طريقة إعطاء الدرس وموقف التلميذ الجانح من المادة المدرّسة -كما توضح لنا من خلال ما قدّمناه من مسارات مدرسية- في تدعيم سلوك الرفض للسلطة البيداغوجية للأستاذ، ويمكن أن تؤدّّي مثل هذه الحالات إلى النفور من المدرسة.

يصرح أحد المبحوثين قائلا:

"المدرسة مملّة، غير ندخلوا للقسم يبدا المعلّم يطرح في الأسئلة، ويبدا يعاير إذا ما عرفتش تجاوب وهذا مشي طريقة مليحة،نحسّو بالملل والاهانة ويطوال علينا الدرس...".

تحمل خطابات المبحوثين عن "المدرسة المملّة"[20]واستهج ان طرق عرض الدّرس بعضا من أهم المؤشرات التي يمكن الوقوف عليها حين تحليل المقابلات الإكلينيكية مع كل العيّنة المدروسة.

تؤكّد الكثير من الدّراسات[21]على أهمية المناخ العام للقسم بصفة خاصة والمدرسي بشكل عام، فالثغرات التي تتصف بها المناهج والقصور التربوي،خصوصا ما يتعلق بالجانب المهني والتكويني للأستاذ في التعامل مع مثل هذه الحالات، قد يعرقل العملية التعليمية ويحول دون بلوغ أهدافها، وقد يترتّب عنها سوء العلاقة مدرسة/ تلميذ لتصبح هذه الأخيرة امتدادا آخر للعلاقة السيئة بين المراهق والأسرة، وتولّد هذه الظروف حالة منعدم التوافق بين سلوك الجانح والمشروع التربوي، ويؤدّي ذلك إلى عدم المبالاة بالدّراسة ورفضها وعدم "احترام سلطة المعلّم" وإثارة الشغب والفوضى داخل القسم مثلما توضّحه خطابات كل الحالات المدروسة.

غالبا ما يغذّي هذا النوع من المناخ المدرسي العلاقات الصراعية و السلوكات المدرسيّة غير المتوافقة تربويا (سبّ،شتم،زعزعة نظام القسم،غياب متكرّر...)، ومثل هذه النتائج سبق أن أشار إليها بيار مارل (بيار مارل،2007،ص.58) عندما ناقش مسار تشكّل الصورة السيّئة التي يكوّنها التلميذ عن المدرسة، وعن ظروف التعامل معه داخلها، والتي يكون لها غالبا الأثر السلبيفي هشاشة المسار التعليمي للمراهقين الجانحين، وإذا أخدنا بعين الاعتبار معطى الشروط القانونية للالتحاق بالتكوين المهني (مثل شرط المستوى المدرسي) يصبح تسرّب التلميذ الجانح وعدم قدرته على التنافس على التكوينات ذات السمعة الاجتماعية والمهنية[22] (مثل التكوين في الميكانيك أو الحلاقة أو التلحيم) استمرار التعسّر العلاقات مع منظومات التنشئة الاجتماعية (الأسرة، المدرسة، مراكز التكوين المهني) وهذا الوضع قد يساهم في تعزيزها مشية المراهق وتحوليها من حالة ظرفية إلى حالة دائمة.

وفي ظل ضعف طقوس العبور من سن إلى أخرى أو غيابها، تصبح "المدرسة" بوصفها إحدى مؤسّسات التنشئة مجالا آخرلإقصاء التلاميذ الجانحين، وهذا مايجعل الكثير من الباحثين-منبينهمBertrand Geay et Arlette Meunier)2003) - يعتبرون الفشل المدرسي لدى هذه الفئة نتاجا مؤسّساتيا (بروتو، 2003 ص.7)، ويمكن لجانب من النتائج التي استخلصناها في هذا الجانب أن تتّفق مع هذه الأبحاث خصوصا عندما يكون الوعي بحالة المراهق الجانح ضعيفا لدى الفاعلين التربويين، وهنا تبدو التجربة المدرسية لدى هذه الفئة، إضافة إلىالعوامل الأسريّة، مرهونة بالسّياق الذي يتم فيه التّعليم، وتعبّر تصريحات العينة عن: "أوصاف سلبية عن المدرسة" و"التأطير البيداغوجي لفاعليها" و"سلطة غير متكيّفة مع حالاتهم" مؤشرا على المناخ السائد بالمدرسة والذي لا يساعد على تجاوز حالة الجنوح، وكذا الصورة السلبية لهوية التلميذ المنحرف. وفي هذا السياق يشيرمرداسي (Merdaci, 2009) إلى أنّ تذبذب الأوجه التقمصية يجعل المراهق ينزلق نحوالانحراف. ويعزّز هذه الفكرة (2016 ,Belhandouz ) كون الآباء في المهجر أيضا فقدوا سلطتهم على أبنائهم ممّا أدى إلى التمرد والانحراف.

العلاقة مع الأقران داخل المدرسة والاتّجاه نحو الجنوح

تؤكّد الدّراسات السابقة على دور شبكات التواصل العلائقي التي يتفاعل معها المراهق وتأثير الأقران من داخل المدرسة وخارجها (ماريز إستارل،2015، ص .46) في التسرّب المدرسي والانحراف، كما تؤكّد أدبيات أخرى على أنّ الجنوح دائما يحدث في مجموعات ومع الأقران (بورن، 2003، ص.178)، فالانحراف ضمن المجموعة-كما يشرح بورن-ماهو إلاّ امتداد "لنزعة طبيعية" في التموقع و الفوز بالقبول بينهم (بورن،2003 ص.199)، لذا يمكن اعتبار اللجوء إلى الأقران مؤشرا على غياب المكانة في المدرسة وفي القسم، فالأقران غالبا ما يشكّلون الفضاء الذي يحتوي التلميذ داخل المدرسة لما يوفّره لهمن معايير تساعده على تأكيد هويّتهم.

ويشكّل الأقران فضاءً آخر للاقتداء،ففي حالة العيّنة المدروسة كانت لجماعة الأقران مكانة أساسية بما أنّها شكّلت مجالا للهروب من مشاعر التحقير وعدم تقدير الذات الذي واجهه أفراد العيّنة في المدرسة، فقدصرّح الكثير ممّن استجوبناهمبأنّهم تعاطوا أول سيجارة وتعلّموا المخدّرات ومارسوا العنف داخل المدرسة بدافع التقليد، ورغبة منهم في الاندماج مع جماعة الأقران والفوز بمكانة بينهم، وأيضا لأنّ جماعة الأقران ساعدتهم على الهروب من الجو المدرسي الصعب ومن التهميش والإقصاء كما جاء في تصريحاتهم. فالكثيرمنهمحقّقوا الشعور بالقبول والانتماء بين الأقرانبدون أن يتعرضوا للأحكام السلبيةأو الرفض أو استهجان أفعالهم، إذ أنّ إحساس التلميذ بكونه منبوذا ومهملامن طرف الجميع ينجمعنه شعور بالنقص والاغتراب وعدم تقدير الذات. وفي هذا المعنى تصرّح فاطمة[23]عندما تستعرض مسار علاقتها بالمدرسة:

"التحقت بالمدرسة في السن القانونية إلاأنّني في هذا الوقت اكتشفت حقيقة عدم تقييدي في سجلات الميلاد سواء باسم والدتي أووالدي.وتمّتسجيليفيالمدرسةفي السنة الأولى بوساطة من أصدقاء الأب في الأول ومن أصدقاء الخالة والأم لحين تسوية وضعيّتي المدنية. أبي لم يعترف بيولم أسجّل في الحالة المدنية، لهذا السبب تم تحويلي مرارا من مدرسة إلى أخرى. والدتي هاجرت في هذه الأثناء إلى فرنسا وتركتني عند أحد السيّدات والمدعو أبي تزوّج وكوّن عائلة، بقيت وحدي بدون دعم أو تشجيع منالمحيطالمدرسي. في هذه الفترة كوّنت علاقة مع مجموعة من التلاميذ وتقّربت منهم،واشتركت معهم في زعزعة النظام العام للمدرسةوتصعيد سلوكياتي العنيفة و كنت البنت الوحيدة بينهـم وكانت تربطني بهم علاقةجيدة وحميمة، تعلمت تعاطي السجائر والمخدرات معهم.عندما أكون بينهم لا أعرف الخجل من سلوكياتي. قبلوني ووجدت بينهم راحتي. فكان المعلّم يجلسني بآخر القسم خاصة معلمة اللغة الفرنسية التي ازدرتني كثيرا وكنت دائما أتشاجر معها، لا أحبّها ولا أحب المادة التي تدرسها.شاركتمعهم في إشعال النار بالمدرسةوبعدشكوىمن المدرسة وضعها القاضي في المركز".

استغلتالمبحوثةوجودها بين جماعة الأقران "لتنتقم من المدرسة"ضدّ الشعور بالتهميش وركنها جانبا (وضعها في أخر الصف وعدم مشاركتها في الدرس). يعبّر تصرّفها العدواني الذي يماثل العدوان الذي سلّطته المدرسة ضدّها عن شكل من الاقتداء بالمعتد يحسب تعبير جونبر جوري (2013 .Bergeret, J) . لقد وفّرت جماعة الأقران للمبحوثة المأوى والدعم الذي ساعدها في الدّفاع عن نفسها ضدّ مختلف الإحباطات التي واجهتها في غياب مكانة لها داخل الفضاء الأسري والمدرسي. ومامشاركتها في "إشعال النار في المدرسة" إلاّ مؤشر على رغبة عدوانية في "إلغاء الكل" وتدميرهم كردّ فعل ضدّ الإقصاء والرفض،وبحث عن التخفيف من حدة المعاناة وعدم الانتماء وعدم الاعتراف بها.

تدلّ أبحاثنا السابقة فيما يخص العلاقة بالأقران[24] على دور هذه العلاقات في الإحساس بالقوّة وتجاوز الشعور بالوحدة، كما تدلّ على أنّ الخروج المبكّر من المدرسة -الذي ميّز المسار الشخصي للعّينة المدروسة-اقترن بالانتماء القوي لجماعة الأصحاب والتأثّر بها،فهذه الأخيرة تبقى في غالب الأحيـــان "سندا هيكليا ومطمئــنا (كــولومبو، 2015، ص.176)، والوجود داخل المجموعة يعبر عن نوع من الإخلاص الذي يميّز علاقات المراهقين الموجودين في مثل ظروف العيّنة المبحوثة، فجماعة الأقران فضاء حيوي للتماهيات والتعبير عن الذات وإعادة بنائها في ظلّ علاقات حميمية تستقر مع الزمن حتى عند المراهقين الجانحين.

فبفعل تشابه ظروف أفراد العّينة المبحوثة وتشارك تجاربهم فيما بينهم في المدرسة وحتّى في الشارع،نشأت بينهم نوع من الحميمية والتفاهم، حيث يزول كل شعور بالحذر لتحل محلّه الثقة المتبادلة بين "أفراد العصابة" وغياب الأحكام المسبقة فيما بينهم مع قبولبعضهم البعض. وفي مقابل هذا الجو السائد بين أفراد العينةتحيلنا الملاحظات وتحليل مضمون التجربة المدرسية للمبحوثينإلىأنّ المدرسة-مثلها مثل الأسرة-عجزت عن توفير الاحتواء و الطمأنينة للحالات المدروسة، بل اكتفت بتحويل مشاكلها إلى العدالة التي اقتصر دورها على وضع هؤلاء بمراكز متخصّصة في إعادة التربية، وهذا فاقم مشاكلهم و ضاعف من شعورهم بالرفض والإقصاء.

خــــــاتمة

لا تبدو التجارب المدرسية للمراهقين الجانحين في قطيعة مع تجاربهم الأسرية الصراعية، فمعيشهم السلبي داخل الفضاء المدرسي يرتبط بظروفهم العائلية المضطربة. إذ تتمظهر سلبية العلاقة بين المدرسة والعائلة عند تحليل التجارب المدرسية للمراهقين الجانحين في غياب التواصل بين مؤسستي التنشئة فاعلي هاتين المؤسستين لظروف الحالة الجانحة، فانشغال الأولياء عنهم بسبب مشاكلهم الخاصة والطلاق أو الصراعات الوالدية اليومية، وانحرافهم عن دور الإشراف والرقابة المنوط بهم، وضعفُ سلطتهم أو تعسّفُها، وعدمُ تشجيع التجربة التعليمية ودعمها، إضافة إلى غياب كفاءة الفاعليين التربويين وعجزهم عن احتواء مثل هذه النماذج من التلاميذ، كلّ هذه مؤشّرات تساعدنا على التأكيد بأنّ هذه المسارات "الهشّة" هو حصيلة اجتماع أسباب عائلية ومدرسية ونفسية وأسرية، إذ يُضاعف الإخفاق المدرسي في سن مبكرة من العمر والإيداع المتكرّر بمختلف مراكز إعادة التربية والسجون الاحتياطية الروابط الأسريةالشعور بالتخلي، ويحول دون إعطاء هذه الفئة إمكانية تجاوز الصور السلبية التي وسموا بها. إضافة إلى أن المعلم وباعتباره صورة عن السلطة الأبوية فإنّه يواجه بالرفض، ويعمل هؤلاء "المتمردون" كلما في وسعهمل لإساءة إليه و إن وصل بهم الحدّ إلى القيام بحرق المدرسة،كما نستنج عجز المدرسة-التي تعاني من تمرد هؤلاء التلاميذ ورفضهم لكلّ سلطة-ومحدودية إمكانياتها لمواجهة هذه السلوكيات المشاكسة.

ويمكن طرح السؤال الآتي: هل المدرسة سبب في الجنوح؟ الجواب صعب لكن يمكن أن نجيب دون مبالغة أنّ المدرسة، وفي ظل غياب وسائل ومختصين لتحسين وضع هؤلاء التلاميذ، هي أحد العوامل المساهمة في الانحراف، وهذا مايتطلب إجراءات مؤسساتية و تربوية وتكوين مختصين أكفّاء لمواجهة هذا الوقع، وهذا لايكون عبر مراكز إعادة التربية فقط، بل يجب أن تتعدّاه إلى ضرورة خلق آليات تعمل على تحسين ظروف هؤلاء الأفراد في الأسرة وفي المدرسة وفي الشارع.

المراجع

مقدم خديجة،(2014).مشروع الحياة عند المراهقين الجانحين. عمان: دار الحامد للنشر.

Benamar, A. (2012). École /Famille : quels modèles éducatif ?Cahiers Crasc, 25. Oran : CRASC.

Benghabrit-Remaoun, N. (2012).École famille : une affaire privée et publique.Cahiers Crasc(9-26) 25. Oran : CRASC.

Belhandouz,H. (2016). Quelques causes et effets de la « double absence » du 3ème âge de l’immigration algérienne en France. La transformation du Cheikh en Chibani. Insaniyat,72-73,79-94.

Belgacem,F. (2018).Conséquence de l’échec des politiques préventives : Délinquance juvénile : une bombe à retardement.Liberté,le 17-09-2018. 

Bertrand, G. et Arlette, M. (2003). Enjeux et usages de la déscolarisation.Cahiers de la recherche sur l’éducation et les savoirs, 2.

Colombo, A.,Parazelli, M. (2015).S’en sortir quand on vit dans la rue. Trajectoire de jeune en quête de reconnaissance. Canada : Presse universitaire du Québec.

De Gaulejac, V. etCoquelle,C.(2017). La part de social en nous: Sociologie clinique et psychothérapies. Toulouse: ERES.

De Gaulejac, V., Hanique et F., Roche, P. (2007). La sociologie clinique. Toulouse: ERES.

Dubet, F. (2002).Le Déclin des institutions. Paris : Le Seuil.

Haddab, M. (1997). Éducation et changement socioculturel. Alger : OPU.

Keddar, Kh. (2012). La pratique enseignante à l’heure de la réforme : quel(s) changement(s).Cahier Crasc, 25. Oran : CRASC.

Merdaci, M. (2009). Clinique sociale du champ algérien: Psychopathologie des conduites à l’adolescence.Pratiques Psychologiques, 15(3),311-325.

Moutassem-Mimouni, B.,Sebaa, F.-Z., Mimouni, M. (2014).Les mineurs en garde judiciaireen Algérie. PNR, Oran : CRASC.

Duru-Bellat, M.,Van Zantan,A. (1999).Sociologie de l’école. Paris : Armand Colin, 2èmeéd.

Esterle,M.(2015). Qui rate un cours vol un bœuf ? Les liens entre non fréquentation scolaire et délinquance.Les Cahiers dynamiques,63,Toulouse : ERES, p.42,

Born,M.(2003).Psychologie de la délinquance. Bruxelles: De Boeck.

Mokeddem, Kh.(2012). Quel projet de vie pour l’adolescent délinquant dans la rue ?Revue du laboratoire d’analyse des processus sociaux et institutionnels. LAPSY.

Merle,P.(2007). Le conflit dans l’école question scolaire et question sociale.Le Télémaque, 31, France :Presse Universitaire de Caen.

Giguer, V., Morin, A.,Janosz,M. (2011). L’influence de la relation maîtres-élèves sur le développement de comportements déviants et délinquants à l’adolescence. Revue de psychoéducation(vol.40)1. Canada :Montréal.

Jeannes,Y. (2008). Fernand Oury et la pédagogie institutionnelle.Info-Revue Reliance2, France : ERES.

 الهوامش

[1]انظر مضمون القانون التوجيهي للتربية الوطنية الصادر في العدد 04 للجريدة الرسميةفي 27 يناير 2008، والذي يحدّد الأحكام الأساسية للمنظومة التربوية الوطنية، التي تتجسّد أهدافها في تكوين الفرد المواطن المتشبّع بمبادئ الدولة الوطنية والمتفتّح على الحضارة العالمية.

[2]سمحت لنا تجربتنا المهنية بصفتنا مختصّة نفسية ومسؤولة عن مصلحة الملاحظة والتربية في الوسط المفتوح (1992- 2005) من متابعة العشرات من الملفات الإدارية والنفسية الخاصة بالأحداث الجانحين، وهي المعطيات التي سنعتمدها في هذه الورقة البحثية والتي نعتبرها تراكما قد يسمح بتتبع الظاهرة على المدى المتوسط أو البعيد. 

[3]كشفت الدراسة الميدانية عن الخطابات السلبية للفاعلين التربويين في المدرسة (الأساتذة، المراقبون التربويون، المدراء) وعن صعوبات في التعامل مع المشاكل السلوكية للمراهقين الجانحين داخل الفضاء المدرسي، فنظرتهم السلبية لهذه الفئة تنعكس في رفض التكفل بمشاكلهم البيداغوجية ووضعهم في أقسام مخصّصة.

[4]في هذا السياق يمكن العودة إلى الدراسات المرتبطة بظاهرة جنوح المراهقين مثل دراسة كارولين جيمانز2005 حول انحراف الفتيات، وكذا البحث الذي قام به نيكولا سالي (2009) حول الإصلاحات القانونية الخاصة بعدالة الأحداث، و دانيال باشي (1997) حول جنوح الأحداث: المفاهيم النظرية والنتائج التطبيقية، ودراسة إريك مارليي (2014) حول الانحراف: قراءة تاريخية واجتماعية. ونذكر أيضا أبحاث فلورنس عمري(2009) حول خطابات المراهقين الجانحين: من أجل فهم أفضل للانحراف من خلال للعلاقات بين الأولياء والأبناء. وتجدر الإشارة إلى الأعمال التي تنجز في الجزائر منها المشاريع البحثية الوطنية التي أنجزت بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، كالمشروع الذي أنجز تحت إشراف الأستاذة ميموني معتصم بدرة حول عدالة الأحداث (2012)،وأبحاث محند أكلي حديبي حول شباب وشابات القبائل وما يرتبط بهم من ظواهر اجتماعية، وأبحاث الأستاذة سبع دلّاج فاطمة الزهراء حول انتحار الشباب أو حول إجرام الفتيات. إضافة إلى مخبر تحليل السيرورات الاجتماعية والمؤسّساتية الذي ترأسه الأستاذة عبلة رواغ بجامعة قسنطينة2، والذي يجري دراسات حول الظواهر الاجتماعية التربوية المرتبطة بفئة الشباب والمراهقين مثل ظاهرة الجنوح وغيرها من الظواهر التي تتعلّق بهذه الفئة.

 [5] ينظر في هذا الشأن أعمال:

Cloutier(1996), Cusson(1998), Frechette et Le Blanc(1987), Gottfredson et Hirschi(1990), Sampson et Laub(1993), Latimer(2001), Michel Born(2003), Ouimet et Szabo(2003), Ouimet, (2009), Mouatassem-Mimouni et al. (2014).

 [6] ينظر على الخصوص :

Wineman (1964), Bandura (1971), Mac Fall ( 1976), Buikhuisen (1977), West (1982), Bartels (1986), Patterson (1982), Loeber, Dishion (1983).Redl.

 [7]نذكر مثلا أعمال :

Rutter, Giller, (1987), (Hirschi (1986), Debuyst, (1990), Dignef(1990), Ottenhof et Favard (199).

[8]نشر فريد بلقاسم في جريدة (Liberté  2018) مقالا موسوما بـ"جنوح الأحداث: قنبلة مؤقّتة"، وقدّم إحصائيات عن مصالح المديرية العامة للأمن الوطني تبيّن أنّ أكثر من 000 17 شاب أقل من 16 سنة يمثلون سنويا أمام محاكم الأحداث بسبب العنف والانحرافات. ويكشف ذات المصدر أنّ 000 13 طفل هم ضحية جرائم في الوسط الحضري، مقابل 000 18 أخرى في الوسط الريفي. ولا تدلّ هذه الأرقام إلاّ على الحالات الملاحظة حسب تصريحات أحد الضبّاط.

[9]صادقت الجزائر على اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 في 19 ديسمبر 1992 ودخلتحيز التنفيذ في 16 مايو 1993، وتم اعتماد ميثاق حقوق الطفل الإفريقي بموجب المرسوم الرئاسي رقم 03242 وتمّ نشره في 8 جويلية 2003 في الجريدة الرسمية رقم 41.

أبرم الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته في يوليو 1990 بأديس بابا، وصادقت عليه الجزائر بموجب المرسوم الرئاسي 03/242 المؤرخ في 08 جمادي الأولى 1424هـ الموافق لـ 08 يوليو 2003 . ووافقت الجزائر على ميثاق الطفل العربي. كما وافقت على الميثاق العربي لحقوق الإنسان/المعدًل، الذي اعتمدته القمّة العربية في تونس في مايو/أيار 2004، ولكنها لم تصادق عليه شأن معظم البلدان العربية.

[10]يلتزم القانون والمواد الجديدة التي صدرت في 15 جويلية 2015 بالعديد من التدابير الخاصة  بإصلاح جهاز عدالة الأحداث من أجل المصلحة الفضلى للطفل والمراهق.

[11]ترتبط التجارب البحثية في هذا المجال بمجموعة من الدراسات التي أنجزت خلال إعداد رسالة الدكتوراه الموسومة بـ "مشروع الحياة عند المراهقين الجانحين الموضوعين بمراكز إعادة التربية بوهران" (2012)، مشروع البحث في مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية حول موضوع "الزوج وإشكالية الزواج" (2009-2011)، ومشروع البحث الذي أشرفت عليه والموسوم بـ "مصير الأحداث الجانحين الذين مروا بمراكز إعادة التربية" (2015-2018)، حيث تمّ القيام بالتحقيقات الميدانية في كل من: وهران، الجزائر العاصمة، قسنطينة، تمنراست، بجاية وسعيدة.

[12]أشرفت على مصلحة الملاحظة والتربية في الوسط المفتوح بمدينة وهران (1993-2005).

[13]هو المنهج الذي يحدّد الهوية من منظور التفاعل ويقوم على الدمج بين الجوانب الذاتية المرتبطة بالشخصية الفردية من ناحية، وبالمتغيّرات الاجتماعية المرتبطة بمفهوم الدور الاجتماعي وبالانتماء إلى مجموعة اجتماعية من ناحية أخرى. ويميّز هذا المنهج بين الهوية الذاتية كعملية نفسية للتمثيل الذاتي والشعور بالوجود والاستمرارية الفردية وبين الهوية الاجتماعية، ومن أنصار هذا المنهج نذكر ميد (1934)، ألبورت (1970)، وتاجفلوتورنار (1976-1886). يعتمد المنهج الإكلينيكي على وصف التطوّر النفسي للشخص والتفاعل مع بيئته الاجتماعية. ولا يعتبر علاجا نفسيا وإن كانت مبادئه مستوحاة من علم النفس والعلاج النفسي.

[14]اهتمّت أبحاث كثيرة بدراسة العلاقة معلّم /تلميذ وتأثيرها على تكوين السّلوك المنحرف مثل الدّراسة التي قام بها كل منGiguère,VوMorin, J.-SوMJanos,(2011)،والتي نشرت في مجلة علم النفس التربوي في عددها الأوّل.نشير أيضا إلى دراسة أخرى حول البعد العاطفي للعلاقة تلميذ/معلّم وأثرها على التكيّف النفسي الاجتماعي للمراهقين لصاحبهاMal Vera (2015). وتؤكّدMaryline Barrette Dubé (2019) في دراسة لها عن دور العلاقة الطيّبة بين المعلم والتلميذ في النجاح المدرسي، كما تبرز عجّالي وسيلة في دراسة نشرتها في دفاتر مخبر تحليل السيرورات الاجتماعية والمؤسساتية، جامعة قسنطينة 2 (2012) مواقف الأساتذة اتجاه انتباه التلاميذ في القسم. وفي نفس العدد نشرت عبلة رواغ أستاذة علم النفس ورئيسة المخبر المذكور والأستاذ سيواني لطفي نتائج الدراسة التي أنجزاها حول تمثلات المدرسة السلبية والهجرة السرية.

[15] Marie-Hélène véronaux (2017).  تهتم بدراسة المسارات المدرسية وتأثيرها الاجتماعي كما تهتم بتجارب المراهقين في السياق المدرسي

[16]عدم احترام سلطة الأب والتصرف ضد إرادته. عدم الامتثال لأوامره وترك المنزل والبقاء عند العمّة.

[17]الإفراجتحت الرقابة هو تدبير قانوني يصدر في حق الأحداث الذين يرتكبون مخالفة أو هم في خطر معنوي، حيث يُبقي القاضي الحدث في وسطه العائلي ويسند متابعته التربوية لمصالح الملاحظة والتربية في الوسط المفتوح. وهي مصالح ولائية تقوم بمتابعة الأحداث وإعادة إدماجهم في المجتمع.

[18]حول هذا الموضوع يمكن الاطلاع على الأعمال التي تناولت المراهقة بوصفها مرحلة نمو خاصة، كأعمال(Stanley Hall (1904 و(Henri Lehalle (1991 و(Philippe Ariès (1973 و(Michel Fize (2003،بالإضافة إلى أعمال(David Le Breton  (2005.

[19]تستدعي الممارسات المهنية للأستاذ داخل القسم (ممارسات بيداغوجية، ديداكتيكية، طرق تسيير القسم ...) ضرورة أخذها بعين الاعتبار عندما يتم تحليل العلاقات بين التلميذ الجانح والمدرسة. ومثل هذه الطرح يؤكد على ضرورة تكوين المعلمين والأساتذة من أجل التكيف مع مختلف الوضعيات التعليمية. أنظر: زبيدة سنوسي في أعمالها التي تبحث في مساءلة أساتذة التعليم التقني أو أعمال عائشة بن عمّار حول النماذج التربوية والعائلة والمدرسة (2012).

[20]يطرح فرانسوا دوبي François Dubet مسألة تراجع مؤسسات التنشئة الاجتماعية وضياع الاعتراف بأدوارها ويقترح إعادة بناء مدرسة تعطي الثقة للمتعلمين وتزيد من ثقة المجتمع بها. في هذا السياق ينظر كتابه الهام :

Dubet, F. (2002).Le Déclin des institutions. Paris :Éd, Le Seuil.

[21]نذكر أعمال :

Walgrave,L. (1992), sur la vulnérabilité et la délinquance ;Payet, J.-P.(1997),Sur les conduites scolaires sévères à l’égard des enfants ; Les travaux de Vial,M. (1990),Sur les anomalies de l’école ;Brucy, G. (2003),Sur la désertion scolaire ;Pierre Merle (2007).

[22] تكشف العينة عن صعوبات الالتحاق بالعديد من التخصّصات التكوين المهني نظرا لضعف العلامات المسجلة في السنة الأخيرة قبل الإقصاء من المدرسة أو لضعف كفاءاتهم في الطور المنتسبين إليه.

[23] مراهقة جانحة، عمرها 16 سنة، مولودة من علاقة غير شرعية ولا تزال تعاني من رفض الاعتراف بها من طرف والدها، تخلت عنها أمّها واختارت الهجرة إلى فرنسا وتركها تحت مسؤولية عائلات اختارتهم لها(في البداية عند الخالة، ثم عند عائلة أخرى مأجورة من أجل التكفل بها)، ثم بعد هروبها من هذا الوسط العائلي تمّ وضعها بمركز إعادة التربية (حمام بوحجر ثم وهران). تدخلت معارفالأم من أجل تسجيلها في المدرسة دون أن تتمكن من تسوية حالتها المدنية.

[24] أذكر العمل الذي قمت به حول مشروع حياة المراهق الجانح الموجود في الشارع وهنا تكلّمت وحلّلت العلاقة بالأقران داخل فضاء الشارع.

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

© Copyright 2020 CRASC. Tous droits réservés.

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Plate-forme réalisée par : BAKIR Ilyes & DEKHIR Abdellah Merouan

Recherche