نور الدين بكيس،(2018 ) الحركات الاحتجاجية في الجزائر من المواجهة إلى الاحتواء، النشر الجامعي الجديد، الجزائر، 276 صفحة.


انسانيات عدد 88| 2020 |الحراك، رهانات سياسات وديناميات اجتماعية - الخطابات والفاعلون |ص 13-15| النص الكامل


 


يهدف المؤلف من خلال هذا الكتاب إلى تقديم قراءة سوسيولجية لظاهرة الحركات الاحتجاجية في المجتمع الجزائري لبناء تصور واضح حول مكونات الفعل الاحتجاجي في المجتمع الجزائري من منطق خصوصيات المجتمعات وقابليتها لإنتاج واقع اجتماعي خاص بها، في مقابل ذلك يعمل الكاتب على تقديم تشريح نسبي لآليات اشتغال النظام وتفاعله مع الحركات الاحتجاجية، ودور وتأثير البنى التقليدية كالأعيان في ضبط الحراك الاحتجاجي مثلما يحدث في غرداية وورڤلة وغيرها. كما يحاول الباحث أن يقدم تشريحا لتصاعد وتيرة الحركات الاحتجاجية وصيرورتها ومساراتها ومآلاتها.

عالج المؤلف الحركات الاحتجاجية من منظورين، أولا ما يصفها بالحركات الاحتجاجية الكبرى، ويقصد بها احتجاجات الزيت والسكر في 2011 والتي عمت مختلف ولايات الوطن، وثانيا الاحتجاجات الفئوية ذات التأثيرات المحدودة والظرفية.

يشير في مقدمة الكتاب إلى الصعوبات الميدانية التي تواجه الباحث في دراسة مثل هذه الظواهر، وهو ما دفعه إلى الاعتماد على الصحف وبالخصوص جريدة الخبر اليومية كمصدر لجمع المعطيات الخاصة بهذا الفعل الاحتجاجي، في ظل تعذر دراستها في الميدان، مشيرا إلى "الخطر المنهجي" الذي يمكن أن يؤثر على موضوعية المعطيات.

للإحاطة بجميع محددات السلوك الاحتجاجي في الجزائر اعتمد الباحث على ثلاثة أبعاد حاول من خلالها تفسير الظاهرة الاحتجاجية سواء أكانت داخل أطر رسمية أو بطريقة عشوائية، منها: البعد الجغرافي وذلك من أجل التعرف على التوزيع الجغرافي للفئات المحتجة، التصنيف الجغرافي لفضاء الاحتجاج، الأطراف المحتج عليها في باقي الوطن. كما اهتم الباحث بالبعد التنظيمي والهيكلي لهذه الاحتجاجات. وأخيرا يتمثل البعد الثالث في تعامل النظام السياسي مع هذه الاحتجاجات من خلال المخرجات التي اعتمدها في تلبية مطالب الحراك.

الكتاب مقسم إلى سبعة فصول، الفصلين الأول والثاني يمكن اعتبارهما فصلين منهجيين، قدم من خلالهما الباحث الإشكالات المطروحة حول السلوك الاحتجاجي، والحركات الاحتجاجية، المفاهيم والمقاربات النظرية المعتمدة.

في الفصل الثاني من الكتاب يتطرق المؤلف إلى عناصر الفعل الاحتجاجي، وذلك من خلال تقديم تعريف مع عرض للأبعاد المختلفة التي تقف وراء قيام الفعل الاحتجاجي وركز فيها على البعد الثقافي لخصوصية المجتمعات العربية. كما أشار المؤلف لفعل الاعتراض كمكون أساسي للفعل الاحتجاجي وتمظهراته الجديدة واتساع وتغير دور المحتج بفضل تغير دور المجتمع المدني وانتقاله من العمل التطوعي إلى العمل الحقوقي.

أمّا الفصل الثالث كان إجرائيا، تطرق فيه المؤلف لأحداث 05 جانفي 2011، والتي تعرف بأحداث الزيت والسكر، كنموذج لدراسة الحركة الاحتجاجية في الجزائر لما تميزت به من كثافة الاحتجاجات وانتشارها الجغرافي ليكون بذلك التجربة الوحيدة التي بدأت خارج منطقة القبائل وانتشرت فيها بعد ذلك. اعتمد المؤلف في دراسته وتحليله لهذه الأحداث على الأخبار المستقاة من جريدة الخبر اليومية التي قامت بتغطية الاحتجاجات في 32 ولاية. وقد حاول المؤلف تحليل الظاهرة بالاعتماد على مجموعة من المؤشرات والأبعاد تعلقت بمدى عفوية الاحتجاجات وانتشارها الواسع. ويضيف المؤلف أن هذه الأحداث من حيث خصائصها لم تأت بجديد بالنظر إلى ما عُرفت به الحركات الاحتجاجية في الجزائر.

خصص المؤلف الفصل الرابع لتقديم المعطيات الميدانية المتعلقة بتطور الحركات الاحتجاجية من خلال عرض للأحداث التي وقعت في كل شهر وفي السنة، وقد قسم الفئات حسب البعد السوسيو مهني، بالنظر إلى دورهم وطبيعة المطالب وفضاءات الاحتجاج.

في الفصل الخامس تطرق المؤلف لحضور العنف في المطالب الاحتجاجية، والذي يصفه بالعنف الرمزي، والهدف منه هو لفت انتباه السلطة. ويؤكد على أن الطابع البنيوي لظاهرة العنف، يعود للموروث الثقافي ولعدة أسباب أخرى يجملها أساسا في غياب المساواة والعدالة الاجتماعية بالإضافة إلى ضعف الأشكال التنظيمية من نقابات وأحزاب وانقسام النخب. ومن خلال دراسة كميّة حاول الباحث شرح ظاهرة العنف بالنظر إلى توزعها الجغرافي والفضائي والمؤسساتي.

يقدم المؤلف في الفصل السادس قراءة لطبيعة تفاعل النظام السياسي الجزائري مع الحركات الاحتجاجية وإستراتيجيته في احتواءها وتعطيل فاعليتها، حيث عرض في هذا الفصل أشكال هذا الاحتواء والمتمثل في الخطاب الرسمي الإزدواجي في التعامل مع هذه الاحتجاجات بين إنكارها، ثم شرعنتها والافتخار بها بعد ذلك. ولاحظ المؤلف تغير أساليب المعالجة الأمنية، والعمل على تغيير الصورة القمعية للمؤسسة الأمنية، وتوظيف الاقتصاد الريعي لشراء السلم الاجتماعي. في إطار نفس الاسترتيجية لاحتواء الحراك الاحتجاجي تعتمد السلطة إجراءات تصل إلى تعليق العمل ببعض القوانين أو التساهل في تطبيقها، التوظيف السياسي لجهاز العدالة في الإفراج عن المحتجين أو إدانتهم وكذلك تسخير مؤسسة المسجد.

الفصل السابع تطرق فيه إلى دراسة مقارنة لظاهرة الحراك الاحتجاجي بالجزائر وما عرفته بعض الدول العربية من تجارب احتجاجية وثورية منها مصر و تونس، معرجا على العامل الأمني والممارسات القمعية لرجال الشرطة التي كان سببا لهذه الثورات، كما يرى أن هناك فوارقا بين هذه الدول، فخلافا للتجربة التونسية والمصرية التي عرفت مشاركة بعض الأحزاب والجمعيات والنقابات العمالية ، تبقى التجربة الاحتجاجية في الجزائر تتميز بضعف التأطير. كما تطرق صاحب الكتاب في هذا الفصل لمآلات الحركات الاحتجاجية وأهمّ المكاسب والعقبات التي حققتها والتي تحول دون وصولها إلى الهدف المنشود وهو تغيير النظام السياسي.  

يعتبر هذا العمل دراسة مهمة للإحاطة ببعض خصائص الفعل الاحتجاجي في الجزائر وأوجه التشابه والاختلاف بينه وبين البلدان العربية التي عرفت مثل هذه الظاهرة كما يمكن أن تعتبر هذه الدراسة منطلقا لدراسات ميدانية أكثر عمقا لفهم الفعل الاحتجاجي وتعقيداته داخل المجتمع الجزائري خاصة ما عرفته الجزائر من حراك شعبي تميز بالسلمية والتعبئة الكبيرة لمختلف فئات المجتمع.

إسماعيل موشريط

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

© Copyright 2021 CRASC. Tous droits réservés.

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Plate-forme réalisée par : BAKIR Ilyes & DEKHIR Abdellah Merouan

Recherche