ناصر جابي (إشراف)، (2018). الحركات الامازيغية في شمال إفريقيا : النخب، أشكال التعبير والتحديات، منشورات الشهاب، الجزائر، 365 صفحة.


انسانيات عدد 88| 2020 |الحراك، رهانات سياسات وديناميات اجتماعية - الخطابات والفاعلون |ص 16-20| النص الكامل



الكتاب ثمرة لمشروع بحث لمدة سنتين في إطار التعاون بين مركز بحوث التنمية الدولية الكندي CRDI ومركز البحث في الاقتصاد التطبيقي للتنمية بالجزائر CREAD حول الحركات الأمازيغية في شمال إفريقيا. شملت الدراسة خمس دول وهي: الجزائر، المغرب الأقصى، ليبيا، تونس ومصر ، قام بإنجازه 11 باحثا (ة) من خلفيات أكاديمية مختلفة لعيّنة من تسع مناطق في الدول الخمس. الكتاب مقسم إلى محاور يتناول المسألة الأمازيغية حسب كل بلد من الناحية التاريخية، الخصوصية الثقافية والاجتماعية لأمازيغ المنطقة والفاعليين السياسيين والاجتماعيين المشكلين للنخب الأمازيغية.

عالج فريق البحث المغربي المسألة الأمازيغية في المغرب الأقصى من ناحية الإطار التاريخي، السوسيو- ديمغرافي والاقتصادي، حيث قدّم الباحثون نموذجا عن أمازيغ الريف والأطلس الأوسط. حيث شكل السكان الناطقون بالبربرية بالمغرب الأقصى حسب فريق البحث من ثلاث مجموعات إثنو-لسانية، كل مجموعة تمثل مجالا جغرافيا وهي موضوع رهانات سياسية وهوياتية، أساس هذه الرهانات هو مسألة خصوصية كل مجموعة سكانية ومدى اعتراف الدولة بها، أما من الناحية التاريخية وحسب فريق البحث المغربي، فإن انبثاق الأمازيغية كمسألة مجتمعية في المغرب الأقصى يعود إلى الفترة الاستعمارية أو ما عرف بـ" قانون الظهير البربري " بتاريخ 16 ماي 1930 والذي اعتبره "علماء" جامع القرويين يفصل بين سكان المغرب الأقصى ويزرع الفتنة بينهم.

يتتبع فريق البحث أيضا تشكل الحركات السياسية والجمعيات الأمازيغية من الناحية التاريخية كفاعلين أساسيين في الحراك الذي عرفه المغرب الأقصى منذ سنة 2011، حيث حققت بعض الجمعيات الأمازيغية اعتمادا رسميا بإدراج اللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية.

توصل فريق البحث المغربي إلى نتيجة مفادها أنّ الفاعل الأمازيغي بالأطلس المتوسط بالمغرب الأقصى بالرغم من التعبئة في جل الاحتجاجات لم يصل بعد إلى تأكيد الذات الأمازيغية، فهو فاعل مالك لشرعية المبدأ وفاقد لشرعية الفعل في الدفاع عن الحقوق الأمازيغية.

الجزء الثاني من الكتاب والذي يعتبر أكبر جزء من ناحية عدد الصفحات التي بلغت 100 صفحة، يتمحور حول الحركة الأمازيغية في الجزائر وتحديات الاندماج الوطني. مست الدراسة من الناحية الجغرافية ثلاث مناطق وهي : منطقة القبائل التي تقع شمال الجزائر ومنطقة مزاب بغرداية جنوب البلاد ومنطقة الطوارق بأقصى جنوب الجزائر، من خلال طرح الإشكال التالي : إذا كانت المسألة الأمازيغية ترتكز على مطالب لغوية وثقافية، فهل يمكن اعتبار أنها قد وصلت إلى مداها بعد الاعتراف الدستوري بها، أم أنها اندمجت في جملة مطالب سياسية واجتماعية تحمل مشروعا بديلا في إطار تعددي ديمقراطي يعيد تشكيل علاقة المواطن بالدولة؟ أم أن الأمازيغية في أبعادها اللغوية والسوسيو-اقتصادية تعيد طرح النقاش حول شكل الدولة وطبيعتها المركزية؟

فرضت طبيعة الدراسة على فريق البحث التطرق أولا إلى البعد التاريخي للمطلب الأمازيغي في منطقة القبائل الكبرى منذ الأزمة البربرية لسنة 1949 داخل حزب الشعب الجزائري وصولا إلى انتفاضة 05 أكتوبر 1988، توج من خلاله نضال المطلب الأمازيغي في الجزائر بعودة الهوية الأمازيغية إلى الواجهة. واتخذت هذه المسألة في منطقة القبائل طابعا سياسيا ولغويا تمحور حوله مجموعة من المطالب الاجتماعية والسياسية الأخرى، فيما ظلت مطالب منطقتي مزاب والطوارق ترتكز على التمثيل المحلي والوطني العادل في مؤسسات الدولة مع إحياء اللغة الأمازيغية وتطوير تراثها. تصور المطلب الأمازيغي لبني مزاب غير مبني على نظرة إقصائية للثقافة العربية السلامية بل على التعايش معها مع احترام الخصوصية المذهبية والعرفية لبني مزاب.

 من الجانب السوسيو- اقتصادي توصل فريق البحث إلى أن المناطق الأمازيغية في الجزائر بالرغم من كونها تعاني من أعراض التخلف الاقتصادي والاجتماعي، إلا أنها لا تعاني من التهميش الاقتصادي المقصود، واستفادت مع غيرها من المناطق الجزائرية من برامج تنموية هامة، فلا يمكن طرح المسألة الأمازيغية كإشكالية تنمية اقتصادية فقط، بقدر ما هي قضية سوسيو-لغوية وثقافية نشأت في خضم الصراع الذي تولد في البلدان المغاربية حول تحديد الهوية بين مسارين: الأول يدعو إلى إدراج البعد الأمازيغي في الهوية الوطنية الجزائرية كعنصر للاندماج الوطني إلى جانب الإسلام والعروبة، ومسار انعزالي يدعو إلى الانكماش على الذات كتعبير عن اليأس وعدم الثقة في المسار الأول وذلك منذ بروز المسألة الأمازيغية بالجزائر.

كما تختلف أشكال التعبير الأمازيغي في تونس عن البلدان المغاربية الأخرى، ذلك أن المسألة الأمازيغية في تونس رأت النور مع " ثورة الكرامة "في سنة 2011 التي أدّت إلى سقوط نظام الرئيس السابق بن علي. فرضت القضية البربرية نفسها على الرأي العام وبدأ النقاش حولها في الفضاء العمومي. يعاب على هذه الحركة، حسب فريق البحث التونسي، غياب تصور ووعي جماعيين لفاعليها وميلهم نحو التعبير الثقافي أكثر من السياسي على الرغم من جهود الجمعيات. ويرجع ذلك إلى الشرعية التاريخية للمطلب الهويّاتي الأمازيغي وضعف هذا المطلب على المستوى السياسي لأن المطلب الهوياتي الأمازيغي محصور في بعض الدوائر الثقافية الهامشية دون أن يتمكّن من البروز سياسيا، بمعنى أن المطلب الأمازيغي لازال رهين معركة لغوية واسعة لتوريث الأمازيغية في فضاءات التنشئة الاجتماعية والفضاءات الثقافية فقط.

تتميز المسألة الأمازيغية في ليبيا بعد سنة2011 بطابع الانقسام لأمازيغ المنطقة  وفقا لاعتبارات إمّا سياسية أو قرابية أو شخصية أو بين مجموعتين كبيرتين هما: أمازيغ جبل نفوسة في الشمال الغربي وأمازيغ الطوارق في الجنوب والغرب، وذلك نتيجة التباعد في السياقات التاريخية، السياسية والاقتصادية بين المجموعتين. يبدو هذا الانقسام جليّا من الناحية المطلبية بين تيار يتبنى النهج الراديكالي لبلورة الخطاب النضالي الأمازيغي، وبين تيار ينتهج مسارا أكثر براغماتية في تطلعاته السياسية على الرغم من أنه يحقق نتائج ضئيلة بالنظر إلى تلك التي حققها التيار الأول الأكثر تشددا. تشيد غالبية النخب السياسية الليبية وحتى من غير الأمازيغ بالتقدم المحقق دستوريا وقانونيا على صعيد التعامل مع المسألة الأمازيغية كلغة وطنية في ظل تعدد قضايا الصراع التي تفرض نفسها على المشهد السياسي في ليبيا بعد 2011 (النضال لإسقاط حكم القذافي)، والتي تدفع النخب السياسية نحو مزيد من التفهم والمرونة في التعامل مع المطلب الأمازيغي. ثورة 17 فبراير في ليبيا التي سمحت للطوارق بالبروز ككيان أمازيغي بارز بخصوصية ثقافية واجتماعية تميزهم عن باقي مكونات الشعب الليبي.

لا يمكن الحديث عن المسألة الأمازيغية في مصر بذات الكيفية الموجودة في كل من المغرب والجزائر أو حتى ليبيا، ذلك أن الحجم السّكاني الأمازيغي المتواجد بواحة سيوة، والتي تقع بالجنوب الغربي لمصر بالقرب من الحدود مع ليبيا ضئيل بالمقارنة مع التعداد السكاني لمصر، غير أنهم لم يتعرضوا إلى سياسات قهرية بهدف الطمس القسري للهوية الثقافية الأمازيغية التي يِؤرخ لها المصريون بعهد "شيشنق الأول" الأمازيغي لحكم مصر (950 سنة ق.م) على الرغم من الطابع العروبي الهوياتي لمصر. تنحصر مطالب الفاعلين الأمازيغ بمصر بين التقليديين والفاعلين الجدد، فبينما تطالب الفئة الأولى بالخدمات الصحية والتعليم وبملكية الأراضي أي ضمن الاحتياجات المعيشية للسكان، تطالب الفئة الثانية بالبعد الهوياتي كإقرار بوجود أقلية أمازيغية في مصر مع المطالبة بإصدار قانون ينظّم استعمال اللغة الأمازيغية وإدراجها في المناهج التعليمية والسعي لمأسسة ودسترة مختلف المطالب المتعلقة بالجانب الثقافي والهوياتي الأمازيغي. من الصعب تحديد، بشكل دقيق، الموعد الذي بدأ فيه الحديث عن المسألة الأمازيغية في مصر، لكن الراجح حسب فريق البحث أن الأمر بدأ في التسعينيات مع جهود عالم الاجتماع المصري سعد الدين إبراهيم، الذي قام بتأسيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، حيث كان عدد من أنشطة المركز تنصب على الاهتمام بالأقليات في العالم العربي.

تتمثل أهمية هذا الكتاب حسب -مؤلفه- في كون الدارسين من المنطقة وهو الموضوع الذي سيطرت عليه تاريخيا المدارس الغربية، حيث أن الدراسة لم تنطلق من قراءة إثنية للمسألة الأمازيغية بل من خلال طرح سوسيو- ديموغرافي، مفاده أن المجتمعات المدروسة عرفت تلاحقا ثقافيا عبر تاريخها الطويل.

تبدو مسألة الاعتراف بالأمازيغية في أبعادها المتعددة، السياسية منها والثقافية والاجتماعية وكأنها ضمن سياق تطور الدولة الوطنية بعد الاستقلال. وما يميز هذا السياق المتمثل في حالة التفاوض بدرجات مختلفة في كل دولة، والأشكال المرافقة له من أزمات واضطرابات واحتجاجات عنيفة أحيانا... هو تأثير هذه الأزمات على تبلور المطلب الأمازيغي بوصفه حالة من حالات دولة القانون ومسألة بناء المواطنة في المنطقة المغاربية على وجه الخصوص.

حسنية حمزة زريقات

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

© Copyright 2021 CRASC. Tous droits réservés.

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Plate-forme réalisée par : BAKIR Ilyes & DEKHIR Abdellah Merouan

Recherche