ذكرى


انسانيات عدد 89| 2020 |عدد متنوع|ص 07-11| النص الكامل


 


      بقلم عمارة لخوص روائي وأنثروبولوجي جزائري، يكتب باللّغتين العربية والإيطالية، وأستاذ زائر بجامعة نيويورك     

                


التقيتُ آسيا جبّار لأول مرّة في روما نهاية 1995. كنتُ للتوّ أبدأ حياتي الجديدة بصفتي لاجئا في إيطاليا، وقد دعيتْ يومها لتقدّم تجربتها باعتبارها كاتبة فرنكوفونية، تحدّثت مطوّلا عن كتابها "بياض الجزائر"، وسردت قصص موت أصدقائها الكتّاب ومثقفين جزائريين آخرين، والذين قُتل معظمهم في بداية التسعينات. خلال النّقاش تدخلتُ لأسألها "كيف يمكنها الكتابة عن الجزائر وهي تقيم في فرنسا؟"

بدت منزعجة من السّؤال وأجابت: "ليس من حقك محاكمتي"، أجبتها: "هذا ليس قصدي، أنا فقط أطلب النّصيحة، لأنّي كاتب جزائري شاب، وأنا للتوّ أبدأ تجربتي في المنفى، وأودّ أن أواصل الكتابة عن الجزائر". تغيّر صوتها وقالت بعطف أنّ المنفى أحيانا يكون الطريق الوحيد أمام المثقّف ليدافع عن ذاته وعن فنّه، وذكرتْ كيف اختار المثقّفون الألمان المنفى على الخضوع لهتلر إبّان الحكم النّازي.

بعد ذلك بدأتْ توقيع نسخ من كتبها، ورغبتُ أن أشكرها على إجابتها، حين رأتني بادرتني بالقول: "لقد قمتَ باستفزازي"، ثم شرعنا في حديث طويل بدأَتْه بسؤالي عن الجزائر. فهِمتْ منظمة الفعالية أنّها لا تستطيع فصلنا عن بعض ولذلك دعتني لمرافقتهم للعشاء، قبلتُ فورا، أثناء العشاء رغبت آسيا في محادثتي أنا فقط، ثمّ في الأخير عرضَتْ عليّ أن نلتقي مرّة أخرى. في اليوم التّالي زرتُها في الفندق القريب من لارغو أرجنتينا Largo Argentina، وأمضيتُ معها يوما من أجمل الأيام في حياتي، تمشّينا كثيرا، تحدّثنا كثيرا...، كنتُ منبهرا بإجاباتها، فلم ألتقِ أبدا مثقّفا مثلها، كانت واضحة، عميقة، ذكية، تجمع بين التّاريخ والسّياسة والفن والسّينما والأدب..، كانت مثقّفة جدّا.

ذهبنا إلى كنيسة سان لويجي دي فرنشيزي San Luigi Di Francese، كانت تحبّ الرّسام كرفاجّو Caravaggio، وتوقفتْ مطوّلا تتأمّل لوحة "نداء القديس ماتيو"، واستقرأتْ تفاصيل اللّوحة: الأصـــابع، الضـــوء، الألـــوان...، كان انسياب الأفكار رائعا. في اليوم التّالي التقيتُها مجدّدا، وحين همّتْ بالمغادرة أعطتني عنوانها في باريس ونسخة موقّعة من روايتها "واسع هو السجن".

سنة 2000 التقيتُها مجدّدا في روما حين تمّ اقتباس روايتها "بعيدا عن المدينة" إلى المسرح، شاهدتُ العرض في مسرح الهواء الطّلق، وكان العرض مذهلا، وحاز نجاحا كبيرا، ولذلك كانت سعيدة جدا. ثمّ التقيتُها للمرّة الأخيرة في تورينو سنة 2006 حين فازت بجائزة غرنزان كافور Grinzane Cavour، وخلال تلك الفترة كنتُ أعمل صحفيا في وكالة الأنباء الإيطالية "آكي أدينكرونوس". أذكر يومها أنّه بعد الحفل طلب منها زميل مصري أن تقدّم تعليقا لقناة تلفزيونية عربية. شعرتْ لحظتها بالحرج، ثمّ قالت باللّغة الفرنسية وبعدها باللّغة الإنجليزية: "آسفة، أنا لا أجيد اللّغة العربيّة". ردّ المراسل المصري باندهاش: "أنت جزائرية ولا تجيدين الحديث باللغة العربية!"، في تلك اللحظة قدّمت آسيا جبّار ذاك التّبرير الذي سمعته مرّات عديدة في ظروف أخرى: "إنّها ليست غلطتي، فالاستعمار الفرنسي منعني من تعلّم اللّغة العربية".

ولأكون صادقا، أنا لم أجد ذاك التّبرير مقنعا أبدا، فقد ولدتُ وترعرعتُ في جزائر ما بعد الاستقلال، حيث آباؤنا لا يتورّعون عن إلقاء اللّوم على الاستعمار الفرنسي في كل شيء سيء، وقد كانت آسيا جبّار في السّادسة والعشرين حين استقلّت الجزائر، وكان لها كلّ الوقت لتتعلّم اللّغة العربية لو أرادت ذلك، ولكنّها لم تفعل. لماذا؟ هل عانت مما أسماه فرانز فانون عقدة الاستعمار وكراهيّة الذّات؟ هل رفضت تعلّم العربية لأنها كانت ضدّ سياسية التعريب واللّغة الواحدة التي فرضها النّظام؟

في حديثها في الأكاديميّة الفرنسيّة سنة 2006 وصفت آسيا جبّار الاستعمار الفرنسي بكونه "جرح عميق"، وكرّرت كلمة "جرح" خمس مرّات، وقد ربطت تلك المعاناة الكبيرة بحظر تعلّم الأمازيغية والعربية في مدارس الاستعمار الفرنسي. آسيا جبّار خَبِرت معنى آلام الجرح الذي يسبّبه الحرمان من اللّغة الأم، وحاولت أن تجد علاجا لجرحها عن طريق السينما، فقد كان مشروعها أو حلمها أن تكون كاتبة باللّغة الفرنسية ومخرجة سينمائية بالعربية الجزائرية ولكنّها للأسف لم تنجز سوى فيلمين فقط، في نهاية المطاف توقفت نهائيا عن احتراف السينما بسبب نقص الدّعم والتّمويل من السّلطات الجزائرية، وبسبب عوائق كثيرة واجهتها، ولذلك فشلت حين نجح زميلها الفرنكفوني كاتب ياسين في أن يصبح كاتبا باللّغة الفرنسيّة ومسرحيّا بالعربية الجزائرية.

خلال آخر لقاء لي معها سنة 2006 قالت لي إنّها قلقة جدا من ردة فعل الجزائريين على تعيينها عضوا في الأكاديمية الفرنسية، وكرّرت مجدّدا: "أنا لست كاتبة فرنسية، أنا كاتبة فرونكوفونية".

لقد اعتبرتُ دوما آسيا جبار، مولود فرعون، كاتب ياسين، محمد ديب وكتّاب فرونكوفونيين جزائريين آخرين جزءً من الأدب الجزائري، ومع ذلك لم يقدّموا لنا أدواتَ فهم ولا ردود على أسئلة من قبيل: كيف يمكن أن نتعامل مع الإرث الفرنسي؟ هل الفرنسية جزء من الهوية الجزائرية؟ هل اللّغة الفرنسية "غنيمة حرب" كما قال كاتب ياسين، أم أنّها وسيلة لتجنب فخ أحادية اللغة؟

ماذا تعلّمتُ من آسيا جبار؟ بالنّسبة لي أستخلص درسين مهمّين: أوّلهما أهميّة التعدّد اللّغوي، فبعد لقائي بها عام 1995 قرّرتُ مواصلة الكتابة باللّغة العربية، فقد كتبت روايتي الأولى باللّغة العربية سنة 1993[1]، وقرّرت إضافة اللّغة الإيطالية ولكن دون التخلّي عن الكتابة بالعربية، وهذا ما أنجزته في روايتي "كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك" التي صدرت بالعربية عام 2003، ثمّ أعدت كتابتها بالإيطالية بعنوان مختلف: "صراع حضاري حول مصعد في بياتزا فيتوريو"Clash of Civilizations over an Elevator in Piazza Vitorio، وقد نشرت في إيطاليا سنة 2006. ذاك الحدث جعلني أيضا أتأكد من أهمية أن أكون قادرا على الكتابة بالأمازيغية لغتي الأم، وقد كانت آسيا أيضا من عائلة أمازيغية، ولكنها أيضا لا تتكلّم بها. كنت دوما أتكلم الأمازيغية بطلاقة مع عائلتي الواسعة، ولكني لا أجيد كتابتها، وهذا بالنّسبة لي "جرح عميق" تماما كجرح آسيا، ولهذه الأسباب قرّرت مؤخرا تعلّم القراءة والكتابة بالأمازيغية لكتابة رواياتي بها.

يقول إنزو لڤنا Enzo Laganà البطل الرئيس في روايتي "فتنة الخنزير الإيطالي الصغير Dispute over an very Italian Piglet": "كانت أمي دوما تتحدث إليّ قليلا باللّهجة الكالابرية Calabrian[2]، وترفض اتباع توجيهات المعلّمين بشأن أهميّة استعمال اللّغة الإيطالية حصرا مع الأطفال، وذات مرّة وبعد تحذيرات متكرّرة، أجابت بلهجتها: "في منزلي أتكلم كما يحلو لي". اعتاد أبي القول إنّ الإنسان له نفس مصير الأشجار التي تجتث من جذورها، وكذلك الإنسان بدون لغته يفنى، فليس هناك جذر أقوى من اللّغة، وأعتقد أنّه كان محقا، فالشخص الذي يغادر موطنه الأصلي يصبح مثل الشجرة التي يعاد زرعها في مكان آخر، ما قد يكون سببا في مهلكها لأنّها اجتثّت من جذورها".

كان الدرس الثاني الذي تعلمته من آسيا جبّار هو أهمية الرؤية الأنثوية للعالم، فقد ولدتُ وترعرعتُ في محيط تقليدي، وخبِرتُ ما وصفته آسيا جبار في رواياتها: إقصاء المرأة من الفضاء العام. لقد رأيت كيف كانت أمي تبقى في المنزل ولا تحظى بالإذن للخروج طوال شهور وهي تقطن في العاصمة، ولهذا السبب فهي لا تجيد الحديث بالعربية لأنّها لم تتواصل مع المحيط الخارجي. لقد استكشفتْ آسيا جبّار العالم الأنثوي للمرأة الجزائرية وظلّت مهووسة بالفضاء، إذ تقول: "لم أر سوى وسيلة واحدة تتطلع من خلالها النّساء إلى العالم: الكلام ثمّ الكلام، الكلام بدون توقف عن الأمس واليوم، الكلام بينهن (...) والنظر إلى الخارج، النظر إلى ما خلف الجدران والسجون" (نساء العاصمة في شققهن 1980). "في الجزائر، أن تكون المرأة غير محجبة لا يعني بالضرورة أنّها تحرّرت، فالمرأة المتحرّرة هي التي تمتلك حرية التنقّل" (حوار مع جريدة Le Monde 28/29 ماي 1978).

"لماذا أكتب؟ أنا أكتب ضدّ الموت، ضدّ النسيان (...) أكتب لأنّ حَجْر النساء بهذه الطريقة الجديدة في 1980 (أو 1990 أو 2000) هو موت بطيء، لأنّ عزلة المرأة، سواء الأمية أو الطبيبة، هو موت بطيء" (حضور النّساء: المشروع والمكتسب).

تعلّمت من هذا الدرس كيف أقدّر جيدا الرؤية الأنثوية في جميع رواياتي، وخاصّة في روايتي "القاهرة الصغيرة" (Divorce Islamic Style)[3] ، وقد عرّفت صديقتي الكاتبة سوزان روتا المقيمة بنيويورك روايتي بكونها رواية نسوية، وأنا فخور جدا بذلك.

تقول صوفيا، أو صفية، بطلة رواية القاهرة الصغيرة: "أعظم شيء يطمح إليه مجتمعنا هو أن يكتشف مكامن الأمومة في طفلة صغيرة! إنّه دليل على نجاح التّربية والأخلاق الحميدة، يحضرني اسم جارنا في القاهرة عمي عطيّة، كان يحلو له القول: "اللّي ابتلاه ربنا بالبنات زي اللّي ماسك قنابل في يده، لازم يرميها بعيد بسرعة"... الحقيقة أني فهمت قبل أن أطّلع على كتاب نوال السّعداوي، أنّ مجتمعنا لا يحب الإناث ولا يغفر لهنّ الطموح... القاعدة الذّهبية الأولى لتجنّب المشاكل هي عدم منافسة الذّكور وطاعتهم، وفي المقابل يمكن للأنثى أن تنعم بحماية الذّكر طول العمر، من الأب إلى الأخ ومن الزّوج إلى الابن..."[4].

في الختام يمكنني القول إنّ لقائي بآسيا جبّار في بداية اغترابي كان عطيّة كبيرة، إذ جعلني أتخذ قرارا مهمّا جدا، وهو أن أتقبّل اغترابي الجسدي دون أن أسمح باغترابي اللّغوي. لقد قرّرت حينها مواصلة الكتابة بالعربية، والآن لم أزل أكتب بالإيطالية وأسعى جاهدا لإضافة الأمازيغية والإنجليزية.  

ترجمة فوزية بوغنجور

الهوامش 

[1] هي رواية البق والقرصان، وقد ترجمها إلى الإيطالية المستعرب الإيطالي فرانشيسكو ليجو. المترجمة.  

[2] واحدة من اللّهجات الإيطالية. المترجمة.  

[3] كتبها باللّغة الإيطالية ثم أعاد كتابتها باللّغة العربية. المترجمة.  

[4] القاهرة الصغيرة، منشورات الاختلاف والدار العربية ناشرون، بيروت: لبنان، 2010، ص. 28.  

            

 

 

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

© Copyright 2022 CRASC. Tous droits réservés.

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Plate-forme réalisée par : BAKIR Ilyes & DEKHIR Abdellah Merouan

Recherche