الإدماج المهني لحاملي الشّهادات الجامعية بوهران (الجزائر): انتقائية سوق الشغل المحلي



انسانيات عدد 89| 2020 |عدد متنوع|ص 33-61| النص الكامل


 


Fouad Nouar: Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle, 31 000, Oran, Algérie.


يقترح المقال[1] قراءة في الإدماج المهني لحاملي الشهادات الجامعية بوهران اعتمادا على تحليل سيروراتها بعد فترة التخرّج. تكمن الغاية من ذلك تحديد مكانة هذه الفئة ضمن بنية الشغل المحلي من أجل فهم آليات اشتغال منظومة التشغيل في علاقاتها مع منظومة التكوين، الأسرة والسياسات العامة المهتمة بالتشغيل.

يجدر القول بداية، أنّ حاملي الشهادات الجامعيّة بالجزائر يواجهون أثناء سيرورة إدماجهم المهني انتقائية تتحكّم في معاييرها سوق الشغل، بحيث تفرض إعادة تقييم تشغيلية[2] معارفهم الجامعية المكتسبة فترة التكوين الجامعي، خاصة أثناء مسار البحث عن فرصة للشغل ضمن ظرف العمل المأجور، أو أثناء اللجوء لتجسيد مشروع مهني في إطار النشاط المقاولاتي أو الحرّ.

تعكس "الانتقائية"[3] التي تميّز سوق الشغل) محمد صايب ميزات، 2012) العلاقة بين المتخرّجين من المنظومة الجامعية ومنطق اشتغال هذه السوق "محليّا"، ونعتقد أنّ أبعادها الإجرائيّة تسهم في مقاربة نتائج تنفيذ السياسات العمومية سواء تعلّق الأمر بتحليل الفعالية التشغيلية لمنظومة التكوين الجامعي، أو بمنظومة التشغيل نفسها وبرامجها الموجهة لحاملي الشهادات الجامعية. وإذا كان المقال يحلّل بعض محدّدات سيرورة الإدماج المهني ((Dubar, 2001 Pinte, 2013 (Pérennès, 2013) لحاملي الشهادات الجامعية في مدينة وهران، فإنّه يتوخى ضمنيا مناقشة العلاقة بين الخريطة التكوينية الجامعية ومكانة مخرجاتها ضمن سوق الشغل.

التـّساؤلات

تبدو صعوبات الإدماج المهني التي يواجهها حاملو الشهادات الجامعية جليّة في السنوات الأولى بعد التخرّج[4](Hammouda, N.-E. 2017) ، فالأرقام التي ينشرها الديوان الوطني للإحصاء سنويا بطريقة دورية منذ سنة 2003 تشير إلى تنامي المفارقات التي تجعل من حاملي الشهادات الجامعية -الذين يمكن تصنيفهم نظريا ضمن الفئة الأكثر حظا للحصول على الشغل اللائق بسبب مستوى تكوينهم- الفئة الأكثر عرضة لهشاشة الشغل وتقلّص حظوظ إدماجها المهني مقارنة مع فئات أخرى من حاملي شهادات التكوين المهني أو الذين لا يملكون شهادات[5].

تعتمد هذه الورقة البحثية على المعطيات الميدانية لدراسة أشرف عليها فريق البحث التابع لمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية[6]، والتي سمحت لنا بتحليل سيرورات الإدماج لعيّنة من حاملي الشهادات الجامعية بوهران وتتبّع مساراتها[7] المهنية خاضعة للمنطق الانتقائي لسوق الشغل المحلي.

لا ترتبط سيرورات الإدماج المهني بفترة صياغة مطلب الشغل بعد التخرّج أو بفترة البحث عنه، بل هي امتداد لمرحلتي التكوين الجامعي والثانوي، تلعب ضمنهما العائلة (الدالة على الأصول الاجتماعية للمتخرّج الجامعي) دورا هاما في صياغة المآلات المهنية، ومن هذا المنطلق يمثّل الإدماج المهني مجالا لتداخل ثلاثة فاعلين أساسيين، حاملين لاستراتيجيات قد تكون متباينة، وهم: حاملو الشهادة الجامعية، الدولة من خلال سياساتها العموميّة للتشغيل الموجهة لمثل هذه الفئة، والعائلة بوصفها مؤسّسة اجتماعية قاعدية.

بحثا عن الإجابة عن تساؤلات هذه الدراسة، أجرى فريق البحث في بداية المشروع دراسة استطلاعية، غايتها التقرّب من بعض الفاعلين[8] لمعرفة خطاباتهم وتمثلاتهم حول الإدماج المهني وبناء تصوّر عن الإمكانيات الموضوعية لإجراء التحقيق الميداني، وبعد هذه المرحلة تمّ الإعداد لمرحلتي التحقيق الميداني (كمي، كيفي).

شمل التحقيق الكمي عيّنة من 800 وحدة سكنيّة تضمن -على الأقل- تواجد متخرّج حاصل على الشهادة الجامعية الأولى خلال الفترة الممتدة ما بين 2009 و2015، وقد مكّن ذلك من استجواب 841 فردا[9] موزّعين على خمسة مقاطعات إدارية في بلدية وهران[10]. أمّا التحقيق الكيفي عن طريق المقابلات شبه الموجهة، فسمح بمساءلة بعض المعطيات الإحصائية بغية قراءة مضامينها واستنتاج بعض دلالاتها السوسيولوجية، ولأجل ذلك تمّ تتبّع بعض المسارات البيوغرافية للعيّنة التي مثّلت استثناءات تستوجب التحليل النوعي[11].

توزّعت عيّنة البحث من حيث تخصّصات شهاداتها الجامعية كما يلي:

جدول 01: توزيع عيّنة البحث حسب تخصّصات الشهادات

المصدر: التحقيق الميداني، أفريل 2016.

كشفت المعطيات الميدانية لنتائج التحقيق الكمي توزّعا متباينا لحاملي الشهادات الجامعية على الوضعيات المهنية المختلفة فترة إجراء التحقيق (الشكل 01).

الشكل 01 : توزيع العيّنة حسب الوضعيات المهنيّة



 المصدر: التحقيق الميداني، أفريل 2016.

كما بيّنت نتائج هذه الدّراسة الميدانية أنّ الإدماج المهني لحاملي الشّهادات الجامعية خاضع لانتقائية لا تضمن تساوي حظوظ الحصول على منصب شغل خصوصا النمطي منه، ووفق هذا المنطق المتحكّم في الإدماج، لا تتطابق القيمة المعرفية للشهادة (شهادة الليسانس أو الهندسة) مع قيمتها في سوق الشغل، وكأنّ هذه الانتقائية ترفع من تشغيليّة بعض الشهادات الجامعية[12] وتقلـّص من تشغيلية شهادات أخرى، تضع غالبية حامليها في وضعية مهنية هشّة تكون ذات طبيعة بنيويّة، بينما تمنح للمحظوظين فرص الحصول على منصب عمل نمطي يفتح أمامهم المجال للترقية المهنية والاجتماعية، وقد تجبر هذه الانتقائية على الإدماج المهني عن طريق المقاولة بصفتها ملجأ للذين لم يتمكنوا من التموقع ضمن العمل المأجور الدائم، بينما تقصي الباقين تماما من الدخول إلى الشغل باعتباره امتدادا "طبيعيا" لفترة التكوين في المنظومة الجامعية.

تؤثـّر الانتقائية على سيرورات الإدماج المهني وفق أربعة مؤشرات، تحدّد وبشكل فعّال المآلات المهنية لحاملي الشّهادات الجامعية وهي: انتقائية تمارسها الشهادة الجامعية، انتقائية يمارسها قطاع التشغيل، انتقائية يمارسها النوع الاجتماعي وانتقائية يمارسها الأصل الاجتماعي.

الشهادات الجامعية واسوق العمل المحلّي بوهران

تقدّم الوضعيات المهنيّة لحاملي الشهادات الجامعية فترة إجراء التحقيق الميداني صورة آنية عن المصير المهني لخريجي التكوين الجامعي في وهران خلال الفترة ما بين 2009 و2015، كما تظهر هذه المعطيات نظرة أوّلية حول العلاقة بين مخرجات المنظومة التكوينية الجامعية ومتطلبات التشغيل في السوق المحلي.

لقد بيّنت نتائج الدراسة الميدانية أنّ الوضعيات المهنية التي يحتلّها حاملو الشهادات الجامعية (أجير دائم، أجير غير دائم، نشاط حرّ، نشاط مقاولاتي، في وضعية بحث عن شغل) ما هي إلا نتاج الانتقائية التي يمارسها سوق العمل المحلي[13] Hadibi, M.-A., (coord.), 2014)) على سيرورات الإدماج المهني، وهذا الوصف ليس مرتبطا بالمعطيات الكميّة التي تقدّم صورة عن الوضعية المهنية الأخيرة لحاملي الشهادات الجامعية أثناء إجراء التحقيق الميداني، بل هو أيضا نتاج تحليل لمعطيات بيوغرافية سمحت بإعادة رسم سيرورات الإدماج لعدد من المتخرّجين منذ لحظة حصولهم على الشهادة الجامعية (2009-2015).

بداية، تكشف المعطيات الكميّة للإدماج المهني وفق مؤشري الشهادة الجامعية (التخصّص العلمي للشهادة، سنة الحصول عليها) عن مظاهر الانتقاء المباشر للمؤهلات الجامعية الوافدة على سوق الشغل المحلي. فهذه الأخيرة، ووفق هذا المنطق، تعيد تصنيف قيمة الشهادات الجامعية حسب تشغيليّتها ووفق حاجتها لها، منتجة نموذجا تفاضليا يتخذ شكلا هرميا يرفع من قيمة بعض التخصّصات الجامعية في سوق الشغل ويقلّص من حظوظ البقية من حيث إمكانية إدماجها مهنيا.

الشكل 02: توزيع العيّنة حسب أقدميّة الشهادة والوضعية المهنيّة

المصدر: التحقيق الميداني، أفريل 2016.

يفرض تحليل الانتقائية بوصفها آلية متحكّمة في سيرورة الإدماج المهني التفريق إجرائيا بين مرحلتين متعاقبتين. ترتبط المرحلة الأولى بالانتقائية التي يمارسها التوجيه الجامعي المركزي بناء على معدّلات البكالوريا والخريطة التكوينية المقترحة، أمّا الثانية فتأتي بعد فترة التكوين الجامعي وتؤشّر عليها مآلات المهنية للمتخرّجين ووضعياتهم في سوق الشغل (أجير دائم، أجير غير دائم، نشاط حرّ، نشاط مقاولاتي) ونوعيته، وهاتان المرحلتان تخضعان في غالب الأحيان لتأثيرات جمهرة التعليم العالي في العديد من التخصّصات التكوينية، خصوصا العلوم الاجتماعية والإنسانية واللغات.

بلغ عدد حاملي الشهادات الجامعية المتواجدين في حالة نشاط مهني فترة إجراء التحقيق الميداني 506 مبحوثا، وهو ما يتوافق مع نسبة 60.17% من مجموع المبحوثين الحاملين لشهادة جامعية في مرحلة التدرّج والمقدّر عددهم بـ 841. توزّعت الفئة المتواجدة في حالة نشاط مهني بطريقة غير متساوية على الوضعيّات المهنيّة، وبدا العمل المأجور غير الدائم (العمل غير النمطي) الحالة الأكثر بروزا (59.09%) مقارنة مع حالة العمل المأجور الدائم (26.28%) والنشاطات المهنية الحرّة أو المقاولاتية (14.62%).

لا تقتصر التفاوتات بين المآلات المهنية للفئة المبحوثة على الوضعيات المهنية الأخيرة بناء على مؤشري تخصّص الشهادة وسنة الحصول عليها، بل يتعداه ليشمل نسب تواجدهم في قطاعي النشاط "العام" و"الخاص" خصوصا عندما يتعلّق الأمر بنسب استفادتهم من الشغل المأجور الدائم (شغل نمطي) على الرغم من تقارب نسب توزيع حاملي الشهادات على قطاعي التشغيل (العام 55.6%، الخاص 44.4%).

الشكل 03: توزيع العيّنة حسب أقدميّة الشهادة ووضعيات الشغل

 المصدر: التحقيق الميداني، أفريل 2016.

لقد بيّنت الدراسة الميدانية -عند تحليل المرحلة الأولى من الانتقائية- التأثير العكسي لجمهرة التكوين (massification) على تشغيليّة الشهادات الجامعية خصوصا في تخصّصات العلوم الاجتماعية (علم الاجتماع، علم النفس، الديمغرافيا، الفلسفة، العلوم السياسية، التاريخ) والاقتصادية والقانونية والآداب واللغات، فسلاسة انتقائية الانتساب لمثل هذه التخصّصات بالنسبة لحاملي شهادات البكالوريا الجدّد -بفعل معدّلات البكالوريا المتدنّية- تنتج جمهرة التكوين وتقلّص من نسب استفادة متخرجيها من ظرف الشّغل النّـمطي، في حين أنّ رفع مقاييس الانتقائية للانتساب لتخصّصات أخرى مثل العلوم الطبية- بناء على نتائج الباكالوريا- ينتج تحكّما قبليّا في تعداد المتكوّنين (طبيب عام، صيدلي، جراحة الأسنان) ويقلّل من حدّة انتقائية سوق العمل أمام حاملي الشهادات في مثل هذه التخصّصات ويرفع من حظوظ استفادتهم من الشغل النمطي ولو بعد قضاء فترة وجيزة ضمن الهشاشة المهنيّة.

لا ترتبط الفوارق بين تشغيلية حاملي الشهادات في هذين التخصّصين (علوم اجتماعية وعلوم طبيّة) أثناء مواجهة الانتقائية المباشرة لسوق الشغل بفترة تجسيد المشروع المهني، وإنّما تمتدّ لتشمل الانتقائية القبلية التي يمارسها التوجيه المركزي على اختيارات حاملي شهادات البكالوريا. بالإمكان القول أنّ التخصّصات التي ترتفع فيها مقاييس الانتقاء قبل الدخول إلى منظومة التكوين الجامعي تجد نسبيا سلاسة في مواجهة انتقائية سوق العمل بعد التخرّج، في حين أنّ مسارات التكوين في التخصّصات الجامعية المرتبطة بالمعدلات الدنيا تنتج الجمهرة العدديّة لحظة التكوين ويجد حاملوها صعوبات لمواجهة انتقائية سوق العمل أثناء سيرورة إدماجهم المهني[14].

نلاحظ من خلال معطيات التحقيق الميداني أن انتقائية سوق العمل التي يواجهها حاملو الشهادات الجامعية في وهران هي استمراريّة لانتقائية قبليّة مرتبط بالمنظومة التكوينية الجامعية بحيث كلما ارتفعت معايير الانتساب للتخصّصات الجامعية[15] (معدلات شهادات البكالوريا وارتفعت معدّلات بعض المواد المصنفة أساسية) كلما زاد ذلك في التقليص من حدّة انتقائية سوق العمل والعكس صحيح.

الجدول 02: الرضا حول الشهادة الجامعية في الحصول على الشغل حسب أقدمية الشهادة

تنعكس هذه الانتقائية الممارسة بالتداول بين منظومتي التكوين والتشغيل على قيمة الشهادة الجامعية وتشغيليّتها، وعلى تمثلاتها لدى حامليها، خصوصا عندما تكون الوضعية المهنية بعد أربع سنوات من التخرّج متلازمة (قيمة الشهادة) إمّا مع وضعية الهشاشة المهنية نتيجة هشاشة عقود العمل، أو مع حالة البطالة.

الجدول 03: الرضا عن دور الشهادات الجامعية حسب التخصّصات الجامعية

تبدو المحطّة الثانية في تحليل الانتقائية التي يمارسها سوق الشغل أمام حاملي الشهادات الجامعيّة ذات دلالة، لأنّها لا تكتفي بإعادة تحديد تشغيلية الشهادات التي تسمح بالاستفادة من فرص الإدماج المهني الممكنة فحسب، بل تواصل فعاليتها من خلال ترتيب "أحقيتها" (أي الشهادات) ضمن الوضعيات المهنية المختلفة. يجدر التذكير أنّ القطاع العام، وفقا لنتائج التحقيق الميداني، يمثل أهمّ قطاع تشغيل يوفّر فرص الشغل النمطي (المأجور والدائم) في بلدية وهران، والنسب المسجّلة في هذا السياق تعكس الفوارق بينه وبين القطاع الخاص (نسبة 76.16% من حاملي الشهادات في حالة نشاط دائم في القطاع العام مقابل 23.84% في القطاع الخاص).

تبيّن هذه المعطيات أنّ السياسات العمومية للتشغيل لا تزال فاعلا حاسما في إدماج حاملي الشهادات الجامعية ضمن العمل النمطي خصوصا في قطاعات الوظيف العمومي[16]، فـــي حين يواصل "القطاع الخاص" تكريس صورته النمطية الشائعة لدى حاملي الشهادات الجامعية نتيجة ضعفه في توفير القدر الكافي من الشغل اللائق والدائم.

تبدو المقارنة بين الوضعيات المهنيّة المتحصّل عليها بعد الحصول على الفرص الممكنة[17] للشغل ضرورية في تحليل الانتقائية ودورها في توزيع الوضعيات المهنية للمتخرّجين حسب تخصّص شهادتهم. لقد بيّن تحليل المسارات المهنية المختلفة للفئات المبحوثة - والمتواجدة في حالة نشاط مهني- أنّ سوق العمل المحلي في وهران يعيد ترتيب تشغيليّة شهادات معينة بحيث ينزلها منزلتها "الحقيقية" التي تعوض قيمتها "الأكاديمية" و"صورتها لدى المتخرّج".

توضّح بعض معطيات التحقيق الميداني صورا عن المآلات المهنية لحاملي الشهادات وتأثيرات الانتقائية وفق مؤشر الشهادات الجامعية سواء تعلّق الأمر بسنة الحصول عليها أو بتخصّصها، بحيث:

  • تمثّل أقدميّة الحصول على الشهادات الجامعية، في غالب الأحيان، عاملا فاعلا في التأثير على سيرورة الإدماج المهني، فالمقارنة (كميا ونوعيا) بين المتحصّلين على الشهادات قبل سنة 2012 ونظرائهم الذين تحصّلوا عليها بعد هذه السنة تعكس الفوارق بين المآلات المهنية من حيث: التواجد ضمن وضعية بطالة أو وضعية شغل، أو من حيث نوعية الوضعيّة المهنيّة (شغل دائم مأجور، شغل مأجور غير دائم، نشاط حر، نشاط مقاولاتي).
  • يحتلّ حاملو الشهادات في العلوم الاجتماعية والانسانية النسب الأضعف من حيث تشغيليتهم ضمن ظرف العمل المأجور الدائم (15.20%) ويتموقعون بنسب أعلى ضمن ظرف العمل غير المأجور (65.6%)، في حين يأتي النشاط الحرّ/المقاولاتي[18] في المرتبة الثالثة بنسبة 20%. حالة النشاط المهني الهشّ (عمل مأجور غير دائم) تكاد تكون حالة بنيوية تشمل -بنسبة مرتفعة- حتى من حصلوا على شهاداتهم في هذه التخصّصات قبل أربع سنوات أو أكثر من تاريخ إجراء هذا التحقيق.
  • نسبة استفادة حاملي الشهادات في العلوم القانونية والعلوم الاقتصادية من فرص الشغل الدائم (23.18%) أعلى من النسبة المسجّلة في العلوم الاجتماعية، وأقل منها من حيث تواجدها ضمن ظرف العمل المأجور غير الدائم (56.53%).
  • نسبة الاستفادة من فرص الشغل الدائم لدى حاملي الشهادات في تخصّصات اللّغات والآداب تقارب 30%، وهذه النسبة المرتفعة مرتبطة في غالبها بفرص التوظيف التي استحدثها قطاع التربية والتعليم منذ 2012.
  • تتقارب نسب التواجد في وضعية الشغل المأجور الدائم بين حاملي الشهادات في تخصّصات الهندسة والعلوم شبه الطبية (في حدود 30%)، كما تتشابه نسب تواجدهم في وضعيات النشاط المهني غير المأجور (57%)، وتتساوى عندما يتعلق الأمر بالتواجد ضمن النشاط المهني الحرّ أو المقاولاتي.
  • تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الدراسة الميدانية قد أكـّدت تراجع
    (Kadri & Benguerna, 2014) تشغيليّة حاملي الشهادات في تخصّصات الهندسة (ماعدا شهادات مهندس معماري)، خصوصا بعد فرض نظام ليسانس- ماستر- دكتوراه LMD على هذا النوع من التكوين
    (Miliani, 2017, p. 139-147) "مهندسون في حالة بطالة" أو في "وضعية مهنية هشّة" بعد أربع سنوات من التخرّج هو صورة عن صعوبات الإدماج المهني لدى خريجي العديد من الكليات والمعاهد التي تكوّن في مثل هذه التخصّصات.
  • يمثّل حاملو الشهادات في العلوم الطبية (طبيب عام، جراحة أسنان، صيدلي)، الاستثناء الوحيد ضمن فئة حاملي الشهادات الجامعية في مواجهة الانتقائية بعد التخرّج، فهم الفئة الأكثر استفادة من ظرف العمل المأجور الدائم بنسبة تعادل ¾ من خريجي هذه التخصّصات (¼ منهم في حالة نشاط غير دائم)، كما أنّ النشاط المهني غير الدائم لا يعدو أن يكون في غالب الأحيان حالة ظرفية لا تلبث أن تزول بفعل تأثير أقدمية الشهادة.

حاملو الشهادات الجامعية في مواجهة انتقائية قطاعات التشغيل وانتقائية جندرية

تمارس قطاعات التشغيل - ممثّلة في الخدمات، الزراعة، الصناعة، الأشغال العمومية والبناء- وكذا النوع الاجتماعي شكلين آخرين من الانتقائية على سيرورات الإدماج المهني لحاملي الشهادات الجامعية. بينّت الدراسة الميدانية أنّ قطاع الخدمات، بمختلف أنشطته، هو القطاع الذي يوفّر أكبر قدر من فرص الشغل لحاملي الشهادات الجامعية بنسبة تعادل 84.29%، في حين لا تشهد باقي القطاعات الثلاثة مجتمعة[19] سوى تواجدا محدودا نسبته لا تتعدى 15.71%.

 الشكل 04: توزيع العيّنة حسب قطاعات النشاط المهني

المصدر: التحقيق الميداني، أفريل 2016.

تشير القراءة الأوليّة لهذه المعطيات إلى حدّة الانتقائية التي تمارسها قطاعات الزارعة والصناعة والأشغال العمومية على حاملي الشهادات الجامعية. فهذه القطاعات الثلاثة لا تكتفي فقط بتقليص فرص الشغل ضمنها بل ترفع من نسبة تواجدهم ضمن الشغل غير النمطي (ارتفاع نسب الشغل غير الدائم). فالعلاقة بين مخرجات التكوين الجامعيّة وهذه القطاعات الثلاثة، إضافة لكونها تعكس واقع تشغيلية حاملي العديد من الشهادات الجامعية الناتج عن عدم تكافؤ العلاقة بين الخريطة التكوينية ومجالات الشغل، فهي تؤكد أنّ قطاع الخدمات هو الملاذ المهني الأهمّ لإدماج حاملي الشهادات على اختلاف تخصّصاتهم وأصولهم ونوعهم الاجتماعي، وكأنّ الجامعة ومنظومتها المعرفية تكوّن لقطاع واحد.

تبيّن المقارنة بين مسارات الإدماج المهني لحاملي الشهادات الجامعية في القطاعات الثلاثة تباينا جليّا من حيث حدّة اشتغال انتقائية سوق العمل في وهران، بحيث يأخذ شكلين مختلفين: الشكل الأوّل من هذه الانتقائية حادٌ، يقلص حظوظ الإدماج لدى غالبية المتخرّجين بغضّ النّظر عن تخصّص شهاداتهم، أو سنة الحصول عليها أو جنس حامليها أو أصولهم الاجتماعية. يتجلى هذا الشكل من الانتقائية في قطاعات الصناعة، الزراعة والأشغال العمومية والبناء. أمّا الشكل الثاني من الانتقائية فيختصّ به بقطاع الخدمات، وهو أقل حدّة من الأوّل لما يتميّز به من سلاسة في توفير فرص الإدماج ولكنه في المقابل لا يضمن ¼ فرص العمل النمطي أو اللائق تقريبا. الشكل الثاني من الانتقائية التي يمتاز به قطاع الخدمات شديد التأثّر بالمؤشرات التالية: تخصّص الشهادة الجامعية، سنة الحصول عليها، النوع الاجتماعي لحامل الشهادة الجامعية وأصوله الاجتماعية.

ثلاثة صور يمكنها أن تشير إلى مفارقة تجمع بين الطبيعة السّلسة للانتقائية في قطاع الخدمات ونوعية الشغل في قطاع الخدمات، فهذا الأخير: 

  • يضمن أكثر فرص الإدماج المهني لحاملي الشهادات الجامعية لكن ذلك لا يعني بالضرورة ضمان نوعية الشغل ولكونه ينتج أكثر فرص الشغل الهشة لدى هذه الفئة.
  • ينتج قطاع الخدمات -وفق انتقائيته- تراتبية في الكفاءات بين حاملي الشهادات الجامعية، وينعكس ذلك على الوضعيّات المهنيّة التي تحتلها هذه الفئة ضمن منظومة التشغيل وعلى علاقات ذلك بالتخصّصات المتكوّن فيها، بحيث يتيح لأقليّة منهم الإدماج ضمن ظرف العمل المأجور الدائم، ويحيل أغلبهم على وضعيات العمل المأجور غير الدائم، كما يجبر العديد من هؤلاء على "قبول فرص الشغل المتاحة" بعيدا عن تخصّصات شهاداتهم، وفق سيرورة تلغي الاعتراف بتخصّصات علمية في سوق العمل[20] (واقع تشغيلية حاملي الشهادات في تخصّصات علم الاجتماع، علم النفس، العلوم السياسية، الديمغرافيا، علم المكتبات، الجغرافيا، الترجمة ...).

الجدول 04: توزيع حاملي الشهادات الجامعية في قطاع الخدمات حسب تخصّصات الشهادات الجامعية

  • يكاد يكون مسار الإدماج المهني الهشّ في قطاع الخدمات بنيويا، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بحاملات الشهادات في تخصّصات العلوم الاجتماعية والإنسانية، بينما تبدو شهادات العلوم الطبية الاستثناء الوحيد من حيث نسبة الاستفادة من نوعية الشغل بغض النظر عن النوع الاجتماعي لحامليها.

لا ترتبط هذه الانتقائية بتخصّصات الشهادات الجامعية في قطاع الخدمات بل يمارس هذا الأخير، وعلى غرار باقي قطاعات النشاط الاقتصادي، انتقائية أخرى وفق النوع الاجتماعي[21]، فإذا كانت الدراسة الميدانية قد بيّنت أنّ الفئة الأنثوية مقارنة مع نظيرتها الذكورية هي الفئة الأكثر تواجدا في قطاع الخدمات (بنسبة 60.29% مقابل 39.71%)، فإنّ هذا الامتياز العددي لا يلبث أن يتلاشى عندما يتمّ تحليل تلك المعطيات الكمية والكيفية من حيث نوعية الشغل، بحيث يكشف انتقائية تفضيلية ترجح نوعية الشغل لفائدة الأقلية العدديّة (حاملي الشهادات من الذكور) على حساب الأغلبية العددّية (حاملي الشهادات من الإناث).

الشكل 05: توزيع العيّنة في قطاع الخدمات حسب النوع

 المصدر: التحقيق الميداني، أفريل 2016.

أربع نتائج يمكن الوقوف عندها من أجل مقاربة انتقائية الإدماج المهني من منظور النوع الاجتماعي:

  • الإناث من حاملات الشهادات الجامعية هنّ الأكثر عرضة لهشاشة عقود العمل مقارنة مع نظرائهم الذكور. فإذا كانت نسبة تواجدهنّ في هذه الوضعية المهنية تعادل الثلثين من مجموع المتواجدات في قطاع الخدمات، فإنّ هذه النسبة لا تعدو أن تتجاوز ½ بالنسبة للذكور في القطاع نفسه.
  • قطاع الخدمات هو أوّل قطاعات النشاط إنتاجا لحالات اللامساواة بين الجنسين من حيث نوعية الشغل ونوعية عقود الإدماج المهني، كما يمثّل أكثر القطاعات إسهاما في الخفض من تشغيليّة العديد من تخصّصات الشهادات الجامعيّة خصوصا عند الإناث.
  • لا يعطي قطاع الخدمات الفرص نفسها للتواجد ضمن وضعيات النشاط الحرّ أو النشاط المقاولاتي، فمسارا الإدماج المهني في هذا القطاع ذكوريان بامتياز (نسبة الذكور ضمن الأنشطة الحرّة أو المقاولاتية في قطاع الخدمات تقارب ¼، بينما لا تتعدى النسبة ذاتها 5% لدى فئة الإناث من مجموع حاملات الشهادات في حالة نشاط مهني في قطاع الخدمات).

الشكل 06: توزيع حاملي الشهادات في العلوم الاجتماعية والانسانية في قطاع الخدمات حسب النوع

 المصدر: التحقيق الميداني، أفريل 2016.

  • حالات تساوي فرص الإدماج المهني بين الجنسين مرتبطة بظرف العمل المأجور الدائم في القطاع العام، مع أفضلية نسبية للإناث[22].

تنفي هذه النتائج الانطباع القائل أنّ "دمقرطة" الانتساب للتعليم العالي و"جمهرته" في ظلّ "المجانية" قد وفّرتا فرصا متماثلة للإدماج المهني لحاملي الشهادات الجامعية من الجنسين، فعدم تكافؤ الفرص بينهما تؤكده فعالية الانتقائية الجندرية المتحالفة مع قطاعات التشغيل، وهذا الوضع يمكن أن يفسّره التباين الثقافي "للمشاريع المستقبلية" بين الجنسين (الزواج، الهجرة، الشغل، مواصلة الدراسة...).

الأصل الاجتماعي لحاملي الشهادات الجامعية: الانتقاء غير المعلن

تكشف نتائج التحقيق الميداني ملامح علاقة ممكنة بين سيرورة الإدماج المهني لحاملي الشّهادات الجامعية وأصولهم الاجتماعية والثقافية[23]، بحيث تؤكّد أنّ مسار الإدماج المهني لا يتأثّر فقط بالانتقائية المباشرة التي يمارسها سوق العمل وفق مؤشّرات الشهادة الجامعية وقطاعات التشغيل والنوع الاجتماعي، بل يخضع أيضا -وبطريقة غير معلنة- إلى تأثيرات الأصول الاجتماعية. وفي هذا السياق، يكفي تحليل بعض المؤشرات السوسيولوجية لأولياء حاملي الشهادات الجامعية من حيث مستوياتهم الدراسية ومهنهم وتوزيعهم على خريطة الفئات السوسيومهنية للوقوف على التباينات الاجتماعية والثقافية بين شركاء البحث من حاملي الشهادات الجامعية، وهذا المعطى يجعل من جمهرة التّعليم العالي[24] في العديد من التخصّصات التكوينية[25] (خصوصا في العلوم الانسانية والاجتماعية واللغات) -والذي يبدو في ظاهره مؤشرا على دمقرطة التعليم العالي- سياقا مناسبا لإعادة إنتاج التفاوتات في المآلات المهنية بين حاملي الشهادات.

ما هي الأصول الاجتماعية لحاملي الشهادات في العلوم الاجتماعية والانسانية ذات التشغيلية الضعيفة؟ وما هي الأصول الاجتماعية لحاملي الشهادات في العلوم الطبيّة ذات التشغيلية العالية؟ هما سؤالان إجرائيان نقترحهما لمقاربة محدوديّة دور الجامعة (ومن ورائها المدرسة) في إنتاج حراك مهني Derras, 2014)) يضمن بداية مسار ترقية اجتماعية بعد الحصول على الشهادة الجامعية بوصفها مؤشرا للنجاح الاجتماعي.

تكرّس الأصول الاجتماعية لشركاء البحث المتخرّجين في الفترة ما بين (2009-2015) انتقائية مضاعفة، تبدأ بالظهور أثناء التّوجيه الجامعي وفق معايير تبرّر أساسا بطريقة بيداغوجية بناء على العلامة المحصّل عليها في البكالوريا، ويتواصل تأثيرها ليتمظهر من خلال الوضعيات المهنية التي يحتلّها حاملو الشّهادات خلال السّنوات الأولى للتخرّج. لقد سبق أن بيّنت نتائج هذا التحقيق الميداني التفاوتات بين شركاء البحث من حيث إدماجهم المهني ونوعيته، فإذا كانت تشغيلية حاملي الشهادات في العلوم الطبيّة مرتفعة وتتيح الاستفادة من ظروف الشغل النمطي (ظرف العمل المأجور العمومي) فإنّ تشغيلية نظرائهم من حاملي الشهادات في العلوم الاجتماعية والإنسانية تعاني من وضع عكسي مقارنة مع الفئة الأولى، نظرا لضعف تشغيلية شهاداتها خصوصا في قطاع الخدمات، وارتفاع نسب هشاشة عقود العمل الممكنة، ومعاناتها من حالات التعطيل عن الاستفادة من الحق في الشغل.

يكشف تباين المآلات المهنيّة بين هاتين الفئتين (حاملو الشهادات في العلوم الطبيّة وحاملو الشهادات في العلوم الاجتماعية والانسانية) عن اختلافات أخرى تشمل أصولهم الاجتماعية، بحيث يبدو هذا المؤشر وكأنّه يمارس انتقائية ضمنية ترسم معالم خريطة اجتماعية للمنتسبين للكلّيات الجامعية وخريجيها وفق أصولهم "الثقافية" بناء على مؤشري المستوى الدراسي للأولياء وحالتهم المهنية ونوعية شغلهم.

بداية، تكشف نتائج التحقيق الميداني عن تباين في المستويات الدراسية لأولياء حاملي الشهادات الجامعية المتواجدين في حالة نشاط مهني، بحيث تبلغ نسبة الآباء الذين لهم مستوى يتراوح بين الابتدائي والمتوسط ما نسبته 57.6% في حين ترتفع النسبة نفسها لدى الأمّهات لتبلغ 66.1%، وتزداد الفروقات بين المستويات التعليمية بين الأولياء عندما يتعلّق الأمر بالمستوى الجامعي، بحيث تقارب نسبتها عند الآباء  (21.3%) ضعف ما هو مسجّل عند الأمّهات (11.1%).

الشكل 07 : المستوى الدراسي لأولياء حاملي الشهادات الجامعية في حالة نشاط مهني



ينحدر حاملو شهادات العلوم الاجتماعية والانسانية (وحتى خرّيجي اللغات وآدابها) من أولياء ذوي مستويات تعليمية منخفضة مقارنة بالنسب المسجّلة لدى أولياء حاملي الشهادات في العلوم الطبيّة، وتزداد هذه الفروقات التعليمية بينهما وضوحا عندما يتعلّق الأمر بالمستوى التعليمي الجامعي، فإذا كان أكثر من ثلثي أباء حاملي الشهادات الجامعية للفئة الأولى لهم مستوى دراسي ابتدائي أو متوسط وفقط 14.4% لهم مستوى جامعي، فإنّ هذه الأخيرة تبلغ 40.9 %لدى أولياء حاملي شهادات العلوم الطبيّة وتعبّر عن تميّز هذه الفئة.

الجدول 05: المستوى الدراسي لآباء حاملي الشهادات الجامعيّة في حالة نشاط مهني

تبيّن الدراسة الميدانية الفروقات نفسها بين فئتي حاملي الشهادات الجامعيّة (الفئة الأولى: علوم اجتماعية إنسانية، الفئة الثانية: علوم طبية) عندما يتعلّق الأمر بالمستوى الدراسي لأمّهات شركاء البحث المتواجدين في حالة نشاط مهني، إذ يمثّـل المستوى الدراسي الابتدائي والمتوسط قرابة ¾ أمهات الفئة الأولى، في حين تقدّر النسبة نفسها لدى أمّهات الفئة الثانية 59.10% ، كما تتواصل الفروقات نفسها بين الفئتين عندما يتعلّق الأمر بالمستوى الجامعي لأمّهات خريجي الفئتين.

تعطي النسب المسجّلة حول المستويات التعليميّة للأولياء حاملي الشّهادات صورة عن معالم بعض الفروقات الثقافية (المؤشر: المستوى الدراسي للأولياء) بين خرجي معاهد العلوم الاجتماعية والإنسانية وخريجي معاهد العلوم الطبيّة وحتى الطلبة المنتسبين لهما، بحيث تكشف عن ملامح انتقائية ضمنية تضمن التكوين الجامعي للمنحدرين من عائلات ذات "مستويات تعليمية منخفضة" ضمن التخصّصات التي تشهد جمهرة للتعليم العالي وانخفاضا في تشغيلية شهاداتها، وتتيح مجالات التّكوين الجامعي "للمنحدرين من عائلات ذات مستويات تعليمية مرتفعة" في التخصّصات التي تشهد انتقائية صارمة في معدّلات الانتساب، وتعرف تشغيلية معتبره لخرّيجيها.  

الجدول 06: المستوى الدراسي لأمهات حاملي الشهادات الجامعيّة في حالة نشاط مهني

تظهر أكثر الفروقات الاجتماعية بين الأصول الاجتماعية للفئتين عندما يتمّ مقاربة توزيع أوليائهم[26] على خريطة الفئات السوسيومهنية CSP بحيث يتوضّح ما يلي:

- ينحدر حاملو الشهادات في العلوم الطبيّة من أسر يمارس أولياؤهم (خصوصا الآباء) مهنا تصنّف في خانة مهن الفئات الوسطى (63.6%) والفئات العليا (22.7%)، في حين لا يمثّل المنحدرون من أسر يمارس أولياؤهم مهنا تصنفهم في خانة الفئات الشعبية سوى 13.6%، وهذا الوضع يجعل من العلوم الطبية التي تشهد تشغيلية مرتفعة تخصّصا تكوينيا للفئات الوسطى والميسورة.

- ينحدر حاملو الشهادات في العلوم الاجتماعية والإنسانية من أسر يمارس أولياؤهم (خصوصا الآباء) مهنا تصنّف في خانة مهن الفئات الشعبية (52.8%) والفئات المتوسطة خصوصا "الدنيا منها" (40%)، في حين لا يمثّل المنحدرون من أسر يمارس أولياؤهم مهنا تصنفهم في خانة الفئات الميسورة سوى 7.7%، وهذا الوضع يجعل من هذه التخصّصات التكونية التي تشهد تشغيلية ضعيفة تخصّصا تكوينيا للفئات الشعبية والوسطى.

الجدول 07: الفئات السوسيومهنية لأباء حاملي الشهادات الجامعيّة

تبدو فرضية تأثـّر مسارات الإدماج المهني بالأصول الاجتماعية ذات دلالة عندما يتعلّق الأمر بحاملي الشهادات في تخصّصات العلوم الاجتماعية والإنسانية مقارنة بحاملي الشهادات في العلوم الطبيّة بحيث يتبيّن ما يلي:

  • أكثر من  المتخرّجين من تخصّصات العلوم الاجتماعية والإنسانية منحدرين من أصول اجتماعية شعبية لذا تسهم جمهرة التكوين في مثل هذه التخصّصات في تقليص حظوظ استفادتهم من ظرف العمل النمطي وترفع من هشاشتهم المهنيّة وبطالتهم.
  • تمثل الفتيات ¾ المتخرّجين من هذه التخصّصات، وهذه الفئة هي الأكثر تأثّـّرا بالانتقائية سواء من حيث النوع الاجتماعي أو من حيث أصولها الاجتماعية أثناء التـّوجيه الجامعي ومسار الإدماج المهني. الملمح التالي: "الفتاة المنحدرة من الأصول الاجتماعية الشعبية، والحاصلة على شهادة جامعية في تخصّصات العلوم الاجتماعية والإنسانية والمتواجدة ضمن الهشاشة المهنية البنيوية" تمثل نموذجا شائعا لمظاهر هذه الانتقائية.

لا يختلف الملمح الذكوري لحاملي الشهادات في مثل هذه التخصّصات من حيث المآلات المهنية عما هو سائد عند الإناث، لكن ما يميّز هذه الفئة هو اتجاهها نحو "النشاط الحرّ" أو "النشاط المقاولاتي الفردي" هربا من ظرف العمل المأجور غير الدائم بعد فشلهم في الاستفادة من ظرف العمل النمطي، وهذا يترافق عموما مع ضياع تأهيل الشهادات déqualification (كل نشاطات حاملي الشهادات في العلوم الاجتماعية والمتواجدين في مثل هذه الوضعية لا يشتغلون وفق تخصّصات شهاداتهم).

تسمح هذه النتائج ولو في صورتها الأوّلية بمواصلة بعض النقاشات السابقة[27] حول مكانة العلوم الاجتماعية والإنسانية في الجامعات الجزائرية (نورية بن غبريط- رمعون، مصطفى حدّاب، 2008)، وحتى في العالم العربي (ساري حنفي، نورية بن غبريط- رمعون، مصطفى مجاهدي، 2014) في ظل محدودية تشغيلية حامليها خصوصا بعد تبني نموذج التكوين LMD، فهذه التخصّصات المعرفيّة التي أصبحت تمثل ثقلا ديمغرافيا معتبرا مقارنة مع التخصّصات المعرفية التقنية- وذات مآلات مهنية هشّة تنتج في غالبها المعطليّن عن الشغل- ما هي إلا انعكاس لتغيّرات طويلة المدى أسهمت في تشّكل جمهرة التعليم ضمنها خصوصا بعد جزأرة التأطير العلمي والبيداغوجي، والتعريب الكلّي للعلوم الاجتماعية والانسانية وتوسّع نقاط التكوين سنوات 1982- 1992 في ظل محدودية علاقاتها مع حاجيات الإقليم (Ferfera & Mekideche, 2002, p. 98-101).

تبدو صعوبات الإدماج المهني في هذه التخصّصات التي تستقطب حاليا المنحدرين من الأصول الاجتماعية الشعبيّة وكأنّها نتيجة للتحوّلات التي أوجدت، بعد سنوات 2000، واقعا مغايرا للجامعة وطلاّبها مقارنة بملامح "الطلاب الكلاسكيين" لسنوات الستينيات من القرن الماضي (Guerid, 2007, p. 295).

خاتمة

تكشف سيرورات الإدماج المهني لحاملي الشهادات الجامعية عن انتقائية متعدّدة الأبعاد (نوع وتخصّص الشهادة، قطاعات التشغيل، النوع الاجتماعي، الأصل الاجتماعي)، تؤثر بشكل متباين في حظوظ الولوج لسوق العمل، وفي رسم أغلب مسارات الإدماج أو التهميش والاقصاء.

وأمام الانتقائية التي تعترض غالبية سيرورات الإدماج، تبدو فرص حاملي الشهادات الجامعية في مواجهتها غير متكافئة نظرا لقلّة درايتهم بمتطلبات سوق الشغل المحلي وضعف معرفتهم بتشغيلية شهاداتهم أثناء فترة التكوين وبعدها. يمكن القول أيضا أنّ غياب فكرة المشروع المهني أو ضعف تبلوره عند غالبية حاملي الشهادات الجامعية يساعد في الرفع من حدّة هذه الانتقائية، وهذا ما يضع العديد من منظومات التنشئة (العائلة، المدرسة، الجامعة) في مأزق أمام إشكالية الإدماج المهني. وفي ظل تقلّص فرص العمل غير النمطي على غرار فرص العمل النمطي (استقرار أصحاب عقود العمل المؤقتة وعدم وجود الحراك المهني)، تبدو معالم ضياع التأهيل وضياع الاعتراف بمسار تكوينهم الجامعي وكأنّهما سمتان تطبعان غالبية سيرورات الإدماج المهني لحاملي الشهادات الجامعية، فبقدر ما يعكس أزمة النموذج الخطي وطقوس العبور ضمنه -والذي يبدأ بالدراسة، ويتواصل بالإدماج، ثم الشغل المستقر والتقاعد(Pinte, 2013) - فإنّه يؤشّر على معوّقات بناء استقلالية  هذه الفئة أثناء مرورها إلى مرحلة الرشد (نوار، 2020).

تفتح نتائج هذا التحقيق الميداني المجال لإثراء بعض النقاشات السابقة حول المنظومة التكوينية الجامعية والتغيّرات التي تعرفها خريطتها منذ بداية الألفية الثانية في الجزائر. أولى هذه النقاشات يثيرها محمد صايب ميزات عندما يستعرض بانوراما سوق الشغل، بحيث يبيّن أنّ منظومة التشغيل في الجزائر تواجه ثلاثة تحديات تتمثل في: "الرفع من قابلية التشغيل بالنسبة للشباب وخصوصا حاملي الشهادات الجامعية، تحدي ديناميكية النشاط غير الرسمي وتحدي نوعية الشغل" (ميزات، 2002). يمكن لتوسيع البحوث الميدانية حول المصير المهني لخريجي منظومات التكوين أن يحدث التراكمات المعرفية الضرورية لمواصلة النقاشات حول نوعية التعليم وآفاقه انطلاقا من تحليل المآلات المهنية لمخرجات الخريطة التكوينية الجامعية التي أنتجت مؤخرا دكاترة بطالين.

ترتبط ثاني النقاشات -على سبيل المثال لا الحصر- بواقع العلاقة بين الجامعة والمجتمع[28] وإنتاج النخب. لقد سبق أن أشار جمال غريد إلى التغيّرات التي شهدتها الجامعة وطلابها (Guerrid, 2007, p. 279-310) في الجزائر سنوات 1960 و2000 خصوصا في ظلّ تراجع نموذج "الطالب الكلاسيكي"، وتنامي "الطالب الشائع الذي لا يختار تخصّص تكوينه بل يكتفي بالتـّعبير عن رغباته التكوينية، ويعرف أنّه لن يحصل على شغل مهما كان تخصّص تكوينه، وهذه الظاهرة التي كانت تخصّ طلبة العلوم الإنسانية والاجتماعية توسّعت لتشمل التخصّصات المرموقة مثل الطبّ والإعلام الآلي والهندسة المعمارية"[29]. في هذا السياق يمكن لبعض المعطيات الميدانية المقترحة في هذه الورقة البحثية أن تثري بعض النقاشات حول الجامعة -بوصفها مؤسّسة للحداثة والتحديث- وفاعليها خصوصا في ظل جمهرة التكوين وسياقاته المحلية ذات المنحى الشعبوي (جامعة في كل ولاية).

بيبليوغرافيا

براجل علي، (إشراف). (2014). دراسة تقييمية لمدى فعالية نظام ل.م.د (LMD) في مؤسسات التعليم العالي في ضوء آراء الأساتذة والطلبة. وهران: منشورات CRASC/DGRSDT.

صايب ميزات محمد، (2012). بانوراما سوق العمل في الجزائر: اتجاهات حديثة وتحدّيات جديدة. إنسانيات،(55-56)، 31-51.

غريد جمال، (تنسيق وتقديم). (1998). الجامعة اليوم. وهران: منشورات CRASC.

Office national des statistiques, « Activité, emploi et chômage», doc n° 840, tableaux 9, septembre 2018, (consulté en janvier 2020 sur www.ons.dz).

Office national des statistiques, « Activité, emploi et chômage», doc n° 879, tableaux 9, mai 2019, (consulté en janvier 2020 sur www.ons.dz).

Ben Sedrine, S., Ben Yaou, M., Verdier, É. & El Yacoubi, D. (2015). Les réformes de la formation des jeunes au Maghreb: Entre référentiels internationaux et recherche de cohérence sociétale. Revue Tiers Monde, 3(3), 147-164.

Benghabrit-Remaoun, N. (dir.), (2012). Quelles formations pour quels emplois en Algérie ? Oran : CRASC.

Benghabrit-Remaoun, N. & Aydi, A. (2012). Jeunes et vécus sociale en situation de crise. Retour sur les recherches menées dans l’Algérie des années 1990. Insaniyat, (55-56).

Benguerna, M. & Azzedine, L. (2007). Sociologie en Algérie : état des lieux. Sociologies pratiques, 2(15).

Ben Sedrine, S., Ben Yaou, M., Verdier, É. & El Yacoubi, D. (2015). Les réformes de la formation des jeunes au Maghreb: Entre référentiels internationaux et recherche de cohérence sociétale. Revue Tiers Monde, 3(3), 147-164

Bouriche, L. & Bounoua, Ch. (2010). Les déterminants du marché du travail en Algérie : une analyse quantitative des structures d’offre et de la demande d’emploi (1980-2009). Les Cahiers du MECAS, université de Tlemcen.

Bousnina, A. (2013). Le chômage des diplômés en Tunisie. Paris : L’Harmattan.

Bouyacoub, A. (2006). Emploi et croissance en Algérie 1990-2003.

Musette, M. & Hammouda, N.-E. (sous dir.), La question de l’emploi au Maghreb central. Alger : CREAD, p. 137-150. 

C.N.E.S, Rapport National sur le Développement Humain, Quelle place pour les jeunes dans la perspective, du développement humain durable en Algérie. Algérie : P.N.U.D, 2013 /2015, p. 116.

Castel, R. (2009). La montée des incertitudes. Travail, protections et statut de l’individu. Paris : Seuil.

Castel, R. (2003). L’insécurité sociale. Qu’est-ce qu’être protégé ? Paris : Seuil.

Khennour Cherfaoui, F.-Z. (2016). Langues et marché du travail en Algérie : Cas de la sonatrach. Synergies Algérie, (23), 111-119.

Cingolani, D. (2011). L’insertion professionnelle des jeunes de milieu populaire. Paris : L’Harmattan.

De Besses, M. (2007). L’estime de soi, enjeu éducatif pour préparer à la vie professionnelle. Formation Emploi. (98), 109-121.

Demazière, D. (1995). Le chômage de longue durée. Paris : PUF.

Derras, O. (2017). Mobilité sociale et changements sociaux en Algérie. Alger : OPU.

Derras, O. (2014). Mobilité social en Algérie. Oran : CRASC.

Dubar, C. (2001). La construction sociale de l’insertion professionnelle, éducation et société, (7) /2001/1.

Ferfera, Y. M. & Mekideche, T. (2008). La place des sciences sociales et humaines dans le système supérieur algérien. Revue internationale d’éducation de Sèvres, (49).

Fondeur, Y. (coord.), (2012). Pratiques de recrutement et sélectivité sur le marché du travail. Lyon : Centre d’études de l’emploi. Rapport de recherche (consulté sur halshs. archives- ouvertes. Fr, le 15 octobre  2017).

Gobe, E. (dir.), (2004). L’ingénieur moderne au Maghreb (XIX-XXe), Paris : Maisonneuve et Larose.

Guerid, D. (2007). L’exception algérienne. La modernité à l’épreuve de société. Alger : Casbah édition.

Guillon, S. (2010). Le chômage des diplômés de l'enseignement supérieur à La Réunion : méthodes plurielles, trajectoires hétérogènes. Parsi : l’Harmattan.

Hadibi, M.- A. (coordination), (2014). Les jeunes filles en Kabylie dans les années 2000. Ces absentes omniprésentes. Oran : CRASC.

Hammouda, N.-E. (2017). L’insertion des jeunes de 15 à 19 ans dans les pays du Maghreb. Communication Représentation du travail, politique public de l’emploi et insertion professionnelle au Maghreb, Oran le 9 et 10 mai 2017.

Hammouda, N.-E. & all. (2019). La jeunesse algérienne : vécu, représentations et aspirations. Alger : CREAD. 

Kadri, A. & Benguerna, M. (2014). Ingénieur en Algérie dans les années 1960. Une génération de la coopération. Paris : Karthala.

Lallement, M. (2006). Le genre des trajectoires. Formation Emploi, (93), 5-10.

Lamloum, O. & Benzina, M.-A. (2015). Les jeunes de Douar Hicher et d’Ettadhamen : une enquête sociologique. Tunis : Arabesques.

Lassasi, M. & Hammouda, N.-E. (2012). Le fonctionnement du marché du travail en Algérie : population active et emplois occupés. Région et développement, (35).

Miliani, M. (2017). La réforme du LMD. Un problème d’implémentation. Insaniyat, 75-76.

Musette, M. S. (2010). Algérie : migration, marché du travail et développement. Document de travail du Projet de recherche intitulé, Faire des migrations un facteur de développement, consulté le 20 mars 2018 sur (www.ilo.org).          

Pérennès, L. (2013). Université et insertion professionnelle des étudiants : jusqu’où l’université peut-elle et doit- elle s’engager ? (2), 46.

Pinte, G. (2013). Les paradoxes de l’insertion professionnelle. Revue internationale d’ethnographie. (2), 1-8.

Salhi, K. (2012). Entre un avenir de rêves et un future rêvé : l’ambivalence des jeunes dans l’élaboration de leur projet d’avenir. Insaniyat, 55-56.

Smolar, R. (2009). L'insertion socioprofessionnelle des jeunes, une urgence ? Paris : Harmattan.

 الهوامش 

[1] مثّلت النقاشات التي دارت بين أعضاء فريق مشروع التعاون الجزائري والتونسي حول إشكالية الإدماج المهني لحاملي الشهادات الجامعية وبعض الباحثين المختصّين في مسألة نفسها (الورشات المنهجية وورشات عرض النتائج الأولية والنهائية) مجالا خصبا لتبلور الفكرة الرئيسة لهذا المقال حول انتقائية سوق الشغل. الشكر موصول لأعضاء فريقي البحث ولمقيمي هذه الورقة البحثية.

[2] نستعمل لفظ تشغيلية بصفته مرادفا لـ Employabilité .

[3] ننطلق في تحليل الإدماج المهني من الأبعاد الإجرائية لمصطلح الانتقائية والتي ترى أنّ سوق العمل يختار ما يناسبه من بين حاملي الشهادات ضمن ظرف محدد لوضعية مهنية محددة، وهذه الانتقائية لا تنفي قطاعية سوق العمل. حول هذا الموضوع أنظر:

Fondeur Yannick (coord.) (2012). Pratiques de recrutement et sélectivité sur le marché du travail. Lyon : Centre d’études de l’emploi, Rapport de recherche consulté sur halshs. archives- ouvertes. Fr, le 15 octobre 2017.

Pelizzari, A. (2006). Emploi précaire et stratégies de crise. Une analyse qualitative des comportements salariaux. Articulo- journal of urban Reseach (online), décembre.

[4] عرض نصرالدين حمودة في أحد لقاءات التي خصّصت لمناقشة النتائج النهائية لمشروع البحث الجزائري التونسي واقع تشغيلية حاملي الشهادات الجامعية بناء على معطيات التحقيقات الدورية التي يجريها الديوان الوطني للإحصاء:

Communication Représentation du travail, politique public de l’emploi et insertion professionnelle au Maghreb, L’insertion des jeunes de 15 à 19 ans dans les pays du Maghreb, Oran 9 et 10 mai 2017.

[5] قدرت نسبة بطالة حاملي الشهادات الجامعية في سبتمبر 2018 وماي 2019 بـ 18.5% و18% على التوالي، وهما أعلى من النسب المسجّلة لدى حاملي شهادات التكوين المهني أو الذين لا يحوزون على شهادات. أنظر:

Activité, emploi et chômage, ONS, doc n° 840, tableaux 9, septembre 2018.

Activité, emploi et chômage, ONS, doc n° 879, tableaux 9, mai 2019, www.ons.dz (consulté en janvier 2020).

[6] "الإدماج المهني لحاملي الشهادات الجامعية بوهران"، إشراف عمر درّاس (2014-2018). تكوّن فريق البحث من: فؤاد نوّار، لوسداد زين الشرف، هند بوعقادة، محمد عرقوب وميلود لحمر، وهو أيضا مشروع معتمد ضمن مشاريع التعاون الجزائري التونسي حول الإشكالية نفسها.

[7] لدراسة سيرورة الإدماج المهني تمّ التعامل مع مؤشر زمن الإدماج من خلال اختيار مؤشر الأربع سنوات بعد الحصول على الشهادة الجامعية الأولى باعتبارها فترة كفيلة بإعادة رسم هذه السيرورة من خلال: تحديد الفترة قبل الحصول على فرصة الشغل الأولى، نوعية عقود العمل المتحصل عليها خلال فترة أربع سنوات من التخرج، الأصل الاجتماعي والفئة السوسومهنية للأولياءCSP ، عدد مناصب العمل المتحصل عليها في الفترة نفسها، تحديد فترات البطالة وفترات البحث عن الشغل وكيفيته، نوعية عقود العمل المتحصل عليها، العلاقة بين فرص الشغل المتاحة ونوع التكوين الجامعي، قطاعات التشغيل المستهدفة ...

[8] دامت الدراسة الاستطلاعية 8 أشهر، خصّص محتواها لإجراء 8 مقابلات مع بعض مسيري السياسات العمومية للتشغيل في وهران، وكان الغرض منها معرفة مواقف منفذي هذه السياسات من فاعليتها بالنسبة لحاملي الشهادات الجامعية، ثم توسّعت هذه الدراسة لتشمل إجراء مقابلات مفتوحة مع مجموعة من حاملي الشهادات الجامعية من المتخرّجين منذ أربع سنوات، والمتواجدين في وضعيات مهنية مختلفة، لننتهي أخيرا إلى إجراء مقابلتين مع عميدين، أحدهما من جامعة وهران 2 والآخر من جامعة محمد بوضياف للعلوم والتكنولوجيا.

[9] الفئة المعنيّة بالتحقيق هي المتحصّلة على الشهادة الجامعيّة الأولى في الفترة ما بين سنة 2009 و2012 (لأنها توفّر شرط الأربع سنوات على الأقل لتحليل مسار الإدماج مقارنة مع تاريخ بداية التحقيق)، ثم تمّ توسيع هذا المجال ليشمل حاملي الشهادات في الفترة الممتدّة ما بين 2012 إلى 2015 بحثا عن المقارنة بين فئتين مختلفتين من حيث فترة التخّرج الجامعي (مؤشّر أقدمية الشهادة).

[10] لتحديد الوحدات السّكنية موضوع الدراسة الكمية اعتمد فريق البحث على خبير في الديوان الوطني للإحصاء، وقد كانت مهمـّـته تحديد مخطّط التحقيق الميدانيplan de sondage ، وتحديد 5 مقاطعات معنية بالدراسة الميدانية من بين 12 مقاطعة متواجدة في بلدية وهران وهي: الحمري، المقري ، البدر، المنزه، الصديقية، وبعدها تمّ توزيع الوحدات السكنية بالتساوي بين مختلف أحياء هذه المقاطعات. 

[11] الملامح التي بدت استثنائية بعد التحليل الكمي هي: حاملو الشهادات في العلوم الطبية، حاملو شهادات في الهندسة في حالة بطالة، حاملو الشهادات الجامعية الذين اختاروا أو أجبروا على النشاط المقاولاتي، حاملو الشهادات الجامعية الذين يتواجدون في حالة نشاط مهني مؤقت بعد أربع سنوات من التخرج.

[12] لمعرفة أكثر حول وضع التكوين في البلدان المغاربية وعلاقاتها بالرهانات التشغيل أنظر:

  1. Ben Sedrine et al (2015).

[13] نعتقد أن السّياق المحلي يضفي الكثير من التأثير على العديد من الظواهر المرتبطة بالشباب، وهذه الملاحظات سبق وأشار إليها فريق بحث آخر قارب مسألة الإدماج الاجتماعي للفتيات في منطقة القبائل.

[14] يدفع تدني معدلات الحصول على شهادة البكالوريا و/ أو معدلات بعض المواد المصنفة أساسية إلى معاودة اجتياز الشهادة بحثا عن تحسين هذا المعدل للالتحاق بالكليات "ذات السمعة المهنة" (خصوصا كليات الطبّ، أو المدارس العليا لتكوين الأساتذة)، ونسب المترشّحين الأحرار -كل سنة - من الذين سبق لهم الحصول على البكالوريا تعبّر عن ذلك. 

[15] تعطي عتبات المعدلات التي تحددها سنويا وزارة التعليم العالي للتسجيل في التخصّصات التي تقترحها الخارطة التكوينية صورة واضحة عن تراتبية انتقائية ترفع من كثافة التواجد الطلابي في تخصّصات معيّنة (العلوم الاجتماعية، اللغات، العلوم الاقتصادية والعلوم السياسية) في مقابل العمل على تحديد عدد الملتحقين بتخصّصات العلوم الطبية.

[16] في سنة 2015 أوردت العديد من التقارير الصحفية الوطنية معطيات بشأن عدد المسجّلين في مسابقات التوظيف المنظّمة من طرف وزارة التربية للالتحاق بمهنة التعليم (الابتدائي، المتوسط، الثانوي) والذي بلغ عددهم : أكثر من ميلون حامل لشهادة جامعية من أجل التنافس على ما يقارب 40 ألف منصب عمل.

[17] لم نكتف في هذا السياق بتحليل الوضعية المهنية الأخيرة بل تمّت إعادة رسم وضعيات المسار المهني خلال الأربع سنوات التي تلت فترة الحصول على الشهادة، وهذه الطريقة مكنتنا من تحليل: حالة الاستقرار في نشاط مهني هش، حالات التناوب بين الشغل الهش والبطالة، حالات التناوب بين النشاط الحر والنشاط المهني عند الخواص ...

[18] يأتي اللجوء للنشاط الحرّ/ أو المقاولاتي بعد فشل محاولات الحصول على منصب عمل ضمن ظرف العمل المأجور الدائم، وهذه الوضعية المهنية خصوصا بالنسبة لحاملي الشهادات قبل 2012 تمثل حلا للخروج من حالة الهشاشة المهنية والاجتماعية.

[19] نسبة تواجد حاملي الشهادات في قطاع الزراعة تقدر بـ 2.66%، ونسبتهم في قطاع الأشغال العمومية والبناء تقدر بـ 4.29% ونسبتهم في قطاع الصناعة تقدر بـ 8.78%. أمّا قطاعي الزراعة والاشغال العمومية فرغم أنّهما يشهدان تواجدا ضعيفا لحاملي الشهادات إلاّ أنّهما يتميزان أيضا بارتفاع حالات الهشاشة المهنية نتيجة لارتفاع نسب عقود العمل المؤقتة. فحالة العلاقة بين مخرجات التكوين الجامعية وهذين القطاعين تستلزم دراسة نوعية حول حالة التشغيل ضمنهما.

[20] أهمّ ما يميّز قطاع الخدمات هو التواجد الملفت لحاملي الشهادات من تخصّصات العلوم الاجتماعية والإنسانية واللغات بنسبة تقارب ¾ بينما لا تزيد نسبة تواجد باقي الشهادات ذات الطابع التقني عن ¼. 

[21] بينت الدراسة الميدانية أنّ فئة حاملات الشهادات الجامعيات (211 بطّالة، أي ما نسبته 25.09%  من مجموع المستجوبين المقدر عددهم بـ 841 مبحوثا) هي الأكثر بحثا عن شغل مقارنة مع فئة الذكور (124 بطّالا، أي 14.75% من مجموع المستجوبين المقدر عددهم بـ 841 مبحوثا) ويتوزّعون كما يلي: العلوم شبه الطبية (83% إناث، 17% ذكور)، اللغات والآداب (75.5% إناث، 24.5% ذكور)، العلوم الاجتماعية (61% إناث، 39% ذكور)، العلوم الاقتصادية والعلوم القانونية (43.8% 56.2%) وأخيرا علوم الهندسة (54.2% إناث و45.8% ذكور).

[22] نسبة حاملي الشهادات الجامعية من الذكور ضمن وضعية أجير دائم تعادل 25.61% بينما ترتفع هذه النسبة إلى 28.12% مقارنة بالإناث. التفوق الأنثوي من حيث النسب يدعمه التفوق العددي أيضا من حيث الاستفادة من حظوظ التواجد ضمن ظرف العمل الماجور الدائم.

[23] إجرائيا تمّ الاعتماد على المؤشرات التالية لتحليل تأثير الأصل الاجتماعي والثقافي لحاملي الشهادات الجامعية على سيرورة الإدماج المهني: المستوى الدراسي للأب والأم، آخر مهنة للأب والأم ونوعية الوحدة السكنية (ménage) ومكوناتها. هذه المؤشرات مجتمعة سمحت برسم صورة موجزة عن الفئة السوسومهنية CSP لأولياء حاملي الشهادات الجامعية ومآلاتهم المهنية مقارنة مع المصير المهني لأبنائهم.

[24] نستعمل عبارة جمهرة التعليم العالي في هذا النصّ بوصفها مرادفا massification de l’enseignement supérieur. العديد من المعطيات الكميّة تؤكد هذا الوضع، فعدد مؤسسات التعليم العالي الموزّعة عبر التراب الوطني إلى غاية نهاية 2019 بلغ 106 مؤسسة، موزعة كما يلي: 50 جامعة، 13 مركزا جامعيا، 20 مدرسة وطنية عليا، 11 مدرسة عليا لتكوين الأساتذة وملحقتين (02) جامعيتين.

[25] علي براجل (إشراف)، دراسة تقييمية لمدى فعالية نظام ل.م.د (LMD) في مؤسسات التعليم العالي في ضوء آراء الأساتذة والطلبة، وهران، منشورات CRASC/DGRSDT، ص. 61-82.

[26] يتوزّع آباء حاملي الشهادات الجامعية المتواجدين في حالة نشاط مهني على الوضعيات التالية: وضعية نشاط مهني دائم =22.9% ، وضعية نشاط مهني مؤقت= 3.7%، وضعية نشاط مهني حرّ/ مستخدم= 24.9%، حالة تقاعد= 48.1%، حالة بطالة= 0.4%. وتمثلّ حالة الأمّهات الماكثات بالبيت الصفة الشائعة لدى أمّهات حاملي الشهادات في العلوم الاجتماعية والإنسانية واللغات وحتى العلوم القانونية، وتتجاوز 80% مقارنة بالوضعيات المهنيّة الأخرى.

[27] خصّص مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية العديد من الندوات الفكرية لمناقشة مكانة العلوم الاجتماعية والانسانية ولتقييم حصيلتها ودور المؤسسات الجامعية في بلورة مكانتها الحالية، وأنتج في ذلك نصوصا معتبرة، لكن بقيت مسألة تشغيلية حاملي شهاداتها ومآلاتهم المهنية محدودة. يمكن أن نذكر في هذا السياق الندوة الموسومة "حوصلة المعارف في العلوم الاجتماعية والإنسانية" التي نظّمت سنة 2004 بمناسبة الذكرى الخمسين لاندلاع الثورة التحريرية، والندوة الموسومة "مستقبل العلوم الاجتماعية في العالم العربي" التي نظّمت بالشراكة مع مركز دراسات الوحدة العربية والجمعية العربية لعلم الاجتماع سنة 2012.

[28] تمثل النقاشات التي دارت بين باحثي مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (عنصر عياشي، حسن رمعون، عبد الحميد أبركان، محمد ابراهيم صالحي، بشير محمد ...) محطة مهمّة من أجل تتبّع مسار تحليل العلاقة بين المجتمع والجامعة في الجزائر. أنظر: غريد جمال، (تنسيق وتقديم) (1998). الجامعة اليوم. وهران: منشورات CRASC.

[29] Ibid., 292

 

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

© Copyright 2022 CRASC. Tous droits réservés.

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Plate-forme réalisée par : BAKIR Ilyes & DEKHIR Abdellah Merouan

Recherche