العلاقة بين تخطيط الموارد البشريّة ونسق الإدارة بالجودة الشاملة: دراسة حالة المؤسّسة الجزائرية للسّباكة "آلفو"


انسانيات عدد 89| 2020 |عدد متنوع|ص71 -77| النص الكامل


 


نوال سعدي: Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle, 31 000, Oran, Algérie


يقدّم هذا النّص حوصلة حول موضوع رسالة الدكتوراه التي اهتمّت بدراسة واقع "التسيير بنظام الجودة الشاملة" في المؤسسة الاقتصادية العمومية "آلفو"[1] المتواجدة بوهران. عرفت هذه الأخيرة عدة تغييرات تنظيمية بحثا عن تحقيق "الجودة الشاملة" وتحسين الإنتاجية، وهذا المسعى لم يكن ليتحقق إلا من خلال إعادة النظر في مكانة العامل ضمن العملية الإنتاجية، وفي الطبيعة التنظيمية التي يمكنها أن تتكفّل بقيمة الجودة بوصفها مبدأً تسييريا وتوجيهيا لاستراتيجية المؤسّسة.

يهتم الباحثون[2] والمدراء في الوقت الحاضر بمفهوم الجودة الشاملة، والذي لم يعد محصورا في المكتسبات التقنية، بل امتد ليشمل تحسين المحدّدات القاعدية التي تضبط العلاقة الوظيفية بين العنصر البشري والمؤسّسة، للرفع من مستوى الأداء الفردي والتنظيمي تماشيًا مع مفاهيم هذا التوجّه، وهو ما أدركته بعض المؤسّسات الاقتصادية في الجزائر وجعلت منه ضرورة استراتيجية.

تنطلق هذه الدراسة من سؤالين محوريين يرتبطان بواقع التخطيط في الموارد البشرية وتبني مشروع نسق الإدارة بالجودة الشاملة في المؤسسة الجزائرية "آلفو" وبإمكانياتها لتبني هذا المشروع؟

منهجية الدراسة

اعتُمد في هذه الدراسة على تحقيق ميداني وفق خطة عمل شملت ثلاث سنوات: 2013-2014-2015. فتوسلنا بداية المقاربة الكيفية من خلال تقنية المقابلة شبه الموجهة، وكانت الغاية منها جمع المعطيات حسب المتغّيرات التي تمّ تحديدها أثناء بناء الموضوع، كما تمّت دراسة مضمون الوثائق وتقارير الجودة إضافة لعينة شملت 08 مسيرين (رؤساء الأقسام والمصالح)، أما المقاربة الكمية فتمثلت في الاستعانة بتقنية الاستبيان الذي تمّ توزيعه بعد التأكد من الخصائص السيكومترية (الصدق والثبات) والمتضمن لمقياسين: مقياس التخطيط في الموارد البشرية والذي يشمل 24 فقرة، ومقياس محدّدات الإدارة بالجودة الشاملة، ويشتمل 56 فقرة تقييسية.

وزع الاستبيان على عينة تمثيلية شملت 127 عاملا من المجتمع الأصلي المكّون من 250 مستخدما موزعة كالآتي: 30 إطارا (73,57%)، 19 عون تحكم (52,63%) و87 عاملة تنفيد (46,82%)، وعلى ضوء هذه المعطيات التي تمّ جمعها وتحليلها توصّلنا إلى جملة من النتائج صغناها على النّحو التّالي:

ممارسات تسييرية "نسبية" لعناصر تخطيط الموارد البشرية داخل المؤسّسة الصناعية  

أوضحت لنا المعطيات الميدانية للواقع الصناعي أنّ خصوصية العمليات التسييرية تتوضّح من خلال سياسة تخطيط الموارد البشرية بوصفها خطّة استراتيجية شاملة تبيّن الأهداف العامّة للمؤسّسة، وأهداف الإدارة الاستراتيجية للموارد البشرية، فقد جاءت تفسيرات "مجتمع البحث" حول مضامين الخطّة المتّبعة في تسيير مواردها البشرية -حسب تصريحات مسؤولي مديرية الإدارة والمستخدمين- لتبيّن أنّ صياغة الخطة الاستراتيجية لمؤسّسة "آلفو" نابعة من الإدارة العامّة المركزية لمجموعة "فوندال" وفق ما يسمّى "بالتخطيط الكلي"، أمّا على مستوى التخطيط الجزئي في الوحدة فتركّز مؤسّسة "آلفو" على مجموعة من العوامل التي تعكس ثقافتها التنظيمية والمبنية بالخصوص على معيارين أساسيين هما: المتابعة المستمرة لكل البنيات التنظيمية المتواجدة بالمؤسّسة بوصفها الزبون الداخلي (المورد البشري)، وتحقيق الجودة من خلال إرضاء الزبون الخارجي، وعلى ضوء هذه الضوابط العامّة تحلّل وتبنى الأهداف التفصيلية للبنية التنظيمية الداخلية وفق حركية التسيير المسجلة لكل سنة، وذلك من خلال العناصر التالية: التكوين المستمر لليد العاملة، التحكّم في الغيابات، والتحكم في حوادث العمل[3]، وهذه العناصر هي التي تمثّل معايير الجودة المطبقة داخل مؤسّسة "آلفو".

بيّنت النتائج المتحصل عليها -والمعبرة عن وجهة نظر مسيري المؤسسة- أنّ الإجراءات التسييرية المعمول بها في إدارة الموارد البشرية بمؤسسة "آلفو" تتّسم "بالنسبية" في ظلّ نظام الجودة المطبق، فهذه الممارسات لا تخرج عن إطارها القانوني المعمول به حسب ما نصّ عليه المشرع الجزائري في قانون علاقات العمل أو النظام الداخلي والاتفاقيات الجماعية التي تنص عليها المواد: 75 و77 و78 من القانون، والتي تشير إلى إلزامية التكوين المستمر لليد العاملة.

أمّا على مستوى تقويم أداء العاملين فتصريحات المسيّرين تشير إلى وجود صعوبات في تطبيق مبادئ الجودة بسبب الاعتبارات الاجتماعية المرتبطة بالتزكية والجهوية والوساطة، والاعتماد على بعض المعايير التقليدية (السلوك العمالي) التي لا تقيس الأداء الفعلي للعامل، خصوصا عندما تكون عملية تحفيز العاملين داخل المؤسّسة قائمة على أسس غير موضوعية في التّقييم، فبالنسبة للإطارات تقدّم مكافآت على شكل منحة مردودية فردية (P.R.I)، بينما تقدّم المنحة نفسها للعمال في شكل مكافآت مردود جماعي (P.R.C)، وهذا النوع من التحفيز قائم على طبيعة الفصل بين التنفيذ والإدارة. مثل هذه الفروقات في أنظمة التحفيز يعطي لنا صورة عن حالة الفصل بين معايير الجودة منظور إليها من زاوية المسيرين والمعايير نفسها منظورا إليها من زاوية العمّال.

وإذا كانت مؤسّسة "آلفو" تعمل على التّحسين المستمر لنشاطها من خلال إجراءات مراقبة الجودة بالفحص، والاختبار اليومي للمنتوج وتقديم التقارير التجريبية حول مدى مطابقة المنتوج النهائي للمواصفات أو عدمه، فإنّ هذه العوامل هي التي تحسّن العملية الإنتاجية بحيث تفرض التكوين المستمر لليد العاملة بشكل رئيسي، فالتركيز على الزبون يدفع المؤسّسة "ألفو" إلى تلبية متطلباته الحالية والمستقبلية، كما يفرض عليها ضمان نوعية المنتوج والكمية وسعر البيع والآجال المحدّدة، خاصّة في ظلّ المنافسة المحلية والخارجية التي تفرض على المؤسّسات تحسين علاقتها بالزبون، كما يعتبر تحليل إدراكات معايير الجودة والتصوّرات حولها وأشكال الاختلاف بين فاعلي المؤسّسة الصناعية مدخلا آخرا لفهم واقع تطبيق هذه المعايير، على غرار تحليل نظام الحوافز.

إدراكات إيجابية "نسبية" للمسيّرين والعمال اتّجاه إنجاح التغيير في نسق الإدارة بالجودة الشّاملة

فسّرت لنا نتائج التحليل الكمّي مجموعة من المعطيات حول تصوّرات المسيرين والعمال ومدى استعدادهم لإنجاح التغيير نحو نسق الإدارة بالجودة الشاملة، وقد بيّنت النتائج المسجّلة التوقعات الإيجابية نسبيا لبعض المحدّدات التي نجدها جوهرية أثناء تبنّي هذا النمط من التّسيير، بحيث احتلت أهميّة التكوين المتواصل العامل الأوّل في هذه التوقّعات الإيجابية بمتوسط إدراك قدّر بـ 2.86، وهي قيمة إيجابية مرتفعة مقارنة بباقي العناصر، بينما سجّلت العناصر الأخرى مستويات من الإدراك تمثّلها النسب التّالية :إجراءات الاختيار والتّعيين بـ 2.67، تقويم أداء العاملين بـ 2.69، وفي الأخير تحفيز العاملين بـ 2.62 .

نخلص من خلال هذه النتائج إلى أنّ مستوى الإدراك لإنجاح التّغيير نحو الجودة سواء كان إيجابيا أو سلبيا يتفاعل مع الطبيعة الاجتماعية والتنظيمية التي تترجمها اليد العاملة إلى سلوكات وممارسات مهنية داخل المؤسّسة وخارجها. كما تبيّن المواقف من التحوّل نحو نظام الجودة التي خلصت إليها الدراسة أنّ مستويات الإدراك متأثّرة بالعلاقات التي تغلب عليها الانتماءات القبلية والجهوية للعمّال بوصفها عاملا محدّدا في العلاقات الصناعية، وهذا المعطى يؤثر بشكل جلي على بلوغ إدراك نسبي لعملية التحفيز، بحيث سجلنا أنّ نسبة 48.8% من العينة المدروسة راضية رضا نسبيا عن الأجر المتحصّل عليه، في حين أنّ نسبة 40.9% من العمّال غير راضين عن نظام الأجر والتحفيز.

أمّا على مستوى محدّدات التّماهي مع الجودة، فطبيعة القيم المتبناة من طرف المسيّرين والعمال مرتكزة على قيمة رضا الزبون بمتوسط إدراك بلغ 2.97، وهو المحدّد الأقوى مقارنة بالمحدّدات الأخرى، تترجمه الخطابات التي تجعل من الحفاظ على مطابقة المنتوج لشهادة الإيزو هاجسا محوريا لضمان ربحية المؤسّسة وتأكيد سمعتها في السوق (متوسط إدراك بلغ 2.95).

خلاصة

تواجه الإدارة بالجودة الشّاملة في مؤسّسة "ألفو" العديد من التحدّيات ترهن نتائج تطبيقها، فإذا كانت معطيات الجودة تلقى القبول عندما يتعلّق الأمر بالمنتوج وطريقة التحكم في إنتاجيته، فإنّ جانبها التسييري الشامل يلقى العديد من العراقيل في التنفيذ، ويجعل الإقناع بضرورة التغيير في الأنماط التسييرية أمرا ليس بالهيَن.

تُنمّي المواقف من معايير الإدارة بالجودة تفاوتات بين الأجيال في مؤسسة محل الدراسة، بين جيل الشباب وغيرهم من المستخدمين نظرا لعدم تقاسمهما الماضي المهني الصناعي للوحدة الإنتاجية والذي يعود إلى سنة 1929، كما ينتج هذا الوضع ثقافة المقاومة عندهم ويجعل التغيير عن طريق الاعتماد هذه المعايير في مواجهة حقيقية  بين متطلبات المؤسّسة الصناعية العمومية وتناقضات محيطها الاجتماعي.

وقد سبق أن أشار العديد من الباحثين الجزائريين المهتمين بالمؤسّسة الصناعية الحديثة والمجتمع إلى ازدواجية المعايير الثقافية بين المجتمع والمؤسّسة، وهذا ما نجده في الدّراسات السّابقة لعلي الكنز (El Kenz, 2009) وجمال غريد (Guerid, 2007) ومحمد بن قرنة وعنصر عياشي ومحمد بشير الذي يعتبر أنّ ما يحدث في المؤسسة من أشكال مقاومة التغيير التنظيمي والثقافي ما هو إلا "نتيجة التناقض والتضارب الذي عرفه المجتمع الجزائري بين الثقافة المحلية والثقافة الغربية المكتسبة بفعل المراحل التنظيمية التي مرَت بها المؤسسة الاقتصادية في الجزائر، والتي أُريد ترسيخها من خلال ما يحمله المشروع الصناعي من قيم ثقافية جديدة" (بشير محمد، ص.14). يكشف حال المؤسّسة موضوع الدراسة أيضا وجود بعض رواسب الثقافة التقليدية التي استمدها بعض فاعلي المؤسّسة من الأجيال التي مرّت بها والتي تسمّى بـ « les cadres maison »، ففي ظلّ التواجد العائلي للعديد من العمال والإطارات في هذه المؤسّسة (منطق توريث مناصب العمل) تبدو بوادر التغيير متعسّرة.

ويمكننا القول أخيرًا أنّ نتائج الدراسة الميدانية أبانت عن مفارقات بين خطابات المسيرين والعمال وواقع تسيير الموارد البشرية ضمن هذه المؤسّسة، فسياسة التوظيف المغلقة وتنامي مظاهر عدم الإنصاف في ترقية العمال وطرق منح العلاوات وطرق التعامل مع التجاوزات المهنية، كلّها تبيّن أنّ المعوقات التنظيمية والثقافية المتواجدة في المؤسّسة الصناعية وفي محيطها الاجتماعي تقف حائلا أمام التبنّي الصّارم لمعايير الجودة الشّاملة.

Bibliographie

El Kenz, A. (2009). Ecrit d’exil. Alger : Casbah éditions.

Guerid, D. (2007). L’exception Algérienne. La modernisation à l’épreuve de la société. Alger : Casbah éditions.

 الهوامش

[1] أنشئت مؤسسة المؤسسة الوطنية للسباكة "آلفو" من طرف سلسلة ديكرو سنة 1912 تحت اسم ورشات ومسابك ديكر. ومنذ سنة 2000 تمّ تحويلها إلى فرع المجمع الصناعي FONDAL مع الاحتفاظ بأنشطتها الإنتاجية.

[2] فيما يتعلق بـ"الجودة الشاملة" فقد عالجت دراسة Jérôme Lérat- Pytlak التحوّل من نظام الجودة "الأيزو" إلى الإدارة بالجودة الشاملة، وأثبتت لنا الإحصائيات في أواخر2001 حسب المخطط العالمي أنّ ما يعادل 61% من الدول متجهة نحو نظام الإدارة بالجودة. اعتبرت شهادة "الأيزو" إشارة ذات مصداقية للتنفيذ الفعّال لممارسات إدارة الجودة، كما أن طابع التحوّل بيًن لنا أن الانتقال من الشهادة إلى إدارة الجودة الشاملة أصبح رهان جميع الشركات الحاصلة على شهادة المطابقة. أمّا دراسة أنتوني  (2002)فقد عملت على تحديد أهم العوامل الرئيسية في التطبيق الناجح لإدارة الجودة الشاملة في الشركات الصناعية بهونغ كونغ اعتمادا على عينّة بحث شملت 400 استبانا مسّ مدراء الجودة. أنظر:

بوخلوة، باديس. (2016). أثّر تطبيق مبادئ إدارة الجودة الشاملة على جودة المنتجات النفطية -دراسة ميدانية في مؤسسة سوناطراك- (قسم التكرير)، رسالة لنيل شهادة الدكتوراه منشورة علوم التسيير، جامعة قاصدي مرباح ورڤلة، الجزائر.

[3] تم حساب واستنتاج حركية تسيير العمالة انطلاقا من البيانات الخاصة بقسم إدارة المستخدمين وتقارير الجودة السنوية على مدار ثلاث سنوات.

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

© Copyright 2022 CRASC. Tous droits réservés.

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Plate-forme réalisée par : BAKIR Ilyes & DEKHIR Abdellah Merouan

Recherche