العيش في مواقع التراث الحيّ بوادي مزاب (الجزائر). الدوافع، التمثّلات والاستمرارية


إنسانيات عدد 92، أفريل – جوان 2021، ص. 15-40


 


عبد العزيز خواجة : جامعة غرداية، قسم علم الاجتماع، غرداية ،000 47، الجزائر.

نعيمة رضائي: جامعة طهران، كلية التهيئة العمرانية، طهران، 204 99، إيران. 


فقدت العديدُ من المدن القديمة أو الحواضر أدوارها الرئيسة هذه الأيام، وتحوّلت إلى مساحات معزولة أو مهجورة، وأصبح بعضها ملاذاً للمجموعات الفقيرة والمهاجرة وحتّى المنحرفة أحياناً، وفي أحسن الأحوال تحوّلت إلى مواقع للزوار ومتاحف تُستخدم فضاءات سياحية (سكنية، فنية ترفيهية وغيرها). لكن أيضاً، من هذه الحواضر، مواقعُ تراثية حافظت على وظيفتها الأصلية وما تزال تُستخدم من قبل ساكنيها للعيش. يمكن اعتبار مدن وادي مزاب القديمة (أو القصور) من هذا القبيل.

يقع وادي مزاب على بعد 600 كيلومتر جنوب الجزائر العاصمة، في الجزء الشمالي من الصحراء، وهي منطقة جافة خالية من الغطاء النباتي. وعلى الرغم من حدّة الظروف المناخية، إلّا أنّ أهلها جعلوا منها منطقة جذّابة وقابلة للمعيش (Adad & Mazouz, 2013, Chabi & Dahli, 2011). أوّل سكّانها قبائل أمازيغية من زناتية تحوّلت مع الزمن إلى الإسلام بفعل دعاة المعتزلة ثمّ الإباضية، قبل أن تنصهر في إطارها مجموعات قبلية أخرى مختلفة قدمت إليها حوالي القرن الحادي عشر (Adad & Mazouz, 2013). متّخذة من الاتجاه الإباضي[1] إطارها االإيديولوجي المذهبي ونمطَ حياتها، وطريقة تفكيرها، ومبلغ تطلّعاتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، وما تزال كذلك إلى اليوم، وبالرغم من استقرار تجمّعات قبلية متباينة الانتماء بجوارها في ظلّ الدولة الوطنية إلاّ أن القصور[2] بقيت على هذا المذهب محافظة على نسقها الاجتماعي.

الصورة 1: تمثل موقع مزاب من الجزائر

 المصدر : www.mediaterranee.com  

القصور المحاذية للوادي خمس هي على التوالي: العطف وبنورة ومليكة وغرداية وبني يسجن، أُقيمت خلال الفترة ما بين 1012 و1350م، أغلبها تجميع لقرى صغيرة كانت متناثرة هنا وهناك، بالإضافة قصري بريان والقرارة البعيدين من التجمّع الأساسي بحوالي 50 إلى 120كلم. وقد تمّ تسجيل هذه القصور من قبل اليونسكو عام 1982 ضمن التراث العالمي.

تبدو هذه القصور من الأعلى كأنّها معاقل ذات أسوار محصّنة، ذات نسيج حضري مضغوط وشبكة هرمية متماسكة وضيّقة الممّرات. يقع المسجد في أعلى نقطة منها، ثمّ تليها منازل متناغمة تماماً فيما بينها على مستويات مختلفة شبيهة بمدرّجات.

تعتمد الحياة الاجتماعية للمزابيين، منذ استقرارهم بالمنطقة (حوالي القرن 11 و12م)، على العناصر الأربعة: المنزل، والمسجد، وبساتين النخيل، والسوق. ويمثّل المسجد[3] المركز الروحي والثقافي والاجتماعي للقصر، لتقع العناصر الأقلّ قيمة حوله كلّما اتجهنا نحو الأسوار، بخاصة السوق الذي تتشكل حوله الوظائف الاقتصادية والسياسية. تتميز هندسة المنازل بملامح تعكس المعتقد الديني والخصائص الاجتماعية الثقافية للسكّان والمتطلبات المناخية للمنطقة. فلم تتم إقامة هذه القصور من قبل خبراء معماريين جامعيين أو أكاديميين، إنّما تمّ تشييدها بأيدي أفراد المجتمع ذاتهم، نتاج عمل تراكمي، تعاوني وتشاركي (Adad & Aiche, 2014).

على الرغم من مرور أكثر من عشرة قرون، وتشييد مناطق حضرية جديدة خارج هذه القصور، إلاّ أنّ هذه الحواضر القديمة لا تزال تحتفظ بسبل عيشها وتلعب دورًا مهمًّا في الحياة العامة. إذ تشمل مساحات سكنية وفضاءات تجارية (السوق)، تعمل في بعض الأحيان على نطاق إقليمي، فهي بذلك "مواقع تراثية حيّة" حافظت على وظائفها التقليدية، والحديثة نسبيا، وبخاصة "المسكن" منها.

فقد شهدت ولاية غرداية عامة ومنطقة مزاب توسّعا عمرانيا كبيرا إذ زاد حجمه بــــ 08 مرّات ممّا كان عليه غداة الاستقلال وامتدّ بحوالي 25 كلم، وفاق عدد السكنات الجديدة به 60 ألف وحدة، وظهرت أحياء جديدة بالكامل كمنطقة النوميرات ووادي نشو وسيدي اعباز وغيرها، لكنّ القصور بقيت مأهولة وظلّ أصحابها متمسّكون بها رافضين الخروج منها (عكس ما وقع في كثير من المناطق المجاورة كورقلة وأريغ مثلا).

الصورة  2: نموذج لتوزيع الفضاءات داخل قصر بني يزقن

المصدر: www.opvm.dz

من هنا، برز السؤال الرئيس: فبالرغم من الإرهاق والشيخوخة التي تعاني منها المباني وفضاءات القصر، وبروز مناطق سكنية جديدة بمرافق أفضل خارجا إلاّ أنّ الساكنة متمسّكة بالبقاء فيه. فما هي التمثّلات الكامنة وراء المخيال الاجتماعي والداعية لاستمرارية بقائهم في هذه الحواضر القديمة والحفاظ على وظائفها الأصلية (السكنية والتجارية، والدينية)؟ بمعنى آخر، ما الأسباب التي يتمثّلها سكّان القصور لمساكنهم والتي تجعلهم متمسّكين بالعيش فيها إلى الآن؟...

تتطلّب الإجابة على هذا السؤال معرفة دوافع السكّان نحو الاستقرار في القصور وطريقة سكنهم (الحياة اليومية، والاجتماعية، وعلاقتهم بالمساحات المتوفّرة...). وقد توسّلنا لمعرفة ذلك بالمنهج الكيفي وتقنيتي الملاحظة والمقابلة (القصدية).

 مفاهيم مفتاحية

التراث (الموروث) الحيّ

مواقع التراث نوعان: "التراث الميّت "Dead heritage" والتراث الحيّ "Living heritage". يشير الأوّل للتراث الذي فقد وظيفته التقليدية المتّصلة بالجماعة، وطريقة التعامل معه هي الحفاظ عليه دون أيّ تغيير، وعادة ما يكون تحت تصرّف السلطات. ومعظمها أصبح خاضعاً لحفريّات أثرية. ويشير الثاني بالمقابل، لمواقع التراث الحيّ التي هي على اتصال دائم بالمجتمع، يستخدمها الأفراد في حياتهم اليومية، وطريقة التعامل معها هي محاولة ترميم معظم مبانيها (Tunprawat, 2009). ولا يقتصر ذلك في الحفاظ على الماضي فقط إنّما تكييفه مع سياقات اليوم
(Massey, 2012).

تشارك هذه المهمّة جهات مختلفة من مؤسّسات وأفراد مجتمع وسيّاح، لهذا يحمل التعامل معها تعقيدات جمّة لا مادية فقط إنّما دينية وروحية أيضا (Arkarapotiwong, 2015). تُظهر تجارب الحفظ العالمية أنّ للمحافظة على التراث الحيّ نهجان: تقليدي يركز على الجانب المادي (ICCROM, 2009)، ومعاصر يسعى إلى فهم الماضي لتلبية احتياجات مجتمعات اليوم. معتبراً التراث عملية مستمرّة لا يمكن فصل أبعادها المادية عن اللامادية (Baillie, 2007). لذا يجب التركيز على ثلاثة مبادئ في مناقشة مواقع التراث الحي: استخدام الموقع، العلاقة بين التراث والمجتمعات المحلّية، استمرارية التقاليد والأنشطة المرافقة (Wijesuriya, 2010).

يمكن للمجتمع المحلّي تثمين قيمة التراث الحيّ بشكل أفضل، لأنّ حياته تتأثر بها وتُؤثّر عليها (Mason, 2002). ويتأرجح ذلك بين بعدين. أحدهما إدراكه لفوائد التراث، والثاني للقيود التي تفرضها الاتفاقيات الوطنية أو الدولية (Jimura, 2010). تقترح مقاربةُ التراث الحيّ المنهجَ المجتمعي برنامجا للحفاظ عليه (Kong, 2008). تعني بالتالي كلمة "موقع التراث الحيّ" في هذا البحث كلّ حيّ سكني أو منطقة تاريخية مأهولة ذات قيمة عالمية من حيث البناء الفيزيقي وتقاليد الحياة والمهارات الثقافية المميزة لسكّانها.

 المسكن

المسكن مصطلح من الجغرافيا الفينومينولوجية يعني علاقة الإنسان بالأرض، و"أن تكون إنسانًا - بالنسبة لهيدجر Heidegger - يعني أن تكون بشراً على الأرض، وهذا يعني أن تسكن فيها" ([1952], 2004b, p. 141). ويرى كريستيان نوربرج شولز C. Norberg-Schulz أنّ المسكن: "أكثر من سقف فوق رؤوسنا وعدد من الأمتار المربعة تحت تصرّفنا، فهو أولاً مقابلة الآخرين قصد تبادل المنتجات والأفكار والمشاعر، أي تجربة الحياة باعتبارها كمًّا مختلفاً من الاحتمالات. وهذا يعني، ثانياً التوصّل إلى اتفاق معهم، أي قبول مجموعة من القيم المشتركة..."
(Norberg-Schulz, 1985,p. 7).

وسّع بعض العلماء Lévy & Lussault, 2003)) المفهوم إلى "الفاعلين الفردانيين" باعتباره "التأقلم مع الفضاء" (Stock, 2007)، و"ممارسات الأماكن الخاصة" (de Certeau, 1990). وهذا يعني أنّ أنشطة الفرد وسلوكياته تُحدّد المكان من ناحية، ويُحدد، من ناحية أخرى، المكانُ شاغلَه، و"أفضل طريقة لحماية التراث هي احتلاله، وتعيين وظيفته، ومنحه دورًا في مجتمع اليوم"، فالحفاظ على التراث يعتمد إلى حدّ كبير على قدرة كلّ مجتمع على تعمير أماكن تراثه ومعرفة كيفية التوفيق بين التقليد والحداثة (Gravari-Barbas, 2005, p. 11-13).

الجماعات الهوياتية

طوّر المنظّرون المعاصرون - حديثاً - منظورًا اجتماعيًا واسعا حول الذات في "المجتمع الراهن" (Beck, 1992 ; Giddens, 1991). مؤكدين على أنّ الإحساس بالماضي والحاضر والمستقبل عوامل تطارد عمل الهوية وممارساتها حسب تعبير بلومر (Bauman, 1988, p. 62). فالحديث عن تقاطع الجماعاتي بالهويّاتي يُحيلنا إلى أبعد من ذلك زمنيا، إذ تعيدينا إلى أعمال Ferdinand Tönnies وثنائية "الجماعة والمجتمع" (Tönnies, 1957)، لكنّ هذه المرّة في تواجدهما المتزامن والمتعايش، إذ في ظلّ التزايد المتسارع للحداثي والمعاصر، تقاوم مجتمعات من بقاع مختلفة الذوبان، وتصرّ على الإبقاء على خصوصياتها الحضارية والثقافية متكيّفة مع المجتمع الجديد، لذا فمفهوم "الجماعات الهوياتية" أو المجموعات ذات الثقافة المتميّزة، يفي بالغرض للتعبير عن هذه الحالة اليوم، ذلك أنّ المجتمع الجزائري قائم على الوحدة المتعدّدة أو الهوية ذات الأبعاد المتباينة، والتي يتقاطع فيها حضور الماضي وأمل المستقبل في راهن غير متناقض يشعر أفراده بالتوافقية في أقصى حدودها.

منهجية البحث

قامت الدراسة الميدانية، من خلال أداتي المقابلة والملاحظة، على المنهج الكيفي الذي يسمح بفهم عميق للظواهر والالتزام بآراء المبحوثين بعيداً عن الرقمنة العديدية للحدث (Streubert Speziale & Carpenter, 2007). وتحليل نصّ المقابلات المنجزة (Gbrich, 2013). وفكّ الترميزات والدلالات المقصودة (Elo & Kyngäs, 2008). لبناء تصورّ مستمدّ من البيانات الميدانية أكثر، لا من إسقاط نظريات مسبقة عليه. وبالنظر إلى هدف البحث المتمثّل في معرفة أسباب بقاء الساكنة داخل القصور وتمثّلاتهم لذلك، تمّ تجميع أسئلة المقابلة ضمن عدّة فئات بحثية هي:

  • الفئة الأولى: تقوم على التعرّف على سكّان القصور الحاليين، وتضمّ أسئلة تدور حول تاريخ الأشخاص الذين تمّت مقابلتهم في القصر من جهة والعمر والأسرة والوضع الوظيفي لهم من جهة أخرى.
  • الفئة الثانية: وتستند على معرفة دوافع عيش السكّان في القصور، وبها تمّ طرح أسئلة تتمحور حول سبب اختيار القصر للإقامة أو البقاء فيه، والرغبة أو عدم الرغبة في مغادرة القصر، وتصوّر السكّان تجاه القصر (نقاط القوّة والضعف في القصور، التغيّرات التي حدثت فيه).
  • الفئة الثالثة: ترتكز هذه الفئة على تقييم العيش في القصور، وبها كانت الأسئلة المتعلّقة بالحياة اليومية في القصر، وعلاقات الجوار والروابط الاجتماعية في القصر، ثمّ وضع التراث العمراني والحضري في القصر، وعلاقة السكّان بالتراث العمراني والحضري فيه.

 عن مجتمع البحث

قبل التطرق إلى مجتمع البحث، تجدر الإشارة إلى أنّ الدراسات السابقة عن منطقة مزاب سواء في الفترة الكلونيالية أو جزائر الاستقلال كثيرة جدّا، ومن الصعوبة إحصاؤها كلّية، وقد حاولت عدّة جمعيات علمية ذلك أهمّها جمعية أبي إسحاق بقصر غرداية[4] فعدّت أكثر من ثلاثة آلاف كتاب في حقول عدّة كالهندسة والعمران والاجتماع وغيرها، كما قام باحثون آخرون بالإشارة إلى مداخل أساسية لدراسة مزاب (خواجة، 2017، ص. 215). لذا من غير الممكن عرضها بأكملها بخاصة أنّ موضوعنا تتقاطع حوله عدّة مجالات اهتمام، ولا نعلم عملا سابقا تناول تصوّرات ساكنة القصور بمزاب عن ذواتهم وواقع معيشهم فيها.  

أحصت ولاية غرداية 862 467 نسمة سنة 2018 بزيادة تقدّر حوالي 28.7% (ONS. dz) ، واستفادت من مشاريع سكنية متعدّدة خارج البناء الذاتي، فقد كانت حصّتها (دوما حسب ONS) سنة 2015 تقدر بـ 746 3 سكنا، وسنة 2016 بـ 030 5، ليرتفع سنة 2017 إلى 916 9 سكنا بزيادة تقدر بحوالي 38% وهذا يعكس تناسبا كبيرا بين الزيادة السكّانية وتوزيع السكنات. وبالرغم من كلّ هذا التوسّع الذي شمل الامتداد نحو مدينة بريان (بوهراة، واد نشو...) ومتليلي (قار الطعم، النوميرات، المنطقة العلمية...) والذي بلغ -كما مرّ- أكثر من 08 مرات منذ الاستقلال، لم يمنع السكّان من الخروج من قصورهم القديمة التي حافظت على أهلها منذ القدم.

من الصعوبة بمكان تحديد مجتمع البحث أو سكّان القصور بدقّة ، كون هذه الأخيرة تندرج ضمن بلديات أوسع ونسيج عمراني وحضري ممتدّ، فالبلديات لا تملك أرقاماً عن أحياء محدّدة إنّما عن تراب البلدية كلّه ما يعيق المعرفة الإحصائية لهذا المجتمع، أمّا من الناحية التاريخية فأوّل إحصاء تمّ في الفترة الكلونيالية كان سنة 1883 (C. Amat, p. 225) الذي قدّر عدد السكان المزابيين (القاطنيين في القصور لأنّ السكن خارج القصور لدى المزابيين لم يبدأ إلا بعد استقلال الجزائر 1962) بـ 001 31 ساكن (من 537 32 ساكن بمزاب أي 95.2%)، لينخفظ سنة 1896 إلى 224 21 مزابي (من 254 25 أي 84%)، ويرتفع سنة 1926 إلى 440 22 مزابي (من 977 29 ساكن بمزاب أي 74.8%)، وسنة 1931 (Cahiers d'Outre-Mer, 89, p. 54) إلى 394 22 (من 146 30 أي 74.2%)، أمّا إحصائيات 1954 و1960 فلا تفرّق بين الجماعات الإثنية في مزاب، وكان التقسيم دينيا (مسلمون وغير مسلمين) ممّا يصعب معه الجزم في العدد الحقيقي لسكّان القصور. ومن الواضح جدّا أنّ تناقص حجم سكان القصور عبر الزمن تزايد بقوّة مع قدوم مجموعات مختلفة للمنطقة، لكن أيضا مع الامتداد العمراني الذي بدأ مع المخطط الجهوي لتهيئة التجمع العمراني لغرداية بموجب قرار الوزير المنتدب يوم 12 سبتمبر 1959 والذي تبعه مخطط 30 أفريل 1962، دون الحديث عن المخططات المتتالية لفترة الاستقلال.

ولعلّ أقرب مصدر في الوقت الحالي يمكن من خلاله ملامسة واقع القصور هو ديوان حماية سهل وادي مزاب OPVM، فالخرائط التي يوفّرها تبيّن أنّ معدّل السكنات في القصر الواحد حوالي 1500منزل (تزيد وتنقص حسب القصور)، ومعدّل عدد أفراد الأسرة المزابية الواحدة حوالي 07، بذلك يكون عدد سكّان القصر الواحد حوالي 500 10 ساكن، ما يجعل من عدد جميع سكان القصور السبع مجتمعة حوالي 500 73 ساكن (وهو ما يمثّل 15.7% من سكّان الولاية)، اخترنا منها ثلاثة قصور هي: غرداية، بني يسجن ومليكة وعدد سكّانها حوالي 500 31 ساكن.

الواقع العمراني للقصور مرّ بمراحل مختلفة قد تحتاج إلى عمل قائم بذاته لا يسعه هذا البحث، لكنّ الأكيد أنّ أسوأ حالاتها كان نهاية الثمانينيات من القرن الماضي في ظلّ الحزب الواحد الذي طالما اعتقد أنّ الموروث التراثي رجعي لا يستحقّ الاهتمام، لكن بداية الانتعاش انطلقت مع النصف الثاني من تسعينيات القرن نفسه في غضون الاحتفال بألفية العطف سنة 1996[5] وترميم الكثير من المعالم التاريخية على رأسها القصور والآبار والأبراج وخُصص لذلك غلاف مالي مهمّ، وتوسّعت العملية أيضا في إطار صندوق الجنوب بين سنتي 1999 و2004 خاصة[6]، لتشهد بعد ذلك تعثرات مختلفة نتيجة توزيع المهمّة بين قطاعات متباينة (البلدية، قطاع الثقافة، مديرية السكن، ديوان حماية سهل مزاب...). توقُّف هذه العملية أو بالأحرى تباطُؤُها وعدم انتظاميتها جعل القصور في حالة مهترئة جدّا سواء ما تعلّق بواجهة المنازل وحالة الشوارع أو ما ارتبط بالوضعية الداخلية للسكنات من تشققات وتسرّب للمياه وغيرها.

أُجريت مقابلات هذه الدراسة الميدانية في الفترة الممتدة بين 23 جانفي إلى 20 فيفري 2019 واستغرقت كلُّ مقابلة حوالي 30 دقيقة في المتوسط. ولأنّ العيّنة شبه قصدية (اختيار أيّ فرد داخل السوق أو مارٍ في أزقة القصور دون تحديد مسبق) فقد تمّ اختيار 40 فرداً من سكّان ثلاث قصور من مزاب (غرداية وبني يسجن ومليكة)، تضمّ 30 رجلاً و10 نساء. والسبب في كون النساء أقلّ عددًا كونهنّ لم يقبلن إجراء المقابلة في كثير من الأحيان. واختيار عمر يتراوح بين 22 و67 سنة كان لقياس مدى الديناميكية الجيلية شريطة أن لا تقلّ مدة سكنه في القصر عن خمس سنوات، كما استغرقت العينة فئات سوسيو-مهنية مختلفة دون التمييز بينها من موظفين وعمّال يوميين أحرار وأساتذة وتجّار.

الصورة 03: تبيّن الوضعية المهترئة لواجهات المنازل داخل القصر