Cahiers Insaniyat


The child, the school and the street like “a play space”: the example of Algeria

The subject of our contribution aims at restoring the context of childhood play, which in Arabic countries and mainly those third world ones, means the street, the “zanka” the “haouma”. Imposed as a fact on public authority, the massive presence of children on the streets transformed to play spaces is the sign of urban policy failure. To these kids on the street are associated misery and poverty. The lack of space in their tiny dwellings is given as the major reason for their presence out of doors.

How can a child appropriate his immediate environment, the street, and what does he find outside institutional socialisation spaces such as family and school? What needs does this massive and almost permanent street occupation meet? How does the child occupy the street? How does he establish management with the other sex when one knows all the educational prohibitions linked to co-education?


 

مقدمة

نحن نعيش في عصر أدت فيه كثافة المبادلات الطوعية و القصرية إلى فرض نماذج مهيمنة على كل المستويات، و بالأخص في مجال اقتصاد السوق و مخططات الإصلاحات الهيكلية. المسألة التي تهمنا في هذا المقام فلتت من اتجاهات "النمذجة"، كون الأمر يتعلق أولا بالمحافظة على بقاء واستمرار الذات، فنحن نتساءل عما إذا كانت المشاكل المرتبطة بصعوبات الاستجابة للمطالب الاجتماعية الكثيرة هي التي أدت، في العديد من الدول إلى فسح مجال الفعل بالنسبة للمجتمع، في حين أن التربية الوطنية نفسها مرتبطة بالسيادة السياسية.

وقد يعود السبب إلى ضعف مستوى التكوين الخاص بالمربّين في مجتمعات العالم الثالث، و غالبا ما يؤدى التأطير النّسوي[2] إلى التقوقع حول انعكاسات و مبادئ التربية الأولية، التقليدية في أساسها، و التي توظف تربية ما قبل المدرسة باعتبارها امتدادا للتربية الأسرية. إذن، كيف يمكن إذن لمجتمع أن يحافظ بقوة، عمّا يعتبره مرتبطًا مباشرة بشخصيته القاعدية: أي تربية لما قبل المدرسة أو مرحلة الطفولة الأولى؟

يؤثر المحيط السوسيو- ثقافي، بعمق في الوضعيات البيداغوجية، التي تتعامل بواسطتها المربية مع الأطفال، كما يلاحظ منذ نهاية الحقبة الاستعمارية ظهور فضاءات مؤسساتية جديدة تتكفل بالطفولة الأولى، إذ أدمجت على طريقتها، مكتسبات التجارب البيداغوجية و العلمية للدول المتطورة و عوضت تلك الفضاءات التقليدية السابقة مثل الكتاتيب[3]. و من هنا نتساءل هل سمح هذا التغيير في فضاءات التكفل بالطفولة الأولى ببروز تصورات و تصرفات جديدة تجاه الطفل؟ مع الإشارة إلى أنّه لا يمكن تجاهل تواجد هذه الفضاءات، المختلفة اجتماعيا مهما كانت أهميتها، حيث أن الأطفال في غالبيتهم، يتواجدون في الشارع، منفلتين بذلك من قواعد الانضباط، و المراقبة المستمرة من طرف الكبار.

فالملاحظ أن الأطفال يكتشفون العلاقة مع الغير، و يشاركون في الألعاب، و يحتلون فعليا، فضاء عاما، غير مهيأ لغالبيتهم منذ السنة الثانية من أعمارهم.

وعندما نتطرّق لموضوع الطفل بين المدرسة و الشارع باعتباره فضاء للعب في الجزائر، نفضل بداية اعتماد المقاربة السوسيو- تاريخية التي تساهم كذلك في فهم مسألة الطفولة في وضعية معينة و في إطار ثقافي محدّد.

يساعدنا التحوّل الملاحظ في هذا الحقل بالاعتماد على أهمية "المدرسة القرآنية" بوصفها مؤسسة تحضيرية في توضيح التمثلات الغالبة لدى الطفل في فهم حاجات الطفولة في الوسط المغاربي.

سنوضح رؤيتنا في الفقرات القادمة محاولين الإجابة على ثلاثة أسئلة هي:

  • ما هي الأشكال التي نظمت التكفل المؤسساتي بالأطفال في سن ما قبل التمدرس في المجتمعات العربية الإسلامية قبل الصدمة الناتجة عن الاستعمار، و ما هو تأثيرها حاليا مقارنة بتأثير المنظومة الرسمية للتمدرس؟
  • ما هي مكانة الطفل في التصورات و الممارسات العائلية و المؤسساتية خصوصًا في الغرب والبلدان المغاربية؟
  • كيف يتملك الطفل محيطه المباشر أي الشارع؟ و ماذا يجد خارج الفضاءات المؤسساتية للتنشئة الاجتماعية باستثناء العائلة و المدرسة؟

.I الطفولة و التربية التحضيرية في المجتمعات العربية الإسلامية و في الجزائر

يبدو أنه من المستحيل فهم وضعيات الدول العربية الإسلامية دون اللجوء إلى التاريخ. كانت الكتاتيب قبل إدخال النماذج الغربية في المرحلة الحديثة الوسيلة الأساسية لتعليم المسلمين. و من بين الأهداف التي كانت ترمي إليها نذكر تكوين المؤمن الحقيقي، و هذا منذ بداية المدّ العربي في الشمال الإفريقي (نهاية القرن السابع). إذ كانت الكتاتيب أو مدارس الأطفال أكثر المؤسسات التربوية أقدمية ذلك أن العلاقة بين الدراسة و الدين علاقة وطيدة، فقد كانت الآيات الأولى التي نزلت على الرّسول صلّى الله عليه و سلّم تمجد العلم و المعرفة و هي:

"اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ و ربّك الأكرم، الذي علّم بالقلم[4]، علّم الإنسان ما لم يعلم"[5].

كما ورد ذلك في الأحاديث النبوية مثل قول الرسول (ص):"أطلب العلم من المهد إلى اللّحد" و"أطلب العلم و لو في الصّين". هذه النصوص الدينية عبارة عن دعوة مباشرة لنشر المعرفة.

وتؤثر دراسة و تعليم القرآن على مكانة المعلم (الفقيه) و علاقته مع الأولياء. فبناء على دراسة أنجزت في المغرب الأقصى، يتقدّم ولي الطفل في فترة التسجيلات في الكُتّاب متوجّها إلى الفقيه بهذه العبارة التقليدية التالية: "هاهو بْنِي راه بْنَك و تَرْبِيْتو راهي ليك أَضَرْبو أَقَتْلو ما عْلِيَ غِير نَدَفْنو"[6].

يعتمد الأولياء على "الفْقيه" في ما يخص تربية الابن على الطاعة. بينما تتردد البنات على "دار الفقيهات" و هي غرفة تخصصها الفقيهات من بيوتهن لتعليم البنات القادمات عادة من الأوساط الغنية. و في المغرب لا زال النظام التقليدي منتشرا، و"تعد المدارس القرآنية حاليا الوسيلة الوحيدة للتعليم بالنسبة للطبقة الفقيرة "[7].

شرع المغرب منذ سنة 1968، في عصرنة المدارس القرآنية، عصرنة ترمي إلى تحقيق ثلاثة أهداف:

  • بيداغوجية: تتمثل في تجديد مؤسسة منهارة.
  • مالية: تتمثل في استعمال عقلاني للهياكل الموجودة.
  • اجتماعية: تتمثل في توجيه غير مخصص فقط للفئات المنحدرة من الأوساط المحرومة.

كان هذا النوع من المدرسة التعليمية موضوع محاولة للتجديد خلال المرحلة الكولونيالية، حيث كلفت لجنة في سنة 1941 "بدراسة تنظيم المواقيت و برامج التعليم الفرنسي- المسلم قصد البحث عن وسائل تعزيز و تحسين تعليم اللغة العربية و التعليم القرآني"[8].

سميت المدرسة القرآنية أو الكتّاب تسمية أخرى هي المسيد، ثم أدخل عليها نظام[9] جديد يسمح بـ 50 % من التوقيت البيداغوجي لنشاط المدرسة و 2 % للرسم و التربية الحسية. و عوضت اللوحات الخشبية المخصصة للتعليم القرآني بلوحات مدرسية. يؤدي الكتّاب عموما في الدول الإسلامية التي بلغت فيها نسبة كبيرة من التمدرس وظيفة تربوية تحضيريةK يغلب فيها حفظ القرآن. و بالنسبة للدول ذات نسبة تمدرس ضعيفة تعوض المدرسة القرآنية المدرسة الابتدائية في التكفل بعدد غير قليل من الأطفال.

يجب اعتبار الاستعمار الحدث الأكبر الذي ميّز المجتمعات المعاصرة حيث سبب لها قطائع عميقة. و من بين البلدان المستعمرة، نجد بلا شك الجزائر التي تكبدت الجزء الكبير منها. و من جرّاء الاستعمار الاستيطاني، كان تفكّك النظام التقليدي شاملا طيلة 132 سنة من الوجود الفرنسي وذلك دون إنهاء هيمنة النظام السوسيو-الاقتصادي الجديد في كل الإقليم.

كانت أهم النتائج الملموسة للرأسمالية الأوروبية المنتصرة بالنسبة للأهالي الفقراء، النزوح الريفي و الأمية لجميع السكان، حيث حرمت أجيال كاملة من التعليم الذي كان يقدم لها سابقا في الفضاءات التربوية التقليدية، فأدت القوانين التي أدخلت على أملاك الحبوس[10] بغرض خوصصتها، إلى تقليص الموارد المادية الضرورية التي كانت تسيّر النظام ما قبل الكولونيالي، فتم تقليص المدارس القرآنية لتكتفي بوظيفة بسيطة.

أصبح تعلم القرآن فعلاً تربويا مركزيا يخدم أساسا تنمية الذاكرة، و قبل كل شيء، الحفاظ على الذات و على الهوية بوصفها الهدف المنشود. وبناء على هذا الهدف يسجل الأطفال ذوي 4 سنوات في المدارس القرآنية. و خلال الفترة الكولونيالية (1830-1962) كان أطفال الأهالي، الذين استفادوا من التمدرس بالمدرسة الفرنسية، يترددون على المدرسة القرآنية بين الساعة السادسة إلى السابعة و نصف صباحا و خلال العطل المدرسية.

كان يضم الكتّاب غالبا أطفالا ذوي أعمار مختلفة في الفضاء نفسه، وعادة ما يحافظ على نظام ومستوى التحصيل الشخصي لكل واحد منهم، و كانت البيداغوجية المستعملة من طرف "الطالب" (الفقيه) تسمح بالمتابعة الفردية في حفظ القرآن. فكانت المدارس القرآنية بمثابة الحضانة بالنسبة للأطفال في السن التحضيري، إضافة إلى أن تموقعها في أحياء المدن و القرى المختلفة كان يسهل التقارب بين العائلات، بل إن "الطالب" قد يتجاوز وظيفته البيداغوجية و التعليمية ليتحول في بعض الأحيان إلى مستشار لدى العائلات في كل مسائل الحياة اليومية (أخلاقية، اجتماعية...).

و قد كان يسيطر داخل الكتّاب مبدأ في التعليم موروث عن المجتمع الجزائري التقليدي، وقد أشار إليه محمد بن شنب بقوله :

"تحفيظ القرآن بالنسبة للأطفال هي دلالة على التقوى التي يقوم بها المسلمون في جميع أحيائهم. يغذي القرآن الأطفال الصغار و ينمي مختلف قدراتهم"[11].

لقد فقد الكتّاب بعد ذلك الكثير من أهميته في المجتمع الجزائري، باعتباره من مخلفات مرحلة القرون الوسطى و مرحلة ما قبل الاستعمار، و كان موجها لمجتمع مختلف عن مجتمعنا الحالي، حيث كان يمنح تعليما تمهيديا و أساسيا في الدين و الأخلاق. و من الوسائل التي كانت تمكّن من تعميم هذا التعليم في نظام مدرسي نجد كل من (المدارس التابعة للحركة الوطنية، الزوايا،            و الجامعات) حيث كانت تدرس فيها أصول الدين و الفقه و كذلك الآداب، والتاريخ، والمنطق، والفلسفة، والرياضيات، وعلم الفلك، والطب، و كل المعارف الموروثة عن الفترة اليونانية و عن الحضارة العربية الإسلامية.

و مع مرور الوقت، تغيّر العالم، و استطاع النظام المدرسي العصري إيصال جملة من المعلومات بشكل أكثر نجاعة، باستخدام قواعد و طرائق عصرية في التعليم لا تتماشى مع الطريقة السكولاستيكية التي تعتمد على الحفظ و السرد. فقد تطور التصور الذي كان سائدا عن تربية الطفولة الصغرى (دور الحضانة، مدارس تحضيرية...) بشكل كبير في أنحاء العالم[12].

و خلافا للدول المغاربية الأخرى، لم تكن المدرسة القرآنية في الجزائر موضوع اهتمام خاص بالنسبة للسلطات، لاسيما وزارة الشؤون الدينية المكلفة بتسيير أماكن العبادة. فحاولت كل من وزارة التربية الوطنية بأقسامها التحضيرية الموجودة في بعض المدارس الابتدائية و المؤسسات الاقتصادية الكبرى (النفط و الحديد) إضافة إلى مؤسسات أخرى (لفائدة عمالها)، وضع أنظمة تعليمية بدور تحضيرية و تكميلية[13] ذات خمسة أهداف:

  • تفتح الطفل جسديا
  • تربية حسية و تربية فنية
  • إيقاظ الفضول الفكري
  • اكتساب سلوكات ملائمة (تنشئة اجتماعية، والعمل وداخل أفواج، وبذل الجهد، واحترام الآخرين)
  • التحضير للدخول إلى المدرسة الأساسية.

تبدو سياسة الطفولة الصغرى، مدمجة في إستراتيجية شاملة للتمدرس في البلاد، إذ منذ الاستقلال (جويلية 1962)، اعتمدت الجزائر سياسة شاملة للتمدرس تقوم أساسا على الشبكات المدرسية و البرامج التعليمية التي وضعتها فرنسا مع بعض التعديلات.

لقد ساعد التوجه الاشتراكي للحكومة الجزائرية في سنوات السبعينيات و الذي ارتبط بمداخيل مالية معتبرة ناتجة عن المحروقات إلى تعميم التمدرس. إنّ الضغط الديموغرافي[14] الكبير و الأزمة الاقتصادية التي شهدتها البلاد مع منتصف الثمانينات، إضافة إلى الضعف البيداغوجي[15]، كلها عوامل حدت من إمكانيات تعميم التمدرس و أدت إلى غلق الكثير من الأقسام التحضيرية التي كانت مفتوحة أمام الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الست سنوات.

و لم تستطع كل من الأقسام التحضيرية المفتوحة، مؤسسة الحضانة الخاصة و الكتاتيب الموجودة التكفل إلا بفئة قليلة من الأطفال في السن السادسة. في حين كان الأطفال المتمدرسون في المدرسة الأساسية الإجبارية(9 سنوات)، يعانون الاكتظاض في أقسام ذات نظام الدوام لمرتين أو ثلاث، الأمر الذي جعلهم يمارسون عدة نشاطات في الشارع. و قبل التطرق لمسألة الأطفال في الشارع، سنعالج مشكل الطفولة من خلال التمثلات الاجتماعية.

.II الطفولة و التمثلات الاجتماعية

بيّن كل من كلود شامبرودون (Claude Chamboredon) وجون بريفو (Jean Prevot)[16] العلاقة بين التمثلات الجديدة للطفولة و النشاط النسوي حسب حالة فرنسا، أما بالنسبة لواقعنا، فإننا نلاحظ رفع مستوى الطموحات النسوية من جهة، و من جهة أخرى ضرورة التمدرس المبكر بالنسبة للطفل. أما بالنسبة للأمهات الماكثات في البيت، فلم تقمن بتسجيل أبنائهن في المدارس التحضيرية بشكل قوي[17].

و في كثير من الأحيان، عندما تعمل المرأة خارج البيت، فإنها تلجأ إلى الجَدَّة لحضانة الأطفال، و يبدو أن الطفل أصبح مجهول الهوية لأن القواعد الاجتماعية أصبحت بدون فعالية مقارنة بما كانت عليه في السابق، و يرجع هذا الأمر إلى التغيرات الجذرية التي حدثت. يلعب كل من التلفزيون و الفضائيات المختلفة في الجزائر دورا كبيرا في هذه التغيرات. و هكذا أصبح الأطفال أكثر اطلاعا و أكثر مطالبة مما جعل الآباء يعجزون عن السيطرة عليهم.

"يمتلك الطفل في إطار الأسرة القواعد و القيم و يكيف سلوكاته وفق مختلف النشاطات المثمنة وذلك بالرغم من الاختلافات العميقة للطبقات الاجتماعية المنتمية للمدرسة التحضيرية و المرتبطة بهذا النوع من التنشئة الاجتماعية الابتدائية التي تمارس خارجها[18].

تتمحور تربية الأطفال في إطار ثلاثة كلمات مفتاحية : الحرام، "الحشومة" و "العيب"، بحيث يشكل الممنوع نواة لثلاث وظائف :

  • وظيفة دينية ترتبط بكلمة "حرام".
  • وظيفة اجتماعية ترتبط بكلمة "حشومة".
  • وظيفة أخلاقية ترتبط بكلمة "عيب".

و تشكل هذه المتغيرات الثلاثة، المراجع الأساسية للمجتمع. و مهما كان الوسط الاجتماعي والثقافي (محافظا أو متفتحا)، فإن لكل الأفعال علاقة مع التجارب الخاصّّة. و يرتبط التغير في سلوك الأسرة ذات المستوى الثقافي العالي تجاه أطفالها، بقلة عدد مواليدها.

نلاحظ أن الحاجة للحضانة و المواظبة تبرز بشكل جلي لدى العائلات التي تسكن في الأحياء الشعبية و هذا راجع من جهة لضيق المسكن، و من جهة أخرى لوجود ضرورة في التربية التحضيرية من خلال تمثلات الأولياء، مما سيجنبها المسؤولية تجاه تربية طفلها، و عكس ذلك، فإنها تبدو منشغلة بتربية طفلها، لأنه عوض أن تترك الأم طفلها في الشارع، فإنها تضعه في المدرسة التحضيرية مما يمكنّها من أخذ قسط من الراحة والتفرغ لأشغالها المنزلية بدون أن تتساءل عن مصير ابنها.

إذن، يمكن للمرأة "المطمئنة" و "المرتاحة" نفسيا، أن تتفرغ لوظيفتها الاجتماعية: سيدة بيت قبل كل شيء "شادة دارها". يعكس العرض المؤسساتي عموميا كان أو خاصًا، و المختلف من حيث الإستراتيجيات التربوية (روضة الأطفال، مدرسة تحضيرية، قسم تحضيري) نوعًا من الطلب الاجتماعي و لا سيما فيما يخص الوظيفة المهيمنة على المؤسسة التي يتردد عليها الأطفال[19] (كتّاب، أخلاق، انضباط، تذكر).

لم تفقد وظيفة التهذيب التي أدت إلى تمدرس الطفل في التحضيري من فعاليتها ولكنّها أكتسبت تعلما في السيطرة على الذات و طاعة الكبار. و يصبح الاستثمار كبيرا لدى الأولياء المنحدرين من الأوساط الاجتماعية و الثقافية المزرية حيث يعتبرون أنفسهم قد فقدوا في مرحلة ما السلطة الأبوية، مما جعلهم يعتمدون على المدرسة قصد استرجاع سلطتهم المفقودة من خلال إبراز و تثمين القيم التقليدية للطاعة بدون مناقشة، و احترام الكبار دون تفكير. "و هكذا و بواسطة العقوبات الموجهة، لا يستطيع الطفل في الوسط التقليدي العبور إلى السن التساؤلي"[20]. يؤثر المحيط على سلوك الطفل بواسطة النواة الأسرية و التفاعلات التي تحدث من خلالها، في حين أن التكفل المؤسساتي بالطفولة الصغرى، يمكنه أن يعكس التطورات التاريخية المتعلقة بمكانة الطفل.  و سيساعدنا مدخل سريع في هذا التاريخ المعاش ضمن المجال الأوربي على فهم أحسن لتجربتنا الخاصة.

مند زمن طويل، كانت تتم تربية الأطفال بوجود الكبار عوض مدرسة التعلم بوصفها وسيلة معممة للتربية مع نهاية القرن السابع عشر، أو ما نسميه "بالتمدرس"، حيث تمّ فصل الأطفال عن الكبار في أماكن خاصة للتعليم.

و كما عرّفت، تعتبر هذه الظاهرة حديثة النشأة. "و هكذا بدأت سيرورة طويلة من الغلق على الأطفال بوصفهم (مجانين، فقراء، مومسات) ما فتئت تنتشر إلى يومنا هذا و أصبحنا نسميها تمدرسا"[21].

يعترف المؤرخون باللامبالاة المتأخرة تجاه الأطفال (إصرار على قتل الأطفال المسموح به مع نهاية القرن الثامن عشر) و بغياب الإشارة إلى مختلف الأعمار. كان الأطفال الممثلين في اللوحات القديمة يرتدون ألبسة مثل الكبار (بذلة وقبعة...). و كانت الأعمار مختلطة في مدارس القرون الوسطى. وابتداء من القرن الخامس عشر، أخذ القسم المدرسي طابع قسم عمري. و بطريقة سطحية، إذا أردنا وضع خطوط فاصلة لدى المنظرين الذين ساهموا في التفكير البيداغوجي سنشير إلى ما يلي:

  • الفاصلة الأولى: المتعلقة بالأهداف التعليمية
    • اختيار المادة التكوينية للفكر "رأس مكوّنة" Tête bien faite
    • استيعاب كلي للعلم و الثقافة "رأس مملوءة" Tête bien pleine
  • الفاصلة الثانية: منتوج لأول منهاج للتعليم.

 -  الانطلاق من التجربة، الممارسة و الملاحظة.

- الانطلاق من المعرفة النظرية.

3- الفاصلة الثالثة: متضمنة الفاصلة الأولى بوصفها حكما مسبقا

- يتمتع الطفل بخصوصيات فردية في نمو مستمر

- يعتبر الطفل رجلا صغيرا، ذو معايير موجودة لدى الكبار.

و باعتباره رجلا صغيرا، لا فردانيا حيث المرجع الأساسي بالنسبة له هو الكبير. فإن للطفل مكانة غير مثمنة. "اعتبر في العصر القديم كل من العبيد، السود المستعمرين، الخدم، الشعب والنساء مثل الأطفال و ينظر إليهم بوصفهم أطفالا"[22].

في العصر الإغريقي–الروماني القديم، كان العبيد يكلفون بتربية الأطفال. كان العبد هو من يتكفل بالطفل و هو في اتصال مباشر معه، إنّه نوع من التكرار حيث تكمن مهمته في مرافقة الطفل من البيت إلى المدرسة و تلقينه حفظ الدروس اليومية. و منذ زمن طويل، كانت العقوبات الجسدية موجهة للأطفال و العبيد على حد سواء. حسب أفلاطون "لا يمكن للأطفال الاستغناء عن الأشخاص الذين يقتادونهم مثلما لا يمكن للعبيد الاستغناء عن أسيادهم"[23]. و من مبررات الاستعمار في إفريقيا، قيل أن السود يعتبرون كأطفال.

يقول أحد المبشرين: "إن أحسن تعريف للأسود هو أنه طفل و يبقى كذلك مهما شاب شعره"[24]. إن قلة الذكاء، الانفعالية، العدوانية، سلوك طفولي و متقلب، لا مبالاة و لا مسؤولية، كسل تجاه العمل، تشكل كلّها صفات أساسية يشترك فيها كل من العبد و الطفل. و هناك صنف آخر يتمثل في الخدم، حيث أن لديهم الميزة نفسها. صدر مرسوم في 1810 يمنع في فرنسا الباعة من شراء "الأطفال ذوي عائلات أو خدم بدون موافقة كتابية من طرف الأب أو السيد"[25].

و بما أن الطفل يسكن في منزل الآخرين فإنه يخضع لسلطتهم: "يجد الخدم (من خلال أسيادهم) أبا رحيما و عطوفا... فكان لهم أبا"[26]. هناك حذر و شك تجاه الخدام و العبيد، أليس هذا تناقضا مع دورهم الهام في تربية الأطفال ؟ أليس الهدف كما يشر إليه سنيدرز  Snydersبأن يوضع الطفل في جو يتميز بالطاعة.

يتمثل الشعب ببساطته و مزاياه بالطفل الذي لا نهتم برغباته لأنه غير ناضج. فلقد أعيد النظر في النزعة الأبوية عندما ظهرت منظمات عمالية تطرح المشاكل بشكل مستقل. و لقد تم مقارنة المرأة بالطفل لأنها غير قادرة على مواجهة صعوبات الحياة نظرا لضعفها الجسدي و العقلي.

و حسب كوندياك Condillac: "كل شخص عاجز عن معالجة الأمور الجدية يعتبر طفلا و معظم النساء يعتبرن أطفالا-شيوخا"[27]. المرأة بوصفها سريعة التأثر، غير ناضجة، طائشة تشترك مع الطفل في كل هذه النقائص. لقد وضع قانون نابليون "المرأة تحت الوصاية و اعتبرها قاصرة مثل الطفل"[28].

و هكذا يحمل الطفل سمات الطبقات المحرومة و عدم النضج الذي هو في أمس الحاجة إلى علاقة السلطة. و بالنسبة للحدث البيولوجي التاريخي، تعتبر سلالة الإنسان صنفا يستعمل اللغة الشفوية[29] حيث اكتساب اللغة عبارة عن نتيجة انتقاء طبيعي الذي حدث خلال ملايين السنين. و تمثل اللغة الشفوية النشاط الذي من خلاله يتواصل الإنسان مع الغير.

وفي المجتمعات بدون كتابة، تعتمد المحافظة على الثقافة في الخطاب المحتفظ به في الذاكرة.  تمتد أبعاد التخزين من الإلقاء البسيط إلى الأسطورة المعمقة و الملحمة الطويلة مرورا بالنشيد المعتاد. يتمكن الطفل شيئا فشيئا من ممارسة و استعمال اللغة "إما بفصل أو إبعاد الأولياء، أو بتناول الوجبات الغذائية[30] برفقة الأب في الأوساط اليسيرة. يعتبر تردد الأطفال على أوساط الكبار من خلال ممارساتهم الشفوية و الاجتماعية الوسيلة الوحيدة لاندماجهم في هذه المجتمعات.

و في هذا السياق يملك الشاعر، النبي و الحكيم سلطة خاصة. إذ ترتبط هذه السلطة بدرجة التحكم في استعمال الكلام. فيصبح حضور الأب غير ضروري عند تعلم الطفل الكتابة.

إذا قام المؤرخون بتحديد ظهور الكتابة في القرن 4 ق.م (حسب المخطوطات الأولى المكتشفة في بلاد الرافدين من طرف السومريين)، فإن انتشارها خضع لسيرورة جد طويلة. و قد عرفت المجتمعات الشرقية القديمة الكتابة في شكلها الإيديوغرافي (الهيروغليفية المصرية)، و تعقيد نظامها هذا جعل التحكم فيها صعبًا حيث لم يتمكن منها في البداية سوى المختصون في الكتابة. اعتمدت الكتابة الأولى للأبجدية الفينيقية على حروف يونانية ودون شك على حروف عربية جدّ بسيطة، كسرت سيطرة الكهنة في استعمال الكتابة (القرن السابع ق.م، في اليونان). و تعتبر الكتابة الأبجدية الشرط الأول في بروز المدرسة.

يتحدث أفلاطون عن هوميروس بالمعنى الكامل للكلمة و يصفه بمربي اليونان، حيث يبقى القاعدة الأساسية لكل ممارسة بيداغوجية كلاسيكية. ينصح بيلي Pelée ابنه أشيل Achille: "بأن تكون دائما الأحسن، و أن تبقى في درجة أعلى عن الآخرين". يتم تحضير الطفل لنمط معين من الحياة مثل (استعمال الأسلحة، الألعاب البطولية، الفنون الموسيقية و اللغوية و حسن التصرف...) و يهيأ لفكرة مثالية معينة متعلقة بالوجود، نوع مثالي للرجل المُراد تكوينه. لم يهتم الرومان مثل الإغريق بالطفل و لا حتى بالمراهق. كان هدف التربية هو تكوين الرجل الراشد. و لم يعتبر الطفل طفلا ذا شخصية خاصة به، إنه رجل صغير يجب مرافقته بأنجع الوسائل إلى غاية سن البلوغ.

كان الأطفال الوحيدون الذين يثيرون اهتمام الناس، هم أولائك الذين كان لديهم تفكير مبكر يشبه تفكير الكبار. يقول توبي Tobie المسيحي في كتابه[31]: "كان أصغرهم ولكن لم يتصرف أبدًا مثل الطفل". إضافة الى الجهل السيكولوجي للأطفال الموروث عن العصر القديم، نذكر تشاؤم القديس أوغسطين و أتباعه الذين يعتبرون أن كل أفعال الطفل تشير إلى الخطيئة الأصلية. و منذ ميلاد الطفل، تحركه القوة الشريرة، و تصفه ب: المتقلب، والمغرور، والكسول، واللص، لأنه منذ البداية، تركت الخطيئة الأصلية أثرها فيه.

تبرر كتب القرون الوسطى استعمال القوة منهجا، لأن "الجنون مرتبط بقلب الطفل، و إبعاد هذا الأخير، يمر عن طريق الصرامة". "العصا و العقاب تنتج عنهما الحكمة، و يعتبر التخلي عن الانضباط عيب  و عار بالنسبة للأم"[32].

ترمي التربية الإسلامية الناتجة عن الطموح الإنساني نحو التربية الشاملة إلى تكوين أخلاقي. إن انتشار الإسلام في المناطق الواسعة و المتنوعة اجتماعيا و ثقافيا يؤدي إلى التأمل الفكر، التكيف وتقنين الفقه (التشريع الإسلامي) من طرف علماء الدين، إذ يأخذ التفكير الاجتماعي مصادره من المجال الديني.

وسيسمح كل من "وجود فئة من التجار لهم علاقة مع العالم المعروف في ذلك العصر، حياة ثقافية كثيفة و الإرث القديم (حيث كانت الإسكندرية أول مركز كبير مع بيزنطة)، من تحقيق حركية ثقافية ستبرز من خلالها مدينتا بغداد و قرطبة"[33]. و رغم أن مسألة تقييم مراحل الأعمار كانت لها مكانة كبيرة في الأدب العربي في القرون الوسطى و خاصة عند الفقهاء، إلا أنه لم يظهر تحسّن في مكانة الطفل"[34]. و حسب حديث للرسول (ص) "علموه سبعًا، و ربوه سبعا، و صاحبوه سبعًا، ثم أرمي الحبل على قضيه". "إذا كان الفكر السكولاستيكي قد قام بإعداد النظام المدرسي، و أنتج في عدة ميادين طريقة من أجل تنمية المعرفة، فإن عصر النهضة يمثل مرحلة إنتاج المثال البيداغوجي"[35].

شغلت التربية باعتبارها موضوعا اجتماعيا هاما، منذ زمن طويل، اهتمام الفلاسفة، المفكرين والسلطات العمومية. و كان التعليم موجها لذوي الامتيازات مستثنيا طبقة العبيد و الخدم. و الأمر الثابت في هذه المرحلة التاريخية هو تجاهل الطفل، الذي من خلال تربيته، يتم اقتراح نموذج مثالي للرجل المراد التوصل إليه.

سيساهم كل من الاستقرار السياسي و تراكم الثروات في تنمية المؤسسات التربوية و خاصة مع ظهور انشغالات جديدة: ضرورة المعرفة المعمقة لعلم نفس الطفل و ملائمة البيداغوجية مع قدرات التلميذ. و للمرة الأولى في القرن الثامن عشر، أخذت تربية البنات بعين الاعتبار (على الأقل لدى الأرستقراطية) بينما كانت مدرسة القرون الوسطى مخصصة لعدد قليل من رجال الدين. سيعرف القرن السابع و الثامن عشر تطورا شاملا لمحو الأمية، حيث اعتبر الإصلاحيون في مجال الدين جهل الطبقات السفلى أحد أسباب الطيش و التمسك بالشعوذة و الرذائل. و هكذا ظهرت بعض الأفكار من ذلك ما جاء به جون جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau): "لم نعرف قط الطفولة بالأفكار الخاطئة التي كوناها عنها. كلما تقدمنا في الفهم كلما تهنا"[36]. و يؤكد نفس المتحدث على أن البيداغوجيا ما هي إلا امتداد لقوانين علم نفس الطفل.

تشكل حركة المدارس الجديدة طابعا عالميا: نجد في الولايات المتحدة الأمريكية )ديوي (Dewey و في سويسرا )فيريار Ferrière) و في ايطاليا )مونتيسوري Montessorie) و في بلجيكا )دكلوري(Decroly  و في فرنسا )فريني (Freinet . فالطفل ليس شخصا غير كامل أو عاجز أو ناقص، يتعلق الأمر بإرجاع الكرامة للطفولة و التأكيد على وجوديتها و الدعوة إلى الإبداع. 

هذا يعني "ربط المعرفة باحتياجات الطفل، حول المسائل التي يطرحها، و إقامة علاقة مع تطلعاته و عمله، و الاستجابة لرغباته"[37]. يأخذ العمل الجماعي بوصفه مكانا للتبادل في التربية الجديدة دورا بالدرجة الأولى. يبيّن سنايدز Snyders حدود هذه الاقتراحات: "التربية الجديدة بوصفها جهدا للانتقاء مع مصالح و حياة الطفل و لكن أيضا كمحاولة للتخلي عن النماذج التربوية".

لقد فقد عالم الكبار قيمته، يقول فريني Freinet: "لا تمنح الحضارة سوى الأعراف و ملذات وهمية"، و تعتبر الطفولة تكاملا و سعادة، بدون تدخل خارجي، و من خلال تعلم عشوائي، لا مُوَجّه، يقول كوزيني Cousinet في هذا السياق:"إذا كان صحيحًا، أن الطفل الصغير قادر على المشي دون أن يتلقى أي تعليم، فهل يمكن كذلك أن يحل معادلة جبرية بمفرده؟".سيتكوّن التلاميذ من تجارب الحياة بدون الاحتكاك مع الحياة الملوثة، و سيشكلون مجتمعات صغيرة محافظة.

و من جهة أخرى، يؤكد سنايدرز Snyders على أن الفضاء البيداغوجي الذي يعتمد على النماذج مكتوب عليه الفقر و عدم الإستقرار[38]. يطرح جون ماري دولاري Jean-Marie Delarue و هو مستشار دولة بفرنسا، سؤالا عن مكانة التنشئة الاجتماعية المجانية، و المدفوعة الأجر من أجل تحقيق حياة جماعية، فيجيب قائلا: "عندما تطغى المجانية، فإن الحصة الاجتماعية لوجود الطفل في الشارع هي المرجحة"[39]. و هذا ما نلاحظه في جميع دول العالم الثالث.

ألا يعدّ التواجد المكثف للأطفال في الشارع شكلا من أشكال فرض وجودهم بدل أن نعدّ ذلك جنوحا أو مرضا و نحسب عدد الأطفال المتمدرسين الذين يتمّ علاجهم؟

و باعتبارها موضوع انشغال، يفرض استعمال الفضاءات تكفلا متنوعا حسب الطلب.

الطفل و الشارع بوصفه فضاء للعب

عرفت المدن الجزائرية على غرار العديد من مدن الدول النامية نزوحًا ريفيا واسعا لأنها شكلت قطبا يجلب كثافة سكانية كبيرة.

و أمام هذا النزوح الريفي، أصبحت المدن تواجه نسبة كبيرة من احتلال الفضاء الذي يصعب تسييره. و تؤثر كل من وتيرة انجاز المشاريع السكانية و الضغط الديموغرافي على المشهد العمراني بشكل كبير. و تتمثل الخصوصية المهيمنة على الفضاءات الجديدة المبنية في العراء و في غياب تهيئة الخدمات.

و ستدفع أزمة السكن العائلات لكي تشغل سكنات تشبه حالة الورشات. تعكس المكانة الممنوحة للطفل في الحيز المسكون وضعيته داخل الأسرة. و يبرر ضيق السكن بعدد أفراد العائلة عدم وجود غرفة فردية مخصصة للطفل. و لا نجد سوى التمييز بين الجنسين، الأمر الذي يبرر استعمال غرفتين حين وجودها. و عندما تكون هناك غرفة إضافية، فإنها تخصص للضيوف و تبقى مغلقة كي تستعمل في أي وقت حتى تتجنب المرأة انتقادات حول ترتيب البيت، فالترتيب و النظافة مبدءان أساسيان في تنظيمه ذلك أنّهما يظهران سيّدة البيت في صورة حسنة.

يسمى الشارع في هذا السياق "زنقة" و معناها ذلك الفضاء المجاور العمومي و اللامسكون واللامبني. الزنقة هي مكان للمرور، اللعب و التوقف. تستعمل فئتان أساسيتان الزنقة مكانا مفضلا للّعب و التوقف و هما: الأطفال و الشباب. ما دمنا، نعرف أن %75 من سكان الجزائر هم شباب، إذ تتراوح أعمارهم ما بين (0 و 25 سنة)[40] فإننا نعتقد بسهولة نسبة تواجدهم في الشارع. و تشكل التمثلات السائدة لدى هذه الفئة في الفكرة التالية: "نفعل ما نشاء في الشارع". و في كثير من الأحيان، عندما توبخ الأمهات أطفالهن، يستعملن العبارة التالية:

"حسبت راسك في الزنقة ؟" أي " أظننت نفسك في الشارع؟"

يُعبّر الأطفال عن فكرة حرية التعرّف في أحياء مختلفة: أحياء فقيرة حيث تتمركز عدة عمارات أو أحياء غنية ذات سكنات فردية، لذا فإن لدى الشباب و الأطفال ممارسة تملّك الزنقة نفسها.  

وفي هذا الإطار، تطرح عدة أفكار مسبقة نفسها، و لذا يعتبر الباحث الشارع "المكان المفضل للطفل بدون مأوى، الذي يتردد عليه يوميا بعد أوقات الدراسة أو الحضانة"[41]. يلعب الشارع دور قوة محركة لسيرورة التنشئة الاجتماعية للأطفال مما يمكنهم على المستويين الجسدي و الحس-حركي من تجريب الحركات و الإشارات المرغوب فيها، و يشكّل تواجد مختلف الأعمار و الطبقات الاجتماعية و الجنسية معطى أساسيا ملموسا في الدول النامية.

نجد تمثل الأطفال في الشارع من خلال صورة البؤس و الفقر. يعتبر ضيق السكن سببا رئيسيا في "طرد الطفل إلى الشارع"[42]. كما نشير هنا إلى إهمال الأم التي تعتبر المسؤولة الأولى، حيث تمنح هذه الفكرة حكما مسبقا يتوافق بشكل كبير مع الهيئتين المتمثلتين في العائلة و المدرسة، و تلقي نظرة سلبية تجاه تواجد الأطفال في الشارع.

بناء على هذا الرأي، هل يمكن القول أن ما ينقص "الشارع"، ليس هذا الجو من الطاعة الذي يخضع له الطفل ضمن هاتين المؤسستين كما سبق و أن رأيناه؟ إلى أي متطلّب إذن يستجيب هذا الاشتغال المكثف و شبه المستمر للشارع؟ كيف يشغل الطفل الشارع؟ كيف يتم التعامل مع الجنس الآخر حينما ندرك كل الممنوعات التربوية المرتبطة بالاختلاط ؟

إن الملاحظة التي تم تسجيلها على مختلف مجموعات الأطفال في أحياء مختلفة اجتماعيا خلال سنة 1993-1994 في وهران (الجزائر)، هي بمثابة دعامة لملاحظاتنا.

و من خلال عدم الأخذ بعين الاعتبار المعطيات التي يقدمها المخططون حيث يعتبرون الأطفال أشياء يتم ترتيبها ضمن فصول متعلقة بالديموغرافيا، التمدرس و الصحة، و في الوقت نفسه يفقدون للزنقة هويتها الأولى باعتبارها فضاء للتنقل. ينجح الأطفال في فرض تواجدهم في مجتمع مغاير عوض أرقام للتمدرس أو للعلاج. و تعتبر أيضا تعبيرا عن الرفض للتكفل الشمولي و التأطير الدائم، والاشتغال المكثف للزنقة من طرف الأطفال يخضع لمتطلبين اثنين:

  • البحث عن الحرية لدى الأطفال.
  • الراحة و الطمأنينة لدى الوالدين.

تشكل كل من الحرية في التصرف، والركض، والقفز، والصياح و الشجار مطلبا ملازما لدى جميع الأطفال الذين تم مساءلتهم من 5 سنوات إلى 13 سنة،   "أفعل ما أريد و لا أحد يهتم بي".

و أمام مجتمع تحركه القيم المنظمة و الانضباطية التي تسود في الأسرة و المدرسة، فإن الأطفال يجيبون من خلال استغلالهم لفضاء آخر، ألا و هو الشارع.

يتردد الأطفال على الشارع مهما كان رأي الأم، فحسب تحقيق ميداني[43] أجري على 30 أستاذة و ربة عائلة، وجدنا أن أكثر من النصف  %59.3  يعلن أنهن لم يتركن أولادهن يلعبون في الشارع، و ينظر إلى هذا الأخير باعتباره فضاء خطيرا على الصعيد الجسماني (حادث) و على المستوى المعنوي مثل: (عدم انضباط، قليل التربية، كثير الحرية). يؤثر الشارع على العلاقة بين الأم والطفل في تركيبتها السلطوية. و يساعد الطفل للتهرب من المواجهة الذاتية و ذلك من خلال فتح آفاق العلاقات المتبادلة مع الآخرين.

و في العائلات التقليدية، ليس للطفل الحق عموما في إدخال أطفال آخرين (غريب) "براني" في المسكن العائلي، حيث أن احتمال إفشاء السر كبير، و أنّ سيدة البيت تعتقد أن الزائر الطفل سيخبر أمه عما شاهده و تذوقه. و جدير بالذكر في هذه المرحلة أن الطفل ينتقل من "ملايكة" (ملاك) إلى "الجن" (شيطان) بشكل سريع، و خصوصا بمناسبة ازدياد مولود جديد. و ما كان مسموحا به إلى غاية سنتين و 3 سنوات أصبح منعدما مثل: الضرب، والصراخ، وكسر الأشياء و اللعب في البيت، فالطفل عليه التكفل بنفسه و القيام بتجاربه في أماكن أخرى إن أراد تجنب الضربات.

لا يوجد شخص يعارض القيمة التربوية للعقاب الجسدي. بينما يمكن لمؤشرات التغير ملاحظتها في هذا المستوى إذا كانت هذه الوسيلة ممارسة من طرف أشخاص آخرين. تم الاستغناء عن مشروعية العقاب الجسدي من طرف أساتذة يتمتعون بمستوى اجتماعي و ثقافي جيد. و على العكس من ذلك، فإن معظم الأولياء يطلبون من الأستاذة التعامل مع الطفل باعتباره ابنا لديهم و ذلك (بضربه عند الضرورة).

تفترض العلاقات التراتبية ضمن الأسرة أن " الوضعيات التناقصية للصغار تجاه الكبار و البنات تجاه الذكور، هي ناتجة عن الأدوار الاقتصادية المرتقبة حيث تتمثل لدى الأطفال في الأعمار الصغرى... و ينظر لأفراد الأسرة بوصفهم أدوارا قبل أن يكونوا أشخاصا"[44].

يتحول الشارع بفضل الأطفال إلى حيّز للتجارب و الإبداع. و من خلال وسط اجتماعي مشبع بالمعيارية، تتجلى الحياة في ظل التوجهات "التربوية" التي تجعل التجربة ممكنة، ومثله مثل الكلام الذي يستعمل في أول الأمر بشكل معتدل بأمر من المعلم. و بواسطة الضحك و الاستهزاء من الكبير الذي يعاقب بمختلف الأسباب مثل: (الضجيج الكبير، الوقت غير مناسب...) فإنها تعتبر أحد أنماط الوجود بالنسبة للجماعة.

إن البحث في التفاعلات المتبادلة من خلال اللعب هي فرصة في تلقين قواعد اللعبة. و هكذا، يعتبر الأطفال أن ممارسة اللعبة في الشارع تعلّمهم  كيفية"الاعتماد على النفس" (الأولاد 12 سنة)، وينظر إليها بوصفها فرصة "لتعلم المسؤولية" بالنسبة للفتاة (11 سنة).

و هكذا، و بالنسبة لجميع الأطفال الذين تحصلنا من خلالهم على آراء، فإن اللعب "ليس له أية قيمة في نظرهم"(11 سنة)، و نلاحظ أن أنواع الألعاب هي بالدرجة الأولى ألعاب جماعية. إن اللعب في الشارع هو قبل كل شيء اللعب مع الآخر. و يعمل الشارع مثل آلة اندماج للجماعات.

و يمثل الشارع أيضا فضاء للترويح، إذ يسمح بتنظيم العلاقات بين الأولياء و الأطفال حيث يهيمن التوتر أكثر من التلاحم. إن نسبة اشتغال السكنات حيث يلتقي الكبار بشكل مستمر مع الصغار، جعلت أزمة السكن الابن الأكبر حينما يتزوج يبقى مقيما مع أولاده في المكان نفسه، الأمر الذي يجعل التواصل صعبا. و عندما تطلب الأم من الأطفال الخروج "للعب في الخارج" يمثل هذا الأمر بالنسبة لها وسيلة لتأخير "العقاب و الضرب" الذي يتعرض له الطفل.

و يلعب الطفل بالقرب من البيت، ليكون تحت تصرف الكبير للقيام بالأعمال التقليدية مثل:

- القيام بالمشتريات مثل ( الخبز، الحليب، الإحضار المرهق للماء...).

- القيام بخدمات (الذهاب عند الجار لجلب مستلزمات).

- حراسة الصغار من الإخوة و الأخوات.

إن هذا الإحساس بالحرية النسبية الذي يشعر به الطفل بعد أن يتعدى الباب الخارجي لبيته، يلازمه ضرورة في تسيير علاقاته مع الآخرين. و يستغل الطفل عن طريق اللعب الشارع الذي يتحول في هذا الوقت إلى حيز حقيقي للتعاون الاجتماعي، حيث تلعب الزعامة بشكل مستمر دورها ضمن المجموعات، "ألعب في الشارع لأنه يسمح لي في الحصول على العديد من الأصدقاء الذين يمكن مقارنتهم لي" مثل (الأطفال ذوي الـ 11سنة). يتم وضع التعلم الاجتماعي للاندماج و التفاوض من خلال قواعد اللعب ضمن كل مجموعة متكونة من أطفال في مختلف الأعمار.

ستتم التبادلات بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و 5 سنوات في المجموعات المتكونة من سنتين إلى 3 سنوات و بالنسبة لكبار السن، ابتداء من 6 إلى 7 سنوات في المجموعات الكثيرة العدد. تعتبر الزنقة أيضا الفضاء الذي يعاد فيه إنتاج ممارسة اجتماعية جنسية مهيمنة في مجتمعاتنا. و هكذا، يلعب البنات و الأولاد في الفضاء نفسه المختلف حسب قرب مكان السكن في المجموعات غير المختلطة.

قدمت سلسلة من التبريرات من طرف الأطفال: في البداية، إذ تشير إلى القيم الأساسية التي يعتمدها غالبية الأطفال. تشكّل كل من "الحشومة" و "العيب" عناصر مشكلّة للسجل التوضيحي. هذه القيم مأخوذة من القاعدة الاجتماعية حيث يضيف البعض مصطلح "لا يجوز" (الممنوع)، بوصفه مرجعا مرتبطا بالعقيدة الدينية. وعندما لا يطبق مبدأ عدم الاختلاط، وحينما تلعب البنت جنبا لجنب مع الولد أو العكس، فإن هذا الأمر يعتبر تافها. لأن الردع يأخذ طرقا مختلفة. 

إن عنف الألعاب الخاصة بالأولاد، عبّرت عنه بنت واحدة فقط، عمرها 6 سنوات. إضافة إلى ذلك، حينما يحدث أن بنتا تلعب في مجموعة متكونة من الأولاد و تسقط، فإن الآباء يتدخلون مركزين غضبهم على الأولاد.

و من خلال ألعابهن، فإن البنات يبقين بالقرب من بيوتهن، و ذلك للسماح للأم بالمراقبة المستمرة من خلال استعمال السلطة عن بعد، عن طريق النافذة أو الشرفة.

و تظهر الأم هنا من لحظة إلى أخرى عن طريق تدخلّها الصارم أمام الآخرين، وبمنحها مسؤولية نسبية تجاه بنتها.

نجد أنّه"في مختلف الثقافات، تعطي مختلف السياقات إمكانيات مختلفة للطفل من أجل اللعب، على الأقل التصرف بحرية، آنية و إبداعية"[45]، فإذا اعتبرنا أنّ السلطة و الانضباط لا يزالان يشكلان المسارات التربوية ضمن الفضاء العائلي و الفضاء المدرسي، سيكون الشارع الفضاء المكمّل لهما.

لكن ماذا يلعب الأطفال في الشارع؟ إذا كانت الألعاب تبسط الانعكاسات النفسية الحركية المهيمنة في الممارسة، فإن التجربة الإبداعية لأدوات اللعب حاضرة.

مخطط الألعاب الممارسة المتشابهة و المختلفة، حسب الجنس

ألعاب الأولاد

ألعاب مختلطة

ألعاب البنات

كرة القدم

لعبة الكارطة

كاريكو (لوحة مجهزة بعجلات فولاذية)

لعبة التخبئة (غميظة)

حاويزة (لعبة المطاردة)

ميديا (لعبة القفز على الأرض)

القفز على الحبل الدميات

إذا كان الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 06 سنوات، 12 سنة في الفترة المدرسية يقضون ساعتين إلى 3 ساعات في الشارع فهي من 7 إلى 11 ساعة في فترة العطلة.

يقضي الطفل، إذن وقتا طويلاً "في الخارج" مع أصدقائه أو زملائه، الذين تم انتقاؤهم ضمن تلاميذ المدرسة. هذا التواجد يتخلله دخول متكرر للبيت قصد شرب الماء أو تناول الخبز، بالرغم من الانزعاج الذي يسببه في عدم الحفاظ على النظافة داخل البيت، إلا أن الأم تكون مطمئنة عمومًا.

و غالبًا، يمنع الطفل من إخراج لعبه الشخصية في حالة امتلاكه لها لأنه قد يكسرها و في الغالب فإن خياله الإبداعي يسمح له بامتلاك لعب، كما هو الحال بلعبة (الكاريكو) التي يركبها الطفل على لوحة خشبية، مسامير و عجلات مستعملة، التي يستعملها لغرض التزلج. أما بالنسبة للبنات، فإنّهن يصنعن دميات قماشية بعيدان و خيط و بقايا القماش لغرض اللعب. أما الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين و 4 سنوات فإنهم يلعبون بالقرب من سلم العمارة الذي يستعمل كانتقال من مرحلة "الاحتجاز في البيت" إلى مرحلة "الحرية في الشارع".

في الشارع أو "الزنقة"، يمارس الطفل من خلال اللعب نشاطًا مستقلاً و حرًا. و يمثل اللعب تعبيرا و شرطا في النمو الطفل حسب بياجي Piaget: و يقول أن :"لعبة القواعد هو نشاط لعب للإنسان المجتمعاتي".

يساهم الأطفال أيضا في بناء شكل الأحياء، رغم أن التملك اللعبي للفضاء العمومي غير مخصص لهذا الغرض، و هو مؤشر أساسي عن جهل المكلفين بالتخطيط لواقع اجتماعي عميق.

الخلاصة

يعتبر هذا المقال بمثابة فرصة للتطرق إلى مسألة اشتغال الفضاءات العمومية و خصوصًا الشارع من طرف الأطفال، كما يهدف أيضًا إلى إبراز رؤية أخرى حول هذا الواقع، رؤية تساعد قبل كل شيء، على فهم ما يمنحه هذا المحيط الآني للأطفال على ما يسمح لهم بفعله، بقوله و بتجريبه. و من أجل رسم سياق اللعب لدى الطفل، يجب حتما المرور عبر كل دول العالم الثالث و الدول العربية خصوصًا، من خلال الإشارة إلى الشارع الذي تختلف تسميته حسب المناطق من "الزنقة" إلى "الحومة" إلى "البرة" و الشارع.

و الهدف من هذا هو أن يكون الإبداع و التنمية أو تحديث الهيئات ما قبل التحضيرية غير شبيه بأماكن الاحتجاز أو التجنيد ولكنّه متفتح على آفاق أخرى فيما يخص الإثراء و الدعم.

لم يمنع التمدن غير الكامل (راجع في جميع الأحوال إلى غياب فضاء مجهز و مخصص للنشاطات المتعلقة بالطفل) الأطفال من التملّك التقليدي للمحيط الحالي. و باعتباره واقعا مفروضا على السلطات العمومية، فإن التواجد المكثف للأطفال في الشارع، يعدّ شكلا من أشكال معارضة الأطفال لسياسة وضعت بدونهم أو ضدهم. فتحوّل الشارع إلى فضاء للعب من طرف الأطفال هو مؤشر فشل لجزء من السياسة العمرانية.

يحافظ الشارع على الرغم من كل ذلك على النشاطات المهمة في نمو الطفل في أقسامه الثلاثة الحركية، المعرفية و الاجتماعية.

كان التحدي الذي أطلقته بعض دول العالم الثالث هو ضمان حد أدنى من التمدرس لجميع الأطفال من جيل معين، مع ما رافقه من اكتظاظ كبير لقاعات الأقسام، و تهيئة لمخططات استعمال الأماكن حسب 2 إلى 3 أشواط، و اختيار العلاقات البيداغوجية على حساب النشاط المعرفي لدى الطفل.

بينما تطرح علينا نهاية وهم التنمية "المركزية الذاتية" تساؤلا مؤلما حول كيفيات الإدماج لفائدة عالم الطفل و حول احترام المكتسبات الأساسية المتعلقة بالمحافظة على الفرد باعتباره كائنا بشريا.

 

الهوامش

[2] الجزائر: نسبة التأطير البيداغوجي النسوي التابع وزارة التربية الوطنية خلال السنة الدراسية 1994-1995 حسب كل طور :

الثانوي

المتوسط

الابتدائي

التحضيري

37,6 %

45,9 %

43 %

85 %

المصدر: معطيات إحصائية رقم 30، 1995، وزارة التربية الوطنية.

[3] الكتاتيب جمع كتّاب نموذج من مدارس إبتدائية التي يسميها مؤلفون أوروبين المدرسة القرأنية. أنظر :

In Encycopédie de l'Islam, Ed. Leiden, E.J. Brill Tome V, 1986.

حاليا يلعب دورا أساسا في المؤسسة التحضيرية.

[4] القلم أداة يتم صقلها من قصب على شكل الريشة و تستعمل للكتابة.

[5] سورة العلق، الآيات من 1 إلى 5.

[6] Sadni-Azizi, Fouzia, « L’éducation pré-scolaire et la prévention des échecs scolaires (cas du Maroc) », Université de Paris V,  Thèse 3ème cycle, 1983.

[7] Op.cit.

[8] In Paye, Lucien, « Enseignement et société musulmane. Introduction et évolution de l’enseignement moderne au Maroc », Thèse de doctorat, Paris, 1957, cité par Sadni-Azizi, Fouzia, op. cit.

[9]  أقر هذا التنظيم الجديد في سنة 1968 إلزامية المرور عبر المؤسسة التحضيرية قصد التسجيل في الابتدائي حيث يعتبر الكتّاب جزءا منه.

 

Coran

Calcul

Lecture

Inititation écriture

Langage

Ed. religieuse

ED. civique

Ed. physique

Ed. morale

Dessin

Travail manuel

Ed. sensorielle

chant

récréation/jeu

1ère  A.

5 H

1H 40

3H 20

1H 40

1H 40

0H 40

0H 20

0H 40

0H 20

0H 20

2H 40

0H 40

1H 00

5H 00

2ème A.

5H 00

3H 00

5H 00

0H 30

1H 15

1H 00

0H 40

0H 40

0H 40

0H 40

2H 40

0H 30

0H 55

2H 30

In Sadni-Azizi, Faouzia, op. cit.

[10] الحبوس : أملاك تسيرها المؤسسات الدينية (المساجد و الزوايا) حيث تخصص مداخليها للصيانة و تمويل المناسك الدينية، التعليم و بعض الأعمال الخيرية.

[11] Bencheneb, Mohamed, « Notions de pédagogie musulmane », résumé d’éducation et d’instruction enfantine, Revue Africaine, 41ème année, n° 225-226, Alger, 1897, pp. 267-285.

[12] من خلال التحقيق الذي أجري لحساب الألسكو (ALESCO) حول دراسة منهاج رياض الأطفال في العالم العربي، تونس، 1989. يبين عبد الله معاوية درجة اهتمام الموجه إلى التربية التحضيرية. أنظر للجدول الموالي الذي يبين عدد صفحات مخصص للتربية التحضرية.

Yemen Sud

Koweit

Maroc

Emirats A.Unis

Bahrein

Irak

Jordanie

A.Séoudite

Syrie

Tunisie

Soudan

Algérie

Liban

Oman

Yemen du Nord

1 453

1 249

750

528

357

289

220

191

143

110

37

35

13

9

1

In "Enfance et éducation préscolaire dans le Maghreb", Actes des Journées d'Etudes des 25 et 26 mars 1990, cahier n° 3, LARESF-URASC.

[13] Haoum, Zakia, « Etude comparée de l’enseignement préscolaire en Algérie et en France », Doctorat de 3ème cycle, Université de Paris VII, 1985.

[14] يشكل الأطفال و الشبان 70%  من العدد الإجمالي للسكان. الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و 14 سنة يشكلون نسبة % 44 من الجزائريين و هذا بتعداد يقدر بـ 11 مليون نسمة في 1994 من عدد الإجمالي للسكان و الذي يساوي 28,4 مليون نسمة.

قدرت نسبة التمدرس للأطفال الذين تتراوح أعمارهم 6-14 سنة بـ 80,6%.

قدرت نسبة المواليد في سنة 1992 بـ 30,4 %.

المصدر تقرير وطني للندوة الدولية حول السكان و التنمية، القاهرة، 5-13 سبتمبر 1994.

[15] ضعف في التكوين و التأطير البيداغوجي، مشكلة  اللغة التعليمية الموجهة للأطفال الصغار : عربية دارجة، عربية فصحة، لغة أمازيغية و حتى لغة فرنسية.

[16] Chamboredon, J.C. ; Prevot, J., « Le métier d’enfant, définition sociale de la prime enfance et fonction différentielle de l’école maternelle » in Revue française de Sociologie, 1973, XIV-3.

[17] يبين البحث الميداني حول التمدرس في الأقسام التحضيرية بوهران :

48,3 %  من الأمهات بدون نشاطات مهنية.

 38 %من الأمهات معلمات.

 5,7 %من الأمهات يشغلن وظائف حرة.

2,2 % من الأمهات عاملات.

Senouci, Zoubida, « L’accès à la préscolarisation en Algérie » in Actes du 1er colloque Maghrébin sur l’éducation préscolaire, chemins et pratiques, Université de Rabat Mohamed V, UNICEF, A.T.F.A.L.E, Fondation Vanleer.

[18] Plaisance, Eric, L’enfant, la maternelle, la société, éd. P.U.F, 1986.

[19] - كتّاب : من بين الوظائف التي تعطى لها الأهمية: الذاكرة، الإنضباط، الأخلاق.

- للتحضيري (عمومي و خاص) : وظيفتان مهمتان : التعلم و التفتح.

- رياض الأطفال الخاصة بالبلدية : وظيفة الحراسة مهمة.

- رياض الأطفال الخاصة بالمؤسسات / وظيفة اللعب مهيمنة نظرا لتوفر إمكانيات المالية.

[20] Sadni-Azizi, Fouzia, op. cit.

[21] Aries, Ph., L’enfant et la vie familiale sous l’ancien régime, Paris, Ed. du Seuil, 1973.

[22] Snyders, G., Il n’est pas facile d’aimer ses enfants, Paris, P.U.F., 1980.

[23] In « Les Lois », VII, 808.

[24] Briault, R.P., : « Les sauvages d'Afrique », 1923, cité par Snyders, op. cit.

[25] Ed. Robert : « Les domestiques », 1875, cité par Snyders, op. cit.

[26] Larousse, P., Grand Dictionnaire Universel du XIXème siècle article : Femme de chambre : grand enfant qui est le joujou de sa maîtresse.

[27] Cité in Snyders, op. cit.

[28] Idem.

[29] تظهر اللغة الشفوية أساسية بالنسبة للقراءة و للكتابة كونهما تشكلان ظاهرة حديثة نشأة.

[30] موائد غذاء ترافقها الموسيقى، الأغاني و الأبيات الشعرية.

[31] Riche, P., De l’éducation antique à l’éducation chevaleresque, Paris, Ed. Flammarion, 1968.

[32] مثل لسلومون Salomon سابق ذكره في بير غيش P. Riche.

[33] Remaoun, H., (Université d’Oran, I.S.S) : « Idéologie et pensée philosophique et sociale dans les formations pré-capitalistes : le cas du monde méditerranéen, des premières sociétés humaines du Moyen-âge (approche socio-historique) ». Document, dactylographié de l’Institut des Sciences Sociales, Université d’Oran.

[34] Driss, Ali, « L’histoire de l’éducation et des idées pédagogiques en Ifriqya ». (depuis Ibn Sahnûn m 256-869 jusqu’à Ibn Khaldûn m 808/1406), Thèse de Doctorat d’Etat - Université de la Sorbonne Nouvelle Paris III, 1978.

[35] Palmero, J., Histoire des institutions et des doctrines pédagogiques par les textes, Paris, Ed. SUDEL, 1958.

[36] Rousseau, J.J., L’Emile ou de l’Education.

[37] Snyders, G., Pédagogie progressiste, Paris, P.U.F., 1971.

[38] Idem.

[39] Delarue, Jean-Marie, "Rue et espace de socialisation, entre famille et lieux formalisés",  in L'enfant  et son intégration dans la cité. Ouvrage collectif sous la direction de S. Teissier, Ed. Syros, 1994.

[40] فيما يخص الفئة العمرية التي تهمنا 0-9 سنوات، يقدر عدد اطفال في الجزائر بـ

الفئة العمرية

المجموع

البنات

الأولاد

0-4 سنوات

3 718 000

1 816 000

1 902 000

5-9سنوت

3 651 000

1 788 000

1 863 000

مصدر : دليل لإحصائي للجزائر، رقم 15، 1991.

[41] Sadni-Azizi, Fouzia, op. cit.

[42] Mernissi, Fatima, « Pourquoi nos enfants sont dans les rues » in Lauralif cité par Sadni-Azizi, Fouzia.

[43] Kateb-Allel, Khadidja, « Pour une contribution au développement de l’enseignement préscolaire en Algérie », Thèse 3ème cycle, Université de Lille III, 1987.

[44] Zerdoumi, Nefissa, Enfants d’hier, l’éducation de l’enfant en milieu traditionnel algérien, Ed. MASPERO, 1982, p. 41.

[45] Visalberghi, A., « Le jeu humain et ses contextes », Conférence présentée lors des journées pédagogiques algéro-italienne, 19 mars 1993, portant sur l’enfant et jeu. Revue La Nuova Italia, n° 10, 31 Octobre 1993.


Public open spaces: between practice and concept

A study of public open spaces, attempts to understand the limits of a normalization approach in different phases of its conception. It means taking into account the non quantifiable needs which are attached to the idea of true-to-life-space. Thus, beyond the size and kind of space foreseen, is the social cultural reference which should be considered during an urban planning phase. According to this view, transgressing the reference model raises the problems of creativity in the conceptual method. It is situated in a system of ecological values within which mangle the interaction of time use and space. the true-to-life-space is structured by site morphology, practice and history. Theses elements which are distinguished by their matter reflect identity concepts: character and place memory. The kind of actions during the conceptualization phase of an open space can have an impact on its evolution.


تقتضي معايير الهندسة المدينية والحضرية ضرورة تجهيز المدينة بمساحات خضراء. تحاول النقاشات الدائرة حول وظائف المدينة إعطاء دلالة موضوعية لمختلف التبريرات النظرية، لدعم القناعات بوجود حاجة إلى المساحات الخضراء، غير أن طبيعة تلك الحاجة من الصعوبة بمكان، تحديدها وحصرها. فشبكة المعايير تصنَفها، على نحو موجز، تحت تعبير "الحاجات الأولية" من أجل تحديدها كمياً ونوعياً بغرض الاستجابة للممارسات التي يفترض أنها تلبيها. وبناء على هذا، فإن مفهوم الحاجة يندرج ضمن زاوية البعد الثقافي في عملية تصميم وإعداد المساحة الخضراء الحضرية العمومية. يتضمن هذا المفهوم، بموازاة الجوانب الكمية لعملية البرمجة والتخطيط، مكونات غير قابلة للتكميم التي تتعلق بمفهوم الفضاء المعاش. فالمستوى الكيفي يعكس صورة توافق متجانس بين الحجم، والنوع واستعمال المساحة الخضراء.

1.حجم المساحات الخضراء الحضرية

إن مفهوم الحجم يثير مسألة معرفة كمية المساحات الخضراء التي تحتاجها مدينة ما؟ وما هو الحجم الذي يجب إعطاؤه لها لكي تصبح وظيفية؟

للإجابة على هذا السؤال يكفي، بصورة اختزالية، الاطلاع على المعطيات الإحصائية للسكان حسب فئات العمر وتوزيع أصناف المساحات الخضراء عليها التي تتوافق مع الحاجيات التي تمَ تقديرها من قبل شبكة المعايير المعتمدة. تترافق مجمل العمليات المنجزة بقرار التوطين التي تتحدد بناء على سلم مختلف العناصر المكونة للفضاء الحضري (ويقصد بها وحدات الجوار، والحي، والمدينة). إن انجاز هذا العمل الهام، من شأنه أن يسمح باستخلاص صورة نموذجية لحجم المجال الذي يتوافق مع الحاجيات المعبر عنها كمياً على ضوء المعايير المعتمدة. وعندما تتوزع المساحات الخضراء بهذه الصورة يتم تقديم، وفق هذه الطريقة، تركيبة مجاليه نظرية حيث لا يكون مفهوم الحاجة متعلقاً بإطار اجتماعي ثقافي خاص بعينه. هذه الثغرة يمكن إدراكها في الفجوة الحاصلة بين استخدامات الفضاء والامتداد المستقبلي للهندسة المدينية. وتتجلى أهمية هذه الفجوة في أشكال الاختلال بين الوظيفة واستعمال الفضاء تسعى إلى بطلانه أو تبرر زواله واختفاءه. وضمن هذا المنطق، فإن مقياس المردودية يصبح حجة للدافع الاقتصادي لتفسير إنشاء فضاءات فرعية تعمل على تقليص الأبعاد الأولية للمساحات الخضراء الحضرية وتشوه أجواءها، وهنا تطرح مسألة التصور والتخطيط.

إن إعادة النظر في المنهج المعياري المحض تقوم على التساؤل حول الوسائل والعناصر الواجب أخذها بعين الاعتبار من أجل استكمال هذا المنهج. ويستلزم ذلك دراسة المعايير الثقافية طبقاً لسياق ما وإدراج، في سياق التفكير، موضوع الهندسة الحضرية الكولونيالية كما تم تطبيقها في الجزائر. يسمح لنا هذا الحقل من التحليل بتقدير أهمية البعد الثقافي في ممارسات المجال من خلال أنماط إعادة امتلاك الفضاءات الحضرية بعد الاستقلال.

إن مسألة حجم وكمية المساحات الخضراء في الوسط الحضري يجب أن تراعي الرهانات الاقتصادية والإيكولوجية حسب رؤية إجمالية بغية التخفيف من حدة النزاعات التي يمكن أن تظهر. إن تحديد حجم المساحات الخضراء تستلزم مراعاة الأنشطة ومختلف السيولة التي تعمل على هيكلتها، وهيكلة سلوكات الأفراد. فتنمية الأنشطة تتطور حسب عملية قائمة على منطق الاستمرارية التاريخية والقطيعة المبتكرة. ذلك أن الأنشطة هي صورة المجتمع وثقافته، وتنظيمها يفرز إيقاعات تنطبع في الذاكرة الجماعية وتعزز رابطة الانتماء إلى البيئة التي يعيشها فيها الإنسان.

إن السياق المحدد على هذا النحو يفهم في علاقته بالممارسات الاجتماعية التي تتضمن العادات المستبطنة والأعراف الخاصة بمجتمع ما. وقد أشار في هذا السياق كريستيان نوربرغ شولتز (Ch. Norbert Sclulz) ، في أحدى ملاحظاته، إلى ضرورة أن يراعي الذين يتكفلون بالتهيئة العمرانية للفضاء مسألة الوسط والبيئة[1]. وقد أكد هذا الأخير على أهمية الاعتراف بأن المدينة تمتلك الخصائص التي من شأنها وضع علامات تمايز تمنحها هويتها وطابعها الخاص. وحسب هذه الرؤية، فإن تطور الفكر في علم الهندسة المدينية يؤدي إلى تطوير رؤية بيئية في سياق عملية البرمجة والتهيئة العمرانية. إن الاستعانة بالنموذج لا تكفي لتبرير تقسيم الأبعاد بوصفه مجرد تطبيق كمي، فهي تحتاج لاستكمال ذلك اللجوء إلى الأدوات والوسائل التي تسمح للمدينة بأن تصنع لنفسها ذاكرة خاصة بها. يتعلق الأمر هنا بالاستجابة إلى التطلعات الخاصة المرتبطة بالممارسات والتراث. ويعود هذا إلى نظام هيكلة الفضاء الذي يجب أن يكون متوافقاً مع الحاجيات المادية المرتبطة بأنماط الحياة الاجتماعية والثقافية[2] المعاشة، إن تكييف ذلك مع الواقع في سياقاته الذي يأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المهيكلة لمكان يحدده الفضاء والزمن والممارسات، هو ما يشكل المعطيات المتعلقة بالمساحات الخضراء العمومية في عملية التهيئة العمرانية للمجال الحضري. ذلك أنه يستلزم تحديد النموذج بوصفه إنتاجا ثقافيا.

2.النموذج

يقتضي النموذج ضرورة تصنيف العناصر المجالية الذي يتكون منها، وهي فكرة تقوم على مبدأ العقلانية في التنظيم. يستعين المتخصصون في تنظيم المجال العمراني بعملية نمذجة المساحات الخضراء الحضرية التي تحوي في ثناياها تعددا وتنوعًا في الأشكال والأبعاد. فالنمذجة تنطوي على جملة من المعطيات الوظيفية وتتميز بتوزيع قائم على الفصل بين الفضاء العمومي والفضاء الخاص. لقد كان لاستخدامها في التنمية العمرانية الأخيرة، حسب علم الهندسة المدينية الحديثة، موضوع نقد وتعاليق تهدف إلى مراجعة آليات وإجراءات البرمجة والتصميم.

يثير حقل النمذجة التساؤلين التاليين:

  1. ألا يوجد في التصنيف النموذجي نوعاً من الفصل في عملية تكوين المجال؟ أوبتعبير آخر، أليست تقنيات تقاطع الوظائف هي سبب ومصدر التباينات المجالية التي تتجلى في وجود كيانات متجاورة مستقلة؟
  2. ألا يشجع اللجوء إلى النمذجة نوعاً من التقليد الذي يكبح كل مسعى ابتكاري؟

هناك الكثير من الأصناف النموذجية التي يمكن تصميمها وإعدادها على ضوء التحليل المورفولوجي لتوضيح "شروط تصور وإنتاج المجال"[3]. و يسمح إعدادها، فضلاً عن ذلك، ببيان طبيعة وثراء التجربة في عملية الإعادة وتحسين مكونات المجال. يعطي الاجتهاد الفكري لمفهوم النمذجة بعداً تنبئيا واستشرافياً في عملية التخطيط. يقتضي الأمر استبدال التدخل التعاقبي، حيث يأتي فيه العنصر المبني في المرتبة الأولى، بتصور شامل قائم على تركيب عناصر المكان والزمان.

يسمح رصد وملاحظة تطور النموذج بالوقوف على طبيعة التغير الحاصل ومعرفة إلى أي مدى تكون القطيعة مع النموذج سبباً في طرح المشكلة. تقع القطيعة، وموازاة مع الهندسة المعمارية، عند اللحظة التي تكون فيها "نظرية الهندسة المعمارية الحديثة رافضة لكل الأشكال التاريخية للهندسة المعمارية"[4]. يتطابق هذا الرفض مع التغيرات التي حصلت في بداية القرن والتي طالت عالم الفن بمفهومه الواسع. إن الإنجازات الجديدة للمساحات الخضراء الحضرية، وهي تقوم بقطيعة مع أشكال الماضي، إنما تقطع في ذات الوقت مع منظومة القيم التي كانت سائدة في إعادة إنتاج النموذج. وقد حصل هذا، إذن، بصورة لصيقة مع التطور الحضري في مجمل مجاله وهندسته المعمارية، و ضمن هذا الإطار يجب إدراج المساحات الخضراء. إن وجود قطيعة مع النموذج يأتي مسايرة مع الاتجاه العام لانقطاع النسيج العمراني الذي يرتبط بمفهوم "الثقافة الكونية" التي دعت إليها الحركة الحديثة. لقد أنتج هذا التيار الفكري الذي تجسد في الابتكارات الجديدة خارج السياقات المحلية أشكالاً دون قيمة دلالية[5]. إن مفهوم الدلالة يفتح نقاشاً حول عملية الخلق والإبداع. بالإضافة إلى عملية خرق مبادئ التسلسل وتكوين المجال، فإن التساؤل يحيل على تطور العلاقة بين الشكل والدلالة. وتقترح النظرية نوعاً من "عملية إعادة تفسير بدل الإبداع في فراغ ثقافي"[6]. إن تمثل المجال العمومي يكتسي رمزية مرتبطة بمفهوم تحرر المجال. فالفكرة تعطي لكل وظيفة مكان استمراريتها وسيولة تنظيمها. وهي تستلزم الاستعانة بمفهوم العقلانية وتدخل آليات تصنيف العناصر المكونة للمساحات الخضراء الحضرية، غير أن التدخل المبتدع حول المساحات الخضراء لا يمكن أن يصل إلى غايته، إذا لم يكن مندرجاً ضمن مسعى شمولي في تنظيم المجال وفي مختلف المستويات: "لا يمكن أن يكون هناك تعايش في المجالات الخارجية الجماعية القائمة على متعة اللقاءات إذا كان تنظيم السكنات مصدر نزاع بين الجوار"[7]. نجد أفضل مثال على ذلك في وحدة السكن في "الكوربوسيه" le Corbusier[8].

وفي أمكنة أخرى، فإن توسيع دلالات المساحات الخضراء إلى معايير مرتبطة بالوضع القانوني يعطي نماذج من الفضاءات حيث تنفتح أنماط من الاستعمال على تعدد أشكال الممارسات. ويمكن لبعض المساحات الخضراء أن تستخدم في آن معاً للاستراحة والترفيه، وقد تلعب دوراً اقتصاديا[9].

وضمن هذا المنظور، فإن المعنى الممنوح للمساحات الخضراء يطرح بصورة خاصة. ففي ظل هذا السياق من تحولات الظروف التاريخية يتعين تحديد معنى الكلمات والقيم. ماذا تمثل المساحات الخضراء المنجزة في الجزائر وفق النماذج الفرنسية؟ هل يجب اعتبارها شكل من أشكال التطور وبالتالي احتسابها عامل تقدم؟ وهل يجب اعتبارها، على العكس من ذلك، مساحات مفروضة، مثل أشياء غريبة يتعين التكيف معها؟  فيما يتعلق بالمدن الجزائرية التي تم بناؤها وفق الهندسة المعمارية الكولونيالية، فإن مسألة النموذج تطرح إشكالية دلالتها.

3.من التقليد إلى التجديد: موقف يجب الاضطلاع به

يتعلق أمر دراسة الدلالات، منظوراً إليها بوصفها علامات ورموز، بمستويات التحليل الانثروبولوجية، التاريخية والسوسيولوجية[10]، فهي تندرج ضمن منهجية النماذج المقارنة كما تظهر في توصيات البحوث والدراسات[11].

فإذا افترضنا أن الفارق السيميولوجي (الدلالي) هو ذو طبيعة ثقافية، فإنه يمكن أن نسجل أنه يرتبط بالمستوى الاقتصادي لمجتمع ما[12]. إن المعنى الذي يعطيه مستعمل عاطل عن العمل للمساحات الخضراء الحضرية العمومية لا يمكن أن يكون من الناحية الموضوعية هو نفسه لمستعمل ليس له مشاكل في حياته العادية. إن معنى كلمات "ترفيه"، "استراحة"، "تجوال" المرتبطة بوظيفة المساحات الخضراء الحضرية العمومية، لا يمكن أن تتضمن الدلالة نفسها بالنسبة لكل واحد منهما.

نلاحظ في الجزائر، اليوم أن المساحات الخضراء الحضرية العمومية هي عبارة عن كتلة من الدلالات المتعلقة بمختلف الإدارات والمستوطنين أثناء الفترة الاستعمارية، وما بعدها. فالانجازات بعد الاستقلال تقودنا إلى التساؤل حول أصول المصممين وتكوينهم وكذا مراجعهم النظرية.

إن مسألة معنى المساحات الخضراء الحضرية العمومية تحال في إدراكها إلى باب القدرة الإبداعية، فهي تستلزم من أجل فهمها مراعاة قواعد الاقتصاد وعلم البيئة حيث تكون فيها حاجيات الأفراد غير القابلة للتكميم، علامات مميزة ضمن مسعى خلاق. يتعلق الأمر بالبحث عن العوامل التي تشكل بديلاً لمنهج التقليد في إنتاج الفضاء.

إن الفعل المتسم بالتقليد و المحاكاة مسعى يرتبط بعملية انتشار وتبادل القيم الثقافية والعلمية. إن معاينة السياق الدولي تبين أن نفس الاهتمامات المتعلقة بتهيئة المساحات الخضراء طالت أوروبا الغربية في السبعينيات. ويبدو أن تزايد الاهتمام المشترك قد شحن حركة الفكر الوحدوي من أجل أعطاء الفضاء العام صورة متطابقة مع السياسة الحضرية والعمرانية. تبدو مدينة برشلونة في هذا المقام رائدة في مجال إعادة هيكلة الأحياء انطلاقاً من الفضاء العام[13]. أما مدينة لوفان  لاناف (louvaine-la neuve) في بلجيكا، فإنها تطرح مشكلة "روح الفضاء العام"، وهذا بعدما تمت معاينة حركة الازدحام التي تشهدها ومتطلبات الحياة الحديثة. نجد الأهداف نفسها عند المهندسين المعماريين الفرنسيين الذين سجلوا تأخراً في مجال التشريعات مقارنة مع جيرانهم "الهولانديين والألمان"[14]. فقد أخذت حدائق (دو لافيلا بورجيز) في مدينة روما، على سبيل المثال، نموذجا لعملية يلتقي فيها الطريق السيار بين مدينة أثينا و ميناءها بيري[15]. إن الهدف من وراء المقارنة مع بلدان أخرى هو الاستفادة من تجاربها[16].

يتجلى العمل المتسم بالتقليد و المحاكاة على مستويات عدة وبأشكال مختلفة إلى استنساخ ما هو موجود، فهو يقع في تعارض مع المنهج الطوباوي ويجد مبرره في نظرية العقلانية الجديدة بوصفها ردة فعل على النزعة التقدمية للهندسة المعمارية الحديثة. وهناك أيضا شكل من الطوباوية يتمثل في ذلك الموقف الذي لا يرتبط بالمخيال ولكن بالنزعة الحنينية (النوستالجية). "إن عملية التكرار بصورة طقوسية للسلوكات القديمة تعبر عن عدم التكيف، والهروب من حاضر لا يمكن تحمله"[17].

تكمن المسألة هنا في معرفة في أي ظرف يمكن أن يكون للتقليد مفعول سلبي في إنتاج الفضاء؟ بمعنى تحت أي شرط تصير عملية المحاكاة عامل رتابة معممة تشوه خصوصية النموذج. إن الفعل المتسم بالتقليد يعيد إنتاج القوالب النموذجية المبتذلة في غياب شروط الخلق والإبداع[18]. يعتبر فهم موضوع المرجع والتحكم فيه من الشروط الضرورية لوجود عملية إعادة إنتاج خلاقة، ذلك أن منهج الإبداع والتجديد يتوقف أساسا على المنهج النقدي. وحتى يكون لعملية التقليد أثر إيجابي يجب افتراض وجود شروط كفيلة لإضفاء "نظام جاهز من القيم"[19]. لا شك أننا نحتاج، ونحن ننظر إلى منظومة القيم الإيكولوجية،إلى التمعن في مختلف توظيفات النماذج، وهذا حسب فرضية تكوين العناصر المتفاعلة مثل الفضاء والزمن واستخداماتهما، فالأمر يتعلق بإضفاء جملة من القيم الرمزية والثقافية التي يمكن معاينتها عبر ممارسات الفضاء.

1.مساهمة البيئة في المشكلات الحضرية

يتضمن تعبير "البيئة الحضرية" جملة من الأفعال التي تندرج ضمنها المقاربة النسقية، الاعتبارات المذهبية والتصور البيئوي للفضاء. كما أن تزايد الاهتمام اليوم بقضايا البيئة حيث أصبح علم البيئة حاضرا في كل المستويات المؤسساتية للهندسة العمرانية والتسيير الحضري.

تظهر البيئة الحضرية في أيامنا هذه في كواليس الأوساط المتخصصة في علم التمدن، وتثير العديد من التساؤلات في البحوث والدراسات. لكن ما هي العناصر الجديدة التي تم إدخالها في علم التمدن من قبل هذه التيار الفكري؟

يتم إدراك علم البيئة، بما هو كذلك، بوصفه عاملا منقذا شبيها بحالة عالم العمران و المدن وهو في بداياته الأولى أثناء الحقبة الصناعية. يتعلق الأمر بتعميق المعرفة في علم البيئة للتأثير على الوسط الحضري. يعتبر المعيار البيئي معطى قابلا للتكميم مثله مثل الديموغرافيا والاقتصاد، فهو يصلح لأن يكون نقطة ارتكاز في تنظيم الفضاء دون أن يؤثر على التصور، ذلك أن هذا الأخير لصيق بحساسية صاحب التصور.

يتضمن ميدان دراسة علم البيئة "تسيير الوسط الحضري" و"أثر الجباية على البيئة".. وكذا معاينة الظواهر ومعرفة آليات التفاعل، وسبل محاربة التلوثات وتدهور المحيط. فانطلاقاً من دراسات المحيط نتمكن من "معرفة البيئة"[20]. وبتعبير آخر، يدخل الرهان البيئي، في حسبانه، مفهوم الأثر والإدراك الجديد لمفهوم "التهيئة العقلانية"[21]، تبين أهدافه وآلياته أن التهيئة العقلانية لا يجب اعتبارها غاية في حد ذاتها، وإنما قياسا للآثار الاقتصادية والاجتماعية للتهيئة باعتبارها عملية نسقية تحدد معنى العقلانية.

تعوض إعادة تفسير العناصر المتفاعلة المسعى التطبيقي للصيغ بالمسعى الذي يمنح للفضاء بعداً ثقافياً[22]. فإعادة التفسير هذه تفتح الحقل النظري لمعنى الممارسات في الفضاء بوصفها عناصر كامنة من الدلالات يمكن إدخالها في عملية التكوين المجالي والحضري.

2.المساحات الخضراء العمومية: سياق وانجاز

يطرح الإطار النظري الذي يأخذ في اعتباره وجود أشكال العلاقات العاطفية والجماعية بين الأفراد والفضاء، مشاكل متعلقة بمفاهيم المكان، فالأمر يتعلق بفضاء معاش ومهيكل بواسطة كل من التشكل المكاني، والممارسات والزمن. إن هذه العناصر المختلفة في مضمونها، تتعلق بمفاهيم الهوية والخصوصية وذاكرة المكان، و هي مكونات ثلاثة تحدد لقياس وفهم درجة أهميتها في عملية تهيئة الفضاء.

تعود نماذج المساحات الخضراء العمومية المنتشرة في مدن الساحل الجزائري إلى فترتين تاريخيتين:

  • الفترة الاستعمارية الفرنسية (1830-1962)، وهي فترة تتزامن مع السياق الأوربي الذي كان يعرف تحولات التي رافقت الحدث الصناعي.

وفي أثناء هذه الفترة قام النظام آنذاك على تكييف الفضاء الحضري حسب حاجياته مستعيناً بخبرته. وقد عرفت هذه الحقبة التاريخية نوعين من الفضاء الحضري. أما النوع الأول فقد كان نتاج تمدن متصل بسابقه، متوافق مع نموذج الفضاء المتكامل في نسيج متجانس مثل حدائق صغيرة، وساحات، وشوارع مزروعة. وأمَا النوع الثاني فقد كان نتاج نظريات حول التمدن الحضري الحديث، يتطابق مع النوع الممتد، و هو مصاحب للفضاءات المبنية مثل حي المجموعات الكبرى.

يعود بناء هذا النوع من التصميم النموذجي المزدوج للمساحات الخضراء إلى المحيط المبني. ومن أجل فهم هذا الانجاز، يتعين ذكر الظروف التاريخية التي ساهمت في بنائها. وبناء على فرضية وجود مخطط للسياسة الحضرية الذي كان ممارساً في المدن الجزائرية الساحلية، تمَت صياغة المعطيات حسب تقسيم مجالي زماني و متزامن، ويمكننا تصنيفه إلى ثلاث فترات:

  • الفترة ما بين 1832- 1844: شهدت هذه الفترة تطبيق نوع من عملية تمدين عسكري ترافقت مع انجاز المساحات الخضراء مثل الحدائق العمومية، والساحات.
  • الفترة ما بين 1844- - 1914: وهي فترة تخطيط الشوارع الكبيرة المغروسة، مقرونة بحدائق صغيرة، وساحات عمومية، قائمة على مبدأ الإحلال محل المعاقل المهدمة.
  • الفترة ما بين 1919- 1962: وقد شهدت هذه الفترة ميلاد وتطبيق التمدن البيروقراطي على غرار القوانين الصادرة في فرنسا سنة 1919 و1924. تعتبر هذه الفترة وسطية بين التمدن القديم والتمدن القائم على مفهوم المنطقة (zoning). وهي فترة تتطابق مع بناء العمارات المعزولة. تعتبر هذه النماذج المقدمة خليطاً من الثقافة والممارسات الحضرية الفرنسية المتأثرة بالأنظمة النظرية الإنجليزية والمكيَفة مع السياق الجغرافي المورفولوجي للموقع الجزائري.
  • فترة ما بعد الحقبة الاستعمارية:: تميزت هذه الفترة بظهور مناطق جديدة للسكن الحضري. لقد أدخل على تصميم المساحات الخضراء مقاييس نظرية للتمدن الحديث، وكان تطبيقها يجري في غياب تحكم حقيقي في البناء.

لقد استهدفت السلطات العمومية بعد الاستقلال سنة 1962 جزأرة تدريجية لهياكل ومؤسسات البلاد. وبداية من سنة 1975 تحددت في ميدان التمدن والبناء الأدوات التحضيرية العملية المعروفة باسم "مناطق السكن الحضري الجديدة" (ZHUN). إن سياق تصميم هذا النوع من المناطق جرى في وقت كانت التجربة والمعرفة فيه ناقصتين في ميدان التمدن الحضري. إن المنهجية القائمة على نموذج "منطقة التمدن ذات الأولوية " في فرنسا، المبنية على إجراءات مندرجة ضمن قانون الإطار الصادر في 7 أوت 1957، هي التي ستحدد المنهجية المعتمدة. يلزم نموذج قانون مناطق السكن الحضري الجديدة ضرورة بناء المساحات الخضراء حسب معدلات متناسبة مع شغل المكان، وفي ذات الوقت، فإن الحاجة لمواجهة مشاكل البناء المكثف أدت إلى بناء السكنات الجاهزة. إن الرؤية الجامدة  التي تتجاهل الخصوصيات المحلية، ستعمل على توزيع التنظيم المجالي نفسه للأطراف الحضرية على المستوى الوطني. وفي هذا السياق، ومضافاً إليه صعوبات التطبيق الميداني، فإن الهندسة المعمارية، مثلها مثل عملية التمدن، ستصبح مجرد "مسألة تقنية"[23]. إن تطور الوقائع التي اتسمت بها مورفولوجية الفضاء الحضري لما بعد الفترة الكولونيالية قد بلغت أهميتها بداية من الثمانينيات. و قد أثار الفضاء المتولد عن هذه الفترة ردود أفعال أدت إلى استصدار نصوص تشريعية كان من نتائجها إعداد أدوات جديدة في تصميم عملية التمدن. كما عرف إعداد  كل من "المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية" (PDAU) و"مخطط شغل المكان" (POS) وتطبيقاتهما الفعلية بداية من سنة 1991.

كانت الغاية من المساحات الخضراء العمومية  هي أن تكون فضاءات للتجمع حيث تكتسي فيها النشاطات طابعاً للاستراحة والمرح، فالأجواء التي تبرز منها تدل على العملية التاريخية التي ساهمت في انجازها.

وفي هذا الإطار فإن ساحة (جوريس) في مرسيليا مثلا تطرح نفسها نموذجا مجسدا لمفهوم المكان. إنها تقدم صورة مساحة خضراء حضرية عمومية تستجيب لتطلعات مستعمليها، وكذا المتخصص في علم التمدن ولمسيري المدينة[24]. إن التشكل المجالي لهذه الساحة وتوزيع النشاطات الذي يحركها هو نتاج مراحل متعاقبة من تطورها، وهذا راجع للاعتبارات التشريعية حول التحضَر والتمدن، حيث تم فيها الاحتفاظ بالممارسات الجوهرية للبنية الأولية مع السماح بتطورها. يعود الفضل في تعدد وتنوع النشاطات التي تتطور ضمن ساحة (جان جوريس) إلى عملية التهيئة التي أخذت بعين الاعتبار إمكانيات السياق، وقد برز اهتمام السكان وانخراطهم في هذا الفضاء، من خلال وجود العديد من الأنشطة التجارية. فهم يضمنون شكلاً من التركز ويعطون للتردد على الساحة معنى فعالاً له انعكاسات اقتصادية ايجابية على المدينة.

و خلافا لساحة (جان جوريس)، فإن ساحة بور سعيد في العاصمة لم تستفد من إجراءات شبيهة. يوجد الموقع الأولي للساحة في المدخل الرئيسي للمدينة. فالمجال مدين في وجوده لشروط ظرفية واعتبارات جغرافية مورفولوجية وسوسيولوجية تؤدي إلى وجود ممارسات تستجيب للحاجيات المادية وغير المادية.

تنتمي ساحة بور سعيد، باعتبارها مساحة خضراء حضرية وعمومية، إلى نوع من الفضاء الذي يمتلك مقومات طبيعية وإمكانيات بنيوية كفيلة بتشجيع التنمية الاقتصادية بما تمثله من شبكة للاتصالات الرئيسية التي تبرر الممارسات الهامة والمترابطة مع نوعية محيط الموقع. إن إجراءات التكوين الحضري التي استكملت الساحة المذكورة لم تأخذ بعين الاعتبار الممارسات والدلالات التي هيكلت الفضاء الأولي. لقد كانت المعطيات التي تمت ملاحظتها موضوع تحولات فككت بنيتها على مر الزمن. لقد مست هذه التحولات الشبكة الرئيسية للاتصال (مثل شارع باب عزون) والعناصر الهامة المتعلقة بممارسات المجال (السوق، أمكنة العبادة واللقاءات...). إن التشكل المجالي الحالي هو نتاج لمشروع موحد قائم على التأكيد على مفهوم ما للساحة ولمركز المدينة الكولونيالية. قامت هذه العملية وفق منطق ومبدأ "نهاية المسار"  في علاقته بالإقليم (المحطة) وفرنسا (الميناء). يدل ذلك على وجود  انطباع رمزي وثقافي قوي معبر عنه من خلال انجاز مسرح وطارمة (جناح دائري مقبب)، لتعكس ممارسات ذات قيمة مرتبطة بالتقاليد الفرنسية. كان الهدف من هذه التهيئة تلبية جانب كبير من حاجيات الاستراحة والمرح الخاصة بالمجتمع الكولونيالي، وذلك بصورة فاخرة وأنيقة. كان لهذا الإجراء أثر مزدوج يتمثل في تغيير الدور التجاري للفضاء الأولي وإقصاء المجتمع الأصلي حيث لم يعد يجد ما يبرر وجوده ضمن هذا الفضاء. لقد أدت هذه العملية إلى محو الشعور بالانتماء لهذا الفضاء ومن ثم توفير كل ما من شأنه تطوير النظام الاقتصادي للمدينة. لقد أصبح الدور الإيكولوجي لساحة بور سعيد حاليا مختزلاً في وظيفة يخضورية بفضل ما ينطوي عليه من إمكانيات الاخضرار، غير أن طبيعة ومستوى النشاطات الموجودة فيه لا تساهم في دينامكية التنشيط الحضري إلا في حدود ضعيفة. ذلك أنها لا تتوافق مع مفهوم فضاء مركزي هام من شأنه أن يجمع أكبر عدد من الأنشطة التجارية ذات طبيعة متنوعة وذات مستوى رفيع. تبين المعاينة الميدانية أن الأنشطة الموجودة لا تنتظم حسب التصفيف والطبيعة التي يتميز بها المركز من جهة، ولا تتطابق مع الصورة التي حددها هذا المفهوم، من جهة أخرى. يتجلى ضعف الأنشطة المتنوعة ذات الطابع التجاري في ساحة بور سعيد من خلال توزيع المجال وطبيعة الخدمات المقدمة فيه، وعلى الرغم من أن هذه الساحة تعتبر مجالاً هاماً في حضن المدينة، لكنها لا تجمع في مساحتها إلا أنشطة قليلة كماً ونوعاً، وهي بذلك بعيدة عن أن تشكل مركزاً محورياً[25]. وعليه لا نلاحظ فيها إلاَ مستوى واحدا من المطاعم لا يقدم خدماته إلا لذوي الدخل المحدود مثل المقاهي ومحلات الأكل الخفيف، كما أن وجود محلات متخصصة في تجارة الجملة بها له انعكاسات وظيفية لا تتلاءم مع الجو العام لساحة بور سعيد.

3.المساحات الخضراء في وهران

غالبا ما تقدم المدن الجزائرية أشكالاً نموذجية من المساحات، والساحات، والحدائق.. وأحياناً من الفضاءات الأخرى مثل الفناء و"الحلبة". تبدو هذه الأخيرة في شكل متقطع وتطوَق المنطقة المركزية للمدينة. وقد كان بناء هذه النماذج من المساحات متوافقاً مع نظريات التحضَر والتمدن التي ظهرت في نهاية القرن الماضي، والقائمة على مفهوم "الحي-الحديقة" حسب تصور ألبنزر هوارد، Ebenezer Howard)). فالحلبة تشكل وحدة مورفولوجية وليست فضاءا عاماً في كليته. وتحتفظ قبل كل شيء بوظيفة المرفق العسكري حيث يخصص بعض من أجزائها للحدائق العامة.

ورثت وهران عشية الاستقلال تراثاً من "المساحات الخضراء" موزعَا بصورة غير متساوية عبر مدينة وهران. تفسر عملية النمو الحضري منطق التوزيع[26]، وعلى غرار السياسة الاستعمارية التي تجسدت في عملية التهيئة التي قامت على تهديم بعض أمكنة الحياة، مثل المصير "الوادي الأخضر"، الذي كان واحدا من مكونات وظائف الإنتاج والترفيه للمدينة، الذي تسبب في تحطيم الكيان الموجود. إن التشكلات المجالية الجديدة التي صنعتها عملية التمدن الاستعماري كانت تستجيب أساساً لوظيفة الترخيص لبناء مجال نظيف. كان توزيع هذه المجالات المشكلة قائماً على ضرورة وجود مسافة بين مختلف أنواع الأحياء. إن الشارع المحيط بالمدينة الذي تم تصميمه لكي يكون "حلبة" مدينة وهران يجسد هذا التصور الموجه لتلبية حاجات المناورات العسكرية.

و حالياً يولي النقاش أهمية خاصة لنمط تملك المجال من قبل السكان الجزائريين. أما فيما يتعلق بالحالة الخاصة بالمساحات الخضراء الحضرية العمومية، فقد توجَه الاستبيان لمعاينة واقع يتميز بمختلف الاستعمالات الهامة للمساحات الخضراء من النوع نفسه. وبالمثل فإن استعمالات المساحات الخضراء لا تتوافق دائماً مع الغرض المنتظر منها نظرياً. وتطرح هذه الجوانب من المشكلة فرضية مفادها أن مختلف الفوارق التي تمت ملاحظتها مرتبطة بظروف انجاز هذه المساحات الخضراء الحضرية العمومية[27]. كما تتعلق هذه الجوانب بالقدرات المهيكلة للموقع، المرتبطة في الأصل بالاعتبارات و السياقات التي رافقت عملية تشكيل المساحات الخضراء العمومية.

لقد أظهرت الدراسات المتعلقة بالمساحات الخضراء العمومية الحضرية في وهران الموروثة عن الفترة الاستعمارية أن هذه المساحات كانت نتاج عملية مزدوجة:

أولا، عملية تفكيك بنيوي، بحكم أن عملية التشكيل لم تأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات الموجودة.

ثانيا، لأنها علمية مهيكلة لبعض الحالات من الفضاءات حيث غياب الأنشطة الاجتماعية خلال فترة التهيئة.

و من أهم الأمثلة عن الحالة الأولى نذكر ساحة الجيش الوطني الشعبي، وساحة أول نوفمبر، وساحة المغرب العربي، والإخوة مولاي، وباحة سيد محمد وشارع جيش التحرير الوطني. لم تراع طرق تهيئة هذه المجالات الحضرية والمعطيات الفيزيقية مثل : الطوبولوجيا (علم مواقع الأشياء) والهندسة، والأبعاد وكذا المعطيات غير الفيزيقية مثل الأنشطة، والطبونيميا (علم أسماء الأماكن) بوصفها معطيات للسياق الأولي الواجب تطويره. لقد كان من نتائج العمليات التي استحدثتها إجراءات التمدن الحضري الكولونيالي، باعتبارها بديل لما كان موجوداً، تقليص الدور المتعدَد الوظائف للمجال الذي كانت نشاطاته مرتبطة بالحاجيات المادية وغير المادية للسكان الأصليين. لقد اتخذت تهيئة المجال فيه قيمة تزويقية، وحدت من تطور المجال، مما أدى حالياً إلى وجود أصناف من الأنشطة التي تتعايش ضمنه تتسم بالتوتر ، ملحقة أضرار بالجو العام وبالوظيفية البيئية للمجال.

وإلى جانب ذلك، يوجد نوع من التدخل طال ساحات عيسات إيدير وساحة السلام، ومنتزه الشيخ ابن باديس وشارع العقيد لطفي. ويسجل هنا أن إنشاء مساحات خضراء حضرية عمومية لم يتطور في الاتجاه المطلوب كما توقعته استشرافات التخطيط العمراني. وهكذا نجد أن النشاطات المتواجدة فيه لا تتوافق مع روح المجال بما هو مكان حيوي للتجمع والتنشيط. ونلاحظ هنا أن ساحات عيسات إيدير أصبحت ملتقى طرق، وساحة السلام تحولت إلى ميدان لكرة القدم، وأمَا متنزه الشيخ بن باديس الذي يمتلك مؤهلات طبيعية استثنائية فقد بقي مجالاً معزولاً، و يبدو أنه كان مرتبطاً في أصله بقصر (روزالكازار) الذي أثرَ تدهوره على الجو العام للحديقة. أمَا شارع العقيد لطفي فقد كان مقرراً لأن يكون أحد مكونات "حلبة وهران" لاحتضان نشاطات الترفيه والتسلية مثل التنزه في الوسط الحضري. تبيَن معاينة عملية نشأته أنه كان منقوصاً في عملية بنائه من الأسس الهامة للممارسات التي من شأنها تحريك النشاطات و تنمية الانسجام مع روح المجال وفق ما تم تخطيطه. أدىَ انجازه في اتجاه مسار "طريق دوارة"، والنشاطات التي يحتضنها[28] باتجاه تجارة الجملة المزدهرة إلى تحطيم رأسماله المبنى على الاخضرار. وبهذا نلاحظ أن الأعمال المنجزة في إطار عملية إنشاء المساحات الخضراء الحضرية العمومية لها علاقة بنوعية استعمالها. فالجانب الكيفي يتوافق مع مراعاة الممارسات الهامة لوجود المجال في أصله، وتتجلى تلك النشاطات بدافع من الحاجيات الفيزيقية و/أو غير الفيزيقية مهيكلة بالتالي لهويته ولطبيعته.

تؤثَر مجموع هذه المؤشرات المتعلقة بالمورفولوجيا، والأنشطة والزمن على تنظيم المجال، باعتباره عاملا جامعاً بفعل القيمة التي ينطوي عليها، لأنه يملك ويقدم بعضاً من الإمكانيات المادية التي تبرر التخطيط واللحظات التي تستثمر فيها الطاقات غير الفيزيقية التي تكشف عن قيمته وتهيكلها. إن ملاحظة هذه الإمكانيات واتجاه الحاجيات التي تميزها للاستفادة منها تقتضي إنشاء فضاء بصورة تسمح بتنمية متفاعلة لهويته وطبيعته. الأمر يتعلق بتنظيم هياكل الاتصالات التي تربط ما بين المستعملين في توافق مع المجال والزمن.

ترجمة: مصطفى مرضي

الهوامش

[1] Nobert-Schulz, Ch..-Génius Loci.-Pierre Mardaga Editeur, 1981.

[2] La dimension culturelle du développement, vers une approche pratique. Editions UNESCO, 1994. Collection Culture et développement.

[3] Colquhoun, A., Recueil d’essais critiques, 1981.

[4] Colquhoun, A., Op.cité.

[5] Gombrich, E.H..- cité par Colquhoun, A

[6] Ibid.

[7] Soulier, L., Edition CRU, 1968.

[8] إن الوحدة السكنية في مرسيليا موجودة على صورة عمارة كبيرة تقوم على موتدة مبنية داخل فضاء أخضر، مسيج بمحيط نباتي غير مغلق. وتسييره ليس من مسؤولية مصالح البلدية ووضعه كفضاء خاص لصالح ساكنيه يضمن لهم بتسيير مستقل مع المحافظة على طابعه المفتوح على الفضاء العام. إن تصميمه بهذا الشكل يهدف إلى منع حدوث النزاعات في استعماله وخصوصاً الضجيج.

[9] حالة حقول أشجار الزنبق في هولندا. الإتقان الجمالي الذي جعل منها مكاناً للراحة والتسلية، ذلك أنها تقدم فرجة فريدة من نوعها للناس، تنظيمها يندرج  ضمن السياسة السياحية الرامية إلى الحصول على موارد اقتصادية إضافية. وفي سكاندينافيا نجد أن المساحات الخضراء الخاصة مفتوحة للجمهور شرط المحافظة على  مصالح المالك  والمستعمل والدولة. إن الدافع الاقتصادي التي عملت السياسة الجبائية على تشجيعه هو الذي جعل هذا النوع من التنظيم أمرا ممكناً. فهذا النموذج من المساحات الخضراء المبني على هذا النحو يتجاوز المعنى المورفولوجي للكلمة. أنه يتوافق مع البعد الثقافي التي تقوم ممارسة الفضاء وتقاليد الشعب السكاندينافي على تنظيمه وهيكلته.

[10] Duchac, M., Actes de Colloque d’Aix-en-Provence. 1972.

[11] Chombart de Lauwe. Ph., CRESM, 1963.

[12] Actes de Colloque, Op. cité.

[13] Guy, Henri, Dix années d’urbanisme. La naissance d’une ville, Barcelone, Editions du Moniteur, 1982.

[14] Tanas, Michel, in Revue Urbanisme, no 200, fev-mars, 1984.

[15] Krier & Culot. Contre-projet. AAM Editions, 1980.

[16] De Vilmorin, C. La politique des espaces verts. CRU, 1976.

[17] Choay, F., Urbanisme. Utopie et réalité. Paris, Seuil, 1963.

[18] Barthes, Roland, cité par Colquhoum, A. op.cité.

[19] Choay, F. op.cité.

[20] Mayer, S. Parti pris pour l’écologie. Messidor/Ed. Sociales, 1990.

[21] Dajoz, R. Précis d’écologie. Gauthiers-Villars, 1978.

[22] شمبار دو لاو يحدد المشاكل الثقافية المتعلقة بالمخططات العامة للتحضير والتمدن المرتبطة بالبيئة بنقطتين:

- "توزيع المعالم الرمزية والإدارية والعلمية والاحتفالية، والمحافظة على الآثار التاريخية أو صيانتها، دراسة تسيير دخول لهذه الفئات من المعالم إلى جميع الطبقات الاجتماعية." .

- يجب مراعاة على مختلف الأصعدة التجهيزات الثقافية الواجب توفرها: على مستوى الحي، مجموعات الأحياء، تجمعات الأحياء". Paris, Essais de Sociologie, 1952-1964, Les éditions Ouvrières.

[23] Vilder, A., cité par Colquhoun, A. op.cité.

[24] Dalgier, J., La place Jean Jaurès, travail personnel de fin d’études. Ecole d’Architecture, Marseille, Luminy, 1993.

[25] Lynch, K..- L’image de la cité.- Paris, Dunod, 1960.

[26] Bekkouche, Ammara, Espaces verts et croissance urbaine, Magister en urbanisme, USTO, 1990.

[27] إمكانيات مهيكلة للموقع: إن المساحات الخضراء الحضرية القائمة على عقارات التي تتجلى فيها الممارسات الاجتماعية يمكن أن تكون مفيدة في استعمالها إذا تمت تهيئتها على نحو سليم. فالممارسات الاجتماعية تعبر عن وجود حاجيات مادية مثل السوق أو حاجيات لا مادية مثل جمال الموقع، المعتقدات، الطقوس، أحداث، احتفالات.

- الاعتبارات المتعلقة بالظروف والسياقات: إن المنهج  الإيكولوجي في إجراءاته يعتبر أن بنية السياق مثل الهوية، الطبع، والتاريخ، كإمكانيات. وفي هذه الحالة وجب استغلال العناصر الهامة التي يمكنها أن تعطي للأنشطة أثراً اقتصاديا إيجابياً يعود بالنفع على المدينة.

- إن هوية المساحات الخضراء مرتبطة بالمؤشرات الفيزيقية والمورفولوجية المتعلقة بعملية النمذجة والهندسة والأبعاد.

- إن خاصية المساحات الخضراء مربوطة بمؤشرات غير مادية على صلة بالعناصر الهامة غير القابلة للتكميم مثل الممارسات، والمواقع.

- ذاكرة المكان مرتبطة بإجراءات بتشكل المساحات الخضراء. يتوقف بناؤها على مجمل التغيرات التي أحدثت فروقاً بين الشكل الأولي والشكل المتصور. إن مراعاة معطيات السياق من شأنها أن تسمح لنا بتقدير أهمية وطبيعة التغيرات المسجلة.

[28] هناك الكثير من محطات الوقود تتخلل الشارع: أثنين منها تقعان في الأفق المركزي


Old Constantine, an ambiguous heritage

The conflicts in defining the old Constantine patrimony are related to on identity problem, which is in actual context often confounded with arab and islamic culture. It's therefore a question of trying to identify those factors which call for recognition of the Constantine heritage. We have chosen to answer, although only partially by a double analysis; that of the ground and holdings (P.O.S) in Souika and that related to attempts at restauration and development of main monument sites, from ottoman origin (the Bey's palace, Medersa el Ketania) or French (the County Buildings [Wilaya], the Medersa [seat of learning]). To this analysis we combined research elements (on the field investigation and involving people in charge of local government).


مقدمة

تمثل إشكالية التراث المعماري في مدينة قسنطينة العتيقة منذ بداية الثمانينات إحدى انشغالات السلطات، حتى وإن كانت النقاشات حول هذه المسألة متضاربة في الغالب. وهذا ما يفسر على ما يبدو تباين المواقف التي تميز الدراسات والأبحاث المتعلقة بهذا الموضوع.

إن الوضع المعقّد لهذا الموقع (قسنطينة القديمة) ووجوده في مكان قريب جدا من آثار وبنايات تاريخية متعلقة بِحِقَب تاريخية مختلفة (الحفصية، العثمانية، الفرنسية) و الانهيارات المتواصلة التي تتعرض إليها بعض الأحياء (الشارع، السويقة)، جعل الغموض ينتاب مصطلح العمران نفسه. وفي السياق الذي أصبحت فيه الهُويّة العربية الإسلامية تأخذ مكانة متميزة، أضحى مصير الموقع والآثار التاريخية موضع إشكال، و مثار الإشكال يتعلق بماهية العوامل التي تدفع للاعتناء بالتراث المعماري القسنطيني.

فما هي الآثار المورفولوجية والهندسية التي شكّلها  الماضي في الحاضر؟ و هل هي تخليد لذكريات  معالم لأحداث عديدة (صالح وأحمد باي، مالك بن نبي وعبد الحميد بن باديس)؟

يثير هذان التساؤلان المأزق الذي يتعلق بخيار "المحافظة": فما الذي يجب المحافظة عليه؟ التراث القسنطيني باعتباره شاهدا على التاريخ المتنوع للمدينة[1]  أم التراث العربي-الإسلامي أم الإطار  المبني التاريخي أم استعادة أراضي من أجل التمدن في المستقبل؟

من أجل معالجة هذه التساؤلات نقترح تفكيرا حول مخطط شغل الأراضي (POS) للسويقة وحول بعض عمليات الترميم. و يكشف هذا التحليل جوانب من صراعات التسيير التي تعرفها مدينة قسنطينة.

الصخرة : رهان "الصراعات"

تعرف المدينة القديمة لقسنطينة عدة طرق للتملَك (appropriations) التي تمسّ فضائها وحتى تاريخها، مما جعلها محلا لرهانات عديدة. لا يتوافق امتلاك الموقع من طرف المضاربين (من رجال الطراباندو) ومشروع الحفاظ والترميم مع الإطار المبني الموجود حيث يعرف الميدان جملة من التحولات ترجع إلى التغيرات التي طرأت على الأماكن (الواجهات) بهدف ترميمها ومشاريع بنايات أو بنايات جديدة. تتعارض هذه العمليات والإطار المبني التقليدي الموجود. كما أن المشاريع الرسمية تعطي انطباعا بتجاهل تام للدينامكية التي ما فتئت تتزايد داخل السويقة، التي تعتبر غالبا غير مستقرة بل جانبية.

ونذكر هنا أن قسنطينة المدينة تُعَدّ مركز تجمّع سكاني لـ 800 ألف نسمة، يوجد حول هذا المركز  حوالي 50%  من المصالح التجارية وهو يشتمل على تجهيزات مركزية وجهوية أيضا (ملحق الجامعة، أكاديمية جامعات الشرق، والمسرح، والولاية، ومصلحة مسح الأراضي،...). وتكشف الأبحاث الميدانية التي أجرتها كل من فتيحة بنيدر وبديعة صحراوي[2] سنة 1983، والتي تمت متابعتها في سنتي 1988و 1989 من طرف لجنة المجلس الشعبي البلدي في شهر ديسمبر1993 (حول مخطط شغل الأراضي) عن شروط معيشية كارثية تتجاوز الخيال. وفي الواقع لقد أدّت أعمال التخريب والكثافة السكانية العالية جدا وغياب الرفاهية، إلى مشاكل لم تسلم منها البيوت حتى في داخلها: الرطوبة، وانعدام النظافة، والأمراض، والتعايش المضني بين السكان، وما ينتج عن هذا من أضرار. كما أدت إلى المشاكل التي تحدث من الخارج وهي ليست أقل حدة من الأخرى مثل: المخدرات، والكحول، والدعارة، وغياب الأمن، و ذلك على الرغم من كل المحاولات الرامية إلى محاربتها.

وقد تصاعدت المشاهد الدرامية بسبب الظروف الصعبة التي عرفتها نهاية السبعينيات: المشاكل المتعلقة بالملكية المشتركة غير القابلة للتقسيم،  إيجارات منخفضة،و حالة العبور،و ترحيل المنكوبين في "سكنات ذات إيجار منخفض" (HLM) بين سنوات 1978 و 1986 وفي "العري وتحت الغطاء" منذ نهاية الثمانينيات.

لم تتوقف المدينة منذ أكثر من عشرية من الزمن، كما قدمنا لذلك في هذا الوصف المختصر عن التحول إلى موضوع مرتبط بثائية تراث ينبغي المحافظة عليه وميدان ينبغي تشييده و تمدينه.    

يطرح مستقبل الحي التاريخي إذن مسألة شائكة للمسيِّرين خاصة فيما يتعلق بالمجال، على اعتبار أنه وعلى الرغم ما تبقّى من البناية العتيقة جدا، فإن الصخرة ما تزال تملك حيوية، و بالتالي أصبحت مستهدفة من قبل التجار و المقاولين الخواص.  

وإلى جانب ذلك فإن المدينة تُشكِّل في الوقت نفسه إرثا وهوية، يمثّل ما بقي من قيمة اجتماعية- فضائية وتاريخية. كما تمثل إضافة إلى ذلك أيضا انعكاسا لمعيش يومي. ويكشف المعيش، كما سبق وصفه، عن وضع حرٍج مردّه أساسا إلى تآكل الإطار المبني وإلى غياب نشاطات الدعم وتلف صورة الموقع وطبيعته، وهذا ما يطرح عددا من الأسئلة: أي قيمة يجب أن نعطيها لماضي يدخل في مجال الأساطير؟ وأية قيمة يجب أن نعطيها لتراث معماري وهندسي في تآكل مستمر؟

في الواقع، تجد السلطات نفسها في حالة وقوع الكوارث في مواجهة مشكلة إعادة إسكان من هم دون مأوى، وهم سكان هَوَت بيوتهم تحت تأثير أمطار طوفانية (1983) وزلازل (1985) أو تخريب مقصود للبيوت. ومن ثمّ يتمثل التراث المعماري بإعتباره حطاما يثير انشغالات اجتماعية عملية، بمعنى وجود منكوبين تجب إعادة إسكانهم ومنازل آيلة للانهيار يجب إخلاؤها وترميمها على عجل، وبنايات متهدمة يجب إحصاؤها، إضافة إلى وسائل الرفاهية التي يجب توقعها.

يأخذ المسيّرون والسكان بعين الاعتبار الحقيقة التاريخية التقنية للمدينة (انهيار البناية وصعوبة إعادة إسكان العائلات المنكوبة). بمعنى أن قسنطينة تُعدّ بمثابة مركز مدينة مكثف الانهيار، وتغزوه الأوبئة بشكل مستمر. وهذا هو الحال خاصة بالحي القديم لليهود (الشراعة) والحدّ الجنوبي للصخرة (السويقة السفلى) و من أجل ذلك تُعد الصخرة مدينة تجاوزها الزمن، متريِّفة ومافتئت تشغل اهتمام مسؤولي المدينة[3] الواعين بضرورة الاستعجال الذي يقتضي تدخلا ذي طابع اجتماعي، وهذا ما دفعهم إلى الإلحاح على الاهتمام بالأنقاض وما ينتج عنه خاصة في "المنخفض" و"السويقة"، وهو الحي التقليدي بامتياز والذي يعد أيضا الأكثر تأزما، إذ يشار إليه على أنه كوخ قذر ومأوى الآفات الاجتماعية.

واعتبارا لهذه العوامل، و من أجل مواجهة الصعاب المتعلقة بها، تبحث السلطات عن حُجج من أجل نزع ملكية السويقة السفلى من أصحابها وذلك باقتراح "إطار لمعيشة أفضل"[4].  وقد أدى تصور المدينة بوصفها منطقة تستدعي أشغال تحسينية بواسطة مخطط الإعمار لسنة 1976، بالسلطات في مرحلة أولى إلى تجميد تراخيص البناء، مع العلم أنه لا يوجد دفتر أعباء خاص بالمدينة القديمة. ولذات الأسباب فإن السلطات تقبلت بشكل ايجابي مخطط شغل الأرض سنة 1994.  

2.السويقة : رهان فضائي

لاحظنا في تحليلنا لمواقف السلطات المحلية تناقضات بين الخطاب وتأويله عملياً. يوضّح مثال السويقة مسار و طريقة حدوث النزاع من أجل الفضاء بين عدة فاعلين، فتحوّل المنطقة السفلى من الصخرة إلى أكواخ جعل منها فضاء لصراعات لا تنتهي ضد الإتلاف و ضد شروط المعيشة الصعبة جدا لأغلب السكان، وصراعات أيضا ضد الآفات الاجتماعية (كحول، مخدرات) التي تخفيها الأنقاض، إضافة إلى صراعات ترتبط بتزايد الأحياء القصديرية وبعدم الاستقرار بسبب التهريب والمضاربة.

دفعت كل هذه الصراعات اليومية والظاهرة للعيَان السلطات بطريقة غير مباشرة إلى إعلان السويقة حيّاً هشّاً، وبالتالي تسجيله ضمن مشروع القضاء على الأحياء الهشة، دون الأخذ بعين الاعتبار طبيعة الموقع ولا النصوص التشريعية المتعلقة بالمواقع والمعالم التاريخية[5].  وهنا يكمن الغموض المتعلق بمستقبل الموقع الذي يتم تغيير اسمه، بحسب التقديرات والأمكنة والظروف، من حي للبؤساء وموقع للأنقاض، إلى موقع يعبَر عن إرث وهوية. والواقع أن مرتبة السويقة، الحي الأكثر أصالة للمدينة، تراجعت بسبب الِقدم، إراديا أو عفويا، وأصبحت السويقة بفعل الأحداث عائقا حقيقيا. وفي هذا الصدد، كتب "صفر زيتون" في أطروحته عن الجزائر العاصمة أن " انحطاط البنايات يعبّر عن نوع من العصيان المدني والذي من الخطأ إرجاعه فقط إلى تأثير المتغيرات الأنثروبولوجية ونمط الحياة أو الطبيعة (تضخم السكان)[6]"

وإذ يتحول هذا الموقع إلى رهان مجالي يتم إدماجه بطريقة طبيعية ضمن مشروع القضاء على الأحياء الهشة أو إعادة الإسكان، فإن برنامج شغل الأراضي يعبّر عن الأهمية التي توليها السلطات المحلية لهذا الموقع[7]

1.2. مخطط شغل الأراضي

مخطط شغل الأراضي هو تمديد غير مباشر لمشروع التجديد الذي أقرّه سنة 1988 والي قسنطينة[8]، أي اقتراح مشروع يسمح بتدخل عاجل لإصلاح الميدان مما يؤدي إلى تعميره في المستقبل.

و بما أن مخطط شغل الأراضي، وثيقة معيارية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المخطط الشامل للتمدين وبالتشريع ساري المفعول، أن هذه العملية قد تجاوزت إطار تدخلها. وتحوّلت إلى وسيلة تستعملها السلطات من أجل استرجاع ملكية الأراضي. وبمعنى آخر فإن مخطط شغل الأراضي بالشكل الذي تمَ إقراره، من شأنه أن يكون ذى تأثير مضر فيما يتعلق بالحفاظ على الصخرة. والاقتراحات المقدمة لا تأخذ بعين الاعتبار حقيقة الموقع وهي غير مسجلة ضمن مخطط شامل للتهيئة العمرانية كما يُقرِّه المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير ((PDAU (إعادة البناء وإعادة الإسكان) كما أنه لا يراعي أحكام الأمر 67-281.

والواقع أن البرنامج لا يأخذ بعين الاعتبار خصائص المدينة القديمة، ولا التجمع السكني كما أنه يتجاهل التحَولات و "البنيات الاجتماعية الجديدة" والديناميكية الحالية والطريقة التي يبنى بها الموقع (إعادة البناء، الواجهات).

يأخذ مخطط شغل الأراضي بعين الاعتبار أصل الموقع، بمعنى الحفاظ على إطار مبني وحضري موروث عن العثمانيين، ويتجاهل ما قدمته الحقبة الاستعمارية والمبادرات الحالية كذلك. وعليه يجب اعتبار مخطط شغل الأراضي على أنه وسيلة للتنظيم الاجتماعي وليس مخطَطا لإعمار الأراضي لا يقدم اعتبارا لطموحات السكان[9]. وفي الواقع فإن مشروع السويقة تجسيد حيّ عصري من شأنه أن ينافس باقي أجزاء المدينة. ولكن ما الذي ستؤول إليه مدينة قسنطينة من دون ظلال حيّها "السويقة" ؟ إن ما يحدث هو "اغتيال للتاريخ"، كما يتحدّث بذلك قدامى سكان المدينة وبعض مرتادي المكان (خلال مقابلتنا لهم). لقد أضحت إعادة الإسكان أمرا مخيفا، إنها تفتح الأبواب أمام كل المضاربات وأشكال التسوية الملفقَة ف "رجال الطراباندو هم المستفيدون من ذلك". يا ترى من سيسكن السويقة بعد أعمال الترميم ؟ بلا شك، ليس السكان الحاليين، حتى ولو أن مشروع إعادة الإعمار يقترح مخططا لإعادة إسكانهم.

نلاحظ أنه لا توجد أية صلة بين المسائل المطروحة في بداية التحليل والمقترحات المقدمة، ومع ذلك فمشروع إعادة الإعمار يبرّر خيار السويقة السفلى بحكم طبيعة الموقع إذ يعتبر "الأكثر تمثيلا للثروات الثقافية والتاريخية وكذلك بالنظر لموقعه الاستراتيجي المتميز[10]".

ينتهي تحليل هذه الدراسة باستخلاص ملاحظات مهمة مرتبطة بـ "الموقع الاستراتيجي والمتميز" للصخرة و"بالثروات التاريخية والثقافية" للمدينة، إذ تدعو هذه العوامل المشجعة إلى التدخل في السويقة السفلى، حيث يتمثل أحد أهم أهداف هذا التدخل في الكشف عن رمز ماضي المدينة وصورة الحاضر..."، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بتطوير الصناعة التقليدية التي من شأنها، بشهادة محترفيها، إحداث دينامية ثقافية وسياحية"، بينما تبقى الصخرة في الوقت الحاضر حية بفضل العدد الكبير من المحلات التجارية والخدمات[11]، دون أدنى دور للصناعة التقليدية أو السياحة.    و الملاحظ أن الصناعة التقليدية في قسنطينة موجهة في غالبها للاستهلاك دون السياحة، إذ لا تتعلق إلا بتجهيز النساء اللاتي يقبلن على الزواج. ويقبل على هذا المكان أناس من كل مناطق شرق البلاد من أجل شراء النحاس والمجوهرات و"القندورة القسنطينية" (قطيفة مطرزة بخيط الذهب)، و لذلك فالميل إلى ربط مستقبل المدينة القديمة بالصناعة التقليدية وبالسياحة قد لا يجدي نفعا. قد يصحَ الأمر بالنسبة لمدينتي تونس وفاس حيث تحتل الصناعة التقليدية مكانة رائدة، بل إن ديمومتها تعود بدرجة كبيرة إلى السياحة. هذا الاقتراح هو بعث لمشروع ألكييي Alquier  الذي يعود إلى القرن 19م، والذي يهدف إلى جعل الصخرة "مدينة للحرف التقليدية"، بينما نشاطات التجارة والصناعة التقليدية المقترحة لا شأن لها مع الحقائق الحالية.

والسؤال الثاني الذي يطرحه مخطط شغل الأراضي يتعلق بالمستقبل الاجتماعي-المجالي للموقع، "هل يجب زعزعة النسيج والحياة الاجتماعية أو بالأحرى تغييبهما"[12]؟

يرتبط مصير الحي اليوم بتزايد الأراضي المتسعة والانتشار التلقائي للأحياء القصديرية من جهة، ومشروع السلطات المحلية المتعلق بمنح الأراضي الشاغرة للتهيئة العقارية الخاصة من جهة أخرى. 

وتحيل الأسئلة المطروحة بالدرجة الأولى على ترميم الموقع وعلى استبدال النسيج العمراني والسكاني، ثم على الرهانات الحقيقية. ونلاحظ أن الأسئلة المطروحة سنة 1994 كانت موضع نقاش سنتي 1988-1989، بل إن الأجوبة نفسها كانت موضع اهتمام. واعتباراً أنه لا توجد عملية إسكان مؤقتة، فإن نقل السكان يتمّ بالطريقة نفسها كما لو تعلق الأمر بمنكوبين ينقلون إلى أماكن مغلقة و في مساكن جماعية وذات طابع اجتماعي. ولن تكون هناك إعادة إدماج السكان في المدينة القديمة، ونموذج عنابة في هذا الصدد خير مثال[13].

وفي الفترة نفسها (1980-1990)، تترك عملية الإتلاف تفعل فعلتها بمدينة قسنطينة، وهو ما يفسر أن 40%  من المنازل قد تم هدمها في ظرف عشر سنوات (1984-1994). فالمعاينة التي أقرها برنامج إعادة الإعمار يبيّن أن 54% من المنازل قد تم تهديمها أو إقفالها من بينها 11% تم احتلالها و8% منها فقط بقيت في حالة جيدة.

يدخل مخطط إعادة الإعمار أو كل مقترح آخر ضمن ميزانية القضاء على الأحياء الهشة، وهو ما يعني تسوية مشكل عدم الاستقرار الذي يطرح بدوره مشاكل ذات طابع اجتماعي وتقني غير مرتبطة بالمِلكية. ولكون السويقة تمثل حيا عريقا باعتبارها الجزء الأكثر أصالة من الموقع، و لا يطرح الإشكال فيما يتعلق بتصنيفه على اعتبار أن "السويقة هي هويتنا" كما يتردد على ألسنة سكان الحي.

تمّ تبنّي برنامج إعادة الإعمار في وقت كانت السويقة تعاني فيه من سيطرة ممارسي التهريب وكان نقص العقار داخل المحيط الحضري يطرح بشكل حاد. وأصبحت هذه الجهة الأكثر أصالة في المدينة مسرحا لكل النشاطات غير الرسمية وغير الشرعية، وهو ما شجع انتشار القصدير وهجر المنازل من طرف أصحابها بسبب عدم قدرتهم على دفع الضرائب بالنسبة للبعض، وبسبب غياب الأمن بالنسبة للبعض الآخر. لم تجد هذه الاعتبارات على أهميتها مكانا في اقتراحات مخطط إعادة الإعمار. بينما يقتضي الواقع كما كتب Chombart de Lauwe : أن يكون أي مخطط شعبيا (...) إذ لا يمكن تحقيق أي إنجاز كبير ولا أية حياة منسجمة من دون إيمان محرّك. يتطلب التعبير عن هذا الإيمان في أزمنة تنسجم فيها أشكال ووضعية المدينة مع وظيفتها وقيمتها الرمزية. فمن خلال ذلك يتم تقسيم الفضاءات الاجتماعية التي أعطاها موريس هالبواش (Maurice Halbwachs) أهمية قصوى في دراسته للذاكرة الجماعية بوصفها فضاء قانونيا، اقتصاديا ودينيا"[14].

2.2. "تحويل" الميزانية لصالح السويقة السفلى

يدخل مخطط اصلاح السويقة وتخليصها من الأنقاض الذي اقترحه برنامج شغل الأراضي في إطارمشروع الدعم المالي للاتحاد الأوربي. وكان الهدف الرئيس من هذه المساعدة "تحسين ظروف السكن لمجموع البنايات الموجودة بمحاذاة المواقع الحضرية"، وهو الأمر الذي يعني التجمعات السكنية المحيطة غير الشرعية. يتعلق الأمر إذن بمساعدة المواطنين من ذوي الدخل الضعيف ممن لا يتوفرون على الحد الأدنى من شروط النظافة أو صرف المياه المستعملة، ورمي القاذورات، والكهرباء والتجهيزات الاجتماعية الضرورية[15]. وبالموازاة مع هذا الدعم، خصَص المجلس الشعبي البلدي لمدينة قسنطينة ميزانية من أجل القضاء على السكن. وبالتالي، فمشروع التدخل في السويقة السفلى يندرج في إطار هاتين الميزانيتين.

خلاصة

لم تعد المدينة من خلال أحيائها مرجعا تاريخيا، على اعتبار أن إطارها المبني أضحى مرفوضا، وما يشد الانتباه إذن هو الدور التقليدي للشوارع حيث ما فتئت الألفة الاجتماعية تسجل ازديادا مستمرا. يبدو إذن أن الهوية لا ينبغي البحث عنها في التراث المبني ولكن في الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية للموقع. ولهذا السبب تتحدث السلطات عن الدور الذي من شأن هذا الموقع، أن يلعبه إذا ما تمّ تشجيع السياحة والصناعة التقليدية، وهو ما يفسر تلك مشاريع المبرمجة لبناء الفنادق والزيادة الكبيرة للصناعة التقليدية في السويقة السفلى، و هو الحي المكرس للتحديث.

وفي هذا الصدد، يتحدث هيرزفيلدHerzfeldعن غموض السياحة، بمعنى أنها على الرغم مما تمنحه من دعم مادي (شغل، مال) فإنها تجعل السكان تابعين لها اقتصاديا، كما هو الحال بالنسبة لمدينتي فاس و تونس[16]. تمسَ هذه الازدواجية و الغموض،  أيضا المستقبل المجادل فيه، مادام الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بمدى توفر الاحتياط العقاري، وما التراث الهندسي ليس إلاَ حجة من أجل جعل التدخل في عملية إعادة البناء شرعية. في هذا الشأن يقول ج. موني J. Monnet "إذا اقتنعنا بضرورة الحماية، فإن مصلحة ذلك تعود فقط إلى الخصوصية المتميزة والفريدة للمعالم، إلى درجة أن هناك استعدادا لإتلاف المحيط مهما بلغ من القدم من أجل إعطائها القيمة التي تستحق[17]". 

3.ترميم تخريبي للمعالم

تميزت بداية التسعينات بـ "انتفاضة" دفعت بالسلطات إلى الاهتمام بأهم المعالم. وهكذا تم التكفل بـ "ترميم" وتصنيف بعض البنايات بين سنتي 1993 و1995.

أ.معهد ابن باديس

كان هذا  المبنى في السابق ملكا لعائلة الفقيه الشيخ لفقون. وفي سنة 1947 تَم منحه لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عرفانا بفضل الشيخ عبد الحميد ابن باديس مؤسس الجمعية، وهو يحمل اليوم اسم معهد ابن باديس.

وبعد أن تمّ إقرار إحياء ذكرى عيد العلم في 16 أبريل خلال عشريات متعددة، قَررت السلطات المحلية بايعاز و ضغط الجمعيات المحلية والوكالة الوطنية للآثار الاعتراف بالمبنى على أنه معلم تاريخي[18]، وتمّ تخصيص ميزانية 200.000 دينار من أجل إزالة الأنقاض والقيام بالأشغال الضرورية لعملية الترميم. وفي سنة 1993 تمّ اقتراح تقديم هذه البناية من أجل تصنيفها. دون انتظار القرار الوزاري، قررت السلطات البدء في الإصلاح والترميم، ومع ذلك لم يتحدد الدور الذي يجب أن يلعبه بعد كل تلك الأشغال. 

قدمت المصالح الثقافية طلبا لإحدى فرق اليونسكو من أجل "التنظيف" بهدف تسهيل عملية الترميم وعدم إتلاف الخزف والرخام، كما هو الشأن بالنسبة للمدرسة الكتانية. تمّ اقتلاع الخزف وقطع الزجاج وترتيبهم وتصنيفهم بعناية. لكن و بمجرد أن تم الانتهاء من التنظيف وترتيب الصناديق، تم تخريب معهد ابن باديس و نهبه. وحسب الوكالة الوطنية للآثار فإن البلدية مسؤولة عن هذا العمل الهمجي، لأنها لم تضمن أمن الموقع كما يُقرّ بذلك المرسوم 382.81 الصادر بتاريخ 26 ديسمبر 1982 الذي ينص أنه "في إطار التشريع الساري المفعول وفي تراب البلدية المعنية فإن البلدية والولاية مؤهلتان لاتخاذ كل إجراء من شأنه حماية التراث الثقافي والتاريخي وضمان تطويره".

ب. المدرسة الكتانية

لعبت المدرسة الكتانية الموجودة بالقرب من دار صالح باي بين المحكمة والمسجد، دورا هاما ابتداء من 1945. اختيرت كلية الكتانية[19] من طرف مشايخ الطرقية قاعدة اجتماعية وثقافية من أجل إرساء برنامج تعليمي وتكويني متطور.

في أكتوبر سنة 1993 وعقب زيارة أدتها المصالح التقنية للولاية والبلدية إلى المدرسة الكتانية، تمَ إقرار مشروع الترميم وإقامة سياج من أجل الفصل بين مقابر عائلة صالح باي. وكان ذلك من دون إشعار للوكالة الوطنية للآثار، مع أن الأمر يتعلق بموقع أثري مصنف، والبند 40 من الأمر 67 يؤكد أن "التصريح المسبق من وزير الثقافة إجباري. يبدو إذن أن البلدية لم تشعر مصلحة الآثار بالأشغال التي برمجت من أجل ترميم المدرسة.

أُسندت أعمال الترميم بمقابل باهض إلى مؤسسة البناء (COSIDER)، وبسبب نقص المتابعة وقلة التجربة، كانت النتيجة "كارثية". وقد مست الخسائر الطلاء وقطع الزخارف، وخاصة تلك المتعلقة بمقابر عائلة صالح باي، ولم يتم إعادة قطع الزخارف إلى مكانها.

هذه المبادرة المؤسفة هي نتيجة عمل "مبعثر أُنجز على عجل"، على حد قول مهندسة تعمل لصالح وكالة الآثار. وتلح مسؤولة من مديرية التعمير على أنه "كان لسوء التفاهم بين الأشخاص الأثر السلبي على عملية الترميم. "لقد تبددت الجهود رغم أن الأمر يرتبط بمشروع مشترك". ولم تر مصالح الولاية، حسب مسؤولة من وكالة الآثار، أهمية إٍخطار المصالح الثقافية المعنية، متذرّعة بسلطتها المحلية باعتبارها ممثلة لعدة وزارات، وهو الأمر الذي يعكس جهلا تاما بنصوص القانون (المرسوم 81-382 المؤرخ في السادس و العشرين من شهر ديسمبر لسنة 1981). فالمدرسة (Medersa) معلم مصنَف منذ سنة 1913، وهو ما يجعلها تحت سلطة الوكالة الوطنية للآثار بحسب البند الخامس من المرسوم 81-382 الذي ينص على أن: "الولاية مكلفة بالحفاظ على المعالم التاريخية والمواقع الثقافية والطبيعية وصيانتها بالتنسيق مع المصالح المختصة".

ج. مسجد لخضر   

كان مسجد لخضر[20] الذي تمّ بناؤه من طرف بوحنك باي في القرن الثامن عشر مدرسة في عهد صالح باي، واحتضن المدرسة الإصلاحية القسنطينية للشيخ ابن باديس. هذا المعلم الذي تم تصنيفه عام 1903 هو المعلم الوحيد الذي نجا من سطوة التغيرات في الحقبة الاستعمارية. ولكن  تمّ تغيير شكله بسبب أعمال الصيانة الجارية : لقد تمّ طلاء حتى الأعمدة وتيجان الأعمدة الرخامية، كما تمّ استبدال الزخارف التي تحطمت بأخرى بحسب ما يتوفر في السوق. لقد بقيت على شكلها الأصلي إلى غاية التسعينيات، تاريخ بداية أشغال الترميم التي غيرت من شكلها، ومن ثمّ فقدت وجهها الأصيل.

وكما كان الأمر بالنسبة للمدرسة الكتانية، فإن السلطات المعنية (مصلحة الشؤون الدينية والمجلس البلدي)، لم تر أهمية في إخطار الوكالة الوطنية للآثار. أسقط "التسيّب المفضوح" للسلطة[21] المدرسة في مقام غير رسمي وهي عملية أضحت اليوم من الممارسات المحلية، لأن السلطات المحلية نفسها لم تحترم، في مثل هذه الحالات، التشريع ساري المفعول.

وفي كل حالات "الترميم" هذه، واجهت المصالح المعنية، كما عبّرت عن ذلك شواي Choay عمليات  "بربرية، تخريبية- ترميمية". والواقع، على حدّ قولها فإن "الرغبة في تصنيف المعالم والمعرفة بها أمر، والحفاظ عليها ماديا وترميمها مسألة ثانية ترتكز على معارف أخرى"[22]. وتوضح هذه العبارات بجلاء ما قدّمناه بشأن الحالات الثلاث المذكورة.

وهذا بالإضافة إلى أن مشاريع الترميم هذه (معهد ابن باديس، الكتانية، وجامع لخضر) وما نتج عنها من آثار سلبية توضح في الواقع المعارك الحقيقية التي تخفيها المزايدات و الديماغوجية حول التراث. وهي بذلك تكشف جوانب الصراع الموجود بين مختلف الفاعلين والذي أثر سلبا على المدينة العتيقة من جهة، وكشف من جهة أخرى الممارسات غير الرسمية للسلطات (البلدية والولاية) من خلال إقصاء الوكالة الوطنية للآثار[23]، التي يكمن دورها الرئيس في "متابعة عمليات ترميم المعالم المصنفة و حسن المحافظة على المواقع والمعالم التي تقع تحت مسؤوليتها"[24].

الثقافة بوصفها رهانا

أ. المدرسة

تدين هذه البناية التي شيّدت في بداية القرن العشرين حسب "نمط جونار" (style Jonnart)  في اسمها العربي إلى وظيفتها "كوليجا فرنسيا-مسلما" (collège franco-musulman). تواصلت مهمة التعليم العالي في هذه المدينة بعد استقلال الجزائر إلى غاية سنة 1970. وبعد تأسيس جامعة عين الباي تحولت المدرسة إلى ملحقة،  وضمت منذ ذلك الوقت معهد علم المكتبات ومخابر بحث في العلوم الاجتماعية. وبعدما كانت في صلب رهانات جعلت منها مركزا تتنازعه جامعتان (جامعة قسنطينة وجامعة الأمير عبد القادر) أولا، ثم بين الجامعيين ومصالح الثقافة، تحولت المدرسة في سبتمبر 1995 إلى مقر وأكاديمية جامعات الشرق، خلفا لندوة الجامعات التي كانت متنقلة.

منذ تلك الفترة ما فتئت المدرسة تشكَل المخيال الأكثر إثارة بفضل رموزها المتعددة : فرنسا والغرب في إطار هندسي أندلسي، وظلت منذ إنشائها مركزا تعليميا. وتحوَلت أول جامعة في قسنطينة إلى مركز بحث وجدت فيه العلوم الاجتماعية "ذات الطابع الغربي" مقرا لها، حيث يشمل منخفض المدينة (البناء غير الشرعي لنهج رومانيا، والشط Chatt، والحد الجنوبي للسويقة السفلى). وفي شهر أوت من سنة 1994، اقترح وزير الثقافة في زيارته لمدينة قسنطينة على السلطات المحلية تسليم المدرسة لمصالح الثقافة من أجل تحويلها إلى دار للثقافة. والواقع أن هذا الكيان الحضري، باستثناء أماكن العبادة، لا يضم فضاءات ثقافية.

تدل المشاريع المتعاقبة لتسليم هذا المعلم الحضاري على أهمية هذه البناية، كما تكشف عن أهمية معالم الحقبة الاستعمارية، وهذا ما يحيلنا إلى الأمر رقم 67-281 و إلى وثيقة "غدا الجزائر" (1995).

ولكن كيف يمكن تفسير هذه "الانتفاضة الثقافية"، إن لم يكن من أجل أن تزاحم الثقافة المسجد، علما أن المشروع الإسلامي يسعى إلى محو الجوانب الرمزية التي تمثل الغرب. يبدو إذن أن مشروع الوزير يسعى إلى إعطاء المدرسة معنى جديدا.

ب. قصر الحاج أحمد

تدعمت هذه اليقظة الثقافية بترميم قصر الباي[25] الذي سيتحول إلى متحف للإثنوغرافيا. تحوَل هذا المعلم الذي يجسد سلطة البايات إلى مقر إقامة الحاكم العام لمقاطعة قسنطينة ولأركانه عام 1837. و منذ الاستقلال، أصبح هذا المعلم رمزا للهوية الوطنية باعتبار أن التاريخ العثماني يُستحضَر بشكل رئيس من خلال هذا القصر.

و بالاستئثار بالقصر، قام الفرنسيون ببعض التعديلات التي تُعدّ مهمة من الناحيتين الفنية والتاريخية (الأمر 67-28 I). ومع ذلك فإن خيار الوكالة الوطنية للآثار تَحدَّد حول تأسيس الظرف التاريخي في شكله الأصلي، وبإعادة تأسيس حياة الحاج أحمد من خلال الفضاءات التي كان يشغلها، حتى وإن كان سيتم تحويله لدور آخر، "متحف الإثنوغرافيا" وليس متحفا يمثل إقامة الباي بأثاثه وحيويته.

تقبّل مجموع الفاعلين في المدينة مشروع الترميم هذا من دون إثارة أي جدل. ولم تطرح مسألة ظروف تشييده، مع أنه بُني من أجل تلبية الرغبات والحاجات الخاصة بالباي.

ومن أجل تلخيص هذه المواقف، يمكن ذكر مقولة أ.ريجلA. Rigel  "ليست الغاية المحددة له في الأصل هي التي تطبع هذه الأعمال (القصر) برمزية المعالم، بل نحن بوصفنا ذوات معاصرة من يمنحها طابع الرمزية[26]".وبمعنى آخر، فإن ذكر تاريخ الفترة التي سبقت الاستعمار من خلال ترميم القصر، أمر ذو معنى. فالسرد التاريخي من خلال البناء يأخذ معنى جديدا، لأن الأمر لا يتعلق بتخليد ذكرى الباي أحمد، بل ارتبط القصر باعتباره فضاء وهندسة بفترة تاريخية، وعليه، فإن خيار الوكالة الوطنية للآثار يحمل رسائل جديدة.

ج. الولاية

تم تحطيم دار الخليفة ومسجد بن مخلوف خلال الفترة الممتدة من سنة 1949 إلى سنة 1954، ليتمَ بناء مقرَّي الولاية والبلدية. وقد احتوت الولاية بهندستها المعمارية النيوكلاسيكسية "أسلوب المنتصر" مقابل المدرسة ذات الهندسة النيوأندلسية التي ضمت متحف قسنطينة الذي سيحمل اسما آخر غير سيرتا (الواقعة بكودية عاطي).

في جوان سنة 1995، اعتبر الوالي أن البناية "تحفة" من كثرة إعجابه الكبير بفخامة البناء. ومع ذلك فقد اعترض على استبدال مقر الولاية من مركز المدينة إلى خارجها والطابع الفخم للبناية جعل منها متحفا للهندسة النيوكلاسيكية، ولكن ليس ثمة حاجة لمنحها هذا الدور. أمَا رئيس المندوبية التنفيذية للبلدية فقد اقترح وبكل بساطة تهديما كليا لمقر الولاية. و في "اندفاع وطني" أو ايديولوجي ومن أجل منع تهديم هذه البناية، اقترحت بعض الجمعيات وعدد من المدافعين عن المدينة القديمة تصنيف مقر الولاية. وفي يناير سنة 1995 تضمنت لائحة المعالم المقترحة للتصنيف الوطني بشكل رئيس بنايات الحقبة الاستعمارية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الاقتراحات الثلاثة، سيكون للصخرة ثلاثة معالم تعكس ثلاث حقبات تاريخية. ووجبت الإشارة أن هذه المشاريع هي مثار جدل، إذ أن ترميم وإعادة تشغيل القصر بوصفه متحفا هو في الأصل مشروع قديم. وفي المقابل تعتبر المدرسة والولاية على المستوى المحلي مصدر رهانات و صراعات هوياتية. تدخل هذه المشاريع "الثقافية" في إطار تثمين التراث التاريخي الذي وُضع برنامجه عام 1985 من خلال دراسة أعدها مركز الدراسات والأشغال العمرانية بقسنطينة (URBACO)  تروم الحفاظ على الصخرة و الهيئة المكلفة بتصنيفها سنة 1992.

هل من شأن هذه القرارات أن تعطي مشروعية للبنايات الاستعمارية من خلال إعادة شغلها ؟ لماذا اقتصر الخيار على بنايتين (الولاية والمدرسة) ترتبطان بالحقبة الاستعمارية وتجسدان موقفين للاستعمار؟ إلى أي مدى سيتم قبول السكان لهذه المشاريع التي فرضتها الإدارة المحلية ؟ هل المعنى الجديد الذي يعطيه أولئك الذين يهيئون الفضاء والمجتمع من فوق لهذين المشروعين يثير اهتمام الشباب ؟ وأي شباب، هل هم  شباب السويقة أم غيرهم ؟ أليسوا أعضاء في جمعية السويقة؟ ما هي إذن الرهانات الحقيقية على اعتبار أن للجمعيات اهتمامات أخرى خارج هذا المجال، أو على الأقل لا ترتبط بالحفاظ على التراث لأنه ليس ملكا لها ؟

خلاصة

يؤكد تحليل مخطط شغل الأراضي ومحاولات الترميم على تردد السلطات فيما يتعلق بمستقبل التراث في قسنطينة (الموقع، والمعالم، والصناعة التقليدية). والواقع أن الحفاظ على ذلك ما يزال محل بحث في الجزائر، لأنه ولحد الآن ورثنا تجارب تمّ تجاهلها (قصبة الجزائر، غرداية)، وهو ما يمكن اعتباره في رأينا نقائص تفسر التردد الذي يبدو جليَا في طريقة تسيير السلطات المحلية لمسألة التراث المعماري. وتَبين نماذج الترميم الصعوبات الكثيرة التي تعترض المشاريع على مستوى قابلية الإنجاز.   

                ترجمة بلقاسم بن زنين

بيبليوغرافيا

AI Korso, M., «La dimension culturelle et religieuse dans l'Algérie coloniale (1830-1954) », in Algérie Actualité du 5-11 nov. 1992.

Boumaza, Z., les réappropriations sociales des espaces dans la médina de Constantine, Th. Doct. Paris 7, 1997.

Chombard de Lauwe, problèmes de délimitation de quartiers, Paris et région parisienne, 1952

Choav, F., allégorie du patrimoine, ed. Seuil, Paris, 1992.

Herzfelt, M. A, place in history, social and monumental time in Cretan town, Princeton -university press, New Jersey, 1991.

Dans l'imaginaire de certains conservateurs, le classement ne concerne pas les parties coloniales. C'est pour cela d'ailleurs que l'instance de classement n'a pas été affichée à la mairie.

Lepetit, B., « Analyse du présent et ressaisissement du passé», in Second Colloque international d'histoire urbaine, Strasbourg du 8 au 10 septembre 1994 (ronéo).

Monnet J., La vie et son double, la parabole de Mexico, essai de recherche Nathan, Paris, 1993

Riegl, A., le culte moderne des monuments, son essence, sa genèse, éd. Seuil, Paris, 1984.

Safar Zitoun, M., Stratégie sociale et appropriation de l'espace; le cas d'Alger, Th. Doct., Paris 7, 1992

Sannier, Y., La ville et ses découpages in Mélanges de l'école française de Rome? Mefrim t. 105, 1993-2, p.p. 375-403.

 

الهوامش

[1] (وثيقة "غدا الجزائر"،1995)

[2] حسب بحث أجري سنة 1993 بعض أصحاب الأراضي قد تخلوا عن منازلهم لمصالح الجباية، بسبب عدم قدرتهم على دفع الضرائب.                 

[3] خلال الأيام الدراسية حول القصبة (العاصمة) في ديسمبر 1992، ذكر والي الجزائر في مداخلته بالحقيقة التقنية للقصبة: التراث المعماري ليس في الواقع مجرد تكتل من الحجارة التي خلفها السلف، وعليه وجب الأخذ بعين الاعتبار بشروط المعيشة الصعبة جدا للسكان.  

[4] POS,PDAU…

[5] الأمر رقم 67-28 المتعلق بالمواقع والمعالم التاريخية.

[6] مدني صفر زيتون، إستراتيجية اجتماعية وامتلاك الفضاء بمدينة الجزائر، أطرحة دوكتوراه، جامعة باريس 7، 1992، ص 636. 

[7] تحدد الفقرة 18 من القانون 90-29 الصادر في 1 ديسمبر 1990 و المتعلق بالتهيئة العمرانية مناطق التدخل بالمواقع الحضرية والمناطق التي يتعين حمايتها (المادة 31). " التنظيم الذي تم إقراره في إطار مشروع القضاء على الأحياء الهشة لا يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الموقع، ومثال ذلك أن لون الواجهات أبيض بينما لون الضخرة أمغر. كما أن البرنامج المقترح يعتبر السويقة وحدة جوارية مستعارة من برامج مناطق السكن الحضرية الجديدة (ZHUN)، بينما السويقة حي لا ينفصل عن مجموع

[8] "مشروع خليفة" والي قسنطينة 1988-1998.

[9] يستبق الدراسة استقصاء ميداني وجرد للمتاجر والخدمات بينما لم يتم القيام بدراسة اجتماعية. لهذا الاعتبار تتحدث الأمانة العامة للولاية في سبتمبر1995 عن "قصورات".

[10] مخطط إعمار الأراضي، جوان 1994.

[11] كان شارع ملاح سليمان يضم 112 محلا تجاريا سنة 1992.

[12] مخطط إعمار الأراضي، مرجع سبق ذكره.

[13] في 1988، وفي إطار إعادة إسكان سكان المدينة القديمة (Place d'Arme)، اقترحت مصالح ولاية عنابة إعادة إسكان محددة للسكان : عائلتين (مرتبطتين بالجوار في الحي القديم) في نفس البناية.

[14] Chombart de Lauwe, Délimitation de quartiers Paris et sa région, 1952, p. 357.

[15] برنامج أوت 1993 المتعلق بتحديد برنامج إعادة الاعتبار للترات المعماري في إطار برنامج دعم CEE ، وزارة السكن CEE.

[16] Herzfelt M., A place in History : social and monumental time in Cretan town, Princeton, New Jersey University Press, 1991.

[17] Monnet J., La ville et son double, La parabole de Mexico essai de recherche, Paris, Nathan, 1993, p. 46.  

[18] كانت  الصخرة في انتظار التصنيف، وربما كان هو ذا السبب الذي جعل المعهد غير موجود في قائمة المعالم المقترحة للتصنيف في يناير 1995.

[19] El Korso, M., « La dimension culturelle et religieuse dans l’Algérie coloniale (1830-1954) », Algérie Actualités, 5-11 novembre 1992

[20] يسمى خطأً مسجد سيدي لخضر.

[21] عبارة مقتبسة من بلفقيه وفدلولة، ص 159.

[22] Choay, F., Allégorie du patrimoine, Paris, Seuil, 1992, p. 115.

[23] الوكالة الوطنية للآثار مؤسسة ذات طابع إداري تأسست بموجب المرسوم رقم 87. 10 الصادر في 1987.

[24] تطبيقا للمرسوم رقم 81.382.

[25] Lepetit. B., «  Analyse du présent et rassissement du passé », in Second colloque international d'histoire urbaine, Strasbourg, du 08 au 10 septembre 1994 (Ronéo), p. 4.   

[26] Riegl A., Le culte des monuments, son essence, sa genèse, Paris, Seuil, 1984.


 

Anthropology of a new dwelling space: Land stakes and spatial logics of middle classes in Oran and its suburbs (Algeria)

 First generation property cooperatives (1977-1985) have set up for middle classes and local power a tremendous stake owing to the establishment of communal land reserves and this, in  a  country where private land appropriation was, in 1974, almost impossible because of the Algerian nationalization economy. Guild by modern planning methods, diverting the cooperative spirits has given rise to a new adapted dwelling space. In fact, the wager between modern rationality and identity logics has finished by modifying the outside arrangements and especially the insides of villas owing to past heritage and actual needs. An analysis of habitat spatiality, considered as a series of logics belonging to the middle and wealthy classes, is well worth being studied more thoroughly and extended.


 شهدت منطقة مدينة وهران وبلدياتها المجاورة مع نهاية القرن العشرين، انتشارا واسعا للبناء، يمكن لشخص يتمتع بحس الملاحظة أن يميزه بكل سهولة، بحيث يستطيع أن يتعرف من جهة على العمران القانوني ومن جهة أخرى على العمران غير القانوني القابل للتسوية الإدارية. وينفرد مجال التعاونيات العقارية داخل المدينة المنظمة والمواقع العمرانية الجديدة، بنوعية السكنات الفردية التي تتشكل غالبا من الطبقات المتوسطة والميسورة ومن مستوى التجهيزات المرافقة لها.

يعتبر استرجاع البلدية للأراضي القابلة للبناء في سنة 1974، بإنشاء الاحتياطات العقارية رهانا عقاريا قبل أن يكون رهانا متعلقا بالأملاك غير المنقولة، فالمسألة مرتبطة بنمط حيازة الأراضي من طرف الدولة بوصفها السلطة الممركزة والمخططة من جهة، وبالممارسات والفاعلين المحليين من جهة أخرى.

وبالرغم من وجود عمران منظم طرأت عليه بعض التغييرات بعد الاستقلال، إلا أن السباق نحو التعاونيات العقارية أحدث ضجة كبيرة، وهذا بالرغم من تعليمات الإدارة المركزية حيث تحول الفكر التعاوني لحساب المجال الفردي. فقد تساعدنا المقاربة الأنثروبولوجية أكثر من الجغرافيا الاجتماعية في الفهم الأحسن للأساليب التي من خلالها تمكنت كل من الطبقات المتوسطة والميسورة من التوفيق قصد إنتاج فضاء فردي جديد مسكون، بين التمنطق الحديث للإجراءات الإدارية والمعمارية و"التمنطق الآخر" والذي يجيب عن ثقافة هوياتية تبرز العادات والتقاليد المحلية.

1. التعاونيات العقارية: رهان عقاري للطبقات المتوسطة والميسورة

1.1. الرهان العقاري المُشكل من طرف الاحتياطات العقارية البلدية

شهدت سنة 1976 مرحلة هامة في تجسيد النصوص القانونية المتعلقة بالعمران الشرعي للجزائر المستقلة، وأكثر من هذا، كانت الحكومة قد أعلنت بوضوح عن سياسة السكن الواجب اعتمادها. وللمرة الأولى، اعترفت السلطة المركزية بصراحة أنها ليست قادرة على التكفل بتمويل وبناء السكنات، ودعت "كل المواطنين، والعمال وأرباب العائلات الذين  يعيشون فرادى أو جماعيا ضمن التعاونيات... للمشاركة في بناء السكن الجديد..." كما نصت عليه المذكرة الحكومية المتعلقة بالسكن.

وقد لقيت النصوص التنظيمية المدعمة بالخطاب السياسي، لدى مجموعات النفوذ استجابة من أجل تجسيد سريع للقرار المتخذ على المستوى المركزي. ألحقت بشكل منطقي الاحتياطات العقارية بالبلدية، حيث يبدو هذا التنفيذ في الوقت نفسه على أنه أسلوب من أجل إشراك المواطنين في تمويل سكناتهم، وطريقة لإعادة توزيع غير مباشر لحصة من الموارد النفطية الوطنية قصد دعم الطبقات المتوسطة الشغيلة التي تعمل في المؤسسات العمومية والإدارية. وهنا تكمن الرهانات الحقيقية لانطلاق سوق عقاري مفتوح قادر بمكافئة المسيرين بشكل عام والمنتخبين المحليين خصوصا، الذين قاموا بإعداد القوائم الأولية المشكلة للتعاونيات العقارية الأولى من خلال الحصول في ثلاث بلديات من الضاحية الوهرانية موضوع الدراسة. و قد حصل هؤلاء على قطع أرضية واقعة داخل الأنسجة العمرانية والتي يمكن لها أن تغطي أكثر من 800م2 لكل وحدة أرضية. (ف. بوزادة، س. مسلم، 1990). إن منح الأراضي العقارية، ذات الموقع الجغرافي الجيد، يفسر بشكل كبير سبب حدوث العديد من الصراعات والمساومات الممكنة والتي يمكن تصورها أثناء جرد قائمة المشاركين في إنشاء التعاونية العقارية. ومن خلال هذه الرهانات العقارية والاقتصادية، يلاحظ بشكل إرادي كل ممارسات المحاباة والرشوة التي تم اكتشافها بعد عدة سنوات، من خلال سلسلة من الاعتقالات التي مسّت المنتخبين وموظفين في الإدارة المحلية.

2.1. طريقة الحصول على الملكية العقارية الخاصة بواسطة الإجراءات العقارية: دور التعاضديات المهنية المحلية.

لعبت كل من الشائعة لدى البعض والواقعية لدى البعض الآخر دورا مهما خلال انجاز القوائم المشكلة من 20 شخصا لكل تعاونية عقارية، إذ سمح كل من التجمع المهني والتعاضدي في بداية الأمر بإعداد هذه القوائم لدى الهيئات العمومية والإدارية مثل قطاع التأمينات، والمالية، والدرك الوطني، والجمارك، والري، والتعليم، والفلاحة، والجامعة، ومؤسسات البناء، ومستخدمي البلديات، والصحة...، وحتى لدى الجمعيات المهنية الخاصة المتمثلة في التجار، والصناعيين، والمهن الحرة، والمقاولين... وبعد فترة وجيزة، تحولت التسمية الأصلية للتعاونيات العقارية والتي أعدت وفق القواعد المهنية إلى تسمية مستوحاة من التاريخ الحديث للبلاد ومن النصوص الإيديولوجية والنشاطات الكبرى للتنمية الاقتصادية ومن المخزون الرمزي...

ونظرا لقربهم من مصادر المعلومات، تمكن مسيّرو القطاع العمومي والمقرّبون من السلطة من تجسيد الخطاب السياسي الذي يتطرق لمسألة "الاحتياجات الجديدة للسكان ولمتطلبات التطور الاجتماعي بهدف "التموقع" وإدراج ضمن القوائم التي يتم إعدادها، أسماء بعض أفراد العائلة الموسعة وبعض المعارف التي تعمل في قطاع اقتصادي خاص لا يتمتع بسمعة جيدة لدى السلطة المركزية.

وبالنسبة للجميع كان الدخول إلى سوق العقار من خلال التعاونيات العقارية مرحلة أولى نحو الحيازة الفردية للقطعة الأرضية التي تعتبر أكثر أهمية من المزايا المرتبطة بهذه العملية. لم يكن البناء الفردي في هذا السياق هو الأهم، بل العقد القانوني الذي يسمح بالحيازة، في زمن متوسط بجزء من الوعاء العقاري، ولو أن رغبة السلطة المركزية تمثلت في تشجيع بناء منازل فردية مبنية من طرف الطبقات المتوسطة وليس لفائدة الطبقات المتوسطة التابعة للقطاع العام ولا حتى القطاع الخاص (والمتمثل في الفاعلين في الحياة الاقتصادية والثقافية...) هذا القطاع الذي أصبح مقبولا أكثر فأكثر. بطبيعة الحال شهد "الطابع المهني لمجموع المستفيدين الذي عرف انطلاقة مميزة على وجود تناغم اجتماعي ترغب فيه الطبقات المتوسطة، وحتى الميسورة قصد الحصول على قطعة أرضية كثيرة الطلب والاستفادة من المزايا المتعددة والمسموح بها من طرف التنظيم العقاري" (بن جليد عابد).

3.1. الامتيازات الموفرة من طرف الدولة لفائدة العقاريين

وباعتبارها أمرا ثانويا، تعتبر الامتيازات الموفرة من طرف الدولة لفائدة الفاعلين المباشرين لهذا الفرع من الإنتاج الخاص بالبناء من المنظور الاقتصادي بالمعتبرة.

ومع الشروع في بناء السكن الفردي في إطار تعاوني، تحصل كل أعضاء التعاونية العقارية على الأولوية في شراء مواد البناء بأسعار مناسبة جدا لدى الوكالات المحلية للشركات الوطنية المكلفة بالتوزيع. وفي ظل خضوع السوق دوريا للندرة، يستفيد العقاري الحائز على بطاقة زبون من حصة لاقتناء مواد البناء مثل الاسمنت، والآجر، والحديد، والخشب، والبلاط، والمواد المتعلقة بالجانب الصحي... وبأسعار جد مدعمة من ميزانية الدولة.

و بالإضافة إلى ذلك، منح صندوق التوفير قروضا بفوائد مخفضة بنسبة 4٪ لفائدة المدخرين القادرين على تسديد الديون، بيد أن القرض يعتبر فرديا، يسدد على فترة تقدر بعشرين سنة، حيث عرف تطورا مستمرا: 240.000 دج في سنة 1978، و 320.000 دج في سنة 1982 و 450.000 دج في سنة 1986. أما بالنسبة للتركيبة المالية الخاصة بالعملية، فيبقى الأمر سرّيا. وحسب تصريحات العقاريين – الموظفين، كان القرض مع بداية الثمانينيات يغطي 40٪ إلى 50٪ من التكلفة الإجمالية للفيلا الواحدة ! وفي هذا السياق، يمكننا القول بدون أية مبالغة أن تعاونيات الجيل الجديد للفترة (1958-1977) استفادت بشكل كبير من انعكاسات إيرادات النفط التي تم إعادة توزيعها من طرف السلطة المركزية والتي تتمثل في تكلفة التنازل عن الأراضي، أسعار مواد البناء، الإعانات الجزئية الموجهة لتهيئة مختلف الشبكات، القرض البنكي المخفض... وهكذا، سمحت الدولة المانحة (Etat providentiel) لعدد كبير من الإطارات السامية والمتوسطة، ولعمال يشتغلون في القطاع العام من بناء سكناتهم الفردية، وهذا ما يشير إليه البحث الميداني الذي تمّ انجازه سنة 1990 والذي تشكل ,240 ٪ نسبة البنايات التعاونية التي استفادت من قرض من طرف الصندوق الوطني للتوفير والاحتياط.

4.1. نحو تحقيق الامتزاج الاجتماعي المرغوب من الدولة:تجيب مجموعة من الفاعلين المحليين بواسطة فعل التمايز المجالي

حتى وإن حدد "الإطار القانوني لمنشآت التعاونيات العقارية الخاصة بالانجاز التي يشكل من خلالها البناء الفردي انطلاقة متميزة"، فإن الدولة أعادت تركيز اهتمامها على العملية من خلال التعليمة الحكومية المتعلقة بالسكن، وذلك من أجل محاولة تجنب احتكار العقار من طرف فئة الميسورين والأثرياء. وعليه، يتم البحث عن طريقة منصفة للمنحة العقارية التي تسمح للمستفيدين الحائزين على مداخيل زهيدة بإمكانية الاستفادة من التعاونيات العقارية. ولقد قامت السلطة المركزية بتوجيه تعليمات لفائدة الجماعات المحلية كان الهدف منها تحقيق امتزاج سوسيو-مهني بالنسبة للمستفيدين، وذلك بغرض تجنب أي شكل من أشكال التمييز الاجتماعي والتمايز الجغرافي. ويبدو أن هذا الإجراء يمثل أحد شروط الإعانة التي تمنحها الدولة لفائدة الجماعات المحلية في مجال تحويل الأراضي القابلة للبناء، وتكلفة التهيئة والمساعدة التقنية...

وقد تم تطبيق تعليمات الدولة بالرغم من تسجيل تجاوزات هنا وهناك خلال عملية التنفيذ.    وعموما، أصبحت عملية تنقيح القوائم أكثر تنوعا من الناحية المهنية والاجتماعية، وينتج من خلال هذا المعطى الجديد مجموعة واسعة تتضمن فئات سوسيو-مهنية موسعة (جدول 1).

مكانة الفئات المهنية ضمن التعاونيات العقارية لمدينة وهران

وضواحيها المجاورة (بالقيمة النسبية بين 1977 و 1993)

الفئات

تجار وصناعيون

مهن حرة

إطارات سامية و متوسطة

موظفون

عمال

المعدل

وهران

34,2

3,3

29 ,5

23,7

9,3

100

السانية

15,5

4,1

33,3

42,9

4,1

100

بئر الجير

32,6

5,9

40,2

19,3

2,0

100

المصدر: بوزادة، مسلم، بن شهيدة 

 

 

يبين هذا التصنيف الموزع على خمس مجموعات اجتماعية للمستفيدين من الأراضي التعاونية بوضوح كل الفئات التي تمكنت من الحصول بمختلف مستوياتها على ملكية عقارية بفضل رعاية الدولة، ولا يمكننا إغفال الجانب الايجابي لسياسة الرئيس هواري بومدين خلال فترة الاقتصاد الموجه بالنسبة للطبقات المتوسطة على ضوء الظاهرة التي تم ملاحظتها خلال الأربعينيات والخمسينيات في أمريكا الجنوبية حيث تحصل العديد من عمال الطبقة المتوسطة على الأراضي العقارية الحضرية والواقعة بالضواحي الحضرية. ويشكل الأعضاء المنتمين للقطاع العام والمستفيدين من أراضي عقارية في بلديات وهران، السانية وبئر الجير نسبة تتراوح من 61٪ إلى 80 ٪ .

ويمكننا الجزم أنه بفضل التعاونية العقارية أو التجزئة الأرضية العمومية، تحصل كل المنتخبين المحليين المتعاقبين على الملكية العقارية متى أتيحت لهم الفرصة، في وقت بدأت فيه الدولة تعجز على تمويل معظم البرامج الخاصة بالسكن المخطط، ما أدى إلى بروز ظاهرة الخصخصة في الوسط الحضري.

وعموما، تم إنشاء "حوالي 240 تعاونية عقارية ما بين 1993  و 1997 ضمن الإقليم المتروبوليتاني الذي تمركز في بلديات وهران، السانية وبئر الجير. وهذه البلدية الأخيرة هي التي يكثر فيها انتشار الأراضي العقارية كونها تحوي 3000 تجزئة تم إنشاؤها من طرف السلطات العمومية... وفي المجموع، تم إحصاء حوالي 5000 مسكن–فيلا منتشرة عبر هذه البلديات الثلاث على مساحة تقدر بـ 250 هكتار" (بن شهيدة، بن جليد، 1995). وتجدر الإشارة أنه من أصل 240 وحدة سكنية عقارية، تهيمن من خلالها ثلاث فئات سوسيو-مهنية فقط وهي كالتالي: العمال المتخصصون، التجار والصناعيون، الإطارات السامية والمتوسطة. وعلى الصعيد الجغرافي، تبرز هيمنة تفضيلية وكأن الأمر يتعلق بفئة اجتماعية قد فرضت واختارت عن قصد مكان إقامتها الجديد في كل إقليم بلدي كما هو الحال بالنسبة للتجار والصناعيين الذين فضلوا الإقامة بوهران، ذلك على عكس الإطارات السامية والمتوسطة التي استقرت ببلدية بئر الجير، أما بالنسبة للعمال المتخصصين فقد كانت وجهتهم المفضلة هي بلدية السانية.

وفي هذا السياق، يبقى هذا التخفيف الجغرافي منطقيا يتقاسمه العديد من العمال الذين يعترفون اليوم بأنهم كانوا محظوظين كثيرا لحصولهم على مساكن فردية من خلال التعاونيات العقارية، ما يجعل الحراك السكاني نحو الضاحية أمرا مفروغا منه. وتجدر الإشارة إلى أنه بين سنتي 1977     و1993، مس الحراك السكاني أكثر من 30.000 شخص ويرجع سبب ذلك إلى تمركز هذه التعاونيات العقارية. و يبرز هنا بلا شك معطى هام مرتبط بالتمايز المجالي للفضاء السكاني الحالي بمنطقة وهران.

  1. إنزياح الروح التعاونية: منطق الفاعلين وممارساتهم

1.2. التعليمات المركزية وممارسات المنتخبين المحليين

خلقت تعليمات الإدارة المركزية أثرا حيث غيّرت معظم المؤسسات العقارية تسمياتها إذ أصبحت تتمتع بطابع مهني وملزمة بإدماج بعض أرباب العائلات ضمن تعدادها، ولكن سلطة القرار الذي تمنحه النصوص القانونية لفائدة المنتخبين المحليين تبقى واسعة بالنسبة لمجال العقار قصد السماح لكل مكتب يقوم بتسيير تعاونية أن يعارض بشكل مباشر قرارات المجالس المنتخبة. وهكذا، سيؤدي كل خلاف إلى رفض منح قطع أرضية عقارية من طرف المجلس الشعبي البلدي الواقعة ضمن إقليمه الإداري، ما يعني أننا لا نجد للتعاونية العقارية أثرا إلا من خلال الوثائق الإدارية. 

ويعتمد المنتخبون على استراتيجية واسعة تهدف إلى إصلاح بشكل سري دائرة العائلات الموسعة من خلال إدراج أشخاص عاملين من الرقعة الجغرافية نفسها، ومن الأفضل فئات ذات الدخل الضعيف في قوائم التعاونيات، وتسجيل بعض المستفيدين من أصحاب المعارف بالإضافة إلى أشخاص قام مسؤولون فاعلون في مختلف مراكز القرار بالتوصية لهم. وتشكل عملية اكتساح الأراضي العقارية التابعة لأملاك الدولة لفائدة الحيازة الفردية مسألة ملفتة للانتباه، تسمح من جهة ببروز الروح القديمة " للدوار" مقابل عقلية "البايلك"، ومن جهة أخرى، ترافق ظهور مرحلة سياسية أصبحت أكثر اهتماما بتلبية الرغبات الاجتماعية التي ما فتئت تطالب به الطبقات الاجتماعية المتوسطة المتطلعة إلى حياة أفضل، مع العلم أن الدولة خفضت وبشكل كبير الغلاف المالي المخصص للسكن من ميزانيتها.

وبالرغم من تعليمات السلطة المركزية، يبرز منح الأرضية العقارية من خلال تجلي مسألة التطبع التي ظهرت بقوة بعد غياب طويل لممارستها بسبب الدور الإستباقي من أجل التوحيد ونتيجة للرغبة في تجسيد العدالة الاجتماعية العقارية التي كانت تبحث عنها الدولة الجزائرية بعد الاستقلال، ما يبين تواجد عدة مجموعات اجتماعية في الأرضية العقارية المنحدرة من مختلف الأوساط الجغرافية للتعاونية العقارية ذاتها. وبالمقابل، فإن هذه الظاهرة ليست حكرا على الجزائر، حيث نجدها تمارس في الكثير من بلدان العالم، وخصوصا إذا سلمنا بالعبارة المعروفة والمتمثلة في أن العمران يعيد قبل كل شيء إنشاء "القرية داخل المدينة".

2.2. مظاهر إستراتيجيات الفاعلين المتعلقة بالإلتفاف على الروح التعاونية 

و دون الخوض في أغوار مسألة تأسيس وتنظيم التعاونية العقارية، أصبح من الضروري الإشارة إلى أن أي ملف يتكون من وثائق تقنية متعلقة بمشروع عقاري يتم بالضرورة تقديمه إلى البلدية من أجل الموافقة. وتعتبر هذه الخطوة أساسية من أجل تخصيص أرضية للبناء، ما ينجرّ عنه بداية إجراءات تحويل القطعة الأرضية من الأملاك العمومية إلى البلدية، حيث تتم كل العمليات بصفة جماعية. ويتم إصدار قرار التنازل على الأرض ورخصة البناء بشكل جماعي وليس فردي، بما أن المخطط الهندسي هو نفسه بالنسبة لجميع المستفيدين. وبالرغم من وجود القوانين التنظيمية، ما زال هناك غياب للتنسيق بين البلدية ومديرية التعمير للولاية أثناء إصدار رخص البناء. وعليه، تمكن العديد من المستفيدين من الحصول وبكل سهولة على رخص بناء فردية، والأخطر من هذا، نجد المنتخبين والإطارات السامية في الدولة، بالإضافة إلى الموظفين الساميين في الإدارات العمومية بوصفهم مسؤولين مكلفين نظريا بتطبيق القانون سببا في ظهور مثل هذا.

ويظهر الشكل الثاني من الالتفاف عن الروح التعاونية أقل حدّة، حيث يتم اللجوء إلى القرض وفق توفير كل شخص ويعتبر الملف المقدم شخصيا للغاية. وتبقى الأمور على حالها، لأن هذه المرحلة تبرز القطيعة بين الممارسات الإجرائية الجماعية المنتظرة من طرف جميع المستفيدين العقاريين والنشاط الفردي الذي يتوج من خلال التوقيع على عقد القرض بين طالبه وصندوق التوفير. على الرغم من وجود بعض الوحدات العقارية، تشكل عملية انجاز البناء القطيعة الثانية ضمن المسار النظري للعملية، كون العقاري يوظف بنفسه مقاولا صغيرا أو بناء قصد تحقيق المشروع. وتجب الإشارة أيضا للمشاكل المتعلقة بالبناء الجماعي التي طفت على السطح فور الانطلاق في انجاز التعاونيات العقارية الأولى كما كان الحال في بلدية السانيا سنة 1977 (غ. بلحيارة، 1990).

وواجهت كل مظاهر الانزياح للنصوص القانونية واقع الميدان الاقتصادي والتنظيمي      والممارسات الاجتماعية. وبطبيعة الحال، يمكن لهذه الأخيرة أن تفسر بشكل كبير وفي الوقت نفسه،  درجة تقدم الأشغال بالورشات والتنوع المورفولوجي لبناء التعاونيات العقارية ووزن العادات المجتمعاتية من خلال أنماط العيش في المجال.

  1. تكييف مجال السكن الفردي: التفاعل بين العقلانية الحديثة والمنطق الهوياتي

يتعلق الأمر في هذا المقام بتحليل من خلال طرق معينة الطبقات المتوسطة والميسورة منها التي تقيم في السكن الجديد، وتحاول تكييفه في الوقت نفسه مع العقلانية المفروضة من قبل نمط للعيش الحضري وبالمنطق الثاني المرتبط بالأحرى بالتصرفات السوسيولوجية التقليدية.

1.3. أنماط شغل الأراضي السكنية الفردية من طرف الطبقات المتوسطة

يجب أن يكون المخطط الهندسي للسكن الفردي مطابقا (من الناحية المبدئية) للمخطط الأصلي المسلم من طرف المصالح الولائية للتعمير، وينطبق هذا الأمر أيضا على وضعية البناء وفق مخطط المساحة الذي يحدد رقعة المجال المسكون في الأرض مع مراعاة المقاييس النظرية المنظمة لذلك. ولكن وفي كثير من الحالات، يتم تجاوز هذه المساحة بسبب إضافة غير متوقعة لقطعة أرضية أو أكثر، لقبو أو لمرأب، لصونا أو لحمام صغيرين... و ستتضاعف بطبيعة الحال، الحاجة لمجال مسكون من خلال تقلص المساحة المخصصة للحديقة وذلك على حساب الساحة المبنية من الاسمنت التي تتحول بدورها إلى "حوش" تقليدي ومجال شخصي ضروري لكل مسكن ريفي أو حضري موجود في المجال المغاربي.

وباعتباره جزء لا يتجزأ من المجال المتواضع، يستعمل هذا "الحوش" بطريقة تقليدية في الحياة اليومية من طرف النساء اللواتي يبدين تلقائيا رأيهن حول المساحة المراد استغلالها من خلال المطالبة بغرس أشجار العنب المتسلقة عبر الجدران... وتعتبر هذه الطريقة نمطا متوسطيا في العيش وفي الاحتماء من أشعة الشمس المحرقة في أيام الحر الشديد. ويوفق هذا النمط لشغل الأراضي المتفاوض حوله في الوقت نفسه بين الشكل الحديث للفيلا والنمط التقليدي" للحوش" العادي والمتمثل في مسكن به فناء. 

2.3. المظاهر الخارجية للسكن الفردي ضمن التعاونيات العقارية: صور لتراجع هندسي وثقافي

ستكون في النهاية التعاونية العقارية التي ترغب في الحصول على مخطط نموذجي أو أكثر لانجاز فيلا ، كما تنص على ذلك النصوص القانونية أمام تواجد لأشكال خارجية وهندسية متنوعة. وعلى العموم، تبدو الفيلات المبنية ضخمة بسبب الاستعمال المكثف للاسمنت، مما يعكس التبذير الهائل لمواد البناء التي تم تدعيمها خلال سنوات السبعينيات والثمانينات، من خلال اعتماد الأنظمة السياسية المتعاقبة إستراتيجية إعادة توزيع الثروة النفطية.

لقد سبّب مشكل آخر ضررا بمهنة المهندسين المعماريين حيث تم منح الاعتماد من طرف الوزارة لتقنيين تم إدماجهم بغير حق في صنف المهندسين، وذلك بهدف السماح لهم بفتح مكاتب للدراسات في الهندسة المعمارية. و علاوة على ذلك، أصبح المهندسون والمدمجون المكلفين بإعداد مخططات السكن الفردي أكثر "تقنيين"، كونهم اغفلوا نمط العيش وهوية الساكن الجزائري. هذا بالإضافة إلى أنه لم يتم تصميم العدد الكافي من المخططات الهندسية الخاصة بالمساكن الحضرية العادية لفائدة العقاريين، مع العلم أن هذه المساكن الفردية تتمتع بالنمط الأندلسي حيث لقبت بـ "الدار" كونها واسعة الانتشار في المدن شبه الكولونيالية التي تتكيف مع المناخ والهوية المحلية. ويبين هذا الأمر بلا شك النقائص المسجلة خلال التكوين الذي خصص لفائدة المهندسين في شقه النظري والمتعلق بعلاقات السكن مع الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية وبدرجة ثانية مع تحليل الأوساط المرتبطة بالجغرافيا والبيئة في البلدان المغاربية. وبالتأكيد، يبقى تكوين المهندسين المعماريين في الجامعات الجزائرية مفتوحا على النموذج الغربي ولكن هذا لا يعني بالضرورة إغفال النمط الهندسي المغاربي. ونجد في جميع أنحاء العالم خضوع البيت المسكون بالضرورة لمعايير ثقافية متعلقة بالمجتمع وبعوامل مرتبطة بالمناخ المحلي وبالإرث الهندسي. ويشكل هذا الأمر إصلاحا عميقا سيتم تجسيده سريعا بالجزائر من جهة في ميدان التكوين الجامعي للمهندسين المعماريين، ومن جهة أخرى في مجال الإستراتيجية الواجب اعتمادها من طرف المسؤولين المركزيين والمحليين المكلفين بتسيير شؤون المدن. ويظهر تدهور الهندسة المعمارية اليوم من خلال تنوع شديد لأساليب تفتقر لطابع معين يمكن ملاحظتها في المناطق الحضرية والريفية. وبلا شك، يدل هذا الأمر على تراجع ثقافي يتعين تداركه في أسرع وقت ممكن من طرف السلطات العمومية وإتحاد المهندسين المعماريين والجمعيات الثقافية.

وفي غالب الأحيان، يبقى المظهر الخارجي للبنايات الخاصة بالتعاونيات العقارية لمدينة وهران وضاحيتها القريبة في تناقض مع تقاليد المجتمع والإمكانيات المادية للمقيمين والعوامل المتعلقة بالمناخ المحلي متمثلة في عدد لا يحصى ولا يعد من النوافذ ذات الحجم المتوسط والكبير، فتحات زجاجية واسعة، سلسلة من الأبواب المزودة بنوافذ...، إذ يعتبر هذا الشأن مدهشا خصوصا إذا تعلق الأمر بطبقات متوسطة لا تفتقد لرؤية سليمة.

بالإضافة إلى ما سبق، يمكن ملاحظة تواجد الشرفات غير المستعملة في كل مكان، الأسطح، الفيراندات المهملة، النوافذ والأبواب المزودة بنوافذ مغلقة باستمرار. مع العلم أن فصل الشتاء البارد لا يتعدى الثلاثة أشهر في السنة.

وفي كثير من الأحيان، يُنظر إلى الفيلات بوصفها رمزا للنجاح الاجتماعي في المجتمع حيث يمثل المظهر حاليا معطى لا مناص منه. وفي الواقع، يشكل السكن الفردي في المجتمع الذي يعيش أزمة مؤشرا للترقية الاجتماعية بالنسبة لأولئك الذين نسميهم باللغة الشعبية "الوصوليين"...غير أنه في جميع المجالات المبنية الجديدة أو في طور البناء، كانوا أغنياء أو فقراء، يحس السكان على حد سواء بجو من اللاأمن من خلال الاستعمال المفرط للقضبان الحديدية الخاصة بالأبواب والنوافذ التي تشوه السكنات الفردية كما يظهر مثلا من خلال التّعلية المفرطة والمتتالية لجدران السكنات. ويمكن فهم هذه الإرادة في حماية الأملاك العقارية من أجل المحافظة على الفضاء الداخلي من النظرات الخارجية تجاه المرأة.    

3.3. التهيئة الداخلية للمجال المسكون: نحو راحة تستجيب لممارسات مجتمعاتية قديمة و راهنة.

قبل الشروع في التهيئة الداخلية لأي بناية، يهدف دفتر الشروط الخاص بجميع التعاونيات العقارية إلى تحقيق تناغم هندسي خارجي للإقامات السكنية يكون مطابقا لمخطط المساحة المصمم لهذه الغاية. وتعتبر هذه العملية شكلا من أشكال التناسق المورفولوجي للسكن العقاري الجديد الذي يجب أن يندمج تدريجيا ضمن المشهد الحضري. وفي المرحلة الثانية من العملية، تم منح لكل شخص حرية التهيئة الداخلية للمجال القابل للسكن، ويمثل هذا الإجراء مبدأ يتقاسمه المستفيدون من التعاونيات العقارية العديدة وذلك قصد تجاوز مرحلة متناقضة ناتجة عن التطبيق القانوني للتعمير والترتيب الداخلي للمجال المسكون حسب المتطلبات العائلية لكل فرد.

وحسب رأي بعض المقيمين والمنتمين إلى الطبقات المتوسطة، يتم تكييف السكن الداخلي للبيت الجديد المصمم وفق الماضي السكني للعقاري، أي حسب امتزاجه بالسكن السابق، وأيضا حسب صعوبة التعايش داخل السكن المشترك، ما يفسر بلا شك إعادة تشكيل "الحوش" (فناء) التقليدي داخل الفيلا الجديدة، بوصفه تمثلا هوياتيا لإقليم ينظر إليه في الوقت نفسه، على أنه استمرارية للمجال المسكون ومكان وظيفي معاش في ظل وجود التفاهم العائلي. وحسب جميع الأشخاص الذين تم سبر آرائهم، كان الأمر بالنسبة لهم فرصة للراحة ولنسيان الجو السيئ للحياة في العمارات حيث مكنت عمليات إنشاء وتصليح الهوائيات المقعرة والحراسة الليلية للسيارات من تحقيق نوع من التعايش في معظم السكنات العمومية الجماعية، أو في العمارات فقط. ويمكن تشبيه هذا النوع من الراحة بـ "الحرية المسترجعة" بما أنه يستحيل على عائلة أجنبية ما الإقامة في الطابق العلوي..." كما يشير إليه وبصريح العبارة إطار سامي. 

وعلى صعيد آخر، يستجيب التعدد العشوائي للمساكن لمسألة أنثروبولوجية، اجتماعية     وثقافية تخص كل مجالات النسيج الحضري في الجزائر. وعليه، ومن خلال تحقيق ميداني جماعي أجري في مدينة ندرومة الصغيرة (ع. بن جليد، أ. برونان، سردون، 1987)، وللإجابة عن تساؤل يتضمن الحوافز التي تشجع على بناء فيلا متكونة من تسعة غرف مخصصة لعائلة لا تتعدى خمسة أشخاص، يتحدث صاحب بناية خاصة مبرزا أن "تكلفة غرفة واحدة أو أكثر لا تمثل بالنسبة لي شيئا، لأن الأهم هو توفير القدر الكافي من الغرف بسبب احتمال رجوع أحد الأبناء إلى البلدة أو في حالة زواج الآخر..." واستمر في حديثه مشيرا إلى أن الدولة كانت عاجزة على حل مسألة السكن بالرغم من كل الخطابات الوزارية... 

إن غياب الثقة في الدولة المخططة والموزعة، يفسر وبشكل كبير هذه الممارسة الوطنية التي تتمثل في تخزين كل شيء بما في ذلك السكنات وحتى الشقق الموجودة داخل الفيلات، ويبرز هذا الأمر جليا من خلال بناء سكنات من صنفي 13 أو 15 غرفة، إذ توصف هذه الممارسة بالمنطق المقبول لدى عقلية الساكنة المحلية. إن هذا التخزين للغرف له بطبيعة الحال أثر مباشر على التنوع المورفولوجي للبناية العقارية التي انتقلت من فكرة "الحوش" البسيط على غرار ما تم بناؤه في بعض الوحدات العقارية بالسانية إلى الفيلا العادية، مرورا بالفيلا-عمارة... ولقد أجري تحقيق ميداني على مستوى 14 تعاونية عقارية واقعة ببلدية السانية حيث تم تسجيل معدل شغل لكل سكن (يقدر بـ 5,07 أفراد لكل سكن واحد، وتعتبر هذه النسبة ضعيفة نسبيا مقارنة بنسبة مدينة وهران التي سجلت 6,9 فردا لكل غرفة سنة 1992. سيخفض التحفيف  الحالي والذي تكثف من خلال سلسلة بناء الغرف التي هي في طور الانتظار، معدل شغل لكل غرفة إلى نسبة أقل من1,5  فرد للغرفة الواحدة داخل التعاونيات العقارية لوهران وضاحيتها المجاورة موضوع الدراسة.

وبالرغم من المستوى الاجتماعي والتربوي للمتعاونين المنتمين إلى طبقات متوسطة وميسورة، يبقى فعل تأسيس أي بناء فردي (ع. لقجع، 1997) مرتبطا بسلسلة من الأفعال الرمزية حيث تمتزج من خلالها العادات، الطقوس والمعتقدات التي تعود إلى الماضي البعيد. في نهاية الأمر، المجتمع هو الذي يقترح ويفرض عاداته حيث مازالت فكرة المحافظة على ساكني البيت الجديد من العين الشريرة والجن قائمة مع نهاية القرن العشرين مهما كانت الفئة الاجتماعية والمهنية للمتعاون العقاري. ومن جهة أخرى، وحتى وإن نسي العقاري هذه الممارسة أثناء الانطلاق في الأشغال، فإن البنائين  والعاملين المنحدرين من المناطق الريفية بجبال الونشريس، بوسلام، الظهرة، فرجيوة، مجردة، ترارة، بني شقران، الضاية... يذكرون كل مخالف بالتقاليد ويطلبون منه إقامة أضحية الكبش التقليدية بهدف حماية ساكني البيت. وتتجلى هذه الممارسات تدريجيا لفائدة العمال أثناء انطلاق الأشغال ومع نهايتها لفائدة العائلة الموسعة، إذ تعتبر نوعا من المصالحة بين بعضهم بعض، الهدف منها إقامة روابط للتضامن الأسري التي تلاشت نوعا ما مع الزمن. وبدون أن نركز على الممارسات الأخرى المرتبطة بالمجال المسكون المبني حديثا، يمكننا الإشارة إلى أن العادات والطقوس تعود تدريجيا في بلد حيث تواكب فيه تقاليد المجتمع الريفي شيئا فشيئا مجتمع المدن. ومن منظور آخر، تجدر الإشارة إلى أن هذه الممارسات استعادت نشاطها منذ أحداث أكتوبر 1988، تزامنا مع إطلاق التعددية الحزبية سنة 1989 ومع التراجع التدريجي للدولة.

وعلى الصعيد الوظيفي، يعتبر الاستعمال الداخلي للمجال المسكون المزود بعناصر الرفاهية تكييفا للشكل الهندسي للبيت، وهذا بفضل مجموعة من التفاعلات بين الحداثة والنموذج الثقافي التقليدي الحاضر دوما. وهكذا، يستجيب المطبخ في معظم التعاونيات العقارية، لوظيفة أساسية داخل الحياة العائلية، حيث يتكون في غالب الأحيان من غرفة صغيرة مجهزة بـ "سدارية" وهي نوع من الأريكة ذات وظائف متعددة حيث يمكن الجلوس والاسترخاء والنوم عليها. وتشكل هذه الغرفة أيضا فضاء يمكن النساء والأطفال من التجمع فيه خصوصا مع وجود جهاز التلفزيون، ما يجعل هذه الحجرة تتحول إلى قاعة للاستراحة تستعملها النساء لمتابعة المسلسلات المصرية وهنّ ملازمات في الوقت نفسه للمطبخ. ويتكون المسكن الفردي الخاص بالطبقات المتوسطة والميسورة من قاعتين للاستراحة على الأقل.

يعتبر الصالون المغاربي الواسع كعادته والموسوم بالصالون المغربي مجهزا بـ "السداريات" والأغطية والوسادات، وهي تشكل في الوقت نفسه قاعة لاستقبال الزوار ومكانا للإقامة خاص بالمدعوين خلال الاحتفال بمختلف المناسبات العائلية مثل الزواج، الميلاد والوفاة... هذا الصالون المغربي مزود بخزانة الصفرة و/أو خزانة زجاجية التي تستعمل لغرض عرض الأواني الفاخرة التي يتم الاحتفاظ بها بعناية من طرف النساء قصد استعمالها على شرف المدعوين المميزين. ويشكل هذا الأمر بلا شك نوعا من الهوس الظريف لدى الجزائريين، إذ تشمل هذه الممارسة كل الطبقات الاجتماعية القاطنة في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء. وتتكون قاعة الاستراحة الثانية المجهزة على الطريقة الغربية من أريكات وكراسي مريحة وجهاز تلفزيون ومانيوطوسكوب وجهاز سمعي ذي تقنية عالية وهاتف، بينما يبقى الصالون المغربي مغلقا لأنه يخصص عادة للمدعوين، على العكس غرفة الجلوس الغربية التي تستعمل دوما من طرف العائلات.

وعلى كل حال، يتعلق الأمر بأن تمنح كل أسرة صورة للنجاح الاجتماعي بالنسبة للمدعوين وللأقارب، ولكن يجب الإشارة إلى أن استقبال المدعو قد يكون في إحدى غرف الاستراحة، وهذا التمييز يتمّ بطبيعة الحال وفق النوعية الاجتماعية والجغرافية والثقافية للزائر.

تقع الفضاءات الخاصة مثل غرفة النوم وغرف الأطفال...في الطابق العلوي، حيث يوجد فاصل مقصود بالغرفة التي يُستقبل فيها المدعوون. وباعتباره حدثا اجتماعيا جديدا، تتكون الفيلات الضخمة والمبنية من طرف الفئات الميسورة وحتى المتوسطة منها من غرفة خاصة موجهة لتخزين المواد الغذائية مثل الدقيق، والفرينة، والزيت، والقهوة والسكر... ومواد التنظيف مثل مواد الغسيل والصابون...والأجهزة الإلكترومنزلية مثل آلة الطبخ، الثلاجة، آلة الغسيل وجهاز التلفزيون. ويبدو في هذا المقام أن هذه العقلية توارثتها العائلات الكبيرة وأعيان الوسط الريفي، حيث تمثل في الوقت نفسه ممارسة وطنية حديثة تطورت بشكل كبير خلال سنوات الندرة الغذائية التي شهدت الاحتكار التجاري للدولة الذي أثبت عجزا كبيرا في التوزيع.

4.3. السكن الفردي، عامل لإعادة تكوين الأسرة الأصلية  

وباستثناء بعض العائلات النووية للإطارات السامية والمتوسطة العاملة في القطاع العمومي، يمكن تفسير انجاز فيلات ضخمة ضمن التعاونيات العقارية لوهران على أنها إعادة لتشكيل "العائلة" بسبب الحجم الكبير الذي اتخذته أزمة السكن في الجزائر.

يقرر رب العائلة المتنبئ للأشياء لتمويل الفيلا-عمارة التي تتكون من عدة شقق حيث نشهد في نهاية الأمر إعادة تكوين للأسرة الأصلية التي يعيد رب العائلة تشكيلها بواسطة سلطته في اتخاذ القرار. وعليه، تسمح عملية تهيئة سلسلة من الشقق داخل "الفيلا" للعديد من الأجيال بالإقامة فيها، حيث تشغل كل عائلة شقة معينة. ولكن، نحن أمام نموذج ثقافي في التصرف الذي يسمح تقريبا لكل أسرة العيش بكل استقلالية، والتي يُنظر إليها من طرف الآخرين على أنها حياة عائلية حقيقية. في الواقع، يمكن لكل المتغيرات أن تكون موجودة ضمن هذا النوع من السكن ومن الممكن تقويم أهمية هذه الظاهرة الاجتماعية من خلال إجراء بحث ميداني جواري محدد فقط، لأننا نشهد في النهاية تحولا في الميول منذ 12 سنة. وبعد الالتزام الإرادي للدولة لفائدة ترقية الأسرة النووية من خلال سياسة الاستثمار المخطط، تساهم بشكل كبير ظاهرة تفاقم أزمة السكن التي يصعب تحليل أسبابها في إعادة تكوين العائلات الأصلية حيث تواجه العائلات الشابة مشاكل كبيرة قصد إيجاد سكن إيجاري في المدينة أو حتى بالضاحية.

الخلاصة

تسجل اليوم بالتأكيد التعاونيات العقارية بصمتها في المجال المتروبوليتاني لمنطقة وهران، ويبدو مجال التعمير الجديد منتوجا لقرار سياسي مركزي، إلا أنه تم تطبيقه بطريقة مختلفة من طرف المجالس المنتخبة المتعاقبة على البلديات الثلاث التي مستها الدراسة. وعلى الرغم من التعليمات الصادرة عن السلطة المركزية التي كانت تبحث على تحقيق التوازن الاجتماعي والإقليمي، فقد أرادت السلطات المحلية المعيّنة والمنتخبة أن تجعل من تعاونيات الجيل الأول (1977-1985) رهانا كبيرا لفائدة الطبقات المتوسطة والميسورة، وذلك بفضل توفر الاحتياطات العقارية البلدية في بلد كانت الحيازة العقارية في سنة 1974 شبه مستحيلة بسبب تبعية الاقتصاد الجزائري للقطاع العام. ومن جهة أخرى، يجب القول أن استصدار النصوص التنظيمية المتعلقة بالتعمير في العديد من دول العالم الثالث لم تمنع السلطات المحلية من الاستحواذ على الاحتياطات العقارية، من خلال إقامة شبكات مبنية على العلاقة والمعرفة، وذلك بعلم الإدارة المركزية إلى حد ما.

أما بالنسبة لحالة منطقة وهران، يعتبر تجاوز كل المراحل المتعلقة بالإجراءات الإدارية التي وضعتها الدولة واقعا لا يمكن القضاء عليه، حيث أن الإرث الهوياتي المتجدر عبر التاريخ تم إعادة إحيائه من طرف التعاونيين الذين حاولوا التوفيق في الوقت نفسه بين النصوص التنظيمية وعاداتهم الشخصية ومستواهم الثقافي ومتطلباتهم الاجتماعية الراهنة. ومن منظور آخر، يقوم المجتمع دوما في النهاية بفرض قيمه وعاداته التي تبقى على الرغم من كل شيء متأثرة بالعالم الريفي (أنماط شغل الأرض الخاص بالسكن الفردي والمظاهر الخارجية للبناية والتهيئة الداخلية للمجال المسكون الموروثة من عدة طقوس مرتبطة بإنشاء سكن جديد وإعادة تكوين الأسرة الأصلية...)، المطبق من طرف الفاعلين، حيث تشكل هذه الالتفافات المتعددة من تجاوزات وقطيعات تحوت في العلاقات الموجودة بين إعادة تكوين الأسرة بالمعنى الصحيح للكلمة وبين الأزمة الاقتصادية والسياسية التي شهدتها البلاد منذ منتصف الثمانينيات وبين ضعف مؤسسات الدولة.

ومن خلال الفضاء المتروبوليتاني لمنطقة وهران، تطبع التعاونيات العقارية للجيل الأول (1977-1985) المسكونة من طرف الطبقات المتوسطة والميسورة منها المجال بصفة دائمة، حيث أنها تتميز بجمالية هندسية من طراز حضري. وضمن هذه المجمعات العقارية يمكننا اليوم ملاحظة وجود تمايز في المورفولوجيا الحضرية بين مساكن الفئات الاجتماعية الميسورة التي تواصل توسعة بناياتها من خلال تحسين جماليتها وصورة بناية الطبقات المتوسطة الأجيرة. و كانت هذه الفئات الاجتماعية قد استفادت من عائدات الريع النفطي، ولكنها تواجه أيضا مع بداية التسعينيات مشاكل كبيرة قصد الانتهاء من الأشغال أو تهيئة منازلها بسبب الارتفاع السريع للتضخم. ويبدو اليوم، هذا التمايز الاجتماعي والاقتصادي بين المستفيدين من التعاونيات والمنحدرين من المهن الحرة والمستقلة ومن الطبقات المتوسطة العاملة في القطاع العمومي، ميدانا مهما للبحث والتحري في مجال أنثروبولوجية المجال والتهيئة الحضرية. ويبقى هذا التمايز ينظر إليه بشكل سيئ من طرف السكان ذوي الدخل الضعيف الذي يشبهون الطبقات المتوسطة الموظفة بطبقة "الأثرياء" وحتى، وإن كانت هذه الأخيرة بدأت تعرف الفقر مع سنة 1997.

وعلى صعيد تهيئة المجال المتروبوليتاني، يمكن أن تصبح مناطق السكن التعاوني الموجودة في كثير من الأحيان بمواقع شاغرة داخل البلديات التي تعاني مشاكل مالية كبيرة، تجمعات سكنية تشكل الضاحية المجاورة لمنطقة وهران، على أمل أن يهتم  أصحاب القرار بجدية بمسألة القانون وتهيئة الإقليم المتروبوليتاني.

ترجمة: محمد كمال عبد الإله

 

بيبليوغرافيا

BELHAYARA G.,1990 : Les coopératives immobilières à Es-Sénia (wilaya d’Oran), D.E.S., géographie, 74 p., université d’Oran.

BELGUIDOUM S.- MILLET D., 1987 : Détournements et retournement des modèles urbains architecturaux à Sétif (Algérie). In « politiques et pratiques urbaines dans les pays en voie de développement » ; Harmattan, Paris.

BENCHEHIDA D.- BENDJLID A., 1995: Les mécanismes de la production du bati dans la wilaya d’Oran

BENDJLID A. : Implantations de coopératives immobilières sur les terres agricoles péri-urbaines et logiques d’acteurs dans la commune d’Es-Sénia (wilaya d’Oran), 12p., à paraître.

BENDJLID A.- PRENANT A.- SERDOUN A., 1987 : Nédroma 1983 : exurbanisation et desserrement d’une petit ville ancienne longtemps marginalisée. In « Nédroma 1954-1984 », p.p.103-202, CRIDSSH, université d’Oran, O.P.U., Oran.

BOUTEFNOUCHET M., s.d. : Système social et changement social en Algérie, 167p ; O.P.U., Alger.

BOUZADA.F.- MOUSLIM S., 1991: Analyse de l’espace urbain et péri-urbain de la ville d’Oran ; le cas des coopératives immobilières-Mémoire, ingénieur, géographie, 103p., université d4oran.

DEPAULE J.C., 1994 : Anthropologie de l’espace, in « le courrier du CNRS », n°81, Paris.

GUERROUDJ Z. ? 1987 : Pratique des nouveaux logements des habitants des bidonvilles d’Alger. In « Politique et pratiques urbaines dans les pays en voie de développement » Harmattan, Paris.

LAKJAA A., 1997 : Conflits de rationalités en espace urbain : l’habitat spontané à Oran.- In « Aménageurs et aménagés en Algérie ». fasc. Recherche, URBAMA, université de Tours.

Ordonnance 74-26 du 20 Février 1974 portant constitution des Réserves foncières au profit des communs. J.O., Alger. 1974.

Ordonnance 76-92 du 23 Octobre 1976 relative à l’Organisation de la coopérative immobilière, J.O ., Alger 1976

 

 


The creation of M'edina - Jdida, Oran (1845): An example of colonial politic for urban regrouping.

The politic of arab colonization aiming at regrouping tribes, which Bugeaud had pioneered, has often been confused with the politic of quartering claborated much later by field marshal Randon. But between these two politics, other attempts at tribal settlement, and in a general way of Algerian rural populations by building arab villages had been tried and, even spread to urban populations, their setting up at entrances to towns caused a security problem for the military, as was precisely the case of Oran, where the return of native population made the creation of Medina Jdida necessary in 1845, by Lamoriciere.


 إن سياسة التجمعات السكنية التي عرفتها الجزائر إبان ثورة التحرير الوطني ليست في الواقع بالسياسة الجديدة، إذ سبق وأن طبقت في السنوات الأولى للاحتلال و في فترة كانت الثورة قد بلغت فيها أوجها.

كانت هذه السياسة التي أرسى معالمها الجنرال "بيجو" (Bugeaud) تهدف بشكل أساسي إلى تجميع القبائل المحتشدة أسفل جدار المدينة و على حواف المخيمات العسكرية لحمايتهم من الضربات الانتقامية للأمير عبد القادر. مع هذا، فإن ما لم يكن في البداية سوى تجميعا سكانيا مؤقتا، تطور عند "بيجو" ليتحول إلى فكرة إنشاء قرى أهلية مكافأةً منه للدواوير و الزمالة على الخدمات التي قدموها للقوات الفرنسية و أمر، من ثمة، سنة 1837 ببناء أولى القرى العربية المحصنة "بالمالح" لفائدة هؤلاء الذين تعاونوا معه، ليخطو بذلك أول خطوة في مشروعه الهادف إلى استعمار البلاد العربية

1. سياسية بناء "القرى الأهلية"

لقد استلهم الجنرال "لاموريسيار"Lamoricière) ) عن سياسة بناء القرى الأهلية، فكرة بناء أول قرية أهلية بوهران سنة 1845 التي لقبت في البداية "بالمدينة الجديدة "، ثم اشتهرت فيها بعد باسم "القرية الزنجية".

وبدوره استلهم العقيد "والسين ايسترازي"[1] (Walsin Esterhazy) نائب المدير المكلف بالشؤون العربية في وهران عن الجنرال "لاموريسيار"  الفكرة نفسها، ليقوم بإنشاء قرية أهلية أخرى بوهران، كما أنه قام بتصور مشروع لبناء قرى مماثلة في سهول وهران موجهة للقبائل التي كانت تحت سلطة إدارته و بالأخص الدواوير و الزمالة، و بالنسبة له كان لا بد  للبيوت التي ستبنى أن "تتضمن بنايتين تفوق غيرها من البنايات علوًا و ذات طابع شرقي: منزل شيخ الدوار في وسط أحد الجوانب و المسجد في وسط الجانب المقابل، كما كان يفترض بهذه المنازل أن تكون بغرفتين أو ثلاثة  و أن تتوفر جميعها على مدفئة و حضيرة مجاورة قادرة على استيعاب الماشية  بداخلها"[2].

وسرعان ما حظي مشروع نائب المدير المكلف بالشؤون العربية بالقبول، ليقوم في التو بإبرام صفقة مع مقاولين أوروبيين من وهران بغرض بناء 35 قرية بدءًا بالزمالة.

و لا مناص من الاعتقاد أن هذا التثبيت أو حتى التجميع السكاني كانت دوما تسبقه عند "والسين ايستيرازي"  فكرة خلفية ذات صبغة  سياسية و عسكرية محضة، و هكذا، فإن هذا التطور في شكل المسكن دفع القبائل إلى التصور أن المنازل ستحل محل الخيم و القرى محل الدواوير.

ويشير "روبارت تاتوان" (Robert Tinthoin) أن "هذا التعديل المزدوج في طريقة العيش ونوعية السكن يؤدي، لا محالة، إلى ثبات الإسكان و من ثمة، دفع الأهالي إلى التخلي عن حركة التنقل المستمرة التي كانت تصنع في العمق قوة الأمير عبد القادر"[3]. ضف إلى ذلك أن الجنرال "لاموريسيار"  (Lamoricière)الذي كان قد وضع آنذاك أولى لبنات "مشروعه الإستطاني"، وجد مشروع "والسين استيرازي"(Walsin Esterhazy)  مشروعاً جدُّ مميز يستحق التبني و إعادة الصياغة. هكذا، قرر "لاموريسيار" سنة 1847 منح عدد من الأراضي للمزارعين المحليين مع التزام هؤلاء ببناء منازل وغرس أشجار مثمرة.

كان "الزمالة" أول من اتفقوا، في شهر أكتوبر 1847، مع السلطات العسكرية على مواقع بناء قراهم وكلهم ثقة في وعود "لاموريسيار" و بمجرد حلول شهر ديسمبر كانت عملية تشييد 18 قرية قد بلغت منتصفها، ليطلق عليها اسم " قرى الزمالة ". كما أن الأراضي الممنوحة للأهالي، و التي تم الحصول عليها تعويضا عن المصاريف التي تكبدوها في البناء و الزراعة تم اختيارها بالقرب من القرى، لتجتمع بذلك المنازل و البساتين في الحيز الجغرافي نفسه. و تجدر الإشارة إلى أن بعض الأراضي التي أعطيت ملكيتها للأهالي، تم منحها تعويضا عن المنازل التي بنيت في "المدينة الجديدة" من قبل السكان الأصليين "للزمالة"، حيث استفاد هؤلاء من ملكية أراضي بلغت مساحاتها 4269 هكتار[4].

يبد أن هذا المسعى لم يخل من الانتكاسات، فقد صرح "تيودور لوجولي"(Théodore Laujoulet)، بالرغم من اشتهاره آنذاك بفضائحه في مجال المضاربات العقارية، أنه كان شاهدا على ما مفاده أنه:"في سنة 1847 اضطر العرب إلى بناء قرى أهلية في مقاطعة وهران، كما أن العديد منهم أجبروا على تحصيل قروض، كان عليهم تسديدها من خلال دفع أقساط بفوائد شهرية تضاهي 11% أو ما أطلقت عليه تسمية "الحداش في المية" (السابع أحدى عشر في المئة) و ما كان ملفتا للانتباه أكثر هو أن ذلك الذي كانت له سمعة تضاهي سمعة قائد من قادة الأهالي و الذي كان الأكثر إسهاما في نشر الحماسة في صفوف الأهالي اللامبالية للقيام بعملية البناء، هو نفسه من كان متآمرا لمصلحة اليهودية و يروج من خلالها لتلك المضاربات المشينة[5]".

إن هذه السياسة الاستعمارية للعرب، التي رسم "بيجو" خطوطها العريضة بشكل رسمي في منشوره المؤرخ بـ 10 أفريل 1847، لم تفتأ أن تحولت إلى مدرسة تمخض عنها عدد غير هين من خطط تصميم قرى تستجيب إلى طريقة العيش الجديدة، التي كان يفترض توفيرها للقبائل المجمعة.

من بين هذه القرى "قرية مخزم" التي تم إنشاؤها من قبل النقيب ريشارد (Richard) سنة 1848. أو "القرية الأهلية" التي بناها "دي مرتمبري" Martimprey) (De  سنة 1849، انطلاقا من المخطط الابتدائي للمدينة الجديدة الذي صممه سنة 1845.

هذه النماذج من القرى التي استلهمت من السياسة الاستعمارية المخصصة للعرب عند "بيجو"، تم تطبيقها من قبل ضباط المكاتب العربية، هؤلاء "المختصون في التدمير- كما يشير إليه  ميشال كورناتون (Michel Cornaton)- الذي كانوا يمحون من على وجه البسيطة كل ما كان بإمكانه أن يعيق مساعيهم و يحول دون تملكهم للفضاء، فضاء كانوا يغطونهُ بأشكال هندسية ترسم معالم حدود كل واحد فيهم، و كانت المنازل في حد ذاتها تنم عن التسلسل العسكري و عن رتبة كل واحد منهم، ضف إلى ذلك أن كل شيء كان ينظم بالرجوع إلى منزل "القايد" (Caïd) المسؤول الأول عن الأمن في القرية"[6].

ويبدو أن هذه السياسة المتبعة في إنشاء "القرى الأهلية"  في الجزائر، بما فيها نموذج المدينة الجديدة، ألهمت و بشكل كبير، في الفترة الزمنية نفسها، الإدارة الاستعمارية في إفريقيا السمراء، حيث أنه، وفي عام 1848، و تطبيقا لقانون "فيكتور شولشر" (Victor Schoelcher) الذي ينص على القضاء على الرق في المستعمرات الفرنسية )27 أفريل 1848(، أنشأت، أولاًّ، في سان لويس، بالسنغال ما أطلق عليها تسمية "قرى الحرية"، التي تحولت فيما بعد إلى "قرى اللاجئين" و المخصصة  بشكل أساسي  إلى العبيد الذين تم تحريرهم حديثاً. و ما كان على ڤالييني  (Galliéni) إلا العودة إلى هذه السياسة سنة 1887، ليقوم مجدداً ببناء هذا النوع من القرى، كما كان الحال  سنة 1895 بعد تمرد عبيد حلقة سيقيري (Le cercle de Signiri)  (المنطقة الشرقية من السودان الفرنسي أو المالي حالياً) [7].

والملفت للانتباه  هو أن الدوافع التي أدت إلى إنشاء "القرى الأهلية" في أفريقيا السوداء، هي الدوافع ذاتها التي انتهجها ضباط المكاتب العربية في الجزائر، وحسب "مهجموت دييوب" (Mahdjemout Diop) فإن الغرض الرئيسي من بناء هذه القرى في إفريقيا السوداء يكمن في " الحد من الانحلال و انعدام الأمن[...] حيث أن الآثار المترتبة عن تجارة الرق و كذا غياب دور الدول الكبرى المنظمة في أفريقيا القرن السابع عشر و الثامن عشر تسببت في انعدام شبه تام للأمن في هذه القارة، كما أن حروب الغزو الاستعماري في هذه المنطقة بالتحديد ضد الحاج عمر و الألماني ساموري (Alamany Samory)  على وجه الخصوص، و كذا إلغاء الرق كلها أمور جعلت الوضع يتعقد أكثر، خاصة بعد ما عرفه الشارع من احتدام و وتصعيد جماهيري" [8].  

2. أصل إنشاء المدينة الجديدة

لقد نجمت عن سياسة الابتزاز و ارتكاب الجرائم التي قادها الجنرال "بوبير" (Boyer) (من سبتمبر 1831 إلى أفريل 1833) الهجرة الفورية لعدد كبير من السكان المسلمين من المدنية، و لم تبق فيها سوى العائلات التركية الكرغلية، اليهود و السود من دون أي انتماء قبلي، و للقضاء على أدنى أمل لسكان وهران في العودة إليها، قام الجنرال "بويير" (Boyer) بإحراق ضواحي "خنڤ  النطاح، رأس العين "و كلايا" و تدميرها كلية في 5 ماي 1832 بحجة أنها كانت تعيق بشكل كبير أجهزة الدفاع في المكان "[9].

ولم تخل نتائج هذا التدمير للضواحي، التي استعمرت سالفا، من العواقب الوخيمة التي تجسدت بشكل واضح في الانخفاض الكبير لعدد السكان بالمدينة.

وعندما غادرت الحرب ضواحي وهران، سنة 1844، بدأت المدينة تشهد بداية عودة سكانها القدامى في موجات متتابعة، بما فيهم أولئك الذين تقع منازلهم في الضواحي التي شملتها حملة التدمير، لتلتحق بها عناصر أخرى من قبائل عانت لسنين كيد الشقاء والتيه جراء الحرب التي جعلتها تجر أذيال الهزيمة على أبواب المدينة: إنهم "الجالين" (Djalis)[10].

ومنذ تلك الفترة ، طرح و بشكل حاد مشكل إعادة إسكان كل هؤلاء القادمين الجدد الذين استقروا  وسط أنقاض الدمار و البيوت المهدمة بعد أن جعلوها ملاجئ مؤقتة و جعلوا من المغارات وأفران الجير القديمة منازل تأويهم. وهكذا أصبحت المدينة، و في وقت قصير، محاصرة بعدد مذهل  من البنايات البدائية.

فبالنسبة للإدارة الاستعمارية، إن هؤلاء "السكان  المتنقلين"، كما نعتوا في ذلك الوقت، كانوا يهددون أمن المدينة و حوافها و قد وضَح نائب مدير الشؤون الداخلية "برتيي دي سوفيني" Berthier de Sauvigny)) المكلف بمواجهة مشكل عودة السكان السابقين لوهران أنه " ليس بإمكان العرب البقاء، نظرا لكونهم مشتتين في كامل أرجاء المدينة، دون أدنى وجود لنقطة ثابتة، أو أرض للزراعة و دون أي نظام أو تنظيم، و الأهم من هذا و ذاك، هو أنهم كانوا يعيشون دون أدنى  رقابة - و يضيف – يمكننا ملاحظة عددهم المتزايد على أبواب مدينة وهران، و لن نسمح لهم، مهما كان، بالاستمرار في هذا الوضع الغامض، السلبي بالنسبة لهم و المقلق بالنسبة للأوروبيين "[11].

و هكذا، فقد دعى "دي سوفيني" بعد ذلك إلى، أن تهجر إلى سهول وهران، تلك الدواوير التي كانت تستقر في الأراضي التي كان من المفترض توزيعها على المستعمرين :

" قطعة أرض، واسعة بما فيه الكفاية تكون ملكاً لهم بالإجمال، يستطيعون هبتها، بيعها أو التصرف فيها كما يحلوا لهم"[12].

و قصد احتواء هذه الفئة من "السكان المتنقلين" داخل فضاء محدد، سهل المراقبة إداريا، ويمكن السيطرة عليه عسكريا، فقد أمر "لاموريسيار"  قائد مقاطعة وهران و المكلف في الوقت ذاته بنيابة الحكومة العامة، من خلال المرسوم المؤرخ في 20 جانفي 1845 ببناء قرية أهلية بوهران.

و يشير "ب. سمود"(B. Semmoud)  بخصوص هذا القرار أنه : "من الممكن الاعتقاد أن الأمر  يتعلق بتجهيز تم القيام به لمصلحة الأهالي، غير أنه في الواقع، عملية إيواء تهدف إلى دفع الأهالي المزدحمة بجرف "ڤارڤينطا" إلى  الجنوب. فقبل عام تقريبا و في وقت مبكر،  كان قد تم تحضير خطة منتظمة للبناء و ذلك بداية سنة 1845، أي مباشرة بعد الانتهاء من إنشاء المدينة الجديدة"[13].

لقد تم توكيل عملية تصميم و تنفيذ هذه القرية الأهلية الجديدة في وهران إلى المقدم "دي       مارتمبــري" Martimprey) (De، الذي صرح قائلا أنه : "أولا، تم منح عقود ملكية في القرية الجديدة أي المدينة الجديدة، بأمر من الجنرال، وكنت قد فرغت للتو من إنشاء قرية "سان أندري" التي كان من المفترض أن تأوي وتجمع الأهالي العربية والزنوج المنتشرين إلى غاية الساعة بين الأنقاض و في الصوامع القديمة و أفران الكلس على مشارف المدينة، والتي لم يكن معظم السكان يزاولون فيها سوى بعض الصناعات الصغيرة "[14].

فقد بلغ، عدد السكان في المدينة الجديدة، حسب إحصائيات 1846 ما يعادل 2316 نسمة.

ومن الوارد هنا، الاعتقاد أن الهدف المتوخى من خلال إنشاء المدينة الجديدة، لم يكن الهدف منه مجرد تثبيت للأهالي في المكان. ونحن في هذا المقام نشاطر  "س.أ.رفاس" (A.S Reffes) فكرته القائلة بأن الأمر يتعلق، في الواقع، بإبقاء الأهالي "تحت المراقبة المشددة رهائنا" وبما فيهم عائلات القادة مخزم، الذين استخدموا، في بعض المرات في عمليات بسيكولوجية كانت تنجز على طريقة "بيجو"، حيث كان هذا الأخير يصبو إلى بناء قرى استعمارية على طراز نظيراتها في أوربا للتكفل بهذه العائلات بالتحديد"[15].

من هذا المنظور، فإن الضباط الفرنسيون لم يقوموا إلا بإعادة استخدام النظام القديم "للعائلات الرهينة" الذي طبقه التركيون، و الذي كان شرطا من شروط معاهدة التين المبرمة سنة 1836 بين الجنرال "تريزال" (Trézel) و قادة قبائل الدوار والزمالة، التي تنص في مادتها 12 أنه "يتم اختيار من كل قبيلة من القبائل قائد يسكن و عائلته مدينة وهران".

3.التنظيم الفضائي للمدينة الجديدة

وعلى خلاف غيرها من المدن الجزائرية التي انهمكت فيها السلطة الاستعمارية ببناء أحياء جديدة مجهزة خصيصا للأوربيين، فإنه تم في وهران اعتماد النهج المعاكس من خلال "الرغبة في بناء مدينة جديدة و حقيقية لا تكون موجهة للأوربيين، و إنما للأهالي"، ومن ثمة، فإن غياب مفهوم "المدينة" عن وهران حال دون الحاجة إلى القيام بأشغال كبيرة فيما يخص: "استبدال النسيج التقليدي لاستعمار الفضاء الحضري التقليدي، قبل القيام بمحاولة ترسيخ معالم النمط الحضري أو النمط الأوربي"، كما كان الحال في مدينة قسنطينة على سبيل المثال[16] و هو  الأمر الذي جعل عملية تقسيم الفضاء الحضري نفسه بين الأوربيين و السكان الأصليين في مدينة وهران، و هي عملية غير ضرورية، ضف إلى ذلك أن اختيار مصطلح "المدينة" بوصفها اسما لهذه المنطقة لم يأت من باب الصدفة.

وبالنسبة لمصمميه، فإن هذا الحي يؤدي وظيفة "المدينة" التقليدية نفسه التي كانت غائبة عن مدينة وهران. فهذه المدينة الاستعمارية هي ذاتها المدينة التي قارنها "ب سمود" "بالمدينة الجديدة "للدار البيضاء (Casablanca) في العديد من الجوانب الحضرية (رصف البنايات، انتظام خط الطرقات...الخ) [17].

لقد تم اختيار القاعدة الأرضية التي بُني عليها الحي الجديد " للمدينة الجديدة" على هضبة "الكلاية" و المدعوة أيضا ب "القرية الزنجية"، في مكان يقع شرق الموقع القديم لدشرة "كلاية"، على أراضي كانت ملكا للبايليك السابق و أيضا لملاك مسلمين باعوا عددا من أراضيهم لليهود مع بداية الإحتلال، و من بينهم عائلة "بن هايم"[18]. ومع هذا، فإن كل الدلائل تشير أن "المدينة الجديدة" كانت في الأصل تتألف من ثلاثة أحياء صغيرة يحمل كل حي منها إسم "مدينة":

  • مدينة الرادار: و هو الحي الواقع في الشمال و الذي كان يقطنه النبلاء و الحضر، كما تحيل إليه التسمية، "كان هو التجمع الأحسن تكوينا من حيث تركيبته السكانية - على حدِّ تعبير القائد "ل شنيفال" (L. Chèneval)- نظرا لكونه يجمع بين حرفيين و تجار سبق لهم الاستقرار لفترة من الزمن في المدن"[19]. ونجد هذا الجزء من المدينة مسجلاً لأول مرة على سجلات الحالة المدنية في جوان 1846، تحت إسم "قرية البربر" .
  • مدينة العبيد: حيث تمخضت عن هذه التسمية الترجمة الفرنسية (le village Nègre) أو القرية الزنجية، وهي التسمية التي أطلقت فيما بعد على كل حي المدينة الجديدة.

وقد طغت استعمالات هذه التسمية ذات الإيحاءات العنصرية (سواء على المستوى الفضائي أو السوسيو-عرقي) على غيرها من التسميات، و اشتهرت بشكل كبير في الجغرافيا الحضرية الاستعمارية، " نجدها- يسجل "ل تواتي" (L. Touati)- في كل المدن الفطرية التي بنيت في أعقاب الغزو الاستعماري: باريقو، سيدي بلعباس، سيق، عين تموشنت...الخ، وهكذا، ارتبطت كل مدينة من هذه المدن بقرية زنجية معينة"[20].

فالإشارة إلى القرية الزنجية وردت للمرة الأولى في سجلات الوافيات للحالة المدنية لبلدية وهران بتاريخ أفريل 1847 تحت اسم "القرية المدعوة بقرية "الزنج"، و يبدو أن هذا الحي الصغير كان مصمما في الأصل لاستيعاب السكان السود لمدينة وهران والذين كانوا  يعيشون حول " قبة سيدي بلال، قديس كل المجموعات السوداء في الجزائر. و كانت هذه المجموعة تملك، أيضا، مقبرة بجوار مقبرة سيدي البشير، وهي مقبرة كان لها استخدامها الخاص[21].

و بالرغم من إلغاء التكتلات العرقية و المهنية سنة 1868، إلا أن مجتمع السود استمر في العيش بعد ذلك لمدة  طويلة، في حدود المدينة الجديدة ضمن "تكتل زنجي"[22].

مدينة الشراقة : يموقع "ل. شنيفال" (L. Chéneval) هذا الحي الصغير "انطلاقا من المنازل التي تحيط بساحة شارع "جوزيف أدريو" في الشرق وصولا إلى أبواب ساحة المناورة، و إذا كانت التسمية  تدعو إلى الاعتقاد أنه كان مسكونا من قبل سكان من أصل الخليفة السابق للشرق (غليزان، مليانة، زمورة ...الخ)، فإن "ل. شنيفال" يوضح أن سكانه كانوا من المحتاجين، القادمين من كل حدب وصوب و كانوا حمالين  على أرصفة الموانئ و عمالا و بنائين عند المقاولين"[23].

ومع بناء الجدار الجديد للضاحية سنة 1866، تم ضم المدينة الجديدة إلى الحيز الجغرافي الواقع داخل هذه الجدران، ليتغير بذلك وضعها من ضاحية إلى حي. و قد سمح هذا الوضع الجديد لهذا الحي، و كذا لحي "سان أنطوان" بالاستفادة من المشاريع الحضرية الجارية الإنجاز، و تلك المرتبطة بإنشاء الطرقات المبرمجة في إطار مختلف مخططات الرصف و التسوية و المصممة في الأصل لضاحية "قارقنطا"، "سان بيار" و "سان ميشال" و قد صرح "ر. لسباس" أنها كانت ترسم في جهتها الشرقية، و على يمين طريق التين، شبكة جد منتظمة من الطرق المتقاطعة في الزاوية اليمنى، في حين أن الكتلة الغربية عمت فيها الفوضى ولفترة طويلة، ضف إلى ذلك أن سمعتها كانت  سيئة بين بقية  الشوارع التي لم يكن قد تم تصنيفها بعد.  

أما الشارع الجنوبي، يضيف "ر. لسباس"، فقد تم تقليص مساحته من العرض للسماح بانجاز بنايات جديدة، و بالفعل، سجلت زيادة تدريجية في عدد السكان المسلمين، و خلال عملية الإنجاز، تم إنشاء الساحة الرئيسية لهذه المدينة الأهلية"[24].  

خلاصة

كثيرون هم هؤلاء الذين مثل "ر. لسباس" و "ش. أ. جوليان" أو "ب. سمود" يعتقدون أن إنشاء المدينة الجديدة كان نتاج سياسة "تجميع" للسكان الأهليين في مناطق حضرية. وعلى ما يبدو، فإنه، و في هذه الحالة بالتحديد، فقد استخدم مصطلح "التجميع" في غير محله، حيث أن سياسة التجميع الحقيقية لم تطبق إلا حوالي سنة 1853 من قبل المارشال "روندون" (Randon)، و الذي كان من أكثر المؤيدين للاستعمار على "النطاق الضيق" و المشجعين للهجرة الحضرية الأوربية        و الزيادة السكانية ذات الأصول الفلاحية. وبالإضافة إلى هذا، فإن سياسة استعمار العرب عند "بيجو" و ما انجر عنها من بناء لقرى أهلية، كانت تهدف منذ بداية الاحتلال إلى تجميع القبائل لأسباب عسكرية محضة، بغرض إبعادها عن تأثيرات الأمير عبد القادر.

في الأخير، فإننا على غرار "ميشال كوكرفي" الذي كون فكرة مختلفة عن غيره حول سياسة بناء القرى الأهلية و بالأخص نموذج المدينة الجديدة و الذي يذهب "ميشال كورناتون" إلى اعتباره شكلا من أشكال التجميع السكاني، فإننا نعتبر إنشاء هذه القرية من "أولى أشكال إعادة التوطين و تحديد الإقامة على أبواب مدينة السكان الأصليين الذين فروا أثناء الغزو ليعودوا بعدها أكثر عددا"[25].

ترجمة: صورية مولوجي قروجي

 

الهوامش

[1] ولسين استراز لويس جوزيف فردينو (1857-1807) بوليتكنيكي، وصل إلى الجزائر سنة 1832 برتبة ملازم أول، تم تعيينه سنة 1842 كقائد سرب في سلاح الفرسان الأهليين، ثم مقدم في الكتيبة الثانية و عقيد سنة 1847. سمحت له وظيفته قائدا بالمكتب العربي في وهران بإنشاء علاقات مع العديد من الجزائريين ذوي الشأن الذين أمدوه بالمادّة الأولية لكتابة مؤلفيه الموسومين "بالهيمنة التركية إبان الوصاية القديمة على مدينة الجزائر" (باريس 1840)، و "السجل التاريخي لمخزن وهران" (وهران 1849).

[2] Tinthoin, R., Colonisation et évolution des genres de vie dans la région ouest d'Oran de 1830 à 1885. Etude de géographie et d'histoire coloniales, ­Oran,  L. Fouque, 1947, p. 130

[3] نفس المرجع، ص. 130.

[4] نفس المرجع، ص. 145

[5] Laujoulet, Théodore, Le commerce en Algérie. Etudes sur le peuplement utile de l'Afrique française, Paris, 1851, p. 68.

[6] Cornaton, M., Les regroupements de la colonisation en Algérie, Paris, éd. Ouvrières, 1967, p.45

[7] Mahdjemout, Diop, Histoire des classes sociales dans l'Afrique de l'Ouest I. le Mali,  Paris, F. Maspéro, 1971, p. 39.

 المرجع نفسه ص.39[8]

[9] Derrien (commandant Isidore), Les Français à Oran depuis 1830 jusqu'à nos jours, Aix, Nicot, 1886, p. 33.

[10] كلمة "جلّي" تعني، حسب الإجابة التي أعطاها القائد "ل. شوفينال" في الرسالة المؤرخة في 17 سبتمبر 1924 للقائد "بالكا" (pellecat) على سؤال طرحه عن أصل المدينة الجديدة: "المتشرد"، الغريب عن البلاد، و جمعها في الفرنسية Djalis ، دون النطق بـ "سين" الجمع (أرشيف القائد "بالكا"، مجتمع الجغرافيا و علم الآثار بوهران). ينظر أيضا: commandant L. Chèneval. "Souvenirs oranais  la Place Sidi Blal"L’ Echo d'Oran 19 mars 1925 كما وردت تسمية "قرية الجالين" على تقرير لرئيس المكتب العربي للمدينة الجديدة، ينظر أيضا: Turin (Yvonne). Affrontements culturels dans l'Algérie coloniale. Ecoles, médecine, religion, 1830-1880, Paris, F. Maspéro, 1971, p. 144.

[11] تانتوان، ر. المرجع السابق، ص. 134.

[12] المرجع نفسه ص.134.

[13] Semmoud, B., Médina-Jdida. Étude cartographique et géographique d'un quartier d'Oran. Les rapports avec l'agglomération et la région Oranaises, 2 vol., Thèse 3ème cycle, Paris VII, 1975, VoI.1, p.47.

[14] Martimprey (général comte de), Souvenirs d'un officier d'état-Major : histoire de l'Etablissement de la domination française dans la province d'Oran, Paris, 1886, 288p., cartes.

[15] Reffes, Sid Ahmed, La propriété immobilière à Oran de 1832 à 1847, Thèse de doctorat, Paris, 1985, p. 49.

[16] Pagand, B., De la ville arabe à la ville européenne : architecture et formation urbaine à Constantine au XIXème siècle, RMMM, N0 73/74,1996, p.p. 281-294.

[17] Semmoud, B., Op. cité., p.47.

[18] الموقع الذي تم إختياره لإنشاء المدينة الجديدة، كان دوماً مطالباً به من قبل مصالح الدومين. "هذا التوزيع  للأراضي التي كانت تعد ملكا للبايليك كما يوضح "ديريان" (Derrien)، أدى إلى خلق العديد من ردود الأفعال و النزاعات أمام محكمة وهران و محكمة الإستئناف بالجزائر سنة 1849 و 1855 و التي  أصدرت حكما برفض دعوة  أهل  بنهايم. و بأمر من المحكمة تم منح كل ملكية شوارع القرية الزنجية لمدينة وهران و بشكل نهائي سنة 1870. Derrien.- Les Français à Oran de 1830 jusqu'à nos jours. Aix, 1886, pp. 185-186 لتفاصيل أكثر ينظر أيضا :

Revendication par Hippolyte-Auguste Bachelet, à l'encontre du Domaine de l'état des terrains situés à Oran maintenant intra-muros et sur lesquels était au moment de la conquête et extra-muros un village appelé Kalaïa.- Oran, impr. Nugues, 1882, 13p., plans.

[19] Chèneval, L., Souvenirs oranais la Place Sidi Blal,  Echo d'Oran, 19 mars 1925.

[20] Touati, Lahouari, Economie, Société et Acculturation. L'Oranie colonisée 1881-1937, Thèse 3ème cycle, Université de Nice, 1984, p. 155.

[21] Benaada, S., Espace urbain et Structure sociale à Oran de 1792 à 1831, DEA-Sociologie, Université d'Oran, 1988, 223 p., plans, annexes.

[22] ل. شفينال، ينظر المرجع السابق.

[23] تقدمت مجموعة السود عام 1882 بعريضة إلى رئيس بلدية وهران للمطالبة بتعيين أحمد ولد موسى أحد الملاك في القرية الزنجية، كقائد لتكتل الزنجيين.الأرشيف البلد ي، ملف الأهلية.

[24] عمليات الرصف التي ذكرها "لسباس" (lespès) تخص تحديدا شبه حي سبالة الطُلبة، و الذي كانت تتوسطه ساحة "أديلاييد" (ساحة دواجي حاليا).

[25] Coquery, Michel, L'extension récente des quartiers musulmans d’Oran, ­Bulletin de l'Association des géographes français, N0 307-308,1962, p. 175


Affiliation destruction in Algerian registry offices. An analytical study

From the destruction of affiliation in Algerian civil status or elements of onomastic semantics we would like to show in this article that the civil status in Algeria and not Algerian (it does n’t exist any longer) does n’t ensure the continuity of passing on identity transmission despite  of an affiliation several times millennial.

There is even a mental representation of non-affiliation, of non genealogy, characterized by a violent intrusion of two paradigms of reconstructing the Algerian personality by the authorities and the French colonial army : the Senatus Consul and the Law on civil status (1886). How has the onomastic Algerian patronomic system been constructed historically ? What carrier strategies have determined in the past representations followed and what is the situation today?

Never in colonial history and its relation with a given linguistics, an operation dislocating identity, destructuring or onomastic restructuring, has worked at a double level of consciousness semantic and formal, so that it has been assured a definite form in the Algerian civil status


 

الجزائر: أرض و أشخاص

تطرح مسألة الحالة المدنية في الجزائر - و بطبيعة الحال في غير الجزائر أيضا - إشكالية جنيالوجيا النسب، حيث يظهر لنا أن أولوية مجتمع في حالة أزمة - كما هو حال مجتمعنا- لا تكمن في استغراق التفكير في المستقبل وإعادة اختراع الحداثة، بقدر ما تكمن في إعادة تحيين شرائح من الماضي "المكبوت". إنها مسألة حاسمة، حتى وإن قال بعضهم أنها محفوفة بالمخاطر، ومع ذلك فهي مسألة لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف حولها، في حالة ما إذا تخيلنا للحظة أن الحالة المدنية الراهنة ستستمر في نفس التمثل العقلي الكولونيالي الفرنسي للنسب، خاصة أنه هو نفسه التمثل الرمزي لللانسب المبلور في الفترة نفسها بواسطة "بارديغمين" لإعادة تأسيس الإدارة والجيش الفرنسي الكولونيالي للشخصية الجزائرية. يتعلق أحد هذين "البرادغمين" بالأرض من خلال مرسوم مجلس الشيوخ "Sénatus Consult" الأول، أما الآخر فيتعلق بالشخص من خلال قانون الحالة المدنية لسنة (1882).

إننا في هذا الإسهام نود أن نقترح بعض عناصر تركيب مؤقتة في مجملها، وهي مرتبطة بتفكير شرعنا فيه بلا انقطاع منذ بضع سنوات حول المسائل المتعلقة باستعمال أسماء الأعلام وأسماء الأماكن (التوبونيم) أو أسماء الأشخاص (الأنتروبونيم) في مجتمعنا.

ولقد تبين لنا في إطار هذا التفكير أن ثلاثية: الشخص/ الزمن/ المكان، تتوافق مع الإطار المطور للمقاييس المرجعية من النمط الهوياتي، المتبلورة في أسماء أعلامنا بصفة عامة والتي يمكن أن تُـستخدم حجة في مجال التفكير التاريخي بأبعاده الدينية، والرمزية، واللغوية، وباختصار الأبعاد الثقافية والتثاقفية الأكثر خصوبة.

اسم العلم الجزائري: رمزية الشرخ

من المحتمل أن في هذا العمل "القريب" من الهوية -لا شيء في الواقع أكثر شيوعا، وحميمية، وتعريفا للهوية وذو معنى من الاسم، اسم العائلة، اسم قبيلة واسم قديس/ولي صالح يقسم مواطنونا به- إذ يمكن تأويل الممارسات اللغوية البربرية أو العربية الشعبية أو ذات الشكل الهجين، البربري-العربي وترسخها، كما يمكن تأويل الوعي وتمثلاته، الاستراتيجيات وفعالياتها في الحاضر والمعيش والتي تكون موجهة نحو الماضي مع ذلك.

يظل اسم العلم الجزائري في إطار سيميولوجيا عامة و بيداغوجيا تاريخية، ذا أهمية أكيدة للتفكير حول تحديد التسلسل المنطقي للأولويات، وذلك بقدر ما يمكن للهوية بالمعنى الدقيق أن تمر - بالتأكيد عند كثيرين وبحق - عبر الهوية الأونومستية (الأونومستيك = اسم العلم).

ومن الأسئلة الواجب طرحها في هذا المقال هي: كيف تم تاريخيا بناء أسماء الأعلام الجزائرية؟ ما هي الخيارات الإيجابية التي حددت في الماضي التمثلات المتبعة وما مآلها اليوم؟ هل تُـصالح الأسماء الجزائرية للأعلام والأماكن الجزائريين مع أنفسهم، أم أنها ستظل وإلى أجل غير مسمى العلامة الأبدية للمكبوتات التاريخية، التي لا بد من توليها وتحيينها من أجل طمأنينة الذات  الجزائرية؟ وعلى المستوى الرمزي نتساءل: ما هي استراتيجيات الإنتاج التي تم تنفيذها في هذا السياق وما هي السياسات اللغوية الأونومستية المطورة من طرف السلطات العمومية إلى غاية اليوم من أجل بناء المحيط المعرفي  للتسمية في الجزائر؟

تتدعم نقطة انطلاق هذه الدراسة بواسطة ردود أفعال الـُمتحدثين الجزائريين في إطار أبحاثنا في الميدان حول حالتهم الهوياتية بالضبط، انطلاقا من المعطيات الأونومستية. إن التساؤل بهذه الكيفية ليس فقط تساؤل حول الأهمية العلمية لتلك الأبحاث، ولكن تساؤل أيضا مدى تتطابق المعرفة، و"إدارة" أسماء الأعلام مع العلاقات التاريخية، والثقافية، والاجتماعية. وبأي نسبة يمكننا أن نصحح العجز الهوياتي البنيوي، سواء باللغة البربرية أو العربية الدارجة المتضمن للحالة المدنية وحتى في معجم أسماء الأماكن في الجزائر[1]. قد يكون من العجيب القول أن الهوية الأونومستية الجزائرية تاريخيا ولغويا هي كيان منفجر، من حيث أن الخلف نفسه متضمن في أسماء عائلات مختلفة أو متشظية. وفي أحسن الحالات هو موجود في مدونات مختلفة، كما هو الحال في هذا المثال: بن حسين، بلحسين، بلحوسين، بن حوسين...إلخ[2].

«اقتلاع الجنسية " بواسطة أسماء أعلام الأشخاص

يمكننا أن نتطرق إلى هاته المسائل وإلى مسائل أخرى أكثر عملية وراهنية، والمرتبطة بالتدوين الفرنسي أو المفرنس، التدوين العربي أو المعرب للأسماء الجزائرية، سواء في وثائق الحالة المدنية وكذا الوثائق القانونية، وثائق المحاسبة، وثائق الضرائب، وثائق إدارة الأراضي Cadastraux، إلخ. إن الصورة الحالية لتدوين أسماء أعلام الجزائريين المحتواة في الوثائق الرسمية هي امتداد للتسيير الكولونيالي للهوية الأونومستية الجزائرية. إننا نحاول مند مدة معينة أن نفكر في مستويات تنظيم التحليل والتدخل غير المشكوك فيها  insoupçonnées والتي لا تقبل الشك  insoupçonnables، والتي تظهر على أنها كذلك إلى حد الآن، والمتعلقة سواء لدى الإدارة الكولونيالية وحتى لدى إدارتنا بطريقة شعورية أو غير شعورية. لقد عملت هاته المستويات كلها على إفقاد الشعب الجزائري جنسيته. وفي الوقت نفسه نسأل عن البراديغمات التي تأسس عليها تاريخيا منح وتدوين أسماء الأعلام الجزائرية في ميدان علم أسماء الأشخاص وعلم أسماء الأماكن؟ من المؤكد  أننا نحيل إعلى قانون إنشاء الحالة المدنية لسنة 1882، المسبوق بقانون 1873 حول الملكية الفردية، والذي فرض إضافة اسم العائلة إلى الألقاب والأسماء المستعارة. وبذلك يُـعرف مسبقا كل أندجيني(أهلى) indigène يتم إعلانه مالكا من خلال اسم العائلة، ما يعني إحداث قطيعة مع الأشكال التقليدية الجزائرية للتسمية، من خلال الإلزام ومن خلال تعميم اسم العائلة (23 مارس 1882).

إن تقليد التسمية الجزائرية التقليدية الخاصة بالسلالة البربرية أو العربية، كان مختلفا عن النظام الفرنسي للتسمية. إن التقليد البربري، كان إما أبويا (اسم العائلة من جهة الأب) patrilinéaire أو أموميا (اسم العائلة من جهة الأم)  matrilinéaire (بالنسبة للطوارق). في حين أن التقليد العربي كان أكثر اكتمالا ومنهجية، بتوظيفه لكل من: اسم، علم، كنية، لقب، نسبة، كما يظهر في المثال الآتي: عبد الرحمن أبو زيد ولي الدين ابن خلدون التونسي، حيث أن نسب هاته الشخصية معروف بابن خلدون.

قد يقول بعضهم أن هذا النظام كان باليا وغير اقتصادي، وأن قانون 1882 قد أدرج نوعا من العقلانية في نظام التسمية بفرض اسم العائلة، إذ أن التعرف على الأشخاص هو بالفعل أكثر يسرا عند استخدام اسم العائلة، إذ جعل التسمية La dénomination من حينها مشتركة وغير متغيرة قانونيا بالنسبة للعائلة بأكملها وبالنسبة لنسبها. ومع ذلك ليست النجاعة الباطنية intrinsèque لهذا النظام الجديد هي ما يجب تحليله، بقدر ما يجب تحليل شروط فرضه، وهي الشروط الفريدة في التاريخ القديم والحديث للاستعمار، حيث أنه الوحيد الذي اشتغل على مستويين من الوعي بهدف تمزيق الهوية، الشيء الذي سنحاول البرهنة عليه لاحقا.

ومن أجل تبيين درجة الإصرار على العنف الرمزي المتضمن في آلة تدمير وإعادة بناء الحقل الأونومستي الجزائري، سنأخذ مثالا عن اسم العائلة الفرنسي،  فهذا الأخير عرف تطورا طبيعيا من خلال عبور مسار تطور تاريخي بلغ مداه عشرة قرون، من أجل أن يفرض نفسه بوصفه معيارا تصنيفيا للتسمية. أما في الجزائر فقد تحقق ذلك " في أقل من ثلاثة عشر سنة"، وهذا ما أشار إليه لويس ميليو[3] Louis Milliot سنة 1939. أما تأسيس l'institution أسماء العائلات في المغرب فيرجع فقط إلى سنوات 1950 (ظهير 8 مارس 1950 الخاص برعية صاحب الجلالة) والتي كانت في البداية إجبارية بالنسبة للمستفيدين من المنح العائلية. وقد أدى المرسوم البايلكي beylical  لـ 30 جوان 1925 إلى انطلاق الإصلاح في تونس، من دون أن يلغي استعمال التسميات التقليدية، مثال: علي بن أحمد بن عمور بودربالة[4]

أسماء العائلات الجزائرية: من نظام التدوين إلى الإنكار المعياري            

وأمام مقاومة الجزائريين القوية، نص القانون من بين ما نص على أن الاسم المختار سيكون اسم قطعة الأرض و ذلك بداية من 1865، وقد تم رسميا طرح مشكلة تدوين الأسماء الجزائرية (رسالة إمبراطور فرنسا) من خلال ابتكار نظام جديد للتوافقات الصوتية Phonétique. وقامت مطبعة الإمبراطور سنة 1868 وتحت إشراف مترجم عسكري اسمه دو سلان De Slane  بنشر كتيب مكرس لأسماء الأشخاص والأماكن- الذي أصبح أكثر شيوعا بعدها-، إذ احتوى على ما يقارب 3000 اسم والتي تتواصل كتابتها في التأثير على إملاء أو طريقة كتابة الأسماء الجزائرية إلى الآن. إن "الأهواء" المتعلقة بكتابة الأسماء الجزائرية كثرت بالرغم من هاته التدابير، وبالرغم من "طموحات" كل من جغرافيي المعهد الوطني للجغرافيا[5]  سنة 1946 وكذا المختصين في اللسانيات بمعهد الدراسات الشرقية للجزائر العاصمة[6] سنة 1946، إلا أنه لم يتم تأسيس أي نظام بشكل نهائي، حيث أن استعمال الإدارات كان له النصر في النهاية.

إن الظروف التي تمت فيها تأسيس الحالة المدنية بداية من سنة 1882، يمكنها أن تفسر عدم التجانس في المدونات، التي ترجع في نظر آجرون Ageron   (1968) إلى "المحافظين الموظفين من ضمن فئة الناس الذين تمت ترقيتهم الواحد تلو الآخر إلى جغرافيين، محافظين ومحققين، وطوبوغرافيين، وكلاء أعمال وقد كان أغلبهم ضباط صف سابقين تم عزلهم من الجيش وقد كانوا رديئين، صالحين لكل شيء وغير صالحين لشيء محدد....،"[7].

إن هاته العملية التي أجريت من طرف أولئك الموظفين صار لها أبعاد قصوى غير متخيلة، إذ أنه أمام رفض الجزائريين الخضوع لقواعد النظام الأونومستي الجديد، صار إلصاق الأسماء بهم يتم بطريقة "تعسفية"، "حيث وصل إلى حد منح الأسماء الفرنسية للحيوانات وهناك ما هو أفضل، حيث تم  تعريب الأسماء العربية للحيوانات، الأسماء البشعة أو المهينة مثل: الشادي، أي القرد (بالنسبة لـ الشادلي)- راس كلب، أي رأس الكلب- تلفرايو، أي الذي فقد العقل- خامج، أي المتعفن- راشي، أي الراشي (بالنسبة لـ رشيد) – بهلول، أي المجنون- زاني أي الزاني وبالنسبة لـ زينة (الجميلة)" (أجرون/ Ageron). لقد تم إنشاء عدد من الإجراءات الهادفة إلى تدمير وإعادة التسمية وفي المقابل هناك استراتيجيات الاجتناب الأونومستي التي تم تبنيها من طرف الجزائريين هروبا من جهاز الإحصاء ومن القمع الإداري، إلا أننا بحاجة إلى إجراء جرد لذلك. و يقدم لشرف Lacheraf في كتابه الأخير، تقريرا مفاده أن إنشاء الحالة المدنية إجراء لمراقبة السكان بجرجرة من خلال الأونومستيك، وذلك في إطار تطبيق العقاب الجماعي. يقول: " إن السلطات الفرنسية أسست نظاما لم بشهد له مثيل في العالم والذي كان من خلاله كل سكان قرية معينة مجبرين على تبني أسماء عائلية تبدأ بالحرف (أ) وسكان القرية المجاورة يتبنون أسماء تبدأ بالحرف (ب) وهكذا دواليك: ج – د - هـ - و- ز- ح، إلخ إلى غاية الحرف (ز) و الالتفاف على كل حروف الهجاء"[8].  ومع ذلك، فقد تم بلوغ الذروة في مرات عديدة عن طريق عمليات الإنكار المعياري ذو الخصوصية الباثولوجية، النفسو- اجتماعية الفردية والعائلية، والتي يعاني منها إلى حد الآن بعض المواطنين الجزائريين. ومنذ الاستقلال تم معالجة مسألة التسمية باللا- مسمى SNP  (بلا اسم عائلة)، لكن تسميات أخرى مازالت في الاستعمال والتي لا يمكن الجهر بها علانية بسبب المضامين الدلالية التي تحملها والمتعلقة بالجنس، الإهانة، الفحش، الموت والفضلات...

فرنسة الأسماء الجزائرية، إجراء جديد للتشفير اللغوي؟      

وفي سجل آخر، فإن مشروع "فرنسة" أسماء الأعلام أبعد عن أن تكون مجرد إجراء بسيط للتشفير، للتعرف وإعادة إنتاج الأصوات الأصلية كما تتصورها إدارتنا، وكذلك الذين أعدوا مرسوم 1980 حول معجم أسماء العائلات وأسماء الأماكن[9]. وعليه نتساءل، ألا تخفي أو ألا تستر مختلف إجراءات التدوين notation المعبر عنها بشكل تقني، نقائص من طبيعة مختلفة، ما عدا النقائص اللغوية ؟ لقد أشار جغرافيو معهد الجغرافيا الفرنسي أنه من غير الطبيعي أن لا تتمكن 130 سنة من الوجود "التحضيري" (نسبة إلى الحضارة) من توحيد وتسوية الكتابة الجزائرية (Mangenest, 1948).

ومن هنا يمكن وصف هذا المشروع الخاص بالفرنسة، والذي يهدف إلى العمل ليس فقط مع فئات رسمية ولكن يهدف إلى عمليات من مستويات متعددة. إن ما يدعم أطروحتنا، هي الملاحظات المعلنة لإدارة سباتي Sabatier السابقة أمام لجنة مجلس الشيوخ، التي تعتبر أن "تأسيس الحالة المدنية كانت ويجب أن تكون مشروعا لنزع الجنسية، إذ أن هدف هاته الأخيرة كان يتمثل في التحضير للانصهار" (استشهد بها أغرون  Ageron)، بمعنى "فرنسة أسماء عائلات الأهالي بقوة أكثر من أجل تعزيز الزواج المختلط"[10]

لقد لاحظ كل من بليغران Pellegrin[11] وشريقان[12] Cheriguenأن هناك سيطرة لأسماء الأماكن حتى من أصل فرنسي لمحددات أسماء الأشخاص anthroponymiques مثل الأسماء الإنجيلية، أسماء الأنبياء، أسماء قديسي الرزنامات والتقويمات،...

وبالتالي، يتبين لنا ضرورة تسليط الضوء على مستويين من التحليل، آخذين بعين الاعتبار التفرع الثنائي للدال/ المدلول -    Signifiant/signifié.

أولا على مستوى المدلولات les signifiés (الصورة، الذهن، المفهوم) أعطينا لمحة عن الفئات السيمونطيقية لإعادة التسمية المستعملة من طرف مكلفي الإدارة الكولونيالية (إلصاق الأسماء المعيبة، أسماء الحيوانات...إلخ)، على الرغم من الملاحظة الفعلية في سنة 1882 لإداريين فرنسيين مثل إلي تابت[13] Ellie Tabet " لبعض التشابه في النطق مع أسماء أوروبية " مثل: هامل Hamel: أموري Amaury، ساسي Sassi .

لقد أمكن حل هذا المشكل جزئيا، انطلاقا من مسألة أصل الأسماء التي يقال أنها عربية وفرنسية، فكثير من أهم أسماء الإنجيل، مستعملة سواء من طرف المسيحيين،  المسلمين وحتى اليهود مثل: إليزي Elisée / إلياس، جون Jean / يحيا، ناومي Noémie / نعيمة، زكري Zacharie /  زكريا ، صدوق Sadok /  صادق، آن Anne /  حنا....

من العلامة إلى تدمير الدال        

جدير بنا التذكير أن الأسماء من الأصل الإنجيلي كانت مستعملة في شمال إفريقيا قبل مجيء العرب، بواسطة كل من الديانتين اليهودية والمسيحية (شريقان، 1994Cheriguen )، حيث "أن أغلب أسماء التعميد في العالم المسيحي مستعارة من سجلات وحوليات الكنيسة " (Ellie Tabet, 1882)، مثل ما هو الحال في الدين الإسلامي، فالاسم الذي يحمله الشخص في العهد القديم والجديد ليس تسمية جزافية واعتباطية. إن هناك تماثل بين تصور الاسم في الديانات التوحيدية وبين الشخص الذي يحمله. إن الاسم في تقليد الكتاب المقدس "يـُعبر عن شيئ ما لدى الشخص، (...). إن اسم الله يعادل الذات الإلهية وبالتالي، فإن تقديس الاسم يمس كذلك الشخص"[14]. ومنه، فإن الإسلام في المغرب الكبير هو أصل صيرورة واسعة للإبداع الأونومستي الذي استوعب الممارسات الدينية والصوفية الأكثر نموذجية بالنسبة للسكان البربر الأصليين، والذي قدم مخزونا معتبرا من أسماء الأشخاص، التي هي مطبوعة في أغلبها ببصمة تدينية أيضا. إن المدونة nomenclature الحالية تبين الأهمية الممنوحة لأسماء الله في الإسلام،  إن هذا الطابع المميز للدين الإسلامي" يشكل المكانة البارزة التي تحتلها أسماء الله، الأسماء التي هي في الحقيقة صفات، تصف الله في مختلف جوانبه، بوصفها ميزات القوة، الاطلاع والاستنارة، والخلق، في قولنا الرحمن، القدير، الجبار، الولي، إلخ (يوجد 99 صفة لله) "[15].

إن أسماء الأعلام ذات الأصل الفرنسي تحمل التمثل الأونومستي نفسه مثلما هو الشأن بالنسبة للأسماء ذات الأصل العربي، ما يعني غلبة المحددات الأنتروبونيمية (أسماء الأشخاص).  فماذا الآن عن مستوى الدال le signifiant (الصورة السمعية، الصوتية)، أي في الحقيقة فيما يكمن عمليا مثل هذا "المشروع المستأصل للجنسية والمفرنس" لأسماء الأعلام الجزائرية؟ إننا لا نتكلم عن إجراءات المنح و إجراءات التعويض المحضة والبسيطة لعناصر المشهد الأونومستي المنفذة بطريقة عامة،  لكن على العكس، إن ما يسمونه بـ " تكييف" الأسماء الجزائرية هو الإجراء المعروف والأكثر خبثا في العلاقة بين الكولونيالية واللسانيات. من هنا يمكن تمييز مشروع  الفرنسة الذي يهدف ليس فقط إلى الإشتغال بواسطة المعايير المصنفة الشكلية، ولكن بواسطة عمليات مختلفة المستويات لا تقل أهمية،  في بناء وتكوين اللاشعور والمخيال. كانت الطريقة تقتضي وضع الجزائري أمام وضع جديد يختار فيه بحرية الإسم و كان المنهج هو كالآتي: فـ " بعض المتلفظات الفرنسية لأسماء عربية يمكن لوحدها أحيانا أن تضع الـُمهتم على مضمار يجعله يختار اسم فرنسي، هكذا فإن أحمد على لسان فرنسي يتحول بسهولة إلى أمد Amede والذي يحول إلى أمدي  Amédée"(Guemeneur, 1963)  .        

هذه لائحة فرنسة الأسماء المكشوفة  والمنشورة


Ahmed

 أحمد

Amédée

أميدي

 

Kaci

قاسي

Cassis

كسيس

Khemis خميس

Camille

كمي

 

Adjemi

جمعي

Eugène

أوجين

Baker

بكر

Albert

ألبير

 

Bendjerad

بن جراد

Bengerat

بنغيرا

Benamar

بن عمار

Bernar

بارنار

 

Louiz, Louis

لويز، لويس

Louisa, Louise

لويزا، لويز

Charef

شارف

Charles

شارل

 

Leyla

ليلى

Lili, Lilia

ليلي، ليليا

Lahcen

لحسن

Lancel

لنسال

 

Chadlia

شادلية

Chatal

شتال

Mériem

مريم

Marie,

Mariane

ماري

ماريان

 

Moussa

موسى

Maurice

موريس

Djenat

جنات

Jeannette

جنات

 

Mourad

مراد

Maury, Maurin

موري، موران

Maouel

موال/معول

Marcel

مرسال

 

Halou

حلو

Helli

هلي

Djeddi

جدي

Japy

جابي

 

 

 

Naïma

نعيمة

Noémi

نومي

 

Euldja

ولجة

Elise

إليز


Othmane

عثمان

Aumont,Omant

أومونت، أمونت

 

Fredj

فرج

Alfred

ألفرد

Fridi

فريدي

Freddy

فردي

 

Henni

هاني

Henri

هنري

Raïna

راينة

Reine

راين

 

Ramdane

رمضان

Raymond

ريموند

Slimane

سليمان

Simon

سمون

 

Seghier

صغير

Petit

بوتي؟

Toumi

تومي

Thomas

توماس

 

Tourki

تركي

Turquet

توركي

 

إن هذه المصالحات الصوتية، هي أبعد عن أن تكون مجرد "ظاهرة" لغوية، كما هي مصاغة ومقدمة من طرف مؤلفيها، لأنها تُـخضع في التاريخ القديم والحديث للجزائر إلى منطق جديد لتدمير وإعادة بناء الحقل الأونومستي. ويشتغل مشروع التدمير هذا على وجهي العلامة اللغوية المتمثلتين في الدال  le signifiant والمدلول  le signifié، إذ يتعلق الأمر- في حالة ما إذا استعدنا عبارة لزميلنا المحلل النفسي، إذ يتعلق الأمر -بعلاج نفسو- بتولوجي واضطراب هوياتي، وبمحاولة "نزع الذات désubjectivisation على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع"[16].

الاستنتاج  

نستخلص أنه ليس من المبالغة القول أن الجزائريين قد تم الكلام عنهم من طرف شخص تحدث عما لم يعربوا عنه أبدا. وبعبارة أخرى، فإن العناصر المنظمة للحالة المدنية الحالية، بمعنى الكيان المجرد، التمثلات العقلية وليس المصلحة الإدارية لا تضمن تواصل المرجعية والنسب الزمكاني للهوية. بالفعل إننا أمام خلل في طريقة الوجود، وأمام اضطراب التواصل الرمزي "للحرف الوجداني/ العاطفي الخاص بالتواصل transmission الهوياتي" كما يعتقد ذلك لشرف[17].   

                                                                         ترجمة: محمد حيرش بغداد

و جيلالي المستاري

          

البيبليوغرافيا

Ageron, C. A., Les Algériens musulmans et la France (1871-1919), Tome1.- Paris, Ed. PUF,1968.

Benramdane, F..-Toponymie et transcription française des noms de lieux de la région de Tiaret.- Alger, Université d’Alger. 1995.

Cheriguen, F..- Toponymie des lieux habités. Les noms composés.- Alger, Ed. Dar al Ijtihad, 1994.

Gimaret,  P..- Les noms divins en Islam. Exégèse lexicographique et théologique.- Paris, Ed. du Cerf, 1988.

Lacheraf, M..- Des noms et des lieux.- Alger, Casbah éditions, 1998.

Mangenest, J..- Transcription des noms indigènes sur les cartes de l’Afrique du nord. Ingénieur en chef géographe (Institut géographique national). in Onomastica, revue internationale de toponymie et d’anthroponymie.- France,  Lyon, Ed. IAC, 1948.

Milliot, Louis (1937).- L’état civil algérien. Cité par DJEBBAR, A. et ARRACH, K.- Anthroponymie algérienne et formation de l’état civil.- Mémoire de fin de licence.- Université d’Oran, ILE, 1996.

Mouloubou, L et Du Buit, F.M..- Dictionnaire biblique universel.- Paris, Ed. Déclée, 1984.

Ouaddah, Kh..- L’anagramme suicidaire ou la question du patricide. Remarques sur le télescopage de l’ordre des filiations dans  «La répudiation» de Rachid Boudjedra. Colloque de psychopathologie maghrébine. Institut du Monde arabe. Actes publiés sous la direction de Charles Bonn et Baumstiler.- Paris, Ed. L’Harmattan, 1990.

Pellegrin, A..- Les noms de lieux d’Algérie et de Tunisie. Etymologie et interprétation.- Tunis, Ed. SAPI, 1949.

Quemeneur, Jean.- Liste des communes d’Algérie.- Cahiers Nord-africains, n°99, 1963.

Tabet, E..- Notes sur l’organisation des tribus et l’étymologie des noms propres.- Oran, Ed. Heintz, Chazeau et Cie, 1882.

 

الهوامش

[1] Décret du 07 mars 1981, portant établissement d’un lexique national des noms de villages, villes  et autres lieux.

[2] المترجم:  إن اللغة الفرنسية تمنحنا احتمالات كثيرة لكتابة هذا الاسم، وهي كالآتي كما ذكرها صاحب المقال:

 Benhocine, Belhocine, Belhoucine, Benhoucine, Belhossine, Belhoçine, Belhossine, Belhoçine, Belhouçine, Belhoucine, Belhucine, Bellehoucine, ets)

[3] Milliot, L., L’état civil en Algérie (1937), Cité par Djebbar, A. et Arrach, Kh.- Anthroponymie et état civil. Les patronymes d’Oran, Mémoire de fin de licence, Université d'Oran, Département de français, 1996, p.56.

[4] Quemeneur, J., Liste des communes d’Algérie, Cahiers Nord-africains, 1963, p.26.

[5] Mangenest, J., Transcription des noms indigènes sur les cartes de l’Afrique du Nord. Ingénieur en chef géographe (Institut géographique national), in Onomastica, revue internationale de toponymie et d’anthroponymie, France, Lyon, Ed. IAC, 1948, p.155.

[6] Onomastica, A propos de la nomenclature des cartes d’Algérie. Compte-rendu de la séance de l’Institut des études orientales d’Alger du 22/2/1948, Lyon, Ed. IAC, 1950, p.155.

[7] Ageron, Ch., Les Algériens musulmans et la France (1871 - 1919), Tome 1, Paris, Ed. PUF, 1968, p.176.

[8] Lacheraf, M., Des noms et des lieux, Alger, Casbah éditions, 1998, pp. 170-171.

[9] Lexique des noms, Op.cité.

[10] Ageron, C. A., Op. cité, p.187.

[11] Pellegrin, A., Les noms de lieux d’Algérie et de Tunisie. Etymologie et interprétation, Tunis, Ed. SAPI, 1940, p.213.

[12] Cheriguen, F., Toponymie des lieux habités. Les noms composés, Alger, Ed. Epigraphe Dar al Ijtihad 1994, p.63.

[13] Tabet, E., Notes sur l’organisation des tribus et l’étymologie des noms propres, Oran, Ed. Heintz, Chazeau et Cie, 1882.

[14] Mouloubou, L et Buit, J. M., Dictionnaire biblique universel, Paris, Editions Desclée, 1984, p.p.509- 510.

[15] Gimaret, P., Les noms divins en Islam. Exégèse lexicographique et théologique, Paris, Ed. Du Cerf, 1988, p.06.

[16] Ouaddah, Kh., L’anagramme suicidaire ou la question du patricide. Remarques sur le télescopage de l’ordre des filiations dans «La répudiation» de Rachid Boudjedra.- Colloque de  psychopathologie maghrébine. Institut du monde arabe. Actes publiés sous la direction de Charles Bonn et Baumstiler, Paris, Ed. L’Harmattan, 1990, p. 85.

[17] Lacheraf, M., Op.cité, 1998, p.147.


The time of circular letters or colonial football contradictions in Algeria (1938-1945)

This article considers the football situation during the colonial period, which experienced different stages, among which that of the football club constitution of mixed ethnical or single ethnical nature. Moslem clubs underwent several pressures on behalf of the French authorities, who sometimes prohibited certain competitions. Thus the general governor who stipulated the ban on certain matches where clubs made up of a single ethnical group were taking part .The autochtones were concerned by this notice, they were asked to introduce European elements in their teams. This complicated the situation on the field, by causing contradictions between clubs, associations and authorities. The circular letters didn’t resist the pressure from sporting associations and civil society. 


بلغت كرة القدم ضفاف البحر الأبيض المتوسط ما بين حدود نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين، و يبدو أن الجزائر قد أدركتها هذه الرياضة سنة 1897 بخاصة، لما نشأ، ضمن البيئة الأوروبية، النادي الرياضي لحرية وهران (CALO)[1]، و في منطقة هي، فضلا عن ذلك، خاضعة أشد الخضوع للنفوذ الكولونيالي (أي الغرب الجزائري). و سترى النور، فيما بعد، العديد من النوادي بمختلف جهات الوطن و لكن بتشجيع من قبل الأوروبيين. و بإمكاننا، مع ذلك، الإشارة إلى بعض الجمعيات المسلمة القليلة التي تم تأسيسها آنذاك و من بينها جمعية مدينة معسكر في مارس 1913[2]. و قد طبعت هذه الهيئة ذات التكوين الأهلي- التي لا ترفض مبدأ الاختلاط مع الأوروبيين - كرة القدم الجزائرية منذ نشأتها الأولى بطبيعة الحال: تجمع إذا بهذه النوادي اللاعبون ذوو الأصل الفرنسي و الإيطاليون في الجهة الشرقية (قسنطينة) و الإسبانيون في الغرب الجزائري، كما أنشئت فرق مالطية: و أيضا فرق يهودية و "صهيونية"[3].

و يبدو أن تكاثر هذه الجمعيات كان، قبل انفجار الحرب العالمية الأولى، ذات أهمية بالمقارنة مع الظروف القائمة آنذاك، و قد رافق ذلك تنظيم المباريات الأولى، و منذ سنة 1913 جرت أول بطولة كروية حقيقية للجزائر.

و مع ذلك، فقد ظلت هذه المنافسة، على الرغم من شدتها و انضمام بعض الجمعيات الرياضية الجزائرية لإتحاد الجمعيات الفرنسية للرياضات البدنية (USFSA)[4] غير رسمية بشكل واسع. و لم يتم الإدماج الحقيقي للمنافسات الفرنسية، أو على الأقل ضمن الهيئات الوطنية، إلا غداة الحرب العالمية الأولى لما انخرطت الفرق الجزائرية في الفيدرالية الفرنسية لجمعيات كرة القدم (FFFA)[5]، وقد تجمعت في ثلاث اتحادات[6] و انضمت سنة 1920 رفقة نظيرتيها المغربية و التونسية للبطولة الإفريقية و هكذا تم تنظيم، و لأول مرة كأس إفريقيا الشمالية سنة 1930. و لعل المستحدث والملفت للانتباه الذي ظهر بعد الحرب، يكمن في بروز فرق مسلمة عديدة نسبيا بالنظر للمرحلة السابقة، أي حوالي 18% من مجموع النوادي التي كانت تمارس نشاطاتها فيما بين 1923 و 1924. و من بين الجمعيات المسلمة التي تأسست في تلك الفترة، يمكن أن نشير إلى مولودية الجزائر العاصمة (MCA)، و هو أول نادي مسلم انخرط في الديمومة منذ نشأته في 7 أوت 1921. و لعل اختيار المولودية للونين "الأخضر و الأحمر"[7] يدفع بالقول إلى أنها لم تكن تنوي الاكتفاء بتشكيل ناد بسيط لكرة القدم في المستقبل، حتى و لو أن الدوافع التي كانت وراء ذلك في تلك المرحلة انحصرت في الجانب الرياضي و حسب[8] مثلما يُذكر بذلك يوسف فاتيس. و قد كان الإتحاد الرياضي المسلم لمدينة وهران (USMO)، الذي نشأ في الفاتح من ماي 1926 من خلال انضمام و اندماج مجموعة من الجمعيات، يسعى لمواجهة العديد من النوادي الأوروبية التي كانت تشكل أقلية كبيرة في هذه الجهة من الوطن، كما كانت تمثل الأغلبية في محافظة وهران بالتحديد، هذا دون أن ننسى النادي الرياضي القسنطيني الذي كان أكبر ناد في البلاد تأسس سنة 1926[9].

كما تميز لدى الأوروبيين، النادي الرياضي لمدينة بلعباس (SCBA) بحصوله على بطولة شمال أفريقيا سبع مرات، وكان بذلك خصما عنيدا للإتحاد الرياضي المسلم لمدينة وهران و للجمعية الرياضية لسانت أوجين الجزائر العاصمة (AS Saint-Eugène)، و الجمعـية الرياضــية لبـونــة (AS Bône) و الراسينغ الجامعي الجزائري (RUA) نادي أبناء الطبقة الأرستقراطية الكولونيالية[10]، و هو الأمر الذي لم يمنع، في أحد الأيام، ألبير كامو الشاب و هو ابن حي بلكور الفقير، من الالتحاق بهذا النادي المشهور.

و يبدو جليا، بالنظر للوضعية الكولونيالية آنذاك، أن تشكيل فرق مسلمة مدعوة للدوام كان يتجه بوضوح في اتجاه آخر، و لو أن هذه الفرق الأخيرة التي كانت لا تزال تتموقع في العشرينيات من القرن الماضي ضمن منظور مناصرة الأسرة المالكة بفرنسا، فإنها كانت تقدّر أنه بإمكان كرة القدم أن تمثل وسيطة قوية لنقل التوجهات الهوياتية و تثبيتها. و هكذا و بسرعة بدأت المقابلات الرياضية بين الفرق الأوروبية و الإسلامية تأخذ طابع المواجهات العنيفة أحيانا - سواء على مستوى المدرجات، مبرزة إحدى التناقضات الكبرى التي كانت تتسبب في طرح مشاكل مستعصية للسلطات الفرنسية التي سعت في السنوات اللاحقة لحلها بشكل أو بآخر. تمنت هذه الأخيرة من جهة، تطوير الرياضة باعتبارها وسيلة للتحكم في السكان؛ و قد صرح بذلك الجينرال قيرو (Guiraud) ذاته، الذي كان قائدا للقسم العسكري لمدينة وهران قائلا بوضوح: لا بد أن تكون الرياضة الرباط الذي يسمح بتوحيد الفرنسيين و المسلمين حول الرغبة ذاتها المتمثلة في الفوز و في الطموحات النبيلة، و ذلك بالقضاء على كل صراع ديني أو عرقي[11]. و لكن من جهة أخرى، كانت هذه الرياضة- و في مقدمتها كرة القدم- قادرة على أن تأخذ مسارا سياسيا واضحا و تعيد النظر في التواجد الفرنسي: إن مجلس الإدارة [لجمعية هلال- رياضة] الذي يشارك فيه أعضاء سابقون لحزب الشعب الجزائري [...] قد لا يكتفون في المستقبل بالبقاء في ممارسة الرياضة فقط[12]، إذ أن انتصار فريق مسلم على فريق أوروبي في الملعب، قد يأخذ دلالة أخرى مختلفة عن الدلالة الرياضية. و بالتالي أصبحت تطرح مسألة مراقبة النوادي و الجمعيات - إن لم يتعد ذلك إلى المباريات - من قبل الجهاز الإداري و البوليسي، و هو الأمر الذي يدفع بهذا الأخير إلى التدخل في ممارسة كرة القدم بداية من نهاية العشرينيات دون أن تشعر الفيدرالية الفرنسية لكرة القدم حقيقة بالانزعاج من هذا المسعى ذي الطابع السياسي السافر في المجال الرياضي، ذلكم في الوقت الذي كان فيه تشديد الخطاب على استقلالية الهيئات الرياضية عن نظيراتها السياسية يبنى بشكل واسع الحقل الرياضي، لكن دون الحقل الرياضي الكولونيالي بوضوح.

و بإمكاننا التذكير بسرعة من خلال محافظة وهران، مهد كرة القدم بالجزائر، بالسياسة المتبعة من قبل سلطات الجزائر الفرنسية؛ إذ تنقسم إلى ثلاث فترات: أولا فترة التشريع القمعي (1928-1936) و تأتي بعدها فترة التسوية (1930-1936) وأخيرا الفاصل الزمني القصير لحكومة فيشي (Vichy) المتمثل في فترة التنازل (1945)، دون أن يمنح هذا التسلسل التاريخي انعدام بعض التشابك بين الفترات.

كان ذلك غداة وقوع أحداث عنيفة خلال بطولة جمعية قسنطينة و التي شكلت، فيما يبدو، تفاقم واضح لمسار المواجهة، مما دفع بالحاكم العام للجزائر في 20 يناير 1928 إلى إصدار التعليمة رقم 1513-ب التي تمنع منعا باتا اللقاءات بين الجمعيات الرياضية التي تتكون من الأوروبيين والجمعيات التي تتكون من الأهالي[13]، كانت تهدف هذه التعليمة، فضلا عن هذا الإجراء، إلى التحاق الجمعيات الأهلية بنظائرها الأوروبية، و هو الأمر الذي يدفع بالفعل إلى الزوال التام لكل الجمعيات المسلمة.

و لأجل ذلك، كان الحاكم يحث السلطات المحلية المعنية باستعمال نفوذها و بسط كل تأثيرها لجعل العنصرين يندمجان[14].

و مع ذلك، لم تأخذ في البداية هيئات كرة القدم، و على رأسها الجمعية الوهرانية لكرة القدم[15]، بعين الاعتبار التعليمة الشهيرة، مما دفع بالمحافظ، فيما بعد، إلى تنبيهها[16] مشيرا في ذات الوقت إلى وجود قوة سلبية لا تأتي من الجمعيات المسلمة فقط. و فضلا عن ذلك، لم تتحقق النتيجة المأمولة، بحكم أن عدد الجمعيات المسلمة قد بقي مرتفعا، و إدراكا منه بصعوبة الحصول على ما كان يرغب فيه في أقرب وقت، سعى المحافظ، و دون التعطيل الكلي للمنافسات، إلى تجاوز الصعوبة من خلال فرض- بواسطة تعليمتين مؤرختين في 22 ماي 1930 و في 31 أكتوبر 1935- حصة ثلاثة لاعبين أوروبيين على الأقل، ثم حصة خمسة لاعبين في الفريق الأهلي الذي يلعب المباراة فعليا، لكن الهدف النهائي لم يتغير، أي الحصول على الانصهار بين الجماعتين. و قد تم - في هذا المجال -، تحقيق بعض النجاح، من قبل السلطات مثلما جرى في مدينة مستغانم و تلمسان و معسكر، لكن بعد ضغوطات متعددة، مما دفع بالجمعيات المسلمة إلى حل هيئاتها و الذوبان في النوادي الأوروبية.

و لإتمام الصرح في النهاية، جدد الحاكم العام أوامره بصرامة للمحافظين بمنع كل لقاء تشارك فيه فرق خالفت قانون الحصص، و هكذا لم يتم إجراء المقابلة التي كانت ستجمع بين فريق بلعباس (FC Belabésien) و النجم المسلم في 12 مارس 1931 و الشئ نفسه حصل[17] في 29 مارس 1936 بالنسبة للإتحاد الرياضي المسلم لوهران (USMO) الذي كان من المفروض أن يتقابل في ذلك اليوم مع النادي الرياضي لحرية وهران[18] و القائمة لا زالت طويلة. و مع ذلك، لم يذهب النجاح الذي حققته السلطات الحاكمة بعيدا. و لعل تزايد المعارضة الصادرة من مختلف الأوساط و تجاوزها بشكل واسع البيئة المسلمة، ضد هذه التعليمات المتعددة كانت قد تنجرّ عنها مضاعفات سياسية، مما دفع بالسلطات إلى التريّث. و قد تمّ تعليق العمل بالتعليمة رقم 1513-ب منذ سبتمبر 1934، و ذلكم خلال كل الفترة التي استغرقتها بطولة 1934-1935، و بطبيعة الحال فقد ذكّرت السلطات مع بداية الموسم اللاحق بنيتها الحازمة في تطبيق القانون[19] و منعت بذلك بعض المباريات، لكن و كما يبدو أن المعركة قد أخذت مجرى آخرا. إذ أصبحت الإدارة الفرنسية تواجه، بالإضافة إلى النوادي المسلمة، عداء صريحا من قبل الجمعية الوهرانية لكرة القدم، و بغض النظر عن التناقضات التي كانت تميز هذه الإدارة، فقد ضاعف من انزعاجها موقف بعض رجال السياسة ذوي الأصول المختلفة. و من بين النوادي التي قاومت بشدة هذه التعليمات المتعددة، نذكر هلال نادي السيقلي (Croissant Club Sigois) و بالأخص الإتحاد الرياضي المسلم لمدينة وهران. كان هذا الإتحاد من النوادي الكبرى، إذ كان يضم في صفوفه 900 شريكا تقريبا، و معتمدا من قبل وزارة الحرب في 9 أكتوبر 1932 و تابعا للفيدرالية الفرنسية لجمعيات كرة القدم و لفيدرالية أخرى (FFBB). و يمكن في هذا الصدد تعداد مجموع الجوائز و المكافآت التي حصل عليها الإتحاد، و هو أمر عظيم، إذ أنه تحصل على لقب بطولة القسم الشرفي و شارك في المباراة النهائية لكأس أفريقيا الشمالية سنتي 1933 و 1935[20] كما تم اختيار في سنة 1933 أحسن عناصره للمشاركة في منتخب الغرب الوهراني الذي واجه منتخب الأسطول البحري الإنجليزي و فريق الأوراديا (L'Oradea)، بطل رومانيا[21]. كما كانت حصيلة الإتحاد جيدة كذلك في الأقسام الدنيا، إذا انتزع لقب بطولة الغرب الوهراني لقسم الترقية سنة 1927، فبلغ بذلك قسم الامتياز، و لإكمال بشكل جيد هذا الفوز العظيم، فقد انتزع فريقاه (الأصاغر و الأشبال) كليهما البطولة سنة 1932. و لم يكن ممكنا، مع ذلك، مؤاخذته على اندساس عناصر نجم شمال أفريقيا[22] أو أية حركة سياسية قومية في صفوفه، بل بالعكس، لقد كان يتكون ربع لجنته المديرة تقريبا من الأوروبيين و رئيسه كان أيضا أوروبيا، و محاربا قديما في حرب 1914، و فضلا عن ذلك عضوا في صليب النار (Croix de feu). كل هذه المميزات، تجعلنا لا نندهش من تمسك الإتحاد بخطاب يلتزم في العمق بالدفاع عن شرعية الأسرة الحاكمة (discours légitimiste) إذ يقول : تسعى كل مجهوداتنا لبلوغ هدف نبيل يتمثل في تكوين شباب قوي و سليم يكون جديرا باحترام أبكاره البواسل الذين دافعوا عن الأرض المقدسة لأمّنا التي تبنتنا و هي فرنسا. يمكننا ضمن اللقاءات الرياضية أن نتعلم كيفية التعرف بشكل جيد على بعضنا بعض، و تزداد أواصر المحبة و الأخوة، كل ذلك في وثبة الابتهاج المشتركة. إننا نمارس الرياضة، لكنها رياضة فرنسية لا تكتنفها أية شائبة[23]. لكن ظل الإتحاد مع ذلك ناديا يلتحق به المسلمون بالدرجة الأولى، مما يجعل منه رمزا نشيطا للجماعة المسلمة حيث لم يسع الأوروبيون للانخراط ضمنه، بل كان ذلك بعيدا عنه بالمرة[24]. و عليه كان النادي يشكل خصما عنيدا للسياسة الحكومية، إذ كان يطالب المحافظ بتعليق عملية تطبيق التعليمات. و لم تكن السلطات، في البداية، تعير أدنى اهتمام لهذا المطلب، لكنها تراجعت فيما بعد و قررت العمل على استثناء هذا النادي بالموافقة على منحه، ولمدة سنة (أكتوبر 1935- أكتوبر 1936)[25] إمكانية مخالفة القانون فيما يخص حصص اللاعبين الأوروبيين، ذلكم بحكم أن النادي برهن على تمسكه العميق بالقانون و أن النتائج التي سجلها شهدت بشكل كبير على جدية التزامه بالرياضة فقط.

لكن ذلك الأمر لم يدم، فالإتحاد الرياضي المسلم الوهراني قد أعتقد أنه وجد الإجراء المناسب من خلال إدماج اليهود الذين حصّلوا على الجنسية الفرنسية ضمن صفوف فريقه الأول، مستغلا في ذلك الحل الذاتي الذي عرفه النادي الأولمبي لكرة القدم لمدينة وهران (Olympique football club d'Oran)، المتكون في معظمه من الإسرائيليين، إذ أحال مجموعة من اللاعبين إلى الاستيداع، مما دفع بحوالي ثلاثين منهم إلى الالتحاق بالإتحاد. لكن سرعان ما خابت الآمال، لأنه و كما يبدو، أن المحافظة قد أومأت إلى أن اليهود و حتى أولئك الذين حصلوا على الجنسية الفرنسية لا يمكنهم بأي حال من الأحوال استخلاف الأوروبيين. لقد كان هذا القرار مفاجئا للغاية، بحكم أن الفرق الإسرائيلية لم تكن ملزمة بإدماج ضمن صفوفها اللاعبين الأوروبيين، و هو الأمر الذي أثار الرأي العام: بإمكان الجمعيات أن تشكل فرقا تتكون من اللاعبين اليهود دون غيرهم، أن تشارك في المباريات، أن تتسبب في الأحداث، دون أن تجد الإدارة نفسها ملزمة بالتدخل[26].

و ربما كانت مثل هذه المواقف تمثل كيفية من الكيفيات لإعادة النظر- كما يبدو- بشكل مسبق و غير مباشر في مرسوم كريميو (Crémieux)[27]؛ و هو الأمر الذي لا يمنعنا من الانتباه إلى التأويل الإيثني (العنصري) ذي الطابع المتشدد لتعليمتي سنتي 1928 و 1930- إذ أن اليهود الجزائريون كانوا يعتبرون من الأهالي بالمعنى الدقيق للكلمة- مما يكشف عن الوجه المموّه من وجوه معاداة السامية لأوروبيي الجزائر: أي الإنكار المطلق على اليهود صفة المواطنة الفرنسية.

نتذكر، في هذا السياق، أنه قد تمت مراجعات غير بعيدة من حيث الزمن، في مجالات أخرى، لتدل على انبعاث مفاجئ لمعاداة السامية المرتبطة بالظرف السياسي التي عاشته الجزائر في الثلاثينات[28]، و هكذا قام رئيس بلدية سيدي بلعباس سنة 1938، بشطب أسماء المئات من اليهود من القوائم الانتخابية للبلدية التي كان يرأسها[29]. و من المفارقات العجيبة التي تم بلوغها في حالة الإتحاد الرياضي المسلم الوهراني، أنه تم منع مواطنين فرنسيين من ممارسة رياضة على أرض فرنسية و ذلك لسبب وحيد، أنهم لا ينتمون لفئة الأوروبيين، مع أن هذه الفئة الأخيرة لا تملك أي أساس قانوني. و على العموم، فقد كان منع الفرق المسلمة من اللعب يعود على نحو ملموس للسبب ذاته، و بخاصة إذا كانت هذه الفرق تضم في صفوفها أهالي ذوي الجنسية الفرنسية- و قد كان الحصول على الجنسية الفرنسية شيئا نادرا في المجتمع المسلم و بالأحرى فقد كان يتعذر ذلك، وفي عالم كرة القدم كون أن هؤلاء قد وجدوا أنفسهم يواجهون احتقارا معينا، إذ تم وضعهم في الدرجة الثانية من المواطنة، حيث تفوقت صفة الانتماء الأهلي على صفة المواطن. وقد طاب لمحيط الإتحاد الرياضي المسلم الوهراني من تسجيل هذا التناقض بمناسبة مجيء إلى مدينة وهران لجمعية إيطاليا (Italia) التونسية، لأجل إجراء المنافسات النصف- نهائية لكأس أفريقيا الشمالية.

و قد تعوّد هذا الفريق، المتكون أصلا من لاعبين ذوي الجنسية الإيطالية، بأداء بشكل سافر ومزعج التحية الفاشية لدى دخوله الميدان: بإمكان أن تقام التظاهرات، إذا أخذنا بعين الاعتبار بعض التأويلات الرائجة في أوساط أهالي مدينة وهران التي تؤكد على أن هناك لاعبين أجانب سيمارسون كرة القدم بكل حرية في المدينة حيث يمنع الأهالي الفرنسيين من ذلك[30]. حينئذ لمّحت حاشية الإتحاد، سواء بفرض الاستفزاز أو لدفع الحكومة العامة إلى أقصى التناقضات التي تميز ممارساتها، إلى إمكانية إدماج لاعبين ألمان و (هكذا يمكنها) أن تجري المباريات التي تُمنع خلالها، لما تستدعي لاعبين أهالي، على الرغم من كون هؤلاء مواطنين فرنسيين[31]، بحكم أن الألمان أوروبيون فعلا! و هكذا تراجعت الحكومة العامة، لما أدركت الوضع المحرج الذي وضعت نفسها فيه، هذا بالإضافة إلى الأبعاد الخطيرة و المفترضة التي قد تأخذها هذه القضية، و بخاصة بعد انتصار الجبهة الشعبية بفرنسا، إذ سمحت في النهاية، للجمعيات الأهلية بإلحاق ضمن صفوفها، الأهالي والإسرائيليين ذوي الجنسية الفرنسية و أبناء المتجنسين لاستخلاف اللاعبين الأوروبيين[32]، و ذلكم بواسطة إصدار التعليمية رقمCM  5599 المؤرخة في 8 سبتمبر 1936، و هو الأمر الذي يلغي و يبطل فعليا العمل بمجموع التعليمات التي استصدرت من قبل.

و من الجلي، أن الإتحاد الرياضي المسلم الوهراني قد لقي دعما قويا من لدن نظرائه سواء من فئة الأهالي أو من فئة الأوروبيين و حتى داخل هيئة (La LOFA) في معركته مع السلطات. كما أدركت النوادي الأوروبية بشكل واضح، أن حرمان النوادي المسلمة من المشاركة في المباريات، قد يفقد هذه المنافسات الرياضية طعمها و جاذبيتها، و لهذا لم نجد منهم من حاول الاستغلال الرياضي لهذا الوضع إلا نادرا، هذا بالإضافة إلى أن التسيير المالي لبطولة مقزمة قد أصبح صعبا. ومما جعل الأمور تأخذ هذا المجرى، كون أن السلطات كانت تملك منذ البداية موقفا غامضا، تتحكم فيه التقديرات التي يكوّنها في الميدان رؤساء الدوائر و محافظو الشرطة القائمون على تسيير واقع ميزان القوى و المنشغلون بتجنب كل ما من شأنه أن يثير الأحداث، وذلكم بالإقلاع عن تطبيق هذه التعليمات التي هي في الأصل كانت ترمي إلى حظر كل هذه الأمور.

 و يتجلى ذلك عبر التناقضات العديدة التي ميزت ممارسة السلطات، إذ أنها كانت تمنع مباراة من هنا – مثلما وقع في مدينة سيدي بلعباس سنة 1931 و تسمح لإجراء مقابلة من هناك – مثلما وقع لمباراة التي جمعت بين الإتحاد الرياضي المسلم الوهراني و الجمعية الرياضية لسنات أوجين (l’.A.S Saint-Eugène) في فبراير 1931 – أو بقبول إجراء منافسة يشارك فيها أوروبيان اثنان فقط ضمن الفريق الأهلي مثلما جرى في مدينة عين تموشنت في أبريل 1931، و بالموافقة على مخالفة القانون لإحدى الفرق (USMO) و برفض ذلك بالنسبة لفريق آخر (الاتحاد الرياضي لتيارت USM.Tiaret)، كل ذلك لأجل ضمان عملية إلقاء ظلال التحريف، في نهاية المطاف على البطولة، لكن كان ذلك دون جدوى. و عند الاقتضاء، مواجهة التهم المنسوبة للإدارة من قبل النوادي التي عوقبت بشكل مضاعف (بواسطة التعليمات أولا و برفض منحها إمكانية مخالفة القانون). هذا بالإضافة إلى أنه من المفيد التذكير الوضعية الحرجة التي ميزت رابطة وهران التي عرفت نوعا من عدم الاستقرار نتيجة الانتقادات الشديدة التي قوبلت بها منذ سنوات خلت من قبل الفرق الرياضية. و ضمن هذا المضمار، انشقت غالبية النوادي الوهرانية فعلا و أسست فيديرالية شمال أفريقيا لجمعيات كرة القدم (FNAFA)[33]، من أجل محاربة ما عرفته جمعية (La LOFA) من ممارسات تميزت بها تسلطية غاستون ليسبون (Gaston Lisbonne) رئيس فريق مدينة بلعباس (SCBA) الذي كان عضوا بارزا ضمن هذه الهيئة، و قد تم تجاوز هذه المحنة المؤذية بنقل مقر الجمعية (La Lofa) من سيدي بلعباس إلى مدينة وهران[34].

و قد أصبح بذلك من البديهي أن لا تتعرض بطولة الغرب الوهراني إلى أزمة أخرى بمثل حجم الأزمة السابقة. و هكذا، تم في سبتمبر 1936، خلال انعقاد الجمعية العامة ( للالوفا) التصويت بالإجماع من قبل المشاركين الذين يمثلون 80 ناديا على اقتراح يدعون فيه هذه الهيئة إلى التوجه للسلطات العامة و السعي للحصول على إلغاء هذه التعليمات المختلفة، و هو ما تم بالفعل في الأيام القليلة التي تبعت هذه التجمع.

 و حتى الصحافة قد اتخذت موقفا واضحا و حاسما إزاء هذه التناقضات، فبينما كانت بعض الصحف تُصّر في حديثها عن النتائج المضرة على المستويين الرياضي و السياسي التي يمكن أن تصدر عن تطبيق هذه التعليمات: إذ لم ينتبه أي أحد لهذا القرار الجسيم الذي ينزع، حينئذ إلى تعميق الهوة بين عنصرين من السكان يتعلق كل منهما - على حد السواء- بالرياضة أشد التعلق [...] يمكننا القول أن هذا الأمر يسئ يشكل كبير إلى سمعة اللاعبين الأهليين الذين هم بمنأى عن ذلك ولا يستأهلونه[35]، لكن صحيفة "لوراني سبورتيف" (L'Oranie Sportive) فقد ذهبت أبعد من ذلك، إذ لاحظت أن هذه الأجواء الضبابية هي مؤامرة رياضية تحاك من قبل النوادي الأوروبية التي يسعدها التخلص بسهولة من بعض الخصوم العُنُد[36].

و بالطبع لم تتأخر النتائج السياسية في الإعلان الفعلي عن نفسها، إذ لا يمكن للأمور أن تعاكس هذا التوجه ضمن النظام السياسي الجزائري الذي يعتمد الولاء في تسيير أموره، فقد تعددت طلبات و تدخلات المنتخبين في جميع المستويات، جاعلة من تطبيق التعليمات أشد تعقيدا مما كان ينبغي لها. و يكفي أن نستدل بثلاثة أمثلة لتوضيح ما نود الحديث عنه. و في هذا المضمار، نجد أولا أن تدخل المستشار العام السيد باسكال موزيلي (Pascal Muselli) لدى الحاكم العام في يناير 1931 بمدينة معسكر، هو الذي سمح برفع الحظر و من ثم إجراء المقابلة، أما ثانيا فقد طالب في شهر أوت من السنة نفسها، المحامي غاستون ليسبون (Gaston Lisbonne) بصفته مستشارا عاما لمدينة بلعباس و مقررًا للجنة الاستشارية للتربية البدنية التابعة للمحافظة، رسميا من الحاكم العام إلغاء تعليمتي سنة 1928 و سنة 1930، اعتقادا منه أن الاضطرابات التي تحدث بين النوادي التي تتشكل من الأوروبيين فقط، لا تقل عددا و عنفا عن الأحداث السابقة، إذ يكفي - في نظره - الطرد النهائي من الميدان لمن يستعمل العنف من اللاعبين، لكي تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي نوعا ما[37]. و أخيرا تمت المصادقة بالإجماع على الاقتراح الذي ينصّ على الحصص، حتى من قبل رئيس البلدية المتشدد في معاداته للسامية، القس لامبير (l’abbé Lambert)، خلال جلسة استثنائية للمجلس البلدي لمدينة وهران، جرت في سبتمبر 1935، و قد تقدم بالاقتراح م. مكي و المستشارين البلديين المسلمين.

و على الرغم من الإزعاج الذي تسببت فيه هذه التدخلات، إلا أنها كانت تقبل نسبيا لكونها تصدر عن هيئات و عن رجال على علم بما يجري، بالإضافة إلى كونهم مندمجين في النظام. أما فيما يتعلق بالحزب الشيوعي الجزائري، فإن الأمور كانت تختلف، إذ أنه وجد في هذه التحركات فرصة إضافية لكي يخرج من عزلته السياسية بشكل سريع، و قد باشر ذلك منذ زمن قريب و في ظرف ملائم بشكل خاص (مارس- جوان 1936). و هكذا نجده يسعى بكل جدية للاجتماع بمسيري الإتحاد الرياضي المسلم الوهراني، و القيام بحملة إعلامية عن طريق الصحافة المكتوبة تدعو لإلغاء التعليمات، و محاولة الدفع بتنظيم الشباب الشيوعي للعمل في هذا الاتجاه في الجزائر قاطبة، و من ثم استغلال هذه المناسبة لتمرير خطابه السياسي الذي ربط بين المسألة الرياضية و الواقع الكولونيالي، إذ يصرّح: نطالب بتدخل الجبهة الشعبية لكي تلغي هذا المرسوم و قانون الأهالي [..] إننا نرغب في تحسين أوضاع السكان المسلمين؛ انظروا إلى روسيا و قارنوا بين روسيا القيصرية وروسيا السوفياتية؛ ستجدون أن 30 مليونا من المسلمين قد استفادوا من المكاسب الإيجابية التي حققها الحزب و يقضون حياة كلها سعادة و هناء في ظل النظام الشيوعي[38]. حتى و إن كانت نشاطات هذا الحزب تملك قدرة معينة على إزعاج السلطات، فإنها كانت، في الأساس، تقتصر على طبع بعض المناشير السياسية و توزيعها و نشر المقالات في الصحف؛ و لعل اختيار الشيوعيين إعطاء الأولوية في مساندة الإتحاد (USMO) الذي يشرف عليه مناضل من "صليب النار" نجدهم قد أخطأوا حقا في اختياراتهم الإستراتيجية. و في ظل هذه الأجواء المثيرة للحماس و التوتر التي طبعت تحضيرات الانتخابات التشريعية لشهر ماي- جوان من سنة 1936، لم تمنع كل هذه الأمور من إبراز، عدم ملاءمة نشاطات الحزب الشيوعي الجزائري، فضلا على أنها كانت تؤشر، بشكل من الأشكال، على الفشل التام للسياسة الحكومية التي شهدت آنذاك أن بعض التنظيمات و الهيئات المتعددة التوجهات مثل الحزب الشيوعي الجزائري و البلدية المعادية للسامية لمدينة وهران قد تحالفت ضدها. و لعل الصعود المؤثر و القوي للوطنية الجزائرية، كان يقلق الإدارة أكثر منه غيره، إذ أن هذه الحركة كانت آنذاك، تفصح عن آراءها من خلال تنظيم نجم شمال إفريقيا الذي كان يقوده الزعيم المؤثر مصالي الحاج، ابن مدينة تلمسان، الذي عاد إلى الوطن في أوت 1936، بعد غياب دام ثلاثة عشر سنة[39]، ليقوم بتعبئة الجماهير في مدرجات الملاعب و يلقي فيهم خطابات حماسية. و قد شكلت سنة 1936، لدى المسلمين، تقدما سريعا و حاسما لمسار تحديد هوية "النحن" مقابل "الهم" المستعمرون[40]، الأمر الذي سيؤدي بشكل خاص إلى تأسيس بباريس حزب الشعب الجزائري في 11 مارس 1937، بقيادة مصالي. و يتجلى هذا التطور السياسي المتسارع، خلال سنوات 1936 – 1939 على وجه الخصوص، بإنشاء نوادي كبرى ذات الإنتمائي الجماعاتي الواحد (monocommunautaires) ومنها اتحاد مدينة تموشنت (USMT) سنة 1937، حينئذ كانت التعليمات تهدف إلى حظر تأسيس النوادي و إلى تذويب الهوية المسلمة في النوادي الأوروبية لجعل كل إثبات وطني مستحيلا. و في هذا الباب، كان الفشل واضحا أيضا، و أضحت الانعكاسات المؤذية لهذه العملية أكثر خطورة من اللازم. و ليس من الغريب و المدهش، أن تكون السنوات اللاحقة حينئذ موسومة بإرادة السعي للتهدئة بجلاء و قوة كبيرتين، هذا على الرغم من أنه لم يتم آنذاك استصدار أي نص يدعو للقضاء على نظام الحصص. و مع ذلك فقد قدّرت الجمعية (لالوفا) على إثر اقتراح من أمينها العام، أنه قد حان الوقت لإقناع السلطات- بما فيها تلك الموجودة على المستوى العاصمي (باريس)- بالتخلي نهائيا عن مسألة الحصص، بحكم أن تعليمة سبتمبر 1936، لم تجد لها صدى يذكر، و ذلك لسبب بسيط، يتمثل في العدد القليل للمسلمين الذين أخذوا الجنسية الفرنسية و في استمرار الإسرائيليين تفضيل الانتساب الجماعاتي، هذا بالإضافة إلى أن التعليمة - كما يبدو- لم توزع على النوادي إلا بشكل قليل. تبنت بالإجماع الجمعية (لالوفا)، في اجتماع عام عقدته في شهر أوت 1938، قرارا يذهب في هذا الاتجاه، و بعثت به إلى كل من وزير الداخلية و الحاكم العام للجزائر و محافظ وهران[41].

و بطبيعة الحال لم تحسم نهائيا السلطات بشكل رسمي هذا الأمر، و حتى في شهر يناير 1936، كان البعض منهم يفكر في العودة الفعلية لنظام الحصص في الموسم المقبل[42]. لم يكن تنصيب نظام فيشي غداة هزيمة 1940، عكس ما كان يعتقد، ليغيّر في الأمر شيئا جوهريا، عدا القمع الذي مارسه على بعضهم. و لم تتردد السلطات الجديدة، من خلال التعليمة الصادرة عن المحافظة و التي تحمل رقم 6319-PG و المؤرخة في 27 مارس 1941، في الاستجابة لرغبة النوادي المسلمة و تعليق تطبيق النصوص التي تخص حصص اللاعبين الأوروبيين، كان الهدف من وراء ذلك البحث عن تقريب أوساط الأهالي منها. لكن و في ذات الوقت، تبنت الإدارة، و بحزم مؤكد، سياسة الدمج التي تم التخلي عنها فعليا منذ سنة 1936 تقريبا، لكن ضمن منظور مختلف إلا أن ذلك كان يؤدي إلى النتائج نفسها.

تمثل إنشغال السلطات آنذاك في المراقبة و في تحقيق النتائج ذات الفعالية، و عليه فرضت حصر عدد النوادي الرياضية وفقا لعدد السكان و غالبا ما رفضت أي تأسيس لجمعيات رياضية: إن إنشاء الجمعيات الرياضية بشكل كبير يؤدي إلى تشتت الجهود التي تضر بالتطور الرياضي أكثر مما تنفعه و هي بذلك تكون مناقضة لتوجيهات (السيجيجيس- CGEGS)[43]، و كما يبدو بديهيا أن الإدماج لن يكون إلا في صالح النوادي الأوروبية. و كانت السلطات في عملها هذا، تلاقي قبولا و رضا من قبل بعض رؤساء النوادي الذين لم يترددوا، بالمناسبة، في الاستناد لذلك إلى الدوافع الوطنية، وبالتالي إلى الأحداث التي نشبت بين أعضاء سريع النادي المسلم لغيليزان (Rapid Club Musulman de Relizaine)    و أعضاء الغيليزانية (La Relizanaise)، إذ صرح رئيس هذه الجمعية الأخيرة قائلا: لقد أصبح من الضروري و المرغوب فيه أن تحل الجمعيتان لأجل جذب إلينا العناصر التي تستأهل ذلك [..] و هكذا سنساعد على تنمية حب الوطن عند الشباب[44].

و بالمقابل، كانت السلطات تضطر إلى أن تظهر قسوة شديدة في قمعها للمتسببين في الإخلال بالنظام الرياضي، و من ثم بالنظام الكولونيالي، و ذلك في ظل الأوضاع التي شهدت تفاقم العلاقات بين الجماعات الإيثنية و تضاعف الصعوبات التي يواجهها النظام السياسي في كل المجالات[45].

و هكذا تم في شهر أكتوبر 1942، إثر الأحداث التي اندلعت بين اللاعبين و المتفرجين أثناء المباراة التي جمعت بين اتحاد بلعباس (USM Bel– Abbesiène) و مستغانم، حيث قامت الشرطة بإلقاء القبض على ثمانية من الشباب المسلمين ينتمون في أغلبهم إلى الفئات المحرومة، و وُجهت لهم تهمة العصيان و تم اعتقالهم، مع أن خمسة منهم سنهم أقل من خمسة عشر سنة و اثنان من هؤلاء لديهم أقل من اثني عشر سنة[46]. و لكن هذا لم يمنع مدير محافظة "ليجيس" لوهران (l'EGS d'Oran) من المطالبة بعقوبات تكون عبرة لغيرهم، لابد من الضرب بقوة و بدون شفقة[47]، إذ أنه من المتوقع أن يعاقب الاتحاد (USMBA) لوحده بالطرد من منافسات موسم 1942-1943، بعد أن تم قبل ذلك تعليق مشاركته في المباريات لمدة ستة أشهر[48]. ستتطور الأمور نحو الأحسن بعد الإنزال الأمريكي سنة 1942 و بتنصيب الهيئات السياسية لفرنسا الحرة بالجزائر العاصمة، أخذت الأمور تتجه في الاتجاه الإيجابي. إذ لم تعد الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية (GPRF)[49] النظر في تعليق سنة 1941، بل ذهبت أبعد من ذلك، أي إلى حد إلغاء التعليمات التي سبقت الحرب، بقرار من الحاكم العام في تاريخ 21 أبريل 1945، و هذا أقل ما يمكن أن يُقام في جزائر يخضع أبناءها لضريبة الدم بمشاركتهم في الحرب بأوروبا. و للبرهنة على مدى تحوّل الأمور في الاتجاه المناسب، اضطر المحافظ ذاته إلى التوضيح قائلا: لم يعد ممكنا إخضاع الجمعيات الرياضية المسلمة لقانون استثنائي (تشكيل فرق مختلطة بإلحاق بها عدد معين من اللاعبين الأوروبيين)[50]. ومع ذلك سعت الإدارة بسرعة إلى التخفيف من حدة هذا الإجراء المنصف، بسبب قيام، في غضون ذلك، الثورة الفاشلة[51]  في تاريخ 8 ماي 1945.

و في هذا الشأن قد استصدرت المحافظة تعليمة مؤرخة في 25 جوان، هدفها الحيلولة دون وقوع أي حادث خلال اللقاءات التي تجمع بين الفرق ذات الانتماء الإيثني الواحد، و قد اشترطت على رؤساء الجمعيات الراغبين في تنظيم التظاهرات الرياضية الالتزام بضمان المحافظة على النظام بالوسائل المناسبة؛ و عندما يتعذر ذلك، عليهم أن يطلبوا بلا تحفظ و لا شرط من المحافظ منع المقابلة[52]، وهو الأمر الذي كان يحدث غالبا حتى حدود سنة 1947 على الأقل.

و هكذا استسلمت الإدارة الكونيالية و رضخت للأمر الواقع في نهاية المطاف، إذ تخلت عن مشروعها بإلحاق رياضيي كرة القدم المسلمين بالرياضيين الأوروبيين، لقد كان الفشل جليا على طول الخط. إذ لم تمنع التعليمات البتة، أعمال العنف في الملاعب، إذ أن هذه التعليمات قد أزعجت حتى الأوروبيين أنفسهم و سمحت بمصالحة غير منتظرة بينهم و بين المسلمين، و لو أن ذلك التصالح لم يعمّر طويلا، كما لم تكبح التعليمات جماح انتشار الشعور الوطني الجزائري الذي كانت ترمي إلى الحد من سطوته على النفوس، بل بالعكس فقد وجد هذا الأخير في هذه الإجراءات التمييزية أرضا خصبة لنموه. و الدليل على ذلك، من الناحية الرمزية، ما نقله محافظ الشرطة لمدينة تلمسان في ديسمبر 1945، أي بضعة أشهر بعد الإلغاء النهائي لنظام الحصص، لنائب المحافظ للمدينة نفسها، أنه بعد الأحداث التي نشبت بين فريق إتحاد تموشنت (USMT) و الفريق الأوروبي لمدينة بني صاف قائلا في تقريره: أن النشيد الذي كانت يردده الفريق المسلم لعين تموشنت  كان يحمل عنوانا "من جبالنا" بكلمات "أحب الرجال الأحرار الذين يناسبون الاستقلال"[53].    

ملحق

تعليمة رقم 1513-B

من الحاكم العام للجزائر إلى محافظ وهران، الجزائر العاصمة في 20 يناير 1928.

لقد أخبرني السيد المحافظ لمدينة قسنطينة أن أحداثا مؤسفة قد وقعت بمدينة بسكرة يوم 25 ديسمبر الأخير إثر مقابلة في كرة القدم جمعت بين جمعيتين تتشكل الأولى حصرا من الأوروبيين والأخرى من الأهالي فقط.

أقدر أنه من الأهمية بمكان أخذ كل الإجراءات الضرورية لأجل تدارك هذا النوع من الأحداث التي قد تكون نتائجها مضرة بحفظ الأمن و الطمأنينة العمومية.

و بناءا عليه، أجد نفسي ملزما بطلبكم إعطاء كل التعليمات المجدية لنواب المحافظ، لرؤساء البلديات و لكل الإداريين التابعين لمحافظتكم للقيام بالمنع الحازم للقاءات التي تجمع بين الجمعيات الرياضية التي تتشكل من الأوروبيين فقط أو من الأهالي لوحدهم أيضا.

و حبذا لو أن السلطات المحلية المعنية تستعمل ما تملكه من نفوذ و اعتبار و تسعى بكل جهودها و بكل أساليب التأثير لدمج العنصرين معا.

ترجمة محمد داود


SIGLES ET ACRONYMES

 الشعارات الرياضية الواردة في النص

A.S.B. : Association Sportive de Bône (Annaba)

الجمعية الرياضية لمدينة بونة (عنابة)

A.S. SAINT EUGÈNE : Association Sportive de Saint Eugène

الجمعية الرياضية لسانت أوجين

C.A.L.O : Club Athlétique Liberté d’Oran

    نادي الرياضة البدنية "ليبارتي" لمدينة وهران

C.C.S. : Croissant Club Sigois

نادي الهلال لمدينة سيق

F.C.B.: Foot-ball Club Bélabessien

نادي كرة القدم لمدينة بلعباس

F.F.B.B. : Fédération Française de Basket-ball

الفيدرالية الفرنسية لكرة السلة

F.F.F.A. : Fédération Française de Foot-ball Association

الفيدرالية الفرنسية لجمعيات كرة القدم

F.N.A.F.A : Fédération Nord-Africaine de Foot-ball Association

فيدرالية شمال إفريقيا لجمعيات كرة القدم

L.O.F.A. : Ligue Oranaise de Foot-ball Association

الرابطة الوهرانية لجمعيات كرة القدم

M.C.A. : Mouloudia Club d’Alger

نادي مولودية الجزائر العاصمة

O.F.C.O.: Olympique Foot-ball Club d’Oran

النادي الاولمبي لكرة القدم لمدينة وهران

 

R.C.M.R.: Rapid Club Musulman de Relizane

سريع النادي المسلم لمدينة غليزان

R.U.A.: Racing Universitaire d’Alger

الراسينغ الجامعي لمدينة الجزائر العاصمة

S.C.B.A.: Sporting Club de Bel-Abbès

النادي الرياضي لمدينة بلعباس

U.S.F.S.A.: Union des Sociétés Françaises de Sport Association

اتحاد الجمعيات الفرنسية للرياضات البدنية

U.S.M.B.A.: Union Sportive Musulmane de Bel-Abbès

الاتحاد الرياضي المسلم لمدينة بلعباس

U.S.M.O.: Union Sportive Musulmane d’Oran

الاتحاد الرياضي المسلم لمدينة وهران

U.S.M.T.: Union Sportive Musulmane de Témouchent

الاتحاد الرياضي المسلم لمدينة تموشنت

U.S.M.T. : Union Sportive Musulmane de Tiaret

الاتحاد الرياضي المسلم لمدينة تيارت

من إعداد صادق بن قادة

 

الهوامش

[1] Centre des Archives d’Outre-Mer (CAOM), AOM 13 480, Roland Hernandez Auvray, Livre d’or du football pied-noir et nord-africain : Maroc, Algérie, Tunisie, Toulon, Presses du Midi, 1995, p.31. D’autres sources penchent pour le Club des Joyeusetés d’Oran en 1894.

[2] Département d’Oran, Série continue, 3295, Déclaration de sociétés 1901-1946.

[3] Alfred, Wahl, Le football durant l’ère coloniale française, in CAOM et Association des Amis des Archives d’Outre-Mer (AMAROM), L’empire des sports, catalogue de l’exposition, Aix-en-Provence, 1992, p. 44.

[4] Union des sociétés françaises de sports athlétiques.

[5] Fédération française de football association.

[6] Oran en 1919, Alger et Constantine en 1920.

[7] Le vert, couleur de l’Islam, et le rouge, une des couleurs préférées du Prophète, Youssef Fates, Le Mouloudia Club Algérois in Jean-Jacques Jordi et Jean-Louis Planche (dir.), Alger 1860-1939. Le modèle ambigu du triomphe colonial, Paris, Autrement, Collection Mémoires, 1999, p.211.

[8] Youssef, Fates, Le club sportif, structure d’encadrement et de formation nationaliste de la jeunesse musulmane pendant la période coloniale in Nicolas Bancel, Daniel Denis, Youssef, Fates, De l’Indochine à l’Algérie. La jeunesse en mouvements des deux côtés du miroir colonial 1940-1962, Paris, La Découverte, Textes à l’appui / histoire contemporaine, 2003, p.153.

[9] Certaines sources indiquent 1896.

[10] Daniel, Rivet, Le Maghreb à l’épreuve de la colonisation, Paris, Hachette Littératures, Pluriel Histoire, 2002, p.35.

[11] L’Echo d’Oran du 30/03/1936.

[12] CAOM, Département d’Alger, 1K2 Sociétés sportives, le sous-préfet de Médéa au préfet d’Alger, Médéa le 20/05/1939. Voir à ce propos Youssef Fates, Le club sportif, structure d’encadrement et de formation nationaliste op. cit..

[13] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 incidents entre européens et musulmans 1929-1950, le Gouverneur général de l’Algérie au préfet d’Oran, copie de la circulaire 1513-B.

[14] L’Echo d’Oran du 30/03/1936.

[15] Ligue d’Oranie de football association.

[16] Par les circulaires 1289-B du 15/01/1930 ; 10318-B du 4/04/1930, 4309-B du 16/02/1931 et 28609-B du 19/04/1931.

[17] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le sous-préfet de Sidi-Bel-Abbès au préfet, Sidi-Bel-Abbès le 12/03/1931.

[18] Ibid. Le chef de la Sûreté du département d’Oran au préfet, Oran le 31/03/1936.

[19] Circulaires 3929 C.Mixte du 2/07/1935 et 13 182 du 31/10/1935.

[20] En 1933, l’USMO s’était inclinée, à Oran, contre l’US Marocaine de Casablanca (0-3) et, en 1935, contre le RUA à Alger (1-2).

[21] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2543, Sociétés 1900-1944, le président de l’USMO au préfet, Oran le 30/01/1933.

[22] L’Étoile Nord-Africaine, parti politique nationaliste ancêtre du PPA, tous deux fondés par Messali Hadj, voir plus loin.

[23] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le Conseil d’administration de l’USMO au Gouverneur général de l’Algérie, Oran le 29/08/1935.

[24]  Sur les 167 sociétaires de la section football, les Européens n’étaient que 25.

[25] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le Gouverneur général de l’Algérie au préfet d’Oran, Alger le 18/10/1935.

[26] Ibid., le Chef de la Sûreté du département au préfet, Oran le 29/03/1936.

[27] Qui, le 24 octobre 1870, accorda la nationalité française aux Juifs autochtones d’Algérie.

[28] Á ce propos voir Jacques Cantier, L’Algérie sous le régime de Vichy, Paris, Odile Jacob, 2002, p.72 et suivantes.

[29] Ibid., p.73.

[30] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le Chef de la Sûreté du département au préfet, Oran le 31/03/1936.

[31] Ibid., Oran le 29/03/1936, les Allemands en question étaient des légionnaires.

[32] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le Gouverneur général de l’Algérie au préfet d’Oran, Alger le 5/11/1936.

[33] Fédération nord-africaine de football-assocaition déclarée en préfecture le 24/08/1925, CAOM, Département d’Oran. Série continue, 3295, op. cit..

[34] Hubert, Zakine, La mémoire du football d’Afrique du nord, Marseille, Phocéa, 1995,  p.110.

[35] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., coupure du journal la Presse Libre du 29/12/1930, le titre de l’article était Les Indigènes et le sport.

[36] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le titre de l’article était L’art d’ameuter les gens, le 24 janvier 1934.

[37] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le préfet au président de la LOFA, Oran le 4/08/1931.

[38] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le chef de la sûreté départementale au préfet, Oran le 17/04/1936.

[39] Sur cette figure essentielle du nationalisme algérien on se reportera à Benjamin Stora, Messali, Hadj 1898-1974, Paris, Hachette Littératures, Pluriel Histoire, 2004, 299 pages.

[40] Youssef, Fates, Le club sportif, structure d’encadrement et de formation nationaliste op. cit, p. 154.

[41] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le commissaire divisionnaire au préfet, Oran le 25/08/1938.

[42] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le commissaire central de la ville d’Oran au préfet, Oran le 30/01/1939.

[43] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 3287 op. cit., le Gouverneur général de l’Algérie au préfet d’Oran, Alger le 12/07/1941.

[44] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le Président de La Rélizanaise au préfet, Rélizane le 14/04/1941.

[45] Á ce sujet voir Jacques Cantier, L’Algérie sous le régime de Vichy, op. cit., en particulier les pages 180-192.

[46] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le commissaire de police du 2ème arrondissement au commissariat central de Sidi-Bel-Abbès, Sidi-Bel-Abbès le 5/10/1942.

[47] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le Directeur départemental de l’EGS d’Oran au président de la LOFA le 30/10/1942.

[48] Ibid..

[49] Gouvernement Provisoire de la République Française.

[50] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le préfet à l’administrateur de la commune mixte de Remchi à Montagnac, Oran le 18/05/1947.

[51] Benjamin, Stora, Messali Hadj, op. cit., p. 191.

[52] Ibid..

[53] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le 18/12/1945.


The Historical Question. In The Debate OF Violence in Algeria

The actual situation of political violence in Algeria is often explained by this country’s past and its historical particularities.

If all social processes can in one way or another be brought back to history, it little enrichens knowledge than to explain current violence by " a past it-self marked by violence", or under a more sophisticated form, by a structural violence which would notably enlighten approaches like those based on the segmentation theory. After all, all societies have had to transit by segmentary relations, and have known violence with or without segmentarity (including Europe with its wars right in the 20 th C) As marked as it is by past legacy, the Algerian crisis must firstly be explained by actual causes and a questioning look given to the past can it self heighten the present stakes : Different social components and institutions have thus for a long time tended to use memory and historiographic practices, by selecting and manipulating in past image any thing that can serve their justification, including the risk of diffusing a culture based on an apology of violence.


يحيلنا الشكل العنيف الذي تأخذه الأزمة المتعددة الأبعاد التي مرَت بها الجزائر في التسعينيات، دائما على التاريخ باعتباره عاملا موضوعيا، أي مسارا اجتماعيا واقعيا،من جهة، وباعتباره عاملا ذاتيا، أي كما يشتغل في تمثلات الذاكرة و في الممارسة الإيسطوريوغرافية من جهة ثانية. يمكنا أن نستنتج، بطبيعة الحال، أن تعدد الدلالة التي يكتسبها مفهوم التاريخ لا تطرح أساسا أي مشكل هنا، بسبب أن هذين المستويين يرتبطان ببعضهما ارتباطا حميميا، إذ أن العامل الأول لا يمكنه إلا أن يتمفصل مع العامل الثاني، كونه النتيجة المنطقية له، وبعبارة أخرى، الانعكاس المطابق له. و في هذا الصدد، لا يمكن لنا الفصل بشكل أساسي في هذه المسألة المعقدة التي تواجهنا.

و ضمن هذا النص الحجاجي القصير جدا، بإمكاننا الإسهام في النقاش المفتوح حول هذا الموضوع بذكر بعض الملاحظات، و من بين هذه الملاحظات هي أن المشكل لا يكمن أولا، في معرفة ؛ ما إذا كان العنف يفسر بالتاريخ و العكس بالعكس، بحكم أن كل ظاهرة اجتماعية قابلة بأن توضع، بشكل أو بآخر، في علاقة مع هاتين المقولتين. و إنما الأمر يتعلق بالأحرى بتحديد مدى قابلية المجتمع لمقاومة التغير، بحيث أنه يبدو محددا من قبل ماض يعاش بوصفه قدرا إذ أن انعكاساته على الحاضر (مع إضافة بداية القرن الواحد و العشرين)، التي لا يمكن أن توجد إلا بواسطة ميكانيزمات إعادة الإنتاج المتناسبة مع تلك التي تنتمي إلى الوراثة، أو إلى الاستنساخ البيولوجي. إن النظرة التي نلقيها على الماضي و التاريخ بوصفهما مسارين اجتماعيين هي في الواقع محددة في ذاتها بالانتقاءات  و التقسيمات التي يقودها التاريخ ضمنها، على أساس أنه ممارسة ذاتية (أي الذاكرة وكل ما يؤسس الايسطوريوغرافيا) تشتغل هذه الأخيرة بوصفها كذلك "مرآة سحرية" (سقفريد جيديون (Siegfrid Giedion)، "مكننة السلطة")، حيث يمكن أن تستخدمها الأجيال البشرية المتعاقبة وفق ما تواجهه من حالات القلق والرغبات.

المستوى الأول: العنف الموروث عن التاريخ

لقد أشار فعليا علماء السياسة و المؤرخون، و في شكل تساؤلات مرفوقة ببعض التحفظات، أن تاريخ الجزائر مطبوع بالعنف. إذ يسجل يوسف نسيب أن "العنف قد استوطن في تاريخ الجزائر"[1]، بينما يتساءل أحمد روايجية من جهة في تقديم إحدى مقالاته : "هل يشكل العنف مع ما يرافقه من تصفيه جسدية للخصم، و من فقدان للذاكرة دون عفو عام، عوامل مكونة للتاريخ و للثقافة الجزائريتين ؟

و بعبارة أخرى هل يملك الجزائريون ميلا طبيعيا للعنف للحسم في خلافاتهم بدل اللجوء إلى النقاشات الصائبة"[2].

و في هذا الصدد يسجل من جهته وليام ب. كوانت(William B. Quandt) " تسرع العديد من المختصين في الشرق الأوسط في تفسير الصراعات الدامية في الجزائر بمزاج الشعب الجزائري، كما يقال، المؤهل من قبل تاريخ و ثقافة خاصتين"[3] و يكتب في الاتجاه نفسه لويز مارتينيز(Louis Martinez)، إذ يقول : "و هكذا فإن الحرب الحالية، بالنسبة لبعض الملاحظين لا يمكن أن تفسّر إلا بخصوصية التاريخ المعاصر لهذه الدولة الناشئة باستثناء ليبيا. و خلافا لجيرانها المغاربيين، فإن الجزائر قد تكون محكومة بشكل عميق بالعنف الذي ميز تاريخها"[4]

من الواضح إذا، أن سياق العنف الراهن قد ينسب، حسب الموقف المتخذ أو الملف المدعم، إلى السلطة السياسية أو إلى الإرهاب الإسلاموي، أو بالأحرى إليهما معا، و لا يمكن أن نقارنه مع العنف الذي عرفته حرب التحرير الوطني، و بخاصة و أن البعض يتصور أن الأزمة الحالية تتشكل بوصفها "حربا ثانية للجزائر"[5].

و بطبيعة الحال، نستطيع كما فعل الكثير، أن نجد تمفصلا بين "الحربين" من خلال إبراز الكيفية التي شكلت العشريات الثلاث الأولى من الاستقلال بوصفها مرحلة من النظام العسكري والعنف المؤسساتي الموسوم بالقمع الدامي أحيانا لكل معارضة و حتى بالاغتيال السياسي: خميستي، خيدر، كريم، ميسيلي و وصولا إلى بوضياف، بل يمكن العودة إلى صميم الثورة التحريرية من خلال اغتيال عبان، شيهاني و آخرون... لا بد من معرفة إذا كانت كثيرة هي الدول التي تنتمي للعالم الثالث (و حتى في مناطق أخرى) قد استعملت العنف المؤسساتي أقل من بلادنا. و لا بد من التعرف أيضا على ذلك عند جيراننا المغاربيين (باستثناء ليبيا)، و أيضا في بلدان أفريقيا والشرق الأوسط (و حتى عند أولئك الذين يعتبرون أننا نملك" مزاجا خاصا"). على أية حال غزو الكويت من طرف العراق، و بعد تدمير هذا البلد على يد التحالف الذي قادته الولايات المتحدة، فإن سمير الخليل وهو عراقي يسجل هذه الملاحظة إذ يقول " إن الذاكرة التاريخية للعنف الكولونيالي في الجزائر لا زالت أكثر طراوة وواقعية من بلد آخر عرف الاستقلال منذ سنة 1932 بين أن الاستقلال في الجزائر لا يقترب إطلاقا من الاستبداد العراقي حيث تم التأسيس لـ "عنف إيديولوجي" بوصفه وسيلة للحكم مباشرة بعد الاستقلال"[6]، و مع أن الأنظار توجه نحو العراق،  فإننا لن نستذكر ممارسات مماثلة في أماكن أخرى... بسبب أن كل أمة و مهما كان التحضر باديا على مظهرها، لا يمكنها أن تتغاضى عن العنف الذي وسم تاريخها الماضي و المعاصر أيضا و لا توجد نهاية للتاريخ مع ذلك)، وقد مارست العنف في الداخل أو ضد أمم أخرى.... و مما لا شك فيه أنه منذ الحرب الأولى إلى "الثانية" في الجزائر، يمكن الاقرار أن هناك استمرارية، ففي فرنسا مثلا (وليست وحدها فحسب) حيث يقول "بنيامين سطورا"(Benjamin Stora) أن بعضهم هناك "يفضل أن يقدم نفسه فاقدا للذاكرة في كل ما يخص الجزائر"، و أكثر من ذلك "هناك نوع من الابتهاج المكتوم لرؤية الحرب تعيد الكرَة[7]. فإن بنوة العنف قد يعثر عليها بسرعة. وانطلاقا من المنظمة الخاصة مرورا بجبهة التحرير الوطني و جيش التحرير الوطني وصولا إلى الجيش الوطني الشعبي وإلى النظام العسكري...، و كأن الأمر هو ميزة خاصة بالجزائر المستقلة[8]، و كأن الاستبداد في البلدان الأخرى لم يستطع اتباع مسارات و مسالك أخرى... و كأن الجيوش ظلت هادئة و لا تحرك ساكنا عبر التاريخ. إننا نعلم على سبيل المثال الكيفية  التي تطور من خلالها الجيشان الشيلي والبرتغالي، حيث أن تحول الجيش الشيلي الذي كان في البداية جمهوريا و ملتزما بحدود الشرعية القانونية إلى جيش انقلابي   و فاشي، أما الجيش البرتغالي الذي كان يملك ماضيا كولونياليا و قمعيا فقد عرف تحوَلا مع انفجار ثورة القرنفل.

و بطبيعة الحال، لا يتعلق الأمر في هذا الصدد بنكران مدى قسوة العنف الذي ميز حرب التحرير الوطني في الجزائر، شريطة أن نسجل مع ذلك ما يقوله "سطورا" في هذا الباب:"يجد العنف الأولي في الجزائر المعاصرة جذوره في الاحتلال الكولونيالي... كان الفعل الكولونيالي إذا عنفا أوليا. و من هنا برز شكل آخر من العنف يتمثل في عنف المستعمِر الذي يوجه عنفه ضد المستعمَر"[9].

كانت حرب التحرير عنيفة بقدر ما كان الاستعمار ذاته عنيفا، و بخاصة و أن هذا الأخير قد أغلق  كل منافذ التطور السلمي (أو السلمي نسبيا)، بينما كانت الحركة الوطنية لا تتوانى بالحث على حلول يمكنها أن تتوصل بـ "التي هي أحسن" إلى الاستقلال الوطني، و هو الأمر الذي رفضته القوة الاستعمارية التي كانت آنذاك سجينة مواقف "متطرفيها". و من هذا المنطلق، يمكن القول، إذا كانت هناك بنوة بين عنف الاستعمار و عنف نزع الاستعمار، فلا الأول كان حتميا (كان بإمكانه أن يتخذ، مثلا، أشكالا مماثلة لما عرفته كل من المغرب و تونس)، و لا الثاني الذي كان من الممكن على الأقل التخفيف من حدته باعتماد سياسة مختلفة من قبل المستعمر. لا يتعلق الأمر بالنسبة لنا على الإطلاق أن نعيد طرح التاريخ انطلاقا من "لو كان"، لكن علينا أن نعاين فحسب، أن العنف المفرط الذي عرفته الجزائر لا يمكن تجنبه مثلما يحدث في بلدان أخرى، و لا يعني ذلك أننا لو عرفنا عنفا في لحظة من تاريخيا أننا مدعوون لممارسته في كل وقت. قد يوجد بين عبارات الثلاثية:عنف الاستعمار-عنف حرب التحرير الوطني – عنف السلطة الوطنية، بطبيعة الحال، عناصر من الاستمرارية، لكن لا توجد، في أي حال من الأحوال بنوة للعنف مطبوعة بالحتمية إذا لا بد من تحليل الظرف الذي تصدره، و عدم السقوط في فخ الاستدلال الغائي الذي يدفعنا إلى الاعتقاد أن كل شيء موجود في "الأصل الأوَل" و على أن التاريخ ليس إلا " تكرارا أبديا". و على اعتبار أن الرغبة يمكن أن تكون كبيرة في التوسع أبعد مما يجب في الماضي لاستقصاء خطية الزمن، و ذلك بالبحث عن التفرد الجزائري المطبوع بالعنف على وجه الخصوص، و الذي يعود إلى ما قبل 1830، أي إلى الفترة العثمانية (1518-1830) أو إلى أبعد من ذلك في "فوضوية" العرب الهلاليين (في القرن الثاني عشر) أو في البداية الأولى لانتشار الإسلام في هذا البلد (في القرن الثامن)، و حتى في ثنايا الفترة القديمة للبربر..

من المعروف أن التاريخ الكولونيالي، قد أقدم على التوجه وفق تلك الفكرة ، حيث وجد الدعم المناسب من قبل علماء النفس التابعين "لمدرسة الجزائر" الذين كانوا لا يلبثون في الحديث عن "الدافعية الإجرامية" لسكان شمال أفريقيا[10].

العنف، الانقسامية و البايلك

لا يستدعى الأمر، بطبيعة الحال، إلقاء كل المسؤولية على الافتراضات المسبقة التي صاغتها الإيسطوريوغرافيا الكولونيالية المهيمنة، و إنكار قدرة البنيات الاجتماعية على الاشتغال على المدى الطويل و امتلاكها، عبر الزمن، لتأثيرات قد تتكرر نسبيا. تحاول نظريات الانقسامية التي بُوشر العمل بها منذ الفترة الاستعمارية و التي أُعيد التوسع فيها في الحديث حول المغرب الكبير المستقل، أن تقترح بدقة، إطارا لتفسير الظواهر التي تبدو أنها موسومة بزمانية اجتماعية و تكرار عبر الزمن، و لهذا السبب قد وظفت في معالجتها لظاهرة العنف. يعتبر أحمد روايجية مثلا أن : "انتقال العنف من حالة الكمون إلى حالة التجلي يعزى بقسم كبير إلى الثقافة البطريركية التي تشبع المخيال الاجتماعي و تخص سلطة القائد بمكانة عالية.... و في هذا الأفق لا يجد الحق سواء في معناه الفقهي الإسلامي أو في معناه الوضعي للحق الروماني، فضلا و لا شرعية أمام الثقافة البطريركية، التي تجعل من التضاد الانقسامي قاعدة و تبريرا في خدمتها"[11]. و يقول محفوظ بنون من جهته (في كتاب نشر في الحقيقة سنة 1989 و يعالج ضمنه الانقسامية بوصفها "بقية من مخلفات البنية الفوقية"): "و على الرغم من الدور الحاسم التي لعبته الحركة الوطنية الشعبوية خلال النضال من أجل الاستقلال، فإن تأثيرها على توجيه سياسة الأمة أصبح يتناقص تدريجيا، و هذا ناجم عن مجموعة من الانقطاعات السياسية التي تسببت فيها الخلافات الشخصية و الصراعات الداخلية بين العصب التي زاد من حدتها دوام البنيات الانقسامية التقليدية التي تجد جذورها التاريخية في فترات ما قبل التاريخ. و تواصل هذه الأخيرة في تحديد المواقف و الآراء و السلوكات، الأفعال و ردات الأفعال للطبقات السياسية فحسب، و إنما للمواطنين الذين يمتازون بنزعة محافظة لا مثيل لها في المجتمعات المتوسطية"[12].

إننا ندرك أن نظرية الانقسامية لا تستدعى في المجالات العربية أو المغاربية إلا عندما يتعلق الأمر بالجزائر. و يبدو أن توظيف هذه النظرية قد ألهم الأبحاث الأنجلوساكسونية التي أجربت حول ليبيا و المغرب[13].. و لن نتوقف كثيرا عند الانتقادات الكثيرة التي وجهت لها و أعادت النظر في صلاحيتها التفسيرية الشاملة للمستقبل المغاربي و بخاصة في الفترة المعاصرة.

و في هذا الصدد يشير "ريني قاليسو" (René Gallisot) إلى الملاحظة التالية و هي "أن ما يسمى بالانقسامية" ليست بالأحرى خصوصية مغاربية و متوسطية، بقدر ما تبرز التعقيد الشديد الذي يميز العلاقات السياسية في المغرب الكبير و الموسومة بانحطاط كلي للأشكال العضوية السابقة (النظام القبلي، التنازل بوساطة العتقة، الإمبراطورية الإسلامية) و إسهامه في انغلاق المجتمعات المهمشة بعد التقدم الاقتصادي الرأسمالي و الاختراق الكولونيالي...إن الانتقاد الذي يمكن توجيهه في هذا الباب، لا يعني القول بعدم وجود الانقسامية، بل المقصود منه هو أنها لا تشكل الآلية أو المحرك العام ؛ بسبب أنها مخترقة بتراتبيات و علاقات قوى مثلما هي محصورة في حقول واسعة للقوة"[14].

و في حقيقة الأمر، فإن المسألة بالنسبة لنا، ليست في عجز هذه النظرية في التفسير الجوهري للأزمة التي تعرفها الجزائر في السنوات الأخيرة، بسبب أنها لا تجيب عن السؤال : لماذا الجزائر بالخصوص، بينما هو البلد الذي تعرض أكثر، في العالم العربي لعملية هدم جذري حاد، و هو بلد ذو طابع مميز للعلاقات الاجتماعية "التقليدية" (هذا مع افتراض أنها كانت تخضع كلية للنموذج الانقسامي) من قبل النظام الكولونيالي ؟ هل نملك "ايطوسا/كينونة" خاصة لا تتزعزع و تستعصي على التفسير التاريخي؟ إلى حد الاعتقاد أن الحاضر يظل محددا بصفة جوهرية بالبنيات الاجتماعية التي يعود انبثاقها إلى ما قبل التاريخ. و دون العودة إلى الأزمنة الغابرة كثيرا، اعتقد الكثير من الباحثين الذين لا يعتدون بوضوح بنظرية الانقسامية، أنهم وجدوا تشابها بين تجليات الأزمة الحالية و الممارسات التي قد تكشف عن اشتغال النظام السياسي في الفترة الماقبل - كولونيالية  ونذكر بخاصة منهم، لويس مارتيتيز الذي ركز جهوده على تحوَلات النشاط الاقتصادي الذي يتحكم فيه اللاأمن الناتج عن وجود الجماعات المسلحة (وبخاصة الجماعات الإسلامية)، إذ يبين "كيف أن الحرب أصبحت تكوّن شكلا من أشكال تراكم الخيرات و الأبهة. و أبعد ما تكون هذه الحرب شؤما على البلاد، فهي بالعكس لحظة تاريخية مناسبة لتوزيع الموارد الاقتصادية           و السياسية"، كما يؤكد الباحث أن "حرب العصابات التي تقوم بها الجماعات الإسلامية بدل أن تسهم في سقوط النظام، فإنها تدعمه و تقويه" إذ أن "الأمراء" قد أصبحوا "وسطاء يخدمون مركزية السلطة"[15]. و عندما نعود إلى المسألة التي طرحناها، نجد أن المؤلف يعتقد أن هذه الحالة يمكن إدراجها ضمن اللصوصية السياسية و ضمن "تراكم تاريخي لتدبير وتسيير التمرد المسلح" الموروث عن الفترة العثمانية (البايلك) التي تعطي خصوصية "لتجريم الدولة الجزائرية".

إن تفسير هذه الظاهرة بواسطة خصوصية تجد منابعها في الفترة الماقبل – كولونيالية،  يمكن أن نسنقرئها من تاريخ البايلك، و على الرغم من الاحتياطات المنهجية التي يذكرها بالطبع مارتينيز إنها تحيل، في الواقع، على ذلك الموضوع المعروف و المتعلق بالعنف الهيكلي و المهيكل بوصفه عاهة موروثة عن التاريخ، إذ تشتغل باعتبارها "شكلا من التفاوض" بين العسكريين و الأمراء الذين يستفيدون كذلك من تحرير الاقتصاد، مثلهم مثل طائفة الرياس الذين عرفوا الازدهار في ظل دولة الانكشارية في العهد العثماني.

و بغض النظر عن كون هذه الحالة هي نموذج من التفاوض يمكن أن ينطبق في البلدان المغاربية، أكثر على المغرب في فترة الماقبل - كولونيالية، و بخاصة حول العلاقات التي وجدت بين بلاد المخزن و بلاد السيبة[16]، يمكننا أن نقر بعدم وجود أي تفرَد جزائري في هذا المجال، بحكم أن هذا النوع من النشاط موجود في مختلف أقطار العالم، إذ يرتبط باللصوصية السياسية و التمرد المسلح[17].

و بلا شك أن الحالة الجزائرية الراهنة هي أقرب بكثير مما يحدث في كولومبيا مثلا[18]، و في بلدان أخرى من أمريكا اللاتينية، مما حدث في فترة الوصاية العثمانية. مع أننا في الواقع، نستطيع أن نتفق مع عمر كارلي الذي يقول أنه "منذ القرن السادس العثماني، ظل البلد مجتمعا عسكريا على الدوام". و مع ذلك يوضح هذا المؤلف بدقة: "أن جنرالات الجيش الوطني الشعبي ليسوا نماذج منسوخة و بسيطة للريَاس و الأغوات و الانكشاريين"[19]. إن البحث فقط عن التشابهات بين دولة البايلك و الدولة الوطنية و كذلك مع الإدارة الكولونيالية، قد يشكل نهجا مقبولا، شريطة أن لا نحصر أنفسنا في ذلك، و أن لا نسقط  في وهم التشابهات الظاهرة، لأنها تؤسس في واقع الحال لظواهر تتميز بـ "اللامعاصرة" (بالمعنى الذي يقول به مارك بلوك(Marc Bloch) ). و في هذا المضمار، نذكر علي الكنز على سبيل المثال، الذي يتحدث بالفعل عن استمرار دولة - البايلك، لكن بالمعنى المجازي من أجل تسليط الضوء، خلال هذه الفترات الثلاث، على وجود "علاقات خارجية و كتيمة أيضا كانت تربط بينهما مع الفصل بين مجال الدولة و مجال الحياة المدنية"[20]. و على خلاف الحالتين المذكورتين (الوصاية التركية و الاستعمار الفرنسي) كانت صورة البايلك في الدولة الوطنية مطبوعة بنوع من "العقد الاجتماعي" الذي يجعل منه "ينتقل من الطغيان ليتحول إلى شعبي بل شعبوي، بينما يمثل المجتمع المدني ديمقراطية حقيقية،لكنها ديمقراطية اجتماعية يتوجها استبداد سياسي"[21].

إن هذه الخاصية هي التي حاول مؤلفون آخرون حصرها تحت مصطلحات مثل "الدولة الخالقة" و "الدولة المغذية" أو ببساطة "الشعبوية"[22].

وخلافا لما يراه مارتينيز في مقاربته و هي أن هذا الأخير يعتبر أن الأزمة الحالية "أبعد ما تكون قطيعة في التاريخ المعاصر للجزائر بل أنها "تسهم بشكل تام في إعادة ابتكار البايلك"، و ينزع آخرون للنظر مع علي الكنز أن ذلك يجد جذوره بالعكس في التحرير الاقتصادي و في "نهاية نظام البايلك"[23].

وحيث يستدعي الكنز هذا المفهوم ليوظفه ضمن دلالة دقيقة تجانب المجاز، فإن مارتيتيز يرى فيها تعبيرا عن استمرارية تاريخية، بالدرجة نفسها مثل الحرب و العنف باعتبارهما موارد اقتصادية و اجتماعية مفضلة تسهم في تنفيذ الاتفاقية المبرمة سنة 1994 مع صندوق النقد الدولي، حيث يشتغل هذا الأخير ذاته بوصفه "الباب العالي الجديد". و نستطيع أن ندفع بالمقارنة أكثر ونعتبر أن العنف هو أمر يتعلق بـ "الفوضى" (بالمعنى الذي أتى به دوركايم (Durkheim))، أو ربما شكل من أشكال تمظهر السياسي الناتج عن القطيعة القائمة لعلاقات القوى بين الفئات المكونة للمجتمع (ضمن الرؤية الماركسية، مثلا)، حيث يرى مارتينيز و الانقساميون شيئا ما يرتبط بإدامة "حالة الطبيعة" (بالمعنى الذي حددته الفلسفة السياسية الكلاسيكية، و بما في ذلك ما قاله هوبز(Hobbes) )، و قد يعود إلى عجز الجزائريين الزمني في صياغة عقد اجتماعي يسمح بظهور دولة (على أن لا تكون مجرد بنية بسيطة من النوع الشركاتي أو المافيوي).

أزمة شرعية

و مع ذلك، فليس من البديهي اعتبار البايلك العثماني نوعا من اللادولة، أو بالأحرى دولة محصورة في العاصمة و ضواحيها. و يسجل جون كلود فاتين(Jean Claude Vatin) من خلال اشتغاله على امتداد عقود طويلة على الأبحاث الايسطوريوغرافية إذ يقول : "لقد طوى الزمن تلك المرحلة التي كان التأكيد فيها على أن البايلك ليس إلا مدينة – دولة محاطة بحديقة للتزيين تمتد بميدان التدريب خاص بالانكشاريين و يتصل هذا الأخير بمقاطعات تتماثل وقف قوة الروابط أو ضعفها"[24]. و كذلك فإن "عرب أفريقيا الشمالية قد ابتعدوا عن تلك الصورة لقرصان معممين التي كان يتداولها  الأوروبيون. لقد أخذ هذا النموذج العربي طريقه إلى الزوال، بفعل الحروب البحرية (التي مارستها القوى الأوروبية بالذات، مالطا، مملكة الصقليين، و آخرون).إذ ضعف الاقتصاد فجأة شيئا فشيئا بحكم سيطرة السكان الشماليين لشواطئ البحر المتوسط على التبادلات التجارية..."[25].

لقد برزت بشكل واضح الدولة الوطنية منذ سنة 1962، و قد أثار هذا الظهور اهتمام رجال السياسة و المختصين و من بينهم "ميكائيل هودسون"(M. Hudson)  الذي يرى في هذا الباب أنه "بالرغم من الصعوبات الخطيرة التي واجهتها، قد استطاعت الجزائر أن تثبت أنها من بين الجمهوريات العربية الثورية الأكثر استقرارا و مثالية"[26]. مع أن هذا الباحث يلاحظ بنوع من التميز "أن الشرعية السياسية في الجزائر قد تبدو أكثر ضعفا مما هو بارز" و قد وافقه نوعا ما سير الأحداث فيما ذهب إليه. إذ أن المواجهة بين "الإسلاميين" من جهة و "الحداثيين" و السلطة العلمانية من جهة أخرى قد يجرنا إلى الاعتقاد إلى أن الأزمة الراهنة مرتيطة بإشكالية " الدولة المستوردة"[27] بمعنى أن البنية السياسية تجد صعوبة في بسط شرعيتها على مجتمع ظل رافضا لعملية المثاقفة التي بدأت مع الصدمة الكونيالية سنة 1830.

و لا يمكن تجاهل ما تملكه الدولة الوطنية في الجزائر من قدرات على المقاومة، فهي مثل القصب المذكور في الأسطورة يبدو مطويا و لكنه لا ينكسر، و لا يحدث ذلك بفضل الدعم الدولي (لقد استفادت الحركة الإسلامية الجذرية كثيرا و بصفة لا يستهان بها من الظرف الدولي). هذا بالإضافة إلى أن هذه المسألة قد طرحت في كل دول "دار الإسلام" فإننا لا نفهم بعد، لماذا تم التعبير عنها على نحو خاص بهذا الشكل العنيف في بعض المناطق (ومنها الجزائر بالدرجة الأولى)، و لم تشمل مناطق أخرى ؟ و مع ذلك لا يشير أي شيء، أن الجزائر قد تكون أكثر انقسامية، و أكثر بطريركية أو أكثر بايلكية من غيرها من الدول العربية و الإفريقية و الآسيوية. بل بالعكس، ومن وجهة نظر أخرى يبقى تفسير دوافع الأزمة الجزائرية الحالية و مدى موافقتها في الراهن لموجة عنيفة موسومة بإنبثاق قوى للإسلام السياسي، و ليس هذا فحسب، بل ارتبط كل ذلك أيضا بمسار زعرعة للعديد من دول العالم الثالث (و بخاصته في القارة الأفريقية) و كذلك بانهيار "المعسكر الاشتراكي" في القارة الأوروبية.

و يحدث، هذا بطبيعة الحال، في الوقت الذي تبسط "الشوملة" التي تنطلق من أمريكا الشمالية و أوروبا الغربية[28] نفوذها على العديد من البلدان.

ولحصر الموضوع الذي نحن بصدد معالجته، و المتعلق بالجزائر، بإمكاننا أن نقول أن هذا البلد قد عرف أزمة شرعية برزت بقوة خلال الحركات الاجتماعية و الاضطرابات و أعمال الشعب التي اهتزت لها المدن الجزائرية الرئيسية التي أدت إلى أحداث أكتوبر 1988، هذا بالإضافة إلى التحولات الاجتماعية و السياسية التي طبعت تسعينيات القرن الماضي.

و قد تسببت في هذه الأزمة العديد من المؤثرات التي أصبحت الآن معروفة بشكل كاف، إذ أنها أبطلت "العقد الاجتماعي" الذي تحدث عنه علي الكنز[29]، و من بين هذه المؤثرات نذكر منها مؤثرين يبدوان لنا ذات أهمية :

  • العامل الأول: التقهقر الاقتصادي المرتبط بالإكراهات المفروضة من قبل السوق الدولية للبترول و تضافرها مع الضغط الديمغرافي (عدد سكان الجزائر قد تضاعف ثلاث مرات على مرور جيل واحد، أي في ظرف ثلث قرن).
  • العامل الثاني: و له علاقة وثيقة بالأول و هو عجز الجيل الذي يملك السلطة الذي لا يزال يستمد شرعيته الأيديولوجية إلى الآن، من عملية تأسيس الدولة الوطنية المنبثقة عن حرب التحرير، في فرض هيمنته على الأجيال التي لم تعش أحداث الحرب كما تواجه أكثر فأكثر، آفاقا اجتماعية مسدودة بارزة للعيان.

و سيتسبب الحرمان و التهميش اللذان تواجههما الفئات الاجتماعية الواسعة في تهيئة تربة خصبة لبروز النزعة الراديكالية و العنف السياسي. و قد ظلت فكرة "العقد الاجتماعي" راسخة لدى العديد من الملاحظين، وليس ذلك بسبب التبذير و الفساد و تهاون في تسيير شؤون الدولة، و قد يكون هذا الأمر صحيحا لكن على نحو جزئي فقط. كان بالإمكان إصلاح الوضع بإحداث تغييرات على مستوى السلطة السياسية من خلال توظيف جميع الوسائل، لكن مع غياب التقاليد الديمقراطية و ضعف ما يمكن توظيفه من مجتمع مدني لمواجهة هذا الظرف، دفع بطبيعة الحال إلى العودة إلى المخزون الجماعاتي و الديني للبحث عن مصادر جديدة لإعطاء الشرعية للفعل السياسي؛ حيث حاولت، مختلف الإدارات المتعاقبة على السلطة السياسية منذ سنة 1962، استغلال هذا المخزون و تدعيم موقفها بتوظيف ملحمة حرب التحرير الوطني بوصفها مرجعية أساسية.

و لا بد أن نؤكد، بلا ريب، مثلما أكد محمد حربي أن "تجربة النزعة الوطنية و السلفية الإسلامية قد أبرزتا حقيقتين : تتمثل أولاهما في أنه لا يوجد مجتمع عرف تقدم بتنكره لماضيه. يتم التقدم بالنظر إلى الوراء و إلى الأمام معا. و تستمد ثانيهما حجتها من كون البنيات القصصية تملك قوة تعبوية كبيرة، و الاعتقاد بأن محاربتها قد تتم بتوظيف الحجج العقلانية فقط، هو نوع من التموقع على أرضية الأوهام[30]. عرفت التجربة الديمقراطية، التي بدت في البزوغ ضمن أفق الدستور التعددي الصادر سنة 1989، انزلاقا و لا سيما في تعاملها مع البنيات القصصية المؤسسة للمخيال الباطني للمجتمع الجزائري المرتبطة بتاريخه.

إذ أسهمت الدولة من خلال تسييرها التسلطي و توظيفها المؤسساتي لهذه الجوانب الثقافية (هيمنة الخطاب الأحادي، المدرسة، شبكة المساجد...) في تغذيتها بنجاعة فريدة من نوعها. و لعل الطريقة التي تدرس بها مادة التاريخ للتلاميذ هي أحسن دليل على ما نرمي إليه.

المستوى الثاني : العنف، الذاكرة و الايسطوريوغرافية

إن المسألة التي تثير اهتمامنا في هذا الشأن، لا تتمثل في إنكار أن تاريخ الجزائر المعاصر قد عرف (منذ الصدمة الكولونيالية) فترات من العنف السياسي، و قد يرتكب حماقة ما بعدها حماقة من ينفي ذلك. و ما نرفضه، في هذا الإطار، هو الاقتصار على تفسير الأزمة الحالية بالنزعة الوراثية للعنف، حيث يتم البحث عن آثاره بالعودة إلى أقدم العصور المحتملة. و على كل حال، نستطيع أن نطبق ذلك على مختلف أقطار العالم. بداية من أوروبا التي كانت في القرن العشرين سببا في اندلاع الحربين العالميتين و العديد من الحروب التي ارتبطت بسيطرتها الاستعمارية في قسم كبير من العالم. بإمكاننا كذلك العودة إلى مختلف الثورات و الحروب الأهلية، الدينية منها وغير الدينية، التي عرفتها هذه القارة عبر فتراتها التاريخية، حيث رافق هذا العنف انبثاق الدولة الأمة في العصور الحديثة.

وقد وجدت هذه الظاهرة صداها حتى هذه اللحظة في النزاعات العسكرية القريبة جدَا من عصرنا، كما حدث في اسبانيا، ايرلندا الشمالية، كورسيكا و يوغوسلافيا سابقا. إن اعتماد هذا التوجه هو أمر تبسيطي مختزل لأن تاريخ أوروبا لم "يتمخض" عن العنف فحسب. و تمتلك الجزائر ذاتها إمكانيات العنف مثلها مثل باقي دول العالم الثالث (ومناطق أخرى أيضا)، و قد تجلى ذلك خلال القرن الماضي، في تعاملها مع الأجنبي أو في شكل "النزاع الداخلي" الذي عرفته.

و الجدير بالذكر أنه لا يمكن في العالم المعاصر، تفسير العنف بشكل من الأشكال بواسطة فترة "تقاليد العنف" حتى و إن بدت هذه الظاهرة، من وجهة نظر الحس المشترك، أنها متكررة. ومهما كان تكلف هذا التفسير ذي النموذج الميتافيزيقي و بالمعنى الذي يذهب إليه أوغست كونت (Auguste Comte)) أو الغائي الذي تتضمنه هذا النوع من المقاربات، لا يمكن اعتبارها مخصبا للخوض في البحث المعرفي والتقدم به.  فلابدَ على الظاهرة الاجتماعية، أن تقارب أولا انطلاقا من الظرف الذي نشأت فيه وهو بالضرورة ظرف هيمن عليه خلال ظهوره، الجانب الاجتماعي، ثم يأتي في المقام الثاني الإضاءة بواسطة "الديمومة الطويلة"، شريطة أن يكون التعليل مقننا و التوضيح صارما. إن هذه التأكيدات الواردة من جانبنا تتعلق بطبيعة الحال بأبجدية المنهجية إذ يبدو أنها غير مناسبة في هذا المقام، على الرغم من الآلاف من النصوص التي كتبت في السنوات الأخيرة حول الجزائر، و بما فيها تلك التي تدعى المنهجية الأكاديمية التي تجاهلها البعض في نظرنا، ولو أن قراءتها قد تثري الموضوع بشكل من الأشكال. و إذا لم يستطع الماضي القريب أو البعيد تفسير الأزمة الجزائرية الراهنة، لا يمكن نكران وجود ذاكرة للعنف، مقدسة و ذات طابع أسطوري بعيدة عن الترشيد، إذ تمكنت هذه الذاكرة أن تندمج مع مسار التنشئة إلى حد أصبحت معه مكونة لـ "المؤشر المظهري" للجزائريين. وقد يكون الأمر مثيرا للدهشة عندما تلجأ السلطة السياسية، لأسباب تتعلق بالشرعية، كما سبق وأن ذكرنا، إلى توظيف الوسائل المؤسساتية تحت تصرف هذه الثقافة، من خلال وسائل الإعلام والمدرسة التي تسيطر عليها السلطة و ذلك بالمبالغة في الخطاب السياسي المهيمن لدور العنف في بناء الجزائر المعاصرة، مع السكوت عن أجزاء أساسية من أجل فهم الماضي و الحاضر.

ولعل قراءة في الكتب المدرسية الرسمية السارية المفعول إلى الآن، و بخاصة تلك المبرمجة للسنتين الخامسة و السادسة من التعليم الأساسي و الموجهة لأطفال لا تزيد أعمارهم عن عشر و إحدى عشر سنة، جديرة بالعبرة في هذا الشأن و لا سيما ما يتعلق منها بانتقاء الرسوم و الصور ذات الطابع الرمزي[31].

كما يسهم التعليم الديني المقطوع عن الفكر الإنساني و النقدي، أو بالأحرى  المتمحور حول اللاتسامح و التعصب المرفوقين بتساهل غريب مع نشر و توزيع الكتب الممجدة و المبجَلة للاستشهاد و الجهاد (المختزل في معناه الحربي)، في تفشَي و تعميم هذه "الثقافة الحربية"[32] (كما يقول بنيامين سطورا( Benjamin Stora) ). و بطبيعة الحال "فالتثمين المفرط لمبدأ المقاومة المسلحة – على حساب العامل السياسي- قد تمت صياغته و نقله بواسطة تاريخ رسمي، ملحمي و قصصي... وديني.و قد تولد عن هذا الطموح الزائد ذاكرة مزيفة تلقائية ومرعبة لدى الأجيال الصاعدة". كما شجع التدخل السياسي في هذا المجال، على توسيع الغموض بين معنى الذاكرة التي تتميز بطابعها "التقديسي" و بين معنى التاريخ الذي يملك وظيفة "نقدية" أولا ثم وظيفة "زمانية" ثانيا (بيار نورا(Pierre Nora)  : أماكن الذاكرة).

و الجدير بالذكر أنه قد نتج عن السياسة الرسمية المعتمدة في "كتابة و إعادة كتابة التاريخ" آثار تكشف بعمق عمَا نذهب إليه، حيث تنزع إلى وضع أهم الجهود المبذولة لصالح إقرار الشرعية بواسطة العنف[33].

ودون تعميم ذلك بقدر ما، مع الإشارة إلى أهمية الجهود القائمة هنا و هناك، نستطيع أن نؤكد مثلما أكد محمد حربي أن : "كل شيء يتم و كأن دوافع  التاريخ تقتصر على نشر الاستياء من الآخر و لعنه و التنديد به. و لذا يمكن التحرر من هذا التقليد بإعادة فحص للموضوعات المبحوثة ضمن الكتابات ذات الطابع المدحي و التقديسي التي تأخذ منحى السجال الحربي، و مراجعة القصص المبالغ فيها، و مرافقة هذه الجهود بعمل فكري و تحليلي للتاريخ، بما يعدّ انجازا ملائما لسلامة التحليل من الناحية الثقافية"[34].

و هكذا يمكن للإيسطوريوغرافية أن تكتسب المكانة اللائقة بها في إنتاج المعرفة و بالتالي الإسهام في بناء و صياغة ثقافة مدنية بجعل كل ما يمكن أن يحيل على العنف بذاكرتنا، نسبيا و خال من المأسوية. و بهذا يستطيع هذا الاختصاص مساعدة الجزائريين على التصالح ضمن ثقافتهم مع مقولات الهوية و الحداثة، الوطنية و المواطنة.

وعليه، لا بد من وضع الحالة الجزائرية، بما فيها كل ما يتعلق بـ "الطفوح الزائد" للذاكرة، في السياق العام الذي يميَز عصرنا. فقد كانت حرب التحرير الوطني بمثابة الحدث المؤسس للدولة-الأمة في الجزائر مثلما حدث ذلك مع الثورة الفرنسية سنة 1789 و مع ما حملته من أعمال مرعبة (بالإضافة إلى ما خلفته الحروب النابوليونية).

ولم يتمَ إدراج التصور التاريخي الذي كان قائما في القرن الثامن عشر و القرن التاسع عشر، وايسطوريوغرافية الثورة، في برامج التعليم، إلا بعد أن أخمدت حدَة الأحداث و هدأت النفوس في فرنسا. وبالمقارنة، لم يتم ذلك بالنسبة للثورة الجزائرية، بسبب أن التصور الذي نملكه عن الممارسة الايسطوريوغرافية و عن وظيفة المدرسة في القرن العشرين الذي قد تغيّر بشكل جذري. إذ أسهمت العلاقات القائمة بين المجتمعات المعاصرة و بين السياسي، بالإضافة إلى ثقل وسائل الاتصال الجماهيري في زعزعة كيفيات تسيير الذاكرة. و إذا كانت للثورات الفرنسية (أو الأمريكية) والجزائرية انعكاسات متشابهة، علينا افتراض إنجازها ضمن أساليب مختلفة، على الأقل على المدى القصير و المتوسط، وهذا لا يعني أن ما تتضمنه الثورة الجزائرية من وزن، لايزال مؤثرا إلى الآن ويثقل بقوة  ذاكرة الأحياء إلى اليوم، أن الجزائريين هم أكثر عنفا من الآخرين بـ "الطبيعة".

 

ترجمة محمد داود

 

الهوامش

[1]  Nacib, Youssef, « Anthropologie de la violence », in Confluences Méditerranée, Paris, Ed. L’Harmattan, n°11, Eté 1994.

[2] Rouadjia,  Ahmed, « La violence et l’histoire du mouvement national algérien », in Peuples Méditerranéens, Paris, n°70-71, Janvier-Juin 1995.

[3]  Quandt, William, B., Société et Pouvoir en Algérie. La décennie des ruptures, Alger, Casbah éditions, 1999, voir p.16.

ويعلق المؤلف قائلا : "لا يمكن لهذه الشروحات أن تفند بشكل قطعي، و إنما يجب معاينتها بكثير من التحفظ". 

[4]يمكننا الرجوع إلى بعض أعمال لويز مارتيناز و من بينها:

- “Les groupes islamistes en Algérie entre Guérilla et négoce. Vers une consolidation du régime algérien ?”, in Les Etudes du CERI, n°3, Paris, Fondation Nationale des Sciences Politiques, Août 1995.

- “La Guerre civile en Algérie : Une rente Politico-financière”, in Bulletin du Codesria, Dakar, n°3/4, 1998.

- “La Guerre civile en Algérie”, Paris, Ed. Karthala, 1998.

الأقوال التي نشير إليها في هذا المقال هي أقوال مأخوذة بشكل عام من مقال تم نشره في "نشرة مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا. و بطبيعة الحال يوجد العديد من المؤلفين الآخرين الذين لهم نفس الرأي، على سبيل المثال برينيو إيتيان (Bruno Etienne) والذي كتب أن العنف هو جزء لا يتجرأ من الثقافة السياسية للجزائر و هذا، منذ زمن بعيد.

Cf. “Adieu Cancun”, in Peuples méditerranéens, Paris, n°70-71, Janvier-juin 1995.

[5]  Cf. Stora, Benjamin, « Deuxième guerre d’Algérie ? », in Les temps modernes, Paris, n°580, Janvier-février 1995.

[6] Al Khalil, Samir, Irak, la machine infernale, Paris, Ed. Lattès, 1991.

[7] Stora, Benjamin, Art. cité.

[8] Cf. Malek, Anouar (sous la dir. de), L’Armée dans la nation, Alger, SNED, 1975.

[9] Stora, Benjamin, Art. cité.

[10] نسجل هنا أنّ فرانس فانون يقول مايلي: "سيقال أن الجزائري بحاجة إلى الإحساس بسخونة الدم و بأن يسبح في دماء الضحية" أنظر :

Cf. Les damnés de la terre, Paris, Ed. Maspéro, réédition 1972, p. 218.

نجد أيضا هذه الإحالة ذات "الطابع الاندفاعي" للجزائري في كتاب معنون بـ " Formation civique et moral du contingent" و الذي صدر سنة 1959 عن المكتب الخامس لوزارة الدفاع الفرنسية. أنظر:

Cf. Lucas, Philippe et Vatin, Jean-Claude, L’Algérie des anthropologues, Paris, Ed. Maspéro, 1979, pp. 250-252.

[11]  Rouadjia, A., Art. cité.

[12] Benoune, Mahfoud, «  Les Fondement socio-historiques de l’Etat algérien contemporain », in Ali El-Kenz (sous la dir. de), L’Algérie et la modernité, Dakar, Ed. du Codesria, 1989.

ودون التخلي عن المقاربة الإنقسامية يشير م.بنون من جهة أخرى أن : "عملية تفكيك وإعادة بناء المجتمع تمخضت عنها فئات، شرائح و طبقات اجتماعية ضمن المجتمع الاستعماري".

Cf. son ouvrage : Esquisse d’une anthropologie de l’Algérie politique, Alger, Ed. Marinoor, 1998, p.194.

[13]و بخصوص ليبيا يمكننا أيضا أن نذكر أعمال إيفان بريتشارد، و في المغرب أعمال د.م. هارت، م غيلنر و ج واتربيري. و من جهة أخرى فإننا نعلم ما تدين به النظرية الإنقسامية لإميل دوركايم  و الذي صدر سنة 1893 كتاب : De la division du travail social.

مع الارتكاز على حوصلة هانوتو و لوترنو " La Kabylie et les coutumes kabyles" في ثلاثة مجلدات نشرت بين 1872-1873.

[14] Cf. Gallissot, René, Au Maghreb. Sociétés segmentaires et violence politique. Critique des interprétations par la segmentarité : rapport d’exploitation et reproduction sociale.

هذا الإسهام تناوله من جديد المؤلف في كتابه المعنون:

Maghreb, Algérie, classes et Nation,  Paris, Editions Arcantère, 1987, voir tome 1, p. 68.

يمكننا من جهة أخرى العودة إلى التحفظات التي صاغها جاك بيرك حول المقاربة الإنقسامية، حيث يعطي جياني ألبرجوني نظرة عامة عن "منطقيات الجمع، منطقيات الانقسامية" و الصادرة في :

“Enquêtes dans la bibliographie de Jacques Berque. Parcours d’histoire sociale, Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée”, Aix en Provence, Edisud, R.E.M.M.M., n° 83/84, 1997.

في بحوث حديثة قامت بها سعاد عباس في الأوراس تتحدث هذه الأخيرة عن حدود النظرية الانقسامية في الجهود المبذولة لترسيخ الدينامية الاجتماعية التي تتميز بها منطقتنا اليوم. ينظر مقالها المعنون :  

« Le modèle théorique de la segmentarité : vers une vision dynamique de l’organisation sociale », in Insaniyat n° 7, Janvier-Avril 1999.

[15] Martinez, Luis, Art. cité

[16] Cf. à  ce propos Laroui, Abdallah, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain (1830-1912), Casablanca, Centre culturel arabe, 1993.

يمكن الرجوع إلى الفصل الثالث بالتحديد و الذي يتناول موضوع نقد المقاربة الانقسامية.

[17]ينظر أيضا مقال أ.ج .هبسبون:

- Les primitifs de la révolte, Paris, Ed. Fayard, 1966.

- Les Bandits, Paris, Ed. Maspéro, 1972.

ينظر أيضا مقال:

Raufer, Xavier, “ Révolutionnaires, trafiquants et terroristes ”, in L’Histoire, n°168, Juillet-Août 1993

[18] Cf.  Pecaud, Daniel, « Réflexions sur la violence en Colombie », in Héritier, Françoise (Séminaire de) : De la Violence, Paris, Ed. Odile Jacob, 1996.

[19] Carlier, Omar, Entre Nation et Jihad. Histoire sociale des radicalismes algériens, Paris, Presses de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1995, pp. 21-22.

[20] Cf. de cet auteur, « La société Algérienne. Aujourd’hui. Esquisse d’une Phénoménologie de la Conscience nationale », in Ali El-Kenz (sous la dir. de), L’Algérie et la Modernité, Dakar, Ed. du Codesria, 1989

[21] Ibid.

[22] ينظر في هذا الصدد :

- Villers de, Gautier, L’Etat démiurge. Le cas algérien, Paris, l’Harmattan, 1987.

- Corten, André et Tahon, Marie-Blanche,  L’Etat nourricier, Prolétariat et Population, Mexique/Algérie, Paris, l’Harmattan, 1988.

- Addi, Lahouari, L’impasse du populisme. L’Algérie : Collectivité politique et Etat en construction, Alger, ENAL, 1990.

[23]  El-Kenz, Ali, Op. cité.

[24] Vatin, Jean-Claude, L’Algérie politique. Histoire et société, Paris, Presse de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1983, voir p. 368.

[25] Ibid, p.371.

[26] Cité par Quandt, W.B., Op. cité, p. 221.

[27]حسب الإشكالية المدروسة من قبل برتروبادي، ينظر لهذا المؤلف :

- L’Etat importé. L’Occidentalisation de l’ordre politique, Paris, Ed. Fayard, 1992.

- Les Deux Etats. Pouvoirs et sociétés en Occident et en terre d’Islam, Paris, Ed. Fayard, 1986 et 1997

[28]يشير رشيد التلمساني بهذا الخصوص: " أن انبثاق العنف السياسي وتطوره و الذي تلعب فيه العوامل الخارجية دورا أكبر من العوامل الداخلية (الثقافة الفلاحية القديمة) يمكن شرحه بالشكل الصحيح عند ملتقى العديد من الأسباب". ينظر:

“ Islamisme/Occident : une approche stratégique de la violence ”.- in Les Cahiers de l’Orient, n° 36-37.- Paris, 4ème trimestre 1994, 1er trimestre 1995.

[29] Voir  Supra.

[30] Harbi, Mohammed, L’Algérie et son destin. Croyants ou citoyens, Paris, Ed. Arcantère, 1992, p. 26.

[31] لقد كانت لنا فرصة تقديم محتوى كل الكتب المدرسية في التاريخ و المستحدمة في المدرسة الجزائرية. لتفاصيل أكثر ينظر إسهامنا الصادر تحت عنوان :

"Histoire nationale et pratiques politico-identitaires : Une lecture des manuels officiels en usage dans l’école algérienne ”, in Nadir Marouf et Claude Carpentier (sous la dir. de) : Langue, Ecole, identité, L’Harmattan, Paris, 1997, Version en langue arabe, in Insaniyat n°3, Crasc, Oran, 1997".

[32] Stora, Benjamin, Art. cité.

[33] نحن بصدد انجاز بحث حول هذه القضية ، في إطار مخبر سوسيولوجيا-أنثربولوجيا التاريخ و الذاكرة (Crasc) و الذي تصب اهتماماته حول إشكالية :

“Savoirs, mémoires, pouvoirs. Maghreb, Algérie”.

[34] Harbi, M., Op. cité.


History and Memory: the colonial historiographer

An intellectual history of the colonial period is still to be done. The history of historiographic production shows how Algeria’s colonial past was formed how this Algerian memory has been made. The place for men, institutions, historiographic practices and imparting of knowledge so many tracks for research which pass in fact by studying the role of power in the organisation of historic knowledge in particular and university in general. First it concerns making an exhaustive account of places and understanding the production and handing down knowledge mechanisms.


 

إن تاريخ الحركات الفكرية في الجزائر أثناء الفترة الاستعمارية لم يكتب بعد مثله مثل تاريخ الإسطوريوغرافية وتاريخ الإنتاج الإسطوريوغرافي – الذي يتجاوز المحاكمات الصغيرة – و كذلك هو الأمر بالنسبة إلى تاريخ الحقول الأخرى مثل علم الاجتماع، والجغرافيا، والإثنولوجيا، والحقوق ... إلخ.

إنَنا مدينون للكثير من المؤرخين ومن بينهم جون كلود فاتان (Jean-Claude Vatin) في أولى محاولات كتابة التأريخ الاستعماري بصفة خاصة و الإنتاج الفكري بصفة عامة[1]. إذ يوضح فرانسوا ليمدورفير (François Leimdorfer) في إحدى مقالاته التي نشرها بعد تقديمه لأطروحته الموسومة بـ "الخطاب الأكاديمي و الاستعمار"[2]، "مواضيع السوسيولوجيا الاستعمارية"[3]. ومن جهتها، كانت فاني كولونا (Fanny Colonna) قد طرحت جملة من التساؤلات حول العلم الاستعماري من خلال نموذجي كل من أوغستين بيرك (Augustin Berque) و جوزيف ديسبارميه  (Joseph Desparmet)[4]، كما أن أني ري – غود زيقر (Annie Rey – Godzeiguer) كانت قد قدمت بيانا حول علاقة المؤرخين بالجزائر في عهد الإمبراطورية الثانية[5].

وفي الأخير، لا بد من الإشارة إلى المقال القصير  لـبشير شنيتي الذي يطرح، على الأقل، مشكلا ذا طابع إبستيمولوجي : "التاريخ القديم للجزائر من خلال المصادر الفرنسية"[6].

لقد تم بناء ماضي الجزائر أثناء الاستعمار تدريجيا، و في الوقت نفسه تم إرساء وسائل الحفاظ عليه كالمتاحف و النصب التذكارية، كما تمخض عن  استقبال عدد من المؤتمرات العلمية نوع من الرضى عن الذات في الجزائر العاصمة  بالتحديد و كذلك  في وهران، تلمسان و قسنطينة.

بناء ماض معين

لقد طرحت الإسطوريوغرافية منذ بداياتها الأسئلة نفسها التي يلخصها ستيفان جيزال (Stephane Gsell) فيما يلي: "ما هي أصول هؤلاء السكان ؟ كيف تشكلت تقاليدهم، ومؤسساتهم، ومعتقداتهم؟ ما هي العبر التي يمكن أن يقدمها لنا الاحتلال و الاستعمار الروماني ؟"[7]. فبالنسبة  لجيزال، مهمة التاريخ في الجزائر ووظيفته الاجتماعية واضحة : "لقد سطر لنا التاريخ أيضا واجباتنا، وإرادتنا صارمة في أن نكون قادة في كل مكان و زمان، بالإضافة إلى ضرورة وجود استعمار تدعمه نسبة كبيرة من السكان الريفيين الأوربيين، و هي ضرورة لا تقل أهمية في تقريب الرعايا (الأنديجان) إلينا مع الرغبة القوية والأمل في الانصهار في المستقبل، قريبا كان أو بعيدا. و لا يعد هذا التاريخ في إفريقيا " عديم الفائدة ضمن العلوم"[8].

ومن ثمة، تم وبشكل منتظم، نشر قوائم جرد متعددة، مذكرات، عروض لمواقف و دعاية موقعة من قبل أكبر المختصين. و الجميع، بطبيعة الحال، كان مطبوعا بآثار عصره. هكذا تم تسجيل المعرفة الاستعمارية حول الجزائر و المغرب.

إذا كانت الببليوغرافيا المحلية الأولى صادرة عن "جدول المؤسسات الفرنسية"[9](Tableau des établissements français) سنة 1838، فإن أول إصدار دوري "الموجه الجزائري"(le Moniteur Algérien)  هو الذي قام بدعم أولى الأعمال المنجزة في حقل التاريخ و ذلك بفضل أدريان بربروغار (Adrien Berbrugger)  و رولان دي بيزي (Roland de Bussy). و كون الفترة العثمانية كانت الأكثر قربا من الحاضر، فقد تم استعراضها بشكل أفضل. كما عرفت المواضيع تنوعا كبيرا في الفترة الممتدة بين 1836 و 1855 من خلال مقالات رولان دي بيزي، ألفونس دي روسو (Alphonse De Rousseau) هنري فويلارت (Henri Feuilleret)، أستاذ التاريخ، أوسيب دي سال[10] (Eusèbe De Salles)، ليون روش (Léon Roches) و الدكتور قييون (Guyon) : كتاب  عبد القادر ويوغرطه (1844)، الانكشاريون (1838)، محمد المتافيزيقي الكاتب و الاشتراكي (1845)، عمر باشا (1843) و غيرهم. وقد تم أيضا نشر أولى ترجمات الوثائق و المخطوطات : "التحفة المرضية" التي قام بترجمتها روسو سنة 1845، و "دفتر التشريفات" الذي قام بترجمته دو فولكس (Albert Devoulx) سنة 1852.

و يعود الفضل في أول حوصلة للمعارف حول الجزائر غداة الاحتلال إلى جانتي دي بيزي (Genty De Bussy)، الذي كان  ثاني إداري معتمد لمدينة الجزائر من ماي 1832 إلى جويلية 1834. نشر هذا المؤلف، من جزئين، في باريس سنة 1835، تحت عنوان: "حول استيطان الفرنسيين بإيالة مدينة الجزائر ووسائل الحفاظ على رخائها". و إذا كانت الملاحق تتضمن العديد من الوثائق، فإن الجانب البيبليوغرافي تم اختزاله في أسماء ستة مؤلفين فقط.

و لقد نالت الجزائر اهتمام الكثير من الكتاب المتمرسين و غيرهم، من الهواة المستنيرين و المؤرخين. مثلا، تحتوي "البيبليوغرافيا المنهجية" لشارل تايلر[11] (Charles Taillart) على جرد لـ 3177 عنوان مرجع و مقال أدبي و تاريخي.

يتمثل العمل الأكثر أهمية سواء من خلال طموح المشروع  أو من خلال النتائج المتحصل عليها - و التي نشرت - في كتاب "الاستكشاف العلمي للجزائر". إن مغامرة "الاستكشاف العلمي للجزائر" لم تشكل يوما موضوع دراسة شاملة[12]. تتكون هذه المغامرة التأليفية، المقررة من طرف وزارة الحربية سنة 1837، و التي اعتبرت غير مكتملة بعد، من واحد و ثلاثين جزءا كتب بين 1844 و1854، حيث يتناول ستة عشر جزءا منها العلوم التاريخية والجغرافية. من ثمة، ترسخت معرفة جديدة،   و لربما أكثر من ذلك شبكة قراءة لماضي الجزائر. وهكذا قام كاريت (Carette) مثلا بلفت الانتباه إلى دور بني هلال و القطيعة التي اجتهد خلفاؤه في تبيانها في القرن الحادي عشر ميلادي.

إن الفترة العثمانية هي أول فترة تمت دراستها، فقد أصدر سنة 1837 كل من سوندر رانج (Sander-Rang)  و فارديناند دنيس (Ferdinand Denis) كتاب "تأسيس الإيالة"، كما ألف الجنرال والسين إزتيرازي (Walsin-Estherazy) سنة 1840 مؤلفا حول "الهيمنة التركية على الإيالة القديمة لمدينة الجزائر". و قد نشر البارون بود (Baude)، الذي كان مفوضا من الملك، سنة 1841 كتاب "الجزائر" في جزئين، و كان يرمي من خلاله إلى وصف الأشياء التي رآها "مع التذكير في بعض الأحيان بالشكل الذي كانت عليه في قديما".

وفي هذه السنة نفسها ، أي في عام 1841، أصدر ليون غليبار (Léon Galibert) الطبعة الأولى من كتابه "الجزائر القديمة و الحديثة منذ الإستيطان الأول للقرطاجيين حتى...". "إنها عشر سنوات من النجاح"، كتب غليبار، "يتضح ذلك من خلال الطبعات العديدة التي نفذت بمجرد نشرها".     و قد اكتملت تلك الطبعات غير المؤرخة سنة 1853. إن هذا المؤلف مميز نظرا لشكله: 22 فصلا، فصل خاص بكل فترة هيمنة، مع فصلين للهيمنة التركية و 12 فصلا للهيمنة الفرنسية (إلى غاية ولاية روندون (Randon)). في الواقع، نشهد مع هذا الكتاب تأسيس لتحقيب تاريخي لم يعد النظر فيه إطلاقا. ولا في هذه المعرفة التاريخية المتشكلة،حيث تبرز كلمة مفتاحية تتمثل في : الهيمنة.    و انطلاقا من هنا لم يعد تاريخ الجزائر إلا تاريخا لأشكال الهيمنة التي تعاقبت عليها.

يخبرنا أ.برنارد (A. Bernard) أن المؤلَف الشامل حول الجزائر، (الشامل بمعنى يشمل الجغرافيا و التاريخ) هو مؤلَف موريس وال (Maurice Wahl) الذي صدر في خمس طبعات منذ 1882. و قد أعاد أ.برنارد كتابته و صياغته من جديد سنة 1929 تحت عنوان قصير: "الجزائر"، علما أن كتابة الحوصلة التاريخية الأولى يعود الفضل فيها إلى رئيس بلدية قسنطينة إرنست مرسييه (Ernest Mercier)، وقد أصدر مجلدين حول "تاريخ شمال إفريقيا منذ أقدم العصور إلى غاية الغزو الفرنسي" بباريس بين سنتي 1888-1890، اللذين شكلا و لفترة طويلة المرجعية (إلى غاية صدور كتاب "تاريخ شمال إفريقيا" لشارل أندري جوليان (Charles-André Julien) سنة 1931).

وفي الواقع، فإن "الوجيز في تاريخ الجزائر" لمؤلفه إدوارد كات (Edouard Cat)، الذي كان حينذاك أستاذا في مدرسة الآداب بالجزائر، لم يتمكن من تعويض كتاب الـ "مرسييه" (Mercier)، إدوارد كات الذي أنجز، سنة 1891، أطروحة دكتوراه رئيسية حول "مآثر شارل كوينت (Charles-Quint) في إفريقيا"، وأطروحة ثانوية تحت عنوان "محاولة حول المقاطعة الرومانية لموريتانيا القيصرية"، واشتهر هذا المؤلف أكثر بسجاله مع كامي روسات (Camille Rousset) (سنة 1885 في "نشرة المراسلات الإفريقية") و بمقالاته المنشورة في جريدته "الجزائر" أكثر من اشتهاره ببحوثه.

و تجدر الإشارة غلى أن رجال القانون قد شاركوا في هذه الحركة أيضا. ومـن مدينة بواتـييـه (Poitiers) اسـتـعـاد أ. جيرولت (A. Girault)، في كتابه "مبادئ الاستعمار و التشريع الاستعماري" (1895)، التصور "المعياري" الذي أصبح شائعا: أي ما قبل و ما بعد 1830.

يعود الفضل إلى أطروحة جورج مارسي(Géorges Marçais) في إحداث ثاني أكبر انعطاف للإسطوريوغرافية الاستعمارية: إذ أنه مع قدوم بني هلال، حدث أكبر تحول سياسي، إثني، ثقافي و اجتماعي لم يشهده المغرب الكبير أبدًا من قبل حيث يمكن إدراج القرن الحادي عشر ميلادي في التاريخ بوصفه قطيعة أساسية[13] .

إن تشكيل ووضع معرفة كلية و محلية لتاريخ الجزائر و المغرب الكبير معًا هو في الوقت ذاته استمرار منطقي: تشكيل و وضع ذاكرة استعمارية للجزائر و المغرب الكبير. فالذاكرة و التاريخ يسيران معا، حيث يثري أحدهما الآخر، كما تتكفل بهما أجيال المؤرخين ذاتهم.

الطلب على الذاكرة

إن كتاب "تاريخ الجزائر عبر معالمها"[14]، و الذي نشر في باريس سنة 1900، حتى و إن لم يكن المؤلف الأول من نوعه، فإنه يشكل مرحلة جديدة في صناعة الذاكرة الاستعمارية للجزائر مستعيدا لحسابه وبسخاء الأعمال التاريخية،بين مقالين لرؤساء مكاتب في الحكومة العامة، مؤرخون (إدوارد كان Edouard Cat، روني باساتRené Basset ) و جغرافيون (أوغسين برناردAugustin Bernard ) معروفون، كانوا على علاقة بكتاب تناساهم الزمن اليوم (مثل جون لوران Jean Lorrain الملقب بـ بول ديفال Paul Deval).

لقد بدأ شكل جديد في الظهور(؟) لنقل المعرفة الجامعية (؟) العلمية (؟). مؤلفات تبسيطية، ذات مستوى عال على كل حال، و أعمال علمية جماعية، وضعت في متناول الجمهور العريض. وكل هذه الوسائل من كان من شأنها المساهمة في وضع حوصلة (تم نعتها بالايجابية) للمنجزات الفرنسية في الجزائر.

إن كتابي "تاريخ و مؤرخي الجزائر" (1931) و "شمال إفريقيا الفرنسي في التاريخ" (1937 ثم 1955) هما نموذجان للببليوغرافيا النقدية، إذ يمثلان نقطة الإنطلاق في مسار الإنتاج و التطور الفكري.

و بطلب من ش. أندري جوليان، الذي كان آنذاك سكرتير المجلة التاريخية (Revue historique)، و في إطار الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر، جمع كل من ستيفان جيزال و غبرييل إيسكار (Gabriel Esquer) خمسة عشر دراسة حول أعمال في التاريخ، والجغرافيا، وما قبل التاريخ، والإثنولوجيا، والتاريخ القديم، وتاريخ الأديان (ولكن دون أية دراسة حول اليهودية)، وتاريخ العصور الوسطى (التاريخ الإسلامي)، والتاريخ الحديث (الإسبان)، والاحتلال؛ و لكن أيضا الشريعة الإسلامية، الأدب، الفنون، الجامعة، و في الأخير المصادر حول الجزائر. لقد تم استدعاء كل أساتذة جامعة الجزائر "حسب رغبة جوليان" كما يوضحه جيزال في مقدمته. ريغاس (Reygasse)، ألبرتيني (Albertini) الذي هيمن على تدريس التاريخ القديم بعد مغادرة كركوبينو(Carcopino)، ويليام  و جورج مارسي (William et Georges Marçais)، ألفريد بيل (Alfred Bel)، جورج إيفر (Georges Yver) الذي سيطر على فترة بداية الاستعمار و ما بعدها، موراند (Morand) الحقوقي الذي قنَن الشريعة الإسلامية، بيار مارتينو(Pierre Martino)، عميد الجامعة تيليار (Tailliart) و في الأخير مختص الأرشيف قابرييل إيسكار. لقد كلف أ. غوتييه (E.F.. Gautier) بالتقديم الجغرافي حيث استعرض في الوقت ذاته عبقريته و تمرده: لا شيء يمكن فهمه في الجزائر خارج "المجال الجغرافي". فالعبقرية و التمرد كانا بالكاد يخفيان لديه الأفكار المسبقة، الأحكام المتسرعة  و الأسئلة التي لا أجوبة لها : لماذا هناك تقسيم سياسي عمودي اتجاه البحر في حين تنقسم البلاد جغرافيا عبر ثلاثة شرائط موازية للبحر الأبيض المتوسط؟ كما كان ذلك مناسبة لظهور أستاذ شاب في ثانوية الجزائر و الاعتراف به إسمه: فارناند برودال (Fernand Braudel) الذي استقر في الجزائر سنة 1927 بعد قضائه فترة من الزمن بالقطاع القسنطيني. صحيح أنه كان هناك الكثير من الكتاب، و لكن من يتذكر إيلي بلان (Ely Blanc) و زيلر (Zeiller) ؟ من لا يزال يقرأ لحد الساعة موريس ريغاس؟ و ما هو مصير أطروحات غوتييه ؟ أو لم يبق من ألبرتيني سوى "ألواح الوندال" (Tablettes Vandales)؟

لقد عرف كتاب "شمال إفريقيا الفرنسي في التاريخ" إذن طبعتين. و من الطبعة الأولى إلى الطبعة الثانية نجد نفس المؤلفين، مع ملحق في الطبعة الثانية، يتضمن دراسة حول فترة 1940-1950. لقد كان هذا الكتاب أكثر إيجازا من المؤلَف الذي سبقه: أربع ثم خمس دراسات فقط. و كان أيضا بمثابة كتاب فن أو كتاب مجموعات فنية. لكن الملاحظ أنه من طبعة لأخرى، و رغم اختفاء اثنين من المؤلفين ألبرتيني و لسباس(Albertini et Lespès)، تغيرت عناوين الفصول - ونوايا الناشر؟-. لقد تم تكليف ريني لسباس (1870-1910)[15] بكتابة المقدمة الجغرافية بطريقة كلاسيكية للغاية       و بعيدة بعض الشيء عن مبالغات غوتييه (Gautier) :إذ أصبح "شمال إفريقيا القديم" لألبرتيني "الفترة القديمة" و "شمال إفريقيا تحت الهيمنة الإسلامية" لجورج مارسي "الفترة الإسلامية"        و "شمال إفريقيا الفرنسي" أصبح "الفترة الفرنسية".  يمكن ألا يكون هذا الانزياح الدلالي مجانيا،   و يمكن أن يكون ناتجا عن محاولة لتخليص التاريخ من ربقة العاطفة، فنحن هنا لم نعد نتموقع ضمن إطار الهيمنة بل في إطار الفترة.

التاريخ / الوصية

زاد نشاط الحركة في غضون الخمسينيات إذ ظهر إلى الوجود كتاب "صور من الجزائر" سنة 1953، و في سنة 1956 احتفلت جمعية المؤرخين الجزائريين بذكراها المئوية و قام جاك بيرك بوضع حصيلة لمئة و عشريين عاما من السوسيولوجيا المغاربية ؛ سنة 1957، نشر كتاب "اكتشاف الجزائر" و قام غ. إسكار (G. Esquer) بوضع حصيلة أخرى لقائمة أخرى تخص الحياة الفكرية بالجزائر منذ 1830.

يقع كتاب "صور من الجزائر" في إطار جد خاص يتمثل في سلسلة تتعلق بمقاطعات فرنسا، حيث يمثل العدد الرابع و الثلاثين  منها. و قد قام غابريال إسكار بكتابة الفصل الخاص بالتاريخ، إذ تصور هذا الأخير أنه يجب كتابة ما يلي: "فيما يخص الاعتقاد بالاستقلال الذاتي لجزائر لا يمكنها ضمان الحاجة و الرزق لسكانها... فإن هذا مجرد وهم "[16]. وبشكل أكثر تواضعا، كتب مؤلفو "اكتشاف...": "نحن لا ندعي أننا قلنا كل شيء و لكننا ندرك أننا تحدثنا بنزاهة حول معظم القضايا". 

 كتاب " اكتشاف الجزائر" مشروع قديم لكن تأخر تجسيده بسبب الحرب العالمية الثانية، وهو ينتظم حول ثلاثة أجزاء أساسية: "البيئة المادية" (الفصل الأول)، "ماضي الجزائر" (4)، "جزائر اليوم" (13). ومرة أخرى تم استدعاء الأساتذة الجامعيين المتقاعدين، حيث كتب مارسيل لرنود (Marcel Larnaude)، الصديق القديم لغوتييه، تقديما للبيئة المادية. أليس هناك جغرافيون بالجزائر؟ أكيد فالجغرافيا لا تصلح إلا للمقدمة.

أما عن ماضي الجزائر فقد قام بوصفه كل من كريستان كورتوا (Christian Courtois) (المتوفى سنة 1956) و ج. مارسي الذي غادر التعليم من أجل إدارة المتحف. ستيفان جيزال، مارسيل كولومب(Marcel Colombe) و بيار بويار(Pierre Boyer) الموظف في أرشيف مقاطعة الجزائر و لا تزال قائمة المساهمين طويلة. يمكننا أيضا ذكر الأخير من آل مارسي، فيليب، و هو مختص في اللسانيات و نائب منتخب في الجزائر الفرنسية؛ إميل درمنقهن (Emile Dermenghen) الذي خلفه إسكار في أرشيف الحكومة العامة (ح.ع.)، هنري بيراس (Henri Perès)، المستعرب و مدير المعهد العالي للدراسات الإسلامية، لوسيان غولفين (Lucien Golvin) بصفته رئيس مصلحة الحرف اليدوية في الحكومة العامة، غوستاف مارسي (المتوفي سنة 1953)، لويس ميليو(Louis Milliot)، متقاعد، و شابان آخران : سعد الدين بن شنب (أستاذ مساعد بكلية الآداب) و كزافيي ياكونو(Xavier Yacono) (وكان هذا الأخير آنذاك لا يزال أستاذا بالثانوية). وهو خليط غريب من ماض لا يريد أن يمضي و حاضر يحاول البحث عن مكانة له. للمرة الأولى، في هذا النوع من الإنتاج، توجه الدعوة لجزائري؛ و لكن للمرة الأولى أيضا، يتم الإشارة إلى الإنتاج الفكري باللغة العربية (من قبل بيراس). انفتاح متأخر يوحي إليه مؤلف "خمسة و عشرون سنة من تاريخ الجزائر" تم نشره سنة 1956 من قبل "المجلة الإفريقية" بمناسبة ذكرى تأسيسها المئوية. لقد تم وضع حصيلة حقيقية بالمناسبة إذ تم تكليف كل من ليونال بالو (Lionel Ballout) (بالنسبة لفترة ما قبل التاريخ) وجون لاسوس (Jean Lassus) (العصور القديمة)، روجير لوتورنو(Roger Le Tourneau) (العصر الوسيط و الأزمنة الحديثة) وكزافيي يا كونو (فترة ما بعد 1830). و لأول مرة، ينفتح عمل ببليوغرافي (باستثناء تاليير (Tailliart)) على المسلمين واليهود الذين ظهروا بوصفهم فاعلين و منتجين لتاريخ بلادهم وبالنسبة للفترة القديمة، نجد أن لاسوس يحيل إلى كتاب حول "اليهودية البربرية في إفريقيا القديمة"، كما يذكر لوتورنو  (Le Tourneau)مقالات و أطروحة حاج صادوق، ياكونو (Yacono)، بالنسبة للفترة الحديثة و المعاصرة، و يشير إلى قداش  (كتاب "القصبة") و صالحي (كتاب "عبد القادر")، و كذا إلى أنسكي (Ansky)، وشوراقيو وإيزنبيث (Eisenbeth) حول يهود الجزائر وشمال إفريقيا. وأخيرا، وفي هذا العدد و بفضل دراسة قام بها س. بن شنب، دخلت أسماء كل من الحفناوي، ميلي و المدني إلى التاريخ الفكري[17].

و دائما في سنة 1957، وفي مجلة "سيمون"، يعطي غابرييل إسكار(Gabriel Esquer)، و هو أرشيفي متقاعد والسكرتير العام السابق للجمعية التاريخية الجزائرية، نظرة شاملة، من خلال ذكرياته الشخصية، عما يمكن اعتباره بالحياة الفكرية في الجزائر في الفترة الممتدة بين سنة 1830   و 1956و هي حياة فكرية غاب عنها تقريبا كل الجزائريين باستثناء محمد بن شنب الذي لا يمكن تناسيه (المتوفي سنة 1924).

وتمثلت الحوصلة الأخيرة في كتاب"تاريخ الجزائر" الصادر في سلسلة "ماذا أعرف؟" (Que Sais-je ?) لإيسكار  (Esquer)و ذلك للمرة الأولى سنة 1950 و قد كان سنة 1960 في طبعته الثالثة.

حدث كل هذا و كأن هذه الحوصلات المرحلية هي في النهاية حوصلات أو وصايا لمعرفة تشكلت طيلة قرن من الزمن يراد تكوين ماضي لنفسه.

و لم يقم غوتييه (Gautier)، برنارد (Bernard)، ميليوت(Milliot) ، لارشار (Larcher) والآخرون، كات(Cat)، ماسكورى(Masqueray) ، باسات(Basset)  الأب و الأبناء، مارسي (Marçais) و أخوه، إيفر (Yver)، هاردي (Hardy)، مونيي (Maunier)، بوسكي (Bousquet) وغيرهم بوضع معارف و إنتاج أدوات لفهم مجتمع قيد الدراسة فحسب، بل إنهم قاموا تقريبا بوضع معايير (معايير بذاتها؟) أو قواعد لقراءة الأحداث و الوقائع السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية و الثقافية لتاريخ الجزائر.

و قد ظهرت آنذاك الدراسات الأولى التي قامت بدعم المقاربة الجديدة لتاريخ و سوسيولوجيا الجزائر، و التي بدأها ش. أندري جوليان(André Julien)  سنة 1931، بيار بورديو(Pierre Bourdieu)  سنة 1958، أندري نوشيه (André Nouschi) سنة 1960، و رونيه غاليسو (René Gallissot) سنة 1962. لقد بينت بعض التحفظات التي صاغتها جريدة "المجاهد" تجاه كتاب أندري نوشيه أن هذا الكتاب قد أثار انتباه مسؤولي جبهة التحرير الوطني (F.L.N).

لقد فككت أعمال كل من جوليان(Julien)، إمريت(Emerit)، أوغسطين(Augustin) و جاك بيرك(Jacques Berque) ، دراش  (Dresh)و فيما بعد أجيرون (Ageron)، رى- غولد زيغر(Rey-Goldzeiguer)، نوشيه(Nouschi) ، لاكوست(Lacoste) ، برونان(Prenant) ، كل أعمال أسلافهم وعلى الرغم من ذلك، فقد طبعت بشكل أقل، الوعي التاريخي بالأمس واليوم في الجزائر، بالأمس واليوم. لم يعرف كتاب "تاريخ شمال إفريقيا" لـ ش.أ.جوليان النجاح في عالم النشر مثلما عرفته كتب "القرون المظلمة" لغوتييه أو"حضارة العرب" لمؤلفه غوستاف لوبون، حيث كانا موضوعا للقراءة و للنقاش عند عدد من إطارات الحركة الوطنية و مناضليها، كما حظي كتاب "شمال إفريقيا في مسيرة" الصادر سنة 1952  بمساندة و دعم  جريدة "الجمهورية الجزائرية"[18] التي كان يشرف عليها فرحات عباس.بعد الاستقلال،  تم نشر هذه الكتب الأربعة من جديد ليعاد بيعها في الجزائر، أما كتاب "لاكوست – نوشي – برونان" ("الجزائر، ماضيا و حاضرا")، و الذي استقبلته جريدة "المجاهد" بتعاطف كبير، فقد اختفى من المكتبات.

و كما هو الأمر في أي عمل، قد لا يكون جماعيا بشكل كلي ولكن التضامن بين الذين يقومون به هو حقيقي و قوي، إذ تطورت الأقدار الفردية للأشخاص الذين أثروا في الحياة الفكرية الاستعمارية، سواء بالتضامن أو بالتعارض أحيانا مع الآخرين.

ويفرض بعضهم نفسه في الذاكرة الجماعية، بينما ليس الآخرين سوى مراجع ببليوغرافية. فعندما تم تمجيد غوتييه، تم نسيان جورج إيفر؛ و عندما أملى ميليو قواعده في نهاية حياته، ظل مونييه مجهولا بشكل كبير كما ظل عمل إميل لارشار مغمورا عن قصد.

لا تقر الإدارة الاستعمارية بالفضل بشكل متساو: لقد احتل العساكر فضاء التسميات بشكل واسع.كما يمكننا ملاحظة أنه تم تسمية القرى الاستعمارية بأسماء الأوفياء من الذين خدموها مثل دومنييك لوسياني(Dominique – Luciani)، وارنيي(Warnier) ... و لكن العسكريين، أيا كانت رتبهم، كانوا الأغلبية، من العريف لافايسيار)   (Lavayssierإلى المارشال ماك ماهون  (Mac Mahon)... لقد تم توزيع الأسماء على الشوارع بشكل سخي. بالمقابل، كيف يمكن تأويل عملية تسمية الثانويات و المدارس بأسماء مؤرخين - و هم مؤرخون كان لهم حظ الوفاة مبكرا، قبل 1940 - من بينهم غوتييه(Gautier) ، ألبرتيني(Albertini) ، جيزال (Gsell)، دو سلان(De Slane)  وبأسماء عسكريين: بيجو(Bugeaud) ، لامورسيار(Lamorciere) ، دومال (D’aumale)، لابرين (Laperrine).

الفرع الآخر: رجال و مؤسسات

إلى جانب الجامعة و لكن رفقتها، فإن المكلفين بتسيير الآثار المادية المرتبطة بالماضي، المحافظون على الذاكرة التاريخية، الأرشيفيون، علماء الآثار، أمناء المكتبات و المتاحف، كلهم حاولوا القيام بتحديد أفضل لدورهم في المجتمع. أضف إلى ذلك  أن دراسة الحقل الفكري، بالأمس و لكن بدرجة أقل من اليوم، لا تقتصر فقط على جامعة الجزائر و التي كان أغلبية أساتذتها، المشهورين منهم أو لا، على علاقة مع الحكومة العامة، من ماسكوري إلى بورديو، معززين مكرمين. لقد وجدت إذن أماكن أخرى لإنتاج المعرفة و المعايير.

 ومع ذلك و على الرغم من أن أمناء المكتبات كانوا في اتصال أكبر مع القراء  و الجامعيين، فإنهم لم يتركوا للمفارقة أثرا في الذاكرة الجماعية، إذ أن أسماءهم لم تذكر إلا قليلا إن لم نقل أنها لم تذكر أبدًا. و قد قام أدريان بربريقجر (Adrien Berbrugger) (1869-1801) بتأسيس أول مكتبة استعمارية بمدينة الجزائر، مع تدمير العديد من المكتبات من بينها مكتبة تلمسان، معسكر وقسنطينة، و لكنه عرف أكثر من خلال مشاركته في حياة "المجلة الإفريقية". صحيح أنه من الصعب إبقاء هذه الشخصية، غير العادية، خارج العوالم الصغيرة و الضيقة للمكتبات، فقد جرب كل شيء وشغل حتى منصب عقيد في مليشيات مدينة الجزائر، كما أنه فرض رأيه في "المجلة الإفريقية". من باب الطرافة، نشير أنه كان متزوجا بسيدة تدعى زهور محمد الوالي حسب شهادة وفاته. و قد كان لويس باولي (Louis Paoli) المشرف على المكتبة الجامعية متعاونا بخاصة مع "المجلة الجزائرية... للتشريع و الأحكام" و ذلك في مطلع القرن، كما أنه كافح بشدة إلى جانب إميل لارشار(Emile Larcher)  و إدوارد كات(Edouard Cat) في قضية التجنيس التلقائي للأجانب. في الأخير، ماذا عن  جان ألكي (Jeanne Alquier) الذي جاءت من قسنطينة بعد وفاة زوجها، مسؤول أرشيف مدينة  قسنطينة و جرمان لوبال (Germaine Lebel) الذي حل محل إسكار في المكتبة الوطنية؟

إن عملية التأريخ للأرشيف الاستعماري و لعلم الآثار، و التي يفترض دوما القيام بها، تحيل إلى الاعتقاد بحدوث مخاض عسير.

لقد وجد أرشيف ولاية الجزائر مرميا بشوارع المدينة. وكان قد أكد الخزنجي عدم وجود وثائق إدارية كما أشار إليه إسكار بسخرية. فهذا الأرشيف، و الذي وجد بالفعل، فقد تم جمع ما أمكن إنقاذه من التلف ووضع على مستوى مديرية أملاك الدولة. و لكن الأرشيف لم يكن من أولويات الإدارة الاستعمارية. ففي سنة 1871، تم العثور على الأرشيف في أحد طرقات القصبة معروضا للبيع. و كان لابد من انتظار سنة 1908 حتى يقوم الحاكم جونارت (Jonnart)، في إصلاحه لهذه الإدارة، بإنشاء أول مصلحة. من ضمن هؤلاء الأرشيفيين : ألبرت دفولكس (Albert Devoulx) (المتوفى سنة 1876) الذي كان أول من قام باستثمار و دراسة أرشيف ولاية الجزائر، إيلي دى لا بريمودي (Elie de la Primaudie) (1814-1876)، و في وقت لاحق غابريال إسكار (1876-1961) الذي، بالإضافة إلى إدارة المكتبة الوطنية، قام بتنظيم أرشيف الحكومة العامة، إميل درمنغن (Emile Dermenghen) الذي خلفه في الأرشيف، ألكسندر بستمالجوغلو (Alexandre Pestemaldjoglou) و روبرت تنتوان (Robert Tinthoin) في وهران، بروسبار ألكيي(Prosper Alquier) (1890-1931) في قسنطينة، و خلفه أندرى بارتيي (André Berthier)، و الذي كان مدير متحف مارسي و مختصا في الآثار أكثر من كونه مختصا في الأرشيف حتى سنة 1973، بيار بويير(Pierre Boyer) في مدينة الجزائر حتى سنة 1962 و جانين بورداس (Jeanine Bordas) ثم الزوجان إيف و مادلين رينودان (Yves et Madeleine Renaudin) في وهران حتى سنة 1962 أيضا.

 لقد عانت الآثار القديمة كلها من السرقة و التخريب، و حتى تلك التي كانت مفقودة و كان يجري البحث عنها وبخاصة تلك التي تنتمي للفترة الرومانية. و قد أشار فيرود (Feraud)،  في مقاله حول مدينة بجاية، أنه في 1849 كان يمكن رؤية أنقاض حصون زيانية في المنطقة. و يشير ديهل (Diehl) في كتابه المعنون بـ "اكتشافات علم الآثار الفرنسي في الجزائر و تونس" (1892) إلى "عدم اكتراث السلطات العمومية ، حتى لا نقول أكثر، بالحفاظ و استكشاف الآثار". كما أنه يذكر وقائع عن الإهمال و التخريب الإداري الفعلي : "الهيمنة الفرنسية كانت أكثر كارثية على الآثار الجزائرية من القرون الطويلة للبربرية الإسلامية...". في سنة 1844، كان لومبيز (Lambèse) لا يزال سليما. و قبله كان قد ندد ليون روني (Léon Renier)، في "إرشاداته"، بـ "نظام المركزية الأثرية". و قد جعله (أي نظام المركزية الأثرية) البند 16 من قانون 1887 حول المحافظة على الآثار التاريخية ساري المفعول على الجزائر. فكل شيء محجوز للدولة. هذا القانون، الذي أتبع بإنشاء مصلحة العصور القديمة (Service des Antiquités)، وضع نوعا من التنظيم الجيد، على الأقل بالنسبة لآثار الفترة الرومانية.

وإن وجد محافظو الأرشيف و المكتبيون بعض الصعوبات في فرض وضعهم باعتبارهم مثقفين- موظفين، فقد فرض المختصون في الآثار و المتاحف أنفسهم بشكل أفضل. فالرائد ليون روني، ألكسندر بالو (Alexandre Ballu) الأول، ستيفان جيزال (Stéphane Gsell) هم جامعيون و لكن أيضا مفتشون في مجال العصور القديمة مثل جيروم كركوبينو (Jérome Carcopino). أوجين ألبرتيني (Eugène Albertini)، لويس ليسشي (Louis Leschi) الذي أدار بعده مصلحة العصور القديمة ، موريس ريغاس (Maurice Reygasse) ثم جون ديسي-لامار (Jean Dessus-Lamarre) في متحف الباردو، جون جلينا (Jean Glenat) في مصلحة العصور القديمة التي أنشأها س. جيزال بمساندة من دومنيك لوسياني (Dominique Luciani) . في الأخير، و بوهران منذ 1920، انتزعت ملفا فانسان (Malva Vincent)، تلميذة جيزال، و مساعدة كركوبينو، ألبرتيني، ليسشي، من تنتوان إدارة الرابطة الأركيولوجية مع رئاسة جمعية غيوم - بودي، الحضانة و اللجنة من أجل حق النساء في الانتخابات. لقد تم انتخابها نائب سيناتور سنة 1945.

إن الموظفين المقربون من مركز القرار، الموظفون الذين يشغلون أو شغلوا مناصب سلطة التي سمحت لهم بكتابة نصوص (تقارير و في الأخير كتب)، هم الذين نجحوا في فرض أنفسهم محاورين للجامعيين. فيبدو أن القنصل ألفونس روسو (Alphonse Rousseau) و المترجم ش. فيرود (Ch. Feraud) لم يعرفوا جامعة الجزائر و لا حتى المدارس العليا، بل تردد عليها كل من مديري مصلحة شؤون الرعايا (الأنديجان) دومنيك لوسياني و أوغستين بيرك (Augustin Berque).

الرضى عن النفس، المجلات و المؤتمرات

ما بقي إذا يتمثل أيضا و بخاصة في المجلات و وثائق المؤتمرات. لقد كان لكلية الحقوق وسائلها الخاصة للتعبير: "المجلة الجزائرية....."، و لكن الجمعية التاريخية الجزائرية (S.H.A.) هي التي منحت كلية الآداب ما لم تستطع يوما الحصول عليه: مجلة. ف "نشرة المراسلات الإفريقية" لماسكوري و باسات لم تعد سوى ذكرى بعيدة. الواقع هو "المجلة الإفريقية"، الواقع هو المدير لوسياني، المحافظ بايسان (Paysant)، الإداري بيرك، الأرشيفي إسكار، الناشر غربونال (Carbonnel)[19]، المهندس بيفيا (Bévia) ... وهي ممرات لا بد من اجتيازها من أجل صناعة ذاكرة تاريخية. و لا يمكننا إلا أن نتفق مع فاني كولونا (Fanny Colonna) عندما تعتبر أن "درجة الاستقلال الذاتي عن الإديولوجيا المهيمنة و السلطة كانت منعدمة"[20].

هل كان بالإمكان أن تكون الأمور غير ذلك ؟ فعندما انعقد بالجزائر مؤتمر المستشرقين سنة 1905، تم تعيين روني باسات (René Basset) رئيسا، لوسياني نائبا للرئيس، و كان السكرتير العام إدموند دوتيه (Edmond Doutté) أو ج. إيفر(G. Yver)، و كان لكل المساعدين الآخرين مسؤوليات في إدارة التعليم و من بينهم رئيس مكتب السكرتير العام للحكومة. وقد تمَ توكيل مهام الشؤون المالية و المادية لموظفين اثنين في الحكومة العامة. و كان الأمر نفسه بالنسبة لكل المؤتمرات المنعقدة بمدينة الجزائر. فبموظفيها أو من دونهم، كانت الحكومة العامة تتدخل دوما ماليا و ماديا.

وقد حضر هؤلاء الموظفون السامون في المؤتمر الدولي للجغرافيا الذي انعقد سنة 1899، دائما بمدينة الجزائر. سنة 1902 بمناسبة ألفية تأسيس وهران، نظم مؤتمر للجمعيات الأكاديمية (Sociétés savantes) في هذه المدينة.

و قد كان التتويج سنة 1905 مع تنظيم المؤتمر الدولي للمستشرقين و مؤتمر الجمعيات الأكاديمية لفرنسا. أصبحت مدينة الجزائر بذلك مركز إشعاع ثقافي. لقد عرفت جمعياتها حماسا كبيرا كما قدمت "المجلة الإفريقية"، مع كثير من الرضى الذاتي، عرضا كاملا عن الإنتاج الفكري الاستعماري.

لقد وقع هؤلاء المثقفين الاستعماريين دوما تحت تأثير حركة مزدوجة: إبراز قدرتهم على الإنتاج المحلي للمعارف، للمعنى و للمعايير من جهة و من جهة أخرى كسب الاعتراف و القبول في جامعة باريس.

وفي الثلاثينيات من القرن الماضي، ومع التعبئة من أجل أعياد الذكرى المئوية، تم تنظيم المؤتمر الدولي الخامس لعلم الآثار في الجزائر و المؤتمر الوطني الثاني للعلوم التاريخية. ولم يشارك الجزائريون لا في هذا المؤتمر و لا في ذاك. وفي المؤتمر الثاني، كان بال (Bel) و بيرس (Peres) هما الوحيدين اللذين ذكرا، من خلال محتوى مداخلتيهما، أن هذا المؤتمر منعقد فعليا في الجزائر.

و لم تكن الأمور أحسن في المؤتمر الأول للجمعيات الأكاديمية لإفريقيا الشمالية سنة 1935. ففي المؤتمر الثاني الذي عقد بتلمسان سنة 1936، قام كل من عبد السلام مزيان، عبد القادر محداد     و عبد الحميد حميدو بتقديم مداخلات. أما المؤتمر الثالث الذي انعقد بقسنطينة، سنة 1937، فقد شارك فيه كل من رحماني سليمان، أبو بكر عبد السلام، عمار دهينة و أ. حميدو في حين انعقد المؤتمر الرابع و الأخير في الرباط سنة 1938.

خاتمة

عندما تتساءل فاني كولونا أيضا حول الأدبيات العلمية الاستعمارية و ترى "أن هناك سذاجة... عند المؤلفين الذين يجتهدون في إثبات وجود نزعة استعمارية في هذا العلم الاستعماري، و أن هناك سلطة في هذه المعرفة..." و أن "بعض المنتجين يمكنهم في بعض الظروف الخاصة إنتاج معرفة حقيقية..."[21]  فإنها تطرح مشكلا جوهريا: كيف يمكن أن يكون موقفنا تجاه هذا الإنتاج ؟ أو لا يتربص بنا خطر الخطاب الوطنياتي؟ ألا ينتج الرفض المسبق لهذا الإنتاج عن أحكامنا المسبقة ؟ هل نحن قادرون على إتباع مقاربة علمية في دراسة هذه الظاهرة التاريخية ؟ الحصيلة أن هناك حقلا واسعا للبحث لا زال بكرا يمكنه أن يساعدنا، عندما يتم "حرثه" و بحثه، على فهم أمور عديدة حول مواقف سياسية و إيديولوجية، في الماضي و في الحاضر.

في الحقيقة، و مهما كانت المخاطرة أو المحاكمة السيئة التي يمكن القيام بها، فإن المشكلة التي تطرحها فاني كولونا تبقى أساسية : فيما يمكن لإنتاج معرفة حقيقية أن يتعارض مع وجود السلطة ضمن المعرفة ؟ يبدو أن فاني كولونا تجيب عن هذا السؤال في خاتمة مقالها: "كان بالإمكان -      و يمكن-   للمنتجين القريبين جدا من السلطة أن تكون لهم مصلحة في الحقيقة لأن ذلك من مصلحة السلطة". ما كان يصلح بالأمس بالنسبة لهذا "العلم الاستعماري" يصلح اليوم أيضا لـ "علم وطني" محتمل. فالمشكل مشكل سلطة و ليس فقط مشكل معرفة.

ترجمة: صورية مولوجي قروجي

 

الهوامش

[1] L'Algérie politique. Histoire et société, Paris, PFNSP, 1974 ; puis avec LUCAS, Ph., L'Algérie des anthropologues, Paris, Maspéro, 1975 ; et ses articles dans la Revue algérienne 1970 et 1974 (avec A. MAHIOU), La Revue de l'Occident Musulman (1982) et l'Annuaire de l'Afrique du Nord (1979).

[2] Leimdorfer, François, Discours académique et colonisation. Thème de recherche sur l’Algérie pendant la période coloniale. (Le corpus des thèses de droit et lettres. 1880-1962), Paris, Publisud, 1992.

[3] Leimdorfer, François, « Objets de la sociologie coloniale. L’exemple algérien », in Tiers-Monde, n° 90, 1982.

[4] Colonna, Fanny, « Production scientifique et position dans le champ intellectuel                et politique. Deux cas : Augustin Berque et Joseph Despermet », in le mal de voir, Paris, UGE, 1976, Coll. 10/18.

[5] Rey-Godzeiguer, Annie, « Les historiens du Second Empire et l’Algérie », in revue d’Histoire Moderne et Contemporaine.

[6] Cheniti, Béchir, « Les sources françaises de l'histoire de l'Algérie romaine », in Madellat Tarikh.

[7] Gsell, Stéphane, Introduction... Histoire et Historiens de l’Algérie, Paris, Alcan, 1931.

[8] المرجع نفسه.

[9] يشير ش. تيلار في مؤلفه "محاولات في الببليوغرافيا..." بباريس سنة 1839 إلى صدور "قائمة ببليوغرافية بأسماء المؤلفين الذي كتبوا حول شمال إفريقيا منذ غزو العرب لهذه البلاد" و التي يعود الفضل في كتابتها إلى جيلبار المعنونة بـ "حول استعمار شمال إفريقيا".

[10] ينظر حول هذه الشخصية الدراسة التي قام بها جوليان ش. في المجلة الإفريقية، المجلد 65 (1925) و 66 (1966).

[11] Taillart, Charles, L’Algérie dans la littérature française. Essai de bibliographie méthodique et raisonnée jusqu’à l’année 1924, Paris, Champion, 1925.

يمثل هذا الكتاب مجموعة ببليوغرافية لمؤلف آخر يحمل نفس العنوان و ظهر في نفس السنة. المؤلف يعترف بدينه، خاصة، اتجاه بلايفير Playfair : « A bibliography of « Algeria، لندن 1988-1898. كما أنه قام بجرد 18 مجلة ظهرت في فرنسا و المجلات المحلية الأربع، و لكنه لم يقم يرجع إلى مجلة "الموجه الجزائري"

[12] Cf. Mercier, Gustave, « L’exploration scientifique de l’Algérie », in Initiation à l’Algérie, Paris, A. Maisonneuve, 1957, pp.325-343.

في الحقيقة لقد خصصت الصفحتان الأوليتان فقط لهذه الإصدارات.

Vatin, J.CL, « Science historique et conscience historiographique de l’Algérie coloniale ». I. 1840-1962, Annuaire de l’Afrique du Nord, vol. 18, 1979.

[13] Marcais, Géorges, Les arabes en Bergerie du XIe au XIVe siècle, Recueil des notices et mémoires de la Société archéologique de Constantine, 1913.

[14] مؤلف جماعي ينسبه فاتان عن خطأ لـروني باسات لوحده.

[15] ستون سنة من بعد، لا يزال يتم الرجوع و الإطلاع على أطروحته الجغرافية حول مدينة الجزائر (1930) وكتابه حول وهران (1938).

[16] Visages de l’Algérie, Paris, Horizons de France, 1953, p.9.

[17] لقد انتقد ديسبارمي في "نشرة لجنة إفريقيا الفرنسية" سنة 1933 بشدة مولد تاريخ وطني على يد كل من الميلي و المدني. كما لم يثر كتاب محمد صوالح : L’Islam et l’Evolution de la culture arabe, Alger, Soubirou, 1935 أي نقاش.

[18] كان هناك عمل جبار لا بد من القيام به على مستوى صحافة الحركة الوطنية و كتب التارخ. هكذا كتب مصطفاي الهادي بخصوص كتاب "ش.أ.جوليان" : "لا اعلم طبيعة الاستقبال الذي سيحظى به لدى القارئ الفرنسي. أما في الجزائر فمصيره مقضي. لقد أفرغت منه المكتبات، و الصحافة لم توليه أية أهمية"، جريدة الجمهورية الجزائرية بتاريخ 13 مارس 1953. و في العدد التالي يمكننا أن نقرأ: " كتابه الشجاع والصادق لم يسلم من إقصاء أحبار السلطة". فبالنسبة لمالك بن نبي، يعد جوليان "مؤرخا بارزا ودقيق" ( نفس المرجع بتاريخ 15 ماي 1953 ) ."يباع هذا الكتاب في 37 طريق دي شارت. 345 ف."

[19] جديد أدولف جوردان(Adolphe Jourdan)، المطبعي الذي حل محله و الذي حل هو نفسه محل إيبوليت باستيد(Hyppolite Bastide) أول أكبر ناشر و مطبعي في مدينة الجزائر.

[20] In Le mal de voir, Paris, UGE, 1977 coll. 10/18.

[21] Colonna, Fanny, op.cité.


A town in anguish: Mostaganem and the French occupation 1830-1833.

In national and officiaI mythology, the subject of resistance has a primordial place. Algerian town populations transformed by an intense national feeling, could have reacted violently to the French military occupation.

In fact, studying the urban structure, of a town such as Mostaganem, characterized by a strong segmentation, shows that the citizens reacted to occupation in various ways, in terms of their ethnic adherence and social positions.... The Mostaganem example could be extended to other towns.


 إن الأحداث التي سنتعرض لها هي التي شهدتها مدينة مستغانم و أحوازها. فتفسيرها لا يتحقق إلا إذا حللنا البنية الإثنية – الاجتماعية التي كانت تميز المدن الجزائرية قبيل الاحتلال الفرنسي. تندرج هذه المعالجة ضمن مقاربة تؤلف بين مفهومي البنية والحدث و نسعى من هذا التوليف إلى التعبير عن رفضنا للموقف الذي يتخذ الحدث كمعطى مسبقا يحدد لوحده الفعل التاريخي ونتائجه. نتبنى في مقابل هذا الموقف نظرة تشكل ضمنها البنية شروط وجود الحدث، ذلك أن الإنسان يصنع التاريخ في ظل ظروف ليست دائما من اختياره.

إننا نعلم أن فئات اجتماعية كاملة أحجمت عن مقاومة الاحتلال الفرنسي (الكراغلة و الأتراك في المدن)، بل حاربت إلى جانب الجيش الفرنسي دفاعا عن مصالحها السياسية وامتيازاتها الاجتماعية والاقتصادية. هل هي "خيانة في حق الوطن" كما يؤكده الخطاب التاريخي الرسمي؟ أم هو سلوك أملته ذهنية عامة كانت تميز هذه الفئة الاجتماعية؟

يميز مصطفى الأشرف بين مواقف الكراغلة والأتراك فيعتبرها "خيانة" وبين موقف "الحضر" الذي كان في نظره – صادرا عن شعور وطني صادق، إذ يقول: "إن الشعور الوطني الذي كان يختلج في نفوس الحضر شعور صادق.. ما في ذلك شك.. ولم يكن الشعور المدني عندهم أقل نماء من الشعور القومي"1 و الواقع أن الحقائق التاريخية كانت أكثر تعقيدا مما تصوره مصطفى الأشرف. فالتحليل الاجتماعي الذي يفترض دراسة التراتب الاجتماعي وخصائصه في المدن الجزائرية، بقصد توضيح مواقف الفئات الاجتماعية المختلفة من الاحتلال هو في نظرنا الأداة الكفيلة بتفسير الأحداث السياسية. إن واقع هذه الفئات الاجتماعية على اختلافها ومواقعها الاجتماعية والاقتصادية هي التي حددت مواقفها السياسية.

إننا اليوم، ونحن ندعو إلى إعادة النظر في كتابة تاريخنا الوطني، يجب علينا أن نتزود بالمناهج الحديثة وبالمقاربات الجادة لدراسة هذا التاريخ، دراسة تستهدف استخلاص أبعاده السياسية والاجتماعية. وإلا ظلت رؤيتنا إلى التاريخ الوطني قاصرة، لا تتجاوز التزويق والمجاملة بعيدة عن التاريخ بمفهومه العلمي والحديث.

1. مستغانم قبيل الغزو الفرنسي : خصائص التراتب الاجتماعي

تقع مدينة مستغانم على الساحل المتوسطي، شرق مدينة وهران، وتبعد عن هذه الأخيرة بحوالي 80 كلم. خلال القرن الثامن عشر، كانت أهم مركز لبايليك الغرب بعد تلمسان. يعود ذلك إلى دور الأندلسيين الذين قدموا إليها خلال القرنين السادس والسابع عشر، فارتفع عدد سكانها إلى 15000 نسمة2 ونمت نشاطاتها التجارية والحرفية وانتعشت الفلاحة بحوزها.

تشرف المدينة على منطقة خصبة تسقيها مياه وادي عين الصفراء ونهر الشلف الذي يصب في البحر شرقا. إضافة إلى ذلك، كانت منفذا تجاريا لمنتوجات المناطق السهلية و التلية  المجاورة مثل "مينا" و "الشلف" و تيارت  نحو الخارج. في مطلع القرن التاسع عشر، شهدت المدينة ركودا عاما، فتقلص عدد سكانها وتراجعت نشاطاتها التجارية والحرفية.

1.1. المدينة وسكانها: مخطط عمراني يخضع لتقسيم إثني

يجد التراتب الاجتماعي في مستغانم مفهومه في مخطط المدينة إذ أن تنظيم المجال العمراني أملته - عموما- تقسيمات إثنية بالدرجة الأولى. هكذا توزعت أحياء المدينة إلى أربعة أقسام وفق منطق إثنى كرس تفاوتا اجتماعيا مميزا.

1.1.1 مركز المدينة: البلدة

تتكون نواة البلدة من المسجد الكبير والسوق المركزي والحمامات الرئيسية ودار القايد (القصبة). وحولها تقع محلات التجار ودروب الحرفيين. وفي دائرة ثانية، تمتد مساكن الأتراك و الكراغلة والجالية اليهودية.

في هذا الحي، توجد أهم الصنائع التي اشتهرت بها المدينة حسب ترتيب يراعي الضرورات الايكولوجية. ومنها الحرف النبيلة مثل الحلي والمجوهرات ثم العطور والنسيج والأحذية التي تتسم كلها بقلة تلويثها للمحيط.

تتضمن البلدة المعالم الرئيسية للمدينة:

مسجد سيدي يحيى (الكائن بنهج عبد اللّه سابقا): بني في العهد العثماني.

الجامع الكبير حيث تقام خطبة الجمعة (الكائن بنهج البايليك) يعود تأسيسه إلى السلطان المريني "علي بن سعيد" الذي أمر ببنائه سنة 1341م. إنه أقدم مسجد بالمدينة، أغلقه الجيش الفرنسي في وجه المصلين على إثر الاحتلال ولم يفتح من جديد إلا سنة 1865 3.

ضريح سيدي "بوعجاج" وهو ولي صالح عاش إلى بداية الاحتلال الفرنسي ومسجده الذي بناه الأعيان (باب البحر).

المنازل الجميلة التي بناها أشخاص بارزون مثل المنزل الذي شيده "حميدة العبد" قائد الأمحال (قريب من الطبانة) والقصر الذي أقامه الباي محمد الكبير لقضاء العطلة4.

يقدر النقيب تارتارو5 (Tartareau) عدد الأتراك و الكراغلة بين 1800 و2000 نسمة. ارتفع هذا العدد قليلا، حين وفدت بعض العائلات التركية إلى المدينة سنة 1831 من وهران التي استولى عليها الجيش الفرنسي.

أما الجالية اليهودية التي كانت تقطن بدرب خاص بها (درب اليهود القريب من دار القايد) فتقدرها المصادر بحوالي 500 نسمة.

يحيط بالبلدة سور مرتفع يحتوي على أبراج للمراقبة أهمها برج "الأمحال" الذي يتوسطه (مكان السجن المدني). لقد شيده الباي مصطفى الأحمر سنة 1748 و يتصل بالخارج بخمسة أبواب : باب الشلف شمالا وباب أرزيو وباب البحر غربا وباب مجاهر شرقا وباب معسكر جنوبا. يعود بناء برج "الأمحال" إلى قائد هذه القبيلة المخزنية : حميدة العبد الذي أشرف على مستغانم في أواخر العصر الزياني6.

2.1.1 المطمر

تشكل البلدة و المطمر مدينتين واضحتي المعالم حيث كان لكل منهما سوره، ويفصل بينهما وادي عين الصفراء الذي يخترق مستغانم طولا. تقع البلدة على الضفة الشرقية للوادي بينما يقع "المطمر" على الضفة الغربية في أعالي المدينة.

يسكن الحي "الحضر" الذين يتكونون من أصول أندلسية أو عناصر ريفية سابقة صقلتها سنين التحضر. يتراوح عددهم بين 2000 و 3000 نسمة حسب تقديرات ضباط الجيش الفرنسي7.

تعود تسمية الحي إلى مخازن الحبوب التي بناها قايد الأمحال "حميدة العبد" في أعالي مستغانم.

توجد بالمطمر بعض المعالم مثل أضرحة البايات الثلاثة الذين ينتمون إلى الأسرة المسراتية: مصطفى بوشلاغم وابنه يوسف ومصطفى الأحمر. وقد اتخذ الباي بوشلاغم مدينة مستغانم عاصمة له لفترة قصيرة (1732- 1738) و بها أضرحة بعض الأولياء الصالحين مثل حمادوش وسيدي عبد اللّه بوقبرين.

يحيط بالحي سور يعلوه "برج الأتراك" الذي نجهل تاريخ بنائه. تقدر مساحته بــ 30 م2 و به مخازن واسعة وبئر صالح للشرب و 18 مدفعا. استمر في الاستعمال إلى سنة 1911 حيث تحول إلى مخازن عسكرية8.

3.1.1. تجديت و العرصة: أطراف المدينة

خروجا من المطمر عن طريق باب مجاهر نصل إلى حي "تجديت" (دار الجديد) يسمى الطريق المؤدي إليه "قادوس المداحين" حيث تتجمع المياه عند الوادي الذي يسقى هذا الحي. وكان هذا المكان ملتقى "المداحين" والشعراء في مواسم الفرح والأعياد.

و به توجد الحرف الملوثة مثل الذباغة ومعاصر الزيت ولوازم الحيوانات والأواني الفخارية...

يقع "تجديت" شمال المدينة ويقطنه "العرب" أي العناصر التي انتقلت من الريف للعمل في مطاحن الحبوب و ورشات الذباغة وبعض الأشغال المتواضعة. يعرف هذا الحي ببناءاته البسيطة وطرقه الضيقة الملتوية. تعرض للتخريب من قبل القايد "إبراهيم بوشناق" حين التحق سكانه بالمقاومة سنة 1831.

يوجد به مقام سيدي عبد القادر الجيلاني ومسجد "مول النخلة" وضريح إبراهيم بن عثمان حفيد الباي محمد الكبير9.

أما "العرصة" – سابقا الجديدة – وسماها الفرنسيون "قرية الليمون" فكانت حيا جميلا تحيط به غابة من أشجار الفواكه، يقع جنوب المدينة. تعرض للتخريب من قبل الجيش الفرنسي أولا ثم أقام فيه فرسان "المخزن" بقيادة الأغا محمد المزري الذي دخل في خدمة القايد "بوشناق" في أواخر سنة 1835.

تقدر المصادر عدد سكان الحي بحوالي 1000 نسمة قبل تخريبها.

4.1.1. المرسى

قبل تحرير وهران من الوجود الإسباني سنة 1792، كان ميناء مستغانم مركزا هاما لتجارة الغرب الجزائري، لكن نشاطه تقلص وتحول جزء من هذا النشاط إلى وهران التي أصبحت عاصمة البايليك.

خلال 1830، كانت منشآت الميناء بسيطة كما أصبح هذا الأخير غير صالح لرسو السفن الكبيرة. ويعود ذلك إلى كثرة الرمال به وتعرضه للرياح والزوابع في مواسم الشتاء. لذلك، فضل تجار المدينة تسويق منتوجاتهم (حبوب، بقر وخيول وغيرها) عبر ميناء أرزيو القريب10.

2.1. الحوز

لا يمكن فصل المدينة عن حوزها. فالحرف التي اشتهرت بها المدينة مرتبطة بموارد الحوز وإنتاجه. و في الحوز، توجد أملاك الفئات الاجتماعية الميسورة. فمزارع الكراغلة تقع في الإقليم الممتد بين مستغانم و أرزيو وتنتج عموما الفواكه والحبوب. أما مزارع "الحضر" فتمتد على أودية نهر الشلف و الربوات المطلة عليه (ربوات الحشم) وإقليم مزغران وتنتج الحبوب والكروم والزيتون واللوز والليمون والحناء.

تعود تنمية الحوز إلى جهود الأندلسيين الذين أدخلوا زراعة القطن إلى المنطقة منذ القرن السادس عشر وطوروا بعض الزراعات (أشجار الفواكه والزيتون) وأساليبها وأشتهر إقليم مستغانم بتربية المواشي والخيول التي كانت تعتبر أجود ما أنتجته الغرب الجزائري. إضافة إلى ذلك، كان الإقليم يحتوي على غابات هامة ومصادر مائية معتبرة.

خارج المدينة، تقع مطاحن الحبوب، تدار بالطاقة المائية (وادي عين الصفراء) كانت سابقا تكفي لسد حاجات المدينة و أحوازها لكنها عرفت نوعا من الإهمال لأن أربعا منها كانت تشتغل سنة 183011.

كانت هذه المطاحن ملكا للبايليك تشتغل بواسطة يد عاملة أجيرة وهي تحت احتكار القايد مباشرة.

3.1. خصائص التراتب الاجتماعي في المدينة : "الجاه مفيد المال"

يتعذر فهم التراتب الاجتماعي في مستغانم على أساس الثروة وحدها لوجود أسباب أخرى مرتبطة بالنفوذ السياسي عموما. وهذا النفوذ السياسي سماه ابن خلدون الجاه. فالوظيفة السياسية تؤثر على الثروة الاقتصادية وكذلك على الموقع الاجتماعي.

1.3.1. الأتراك والكراغلة

توصلت هذه الفئة إلى تكوين ملكيات عقارية وثروة مالية هامة جمعتها باستغلال نفوذها السياسي. تحتكر الوظائف السامية كالقيادة والإدارة والجيش والشرطة. لذلك تمكنت من احتلال قمة الهرم الاجتماعي.

تشير سجلات المحاكم الشرعية12 إلى أن نسبة 80% من الأملاك العقارية داخل المدينة وفي الحوز التي كانت ملكا للعائلات التي احتكرت الوظائف السياسية على اختلاف أنواعها.

ونستنتج من دراستنا للتقرير الذي وضعته الإدارة الفرنسية في جانفي 183413 أن الأتراك كانوا يجمعون بين "القيادة" العسكرية والإدارية والتجارة والريع. ومن الأسر التركية الشهيرة : أسرة القايد بوشناق، أسرة عثمان، أسرة حسين وأسرة باكير (خلافة)، وأسر أخرى مثل قارة، وقارمان وعلي بلهوان و كريتلي.

أما الكراغلة، فكانوا يجمعون بين الوظائف والثروة الاقتصادية كالتجارة والملكية الزراعية. فقد لاحظنا أن أملاكهم كانت تمتد بين مستغانم و أرزيو وتنتج الحبوب والفواكه. ومنهم أسرة قرطابة (تجارة) وأسرة بلهواري وأسرة ابن علي (تجارة وفلاحة) وأسرة مير– علي وفرع من أسرة ابن عليوة (فلاحة) وأسرة حسين رايس (حرفة).

تجمع هذه الشريحة الاجتماعية بين النفوذ والثروة. إنها تنظر إلى بقية الشرائح الاجتماعية على أنها أقل شأنا منها. تسكن في أحياء خاصة بها وتعتقد أن "عرقيتها" تدفعها إلى المعالاة وعدم مخالطة بقية السكان.

بينها وبين الارستقراطية الحضرية علاقات تتسم بالعداوة الناجمة عن التناقضات الاجتماعية والسياسية.

عند الاحتلال الفرنسي لمدينة وهران خاصة واندلاع المقاومة في الأرياف، طفت العداوات السابقة بين سكان الريف وسكان المدن، وبرزت الخلافات بين "الحضر" و الكراغلة وحال ذلك دون توحيد الصفوف في وجه الاستعمار.

رفض الأتراك و الكراغلة الذين كانوا يستأثرون بالوظائف السامية والثروة الاقتصادية الالتحاق بالمقاومة المناهضة لاستعمار. لقد كانوا يعتبرون أنفسهم أعلى مرتبة وأعظم شأنا من الرعايا. فذهنيتهم تملي عليهم عدم النزول إلى درجة التحالف مع سكان الريف والاعتراف بالقيادات الريفية الجديدة التي تزعمت المقاومة. إن حرصهم على مصالحهم السابقة دفعهم إلى الانحياز إلى الجيش الفرنسي والدخول في خدمته كما حملهم تخوفهم من المقاومة إلى التوهم بأن تعاونهم مع الإدارة العسكرية الفرنسية سيؤدي إلى تعزيز نفوذهم السياسي والمحافظة على امتيازاتهم الاجتماعية14. فقد تصوروا أنّ الجيش الفرنسي سيعيد لهم الاعتبار ريثما ينتهي من قمع حركة الانتفاض وإعادة الاستقرار إلى البلاد.

2.3.1. الجالية اليهودية

لا تشكل الجالية اليهودية فئة اجتماعية منسجمة إذ أنها تتألف من:

* تجار و وسطاء يملكون رؤوس أموال ومتاجر هامة بدرب اليهود والشارع الكبير. يعود أصلهم إلى مدينة ليفورنة الايطالية حسب نوربيت بلانج15 تخصصوا في التجارة الخارجية والقروض. كانوا قريبين من السلطة التركية.

* حرفيين وتجار صغار يشتغلون في "صناعة الحلي والمجوهرات" يستأجرون الحوانيت والدور من الأعيان اليهود وغيرهم.

* عمال بسطاء منهم: الحمالون (العتالة) إذ تؤكد وثيقة أن 36 من أصل 48 حمالا بمستغانم "كانوا يهودا يتقدمهم أمين المهنة شالوم ربوك"16.

منذ نهاية القرن الثامن عشر، انخفض عددهم باستمرار بسبب تدهور التجارة الخارجية والحرف في المدينة.  خلال القرن 18، كان عددهم يقدر بحوالي 1000 نسمة فانخفض إلى النصف ثم زاد في الانخفاض فيما بين 1830-1833 حسب تقديرات الجيش الفرنسي.

لم يعارض يهود مستغانم الاحتلال الفرنسي، بل كان موقفهم يتجه إلى تشجيعه ويعود ذلك إلى:

* وضعيتهم كأقلية دينية (أهل الكتاب) تحتاج إلى من يكفل أمنها. فقد تبين لها أن السلطة التركية أصبحت غير قادرة على ذلك بسبب الأزمة التي شهدتها الجزائر سنة 1830. لذلك مالت عموما نحو الجيش الفرنسي الذي أصبح حليفها الجديد. وقد شجعتها مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها مع يهود فرنسا إلى اتخاذ هذا الموقف.

3.3.1. الارستقراطية الحضرية

يمارس "الحضر" التجارة – خاصة تجارة الحبوب- والحرف المتنوعة والفلاحة في الحوز وكذلك بعض الوظائف الدينية مثل التعليم والقضاء.

اشتهرت عائلات أندلسية بصناعة النسيج و الزرابي والحياك والأغطية والغليون الذي كان يوزع في أقاليم البايليك17.

كان على رأس كل حرفة أمين يعينه القائد، فكانت وظيفته مزدوجة، يشرف على الحرفة وأصولها إذ كان يراقب جودة الإنتاج ويعاقب محاولات الغش و يبت في المنازعات بين الحرفيين    و الزبناء ويسهر على أسس الارتقاء في المهنة وفي الوقت نفسه، كان يجمع الضرائب لصالح القايد ويعمل على تنفيذ أوامره واشتهرت عائلات أخرى مثل السنوسي وابن عبد الله وابن حواء بإشرافها على الوظائف الدينية والثقافية. وامتلكت عائلات عريقة مثل "ابن عليوة" و "ابن صبران" و "ابن نابي" عقارات هامة في المدينة و الحوز كانت تدرّ عليها أموالا معتبرة.

إن هذه العائلات التي جمعت بين النفوذ الديني والثراء الاقتصادي هي التي كانت تشكل الارستقراطية الحضرية تتقدم عامة المدينة.

تميز موقف "الحضر" من الاحتلال والمقاومة بالتردد. في البداية، قرروا الدفاع عن المدينة من غارات البدو ومن أجل ذلك، اتحدوا مع الكراغلة والأتراك رغم العداوة التقليدية بينهم.

يعود ذلك التردد إلى الخلاف القائم بين المدينة والريف، إذ ينظر سكان المدن إلى البدو على أنهم "مصدر القلق والعصيان": يميلون دائما إلى نهب الأملاك وسلبها. وشجعهم على ذلك حال الفوضى والاضطراب الذي شهده الإقليم على إثر الاحتلال الفرنسي لمدينة وهران : عاصمة البايليك.

في أواخر سنة 1831، ظهر بعض التغيير على موقف الحضر، فهاجرت دفعة هامة18 منهم حي "المطمر" والتحقت بمزغران استجابة لدعوة الجهاد التي رفعها عامل السلطان المغربي "ابن العامري". فقد تمكن هذا الأخير من كسب مساندة أشراف إقليم مستغانم19 إلى جانبه، فراح يعمل على تنظيم المقاومة وإقرار الأمن والاستقرار بين القبائل.

كانت الدفعة الأولى من الحضر في مقدمة المجاهدين الذين كانوا يحاصرون المدينة ويهاجمون حاميتها العسكرية باستمرار.

و يبدو ذلك طبيعيا إذا أخذنا بعين الاعتبار عمق العداوة القائمة بينهم وبين الأتراك الذين رفضوا دعوة المقاومة والجهاد.

أما الدفعة الثانية (550 نسمة) فأجبرت على إخلاء الحي على إثر الاحتلال العسكري للمدينة في 29 جويلية 183320. والتحقت بالأمير عبد القادر الذي وزعها على القبائل المجاورة مثل مجاهر وأولاد سيدي بو عبد الله.

أما القوات الفرنسية، فاستولت على مساكن الحضر وحولتها إلى مرافق عسكرية وثكنات يقيم بها الجيش21.

4.3.1. البرانية

يعني البراني الرجل الذي يأتي إلى المدينة للعمل أو التجارة ثم يغادرها قبل غلق أبوابها في المساء، ويقابله "البلدي" الذي يقطن المدينة.

ويتألف "برانية" مستغانم من الجماعات البشرية التي كانت تقطن خارج الأسوار خاصة بحي تجديت. وكانت تتوزع حسب انتماءاتها القبلية والجغرافية في الحي، على شكل فرق وبطون يشرف عليها شيوخ يدعون بالأمناء.

يشكل "البرانية" خزانا بشريا لسوق العمل ومختلف الأنشطة التجارية والصناعية والأشغال العامة. يزيد عددهم أو يتقلص حسب متطلبات سوق العمل. يتكاثرون في فترات الانتعاش الاقتصادي ويتناقصون في فترات الركود. يعانون من الفقر عموما بسبب تعرضهم لاستغلال مزدوج : من قبل المؤسسة التركية التي كانت تشغل قسما هاما منهم في المطاحن والأعمال الأخرى، ومن قبل التجار وأهل الحرف الذين كانوا يفرضون عليهم الأعمال الشاقة مقابل أجور زهيدة (الذباغة، معاصر الزيت، و العتالة ...).

بحكم اتصالهم الوثيق بالبادية و وضعيتهم الاجتماعية، كانوا يتجهون إلى معاضدة القبائل ومؤازرتها ضدّ سكان المدينة. التحقوا بالمقاومة منذ اندلاعها سنة 1831، فكانوا يساعدون المقاومين في إحكام الحصار على المدينة. وكانت الغارات الأولى على الأسوار تنطلق من حي تجديت وحي العرصة الذي استقرت به فرقة من بني عامر.

لهذا السبب قرر "القايد بوشناق" تهديم الحيين بقصد تسهيل عمليات الدفاع عن مستغانم22 واضطر البرانية إلى الانتقال إلى القبائل والأرياف الأصلية لتدعيم صفوف المقاومة المناهضة للاحتلال.

2.الريف و التراتب الاجتماعي

يعتبر إقليم مستغانم من أصغر "أغويات" بايليك الغرب يحده شرقا إقليم "الشرق" وغربا إقليم "غرابة". تشكل مساحته مستطيلا طوله 12 ميلا وعرضه 8 أميال، إلا أن أراضيه كانت أكثر خصوبة و إنتاجا. فقد جمعت بين الزراعة وتربية الماشية والخيل.

يحتوي الإقليم على عدة قرى زراعية مثل مزغران – ماسرة- السور- يلل- عين بودينار اشتهرت بإنتاجها المتنوع: حبوب، خضر، عنب، قطن و بقر وغنم وخيول يتم تسويقها عبر مستغانم و وهران ومرسى الحجاج23.

تقطن الإقليم قبيلة "مجاهر" الشهيرة. كانت قبل 180824 مخزنية أي تقوم بالخدمة العسكرية لصالح البايليك مقابل إعفاءات ضريبية وامتيازات اجتماعية، لكنها تعرضت إلى القمع بسبب مؤازرتها لانتفاضة درقاوة فألغيت امتيازاتها وأضحت من الرعية تئن تحت الاستبداد العثماني.

إلى جانب هذه القبيلة، تعيش على أطراف الإقليم بطون من قبائل أخرى منها عشعاشة والحشم سيدي دحو، و عجيسة والرزايقية أدخلها الأمير عبد القادر ضمن آغوية مجاهر عملا بسياسته الإدارية التي كانت تهدف إلى توحيد القبائل في وجه الاستعمار الفرنسي.

في الريف، كانت العلاقات الاجتماعية قائمة على نظام الأنساب، وكان لهذه الأنساب – وهمية أو فعلية- دور هام في تعيين التراتب الاجتماعي. فالمجتمع الريفي، كانت تتصدره فئة الأعيان التي تتألف من الشرفاء والمرابطين. وقد تمكن عدد هام من هؤلاء من تكوين ثروات هامة بحكم نفوذهم الديني وموقعهم الاجتماعي.

كل شيء في الريف (توزيع الأراضي، جمع الضرائب، تنظيم الإنتاج البت في المنازاعات وتنظيم العلاقات الأخرى) لا يتم إلا بهم "لا عصبية إلاّ بالرؤساء". فالسلطة كانت بأيدي الأعيان. فهم الذين يكونون "الجماعات" ويحتكرون قراراتها. وإذا التحقت القبائل في إقليم مستغانم بالمقاومة المسلحة، فذاك يعود إلى الدور البارز الذي لعبه الشرفاء والمرابطون الذين دعوا الناس إلى الجهاد على عهد الأمير عبد القادر وقبله.

3.مستغانم في مواجهة الاحتلال الفرنسي 1830-1833

على إثر احتلال مدينة الجزائر في 5 جولية 1830، ساد جو من القلق والاضطراب ببايليك الغرب إذ أبدى الباي "الحسن بن موسى" استعدادا واضحا للتعامل مع الجيش الفرنسي. عارضه في ذلك مجموعة من الأعيان والحاشية يتقدمهم "الخليفة" "البرصالي" الذي غادر المدينة بمعية الكراغلة وفرقة عسكرية متوجها إلى تلمسان والآغا "المازري" الذي حث السكان على مغادرة مدينة وهران إلى الأرياف المجاورة. وفي 27 ديسمبر 183025، احتل الجنرال "دامريمون" (Damremont) المدينة "دون أن يتكلم وجه واحد من البارود" فقرر الباي الحسن بن موسى التوجه إلى المشرق وتجريد الحامية التركية من السلاح.

1.3. مستغانم فيما بين 1830  و 1831

في أوائل ديسمبر 1830، عقد القائد للقوات الفرنسية في الجزائر – الجنرال "كلوزيل" معاهدة مع باي تونس تنص على تعيين أحد أفراد الأسرة الحسينية بايا على وهران، وفي 6 فبراير 1831، نصب الأمير أحمد بايا على وهران وخير الدين قائما مقامه (خليفته).

إن هذا الباي هو الذي عين "إبراهيم بوشناق" قايدا على مدينة مستغانم وباكير خوجه خليفته. كان القايد إبراهيم من البوسنة، تقلد عدة مناصب في وهران منها ضابط فرقة السبايحية ثم قايدا على بلدة وهران قبل أن يعين على مستغانم وأحوازها.

وحين غادر قائم مقام الباي التونسي وهران لأن السلطة المركزية في باريس لم توافق على معاهدة "كلوزيل"، أبقاه المرشال دي فوداس "De Faudoas" في منصبه وأثبته في الخدمة الجنرال بوايه (Boyer) في ديسمبر 1831 حين خلف المرشال دي فوداس على قيادة القوات الفرنسية المرابطة بوهران.

كان القايد إبراهيم شخصية مغامرة، اتسم بعدائه للأعيان والأشراف، فكان يضرم نار العداوة التي قامت بين الحضر والكراغلة. وقد عارض انتشار حركة الجهاد إلى إقليم مستغانم إذ دعاه العامل المغربي "ابن العامري" إلى فتح أبواب المدينة والمشاركة في المقاومة. ولم يكتف برفض الدعوة بل كان يراسل القائد الفرنسي بوهران ويطلعه أسبوعيا على تحركات "ابن العامري" في الإقليم26 وحين طلب منه الشيخ محي الدين المشاركة في الجهاد رفض واستكبر كما رفض حين دعاه الأمير عبد القادر إلى البيعة.

ينبع هذا الموقف من موقعه السياسي والاجتماعي، إذا كان يعتقد أن انتمائه إلى فئة الأتراك التي تحتكر الوجاهة السياسية (الوظائف السامية) لا تسمح له بالنزول إلى مرتبة الحليف لمربط بن مرابط (أي الأمير عبد القادر). ولم يكن هذا الموقف فرديا بل كان موقف الجالية التركية والكراغلة ورجال المخزن الذين رفضوا المشاركة في المقاومة وتمسكوا بموقف العداء لبقية الرعايا.

ظل القايد إبراهيم على موقفه إلى غاية نهاية المقاومة. فقد تحصن بالمدينة وأسوارها وقاوم محاولات فتحها إلى غاية شهر جولية 1833 حيث عزله الجنرال "دي ميشال" فنقل إلى وهران لقيادة "فرقة الأتراك" برتبة عقيد27، ثم عينه الجنرال كلوزيل في جانفي 1836 بايا على مستغانم فبقى في الخدمة مدة إلى أن تم عزله من جديد بعد معاهدة تافنة.

كانت المحاولات الأولى لتنظيم المقاومة في الإقليم هي التي أشرف عليها العامل المغربي "ابن العامري" بمساعدة الأعيان والأشراف. اتصل "ابن العامري" على إثر قدومه إلى المقاطعة خلال مارس 1831 بأعيان "مجاهر" فاستجابوا لدعوة المقاومة والتحق بهم عدد من الحضر بمزغران. حينئذ ، حاصرت "مجاهر" وأهل "مزغران" مدينة مستغانم وحاولا فتحها لتأديب الكراغلة والأتراك الذين تربطهم عداوة سابقة.

لقد كان القايد "إبراهيم" على علاقة وطيدة بالجنرال "بوايه" في وهران. وكان هذا الأخير يشجعه على معارضة مشاريع ابن العامري والأعيان كما كان يحثه على حماية المدينة من غزوات "البدو". يقول في إحدى الرسائل التي وجهها له: " لقد عشت بين العرب خمسة عشر عاما، إني أعرف جيدا هذه القبائل العربية التي لا تحترم عهدا ولا تقيم قانونا. إنها تعيش على السلب والنهب ... فاحذر من مكرها ولا تغتر بوعودها"28.

كانت سياسة بوايه تعتمد على التفرقة بين القبائل حتى لا تجتمع كلمتها وتتحد مساعيها في وجه الاحتلال. وقد اعتمد على هذه السياسة لأنه كان يعتبرها أجدى من تنظيم الحملات العسكرية ضد القبائل التي كانت تحاصر الجيش الفرنسي في وهران، وتمنع وصول المؤن إليها من بعض القبائل. إن الفراغ السياسي الناتج  عن إفلاس السلطة العثمانية خلف تناقضات بين القبائل والأعيان. فعملية التوحيد لم تكن سهلة، كما لم يكن سهلا جمع الناس وتجنيدهم ضد الاحتلال الفرنسي: إن طبيعة المجتمع الموزع إلى قبائل حريصة على استقلال نفوذها، وإلى أعيان وأشراف يتنافسون حول الزعامة، وإلى فئات اجتماعية وشرائح متمسكة بامتيازاتها، كل ذلك أخر حركة التوحيد وحال دونها مدة من الزمن.

لقد استغل الجنرال بوايه هذا الوضع. يقول في تقرير له "أريد نشر الفوضى في البلاد .. لقد تمكنت بفضل المخبرين الطيعين وبفضل مراسلة منتظمة مع الجاليات التركية والكراغلة وبعض الأعيان من تفجير العداوة القائمة بين القبائل والمخزن وبين القبائل فيما بينها. فتارة أتصل بالزمالة والدواير لإثارتها ضد القبائل الأخرى، وكلما سعى محي الدين والمرابطون إلى جمع شمل القبائل وإطفاء نار الفتنة بينها، أقوم من بعدهم بتحطيم جهودهم فتعود الفوضى من جديد"29.

خلال هذه الفترة، تحصن سكان مدينة مستغانم – الجالية التركية والكراغلة والعائلات الحضرية التي لم تغادر المدينة – بأسوارها وقرروا الدفاع عن أملاكهم وحرمتهم من بطش القبائل المجاورة. إن العامل الذي دفعهم إلى التحالف رغم خلافاتهم التقليدية يتمثل في التناقض القائم بين الأرياف والمدن. فسكان المدن يعتبرون القبائل أقل شأنا منهم بسبب الفوارق الاجتماعية والاقتصادية. إن "الحضر" يرفضون فتح أبواب المدن التي يسكنونها في وجه أهل الريف أثناء الأزمات خوفا من تعرض ممتلكاتهم إلى النهب والسلب. أما سكان الريف، فيعتبرون سكان المدن سبب مشاكلهم، فالمدينة – باعتبارها مقر السلطة – تفرض استغلالا واضحا للأرياف.

2.3. مستغانم فيما بين 1832 و 1833

تدعمت علاقات الجنرال "بوايه" بالقايد "إبراهيم بوشناق"30 خلال جانفي 1832، زار القايد المذكور مدينة وهران وأبرم مع قائدها معاهدة تنص على تكفل الجيش الفرنسي بنفقات الحامية العسكرية بمستغانم، فيزودها باللباس و الدخائر ويدفع لها الرواتب، وفي المقابل تستمر هذه الأخيرة في الدفاع عن المدينة وحمايتها من هجمات القبائل والعامل المغربي "ابن العامري".

واعتبر الجنرال بوايه هذه المعاهدة انتصارا لسياسته التي لا تكلف "إراقة دم جندي فرنسي واحد". فحاول تعميمها على الحامية التركية التي تحصنت بقلعة "المشور" في تلمسان ورفضت تسليمها للمجاهدين.

ومنذ ذلك الوقت، تكررت هجمات "المجاهر" و "مزغران" على المدينة وفرضوا عليها حصارا شديدا. تؤكد الوثائق الفرنسية أن عدد هذه الهجمات بلغ خمسا خلال شهر أفريل 183231، لكن القايد إبراهيم تمكن من إفشالها بفضل قوة التحصينات والمساعدات العسكرية التي كانت تصله عن طريق البحر من وهران (بارود و دخائر بشكل خاص).

* وفي ماي 1832، يضطر عامل المغرب "ابن العامري" إلى مغادرة الغرب الجزائري وبذلك تنهار الأطماع المغربية في ضم وهران32.

غادر العامل المغربي الإقليم وبدأ الفراغ السياسي يهدد الوضع "فقامت العرب على بعضها البعض في كل ناحية ومكان وعمت الفتنة وعظمت البلوى .. مدة من الزمان"33 وبلغ القلق في المقاطعة ذروته، فاشتدت النزاعات بين القبائل وتقاتل الناس فيما بينهم لأبسط الأشياء. وكثرت أعمال النهب والسلب وظهرت الأمراض الفتاكة وغاب الأمن في المدن والطرق. ففي معسكر، انقسم السكان إلى ثلاث فرق تقاتلت فيما بينها 34وكادت الفوضى تفتك بالناس لولا تدخل الشيخ محي الدين: مقدم الطريقة القادرية وشيوخ الطرق الأخرى والعلماء. فانقدوا الموقف. يقول المازري: "فقام لإطفاء نارها العلماء والشرفاء والمرابطون سيما القطب الكبير سيدي محي الدين"35.

تولى هذا الشيخ، على إثر مغادرة العامل المغربي المقاطعة، قيادة المقاومة، فاتصل بشيوخ القبائل والعلماء ودعاهم إلى ترك الخلافات وجمع الشمل. فكان ينتقل من قبيلة إلى أخرى لفض النزاعات ومن مكان إلى مكان لتوحيد الجماعات وتهيئتها للمقاومة والجهاد. ففي أواخر ماي 1832، حل بمزغران واتخذها مقرا له لقيادة قبائل مستغانم وناحية الشلف وتنسيق هجماتها على الحامية التركية. واجتمعت فعلا قبائل "مينا" و الشرق" (مكاحلية و فليته وأولاد سيدي بو عيد الله) بالمجاهر وقادت هجوما واسعا على المدينة36.

واشتدت الهجمات على مستغانم في منتصف أوت 1832 37وكادت تسقط لولا المساعدات الفرنسية وغياب الخطة الواضحة في إحكام الحصار وتنسيق الضربات. فقد خالفت بعض القبائل تعليمات الشيخ محي الدين القاضية بعدم التعامل مع المدينة والامتناع عن البيع والشراء مع سكانها (سياسة المقاطعة).

في خريف 1832 (سبتمبر – نوفمبر) فكت القبائل حصارها للمدينة وعادت إلى مواطنها لتتفرغ لأعمالها الزراعية (فصل الحرث والبذر) فاغتنم القايد إبراهيم فترة الهدوء لإصلاح التحصينات وقام بتخريب البيوت القريبة منها وإتلاف البساتين المحيطة بالمدينة (حي العرصة على الخصوص).

كانت أسوار المدينة شديدة تشتمل على أبراج بها 19 مدفعا من عيار 12 واثنين من عيار 24 و 4 مدفعا من العيار الكبير (36). ورغم قلة عدد حاميتها38، تمكنت المدينة من التصدي للهجمات المتكررة.

كانت طريقة القبائل في الجهاد تقليدية، تهاجم في فصل الشتاء وموسم الربيع وتحجم عن المقاومة في مواسم الحرث والحصاد. تحاصر المدن وتقاطعها لكنها تلجأ إلى فك الحصار كلما شعرت بالحاجة إلى بيع محصولاتها الزراعية (حبوب ومواشي وخيول). ولم تنجح تعليمات الشيخ محي الدين الذي كان يدعو القبائل إلى فرض مقاطعة كاملة على العدو. إن هذه الأسباب هي التي تفسر فشل محاولات فتح مدن الغرب الجزائري مثل وهران وتلمسان ومستغانم رغم آيات البطولة والشجاعة التي كان يبديها المقاتلون.

في ديسمبر 1832، بايعت مجاهر ومزغران الأمير عبد القادر لكن أولاد سيدي العريبي وبعض قبائل الشرق امتنعت عن مبايعته. ومع ذلك، تجدد النزاع واشتدت الهجمات على مستغانم وأمر الأمير عبد القادر بإحكام الحصار وطلب من العروش التي تقطن بجوار المدينة إخلاء مواطنها والتراجع نحو الداخل لإنجاح الحصار.

كانت الشهور الستة الأولى من 1833 مسرحا لهجوم شامل وحصار شديد على المدينة فكادت تسقط هذه المرة لولا تدخل الجنرال "دي ميشال" الذي قرر الاستيلاء عليها في نهاية جويلية38. ففتحت مستغانم أبوابها أمام القوات الفرنسية، وأمر الجنرال الفرنسي إنهاء مهام القايد إبراهيم بوشناق والجالية التركية التي انتقلت إلى وهران، كما ألزم الأسر الحضرية على مغادرة المدينة وإخلاء حي "المطمر" لأنها رفضت الاحتلال العسكري الفرنسي39.

عارضت شرائح اجتماعية بكاملها - في الغرب الجزائري- (الأتراك والكراغلة في المدن وقبائل المخزن في الأرياف) مقاومة الاحتلال الفرنسي. إن وراء هذه المعارضة، أسبابا تتعلق بالتناقضات الحادة التي كانت تميز البنية الاجتماعية الجزائرية قبيل الغزو الفرنسي.


المصادر والمراجع

أ. المصادر

الوثائق العسكرية الفرنسية: قصر فانسان – المصلحة التاريخية للجيش:

المراسلات العسكرية بين قائد وهران العسكري والسلطات العسكرية:

1H8- 1H9- 1H10- 1H10- 1H11- 1H12- 1H13-1H14- 1H15- 1H16- 1H17- 1H18                            

الوثائق الأخرى: H225- H226- H234- H235- H242

وثائق محافظة ولاية وهران:

سجلات المعتمد المدني:    B-1-   B-2-   B-3

ملف مستغانم بتاريخ جانفي 1834 – رقم 2263.

جداول المؤسسات الفرنسية في الجزائر: سنة 1838 وسنة 1839 – وسنة 1840 وسنة 1841.

ابن عودة المازري، طلوع سعد السعود في أخبار وهران ... (2ج) تحقيق: ي بوعزيز، بيروت، 1990.

ب. المراجع

Bodin, M., Traditions indigènes sur Mostaganem (édition revue), Mostaganem, 1936.

Monsonego, J., Activité économique de Mostaganem (1830 à nos jours), Paris, 1950.

Rinn, L., Royaume d'Alger sous le dernier Dey, Alger, 1900

الأشرف، م.، الجزائر: الأمة والمجتمع (ترجمة ح. بن عيسى) الجزائر، 1883.

لواليش، ف.، الحياة الحضرية في بايليك الغرب، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، سنة 1992.

Belange, N., Ses Juifs de Mostaganem, Paris, l'Harmattan, 90.

 

الهوامش

1  م. الأشرف.- الجزائر: الأمة والمجتمع (ترجمة ح. بن عيسى). – ص.224.

2  حسب تقرير الضابط الفرنسي بيليون - Pellion- كان عدد سكانها 15000 نسمة خلال القرن 18، ثم انخفض هذا العدد بعد تحرير مدينة وهران سنة 1792، ثم زاد في الانخفاض إلى أن وصل إلى حوالي 2000 نسمة بين 1833 و 1834. أنظر كتاب تيرو Tireau.- مستغانم و أحوازها - مستغانم 1912 وحسب جدول المؤسسات الفرنسية بالجزائر: كانت مستغانم و مزغران و تجديت والعرصة – وهي مراكز الإقليم – تضم فيما بينها 40.000 نسمة خلال القرن 18. أنظر الجدول سنة 1838.

3 تيرو، المرجع السابق، ص.116.

4 لواليش فتيحة، الحياة الحضرية في بايليك الغرب، رسالة جامعية، جامعة الجزائر، سنة 1994، ص.94.

5 يعود تقرير هذا الضابط إلى سنة 1835... أنظر بودان – التقاليد الأهلية حول مستغانم، ص.ص.17-50. لا يذكر بودان عدد هذه العائلات التي انتقلت من وهران والأرجح أن يكون قليلا لأن جل أتراك وهران و الكراغلة هاجروا إلى تلمسان. يؤكد تقرير آخر بتاريخ جانفي 1832 أن عدد الأتراك انخفض إلى 246 نسمة وعدد الكراغلة إلى 504 نسمة. وثائق قصر فانسان- يعود هذا الانخفاض إلى الحصار المفروض على مستغانم.

6 كانت قبيلة "الأمحال" تضرب رحالها في إقليم "سيرات" حسب الشيخ أبوراس الناصر.

7 بودان، المرجع السابق، ص.51.

8  قصر فنسان، وثائق 1H11 و 1H12.

9  أنظر تيرو، المرجع السابق، ص.13 وبودان، ص.71.

10  تبعد مستغانم عن أرزيو بحوالي 8 أميال

11 بودان، المرجع السابق، ص.125.

12 تؤكد لواليش فتيحة في رسالتها : أن 80% من أملاك الوقف كانت في حوزة عائلات البايليك (أسرة المسراتي وأسرة محمد الكبير) والقايد (بوشناق) وأصحاب الألقاب كالوكيل، والحوجة والشاوش، ص.115.

13  وثائق ولاية وهران : تقرير عن مستغانم بتاريخ 17 جانفي 1834 تحت رقم 2263.

14 على إثر استيلاء الجيش الفرنسي على مستغانم، أجبر عدد هام من الأتراك والكراغلة، إلى الهجرة إلى تونس بعد أن فقدوا كل شيء بسبب الحرب والحصار. أما الفرقة العسكرية التي كان يقودها "إبراهيم بوشناق" فقد نقلت إلى وهران سنة 1836 وتّمّ تسريحها سنة 1837. فهاجر معظمها إلى تركيا وتونس. وثائق ولاية وهران رقم 2263.

15 ذكرته لواليش فتيحة في رسالة ماجستير، ص.53.

16 المرجع السابق رقم 2263.

17 جدول المؤسسات الفرنسية سنة 1838.

18 يبدو من تقرير فرنسي بتاريخ جانفي 1832 أن عدد الذين التحقوا بالمقاومة كان يتراوح بين 1000 و 1500 نسمة، إذ لم يبق بالحي سوى 550 حضريا – وثائق فانسان 1H11: تقرير، جانفي – فيفري 1832.

19 ألح "ابن العامري" على أعيان مستغانم وأرسل لهم عددا هاما من الرسائل يدعوهم فيها إلى المقاومة. وثائق فانسان،H9 – تقرير سبتمبر – أكتوبر 1831.

20 مهدت القوات العسكرية الفرنسية لهذا الاحتلال باستيلائها على ميناء "أرزيو" في 3 جوليا  من سنة 1833. – وثائق ولاية وهران، سجل المراسلات مع المقتصد العام رقم 33، سنة 1833.

21 جدول المؤسسات الفرنسية سنة 1838 ص 66. وكان السبب الذي دفع الجنرال "دي ميشال" إلى طرد "الحضر" هو معارضتهم لاحتلال المدينة. وكانت رغبتهم ألا تتجاوز علاقتهم بالفرنسيين مستوى المساعدات المادية والمعنوية.

22 وثائق ولاية وهران، جدول المؤسسات سنة 1838.

23 جدول المؤسسات الفرنسية سنة 1839.

24 ل. رين، مملكة الجزائر، ص.59.

25 غادر حوالي 10000 نسمة المدينة وبقي بها الفرقة العسكرية التركية والجالية اليهودية والأقلية الاباضية...

26 فسنان : الوثائق العسكرية: 1h11. في هذه العلبة توجد رسائل القايد إبراهيم الذي كان يوقعها بختم يحمل العبارة: "الوائق بالمنان إبراهيم بن عثمان" وهو يختلف عن إبراهيم بن عصمان بن محمد الكبير دفين مدينة مستغانم.

27 جدول المؤسسات الفرنسية سنة 1838.

28 الوثائق العسكرية – 1H10. كان الجنرال "بوايه" سابقا مستشارا عسكريا في مصر على عهد محمد علي.

29 الوثائق العسكرية – 1H17.

30 بمقتضى المعاهدة، أصبح القايد إبراهيم يتقاضى مرتبا شهريا 186 فرنكا (100 سلطاني) وخليفته يتقاضى 50 فرنكا. أما الجندي فكانت ماهيته 5 افلاس شهرية.

31 الوثائق العسكرية 1H13 : أيام 11،12،13،14، 15 أفريل.

32 المازري: ج2 ص.91، يعود ذلك إلى الضغوط التي كانت تفرضها فرنسا على سلطات المغرب وإلى المعاملة السيئة التي عامل بها "العامري" الأعيان والسكان.

33 نفس المصدر ص 93.

34 الوثائق العسكرية 1H17

35 المازري ج2 ص 94

36 الوثائق الفرنسية العسكرية 1H13

37 الوثائق العسكرية 1H17

38 تقدر الوثائق العسكرية عدد السكان خلال هذه الفترة بــ 247 نسمة من أصل تركي و504 نسمة من أصل كرغلي و550 من أصل عربي و50 يهوديا.

38مكرر- يرجع استيلاء الجنرال دي ميشال على مستغانم وأرزيو إلى أسباب تجارية عسكرية إذ كان هذا القائد يمنع الأمير عبد القادر من استعمالهما في تجارة الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى. – وثائق فانسان 1H16.

39 جدول المؤسسات الفرنسية سنة 1838.

Appels à contribution

logo du crasc
insaniyat@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Recherche