Cahiers Insaniyat



To a new development strategy: from the Nation-State to good governance. The Tunisian example

This article considers the emerging of the Tunisian state, whose beginning met with clashes between traditional institutions and the Nation state. This latter being victorious thanks to a cohesive discourse and a union of forces and social fractions, which contributed to independence But this situation (State triumph  )can’t continue to exist today considering the international context characterized by non governmental and governmental  organizations and institutions and their intervention in promoting human  rights, from associative movements to civil society. Thus the Nation state is exposed to outside pressure in favor of a “good governance” project.

Keywords: State - Tunisia - good governance - nongovernmental institutions - globalization - civil society.


مقدمة

إن التساؤل حول الدولة-الوطنية في عصر العولمة هي من القضايا الراهنة، فقد تمت دراستها ضمن حقول بحث متعددة. غير أن بعدها السوسيولوجي ظل إلى يومنا هذا غامضاً و ملتبساً. فضمن هذا الإطار يتحدد هذا العمل الذي يحمل على عاتقه بيان التغيرات الناجمة عن إصلاح الدولة في عصر العولمة ونتائجها الاجتماعية والاقتصادية على الدولة و المجتمع.

و من أجل دراسة هذه المسألة، سنقوم بإعطاء لمحة تاريخية عن المراحل التي مرت بها الدولة-الوطنية في تونس. سنسعى إذن إلى البحث عن أصول هذه الدولة و مراحل بنائها، مركزين بصورة جوهرية على تحولها من دولة العناية الإلهية، بل الدولة الاجتماعية إلى دولة تحكيمية، متسمة بالتخلي عن التزاماتها في مجال التنمية والمجالات الاجتماعية بصورة عامة والتي اعتبرت فيما مضى من صلاحياتها.

و في المقام الثاني، سنتطرق لمسألة الترابط بين ما هو محلي وما هو دولي في عصر العولمة و انعكاساتها على الدولة و المجتمعات المحلية. هل يتعلق الأمر باقتسام منصف للمجالات؟ الجواب عن ذلك بـ"لا". إن مجرد ملاحظة الأحداث، سواء كانت على الصعيد الوطني أو الدولي، كفيلة بأن تسمح لنا بالحكم على مصير الدولة التونسية و يتعلق الأمر باختصار، بتهديد جدي يستهدف الدولة التي ابتعدت عن المجالات الأساسية لأنشطتها الاقتصادية و الاجتماعية، الأمر الذي نجم عنه مشاكل عدة لها و للمجتمعات المحلية. و هي مشاكل أضرت بشرعية و  حكامة الدولة، ما يستلزم استراتيجية جديدة للتنمية.

تعتبر مجمل هذه التغيرات ذات الطابع الاجتماعي، الاقتصادي و السياسي من صلب تساؤلاتنا حول نوع الدولة التي نحن في حاجة إليها اليوم و كذا الأبعاد الأساسية لسياسة التنمية التي وجب علينا إبرازها.

الأمة التونسية: من الدولنة إلى التنصل من الالتزامات

لقد بينت كل من البحوث التاريخية و السياسية أن الدولة-الوطنية الحديثة كانت من صنيع أوربي. فعلاً، فقد أسس لويس الحادي عشر في منتصف القرن الخامس عشر هذا النظام السياسي الجديد الذي تتمثل مهامه في "تربية السكان و رفع مستوى معيشتهم باسم "الصالح العام للجميع" التي يتولى الملك السهر عليه"[1]. يتعلق الأمر إذا بحكومة تسعى إلى تحقيق الرفاهية المادية و الثقافية للسكان و الصالح العام للوطن، بدلاً من السعي إلى النهب المنظم لفضاء إقليمي.

و هكذا، فقد برز و انتشر تصور جديد للدولة، بداية من القرن السادس عشر في أوروبا الغربية، و هو تصور قائم على فكرة الجمهورية. لقد ارتبط السياق الاجتماعي و السياسي الذي قام عليه هذا التصور بعدد من المفاهيم الجديدة، ممثلة أساساً في التحديث و العلمنة و العقلنة. كان المفهوم الأول يشير في هذا السياق العام إلى جملة التغيرات التي طالت كافة ميادين الحياة، بينما ارتبط المفهوم الثاني بالأول و الذي اعتبر أحد معايير الحداثة. ذلك، أن العلمنة كانت قائمة على الفصل بين الكنيسة والدولة من جهة، وبين الكنيسة و المعرفة من جهة ثانية. "لقد انتهت عملية العلمنة بجعل المعرفة خارج تشريعات الكنيسة، فلم تعد هذه المعرفة تابعة بصورة حصرية لعلماء اللاهوت، فقد أصبحت من اختصاص العلماء أنفسهم"[2]. أما المفهوم الثالث، ممثلاً في العقلنة، فقد ظهر في نفس هذا السياق حيث اعتبر كل من التحديث و العلمنة مؤشرين مترابطين معها.

لقد مكَّنت مبادئ الدولة-الوطنية أوروبا الغربية من تطور اقتصادي واجتماعي وثقافي هائل بداية من القرن السادس عشر. و كان ذلك التطور نتاج عمل متضافر لعدد من السياسيين، و الاقتصاديين و الفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين سيكون من الصعب ذكرهم كلهم في هذا العمل.[3] و ما هو الحال، إذن، عن الدولة-الوطنية في تونس؟ من المؤكد، في تونس، أن هذه المبادئ قد تمت إعادة صياغتها من قبل نخب مغاربية في منتصف القرن العشرين، كما هو الحال في جميع بلدان المغرب العربي، و هذا ما يتجلى في الخطب السياسية.

على أية حال، فإذا كانت الدولة-الوطنية الحديثة والمستقلة لم تظهر إلا في سنة 1956، إلا أنه وجب التأكيد أن تونس استفادت من تقاليد طويلة و ثرية من خلال الهياكل الحكومية و السيادة السياسية التي ظهرت منذ تأسيس قرطاج سنة 814 قبل الميلاد. لقد استفاد هذا التنظيم الدولني (نسبة إلى الدولة) أيضاً من مختلف الاحتلالات السياسية التي عاشتها تونس طيلة تاريخها الطويل[4]. و عليه، فرغم الأصول العميقة للتنظيم السياسي، فلا يمكننا الحديث عن هوية-وطن قبل سنة 1956 و التي تشكل تاريخ الاستقلال. فعلاً، لقد عشنا، في فترات عديدة من تاريخنا، تحت سلطات متعددة، حيث كان السكان فيها يدينون لها، تزامناُ، بالولاء. و من جهة أخرى، وجبت الإشارة إلى أن القبائل التي كانت تشكل القاعدة السياسية السائدة في قسم كبير من عموم تونس لم تكن تابعة كلياً للسلطة المركزية. و تمثل ثورة علي بن غداهم سنة 1864 في هذا المجال واحدة من الأمثلة  لهذا "الذهاب و الإياب" بين الانتماء إلى الدولة و الانتماء إلى القبيلة.

فبفضل إعادة إحياء و  تنشيط المؤسسات التقليدية ذات الطابع القبلي انتشرت الحركة الثورية. لقد كانت هذه الثورة الشهيرة منذ بدايتها ردة فعل ضد الدولة الجابية، ذلك أنها اندلعت عقب مضاعفة الضرائب مرتين و التي كانت تسمى آنذاك بـ"المجبة" التي قام الباي بفرضها، لكنها كانت أيضاً سبباً في مناهضة السلطة المركزية التي عرّضت للخطر السيادة التقليدية للقبائل.

فلهذا السبب، ربما، كانت الحلول المقترحة من قبل ممثلي القبائل، و خصوصاً تلك التي كانت تعبر عن المشاغل السياسية المتجاوزة لمجرد إطار إصلاح بسيط للضرائب، مدركة في عمومها ضمن آفاق تقليدية أي تطبيق قانون "الشرائك/ Charaîque "، إلغاء المحاكم التي أنشأتها الإصلاحات الحديثة و استبدال "القياد" (القيادة الجهوية) ذات الأصول الأجنبية (المماليك)، بأشخاص يختارون ضمن كل قبيلة.

و هكذا، يمكن القول أن استقلال البلاد و تأسيس الدولة-الوطنية في منتصف القرن العشرين لم يكن مُدركاً عند الرأي العام للعديد من الفئات الاجتماعية كأي هوية، بل كان مدركاً بالأحرى، كوسيلة لتحسين ظروف حياة الشعب التونسي[5].

صحيح أن هذه الأطروحة تحتاج إلى مزيد من الأدلة لبيان صدقيتها، لكن الصحيح أيضاً أن دولة الاستقلال قد طرحت نفسها، معلنة، أنها هي الفاعل الوحيد الذي بإمكانه تحسين ظروف حياة كل الجماعات الاجتماعية و ضمان سعادة الشعب التونسي، و هذا التصور لقي إجماع مكونات المجتمع. لقد ركز الخطاب السياسي من جانبه على مبدأ تقسيم الخيرات وفق النزعة التعادلية في جو من العدل والسلام.

لقد استطاعت الدولة-الوطنية، منذ ميلادها، تبني خطاب سياسي اندماجي تمكن من تحييد و عزل كل القوى الاجتماعية و السياسية المختلفة. لقد قام هذا الخطاب الجديد، أساساً، على مفاهيم العدالة و التقدم وخصوصاً على مفهوم "الوطن التونسي" باعتباره المرجعية المشتركة و الجديدة لكافة التونسيين. لقد تأثر هذا الخطاب الجديد بالنموذج السياسي الذي تم إقامته بعد الاستقلال، ممثلاً في دولة العناية الإلهية (الرعاية الاجتماعية).

و بناء على ذلك، قامت الحركة التونسية، غداة الاستقلال، بإطلاق برنامج واسع لإعادة التنظيم و تنمية الاقتصاد الوطني، حيث أضحت الدولة فيه المقاول الرئيسي المكلف بإنجاز الأهداف التي حددتها منذ قيامها[6]. الأمر يتعلق ببرنامج عشري يشرف عليه فريق من التقنوقراط الذي يستهدف إقامة اقتصاد تعاوني ذي اتجاه اشتراكي. غير أن التأطير الإيديولوجي لم يكن ضمن أولوية القادة الجدد. فالأولوية بالأحرى كانت ممنوحة لبناء اقتصاد قوي، حديث و قادر على تلبية حاجيات كل فئات المجتمع التي كانت تشكل الجانب الأكثر أهمية في هذه السياسة، ذلك أن الدولة قد سبق و أن أعلنت، منذ الاستقلال، عن تصميمها و استعدادها للقيام بهذا الدور.

لقد أضحى الهدف، من الآن فصاعداً، تسريع و تيرة النمو الاقتصادي و انجاز المنشآت القاعدية، و هذا عن طريق إنشاء "أقطاب التنمية" الصناعية التي يفترض أن يكون لها مفعول على مجموع فروع الاقتصاد الوطني. و هو نمو يرتكز، نظرياً، على تواجد ثلاثة قطاعات:  قطاع الدولة المسؤول عن المشاريع الصناعية الكبرى و المنشآت القاعدية، و القطاع التعاوني المطلوب منه تأطير و تنشيط الزراعة الذي يأمل منه أن يمتد، تدريجياً، إلى فروع أخرى من الاقتصاد الوطني، و أخيراً القطاع الخاص المدعو لأن ينمو ويتطور شريطة أن يراعي، بصورة صارمة، توجيهات المخططين[7]. لقد حققت هذه السياسة الاقتصادية نتائج معتبرة للغاية تجلت في معدل النمو السنوي الذي تجاوز نسبة 5 % [8]. كما سمحت هذه السياسة بإنجاز منشآت قاعدية هامة و بناء مرافق و مؤسسات للدولة الحديثة .

صحيح أن تجربة التعاونيات كانت ضمن المحاولات الأولى للدولة في عملية التحديث و العدالة و التقدم غداة الاستقلال، لكنها كانت أيضاً، و هذا ما هو مهم في هذا العمل، ضمن الممارسات القائمة على النزعة التوجيهية المتسلطة التي حاولت الدولة الفتية أن تؤسسها في تونس، كما كانت واحدة من الآليات التي ظهرت فيها كفاعل واحد و وحيد حائز على السلطة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية. غير أن هذه التجربة لم تكن قائمة على استشارة السكان المعنيين، و لا هي أيضاً قائمة على دراسة مسبقة، الأمر الذي أدى بها إلى الفشل، فقد بدأ النظام التعاوني خلال فترة 1969 يترك مكانه لسياسة أخرى، ممثلة في السياسة الليبرالية.

لقد قدمت السياسة الجديدة نفسها كسياسة عقلانية و مستخلصة للعبر و الدروس من الإخفاقات السابقة. بالفعل، فإذا كان التصور القديم قد جعل من الدولة الحائز الوحيد للمجال الاقتصادي الوطني، فإن المقاربة الجديدة فتحت الطريق للرساميل الوطنية و الأجنبية. و في هذا الإطار، يشكل قانونا 1972 و 1974 المقدمات القانونية للاقتصاد الليبرالي. و انطلاقاً من ذلك تبنت تونس استراتيجية اقتصادية كان من أهدافها تشكيل و تطوير فئة من المقاولين الخواص و توفير جو من الحريات الاقتصادية كفيل باستعادة ثقة الحائزين على الرساميل بالدولة[9]. يتعلق الأمر، إذن، بتراجع استراتيجي للدولة و تحميل المجتمع المسؤولية في مجال التنمية.

غير أن النتائج المُتحصل عليها في سنوات السبعينيات كانت متباينة في ميدان الخوصصة. فقد احتفظت الدولة بمكانة و دور متعاظمين في المجال الاقتصادي، سواء تعلق الأمر بالتشريع و المراقبة و المتابعة أو الاستثمار. تجب الإشارة إلى أن مساهمتها في مجموع الاستثمارات قد انتقلت من 36 % خلال فترة النظام التعاوني إلى 42 % خلال هذه الفترة الثانية[10]. و لهذا السبب قررت الدولة زيادة تخليها عن المجال الاقتصادي و الاكتفاء بدور الحكم. لقد عرف المجال الاقتصادي، تدريجيا، خلال فترة الثمانينيات تدخل فاعلين أجانب جدد في ميدان التجارة العالمية.

لقد تسارعت عملية الانفتاح على الخارج بفعل سلسلة من القوانين الرامية إلى اجتذاب الرساميل الأجنبية و تشجيع الاستثمارات المحلية. بالفعل، فقد تم إصدار جملة من القوانين و خلق و  تدعيم مراكز ترقية و الإنتاج الاقتصادي (مثل وكالة ترقية الصناعة، وكالة ترقية الاستثمارات الزراعية، مركز ترقية الصادرات...). كما جرى تبني و دعم سياسة مالية لتحرير الاقتصاد في سنوات التسعينيات، عن طريق تخفيض قيمة الدينار التونسي و إعادة هيكلة البورصة (1990)[11].

و رغم ذلك، فإن الدولة لم تتمكن من تسيير متطلبات اقتصاد السوق. بل على العكس من ذلك، فإن سيطرة الدولة ما فتئت تتعاظم و تتفاقم، سواء كان ذلك في المجال الاقتصادي و الاجتماعي أو السياسي. فعلى الصعيد السياسي لم تقبل الدولة بالمرة وجود خطابات مخالفة لخطاباتها حتى و لو كان ذلك من النقابة. و بالفعل، فإن حركات الاحتجاج التي جرت في 26 جانفي 1978 تجسد بصورة واضحة التوتر بين الفئة الاجتماعية و المهنية الجديدة و الدولة المسيّرة. كما يجسد ذلك من جهة أخرى موقف الفئات الجديدة تجاه نزعات السيطرة و التسلط التي اتصفت بها الدولة.

أما في المجال الاقتصادي، فقد احتفظت الدولة بموقعها كرائد و مسير واحد و وحيد للحقل الاقتصادي. لقد شكل تدخلها المباشر في المؤسسات عائقاً في عملها وفق معايير التسيير السليم[12].

أما فيما يتعلق بالمجال الاجتماعي، المرتبط بالمجالين الأوليين، فيجب ملاحظة أنه لم تتمكن لا الدولة و لا المجتمع من تغيير نظرتهما حول بعضهما. بالفعل، فإذا كانت الدولة تعتبر نفسها كفاعل وحيد في الحياة الاجتماعية، و تعتبر المجتمع "غير قادر" على القيام بهذا الدور- و هذا ما لا يتوافق مع مبادئ الليبرالية-  فإن الأفراد يعتبرون أنفسهم "كأبناء الدولة" لهم الحق في العمل و التعليم و العلاج و الضمان الاجتماعي إلخ... و يعتبرون الدولة كمسؤول وحيد عن نوعية حياتهم المعيشية. إن "ثورة الخبز" التي اندلعت سنة 1984 عقب مضاعفة أسعار الحبوب، تجسد اتهام السكان للدولة في تقصيرها عن تحمل مسؤوليتها الاجتماعية[13].

لقد كان لهذا الحدث، في نظرنا، آثار حاسمة في التاريخ المعاصر للدولة في تونس. لقد برهن من جهة عن عجز الدولة-الوطنية عن تسيير هذا النوع من الأزمة الاقتصادية، و من جهة ثانية، عبر المجتمع بصورة واضحة عن تمرده و عصيانه تجاه هذه الدولة. لقد فهمت الدولة، على إثر ذلك، أن شرعيتها مطعون فيها، فقررت حينئذ التراجع عن قرارها، محتفظة دائماً بموقعها كدولة اجتماعية.

نهاية الدولة الاجتماعية و مسألة الشرعية: تحديات العولمة

لقد تميّزت سنوات الثمانينيات بأزمة اقتصادية عالمية كانت لها آثار مباشرة على الاقتصاديات الطرفية. إن تونس والتي تحملت طيلة العقود الأولى من الاستقلال سياسة اقتصادية تابعة تجاه الخارج، خصوصاً في مجال تمويل التنمية، كانت في مقدمة الدول المتأثرة بهذه الأزمة. إن المؤشرات الدالة على الدخول في الأزمة عديدة: التدني المحسوس لنمو الناتج الداخلي الخام، تفاقم البطالة، تدني القوة الشرائية للعاملين الأجراء، تراجع الاستثمارات، تراجع إنتاجية العمل، التدهور الملموس و المستمر في مردودية رأس المال، أزمة ميزان المدفوعات الخارجية و ما إلى ذلك[14].

استعانت الدولة التونسية في مواجهة هذه الأزمة بالمقرضين الدوليين و قد فرض هؤلاء سياستهم على البلاد، معتبرين الدولة الاجتماعية عديمة الجدوى الاقتصادية لأنها تعيق الدافعية إلى العمل و الحركية و الادخار، فسياساتها و حمايتها ستكون لها كلفة باهظة على حجم الاستثمارات و من ثم التشغيل. فضلاً عن أن الفوارق بين المداخيل الضعيفة ستحد من تباينات الاستهلاك و بالتالي تقلص الإنتاج القائم على الاستخدام المكثف لليد العاملة[15].

يتعلق الأمر بإجراء تعديل هيكلي، مرتكزاً على التدابير التالية: فتح الحدود، تخفيض قيمة العملة الوطنية، الأولوية المطلقة للصادرات، تقليص تدخل الدولة، خوصصة الجهاز الإنتاجي و قسم من الخدمات، إلغاء المراقبة على الأسعار الداخلية، تقليص كلفة العمل...إلخ[16]. تلخص هذه الإجراءات، حسب تعبير يورغن هابرماس، عملية انتقال من اقتصاد موجه نحو الطلب إلى اقتصاد موجه نحو العرض. وهو انتقال يوضح تحول وتفكك الدولة الاجتماعية "كنتيجة مباشرة لسياسة اقتصادية موجهة نحو العرض، مستهدفة في الآن نفسه تحرير الأسواق، و تقليص الدعم و تحسين شروط الاستثمار، و الميل نحو سياسة مناهضة للتضخم و كذا تخفيض الضرائب المباشرة، و خوصصة المؤسسات العمومية و إجراءات أخرى على هذا النمط"[17].

و بالتالي، فإن تراجع دور الدولة في المجال الاقتصادي وضياع موقعها كفاعل وحيد سيفقدها شرعيتها الاجتماعية و السياسية القائمة على مبادئ تصفية الاستعمار و العدالة و التقدم و رفاهية الجميع. و هي مبادئ عمل المجتمع على استبطانها منذ أكثر من عشريتين، ذلك أن غالبية التونسيين، و هذا حسب رأي عزام محجوب، كانوا يعتبرون الدولة فاعلا مركزيا، مسهما بصورة حاسمة في عملية النمو الاقتصادي، و مخففاً من تقلبات الأزمات الدورية عن طريق السياسات المالية و النقدية، و محافظاً على الاستقرار الاجتماعي و السياسي[18].

إن تراجع دور الدولة على الصعيد الاقتصادي، بفعل إملاءات المقرضين الدوليين، لا يمكنه أن يتم دون حدوث اختلالات خطيرة[19]. فعلاً، فقد كان لتطبيق برنامج التعديل الهيكلي انعكاسات هامة في كل المجالات و على جميع الفئات الاجتماعية. فعلى الصعيد الاجتماعي، يمكننا أن نذكر جملة من التغيرات الضخمة: فضلاً عن الخوصصة المتسارعة للمؤسسات العمومية و ما ترتب عنها من تسريح أعداد كبيرة من العمال، فقد طال تراجع دور الدولة الاجتماعي كل أشكال الدعم المرتبط بقوة العمل. و من جهة أخرى، فقد ارتفعت الأسعار بصورة متسارعة طالت مختلف المواد من ضمنها تلك المواد المدعمة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة من قبل "الصندوق العام للتعويضات" أو من قبل المؤسسات العمومية (خبز، زيت، ماء شروب، أدوية، كهرباء، نقل...). كما قامت الدولة بتخليها عن التكفل بالخدمات الاجتماعية التي كانت تقدمها من قبل (خصوصاً في مجالي الصحة و التعليم)، و قد تم الإعلان عن ذلك بصورة صريحة منذ المخطط السابع للتنمية (1987-1991)، مسلّمة دورها لرأس المال الخاص[20]. و قد نجم عن هذا التراجع المفاجئ للدولة ظهور أزمة معممة. أولاً، أزمة مشروعية اقتصادية و اجتماعية التي تعيشها الدولة في زمن العولمة. في الأصل، كانت الإجراءات التي اتخذتها الدولة، حتى و إن كانت من إملاءات خارجية، تستهدف بناء علاقة الدولة بالمجتمع. و ثانياً، أزمة مشروعية سياسية طالت معظم البلدان السائرة في طريق النمو نتيجة إخفاق الحكومات الوطنية في إعادة التوازن الاقتصادي وفرض قوانين متوافقة مع خيارات الناخبين. هناك انتخابات متعاقبة و برامج انتخابية متشابهة غير أن قلة من الحكومات كانت تفي بالتزاماتها[21]، و هذا ما يجيز لنا بالتالي الحديث عن أزمة ثقة. فعلاً، لقد فقدت الشعوب الثقة في قدرة الحكام على تجاوز الأزمات المعممة، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي.

فضلاً عن أزمة المشروعية هذه، فإن الدولة-الوطنية تجد نفسها في مواجهة تهديد مزدوج: تهديد من العولمة و ما تفرضه من تنميط و توحيد معايير الاقتصاد بفعل التفاعل المترابط و المنافسة بين مختلف الفاعلين، و تهديد أيضاً من سوء الحكامة. تقوم العولمة في أساسها على ثورة تقنية في غاية الأهمية، ممثلة في إلغاء المسافات بفعل تقدم الاتصالات[22].

بما أن سلطة الدولة-الوطنية تقوم في جوهرها على مسافة، ذلك أن هذه الأخيرة تعطي معنى لإقليم وطني ذي سيادة، فإن هذه السيادة يخشى أن تفقد تحت ضغط و تأثير متطلبات اقتصاد السوق. كما يُخشى أن تفقد الدولة أيضا موقعها كفاعل على ترابها و إقليمها، ذلك أن العولمة تسمح بظهور عدد كبير من الفاعلين، الذين سيكون لهم فعلهم الخاص على الصعيد الدولي، و إرادتهم السياسية أو سيمارسون على الدولة ضغوطاً لحملها على التدخل في الساحة الدولية[23]. يمكننا الحديث في هذا الإطار عن رأي عام دولي يتأسس و يتطور بصورة افتراضية و الذي يمكن أن ينفلت عن كل رقابة حكومية، مهملاً بصورة متزايدة دور الدولة. الأمر يتعلق بعملية تفكيك كامل للمؤسسات الكلاسيكية للسلطة و المراقبة[24] التي يمكنها أن تقوم بتسيير تنامي الارتباطات المتبادلة سواء على الصعيد الوطني أو الدولي.

إننا نشهد في واقع الأمر نهاية الدولة-الوطنية التي تجد نفسها متجاوزة بفعل الأحداث. تتجسد هذه النهاية في تدمير الحدود و تنميط و توحيد معايير السياسات الاقتصادية و الاجتماعية على الصعيد الدولي الذي يجد نفسه هو أيضاً تحت سيطرة فاعلين جدد. و يصبح السوق هو الذي يقرر كل شيء. تلك هي، بصورة من الصور، إحدى المبادئ الأساسية للعولمة وواحدة من الدلالات الأكثر وضوحاً للمفهوم الجديد "للحكامة الدولية" التي تعني أيضاً الانتقال من مركزية السلطة على المستوى الوطني إلى مركزية السلطة و القرار على الصعيد الدولي. و هذا ما نلاحظه في نشأة المنظمات الدولية مثل "المنظمة الدولية للتجارة"، التي حددت في بداية نشأتها "كتنظيم يشير إلى ميلاد دولة القانون التي يخضع فيها العالم كله لنفس القواعد و القوانين[25]". و لكن أي قواعد و قوانين يتعلق الأمر؟

ليست العولمة شوملة للاقتصاد بالمعنى الذي تمتد لتشمل فوائدها، بصورة متجانسة، أعداداً متزايدة من البلدان و السكان. فهي على العكس من ذلك، عولمة "مقصية"، حيث لا توجد في فضائها حظوظ متساوية[26] بين المؤسسات و السكان و بلدان العالم. الأمر يتعلق هنا، إن جاز التعبير، بقانون الأقوى حيث لا يمكن فيها لا للدولة و لا لمجتمعات بلدان الجنوب أن تلعب أدوارها الكلاسيكية في الحكامة و ضبط و مراقبة إقليمها الذي باتت تخترقه استراتيجية من ظهر هو الأقوى.

أي نوع من الدولة نحن في حاجة إليه اليوم؟ الاتجاه نحو قواعد جديدة للتبادل بين الدولة و المجتمع

ما فتئت الحكومات في العالم كله، شمالاً و جنوباً، تؤكد، مع نهاية كل سنة، على النمو الاقتصادي المتحقق في بلدانها. غير أننا نلاحظ، في ذات الوقت، في مختلف تقارير المنظمات الأممية، مثل برنامج الأمم المتحدة للتنمية، و المنظمة العالمية للعمل، أو مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة و التنمية، أن النتائج المتحصل عليها و المتعلقة بالتنمية البشرية لازالت هزيلة جداً. فعلاً، إن الفقر و البطالة و اللامساواة... إلخ التي اعتبرت دوماً من المهام ذات الأولوية في برامج الحكومات ما فتئت تتزايد، سواء في شمال الكوكب أو جنوبه. و هي وضعية باعثة على الغضب و الثورة التي لم تعمل الثروات الإجمالية (بمفهوم الناتج الداخلي الخام) إلا على زيادتها[27].

لقد أصبح النمو الاقتصادي اليوم أكثر ارتفاعاً في معظم بلدان العالم بفعل الزيادة الكبيرة للإنتاج، و التبادل وتداول رأس المال على الصعيد العالمي، غير أن أزمة نموذج التنمية الجديد لازالت انعكاساته محسوسة بشكل متنامي. و إذا قامت كل الجماعات الموجودة اليوم بتأسيس شرعيتها و متطلباتها و آمالها في علاقتها بالعولمة و انعكاساتها[28]، فستجد نفسها أمام النظام الدولي الواجب الانخراط فيه أكثر انغلاقاً، و يستفيد منه الفاعلون الأكثر قوة و الذين يمكّنهم موقعهم هذا من تسيير إزالة الحواجز في وجه السلع و تداول رأس المال على الصعيد الدولي. و بالتالي ستجد معظم الدول نفسها مهمشة بصورة متنامية. و سوف لن يكون بإمكان الفاعلين الكلاسيكيين القيام بأي دور ولا التفاوض على المستوى العالمي كما كانوا يفعلون ذلك ضمن حدود إقليمهم الخاص. و ستجد الدولة نفسها هنا، دون شك، أول الفاعلين المستبعدين.

فإقصاء الدولة و استبعادها لا يمكنه إلا أن يولد تنامي اللامساواة الاجتماعية داخل حدود البلد نفسه و ما بين الدول، كلها مطالبة، في معظم الأحيان، بخوض غمار المنافسة رغم أنفها. و يترتب عن ذلك فقدان فئات اجتماعية-مهنية واسعة لمناصب عملها و مداخيلها و وسائل التحرك. أما الدول، فسيجد الكثير منها نفسه مهمشاً على نحو متزايد و متأثراً بالمنافسة الدولية الشرسة، حيث لا يمكن لهذه الدول أن تحظى بأي مكان فيه.  فالخيارات المتاحة للدولة-الوطنية أصبحت متضائلة أكثر. يوجد من بين هذه الخيارات، خياران مقصيان و هما: النزعة الحمائية و العودة إلى سياسة اقتصادية قائمة على الطلب. لا يمكن القيام بوظائف الدولة الاجتماعية إلا إذا جرى نقلها من الدولة-الوطنية إلى وحدات سياسية التي عليها أن ترتفع إلى مكانة تلعب فيه دوراً اقتصاديا بات عابراً للأوطان[29]

و على رغم أن الدولة تخلت عن الدور الاقتصادي و الاجتماعي، فلازالت، مع ذلك، تحتفظ بسلطة واسعة على الفئات الاجتماعية المعوزة. و هكذا، نلاحظ، ما كان بيار بورديو يسميه بازدواجية الدولة: من جهة هناك الدولة التي تقوم بتأمين الضمانات الاجتماعية، لكن للمحظوظين، و من جهة أخرى هناك الدولة القمعية، البوليسية للشعب[30]. إن هذا الطابع "الازدواجي للدولة" يعود، في نظرنا، إلى فقدان مشروعيتها بسبب تخليها عن الميدان الاجتماعي.

صحيح أن تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي ترتبت عنه خيبة أمل شاملة من جانب الفئات الشعبية تجاه الدولة و ريبة و عدم ثقة تجاه النظام في مجمله. و يعني هذا أننا لازلنا في حاجة إلى الدولة و يجب علينا الدفاع عنها و خصوصاً عن دورها الاجتماعي. سنحتاج، من أجل تسيير مجمل التحولات الاجتماعية و السياسية الدولية، إلى علاقة جديدة بين الدولة و المجتمع التي تتأسس لا على الزبائينة التي ميزت لفترة طويلة هذه العلاقة، و إنما على مبادئ الحكم الراشد. يجب على هذه الاستراتيجية أن تقوم على نوع من التوافق و التكامل بين دولة فعالة و مجتمع مدني فاعل و قطاع خاص ديناميكي. و بقدر ما يشغل المجتمع جانباً أكثر اتساعاً و أهمية  في فضاء كان في السابق حكراً على الدولة، بقدر ما تتمكن هذه الأخيرة من تنظيم تدخلاتها و تسهر على المحافظة على مصالح كل المجموعات.

و في هذا الإطار، تركزت العلاقات الدولية المتعلقة بالتنمية البشرية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة[31] حول فكرة مفادها أن نجاح التنمية مسألة سياسية بقدر ما هي اقتصادية. فعلاً، فإن هدف التقليص الدائم للفقر يتطلب إعطاء السلطة للفقراء عن طريق تبني أنماط متينة من الحكامة الديمقراطية على جميع المستويات. إن هذا "الوعي الدولي" لأهمية نقل السلطة بين الدولة و المجتمع المدني باسم الحكم الراشد ليس بالأمر الغريب، بل بالعكس من ذلك. فقد أشارت وثيقة صادرة عن  "برنامج الأمم المتحدة للتنمية" و التي ظهرت سنة 1997[32] إلى أهمية التوليف و الربط بين "الكينونة والملكية" و"الحقوق والواجبات" المتعلقة بجماعة المصالح المشتركة و الأفراد أنفسهم في إطار استراتيجيات جديدة للتنمية البشرية.

يمكن عرض أهم ما جاء من مبادئ الحكم الراشد، كما حددتها العديد من وثائق "برنامج الأمم المتحدة للتنمية" (PNUD)، في ما يلي[33]:

المشاركة

يجب أن يكون لكل الرجال و النساء صوت في مجال اتخاذ القرارات، بصورة مباشرة أو بواسطة المؤسسات الشرعية التي تمثل مصالحهم. تقوم المشاركة الواسعة على حرية التجمع و التعبير، وكما تقوم على القدرات الضرورية للمشاركة بصورة بناءة في اتخاذ القرارات.

أولوية القانون

يجب أن تكون الأطر القانونية عادلة و نصوصها مطبقة بصورة حيادية، خصوصاً القوانين المتعلقة بحقوق الإنسان.

القدرة على التعديل

يجب أن تكون غاية المؤسسات و الإجراءات هي الاستجابة لحاجيات كل الأطراف المعنية.

توجيه الإجماع

يلعب الحكم الراشد دور الوسيط بين المصالح المختلفة بهدف الوصول إلى إجماع على كل ما من شأنه أن يخدم مصالح الجماعة، و عند الاقتضاء، الإجماع على السياسات و الإجراءات.

الإنصاف

 لكل الرجال و النساء إمكانية تحسين شروط حياتهم أو الإبقاء عليها.

المسؤولية

 على صناع القرار على مستوى الحكومة، و القطاع الخاص و منظمات المجتمع المدني واجب تقديم الحساب للجمهور و كذا للأطراف المؤسساتية المعنية.

الرؤية الاستراتيجية

 تعني الرؤية الاستراتيجية امتلاك كل من القادة و الجمهور آفاقاً واسعة على المدى البعيد لمفهوم الحكم الراشد و التنمية البشرية. كما تعني فهمهم لجميع المعطيات التاريخية و الثقافية و الاجتماعية في تعقيداتها المندرجة ضمن هذه الآفاق.

يتحدد مفهوم الحكم الراشد، إذن، بفعالية الفاعلين، و إنصافية الجماعة و أولوية القانون. كما يحرص على أن تكون الأولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية قائمة على إجماع واسع على مستوى المجتمع و مختلف الفاعلين. كما يقوم الحكم الراشد على تسهيل وضمان ولوج المجموعات الاجتماعية -التي ظلت و لمدة طويلة مقصاة- إلى الحياة العمومية و مجال اتخاذ القرارات، خصوصاً النساء و الشباب و  الفقراء و الأقليات...إلخ.

الخاتمة

و ختاماً، و بعد اطلاعنا على مختلف خصائص عملية التنمية في تونس، يمكن القول أن المبادئ المترابطة للحكم الراشد كانت غائبة في كل سياسات التنمية المتبعة من قبل الدول-الوطنية في البلدان المتخلفة. و ربما، بسبب ذلك، باءت نماذج التنمية التي تعاقبت خلال السنوات الطويلة، و في كل أنحاء العالم، بالفشل[34]. إن هذا النوع من العلاقة بين الدولة و المجتمع هو ما كان يجب علينا، بالأحرى، الدفاع عنه، محلياً و دولياً. و هي علاقة يجد فيها كل فاعل، أيّاً كان، مكانته ويمكنه الإسهام في تنمية الإنسان و العالم كله. فالحاجة إلى دولة فعالة باتت أهميتها ملحّة بصورة متزايدة.

Bibliographie

Delcourt, J. (1992), « Globalisation de l’économie et progrès social ; L’Etat à l’heure de la mondialisation », Revue futuribles, Avril.

Dujardin-Lacoste, C. et Lacoste, Y. (1991), L’Etat du Maghreb, Tunis, Cérès Productions,.

Elmannoubi, K. (1993), Industrialisation et compétitivité en Tunisie, Tunis, Editions l’or du temps .

Elmelki, H. et Santucci, J.C (S/D) (1990), Etat et développement dans le monde arabe, Paris, Editions du CNRS.

Habermas, J. (2000), Après l’Etat-nation. Une nouvelle constellation politique, Traduits de l’allemand par Rainer Rochlitz, Paris, Fayard.

Hermassi, A. (1998),  Etat et développement au Maghreb. L’exemple tunisien, Tunis, Cérès Productions, (Texte en arabe).

Horman, D. (2001), Mondialisation excluante, nouvelles solidarités, Paris, L’Harmattan.

Lahmar, M. (1994), Du mouton à l’olivier; Essai sur les mutations de la vie rurale maghrébine, Tunis, Cérès Productions.

Moala, M. (1992), L’Etat tunisien et l’indépendance, Tunis, Cérès Productions.

PNUD: La gouvernance en faveur du développement humain durable: Document de politique générale du PNUD. Consulté sur Internet: www://magnet.undp.org/docs/UN98-21.PDF/Govfre.htm

Roy, J.L. (1995), Mondialisation, développement et culture, Québec, Editions Hurtubise HMH.

Valaskakis, K. (1992), « Mondialisation et gouvernance; le défi de la régulation publique planétaire », Revues futuribles, N°235, Avril.

Zghal, A. (1970), « La participation de la paysannerie maghrébine à la construction nationale », Revue tunisienne des sciences sociales, N°22, 7ème année, Juillet.

ترجمة: مصطفى مرضي

 الهوامش

 *مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات العدد 39، 40 سنة 2008.

[1] Beau, P. (2006), Louis XI, créateur de l’Etat-nation, Consulté sur Internet : www.solidariteetprogres.online.fr   (25 avril).

[2] Boudon, R. et Bourricaud, F. (1982), Dictionnaire critique de la sociologie, Paris, PUF, p. 400-401.

[3] لنذكر في هذا الصدد فكرة الفيلسوف مونتيسكيو حول توزيع السلطات (التشريعية، القضائية والتنفيذية) المميزة لنوع معين من التنظيم السياسي الذي يسميه بالـ"الأمة". كما أشار مونتيسكيو أيضاً إلى أن النظام الاجتماعي كلما كان قائماً على وجود نظام سياسي حديث كلما كان البشر متمدنين، ساعيين إلى الاحتكام في علاقاتهم إلى القوانين. ولنذكر أيضاً مثالاً ثانياً الذي يمكنه، دون شك، اثراء تحليلنا، ألا وهو عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، المؤسس لعلم الاجتماع السياسي، الذي ابتكر مفهوم البيروقراطية للإشارة إلى نوع من الإدارة التي تتحكم فيها "سلطة عقلانية قانونية". وهكذا، فحينما نقر أن المركزية تشكل واحدة من الشروط الضرورية للنظام البيروقراطي، وجب علينا أن نعترف أن البيروقراطية ليست إلا شكلاً من الإدارة العمومية في ظل نظام سياسي مركزي هو الدولة.

[4] Moala, M. (1992), L’Etat tunisien et l’indépendance, Tunis, Cérès Productions, p. 17-22.

[5] Zghal, A. (1970), « La participation de la paysannerie maghrébine à la construction nationale », Revue Tunisienne des sciences sociales, Tunis, N°22, 7ème année, Juillet, p. 144-147.

[6] Lahmar, M. (1994), Du mouton à l’olivier ; Essai sur les mutations de la vie rurale maghrébine, Tunis, Cérès Productions, p. 147

[7] Bessis, S. (1990), Banque Mondiale et FMI en Tunisie : une évolution sur trente ans, in Elmelki, Habib et Santucci, J.C (S/D), Etat et développement dans le monde arabe, Paris, Editions du CNRS, p. 137.

[8] Elmannoubi, K. (1993), Industrialisation et compétitivité en Tunisie, Tunis, Editions « l’or du temps », p. 14.

[9] Hermassi, A. (1998), Etat et développement au Maghreb. L’exemple tunisien, Tunis, Cérès Productions, p. 81 (Texte en arabe).

[10] Ibid, p. 87

[11] Toumi, M. (1991), L’économie tunisienne ; une option libérale de longue date, in Lacoste Dujardin, Camille et Lacoste, Yves, L’Etat du Maghreb, Tunis, Cérès Productions, p. 454.

[12] Bessis, S. Banque Mondiale et FMI en Tunisie, op.cit., p. 142.

[13] Voir Benjannet, Z. (2005), « Les stratégies de l’acteur de développement entre exigences locales et contraintes de la mondialisation », (En arabe) Revue algérienne d’anthropologie et des sciences socialesInsaniyat, N°28,  9ème année, Oran, Avril-juin, p.44.

[14] Ben Romdhane, M., « Fondements et contenu des restructurations face à la crise économique en Tunisie ». Une analyse critique, in Etat et Développement au Maghreb, op.cit., p. 150-151.

[15] Delcourt, J. (1992), « Globalisation de l’économie et progrès social ; L’Etat à l’heure de la mondialisation », Revues futuribles, Avril, p.9.

[16] Bessis, S. Banque Mondiale et FMI en Tunisie, op.cit., p. 146.

[17] Habermas, J. (2000), Après l’Etat-nation. Une nouvelle constellation politique, Traduit de l’allemand par Rainer Rochlitz, Paris, Fayard, p. 29.

[18] Mahjoub, A. « Etat, secteur publique et privatisation en Tunisie », in Etat et développement dans le monde arabe, op.cit., p. 305.

[19] Dimassi, H. « Le désengagement de l’Etat tunisien de la reproduction de la force de travail », in Etat et développement dans le monde arabe, op.cit., p. 338.

[20] Voir Dimassi, H. ibid, p. 336-338.

[21] Valaskakis, K. (1992), « Mondialisation et gouvernance; le défi de la régulation publique planétaire », Revue futuribles, N°235, Avril, p. 19-20.

[22] Badie, B. (2006), (Entretien avec), L’Etat-nation un acteur parmi d’autre. Consulté sur Internet:www.diplomatie.gouv.fr/label_france/FRANCE/DOSSIER/2000/05etat.html (14/04).

[23] Ibid.

[24] Voir Taurin, N. (1999), « Le démantèlement des institutions intermédiaires de la régulation sociale », Sociologie et Société, Volume 31, N°2, Automne.

[25] ذلك هو التعريف الذي قدمه السفير الذي مثّل أوروبا في مفاوضات  "الغات" (GATT) ، والمنظمة العالمية للتجارة في سنة 1995.

Voir, Revue Information économique africaine, N°250, Janvier-févriers 1995, p. 28-32.

[26] Horman, D. (2001), Mondialisation excluante, nouvelles solidarités, Paris, L’Harmattan, p. 21.

[27] Ibid, p. 20.

[28] Roy, J. (1995), Mondialisation, développement et culture, Québec, Editions Hurtubise HMH, p. 17.

[29] Jurgen, Après l’Etat-nation… op.cit., p. 31-32.

[30] Bourdieu, P. (1996), Le mythe de la mondialisation et l’Etat social européen. Intervention à la confédération générale des travailleurs grecs, à Athènes, Octobre, Consulté sur Internet :

www.hommemoderne.org/societe/socio/bourdieu/contrefe/mythe.html (17/09/2004).

[31] أنظر، على سبيل المثال، تقرير "برنامج الأمم المتحدة للتنمية" لسنتي 2002 و2005. الأول بعنوان "تعميق الديمقراطية في عالم مشتت" والثاني بعنوان "التعاون الدولي في مفترق الطرق: المساعدة، والتجارة والأمن في عالم متميّز باللامساواة".

فعلاً، فإذا كان التقرير الأول قد ركز على واقع أن الحكم الراشد قد بات شرطاً ضرورياً للتنمية البشرية، فإن التقرير الثاني قد أشار إلى تنامي اللامساواة على الصعيدين المحلي والدولي، الأمر الذي يستلزم تدخل سياسة دولية جديدة بغية إحداث توازن على النظام الاقتصادي والاجتماعي. يمكن الاطلاع على هذين التقريرين على شبكة الانترنت على الروابط التالية:

www://hdr.undp.org/reports/global/2002/fr/.

www://hdr.undp.org/reports/global/2005/fr/.

[32] PNUD : La gouvernance en faveur du développement humain durable : Document de politique générale du PNUD. Consulté sur Internet : www://magnet.undp.org/docs/UN98-21.PDF/Govfre.htm.

[33] Patrick, S. (2004),  La bonne gouvernance une culture de la paix. Avril. Institut de Documentation et Recherche sur la Paix. Consulté sur Internet : http://www.institutidrp.org. (26/03/2005).

 [34]هناك أكثر من مليار شخص لا يملك الواحد منهم إلا دولاراً واحداً في اليوم ليعيش ويكافح ضد الأمراض والجوع وتدهور البيئة.


The concept of society in international relations: Theoretical approaches for a planetary sociology

Stemming from international relations, which give them an academic legitimacy, the expressions “international society” and “ global  society “are used more and more by researchers and more generally by the media. This article questions the validity of such expressions with regards to the theoretical exigencies of the discipline to which the concept of society belongs, namely sociology.  On the one hand it tries to show that society is not an ensemble of disembodied beings but an assembly of subjective beings and, on the other hand it is formed from an identity given by an ethnocentric matrix. However due to the fact that there is no ethnocentrism at a planetary level, there can’t be a planetary society. There is nevertheless a global world scene marked by transnational flux, expressing a greater opening of local societies which have been globalized, giving birth to a transnational society, which although a reality has no geographical existence.   

Keywords: Society - planetary society - international society - transnational society - international relations.


لقد دأبت التقاليد السوسيولوجية دوماً على دراسة وتحليل العلاقات الإنسانية سواء من زاوية النزاعات أو التماسك، و لم تنفلت العلاقات الدولية عن هذه القاعدة. البعض من المؤلفين يرى فيها نزاعات وعدوانية، والبعض الآخر يرى فيها تعاوناً و بحثاً عن السلم. سواء كانت هذه العلاقات عدوانية أو سلمية، فإنها ترسم فضاء حيث يميز فيه الجامعيون بين تشكّل "مجتمع دولي" متحد من الدول شبيه في سيره و اشتغاله بصورة المجتمع الوطني، بفارق وحيد أنه لا يملك جهازاً محتكراً للقوة. من زاوية المقاربة النزاعية، يتميز هذا المجتمع، في نظر التيار الواقعي، بالحالة الطبيعية من وجهة نظر هوبز و سيكون كذلك دائماً. و بالنسبة للمقاربة المنافسة لهذا الطرح، ممثلة في مقاربة التيار الليبرالي، فإن هذا المجتمع يتسم بالفوضى بما يعني عدم و جود سلطة عليا تفوق سلطة الدول. غير أن هذه الفوضى ليست رديفاً للاضطراب و الحروب الدائمة. إن ما يتعيّن استنتاجه هو أن المتخصصون في العلاقات الدولية قد فضلوا منذ البداية تناول موضوعين للمشهد الدولي: الحرب و السلام، مستلهمين ذلك من الفلسفة السياسية وتاريخ الأفكار والقانون...و لم يكن لعلم الاجتماع أي إسهام ايجابي في ذلك، هذا إن لم يكن له دور سلبي، فقد افترض أن المجتمع الدولي مشابه للمجتمع الوطني منقوصاً من عناصر محددة.

و من دون أن يكون المتخصصون موافقين حول هذه المسألة، فقد استخدموا، و أحياناً بإفراط، هذا المفهوم - متخذين إياه موضوعاً لهم- متصورين هنا أن المجتمع الدولي، باعتبار علاقاته بمسألتي الحرب والسلام والمعاهدات والخلافات حول الأمن وإرادة الدول في تغيير توازن القوى لصالحها بواسطة الردع. لقد بنى المتخصصون في العلاقات الدولية مقاربات قائمة على مفهوم "المجتمع الدولي" كمجموعة من الدول و"المجتمع العالمي" باعتباره مجموعة أفراد مكونين للجنس البشري. و ترتسم وراء هذا الفارق مواجهة بين تيارات و تيارات فرعية ساعية إلى تحليل الواقع الدولي: البعض من هذه التيارات يريد مقاربة الواقع الدولي عبر الدولة، التي يفترض فيها أنها هي الفاعل الرئيسي بحكم قدراتها وطابعها السيادي، و البعض الآخر يفضل التركيز على الأفراد والجماعات و المنظمات غير الحكومية و المؤسسات المتعددة الجنسيات حيث تتجلى أفعالها -إلى جانب الدول، لكن أحياناً ضدها- على النمط العابر للأوطان، رابطة بين فاعلي المجتمعات المختلفة عبر حدود باتت مخترقة بفعل تكنولوجيات الإعلام والاتصال الجديدة (NTCI). و بشكل ما، أضحى المجتمع الدولي في حالة تشكل، متجاهلاً الحدود، و مؤذناً بأفول الدولة-الوطنية[1] و مفهوم السيادة.[2] هذا المقال يقترح نقد هذين التصورين انطلاقاً من استخداماتهما لمفهوم "المجتمع"، من أجل بيان أن هذا المفهوم هو عبارة عن عملية تشكيل ذات تجذر أنثروبولوجي محلي. إن الطابع الحقيقي المكثف للعلاقات المجتمعية و التبادل العابر للأوطان للسلع والخدمات و الرموز على الساحة الدولية، قد أسهم في توسيع حقل الأنشطة الاجتماعية للأفراد، يدعو إلى صياغة مقولة تعبّر عن هذه الحقيقة التي تتجاوز الإطار التقليدي للدولة-الوطنية.

المجتمع الدولي ودينامكيتاه المتناقضتان

تُعبّر عموم التيارات النظرية في العلوم الاجتماعية عن آفاق متباينة لموضوع واحد، و الذي يعتقد الباحثون من خلاله إدراك جوهر الظاهرة الاجتماعية التي يحاولون تفسيرها بواسطة أدوات مفهومية تمت صياغتها لهذا الغرض أو تمت استعارتها من تخصصات علمية أخرى. غير أن التيارات النظرية تجد تأكيد صحتها -أو نفيها- على محك الواقع و تصبح أحياناً باطلة أو أنها تبقى محتفظة بصحتها بفضل إثرائها ببادئة "الجديدة" (préfixe néo). و هذا هو حال العلاقات الدولية، ذلك التخصص الذي تميز بوجود تيارين متنافسين تبادلا الاتهام خلال سنوات الخمسينيات و الستينيات، بإثارة حرب عالمية ثالثة وعادا للاتفاق فيما بينهما خلال سنوات الثمانينيات و التسعينيات. إن موضوع الرهان بين التيارين يتمثل في إيجاد شبكة قراءة للعلاقات الدولية و مصير "المجتمع الدولي" الذي أصبح وجوده مطروحاً سواء بصورة صريحة أو ضمنية. يرى أصحاب المقاربة الواقعية أن هذا المجتمع غير رسمي، فهو مهدد باستمرار بسبب طبيعة الإنسان المولعة بالقتال، الأمر الذي يحيل هذا الموضوع إلى الأنثروبولوجيا أو سوسيولوجيا العلاقات بين الجماعات، ذلك أن المجتمع الدولي واقع موحد بواسطة قيم مشتركة بين أعضائه و التي يُعتبر القانون الدولي تجسيد لها، هكذا يقول الليبيراليون. غير أن هذين التيارين سيلتقيان بقبول ترضيات: يقوم أحد الطرفين بالتخلي عن التفسير المستند إلى الأنثروبولوجيا البشرية أو سوسيولوجيا العلاقات بين الجماعات، بينما يقوم الطرف الآخر بقبول مبدأ الفوضى للاعتراف بأن العالم عبارة عن نظام اجتماعي فوضوي يخضع لقواعد وقيم مشتركة. لم يكن هذا التلاقي ممكناً إلاّ لأن كلا الطرفين يستندان -دون علمهما بذلك-، على ذات الفلسفة السياسية لـ هوبز والتي ننسى أن لها وجهان:

وجها هوبز وتبريرات النزعتين الواقعية و الليبرالية

لا زال التخصص العلمي للعلاقات الدولية على الأقل منذ نشأته الأكاديمية سنة 1919 تسيطر عليه النزعتان الليبرالية و الواقعية –و التيارات الفرعية المصاحبة لهما- و اللذين يبدوان ظاهريا أنهما غير قابلتين للتوفيق فيما بينهما، و هذا إلى غاية سنوات السبعينات. و في الواقع، هما أخوين توأمين ينظران لنفس الموضوع من زاويتين مختلفتين. تجمع بينهما مرجعية رئيسية، هي مرجعية توماس هوبز، مع فارق وحيد أن أصحاب النزعة الواقعية يركزون على الحالة الطبيعية الذي أشار إليها هوبز (هوبز 1)، بينما يهتم أصحاب النزعة الليبرالية بالحالة المدنية (هوبز 2)، و كل واحدة منهما تَوَدُ أن تفرض نفسها على المستوى الدولي. لقد استحوذ كل تيار من هذين التيارين على نصف النموذج الهوبزي و انغلقا فيه. لقد استعار التيار الواقعي فرضية حرب الجميع على الجميع، المتميزة بغياب الحاكم و القانون، و منطق علاقات القوى و الردع. و لذلك يفسر أصحاب التيار الواقعي المشهد الدولي حيث تكون الدولة فيه منشغلة بأمنها و مصلحتها الوطنية الذي يضمنهما سعيها لاكتساب القوة الرادعة. أما أصحاب التيار الليبرالي، فإنهم يعتبرون، أحيانا بصفة مثالية، أن الدول، على غرار الأفراد في النموذج الهوبزي، يعبرون عن إرادة لتجاوز الوضع الفوضوي العدواني، مع بيان حرصهم على تمسكهم بالسلم الذي تضمنه المعاهدات المتعددة الأطراف و الاتفاقيات الثنائية، الأمر الذي يبيّن وجود وعي بالمصلحة المشتركة. و هم يؤكدون، قبل كل شيء، أن النظام الدولي البيني لا يعرف إلاّ الحرب باعتبارها حالة استثنائية بينما السلم هو القاعدة. إن العلاقات الدولية تسير حسبهم، بحكم منطق الحالة المدنية و العقد الاجتماعي أكثر ما تسير بحكم الحالة الطبيعة. و إذا تمعنا في الأمر عن كثب، فإننا نجد الليبراليين هم ربما أكثر "هوبزية" من الاتجاه الواقعي، إذا كان مفهوماً هنا باعتباره متطابقاً مع فكر هوبز، الذي تتمثل غايته في بيان أساس النظام الاجتماعي و السياسي الداخلي. إن ما هو مهم لدى هذا المؤلف هو فكرة العقد الاجتماعي المؤسسة لصاحب السيادة. غير أن المقاربة الليبرالية تسعى إلى بيان أن "المجتمع الدولي" يحوز على عدد كبير من المؤسسات التي تعبر عن الحاجة إلى النظام و التعايش السلمي. و في مقابل ذلك، يظهر الاتجاه الواقعي أقل "هوبزية" باعتبار أن مرجعيته الرئيسية هي الحالة الطبيعية، التي هي خيال، و هي فرضية منهجية هدفها ذو منحى غائي.

صحيح أن هوبز ذكر في فصله الثالث عشر الشهير العلاقات بين الدول الذي قال أنها محكومة بأن تعيش حياة الفوضى، غير أن ذلك لم يذكر إلاّ من أجل توضيح المنحى العام، باعتبار أن هوبز لم يكن يمتلك مراجع تاريخية تشهد بوجود دولة الحالة الطبيعية. لقد قام بصياغة فرضيتين تسمحان بفهم نظرية الدولة انطلاقاً من غاية هذه الدولة. الفرضية الأولى تتمثل في القول أن الحالة الطبيعية هي حالة منهجية وبقيت كذلك، و الفرضية الثانية تتمثل في أن الحالة المدنية، هي منطلق عملية تاريخية في تشكيل الدولة. تقوم فلسفتها السياسية، أساساً، على استخدام داخلي، و توسعها على المستوى الدولي من قبل التيار الواقعي لم يتناول إلاّ جانباً من نموذجه، و هذا ما لم يكن أمراً شرعياً.

إن مفهوم الحالة الطبيعية لا يحيل إلى حقيقة تاريخية، فهو مجرد مفهوم نظري ضروري من أجل بيان الصورة الإجمالية. و عليه، فإن الحالتين الطبيعية و المدنية تشكلان مقطعا تصوريين مرتبطين، يفسران بعضهما بعضاً، فمن التعسف نظرياً استعمال إحداهما دون الأخرى. باقتصارهم على المقطع الأول (هوبز 1)، اعتبر أصحاب التيار الواقعي فرضية الفوضى كمعطى أنثروبولوجي مكون للعلاقات الدولية. إن هذا المعطى هو الذي يعطي لخطاب هانس مورجنتو (Hans Morgenthau) وحدته الابيستيمولوجية، مع وجود هوة متزايدة مع الواقع الدولي[3]. تتميز العلاقات بين الدول، حسب هذا المؤلف، بالفوضى الهوبزية التي سبقت إنشاء العقد الاجتماعي الذي أضفى الشرعية على صاحب السيادة (الحاكم) لوضع نهاية للحالة الطبيعية المضرة بأمن كل فرد. هذه الإحالة الجزئية إلى هوبز هو ما يعطي تماسكاً نظرياً للنزعة الواقعية، غير أنها تستدعي ملاحظتين لا يمكنه أن يجيب عنهما: الملاحظة الأولى تتمثل في أن النموذج الهوبزي ليس ذا طابع تاريخي بل منهجي، فصدقيته و وجاهته في بيان هدف الدولة حسب المسعى الغائي. تاريخياً، فإن العقد الاجتماعي لم يكن في أي مكان مؤسساً للدولة، إن لم يكن ذلك رمزياً، غير أن الأمير كان في كل مكان يتصرف كما لو أن الحالة المدنية كانت قائمة على العقد الاجتماعي. أما الملاحظة الثانية فإن مورجنتو لم يحتفظ من نموذج هوبز إلاّ بالمقطع الأول (الحالة الطبيعية)، ناسياً الحالة الثانية (الحالة المدنية)، في حين أنهما مرتبطتان و متساندتان. إن مؤسس النزعة الواقعية لا يوضح لماذا الدول، على غرار أفراد هوبز، لا تؤسس الحالة المدنية، مع أنه كان يماثلهم بكائنات أنثروبولوجية تحركها نفس الأهواء التي تحرك البشر. هذا الوضع يعتبر بالنسبة إليه مسلمة بدونها تنهار كل محاججة و كل برهان. كان لزاماً على الرؤية الواقعية للعلاقات الدولية أن تفصل بين هوبز 1 (الحالة الطبيعية) عن هوبز 2 (الحالة المدنية) و إضفاء على الفوضى محتوى تاريخيًا تتجلى من خلالها موضوعات الحرب و السلام والأمن والقوة و التسلح إلخ...إن المجتمع الدولي يشكل مجتمعاً دولياً متسماً دوماً بحالة حرب الجميع ضد الجميع، دون أن يكون ممكناً، كما هو الشأن في النظام الداخلي، إزاحة هذا التهديد عن طريق تفويض القوة لدركي عالمي. غير أن الحالة الطبيعية عند هوبز هي بالفعل مجتمع و هو أمر نجده ضمنياً عند مورجنتو، مع هذه الخاصية: لا يوجد قانون يحمي الأملاك (أو الأقاليم) ووجود الأشخاص (أو دول). هل يوجد مجتمع دون قوانين و دون مؤسسات؟ يجب التذكير أن العقد، في نظر هوبز، هو الذي ينشئ الدولة لا المجتمع، باعتبار أن المجتمع سابق على الدولة و هو علة وجودها. إن هذا الأمر يثبت أن الدولة الطبيعية التي اعتبرها مورجنتو حقيقة تاريخية مجرد خيال، ذلك أنه اتخذ من فرضية منهجية كحقيقة تاريخية، و بفعله هذا قام بتشويه هوبز، حتى و إن كان يدعي انتسابه إليه.

نجد عند ريمون أرون المورجنتو الأوروبي تصوراً أكثر دقة للعلاقات الدولية من نظيره الأمريكي. لقد رافع في سنة 1963 لأجل سوسيولوجيا العلاقات الدولية، متأسفاً أن الباحثين في هذا التخصص قد استخفوا بهذا الجانب من الحياة الجماعية المهددة بحرب محتملة و التي عرفها كقطيعة مع الرابط الاجتماعي[4]. يحاجج بأنه لا يوجد على المستوى الدولي جهاز يمارس احتكار العنف، فنحن نعتبر أن علم الاجتماع لا موضوع له خارج حدود الدولة-الوطنية. صحيح أن علم الاجتماع منذ نشأته كمؤسسة أكاديمية قد حدد لنفسه مستويين: المستوى الأصغر (أفعال الأفراد) و المستوى الأكبر (المجتمع)، محاولاً تجنب السقوط في النزعتين السيكولوجية و السوسيولوجية. لقد تم الاتفاق على أن المجتمع يتزامن مع الدولة-الوطنية، التي تشكل حدوداً عليا للفعل الاجتماعي، لكن اتفق أيضاً أن العلاقات بين المجتمعات، في اتصالها عبر دولها المحترمة، يجب أن تُترَك هي أيضاً لتصبح من موضوعات علم العلاقات الدولية التي تمحورت أساساً على جانب واحد ألا و هو نظام الدول البينية. توجد، في نظر أرون، موضوعات أخرى للمشهد الدولي، غير أن العلوم الاجتماعية لا يمكنها إدراك الواقع في كليته المعقدة و اللانهائية. تكتفي، إذن، بدراسة الجزء الذي يستوقفنا و نسائله لأسباب مرتبطة بوجودنا. و عليه، لم يكن أرون منشغلاً إلاّ بجانب واحد من الواقع الدولي: العلاقات بين الدول التي تعتبر أمراً حاسماً من أجل السلم و الحرب. يطرح ضمنياً وجود مجتمع دولي مكون من الدول- الوطنية الساعية إلى ضمان أمنها في عالم يتميز بوجود تجاور سيادات مولعة بالقتال في حالة نزاع وحرب.

حاول أرون، تقليل الاعتماد على الأنثروبولوجيا، بناء نوع من "البراكسيلوجيا" و"سوسيولوجيا" العلاقات الدولية، محتفظاً بمفهومي الحرب و السلم بين الدول كموضوع للتحليل، مع التركيز على العلاقات بين المجموعات الاجتماعية المشكلة للدول-الوطنية. و قد أشار، و هو يدرس هذه العلاقات في آفاقها التاريخية، إلى أن غزو الأقاليم الترابية كان دوماً، إلى غاية مجيء المجتمع الصناعي، مصدراً للثروات. غالباً ما كانت المجموعات الوطنية تسعى إلى الامتداد على حساب جماعات أخرى حينما امتلكت ما يكفي من القوة لتحقيق أهدافها. و لم تكن الحداثة مستثناة من هذه القاعدة، عدا أن الغزو الإقليمي قد فقد من مزاياه الاقتصادية[5]. يرى أرون أن هناك عاملين يميزان المجتمع الدولي: أ) وجود دول ذات سيادة تحرض على الحرب و لا تعترف بأي سلطة عليا. ب) أن البحث عن الربح عن طريق التجارة يدفع إلى السلم، ذلك أن في العصر الصناعي، لم يعد غزو الأقاليم الأخرى ذا مردودية اقتصادية كبيرة. يشكل هذان العاملان ما يسميه أرون بالتناقض الهيكلي للمجتمع الدولي، زاده تفاقماً ظهور السلاح النووي، الذي ولّد وضعاً "صار السلم فيه مستحيلاً و الحرب بعيدة الاحتمال". غير أنه ابتعد عن التيار المسيطر الموجود ضمن التخصص في الولايات المتحدة الأمريكية، مؤكداً أن الواقع الدولي لا يمكن تحليله من خلال نظرية، نظراً لطبيعة الظاهرة الاجتماعية[6]. و بصفته منتمياً للاتجاه الوبيري، يرى أرون أن فعل الأفراد- و أيضاً الدول- أمر يتعلق بالفهم الذي يتكفل علم الاجتماع وحده بتوضيحه، خلافاً للنظرية التي تفسر و تتنبأ على غرار العلوم الاقتصادية. بيد أنه يصطدم بمشكلة اتخاذ القرار وبطبيعة الفهم عندما يتعلق الأمر بفاعلين جماعيين مثل الدول. فهل علم الاجتماعي التفهمي ينطبق على كائنات غير مُجسدة؟ لقد شكلت النزعة الواقعية مع مورجنتو وأرون خلال سنوات 1940 إلى غاية 1970 الشبكة الأساسية لقراءة الفضاء الدولي- المعرّف كنظام بين الدول (الدول البينية)- سواء كان ذلك في الحقل الجامعي أو عند السياسيين. غير أن مع أفول عدد من النزاعات بين الدول وشجب الحرب مع ظهور السلاح النووي وخصوصاً مع تنامي التدفقات العابرة للأوطان، صار الفكر الواقعي أكثر فأكثر غير ملائم للكشف عن مكنونات الواقع الدولي.

العالم كنظام اجتماعي مكون من الدول

و في مواجهة الانتقادات الكثيرة التي سجلها على وجه الخصوص أصحاب الاتجاه الليبرالي على المستوى الدولي، قام كينيث والتز ( (Kenneth Waltzبفصل النزعة الواقعية عن مسلماتها الأنثروبولوجية والسوسيولوجية، على غرار نموذج الثورة الكلاسيكية الجديدة في علم الاقتصاد (جوفونس، والراس) (Jevons, L.Walras) الذي يكون قد أعطى للتراث الكلاسيكي لـ أدم سميت و ريكاردو أسساً علمية جديدة[7]. و باستفادته من تالكوت بارسونز، و لكن أيضاً من إميل دوركايم، قام ببناء نظام دولي حيث يكون فيه للكل أولوية على الأجزاء[8]. و يؤكد أن النظام الدولي لا يستقي قواعده لا من الطبيعة البشرية و لا من النظام السياسي للدول، و لكنه يستقيها من بنيته التي تفرض نفسها على الجميع. حقاً أن النظام مضبوط بالفوضى، غير أن لهذه الفوضى مبدأ ضابطاً للتوازن[9]. إن لأعضاء النظام الدولي (الدول) موارد غير متساوية من القوة و يقدرون مصالحهم تبعاً لموقعهم في الهيكل الدولي. فإذا كان لهم ما يكفي من الموارد لتغيير موقعهم في هذا الهيكل، حتى و لو كان ذلك بالحرب، فإنهم سيحاولون ذلك، و إلاّ سيكتفون بالمحافظة على المصالح الوحيدة التي يدعون امتلاكها. مع إعطاء النظام الدولي استقلاليته، زعم والتز أنه حرر تخصص العلاقات الدولية من عيوبه الاختزالية وتمكن من حل مشكل مستوى التحليل.

إن النظام لا يطيع لا الأفراد و لا الدول، و إنما يطيع نفسه، فارضاً منطقه و اكراهاته على أجزائه. دخل علم العلاقات الدولية في الولايات المتحدة مع والتز في مرحلة النزعة الوظيفية البنيوية، مدافعاً عن فكرة أن الدول تخضع لمنطق النظام الذي تصنعه و الذي لا يمكن أن تتملص منه خشية أن تتسبب في أزمة دولية تكون على حساب مصالحها الحيوية.

لقد انبهر و التز بالمفاهيم الدوركايمية حول التضامنات، باحثاً عن استخدامها في نظريته حول النظام الدولي، و مؤكداً أنه حينما تكون أجزاء النظام الدولي متماثلة (باعتبار أن الدول هي وحدات ذات سيادة متساوية شكلياً) و لا تعترف بسلطة عليا على سلطتها، فإنها تشكل حينئذ كلاً مندمجاً بفضل التضامن الميكانيكي كما هو الحال في التصور النظري الدوركايمي للمجتمع التقليدي السابق على الدولة. يقابل و التز بين هرمية النظام الداخلي (التضامن العضوي) و فوضى النظام الخارجي (التضامن الميكانيكي)، غير أنه بفعله هذا يبتعد عن الدلالة التي يعطيها دوركايم لإشكالية التضامنات[10]. لقد لجأ دوركايم إلى ذلك للإشارة إلى أن المجتمع التقليدي، خلافاً للمجتمع الحديث، يضمن تماسكه بفضل الضمير الجمعي الواجب على أعضاء المجتمع الامتثال له. غير أن هذا الضمير الجمعي آخذ إلى الأفول في المجتمع الحديث، الذي صار أكثر عرضة للأنومية (فقدان القيم)، التي يشكل الانتحار التعبير الأكثر بروزاً و إثارة لها[11]. غير أن هذه المقاربة المعتمدة على مفهوم التضامنات تخلى عنها دوركايم نفسه في نهاية حياته و لم يكن علم الاجتماع بعد دوركايم يحيل إليها، و قد تعرضت هذه المقاربة على المستوى الدولي لكثير من النقد لأنه بات من الصعب أولاً تصور ما سيكون عليه الضمير الجمعي المُعبَر عنه من قبل الدول على المستوى الدولي، و ثانياً تخيل دولة تعيد إنتاج سلوك يحيل إلى ذاتية الأفراد.

في محاولته لإعادة بناء النزعة الواقعية على أسس علمية، قام والتز بإضعافها و بادر بديناميكية التقرب من التيار الليبرالي[12]. لطالما أكد هذا الأخير على وجود مجتمع دولي، رغم كل التقلبات التي لم يجد و التز صعوبة في قبولها، شريطة أن تكون مختزلة في علاقات بين الدول. في الواقع لا يوجد خلاف أساسي بين والتز وهيدلي بول في القول أن فوضى المجتمع الدولي ليست لا اختلالاً في النظام و لا حروباً دائمة.

كتب هيدلي بول كتاباً بعنوان المجتمع الفوضوي[13] للتأكيد أن العلاقات الدولية ليست فقط نظام الدول ذات السيادة، و لكن أيضاً مجتمع دول محكومة بجملة من المعايير، بعضها رسمي و بعضها الآخر غير رسمي، من إنتاج القانون الدولي، و توازن القوى، و الديبلوماسية و أيضاً الحرب حينما تندلع. لقد لخص المؤلف منذ السطور الأولى من كتابه انشغاله: "هذا الكتاب دراسة حول طبيعة العلاقات الدولية و خصوصاً حول مجتمع الدول ذات السيادة عبر النظام العالمي الموجود كما هو قائم حالياً. حاولتُ الإجابة على ثلاث أسئلة: 1. ما هو النظام في العلاقات الدولية؟ 2. كيف تمّ الإبقاء على هذا النظام في منظومة الدول ذات السيادة؟ و هل يقدم هذا النظام سبيلاً قابلاً للحياة لهذه المنظومة من الدول؟ بيّن بول أن النظام الدولي منظم ولم يكن فوضوياً، إلاّ لأنه كان يفتقد لسلطة تعلو على سلطة الدول. غير أن هذا الغياب لم يمنع من وجود مجتمع، ينمي ثقافة مشتركة للتعايش و التعاون أنشأت مؤسسات و قوانين فعلية ليس بمساعدة شرطة دولية و لكن بفضل الوعي بالمصالح المتبادلة للدول التي ارتضت طوعاً أن تبني هذا النظام أحياناً على حساب الحد من سياداتها كما يبيّنه تنظيم الحكومات[14]. إن غياب حكومة عالمية ليس إذن عائقاً أمام السلم و الاندماج من منظور بول. إن المجتمع الدولي يتجه نحو التوسع، كما تدل عليه العديد من الدول التي تحررت من الاستعمار و التي قبلت، في معظمها، بقواعد لعبة ثقافة السلم و التعايش[15].

نقد مفهوم المجتمع الدولي

سبق وأن رأينا لدى العديد من المؤلفين أن المجتمع الدولي واقع أمبريقي لا شك في و جوده. يقوم، حسب رجال القانون، على أساس قانوني متبلورا في القانون الدولي في عز تطوره، و يعتبر بالنسبة للسياسيين، فضاءاً، حيث تتجلى فيه خصائص القوة و الهيمنة والسيطرة، و هو أخيراً عند الاقتصاديين نتاج اقتصاد-العالم بما ينطوي عليه من عملية خلق الثروات و توزيعها غير المتساوي. و يجد عالم الاجتماع صعوبة في تصور مجتمع كشبكة معقدة من الأفراد و الجماعات و المؤسسات على الصعيد العالمي حيث يقيم الفاعلون، من مختلف الأمم، علاقات فوق دولهم. صحيح أن البروز المتنامي للتدفقات العابرة للأوطان تزعزع رؤية الساحة الدولية كمجموعة من المجتمعات الوطنية المتناضدة، لكن هل بالإمكان مع ذلك الحديث عن "مجتمع عالمي"؟ إن من اهتم بالعلاقات الدولية هم رجال القانون و الاقتصاديون و خصوصاً السياسيون، الذين رأوا فيه موضوعاً اسمه "العلاقات الدولية". لم يتناول علماء الاجتماع، باستثناء ريمون أرون، هذا الحقل، لأن المجتمع في نظرهم محدد بحدود الدولة-الوطنية.

إن العلاقات الدولية في نظر مورجنتو، كما رأينا، من صلاحيات الأنثروبولوجيا التي تتولى بيان الطابع النزاعي للساحة الدولية. غير أنها اصطدمت بصعوبة مستوى و وحدة التحليل. كيف يجري نقل الطابع النزاعي و الحربي للإنسان إلى الدولة؟ ما الذي يسمح لنا بالقول أن الأمم توجد في الحالة الطبيعية كما هو شأن الأفراد في تصور هوبز1؟ فشل مورجنتو في محاولته لتفسير العلاقات الدولية بسبب تميز مقاربته بالنزعة الأنثروبومورفية. حاول ريمون أرون من جانبه تجنب هذا المطب، مفترضاً ضمنياً وجود مجتمع دولي حيث أعضاؤه فاعلون جماعيون يقيمون فيما بينهم علاقات، تارة تكون سلمية و تارة حربية. و هدفه من وراء ذلك وضع أسس لسوسيولوجيا العلاقات بين الفاعلين الجماعيين، مشكلين بذلك المجموعة الدولية الكبيرة. إلاّ أن هذه المحاولة لم تكن أيضاً ناجحة، لأن هيكل البناء القائم على ثلاث طبقات (الأفراد، الفاعلين الجماعيين، و المجموعة الدولية) كان هشاً.

إدراكاً منه لهذه النقائص، اعتقد و التز بتجاوز هذه الصعوبة بلجوئه إلى التحليل النسقي و الشمولي، مقترباً من التيار الليبرالي الذي لا نعرف إن كان يتكلم عن مجتمع دولي موجود أم عن مجتمع دولي يتمناه[16]. غير أن هذه المقاربات تحمل خاصية مشتركة و التي تعتبر في ذات الوقت ضعفاً: ذلك أنها تفترض كلها وجود تطابق الرابطة الاجتماعية المحلية مع العلاقات الدولية، تكون فيها الدولة مدركة ككائن ذاتي. و بإضفاء الطابع الذاتي على الدولة، تمنحها سيكولوجية فردية و التي ستشكل قاعدة السلوكات و الأفعال، مُكونة بذلك نظاماً دولياً شبيهاً بالمجتمع البشري، منقوصاً من الجهاز الحائز على احتكار العنف المادي. و انطلاقاً من ذلك، فإن مفهوم "المجتمع الدولي" مقولة تطرح مشكلة، ذلك أن كل المفاهيم السوسيولوجية تفترض ضمنياً وجود نوع من الذاتية البينية للفاعلين. كثيراً ما كان دوركايم حريصاً على الفصل بين علم الاجتماع وعلم النفس، غير أن ذلك لا يعني أنه كان ينكر خصوصية علم النفس أو وجاهة موضوعه. الأمر يتعلق هنا بكائنات سيكولوجية تعطي للعالم الاجتماعي موضوعه، و من أجل أن تكون هناك تمثلات أو تصورات جماعية تتجسد من خلالها صورة المجتمع، وجب أن تكون هناك موارد سيكولوجية تسمح، على المستوى الجماعي، بإنتاج مخيال تجعل من خلاله الكائنات السيكولوجية تحس أنها تشكل المجموعة. عندما يؤكد دوركايم أن الكل (المجتمع) هو شيء آخر غير مجموع أجزائه (الأفراد)، فإنه يتكلم عن كائنات بشرية تتسم بذاتية، و قدرات تخيلية وحساسية، أي القدرة على إعطاء معنى لأوضاع معاشة عبر القيم والمعايير. إن هذه الأجزاء الذي يشكل مجموعها مجتمعاً لا يمكن أن تكون شيئاً آخر إلاّ الكائنات السيكولوجية[17]. إن مجموعة من الحمام ليس مجتمعاً، و مجموعة من الدول لا تشكل هي الأخرى مجتمعاً. و كون أن الدولة تُمثَل- و هي مسيرة من قبل الأفراد- لا يجعلها تكتسب سمات سيكولوجية و بشرية، حتى ولو شكلت مجموعة من الدول هيئة على المستوى الدولي و الذي ينبغي دراسة منطق سيرها و انتظاماتها التي تميّز العلاقات بين الدول. و بسبب ذلك، تساءل، على ما يبدو، أرون في أواخر حياته فيما إذا كان شرعياً نظرياً الحديث عن المجتمع الدولي أو العالمي. و قد كتب في هذا السياق يقول: "لا أعتقد أن صيغة ‘المجتمع الدولي’ أو العالمي تشكل مفهوماً صحيحاً. ذلك أنها تشير إلى الكلية التي يندرج ضمنها في آن معاً كل من النظام الدولي البيني و النظام الاقتصادي، و الحركات العابرة للأوطان و الأشكال المتعددة للتبادل...و المجتمعات المدنية و المؤسسات الفوق وطنية. هل يمكن أن نسمي مجتمعاً هذه الكلية التي لا تحتفظ تقريبا بأي من هذه الخصائص الملازمة لأي مجتمع مهما كان؟... إني أشك في ذلك"[18].

الفضاء الدولي للتدفقات العابرة للأوطان

رأينا في الجزء السابق أن العديد من المؤلفين يستخدمون مفهوم المجتمع الدولي باعتباره هنا كعلاقات بين الدول. و هناك مؤلفون آخرون، سنذكرهم في هذا الجزء، يحيلون إلى مفهوم المجتمع العالمي، الذي يتضمن مجموعة من الأفراد متسامون عن الحدود. في الحالة الأولى، يقيم الأفراد روابط فيما بينهم بواسطة دولهم التابعين لها، و في الحالة الثانية، لا يحتاجون إلى وساطة ليقيموا علاقات فيما بينهم. لكن كون الدولة لم تعد هي الفاعل المركزي في الساحة الدولية، لا يعني ذلك وجود مجتمع دولي[19]. إذا كانت مقاربة المجتمع الدولي قد قللت، كما رأينا، من الجانب الذاتي في تشكيل الرابطة الاجتماعية، فإن مقاربة المجتمع العالمي من جانبها قد قللت، كما سنرى، من القوة المشكلة لنزعة التمركز العرقي في إدراك المجتمع كواقع يتسامى على الأفراد و يتجاوزهم. و عليه، فمن أجل تجنب هذه المشكلة ربما يستحسن الحديث عن المجتمع العابر للوطن لوصف مختلف التدفقات الاقتصادية و الثقافية و البشرية التي وحّدت الكوكب كما لم يحدث ذلك بالمرة سابقاً.

النزعة الكوسموبوليتية الكانطية و المجتمع العالمي

هناك العديد من المدافعين عن فكرة المجتمع العالمي يستلهمون كانط و رؤيته الكوسموبوليتية (المواطنة العالمية) للعلاقات الإنسانية خارج حدود الدول. غير أن كانط كان يشك في وجود مستقبلي لمجتمع عالمي و حتى لدولة عالمية، ذلك، حسب رأيه، أن الطبيعة قررت غير ذلك. "فقد استعانت بوسيلتين لمنع اندماج الشعوب و من أجل فصلها: تعدد اللغات و تعدد الأديان، و كان من نتائج ذلك الميل إلى الكراهية و الذريعة إلى الحرب...[20]". إن حالة الحرب هذه، المعبرة عن تعدد الدول المجاورة الغيورة على سيادتها، هي في نهاية المطاف أفضل من أجل السيطرة على الكوكب من قبل إمبراطورية وحيدة. من الأفضل أن تكون هناك قوانين دولية تضبط العلاقات بين الدول من ملكية كونية "حيث تفقد فيها القوانين دوماً من قوتها كلما امتد نطاق الحكومة، و من وجود نزعة استبدادية بلا روح، بعد انتزاعها لبذور الخير، تؤول نهايتها إلى السقوط في الفوضى"[21].

إن ظهور القانون الدولي ينشأ بفعل نفس الدوافع التي كانت سبباً، داخل نطاق الحدود، في نشأة القانون المدني الخاص و العام، ممثلة في استعصاء التنشئة الاجتماعية للبشر. فلم يبق للإنسان، بسبب ميله للنزاع و العدوان و الأنانية، من بديل إلاّ بناء نظام سياسي و قانوني يُجبر فيه على أن يكون مواطناً صالحاً. لقد حوَّلَ الديالكتيك الكانطي الإنسان الشرير إلى مواطن صالح، محترماً للقانون الذي يوفر له الأمن و التفتح. يقول كانط في هذا الصدد: "تريد الطبيعة بقوة و إصرار أن القانون هو الذي ينتصر في النهاية[22]". و القانون الدولي لا يستثنى من هذا المنطق الذي هو أيضاً يقوم عليه وجوده.

يقسم كانط القانون إلى ثلاث فروع: القانون المدني، القانون الدولي و أخيراً قانون المواطن العالمي. الفرع الأول يتعلق بالعلاقة بين الأفراد ضمن نفس الدولة، و الثاني يضبط العلاقات بين الدول، و الأخير يشير إلى انتماء الإنسان إلى النوع الإنساني، و هي الهوية الأولى قبل هوية العصبيات و الجماعات الوطنية. و ما تضمنه هذا الانتماء يُعتبر سببا جعل الليبراليين يتبنون أفكار كانط، واضعين الفرد في الصدارة بإعطائه الأولوية على الدولة و على القوانين الوطنية. غير أن النزعة الكوسموبوليتية، كما طرحها كانط، ليست إيديولوجيا طائفة فوق عضوية –الجنس البشري- تجمع كل أفراد الكوكب. الأمر لا يتعلق بنوع من النزعة الوطنية على الصعيد الكوني، بل هو بالأحرى تعبير عن "قانون الامتلاك المشترك لمساحة من الأرض دون أن يكون ذلك متناقضاً مع القوانين المدنية الوطنية أو القانون الدولي. فقانون الكوسموبوليتيك ليس سراباً ولا شذوذاً كما يقول كانط، لكنه "إضافة ضرورية للقانون غير المكتوب، سواء كان القانون العام أو القانون الدولي بغرض الوصول إلى تحقيق قانون عمومي للإنسانية و من ثمة إلى السلم الدائم[23]".

إن النزعة الكوسموبوليتية هي الآفاق التاريخية للإنسانية المتشرذمة إلى الدول-الوطنية، غير أنها تتطابق، حسب الصيغة التي طرحها دعاة العولمة المعاصرين، مع المجتمع العالمي، كواقع مكتمل أو في حالة اعتمال و اختمار، أنتجها تطور تاريخي، يكون من الأفضل مرافقتها تسهيلاً لسيرها من معاكستها و تحمل تكاليفها في صور من المعاناة و النزاعات غير المجدية. و هذا ما ذهب إليه، على ما يبدو، جون بورتون (John Burton)، معترضاً خصوصاً على فرضية مركزية الدولة في العلاقات الدولية، مفضلاً تطوير فكرة شبكة ينسج خيوطها عدد غير محدود من الفاعلين و التي تقام فيها علاقات بصرف النظر عن الحدود الجغرافية. تشكل هذه الشبكة المعقدة و المتداخلة مجتمعاً عالمياً يتوقف استقراره على تلبية الحاجات الأساسية لأعضائه[24]. يعطي المؤلف للحاجات مضموناً واسعاً، يمس في آن معاً الجوانب السياسية و الاقتصادية و الثقافية. تقوم الفكرة على القول: إذا كان الأفراد و الجماعات غير راضين داخل حدود الدولة، فإن عدم الرضا هذا سيعبر عنه، بصورة من الصور، على المستوى الدولي. و كمثال على ذلك، فإن الهجرة السرية من الجنوب إلى الشمال تعبر عن اختلال في عرض العمل، و سيكون من السذاجة معالجة ذلك عن طريق القمع. فالنزاعات الداخلية للدول، أو بين الدول تنشأ من الحاجات غير المشبعة، و تهدد السلم العالمي. و وقف النزاعات ليس كافياً. غير أن بورتون لا يتكلم عن المجتمع الدولي إلاّ من أجل تفنيد أطروحة مركزية الدولة، مؤكداً أن هذه الأخيرة لم تعد الفاعل الوحيد أو الرئيسي على الساحة الدولية. و يقابل كرات البلياردو المتصادمة فيما بينها بخيوط العنكبوت الممتدة على مساحة من الكرة الأرضية، رابطة فيما بينها الملايين من الأفراد[25]. إن انشغاله الأساسي هو السلم في العالم، و يرى أنه من أجل تحقيق ذلك، يجب القضاء على الأسباب الاجتماعية للنزاعات التي انتشرت مظاهرها العنيفة بسبب أن العالم بات يشكل بنية مستقلة[26]. فالمجتمع العالمي، في تصوره، ليس واقعاً سوسيولوجياً، بل حجة تستخدم كوسيلة لغاية السلم العالمي. كثيراً ما انتقد واتهم بالنزعة المثالية في سنوات السبعينيات، غير أن عمله أخذ دلالة أخرى مع تسريع حركة العولمة، مستلهما نظرية الحكامة الشاملة التي ظهرت في نهاية سنوات الثمانينات ضمن اللجنة التي تحمل نفس الاسم والتي ترأسها و يلي براندت.

لقد تبنى كل من برتراند بادي وماري كلود سموتس مقاربة المجتمع العالمي، حاولا فيها تصور و وضع شبكة تحليل في كتاب موجهاً لإماطة اللثام عن الأزمات التي تسببت في "انكماش العالم[27]". و قد اشتمل على ثلاث أجزاء (ظهور المجتمعات، فقدان المعالم الجماعية و قطائع و إعادة تشكيل)، يطرح كتابهما هذا فكرة وجود مجتمع عالمي خاضع لانفجار ثقافي (الفصل الأول)، تخترقه تدفقات عابرة للأوطان (الفصل الثاني)، مصاب بالأنومية (الفصل الثالث)، منتج للاندماج والإقصاء (الفصل الخامس) و أخيراً الوعي بظهور الأملاك العمومية (الفصل السادس). تعالج مختلف الفصول المذكورة في أجزائها الفرعية موضوعات مثل تعدد العقلانيات السياسية و الاجتماعية، أزمات الهوية، عودة المقدس و الالتفاف حول الدولة، إلخ. يقول المؤلفان: "و باختصار، يمكن الحديث عن ’مجتمع عالمي’". (ص.103)، مذكرين بالتمييز الذي أقامه فرديناند تونيز بين المجتمع و الجماعة، مقيماً تعارضاً بين الطابع المؤسساتي الإرادي للأول، و الطابع العاطفي للثاني[28]. لقد كان بادي وسموتس و آخرون على حق في محاولتهم لبناء سوسيولوجيا المشهد الدولي، ذلك أن هناك، نشاطات اجتماعية تجري على مستوى يتجاوز حدود الدولة أو الوطن. تكمن المسألة في رمتها في معرفة ما إذا كان إطار هذه النشاطات هو المجتمع العالمي بمعنى المجتمع وفق المفهوم السوسيولوجي. للتذكير فإن المجتمع بناء تصوري يشير إلى الفضاء الذي تجري فيه الظواهر الاجتماعية، أي تفاعلات و تبادلات الخيرات و الرموز. من الممكن أن علم الاجتماع في تعريفه هذا قد أعطى، منذ ظهوره، أهمية مبالغ فيها لتبادل الخيرات على حساب الرموز. لا ننسى أن المجتمع في نظر تونيز اختراع و أداة التجار، مثل ما نجد عند دوركايم أن المجتمع الحديث مندمج بفضل التضامن العضوي. هذه هي الآفاق التي حاول المؤلفان بسطها و توضيحها في مقاربتهما للمجتمع العالمي و تحليل اقتصاد العالم، مستلهمين موضوعات زوال الحدود و الأفول القريب للدولة، مفترضين أن العلاقة السلعية كافية لتأسيس الرابطة الاجتماعية في استقلالية عن إرادة الفاعلين. بيد أن هذه الآفاق تتميز بطابعها الاختزالي، ذلك أن المجتمع هو في المقام الأول تمثل ثقافي و منتوج خيالي، يوجد في إدراكات و تصورات أعضائه. و السوق وحده لا يكفي لخلق مجتمع هو أساساً فضاء من القيم يضفي معنى على أفعاله و من خلالها يتعارف أعضاء الجماعة فيما بينهم.

النزعة المركزية العرقية ضد المجتمع العالمي

تتمايز المجتمعات بقيمها المنبثقة من ديناميكية نزعاتها العرقية التي تجد جذورها في الجماعات الأولية مثل (العائلات، و القرى...) إن النزعة العرقية، بما هي خاصية في كل حياة اجتماعية، ترسم دوائر متراكزة (متحدة المركز) حيث تعتقد كل جماعة محلية أنها تقع في المركز، كما تعتقد بصورة حميمية أنها أكثر تطابقاً مع الأخلاق و الطبيعة و العقل و الله...و من هنا تعتبر نفسها هي العينة الممثلة للإنسانية التي يبتعد عنها الآخرون. و الأكثر ابتعاداً عن المعيار هم الأجانب، المتوحشون، و الأقرب هم الجيران الذين يعانون مع ذلك من عجز. إن الوعي بالتماهي مع الإنسانية يحتاج إلى صورة المتوحش، الهمجي اللاإنساني الذي يكون ضرورياً أحياناً محاربته من أجل نجدته أو فرض قيمنا المتماهية مع القيم الكونية[29]. كتب كلود ليفي ستراوس، مؤكداً على أهمية نزعة التمركز العرقي ما يلي: "الإنسانية تتوقف عند حدود القبيلة، الجماعة اللغوية و أحياناً عند قرية، إلى درجة أن عدداً كبيراً من السكان الذين يوصفون بالأقوام البدائية يسمون أنفسهم بالاسم الذي يعني ’البشر’... ما يفهم من ذلك أن القبائل الأخرى، الجماعات أو القرى، لا تشترك في هذه الصفة أو حتى في الطبيعة البشرية، إن هي إلاّ شعوب شريرة، ’قردة الأرض’، أو ’بيض القمل’[30]". إن نزعة التمركز العرقي، بما هي شرط و جود جماعات اجتماعية تحتاج إلى تأكيد تفوقها على الغرباء، تعطي للكائن البشري القناعة بأن قيم الجماعة متطابقة مع قيم الإنسانية وأنها المعبرة عن كونيتها.

بقدر ما تكون جماعة ما ممتدة بقدر ما تكون في حاجة إلى التحكم في تدفقات المركزية العرقية في ساحتها، ضماناً لتماسكها و وحدتها. هذه المهمة عادت إلى الدولة في عصر الحداثة، مستقطبة مختلف ديناميكيات النزعات العرقية المحلية، مذوبة إياها في نزعة عرقية واحدة هي النزعة الوطنية. و وفقاً لهذه النظرة، فإن المجتمع الموجود على الصورة الوطنية، هو بناء تاريخي و إنتاج الدولة بما يعني أن الدولة هي التي تعطيه- بعدما توفر له هيئات الضبط و الحدود الجغرافية- وجوداً و تماسكاً وطنياً يعيشه أفراد عبر مخيال مرتبط بممارسات ثقافية و لغوية. ارتسم البناء الوطني، تاريخياً، ضد النزعات العرقية المحلية المتحاربة. أما المجتمعات الحديثة فهي تعبير عن نزعة عرقية فوق محلية أنشأتها الدولة و أعادت إنشائها من أجل تدعيم التماسك الاجتماعي و استقطاب ولاءات أعضاء الجماعة. لذلك فإن النزعة الوطنية هي مخيال غذته نزعة عرقية مركزية، عملت الدولة على تنشئتها اجتماعياً بواسطة "ثقافة راقية" على حساب "ثقافة هابطة" كما يقول جيلنر[31]. تكمن المسألة هنا في معرفة ما إذا كان لهذا السيناريو فرص لإعادة إنتاجه على الصعيد العالمي. إن تعريف النزعة العرقية المركزية نفسه يوحي بجواب سلبي، فلا معنى له على الصعيد العالمي، لأنه يفتقد لنقيضه لتأكيد نفسه.

يعرّف علماء الأنثروبولوجيا البناءات العرقية بواسطة الحدود التي تستبعد الأخرى و عن طريق بناء صورة العدو[32]. لا تخلو الإنسانية من أعداء، مثل السيدا، و التلوث...غير أن هذه التهديدات تظهر كتهديدات مجردة غير مشخصنة، لا تعمل على أيقاظ الشعور بالوحدة كما كانت تفعل القبيلة أو الأمة التي تهاجم الآخر. صحيح، أن الوعي الكوني آخذ في الظهور لمواجهة المخاطر المهددة للإنسانية، كما ظهرت الحاجة أيضاً إلى الضبط، بواسطة المعاهدات، التجارة العالمية، أو تخويل المؤسسات الدولية مهام دقيقة متعلقة بكل سكان الكوكب مثل: منظمة الصحة العالمية، منظمة الأغذية العالمية، المنظمة العالمية للعمل، المنظمة العالمية للتربية و الثقافة و العلوم (اليونسكو)، صندوق النقد الدولي...فضلاً عن المنظمات غير الحكومية مثل منظمة السلام الأخضر، منظمة العفو الدولية، و أطباء بلا حدود...كلها شاهدة على وجود شعور كوني و وعي بالأملاك العمومية الدولية. فماذا ينقص هذا الجمع لينتظم في مجتمع عالمي؟ ربما مخيال العدو المشترك. هل يمكن تصور وطن وحيد، يتساءل دوركايم؟ كان جوابه لا، ذلك أن الأنا يطرح في تعارضه مع غيره[33]. إن النزعة الوطنية العالمية، وفق هذا المنظور، غير ممكن تصورها، لأنها تحتاج من أجل تجسيدها إلى عدو يقوم بتلحيم النوع البشري ضده.

و بناء على ذلك، فإن أي نزعة عرقية مركزية، حتى و إن ظهرت، ستكون تفقيراً للحضارة الإنسانية، لأن ذلك يعني أن الفرنسيين و الهنود و العرب...يفقدون خصوصيتهم و يصبحون بالتالي متماثلين، و سيكون ذلك خسارة للحضارة، التي استفادت، إلى حد الآن، من إسهامات كل مجتمع. إن العقل يدين النزعة العرقية المركزية عندما لا تظهر إلاّ طابعها العدواني و الحربي، لكن يمكن تصورها كديناميكية ثقافية، حينما تثرى الحضارة العالمية بإسهامات مختلف الجماعات الاجتماعية.

حول المجتمع العابر للأوطان

لا يوجد مجتمع دولي، غير أنه توجد ساحة دولية حيث تجري فيها الوقائع الاجتماعية التي اكتسبت بعداً عابراً للأوطان، رابطة الأفراد فيما بينهم خارج الحدود. لقد انحرف علم الاجتماع عن هذه الوقائع لأنه طابق حدود موضوعه مع موضوع الدولة-الوطنية. و لم يهتم علم العلاقات الدولية للتدفقات العابرة للأوطان إلا بعد ظهور الكتاب الجماعي المؤسس لـ روبير كوهان و جوزيف ني، الذي أكد على أهمية العلاقات المجتمعية المتجلية في ميدان الاتصال و الإعلام، و في الأفكار و المذاهب، في وسائل نقل السلع والأشخاص، في المجال المالي و التداول النقدي و القروض و أخيراً في السفر أو السياحة[34].

خرج المؤلفان بخلاصتين: الأولى أن المجتمعات حساسة للتأثيرات التي تمارس على بعضها البعض. والثانية أن الدولة لم تعد الفاعل الأساسي والمحدد على الساحة الدولية. يعطي فهرست الكتاب إشارة إلى ظهور فاعلين جدد ينافسون الدولة مثل: الشركات المتعددة الجنسيات، المنظمات غير الحكومية، المنظمات الثورية، الشبكات العلمية، إلخ... لقد قام المؤلفان كوهان و نيي بفتح مسالك بحث و التي لم يقم علماء الاجتماعي باستغلالها إلاّ حديثا[35]ً.

نشر كارل كيسر، سنة قبل ظهور هذا الكتاب، مقالاً باللغة الألمانية عنوانه "السياسة العابرة للأوطان: من أجل نظرية للسياسة الدولية"، حيث يؤكد فيه أن العلاقات بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين على الساحة الدولية ليست جديدة، لكن المقاربة القائمة على الوضع المركزي قد تجاهلتهم تماما[36]. صحيح، كما يضيف، أن العلاقات قد ازدادت كثافة مع الحرب العالمية الثانية بفضل التقدم التكنولوجي الذي ساهم في ظهور مجتمع عابر الأوطان "معرّفاً إياها كنظام من التفاعل في ميدان خاص، بين الفاعلين الاجتماعيين ينتمون إلى أنظمة وطنية مختلفة". إن هذا المجتمع العابر للأوطان، الذي لا وجود له جغرافياً، هو التعبير عن التطور الاقتصادي والسياسي للمجتمعات الوطنية التي باتت مراقبة الحكومات لها تتضاءل، و من ثمة دمقرطتها، ذلك، كما يشرح ك. كيسر، أن "البنية الديمقراطية تعمل على زيادة كثافة هذه العلاقة [العابرة للأوطان]، لأنها تُجبر الحكومات على أن تكون أكثر إصغاء وحساسية للاضطرابات". إن هذه الاضطرابات ذات الطبيعة التقنية-العلمية، الاقتصادية، البيئية، الدينية و العرقية... وغير المتحكم فيها من قبل الدول، والعاملة على نفي الحدود الإقليمية، قد أظهرت بطلان المقاربة الواقعية المحللة لعالم مكون من سيادات متجاورة. إن هذه التدفقات غالباً ما كان التحكم فيها صعباً، وقد اكتسبت ما يكفي من القوة، ما جعلها تطيح بالبلدان الاشتراكية السابقة و التي بعد تحررها من وصاية الاتحاد السوفياتي، تسببت في انهياره.

أصبحت المجتمعات الوطنية حالياً أكثر انفتاحاً، وأكثر حساسية للعوامل الخارجية، لقد تمت عولمتها إلى درجة أن أعضاءها أَدمجوا البعد الدولي في حياتهم[37]. هذا الأمر، بات صحيحا على الصعيد الإعلامي، حيث أن زلزالا في اليابان و عملية خطف رهائن في كولومبيا أو تزوير انتخابات في العالم العربي، يشكلون جزءاً من عالمنا اليومي. كما أن هذا صحيح أيضاً فيما يتعلق بالعمل المأجور الخاضع للمنافسة الدولية والمتأثر بمعدل صرف العملات الأجنبية التي تشجع عملية ترحيل المؤسسات[38]. و يعتبر هذا الأمر صحيحاً أيضاً في مجال حياتنا الثقافية و الترفيهية، حيث لم تعد الحدود المادية موجودة في إدراكنا[39]. أصبحت المجتمعات المحلية، بعد الآن، معولمة، تقيم علاقات تتجاوز الدول، حيث تقوم هذه الأخيرة بتكييف نفسها وفق هذا التطور الجديد.

و انطلاقاً من هذه المعاينة يرى روسنو (James Roseneau) أن هناك عالمين على صعيد العلاقات الدولية: عالم الدول وعلاقاتها، و عالم الفاعلين الخواص و التدفقات العابرة للأوطان الذين يعملون على تغذيتها. هناك الكثير من الأعمال التي كُرّست للنوع الأول من العلاقات، بينما النوع الثاني لا يزال ينتظر البحث والاستكشاف، و هو نوع يتميز بقدر كبير من الاضطراب و التوتر و الفوضى، لأنه متعدد المراكز، خاضع لمعقوليات مختلفة لا تُعرف مواقعها. غير أن الذي يميّزها بشكل أساسي، أنها تعرف، بصورة متزايدة، فاعلين موجودين خارج نطاق مؤسسات السيادة، كما توجد على نحو متنامي هويات مشتتة تنشط خارج الولاء للدول أو لأي سلطة نظامية أخرى[40]. و في إطار هذا التشكيل الهيكلي الجديد، لم يعد للمكان الجغرافي الذي يوجد فيه الفرد أهمية تذكر. ولم تعد الولاءات للسلطات المحلية حصرية، و إذا امتلك مواطن جوازين للسفر أو ثلاثة (تعدد الجنسيات) لا ينظر إليه كخائن لوطنه الأصلي. و للتدليل على هذه الأطروحة، قام روسنو بتغيير مستوى التحليل، منتقلاً من السياسة الكلية إلى السياسة الجزئية، مهتماً بممارسات و تصورات الأفراد و التي باتت آثارها توجه تطور النظام الدولي. هناك واحدة من أطروحاته الأصيلة، تشكل صلب الموضوعات السوسيولوجية، تذهب إلى أن أفراد المستوى الدولي قاموا بتغيير علاقاتهم بالسلطة و بالجماعة التي كانوا ينتمون إليها، و دللوا على قدر جيد من المعرفة بالشؤون العالمية أكثر من أي وقت مضى، معبرين عن آرائهم، المستهجنة أحياناً، حول المشاكل الدولية. إذا كان ك. و التز يدعو إلى تفسير سلوك الأجزاء بمنطق الكل الذي ينتمي إليه، فإن روسنو يتبنى منهجاً معاكساً يعتمد على النزعة الفردية المنهجية التي تفترض أن أفعال الملايين من الأفراد تنتج ديناميكيات عابرة للأوطان، مزعزعة لدول ذات فعالية ضعيفة و شرعية متآكلة. هذا الأمر كان مصدر الاضطرابات، و هو مصطلح علم الأحوال الجوية، الذي يشير إلى عدم استقرار و تقلبات جوية مرتبطة بموقع الرياح وقوتها. الساحة الدولية، في نظر هذا المؤلف، تتميز بتقلبات، متسببة في فوضى أكثر خطورة من خطورة النظام الحكومي أو الدولني (نسبة إلى الدولة) القديم، و يعود هذا الأمر إلى سببين: هناك تزايد عدد الفاعلين الذين ينشطون خارج الإطار المؤسساتي للسيادة، مع وجود هويات متفرقة و مشتتة يشق عليها أن تتماهى في ولائها لدولة ما[41]. إن اتجاه روسنو نحو آفاق سوسيولوجية هو مؤشر وجود فراغ يتعين ملؤُه وضرورة التكفل بالظواهر الدولية التي لا يمكن لعلم الاجتماع تجاهلها مثل العنف، و المسألة العرقية و السياحة و المقدس و شبكات الإجرام الدولية التي صنعت الحدث في الصحافة. لقد باتت الساحة الدولية مسرحا للعديد من الظواهر التي تجاوزت الحدود التقليدية لعلم الاجتماع. لقد أصبح الميدان الذي يتعيّن الإلمام به واسعاً، ما يستوجب إجراء دراسات وتحاليل معمقة يُستعان فيها بأدوات العلوم الاجتماعية من خلال البحوث الميدانية، عن طريق المقابلات و الملاحظة بالمشاركة، و استغلال معطيات الأرشيف و البيانات الإحصائية و هذا ما يسميه الأنثروبولوجيون الأمريكيون باختصار fieldwork، (العمل الميداني) مستخدمين أعمال علم السياسة، علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، التاريخ والاقتصاد...أي دعوة إلى تضافر التخصصات العلمية المختلفة التي تقتضيه طبيعة الموضوع، ذلك أنه من الصعب تصور باحث واحد يمكنه أن يكون متخصصاً في المسائل الإثنية و الظواهر الدينية و الاقتصاد العالمي و الدولة و ما إلى ذلك.

علم الاجتماع مدعو إلى تجاوز الإطار الوطني و الإقرار بأن وجود احتكار ممارسة العنف يعتبر معطى تاريخياً و ليس معطى أنثروبولوجياً. و على الصعيد الدولي، تبدو الحدود بين علم الاجتماع و الأنثروبولوجيا متجاوزة. و ضمن هذه الآفاق، ظهر مؤلف مجهول لدى دعاة النزعة العالمية و الذي يمكن لنظريته أن تكشف حقيقة الديناميكيات المتنازعة على الساحة الدولية. إنه بيار بورديو، الذي لا يتخذ من المجتمع مرجعية لعلم الاجتماع، بل الحقول الاجتماعية المتّسمة بالصراعات بين فاعلين حائزين على رساميل اجتماعية مختلفة، و يمارسون على مستوياتهم الهرمية الخاصة عنفاً رمزياً. كما هو الشأن في الساحة الدولية، فإن الفاعلين توجههم "جبلَّتهم" لتعزيز مواقعهم و زيادة رساميلهم، و هذا ما يؤدي إلى إعادة إنتاج نظام الفوارق والتباينات (هوبز1). تشبه الساحة الدولية المجتمع بمنظور بورديو حيث تكون فيه النزاعات مضبوطة بالعنف الرمزي للفاعلين الخواص، في فضاء لا وجود للدولة فيه، أو بالأحرى الجهاز الذي يمارس احتكار العنف الرمزي. فعلاً، إن الدولة، من منظور بورديو، تُدرك كسلطة اجتماعية كغيرها من السلطات، تخدم مصالح القوى المسيطرة الحريصة على بقاء نظام اللامساواة الذي يفيدها[42]. و هكذا تبدو الساحة الدولية متميزة بالتراتبية، مكونة من بلدان قوية، متوسطة وضعيفة، تسعى كلها لتعظيم مصالحها تبعاً للموارد التي تملكها. إن هذه الصورة الديناميكية للنزاعات الهيكلية هي صورة المجتمع القبائلي، و هو يعمل على مستوى ما دون الدولة ( infra-étatique)، حيث يدافع ضمنها الفاعلون عن رساميلهم الاجتماعية و هم يعيدون إنتاج العلاقات الاجتماعية المتميزة بالعنف الرمزي، و لكن أيضاً بالعنف المادي و الذي لا يوجد أيّ جهاز يحتكره[43]. لكن هذا لا يستبعد وجود، كما هو الحال في العلاقات الدولية، مؤسسات تحكيم (مثل الجماعة، المرابطين، الشرفاء...)، و هذا ما يذكرنا بنظام المجتمع الفوضوي، كما صوره بول، بثقافته القائمة على الردع والمعايير. يتميز مستوى ما "دون الدولة" بالفوضى مثله مثل مستوى "ما فوق الدولة".

إن إشكالية بورديو تسمح بقراءة الساحة العالمية المتميزة بسيطرة الأمريكيين، المتحديين من قبل منافسيهم الحلفاء الذين يستفيدون من هيمنة القوة العالمية الأولى و الذين يعتبرون همزة وصل لنشر ثقافتها و منتجاتها. فبدون رضا الخاضعين، ما كان ممكناً لعملية الأمركة أو المكدنة[44]، حسب بورديو، أن تُنتَج و يُعاد إنتاجها[45]. و مع ذلك، لازالت بعض قطاعات الثقافة الوطنية تقاوم، غير أن المعركة غير متكافئة على نحو كبير، و يبدو أنها خاسرة مسبقاً، بفعل قوة الهيمنة للإمبراطورية الأمريكية المتعاظمة. و هذا ما سماها جوزيف ني بعبارة (Soft Power) "القوة الناعمة" الذي يصعب ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، و هو مفهوم يعادل في مضمونه ما يسميه بورديو بالعنف الرمزي. لقد فرضت هوليود، دون أن تلجأ إلى الردع المادي، ثقافتها و إيديولوجيتها عبر السينما التي بات نفوذها ممتداً إلى أطراف المدن الأكثر فقراً. تعتبر هوليود التجسيد الملموس لقوة و فعالية العنف الرمزي الذي جعل الملايين من الشباب ينخرطون في مدركات ورؤى العالم و يتماهون مع أبطال، تزّين صورهم جدران المدن القصديرية لبنغلاديش، و ضواحي لندن و مدن "الفافيلا" في البرازيل. و ربما كان هذا التماثل و التوحيد و إضفاء الطابع الأسطوري على المنتجات السلعية، مجسداً في أجسام الرجال و النساء، و فارضاً قوانين الرجولة و الجمال، هو الذي يثير ردود فعل دفاعية قوية تستمد قوتها من القيم الدينية التي تستقطب شباب آخرين على استعداد لإتباع نهج بن لادن. و هي الأطروحة التي بسطها بنجامين باربر في كتابه (Djihad versus McWorld)[46]. و ضمن هذا المنظور، تعتبر النزعة الإسلامية رد فعل عنيف لفقدان "جوهر النزعة العرقية المركزية" الذي تتعرض لها البلدان الإسلامية، حيث يتبنى فيها قسم من النخبة كونية الحضارة الغربية، وهذا ما يخالف الطابع الكوني للإسلام كمجتمع و ثقافة و دين.

و كخلاصة، يبدو أن صعوبات تحليل موضوعات علم الاجتماع الدولي ذات طبيعة منهجية أكثر منها أنطولوجية[47]. فعلاً، لقد عرف علم الاجتماع توتراً بنيوياً متعلقاً بمقاربتين: أحداهما ترى أن مستوى التحليل هو المجتمع، الذي كان يتماهى، إلى وقت قريب، مع الدولة-الوطنية. (النزعة الكلية)، و بينما ترى الثانية أن هذا المستوى هو الفرد (النزعة الفردية المنهجية). و بين هذين المستويين الأكبر و الأصغر يوجد مستوى الميزو/البيني المتعلق بالجماعات و الجمعيات و النقابات و الأندية و المؤسسات و ما إلى ذلك. تهتم الميكرو-سوسيولوجيا بالجماعات المكونة من أكثر من شخص، و تتميّز عن علم النفس الاجتماعي بكونها تركز، على وجه الخصوص، على العلاقات القائمة على القيم الاجتماعية المنشئة للنظم: مثل الأسر و النوادي المحلية و ورشات العمل و الطوائف المهنية...تنتج هذه التجمعات، على الرغم من محدوديتها، آثاراً اجتماعية بفعل تفاعل ذاتيات الأفراد، التي تعتبر موضوع علم النفس الاجتماعي. بالنسبة لعالم الاجتماع الأمريكي سميلسر، كلما ابتعد الموضوع عن المستوى الأصغر، كلما اكتسب كثافة سوسيولوجية. غير أنه يفقد طابعه الإنساني، ذلك أن البنيات تبتلع الفرد و تذوبه فيها. أما الماكرو-سوسيولوجيا، فهي ميدان النسق و الوظيفة و المنطق الاجتماعي غير المجسد. و ضمن هذا المستوى يطرح المشكل المتكرر للفاعل و النسق و هو نقاش كان دعاة العالمية يعرفونه منذ نهاية  1980[48]. إذا كانت الميكرو-سوسيولوجيا المحددة من قبل الدولة-الوطنية قد تم إفقارها من طرف البنيوية الوظيفة، فما هو حالها على المستوى الأكبر، العالمي؟ و هل بسبب ذلك كان سميلسر مشكاكا في الأساس المعرفي لعلم اجتماع عالمي؟ و قد كتب في هذا الصدد يقول: "إن إحدى سمات علم الاجتماع العالمي هي بالكاد علم اجتماع بالنظر إلى انشغالات التخصص[49]". و هو تخصص يواجه، أكثر من أي وقت مضى، صعوبة في إيجاد إطار ووحدة لتحليل لموضوعاته.

ترجمة: مصطفى مرضي

 الهوامش

*مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات العدد 47-48 ، جانفي و جوان 2010، ص. 67-90.

[1] Ohmae, K. (1985), La fin de l’Etat-nation, Dunod.

[2] Cf. Badie, B. (1999), Un monde sans souveraineté, Fayard.

[3] Morgenthau, H. (1948), Politics Among Nations: the Struggle for Power and Peace, New York, Knopf.

[4] Aron, R. (1963), "Une sociologie des relations internationales", Revue française de sociologie, vol. IV.

[5] Aron, R. (1962), Paix et Guerre entre les Nations, Calmann-Lévy.

[6] Cf. Aron, R. (1967), "Qu'est-ce qu'une théorie des relations internationales?", Revue Française de Science Politique.

Sur ce thème cf. aussi Roche, J-J. (1994), "Les relations internationales: théorie ou sociologie ?", Le Trimestre du monde, n°27.

[7] Waltz, K. (1992), "Realist Thought and NeoRealist Theory" in R. L. Rothstein (editor), The Evolution of Theory in International Relations, University of South Carolina Press.

 [8]حول استخدامات دوركيام من قبل دعاة النزعة العالمية أنظر:

Larkins, J. (1994), "Representations, Symbols and Social Facts: Durkheim in International Relations Theory", in Millennium, n° 23, et Ramel, F. (2004), "Les relations internationales selon Durkheim. Un objet sociologique comme les autres", in Critique Internationale.

[9] Waltz, K. (1979), Theory of International Politics, Reading, Addison-Wesley.

 [10]أنظر في هذا الصدد النقد الذي وجهه :

Ruggie, J. G., Cox, R. et Ashley, R.K., وردود de Waltz dans Keohane, R. O. (1986), (editor), Neorealism and its Critics, Columbia University Press.

 [11]للاطلاع على نقد استخدام مفهوم الأنوميا من قبل والتز أنظر:

Barkdull, J. (1995), "Waltz, Durkheim and International Relations: The International System as an Abnormal Form", American Political Science Review, n°3.

 [12]هي الأطروحة التي يدافع عنها.

Ashley, R. qui a intitulé son article « Poverty of neo-realism », op. cit.

[13] Bull, H. (1977), The Anarchical Society, MacMillan.

 [14]حول الأنظمة العالمية أنظر:

Cf. Stephen, K. (1983), (ed.), International Regimes, Ithaca, Cornell University Press.

[15] Cf. Bull, H. and Watson, A. (1988), (edited by), The Expansion of International Society, Clarendon Press, Oxford.

[16] Waever, O. parle de la synthèse "néo-néo" en référence à la convergence entre les néo-libéraux et les néo-réalistes. Cf. Waever, O. (1996), « The Rise and Fall of the Inter-Paradigm Débate », in K. Booth, S. Smith, M. Zalewski (éditeurs), International Theory: Positivism and Beyond, Cambridge University Press.

 [17]إن نسبة علم النفس لعلم الاجتماع كنسبة الكيمياء الجزئية للبيولوجيا، فبدون عمليات كيمائية لا توجد ظواهر بيولوجية، على الأقل بالشكل الذي نعرفه اليوم. وهذا ما يمثله المفهوم الدوركايمي للحماس الجماعي الذي يتم إسقاطه على الوحدة الرمزية للطوطم المجسد للمجتمع والمعاش من خلال مخيال ديني. إن هذه العمليات الاجتماعية، المحللة في كتابه "الأشكال الأولية للحياة الدينية" تصاب بعملية التشيء إلى الحد التي تصبح فيه موضوعية، ولا تظهر دون وجود الوجدان النفسي للأفراد والظواهر الذهنية التي تعمل على تمييزهم عن كل الكائنات الحية الأخرى.

[18] Aron, R. (1984), Les dernières années du siècle, Julliard, p. 25-26.

 [19]حول هذا النقاش أنظر:

Fourquet, F. (2002), « Une société mondiale ? », in Revue du MAUSS, n°20, 2èm. Semestre, et la réponse dans le même numéro de la revue d’Alain de T., « La société mondiale existera-t-elle ? ».

و من جهة أخرى، فإن المؤتمر الدولي السادس عشر لجمعية علماء الاجتماع للناطقين باللغة الفرنسية، المجتمعين في لافال، كيبك، في جويلية 2000، قد وافق على مفهوم "المجتمع الدولي". أنظر:

Cf. les actes du congrès dans Daniel M. (2001), (sous la direction), Une société-monde ? Les dynamiques sociales de la mondialisation, Québec, De Boeck Université.

[20] Kant, E. (1986), Pour la paix perpétuelle, Presses Universitaires de Lyon, p. 71-72.

[21] Kant, E., op.cit., p.71.

[22] Kant, E., op.cit., p. 71.

[23] Kant, E., op.cit., p. 66.

[24] Burton, J. (1972), World Society, Cambridge University Press.

 [25]"إذا ما أضفنا التنقلات الأسبوعية التي قام بها المسافرون إلى سيل البرقيات والعلاقات ذات الطابع العرقي أو اللغوي، و الأسفار التي قام بها العلماء و المستشارون التقنيون، و حركات الهجرة، و السياح و كل أنواع المعاملات، فبمكاننا تكوين فكرة عن هذه العلاقات التي من شأنها أن تفسر لنا سلوك البشر في المجتمع الدولي، و هو أمر لا يمكننا القيام به لو أننا استعنّا بالبطاقات التقليدية."

Burton, J., idem

[26] Cf. Banks, M. (1984), (editor), Conflict in World Society. A New Perspective in International Relations, Wheatsheaf Books LTD, Brighton.

[27] Badie, B., Smouts, M.-C. (1995), Le retournement du monde. Sociologie de la scène mondiale, FNSP.

[28] غير أن هذا التعارض لا يحيل إلى وقائع تاريخية، و إنما يقوم ببناء "نماذج مثالية" ذات الطابع المنهجي لإدراك عمق الفارق بين المجتمعات المحلية للعالم الريفي حيث تتجسد الرابطة الاجتماعية في الوجوه المألوفة،  تكون مجردة في المجتمعات الحضرية و الصناعية. ورغبة منهم في فهم عمق القطيعة التي أدخلتها عمليات التصنيع في القرن التاسع عشر، احتاج الآباء المؤسسون لعلم الاجتماع إلى بناء مخططات منهجية لاستيعاب موضوعهم. سيكون من الخطأ الاعتقاد أن هذه المخططات تحيل إلى عمليات تاريخية حقيقة.

 [29]لم يتمكن مفكرو عصر الأنوار من الانفلات من النزعة الإثنية المركزية الأوربية الذين كانوا يعتقدون بطابعها الكوني، مستندين في ذلك إلى القانون الطبيعي. إن المهام التحضيرية التي ألهمت المؤسسات الكولونيالية كانت تفصح عن إرادتها لتحرير "المتوحشين"، مع أنهم كانوا أكثر قرباً إلى الطبيعة من الأوربيين، و تقوم بتعليمهم أن مؤسساتهم و معتقداتهم كانت معاكسة للطبيعة. و الجدير بالذكر أن العملية التي من خلالها يحوز "الأهلي"على الجنسية في العديد من اللغات الأوربية تسمى "التطبيع". الأمر يتعلق مثلاً بجزائري يطلب الجنسية الفرنسية ليصبح فيما بعد "طبيعياًّ"، أي فرنسياً، باعتبار أن المجتمع الفرنسي أكثر طبيعية من أي مجتمع آخر. المشكل الوحيد، أن كل مجتمع يعتقد أنه أكثر قرباً من الطبيعة، وهذه بالضبط النزعة العرقية المركزية. أنظر في هذا الصدد:

Cf. Lahouari, A. (1996), "Colonial Mythologies: Algeria in the French Imagination", in Brown, L.C. and Gordon, M.S., Franco-Arab Encounters, American University of Beirut.

[30] Lévi-Strauss, C., Race et histoire, éditions Gonthier, p. 21.

[31] Gellner, E. (1985), Nations et nationalismes, Payot.

[32] Cf. Barth, F. (1995), « Les groupes ethniques et leurs frontières » in P. Poutignat et J. Steiff-Fenard, Théories de l’ethnicité, PUF.

[33] Durkheim, E. (1975), Textes. Fonctions sociales et institutions, volume 3, Les éditions de Minuit, p. 224.

[34] Keohane, R., Nye, J. (1971), (editors), Transnational Relations and World Politics, Harvard University Press.

[35] Cf. Sklair, L. (1991), Sociology of the Global System, Johns Hopkins University Press.

 [36]توجد حالياً ترجمة لكتاب

Philippe B. (1977), Théories des relations internationales, PUF.

[37] Cf. De Swaan, A. (1998), « Sociologie de la société transnationale » in Revue de Synthèse, n° 1, Janvier-Mars.

[38] Cf. Martin, D., Metzger, J. et Pierre, P. (2003), Les métamorphoses du monde. Sociologie de la mondialisation, Seuil.

[39] Cf. Roberston, R. (1992), Globalization. Social Theory and Global Culture, Sage Publications.

[40] Cf. Roseneau, J. (1990), « Tubulence » in World Politics, « a Theory of Change and Continuity », Harvester Wheatsheaf,.

 [41]حول هذا المؤلف أنظر:

Michel, G. (1994), « Turbulence » dans « la théorie politique internationale » ou Roseneau, J., l'inventeur, in Revue française de science politique.

[42] Cf. Addi, L. (2001), « Violence symbolique et statut du politique chez Pierre Bourdieu », in Revue Française de Science Politique, Décembre.

[43] Cf. Addi, L. (2002), Sociologie et anthropologie chez Pierre Bourdieu. Le paradigme kabyle et ses conséquences théoriques, La Découverte.

[44] المترجم: نسبة لمطاعم ماكدونالد الأمريكية.

[45] Cf. Ritzer, G. (1993), The McDonalization of Society. An Investigation into the Changing Character of Contemporary Social Life, Londres, Thousand Oaks, Sage/Fine Forge Press.

[46] Cf. Benjami, B. (1996), Djihad versus McWorld. Mondialisation et intégrisme contre la démocratie, Hachette Littérature.

 [47]حول هذه المسائل ذات الطابع الانطولوجي الذي يطرحه مفهوم المجتمع على الصعيد الدولي، انظر:

Cf. Thibault, J.F. (1998), « L’idée de société et l’étude des relations internationales » in L. Olivier, Bédard, G. et Thibaullt, J.F. (sous la direction de), Epistémologie de la science politique, Presses de l’Université du Québec.

[48]هذا النقاش بدأ مع

 de Alexander W. (1987), "The Agents-Structure Problem in International Theory", International Organization, n° 3.

[49] Smelser, N. (1995), Problematics of Sociology. The Georg Simmel Lectures, University of California Press, p. 76.



Local under question Citizenship in the making

This article tries to determine the weight of local importance, from anti -establishment identities in the 80’s, 90’s and in 2000, the ways it is represented, as well as its insertion in actor practices, mainly in Kabylie. Starting from the principle of necessary epistemological vigilence for the movements observed, particularly in proximity and in certain cases instanteity, this analysis suggests attempting to unravel how, through the different contestatory local movements the citizens’ impulses, are stated clearly by popular identity and community annoyance and also, annoyance at a higher level. These irritations, if they don’t involve a remaking of belonging, and living together such as expressed by social dynamics nevertheless thwart its advancement.

Keywords: Citizenship - Identity - Local - Kabylie - Arch - Community.


مقدمة

لم يتم أبدا منذ استقلال الجزائر سنة 1962، إعطاء مثل هذا المقدار من الأولوية إلى سؤال المحلي و المناطق لقد أدت أحداث القبايل لربيع و صيف 2001، إلى تسليط الضوء على الوقائع المحلية. و لكن حرّكت أيضا لدى فاعلي "القيادة الجماعية"[1] إرادة الاحتجاج من أجل تجسيد أشكال قديمة لتنظيم المجتمع، كبديل عن مركزية الدولة و عن أشكال التسيير السياسية و الإدارية التي تتضمنها. و بالفعل، يُعبر احتجاج القبايل[2] سنة 2001 ­و لكن أيضا بمختلف مناطق الجزائر، حتى و إن كان ذلك بشكل متقطع­،[3] ذو الكثافة الكبيرة بطريقة عجيبة عن الفارق بين مركز الدولة و بين المناطق الداخلية.[4] صارت أدوات التحديث السياسية و الأشكال الجديدة للتعبير السياسي الموضوعة في الميدان منذ الاستقلال -بما في ذلك الأحزاب- محل شك و مستهدفة من طرف المحتجين على مستويات كبيرة و بشكل منظم.[5] و إذا كان الاحتجاج في المناطق الأخرى و بعد انتفاضات مدمرة (على المستوى المادي) من غير نفس و سرعان ما ينطفئ، فإن الأحداث قد اتخذت في حالة القبايل منحى آخر و مدّة لا نظير لها في تاريخ الجزائر بعد الاستقلال.

بالفعل، كانت الصدمة ذات عنف نادر و أدت و سائل القمع المستعملة من طرف الدولة من أجل تقليص الاحتجاج إلى مآس حقيقية، أوشكت عواقبها الإنسانية و السياسية على التأثير و لمدة طويلة في العلاقات بين هذه المنطقة و بين مؤسسات الدولة. إنه لسابق لأوانه أن نجري تحليلا دقيقا لحركة الاحتجاج هذه، و التي لم تعرف إلى لحظة اشتغالنا على هذه الدراسة[6] حلا للعقدة، و التي على أي حال تبقى دائما فاعلة نسبيا.

1.على المسار الكرونولوجي: إعادة اختراع العرش

و مع ذلك، يظهر لنا أنه من الممكن، ابتداء من ملاحظة الأحداث الخاصة بشهر ماي، جوان و جويلية، أن نناقش على سبيل التقديم لإسهامنا بعض مناحي هذا الاحتجاج. و الأكثر بروزا من وجهة نظرنا، هو شكل و طريقة التنظيم اللذين يمنحهما جزائريو مناطق القبايل لأنفسهم و البراديغم الفاعل عند اللجوء إليهما.  

و إذا كنا منتبهين بشكل ملموس للكرونولوجيا، فإن بني دوالا Beni-Douala هي مركز الانفجار الذي مس كل القبايل، إذ فيها اتخذت محاولة التنظيم الأولى شكلا، بمعنى في حوالي 21، 22 أفريل 2001،[7] حيث يتعلق الأمر بولادة تنسيقية لمجالس القرى على مستوى دائرة بني دوالا في عجالة المواجهات.و بمقدار ما تعممت أحداث الشغب في غياب إطار للوساطة، بمقدار ما تظاهرت مجالس القرى في مختلف أرجاء القبايل، فرأى مشروع تنسيق أكثر اتساعا النور. لم تتمكن ردود فعل الأحزاب السياسية الأكثر تجذرا في منطقة القبايل، من أن تتحول إلى فعل سياسي يتبع بشكل صحيح ما أخذ شكل ثورة حقيقية. يمكننا أن نفهم وبشكل قبلي أن هذه الأحزاب، بما فيها RCD وFFS  * كانت في الواقع مشلولة بسبب حجم الحركة و عدم توقع حصولها، شأنهما في ذلك شأن المؤسسات الرسمية التي هجرت المجتمع، تاركة المكان للمواجهة بين محتجين أغلبهم شباب، لا يستمعون للخطابات السياسية و بين قوات الأمن و التي تحت وقع براديغم مكافحة الإرهاب، لم تتردد في اللجوء إلى الطرق الأكثر تطرفا، بما في ذلك استعمال أسلحة الحرب، خاصة في المناطق الريفية (البلدات الصغيرة). تم إنشاء في 09 ماي، و بعد اجتماعات تمهيدية، مجلس فيدرالي لـ عرش الأربعاء ناث إراثن Larbaa-Nath-Irathen  الذي ضم قرى بلديات الدائرة التي لها نفس الاسم. و خلال الأسبوع الأول من شهر ماي تظاهر أيضا عرش أث جناد Ath-Djenad، ثم عرش أث غبري Ath-Ghobri. و يصير لمدينة تيزي وزو في 04 ماي تنسيقية لمجالس الأحياء. و لا بد من التنبه إلى أن الأحياء لم تُمثل كلها و أن بعضها سيفرض و بسرعة سيطرته.[8] و أكثر الممثلين مُختارين من المنتخبين. و قد فرضت الحالة الطارئة قانونها الخاص، ما جعل تنسيقيات البلديات و الدوائر تتأسس بسرعة. و في اللحظة المُؤسسة، أي إلى غاية "المسيرة السوداء" بتاريخ 21 ماي 2001، يرافق هذا النوع من التنظيم و يحاول توجيه الاحتجاج و المواجهات القاتلة و شديدة العنف. و تأسست في 17 ماي 2001 على مستوى ولاية تيزي وزو تنسيقية العروش، الدوائر و البلديات (CADC) بـ إيلولة أومالوIloula-Oumalou . و في الأخير، فإن ولايتا بجاية وبويرة تنتظمان بطريقة مختلفة، لأن المجالس البلدية فيهما تأسست عموما تحت مسميات مختلفة (مجالس مواطنين، مجالس شعبية). و بالتحديد، فإن الشكل المُطالب به بكثرة في ولاية تيزي وزو و قبايل جرجرة هو العرش. و نشير إلى أن الشكل المسمى بـ "العرش"، ليس هو الشكل المهيمن في هذه المنطقة من القبايل و من باب أولى في مختلف أرجاء المنطقة الكبيرة التي تتكلم القبايلية -ولايات بجاية، بويرة وتيزي وزو-. و نشير أيضا إلى أن تعبئة و توحيد البلديات القروية في جنوب جرجرة (بويرة)، كان أكثر تعقيدا و حصل غالبا فيما بعد. لا يجب على الوحدة اللغوية لمجمل القبايل أن تخفي الاختلافات، خصوصا في المسار التاريخي للمناطق الفرعية المُكونة لهذه الجماعة.[9] 

و سنسجل أن شكل التنظيم في الأصل مؤسس في ولاية بجاية، و بالخصوص في المدينة ذاتها على توحيد الطاقات النقابية و النضالية (تلك الخاصة بأقصى اليسار غير المنظم في حزب). و تحمل اللجنة الشعبية للولاية في أسلوبها علامة سياسية و توجها منقطعا عن توجه العصر الذهبي و عن التوجه الجماعاتي المرفوض من طرف "القيادة الجماعية" المؤسسة في تيزي وزو. و بعد 14 جوان، فإن مجالس التنسيق لبلديات بجاية ستضع اللجنة الشعبية لولاية بجاية  CPWB ** مع الأقلية.[10]

و بالرغم من ذلك، و منذ بداية شهر ماي، صار مصطلح "عرش" المعروف جيدا و المُتعود عليه أيضا في مناطق كثيرة من الإقليم الجزائري هو من تُسلط عليه الأضواء، هو الأكثر تداولا و هو الذي يصف حركة الاحتجاج بــ (مواطني "العروش"). و قد وحّدت الصحافة لغتها بسرعة، مستعملة المصطلح بكثافة و بطريقة منهجية و لكن مع قليل من الرقابة. و ستجعل استعماله مشهورا، مع تأثير مُهيكل على إدراك حركة الاحتجاج.[11] يوجد بوضوح فارق بين الكلمة و بين الشيء المفترض الإشارة إليه، هذا من جهة. و من جهة أخرى، يوجد تناقض قليلا ما يُشار إليه بين الكلمة و الشيء الذي تشير إليه بالأمس و بين ما تعنيه اليوم عادة، أي المواطنة.   

أن تكون لجان القرى التي لها القدرة على استعادة شكل تجمعت، هي دافع متوفر و متجلّ في هذا الاحتجاج، هو شيء لا يمكن أن يُدهش، ما عدا أنه يجب الإشارة إلى الاختلافات من حيث الحيوية حسب مناطق القبايل! جبال القبايل القديمة و جرجرة هي مناطق حافظت و حيّنت بشكل أفضل هذه الأشكال التنظيمية. إن بقاء القرية مرجعا أساسيا في الحياة الاجتماعية و كونها الوحدة السياسية و الاجتماعية الأكثر أهمية في القبايل، شيء مقبول من طرف الأنثروبولوجين و علماء الاجتماع و الملاحظين المنتبهين للمجتمع القبايلي! ولكننا نعرف أنه إذا كان العرش ("القبيلة") يحدد انتماءات مجالية و رمزية، فإنه لم يكن أبدا هيئة منظمة مستقرة و حاسمة في التسيير اليومي للمجتمع القبايلي. يتعلق الأمر، كما يشير إلى ذلك ر. بازغانا و أ. صياد بقسمة و طبوغرافيا ذات حدود مبهمة على مستوى جنيالوجيا الأنساب.[12] و من ناحية أخرى، لا بد من تسجيل أن "تجماعت 12" التي هي سلطة قبلية ليس لها استمرارية مثل المجلس القروي و هي لا تظهر سياسيا إلا في حالة الصراعات الداخلية بين القبائل. أما بالنسبة للــ تقبليت، بمعنى "اتحادية القبايل"، فإن ميزتها الاستثنائية (الصراع شديد الحدّة، خاصة بين القبائل) لا تعينها أيضا كسلطة مستقرة. و مع ذلك، يوجد في القبايل تقليد مُؤالف، و خصوصا عند الاستثناء و عند الشدّة كما حصل سنة 1857 (مقاومة الاحتلال الفرنسي) و خلال التمرد الكبير سنة 1871 مثلا.

بلا شك، يجب اعتبار أنه و متى وجودت علامة و طبوغرافيا حتى و إن كانت ضبابية، فإنه يكون للذاكرة معالم من أجل الحفاظ على آثار العرش. لقد شوهت التقسيمات الإدارية المفروضة من طرف الاستعمار أو أبعدت إلى حد ما هذه المعالم.[13] و بالرغم من ذلك، لم تمح كلية رسوخ الحدود و الأقاليم، و علّمت طرق التّعرف على الجماعات. و لكن فيما يخص موضوع تنظيم و تسيير الحياة الاجتماعية القبايلة، فإن تدارث ("القرية") تحافظ و تحيّن دوافعها عند الاتصال بحداثات القرن 20.[14]

لقد بينا في مقال آخر،[15] كيف تتفاوض التوترات بين أشكال التنظيم القروي القديمة و الحديثة. و أشرنا أيضا إلى أن استرجاع التقاليد  أو إعادة اختراعها في قبايل سنوات التسعينات، هو في الآن نفسه ثمرة الطعن في أشكال تسيير المجتمع من طرف الدولة و هو كذلك خطوة تتجه إلى طلب متزايد لتدخل هذه الأخيرة في المجال الاقتصادي و الاجتماعي. هنا، نستعيد و لحسابنا الأطروحة المُدافع عنها من قبل ج. فافرت J. Favret في وقته و التي يظل له أهميتها الأكيدة اليوم.[16] و مع ذلك، فإننا أشرنا أيضا إلى أن وضعية أزمة التسعينات قد زادت من زخم إعادة استرجاع التقاليد. و من أجل تماسكها، قامت المجتمعات القروية في مواجهتها للثورات المهددة، بتحيين أدوات المراقبة الاجتماعية المستمدة من السجل التقليدي. و التي كما لاحظناه أيضا ليست من غير إكراه، بالنسبة للأفراد، خاصة الشباب الضحايا الرئيسيين لانهيار دولة­الرعاية. إن الانسحاب في حالة الترقب نحو القرية، يجعل من هذه الفئة من السكان طاقة تدميرية[17] ­في منطق الجماعة­ سارعت القرى إلى التحكم فيها أو على الأقل منحت لنفسها الوسائل من أجل فعل ذلك. يخفي البراديغم الجماعاتي الفاعل ضمن هذا المسعى التطلعات الفردية تماما و معها دوافع المواطنة التي سنعود إليها. و في المقابل، لا تسمح لنا ملاحظاتنا بأي حال من الأحوال بالقول أن العرش في الحالات الراهنة (سنوات التسعينات) مسجل حتى ما بين سطور مسعى استرجاع التقاليد. إن الديناميات المحلية هي أولا قروية من حيث التنظيم. إن الصراعات و التوترات هي بين القرى، حيث أن التنافس من أجل الحصول على الخيرات و المصادر يُعقد في السياقات القروية. و الحقيقة هي أن كل قرية قبايلية تُعرف طوبوغرافيا (القرية س  التابعة لـ أث Ath كذا) من غير أن يؤدي ذلك إلى شكل ملموس من التنظيم و الولاء. والبلدية في نظرنا، هي بدورها عنصر ذو معنى ضمن مرجعيات الهوية.

و ظهر لنا أنه قد تم ضمن الأحاديث و الخطابات التي قمنا أنفسنا بجمعها و سماعها خلال ربيع 2001، التفكير في العرش بجدية كبديل عن الأشكال الحديثة لتنظيم المجتمع. و تم تعبئة المُتاح لمواجهة حالة تشارف الفوضى على الأقل، أي تعبئة الهيئات القروية حيثما يكون لها الحيوية لتجنب الحالة الطارئة. لقد حُيّن التقليد الاتحادي أيضا بواسطة القرب الفيزيائي، أي بناء على إلزام طبوغرافي أساسا. و لكن بقدر ما أتاحته لنا ملاحظاتنا، لم نكتشف إطلاقا أي نوع من "الاسترجاع للقبيلة" في القبايل سنة 2001. لا وجود عند تنصيب المجلس الاتحادي لـ عرش ناث إراثن في 09 ماي 2001، لأي عنصر يشير مثلا في التمثيل المُخطط له إلى إعادة تفعيل "تجمعت 12". تتوافق مجالس و مكتب الخمسة و العشرين عضوا مع تنظيم ذو نمط جمعوي، أكثر ما تتوافق مع تنظيم ذو نمط قبلي. لا يشير تكوين الجمعية العامة -ممثل من كل قرية- إلى تمثيل من نمط تقليدي يؤول إلى أوكال (حكماء) أو إلى أمقران (الأكبر سنا) و لكنه يشير إلى أشخاص شبان نسبيا. و حسب معلوماتنا، لا يظهر أن هؤلاء مؤثرين بوجه خاص داخل قراهم أما الإنابة التي خُصُّوا بها فهي ظرفية. كما أنه أيضا لا يوجد يقين بأن ترجع القرى إلى قرارات الهيئة الجديدة إلا من أجل متطلبات القضية، أي ما تعلق في هذه الوضعية بحالة الطوارئ. لا تظهر لنا مسألة رفض الولاءات السياسية التي كانت ذات شأن كبير منذ شهر أفريل 2001، كشيء جديد. لقد كان علينا تفسير كيف أن الظرف السياسي المحلي، قاد الجماعاتي القروي بداية من سنوات التسعينات إلى تسيير التفكك السياسي بتقديم مبادئ التماسك الجماعاتي المأخوذة من السجلات القديمة و المُحَسّنة.[18] يتعلق الأمر بالفصل بين السياسي و بين الشؤون القروية اليومية، أكثر ما يتعلق بتوضيح حقيقي للولاءات لصالح تماسك مهدد ضمن منطق الجماعة، هذا وفق ما كُتب عن نهاية الشأن السياسي في كثير من الأحيان. من الجدير التكلم عن استبعاد الشأن السياسي في شكله المتحزب أكثر من التكلم عن استبعاده الجذري. كذلك، لسنا متعجبين تماما من تكرار هذا المسعى في احتجاج 2001. و من باب أولى، فإن الشيء المبحوث عنه أكثر عندما يكون الوضع دراميا و شديدا، هو التماسك و مقدار أدنى من الإجماع. و يجب أيضا أن نضع في الاعتبار أنه كانت للأحزاب السياسية صعوبات جمّة لتوجيه غضب الشباب أثناء أحداث جوان 1998 -اللاحقة لموت المغني معطوب لوناس- و التي أسفرت عن أسبوع من الشغب. لكن، احتجاجات المنتخبين المحليين مهما كانت ارتباطاتهم الحزبية، بما في ذلك المناطق الأخرى من الجزائر، ترجع إلى حدّة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها السكان والتي لم يتمكن المنتخبون من حلها، لأنه لم تكن لهم الوسائل لذلك ولعدم وجود استراتيجيات جدّية أو لأسباب متعلقة بتسيير ريعي لخيرات المجتمع. في الواقع، يتجلى سحب الثقة بشدة، و بشدة أكثر من الأزمة الاقتصادية والسياسية التي يمر بها البلد. تجد أشكال التسيير من الأعلى نفسها أيضا محل مساءلة و مطالبة بمشاركة أكثر من الأسفل. من الممكن للقبايل، التي تكون الديناميات القروية فيها أكثر تأهبا و معاد تفعيلها بشكل أحسن، أن تُقدم موضوعيا ملمح منطقة، أين يكون لإعداد البدائل انطلاقا من المحلي و من إعادة التأهيل فرصة قوية لإيجاد أرضية ملائمة.[19] و يبقى من الواضح في جزائر الألفية الجديدة، أن نفكر في هذه البدائل.[20]

تسمح لنا هذه المعاينات القليلة، بالقول أن الاستعمال التعسفي وغير المراقب لمصطلح عرش،[21] وما تقترحه الاستعمالات الحديثة لوسائل الإعلام، وبالخصوص إعادة تملك البراديغم الجماعاتي الملحق بـ العرش من قبل "القيادة الجماعية" للاحتجاج، بعد فترات الطوارئ، أدى إلى تعتيم كلي للوقائع الإمبريقية ولرهانات التغيرات الاجتماعية الجارية.[22] و ينطبق الأمر أيضا على الخلط العجيب بين البراديغم الجماعاتي وترجمته في أشكال التنظيم و بين المطالبة المتزامنة بالمواطنة.

ويوجد بالكيفية نفسها ثغرة بين التعبير الإمبريقي للاحتجاج وبين أشكال التسيير والترجمة التي يضعها فاعلو "القيادة الجماعية" محل التطبيق. من الجلي في الأخير، وجود فارق بين صورة المحلي، "بلد القبايل"[23] وإدماجه في ممارسة الفاعلين وبين واقع تعابير الاحتجاج، خاصة في بداياته. وما يخلق المشكل فعلا، هو أنه عندما يكون في نمط التنظيم المُعتمد، براديغم العرش بالمعنى التقليدي بصدد التطبيق، فإنه حينئذ وفي الواقع الاجتماعي لا يتمفصل مع شكل تنظيمي ملموس. تعمل "القيادة الجماعية" كـ "عرش صغير"، في واقع اجتماعي مخترق ربما[24] بذكرى العرش، غير أنه لم يعد يعمل وفق هذا السّجل. و هذا حتى إذا كان يمكن في مواجهة أدوات التحديث المحكوم عليها بأنها قليلة الفعالية، بزوغ يوتوبيا لسعادة عذبة مفقودة في ظلّ حام لحكم ساخن ( العرش) (ضد حكم بارد من طرف الدولة) أصيل وفي متناول اليد. يُخفي في نظرنا تيار التعاطف في الجرائد وعند رجال السياسة أو لدى الجامعيين مع حركة العروش، في الآن نفسه تعقيد الوقائع والتغيرات الجارية ويخون أيضا غياب تفكير عميق حول البدائل فيما يخص تسيير المجتمع. وإذا كان واضحا أنه لا يمكن أن نمسح طاولة الماضي، فإنه من الصعب أيضا استدعاءه ميكانيكيا، إلا إذا أردنا أن نجعل منه أداة نتحكم فيها. من وجهة النظر هذه، يجدر الإشارة إلى أن المطرقة الإعلامية حول العرش أحدثت وبشكل يقيني ترويجا لآثار منفرة عن القبايل ("مسترجعة قَبَليتها") والتي ليست تأثيراتها ملموسة بقدر كاف ولكن في نظرنا، فإن فعاليتها السياسية رهيبة أكثر من الشعار القديم لـ "المس بالوحدة الوطنية".[25] و من غير ادعاء حل هذه المسائل، فإننا سنناقش هنا بعض الجوانب من أجل محاولة فتح مسار للتفكير.

2.الاحتجاجات وبناء المواطنة

الحيطة الإبستمولوجية ضرورية من أجل حل تعقيد المسائل المطروحة من طرف احتجاج ربيع  2001. هذا الأخير، ليس سهل القراءة إلا حين نتفق على المستوى السوسيولوجي والأنثروبولوجي على مساءلته انطلاقا من الإشكالية التي تفتح زاوية المقاربة. بالفعل، إذا اقتصرنا على طرح المشكل خارج سياق شامل، أي ذلك الخاص بالتغيرات الجارية أكثر من عشرية من الزمن في الجزائر، يوجد حظوظ أكبر ألا نفهم هذه الحركة إلا من حيث أنها مجموعة معزولة، تؤكد على خصوصيتها وتطالب أن يُعترف بها بما هي كذلك. بالإضافة، ومن هذه الزاوية، فإنه من الممكن كما هو الحال في بعض الترجمات السياسية إنشاء استمرارية مع الاحتجاجات التي عبّرت عنها القبايل منذ حوالي أربعين سنة، إن لم يكن أكثر إذا أضفنا أزمة 1949 داخل التيار الوطني الجذري، أي حزب الشعب الجزائري و حركة انتصار الحريات الديمقراطية PPA-MTLD.[26] في حين، يظهر لنا أن الأمور أكثر تعقيدا من ذلك، حيث أن طبيعة الاحتجاجات و ملمح الفاعلين والظروف التي حصلت فيها هذه الاحتجاجات ليست متطابقة. وما يبقى في المقابل مستقرا هو القاعدة الهوياتية القوية، خصوصا بالنسبة للاحتجاجات الأكثر حداثة، وبرغم وجود فروق دقيقة حول هذه المسألة، إلا أن الإعراب عن المحلي والمركزي مطروح بشكل مختلف في الوقت نفسه في عالم المثقفين والفاعلين، في واقع المجتمع الجزائري وفي الجماعات المحلية ولكن أيضا في وضعية البناءات السياسية، خاصة فيما يتعلق بتحديد مفهوم المواطنة، بمعنى أشكال المشاركة في الفضاء العمومي وتسيير الشؤون العمومية و أيضا أشكال التعبير عن الانتماء إلى الوحدة الوطنية.

1.2 مواطنة الدولة-الوطنية،[27] تراجع التعددية و الاحتجاجات الهوياتية

ينقل التاريخ السياسي للجزائر، خاصة تاريخ بناء ثم تأكيد الحركة الوطنية الجزائرية بعد ذلك، فكرة عن الانتماء، مؤسسة على أولوية الرابط السياسي و الوحدة السياسية المدعمة بمرجعية لغة مشتركة و قيم دينية متقاسمة. لا بد و بشكل طبيعي الإشارة إلى أنه تم صقل أيديولوجيا الانتماء في الشّدة التي تسبب فيها الاستعمار و المتحولة إلى فعل في الثورة الوطنية. يُتًرجم "التأميم" الذي تطرحه الحركة الوطنية بمختلف تشكيلاتها في المجتمع، بواسطة حلول وسطى مع الوقائع الإمبريقية ذات الحيوية الحقيقية على المستويات الثقافية أو بشكل أعم فيما يتعلق بالتضامن و بالانتماءات الخاصة. بالفعل، تُظهر سوسيولوجيا الأحزاب السياسية الوطنية، خصوصا حزب الشعب الجزائري و حركة انتصار الحريات الديمقراطية، أن إدراجهم كأدوات تحديث و مشروع مجتمع هو نتاج تفاوض و صفقة مع الجماعات الخاصة و مع الوقائع الاجتماعية المتنوعة.[28] تشهد تماما حالة القبايل و حالة مزاب على هذه الوضعية. لقد أظهرنا في مقالات أخرى، كيف انصهر التيار الوطني الجذري، أي حزب الشعب الجزائري و حركة انتصار الحريات الديمقراطية، في قسوة اللامساواة و ضمن شبكات تضامن المجتمع القبايلي من أجل التفاوض على إدماجه في هذا المجتمع، و كيف أن هذا الأخير، و في ظروف الشدة و التعارض مع الآخر و الهيمنة، أجرى تسوية ترجمة الرسالة السياسية الجديدة، من غير التخلص من العوامل الثقيلة المؤسسة للرابط الاجتماعي. و بالنسبة لفاعلي الاحتجاج الاجتماعي، فهم مرغمون على الانفصال عن انتمائهم الخاص بسبب المشروع الذي يحملونه و الذوبان في الآن نفسه في قسوة المجتمع المحلي، حين يتعلق الأمر بأن يكونوا فعّالين بشكل ملموس، بمعنى إدخال الأدوات الجديدة للتنظيم السياسي و الرسالة المتضامنة معه. إن الغموض مُستحضر في الغالب و حاضر بالقدر نفسه عند الفاعلين و في الواقع .و لكن، يجب الاعتراف بأن رؤية مصير المجتمع و تمثل الجماعة الخاصة تنزل من الأعلى، أي أنها تدرك الوقائع الإمبريقية و الفريدة انطلاقا من الأمكنة و الفئات الأكثر مركزية و الأكثر شمولية و ليس من الفئات المحلية. عندما يتم هكذا التماس التجماعت على سبيل المثال في عمل نشر الرسائل السياسية، فذلك ليس بالضرورة من أجل ما يمثله و لكن من أجل ما يمكن افتراضيا أن يصيره في المشروع الجديد، بمعنى وسيلة تحديث يجب عليها أن تتجرد من خاصيتها الجماعاتية المتشددة و الخاصة. إن "الوطن الصغير" ليس له من معنى إلا في تمفصله مع "الوطن الكبير" من خلال التفاوض، بالنسبة لهذه الفترة من تاريخ المشروع الوطني. حالة المزاب و حالة النزعة الإصلاحية البيوضية ذات دلالة أكبر لتمفصل المحلي انطلاقا من مشروع شامل و مركزي. تبقى المحافظة على المجتمع الإباضي و أسسه الجماعاتية، حاضرة بقوة في مسعى النزعة الإصلاحية المزابية. و   عندما ترتبط هذه الأخيرة مع النزعة الإصلاحية لـ عبد الحميد ابن باديس المؤسسة أساسا على انتماء شامل أو بالأحرى عالمي ( أمة)، فإنها تضمن اندماج المجتمع الصغير في مجتمع وطني وشامل.[29]

تشير هذه الأمثلة التي حلقنا عليها سريعا، في العمق إلى أن مشكل علاقة الانتماء الخاصة مع الانتماء الوطني و التوترات المرتبطة به، تُحَل في التوافق و المشقة. و قد صار هذا ممكنا بواسطة ظرف الهيمنة الاستعمارية من جهة و بواسطة إعداد المشروع الوطني المُؤسس على أولوية الانتماء إلى وطن بصدد البناء من جهة أخرى. يؤدي هذا المشروع أيضا إلى تأثير كبير للنماذج الغربية، فيما يخص في الآن نفسه التحديث السياسي و الدولة-الوطنية في طبعتها الفرنسية واليعقوبية(Jacobine) ، بمعنى المركزية. يتأسس الفارق الدقيق و المهم في الحالة الجزائرية، بواسطة رسوخ بنية العامل الديني الذي يتشكل كرابطة حيوية، إلى جانب اللغة العربية.[30] تحمل كل التيارات السياسية للحركة الوطنية الجزائرية، هاتين المرجعيتين اللتين أعدّهما الإصلاحيون الجزائريون و فرضوهما في الحقل الاجتماعي والثقافي لتلك الفترة. وبكيفية ما، ترتسم المواطنة على نمط الدولة-الوطنية، بشكل ضمني و تُبرر بالمصائر المشتركة للجماعات و التي تُنزل بحكم الضرورة، المُطالبة و الاعتراف بالانتماء الخاص إلى الدرجة الثانية. إن الحقائق الإمبريقية، بمعنى كيفيات التماهي الملموسة و تنظيم التضامن و ترجمته في الصراعات إلى ولاءات أو في استراتيجيات السعي إلى بلوغ مراكز في المجتمع أو في السلطة (أو فيما هو قائم، أعني الهيئات الإدارية للثورة) هي بصدد التطبيق و التحيين.        و يصرح محمد حربي بهذه المسائل بقدر كبير من التفاصيل.[31] و لكننا و بالرغم من ذلك، سنسجل أن ثقل الجماعاتي بالمعنى المقصود للتعبئة و إعادة تفعيل التضامن و جعله إقليميا، تُقرأ من الأعلى إلى الأسفل وفق عرض نازل من أعلى. والبرهنة مُقدمة من طرف نزعة الولايات الجهوية. إن الولايات وبالخصوص الولاية الأولى (الأوراس - نمامشة) والولاية الثالثة (القبايل)، مرتبطة بوضوح بإقليم مكون تاريخيا على المستويات الثقافية و اللغوية. و لكن موضوع التنافس السياسي خلال الثورة و بعد الاستقلال، هو السلطة أو تقاسم السلطة. و هذا ليس لصالح الكيانات الخاصة المُمَثلة في الأوراس و القبايل و لكن لصالح الأمة الجزائرية.[32] يتعلق الأمر ببناء مركز الدولة الذي هو على المحك، أين يمكن لكل واحد أن يفرض تواجده وعلامته، أكثر ما هو إعادة تأهيل الانتماء الخاص (القبايلي، الشاوي...). و يتم تعبئة الولاءات المرتبطة بالجماعات الخاصة، انطلاقا من الفئات المركزية و مكان سلطة مركزية. في العمق، لا يُمثل المحلي و لا الانتماءات الخاصة عند فاعلي الثورة الجزائرية حقيقة في ذاتها، و من باب أولى لا يمثلان بديلا للبناء السياسي المستقبلي. من الصعب اليوم القول مثلا أن الأزمة البربرية سنة 1949 هي ترجمة لاحتجاج قوي على براديغم الدولة-الوطنية التي ترتسم من خلال التيار الوطني. و من الصعب أيضا دعم أن تكون مواجهات صيف 1962 التي عبأت الولايات، تُترجم تعبيرا عن الانتماء الخاص، لأن التحدي الذي واجه الجميع هو السعي للسلطة المركزية و ممارستها باسم جميع الجزائريين. و من هذا الموقع، يدرك فاعلو المرحلة كل من المحلي والمنطقة أو الجماعات الميكروسكوبية المنتمية إليها. ليس ادعائهم على هذا النحو أمر بالغ الأهمية إلى هذا الحد و  لكن المَبحوث عنه هو تمفصلهم على المستوى الشامل. و تلميحا، تلوح في الأفق صيرورات التأميم التي تميز عمل و مشروع الدولة-الوطنية بعد 1962. و من أجل أن نختتم هذه النقطة، ينبغي الإشارة إلى أنه بالنسبة للأجيال التي قادت أو عايشت هذه اللحظة التاريخية، فإن هذه العناصر هي قوى جد موجهة لتنشئتهم السياسية. و  تشهد بيوغرافيا بعض الفاعلين ببراعة على ذلك.[33] و من جهة أخرى و داخل الحركة الوطنية، أنتجت تعاسات الصراع من أجل السلطة باللجوء إلى الولاءات المحلية، خوفا متعذر استئصاله و خشية للخصوصيات و التي تترجمت إلى الإنكار المنظم للانتماء الخاص، خاصة إذا كان هذا الأخير يرتكز في الآن نفسه على المرجعية اللغوية و على الإقليم، كما هو الحال بالنسبة للقبايل. في الوقت نفسه الذي يدعم فيه الخوف من الفتنة الفئات من النمط اليعقوبي (Jacobin)، فإنه يشكل بعد 1962 البناء السياسي المرتكز على التأميم الاستبدادي الهادف إلى القضاء على "استمرار" الماضي في جوانبه التنظيمية. و من جهة أخرى، أُجريت صيرورة التأميم الثقافي من الأعلى بطريقة استبدادية، بهدف المحو الكلي للتعابير الخاصة لصالح ثقافة دولة مؤسسة على الوحدوية اللغوية و وحدوية المرجعية الدينية التي هي أسلوب رجال الدين كما أعلن عنها الإصلاحيون. بارتكاز الدولة-الوطنية على الحزب-الدولة (ج ت و/ FLN)، فقد و حّدت الحقل السياسي أيضا بإقصاء كل تعددية. صار التأميم ممكنا بواسطة السيطرة على شبكات التعليم بما فيها تلك المتعلقة بالمؤسسات الدينية التقليدية و تلك التي بدأها الإصلاحيون. تشكلت في الواقع ثغرة بشكل دائم بين حركة المجتمع الحقيقي، تعابيره الثقافية، معيشه اللغوي، تنشئته الاجتماعية و أشكال تضامنه و بين ثقافة الدولة شبه المُوحَدة. تحدد الدولة في الآن نفسه الانتماء إلى الوحدة الوطنية و الشروط الضامنة له. و تأتي صورة دولة-الرعاية من أجل مضاعفة صورة الدولة-الوطنية. تهدف الدولة بواسطة إعادة توزيع الخيرات (الريع البترولي بالخصوص) إلى فرض الاندماج الملموس لكل الجزائريين في الوحدة الوطنية. بالإضافة، من المفترض للنموذج من النمط الاشتراكي أن يضمن المساواة بين كل الجزائريين، خاصة في موضوع الحصول على العلم، الصحة، التشغيل و السكن...و في المقابل، حددت الدولة في نهاية الستينات أشكال المشاركة في تسيير الشؤون السياسية، خاصة بوضع مجالس محلية منتخبة، حتى و إن كان الاختيار يحصل في الصفوف التنفيذية الحزب-الدولة. يستعير هذا النموذج الكثير من فئات النموذج الجمهوري في القرن 19م مع مفاهيم إضافية محددة، بما في ذلك، رفض التعددية السياسية و أسبقية الدين في تعريف الانتماء. و من ناحية أخرى، فأن تحديد ثقافة عمومية مشتركة فيما يخص الانتماء، يكون إعدادا حصريا من طرف الدولة، خصوصا بالنظر إلى تشكيل الذاكرة المشتركة و التاريخ المقنن و المصحح من الأعلى. في الواقع، يسمح الريع البترولي على مدار الستينات و السبعينات، بتنفيذ هذا النموذج. من وجهة نظر مركزية، يُحَل التوتر بين المواطنة من الأعلى وبين الحقائق الإمبريقية الحاملة للاختلافات، التطلعات الخاصة و الوعي بالتعسفي الناتج عن البناء السياسي المُطبق، بإعادة توزيع الريع وبضبط اقتصادي من طرف الدولة و تسيير استبدادي للمجتمع. يرتكز محو الاختلافات أيضا على مسلمة مفادها أن التحديث يؤدي على المدى الطويل و القصير إلى محو التقاليد، و بالتالي وبكيفية ما إلى محو كل ما تقترحه كخصوصيات ثقافية ولغوية. في هذا السياق، يكون إبعاد التمازيغت إن لم يكن منعه في حقل الاتصال السياسي، مضاعفا برؤية للثقافات المحلية المحكوم عليها بأنها أقليات جانحة و التي تُحول تعابيرها المسموح بها إلى فولكلور. إن الأقاليم الداعمة، بما فيها القبايل و أقاليم أخرى، هي موضوع منع من الأعلى (برامج تنمية خاصة) و أصبت التصرفات الاحتجاجية المستترة متهمة أو مقموعة. سيصبح الاحتجاج أصما أكثر في المجتمع القبايلي. ستصير الحيلة في قلب المقاومات الثقافية هي البحث عن نظير تعويضي. و تكمن الحيلة في استعارة طرق احتجاج غير سياسية من أجل إثبات الاختلاف و انتزاع الثقافة العمومية المركزية المفروضة. و سنجد في سنوات الستينات أمثلة ملهمة في الأغنية و استعملها الاجتماعي و السياسي. و بنفس الطريقة، أُعيد استثمار الرياضة، و  خصوصا كرة القدم و صارت مكانا تتحقق فيه صناعة قوية للرموز المثيرة لخصوصية الجماعة. و بقوة أكثر، وجدت المقاومات أرضية ملائمة في الحقل الخاص، و الأكثر دلالة فيه هو المحافظة على تنشئة اجتماعية بواسطة اللغة الأم. في الأخير، فإن التحديث ليس مستنكرا و لكن مُطالب به و مُعاد استثماره بكثرة، خاصة من زاوية الحصول على العلم.

في البداية، تظهر بوضوح عند حاملي العلم إرادة إعادة تأهيل اللغة الأمازيغية في فضاء مركزي، أي في الجزائر العاصمة و جامعتها بالخصوص.[34] و المفارقة، أنه ليس وحدهم المستفيدين من التحديث بواسطة الحصول على الدراسات العليا، هم الذين يُرسمون الاحتجاج الهوياتي الذي سيأخذ شكل انفجار في مطلع 1980 و لكن المستفيدين أيضا من التحديث بواسطة الوظائف المضمونة بكيفية واسعة في تلك الفترة. و بشكل مفارق أيضا، فإنه قد تم التعبير عن هذا الاحتجاج في جامعة ضاحية - تيزي وزو- و في مدينة متوسطة مُشَكلة ثقافيا في قلب إقليم.[35] تشارك الجامعة و المدينة المعنية هما جزء من فعل سياسة نشر شبكة التكوين العالي و سياسة نشر النسيج الصناعي و التعمير التطوعي المُتّبعة من قبل الدولة. سيكون برهانا على نقص فطنة مفضوح، في حالة ما إذا دعمنا أطروحة المنطقة المهملة من قبل الدولة، على الأقل إلى منتصف الثمانينات. يوجد بلا شك مناطق أخرى أكثر تفضيلا، و لكن يوجد الكثير ممن هم أقل تفضيلا من القبايل، حتى و إن اعتبرنا اليوم أن هذه المنطقة و على صورة البلد لم تستطع أن تستقر اقتصاديا في التنمية.[36] أكدت حركة الاحتجاج على الآثار الصاعدة للتحديث من الأعلى و على حدود مواطنة الدولة–الوطنية و بالتالي، حدود صيرورات التوحيد و التأميم. لم يكن لنموذج الاندماج الكلي و الاستبدادي ليحل لمنفعته الخاصة التوتر بين هذه الفئات و بين تلك التي هي بصدد التطبيق في المجتمع. لم يتم تحقيق التماثل.

لا بد في هذه الأثناء من إصدار بعض الفروق الدقيقة. يأتي الاحتجاج الهوياتي سنة 1980 في وضعية اقتصادية و اجتماعية مختلفة كلية عن احتجاج 2001. بالرغم من الاختلال في الاقتصاد المخطط له، الاختلال في توفير الشغل، في السكن و المواد الغذائية المنخفضة الثمن و المدعومة...فإن ذلك لم يثقل الآفاق. يُعدّل التقاط الريع لصالح الجماعات أو الأفراد ذوي الامتيازات بواسطة موقعهم في دواليب السياسية و الإدارة، لأن الدولة تضمن اتجاه الأسفل صفة إعادة التوزيع. و من ناحية أخرى، فإن أشكال التسيير الاستبدادي و الاستثناءات المنجرّة عنها، هي خلال سنوات السبعينات أقل فأقل تقلبا، حتى و إن لم تكن موضع احتجاج على المستويات السياسية الهامة. و لذلك، أمكن لحركة 1980 من الزاوية السياسية و الثقافية أن تفتح ثغرة بوضعها محل السؤال مواطنة غير فعالة، أو كما يفسر أ. توران، فإن الفرد في حد ذاته مكون من مراكز السلطة "التي تحدد و تسير أدواره".[37] في الواقع، يعود كل مشكل مواطنة الدولة-الوطنية المدعومة بنموذج اقتصادي توزيعي و بنظام سياسي أحادي، إلى واقع أن الأفراد متصورين كوعاء أكثر ما هم متصورين كفاعلين بالمعنى الذي يعطيه أ. توران لمفهوم الفاعل، بمعنى فاعلين منتجين للحياة الاجتماعية و للتغيير.[38] الانفصال الأول الذي أحدثه احتجاج 1980 يتمثل بالضبط في انبثاق المطالبة بمشاركة الأفراد كفاعلين.[39] أما الانفصال الثاني، فمتمثل في طلب الاعتراف باللغة و الثقافة الأمازيغية كبعدين من الثقافة الوطنية الجزائرية، بهدف إعادة تحديد طرق الانتماء إلى الوحدة الوطنية و ذلك بإعادة تأهيل الأبعاد الخاصة و الاختلافات الإمبريقية التي يشهد التاريخ عليها. توترت الدولة من أعلى فئاتها اليعقوبية، لأن القضية بالضبط ليست مسألة جزئيات، لكنها حالة عميقة تهز الأساس نفسه للبناء السياسي و علاقاته مع المجتمع و الأفراد. سيصير النقاش المُفتتح في هذه الفترة و الصراعات المتكررة بشكل لا يمكن إنكاره، موسوم بمسألة مركزية هي: هل من الممكن أن نكون جزائريين في الاختلاف؟ و هل يوجد انتماء وطني يعبر عن هويات شاملة، مشتركة و انتماءات خاصة؟ يشير في نظرنا طرح هذه الأسئلة بصراحة، إلى اهتزاز اليقينيات المبنية تاريخيا كما أشرنا إليه سابقا. وهناك منذ منعطف الثمانينات، شيء آخر بصدد التشكل، خصوصا السؤال عن كيف نكون جزائريين بشكل آخر من غير اللافعالية و من غير استهلاك النماذج المؤسساتية المفروضة؟

يجب أن نؤكد في سياق هذه الفترة، على بعض الجوانب المهمة والمخفية من طرف قراءات استدلالية لحركة 1980 أو بواسطة استعمالات ترجع إما إلى الجدال أو بابتذال أكثر إلى التعويذة السياسية.

  • بالإجمال، ليس الاحتجاج الهوياتي سنة 1980 في وضعية استذكارية بالنظر إلى المجتمع القبايلي. بالعكس و بسبب أشكاله التنظيمية، ملامح و عوالم فاعليه، مساراتهم و بسبب تمفصله مع المحلي، فهو أساسا جزء من وضع مستقبلي و هو يستعير الكثير من سجل الحداثة السياسية.[40] بالفعل، ستتبلور حركة 1980[41] حول نواة فاعلة،[42] مرتكزة أساسا في ثلاثة أماكن مركزية هي الجامعة، المستشفى و المؤسسة الوطنية للأدوات الإلكترو-منزلية (صونيليك Sonelec). لنلاحظ أن هذه المؤسسات كانت محتلة من طرف المحتجين، حيث كانت الشعارات الأساسية و الأعمال محضّرة على هذا المستوى. على المستوى السياسي، ليست اللجان في الموقع، خصوصا موقع الجامعة،[43] أحادية و لكنها مكونة من مختلف الحساسيات.[44] لقد كانت الائتلافات شاقة،[45] و لكنها محضّرة بالفعل، و بعد نقاشات طويلة في بعض الأحيان. بالإضافة إلى أن هذه الأماكن المركزية للاحتجاج ليست مشكّلة من سلطة­مضادة ولكن مشكّلة من أماكن­مضادة للنقاش السياسي، ما يمثل في ظروف المرحلة و على هذا المقياس، شيئا لم يسبق له مثيل. و تكمن قوة هذه الحركة بالضبط في مثاليتها و في التأثيرات الناجمة في مجتمع مترقب لقطب احتجاج.[46] لقد تتحقق التمفصل مع القرى و المناطق المحلية الداخلية للقبايل. إن طلبة المركز الجامعي[47] و عمال المنطقة الصناعية لواد عيسى[48] هم أهم المروجين لتوزيع الشعارات و المناشير المُعدة في الفضاءات المركزية[49] للاحتجاج. و كانت الهياكل القروية المخفية في هذه الفترة تتناوب الرسائل و الشعارات. و كان التمفصل يتم انطلاقا من الأماكن المركزية المُحددة في تيزي وزو و التي تستقطب حركة الاحتجاج. إذا كان يتم استحضار التجماعت في النقاشات الدائرة في تلك الفترة، و إذا كان الجماعاتي حاضرا فيما بين السطور، فإنه لا يظهر لنا أنه يمثل البراديغم الذي يهيكل التفكير و يُهيكل شكل الاحتجاج اللذين يستمدان أهم آمالهما من تجاربهما الأكثر عالمية و شمولية. لا تتصور هذه الحركة المحلي في ذاته، بل كما يجب أن يتمفصل مع الشمولي و الحداثة الضرورية المحيطة. إننا لا نعتقد أيضا أنه يتم في عالم الفاعلين تصور المركزية كنقيض قضية بالنظر إلى المحلي. و بطريقة ما، فإن تمثل المحلي عند فاعلي هذه الحركة ينزل هو أيضا من الأعلى نحو الأسفل، أي انطلاقا من الفئات الأكثر عالمية و شمولية. لا بد من القول أيضا أن مساراتهم التائهة كلها، تُشكل آفاق ثقافية لما هو أبعد من المحلي.[50]
  • يعتبر ثقل النخب بواسطة المعرفة و ثقل الجامعة خصوصا شيئا أساسيا في حركة 1980. و يضع النضال خلال الاحتجاج حدا للريبة التي أحاطت دائما بــ "الإطارات" المُتصورين كموظفين للدولة، حيث يُعتقد أنهم قادرون على خدمة مشروعها أكثر ما هم قادرون على معارضته. و ستلتف حول النخب طوال جزء كبير من سنوات الثمانينات، و ساطة بين المحلي و المركزي.

و لكن، سيتم في ظروف الفترة، تثمين الوضعية الاجتماعية لحاملي التعليم العالي بواسطة الحصول على العمل و المسكن...و إلى غاية نهاية الثمانينات كان للمتخرجين من مؤسسات التكوين على الأقل فرص شغل و مشروع حياة على مستوى مدينة متوسطة كـ تيزي وزو التي هي المحلي بالتأكيد و لكن الحلقة الأولى من المحلي. يلوح التحويل الجهوي لسوق العمل في الأفق (سنوات الثمانينات) و لكن آمال الذهاب أبعد موجودة و تظل ممكنة انطلاقا من هذه الدائرة الأولى للمحلي.[51] إذا، يمكن أن نعتقد أن كثافة حضور الشباب في الدوائر السفلى أو العميقة للمحلي (محلي المحلي) ليست ذات ثقل على الأقل من حيث الحضور الدائم. و أخيرا، فإن الشباب الذين ينخرطون في الاحتجاج الذي انفجر سنة 1980، هم بالضرورة حاملين من الناحية الوجودية لأمل معقول من وجهة نظر الظرف الشامل، من أجل تحقيق مشروع حياة هو بالنظر إلى القرية و إلى العائلة مستقل نوعا ما. هذا، حتى و إن كانت الروابط تظل قوية إلى حد ما. تسمح إقامة المحلي-الجديد و تسمح الأجرة بأن يكون للأفراد قدرا من الاستقلالية. و تظل صيرورات الفردنة فيما بين السطور ممكنة أيضا في القرب من المحلي. و نسجل أيضا، أن الفتيات في ظروف الثمانينات، يصلن بسهولة أكثر إلى التكوين العالي (القرب من الجامعة[52]) و إلى العمل (الجاهز محليا). بالإضافة إلى أن هذه الوضعية تسمح بأن يكون للشباب آمال الزواج، وبالتالي حياة عاطفية عادية (متطابقة مع المعايير). و إذا كان من الطبيعي ألا يتحقق هذا للجميع، فلا بد من الاعتراف مع ذلك بأن الاتجاه العام يتحدد بهذه الطريقة.

  • كانت مدة شغب ربيع 1980 جد قصيرة -من 20 أفريل إلى 25 أفريل- و الذي حصل بعد احتلال قوات الأمن للمقرات الرئيسية المشغولة من طرف المحتجين،[53] و ذلك وفق وحشية لا نظير لها.[54] و كرد فعل، يتركز هذا الشغب في تيزي وزو أساسا، ما يُبين وزن هذه المدينة في تنظيم الاحتجاج من جهة و المدى الذي تأخذه كقطب جهوي من جهة أخرى. و لكن في غياب التأطير، تتوقف المواجهة. لن تحمل الإطارات القروية مشعل اللجان التي قادت الحركة، حتى و إن كان فعلهم التعبوي سيتواصل و ترتسم مسبقا إعادة التفعيل التي تعيدهم إلى الواجهة في حوالي نهاية الثمانينات و سيتم مع إعادة فتح الجامعة في 17 ماي 1980، إصلاح قيادة العمليات بهدف تحرير الأشخاص الموقوفين خصوصا.[55]
  • سينتقل الاحتجاج بعد 1980 إلى المجتمع، لأن صناعة الرموز و السلوكات التي تهدف إلى إثبات الخصوصية الهوياتية، مدركة بوضوح جدا في الحقل الثقافي و الثقافة المحلية. و تهدف المساعي إلى إعادة استثمار التاريخ (صناعة الذاكرة) و الثقافة (المسرح، الأغنية...) و تثمين استعمال و تعليم اللغة الأمازيغية، مشيرة إلى أن أشكال التماهي تُترجم في الواقع إلى تصرفات و طقوس جديدة، خاصة تلك المتمثلة في الاحتفال كل 20 أفريل باللحظة المُؤسسة للاحتجاج. و سيتم محليا في غضون عشرين سنة تنشئة جيل آخر، ضمن وفرة الرموز و في انتظار الاعتراف بهويته. و لكن الظروف العامة ليست هي نفسها، بحيث سيؤدي في الغالب اجتماع مجموعة من العوامل إلى ربط التعابير الهوياتية بمسائل (اجتماعية و اقتصادية) و رهانات سياسية تتجاوز الإطار المحلي الدقيق...يجب من وجهة نظرنا، على قراءة الاحتجاجات أن تأخذها بعين الاعتبار.

في الإجمال، لا تتوقع حركة احتجاج 1980 تشيء ماضي المحلي و لكنها تسلط عليه الضوء باعتباره ذاكرة. إنه يشتغل مع براديغم ليس من النمط الجماعاتي. بالعكس، الحداثة السياسية هي في قلب مسعى الاحتجاج. يوجد في هذا الأخير إعادة تأهيل المجتمع المحلي الحقيقي على مستوى هويته، و بالتالي هناك حد من نمط مواطنة الدولة-الوطنية. تتمثل الإرادة في التأثير على هذه الأخيرة و إضافة إليها بعد تاريخي مخفي. و مع ذلك، لا يوجد في الشعارات، الخطابات و المسعى بدائل عن الدولة المركزية التي يتم استيقافها و التي يتوجه إليها طلب الاعتراف. و في المقابل، ليس التحديث من الأعلى موضع سؤال، ما عدا من خلال طلبات للتدخل أكثر في الجانب الاقتصادي و السياسي. في الفهم الكلي للحركة، فإن الشغب و المشادات العنيفة هما أقل دلالة للغاية من الوسائل السياسية المستعملة بشكل واسع في الطرق الجديدة بالنسبة لجزائر تلك الفترة. و بنفس الطريقة و كما سبق أن أشرنا إليه، فإن الاحتجاج الجدالي مع السلطة السياسية انطلاقا من إعداد ثقافي و سياسي، لم يقصي أبدا الاختلافات، إذ يحاول تحقيق ائتلافات بينها. و أخيرا، يوجد في سياق الفترة صراعات ولاء داخل الانتماء أقل من محاولات جعل الأمور مجتمعة و لكن في وضعية يمر فيها الاعتراف بالآخر و بالمجتمع الشامل، بالاعتراف بخصوصيته و رفض الإقصاء و رفض الوصم.

2.2 داخل المحلي: كيف نصنع المواطنة في الجماعاتي؟  

1.2.2 نهاية اليقينيات الكبرى والإثبات الهوياتي: سنوات الممكنات

في نظرنا، وضعية القبايل سنة 2001، مختلفة تماما كما هي على العموم وضعية الجزائر، على المستويات السياسية، الثقافية و الاقتصادية. تؤدي الأزمة الناجمة عن نضوب الريع منذ منتصف الثمانينات إلى صدمة اجتماعية، حيث تعبر انتفاضة 1988 عن حجمها و تنذر بانكسارات، لم يكن لأي أحد أن يشك في حصولها أو يقيس مداها بكل دقة. أحدث الانفتاح السياسي و ممارسة الحريات الديمقراطية قطيعة مهمة، فقد صار الجزائري ذاتا و فاعلا في التغيّرات. بالنسبة للمصائر الاقتصادية و الاجتماعية، يكشف انفجار حرية التعبير خلال السنوات ما بين 1989-1992 عن كثير من المخاوف عند العدد الكبير، أكثر ما سجّل إعادة بناء حقيقي للعيش المشترك الذي عبر عنه الهوس من أجل النقاش السياسي و إنشاء الجمعيات و الأحزاب. وفيما يتعلق بالهوية الثقافية المميزة لمناخ تلك الفترة و التي يترجمها دستور 1989، فهناك قبول التعددية السياسية و لكن هناك أيضا انقباض في شريان تقليد يعقوبي. و على الأقل يشير تصاعد الإسلاموية التي هي بصدد التكون منذ السبعينات إلى انفصالات في أشكال التماهي لدى الأجيال الجديدة و نقل النقاشات السياسية على أرضية الهوية و نهاية الهويات الإيديولوجية الكلاسيكية التي عاشت عليها الجزائر حتى مطلع الثمانينات. سيتم بكثافة توجيه دوافع المواطنة ذات الحيوية و الشدة الأكيدة و سيتم عسكرتها من قبل الإسلاموية التي تفرض في الحقل السياسي فئاتها و حججها التسلطية و تدفع كلا من الدولة و الأحزاب السياسية إلى التعبير و التّحدد بالنظر إليها. و تؤدي هذه الوضعية على مستوى الانتماء، إلى تقوية النزعة اليعقوبية (Jacobinisme) التي هي بصدد التطبيق في مشروع الدولة.

في هذا المناخ، المُعاد على نحو بسيط، تُترجم النزعة من أجل الثقافية البربرية بداية بازدهار الجمعيات الثقافية. لم تتمكن الحركة الثقافية من تحقيق الاستقلالية السياسية، رغم محاولات عدة مثل محاولة جويلية 1989 (جلسات حركة الثقافة البربرية MCB)، و التي هي بشكل كبير بحث عن توحيد المبادرات أكثر ما هي بحث عن الهيكلة السياسية. اختار في فيفري 1989 بعض الأعضاء الفاعلين في الحركة الثقافية المسار السياسي بإنشاء حزب ت ث د/ RCD.

و هذا الأخير في ترشحه للتنافس السياسي على المستوى الوطني، يقترح أيضا - وكارتداد- أن يحمل المسألة الهوياتية إلى أبعد من الجماعة القبايلية و إقليمها. و في الوقت الذي أدرج فيه حزب ج ق إ/FFS ذو المنشأ الأكثر قدما و ذو الحضور القوي، الاعتراف بالهوية البربرية، امتص جزء كبيرا من الطاقة من أجل الثقافة، خصوصا ذلك الذي يتعرف على نفسه في جلسات جويلية 1989. و يترجم هو الآخر إرادة منح بعد وطني للاحتجاج البربري بدمجه في المشروع السياسي، الذي لا يتوجه تحديدا إلى جماعة خاصة. ينبغي و بدون الدخول في التفاصيل التي تثقل كلامنا، أن نشير إلى مجموعة من الوقائع المهمة:

1) يتوافق مسعى النخب المناضلة في العمل السياسي، مع منطق الدفع نحو المركز الذي يميل إلى أن يتحدد بالنظر إلى السعي إلى مواقع في المركز السياسي. تمر إعادة تأهيل الجماعة الخاصة و بالخصوص إعادة تأهيل هويتها، عبر بديل يخص المجتمع الشامل. إن المشروع تكاملي.

2) موضوعيا، يصير المخزون المعبأ في الفعل السياسي حول الهوية مصدرا للصراعات السياسية.

3) بشكل مفارق، في الوقت الذي يتفاقم فيه النقاش حول الهوية الجزائرية في الفترة التي كان للإسلامويين ضغط قوي، فإن التوجه محليا هو نحو تفتيت و انحسار التجارب من أجل النزعة الثقافية تحديدا، المُهَيمن عليها بشكل واسع بواسطة التوافق على الاستراتيجيات السياسية، كما تشهد على ذلك الصراعات المريرة بين أجنحة الحركة الثقافية، خصوصا بين سنوات 1994-1995.

4) أدت الخلافات و المشادات السياسية في المجتمع القبايلي على مدار سنوات 1989- 1994، إلى صدمة موجة قوية هددت التلاحمات القروية المُحافظ عليها بمشقة، في مقابل إعادة تفعيل التقاليد و التوافق مع وسائل التحديث الجديدة. يبتعد المسعى عن المركز و يهدف إلى إعادة تأهيل الجماعاتي. و يبدو لنا أيضا، أن تصرفات مستمدة من محافظة عاطفية و وقاية الجماعة من الانحلال، أثرت بشدة على أفعال المحتجين في بداية التسعينات.

5) في جانفي 1990، يفوز تنظيم مسيرة كبيرة في الجزائر العاصمة بدعم قوي، طالبت المسيرة خاصة بإعادة الاعتبار للأمازيغية كلغة وطنية و بتدريسها، و كانت المسيرة بمبادرة من جماعة من المناضلين من أجل الثقافة خارج الإطار الحزبي. يستجيب السكان في سنة 1994 و بنفس الطريقة لنداءات جناحي الحركة الثقافية البربرية (MCB)،[56] و يستجيبون بنفس المقدار للمسيرات و الإضرابات، خاصة بالنسبة للاحتفال بـ 20 أفريل. في النهاية، و عندما يرسل جناحا الحركة الثقافية البربرية نداء في سبتمبر 1994 من أجل مقاطعة الدراسة، يتوحد رغم ذلك سكان القبايل و بلا ممانعة كبيرة حول فعل مُكلف. لم يكن ليحصل هذا الإجماع بكل وضوح إلا حول براديغم من نوع جماعاتي و عاطفي و ليس بالتوافق حول سياسية حزبية أو برامج سياسية موضوعة محل منافسة. و الأمر ذاته ينطبق على تعبئة جمهور الناخبين الذي يتجاوز بشكل واسع جمهور ت ث د/RCD، لصالح سعيد سعدي في ولايات القبايل الثلاث سنة 1995.[57] تُبين هذه الأمثلة أن المجتمع القبايلي يعيد في الأوقات الاستثنائية تفعيل الولاء الجماعاتي ("نحن قبايل قبل كل شيء").

6) و على النقيض، فبترجمة الأحزاب السياسية للخصوصية المحلية في طلب الاعتراف و لكن بجعلها خاضعة للانتماء إلى حساسياتهم السياسية الخاصة، أي بتعديلها على اختيار فردي و سياسي محض، فإنها تجد نفسها موضوعيا في وضعية هلاك بالنظر إلى البراديغم الجماعاتي. إن الجدال و الصراعات السياسية مترجمة هكذا كصراع للهيمنة السياسية على الجماعة، مدعما في ذلك بمزايدة حول من الذي يكون أكثر مشروعية من أجل تمثيل القبايل. يُفاقم في نظرنا غياب إطار مستقل للتعبير الثقافي في سنوات التسعينات من الثغرة بين العمل السياسي و انبثاق التصرفات المستمدة من الحداثة السياسية المؤسسة على اختلافات و صيرورات الفردانية (الاندماج شرط فردي)، هذا من جهة و من جهة أخرى بين الترقب المستمر للاعتراف بالهوية الثقافية للجماعة و الذي يشتغل مع براديغم كلي يُعيّن التصرفات باسم الانتماء إلى الجماعة.

بالإجمال، تتحرك معطيات المشكل بشكل معتبر على مدار الفترة الممتدة بين 1989-1994.  و الإحباط باق دائما و بشكل جلي، بالنظر إلى الاعتراف المُنتظر و الذي يغذي انعزالا دفاعيا راسخا بشأن التحفظ و الذي يمنح الاتساق و القوة إلى أعمال الاحتجاج، مهما كانت حساسيات المبادرين السياسية. بالإضافة، ينبغي الإشارة إلى أنه على مستوى الدولة هناك فروقات دقيقة و أكيدة، مدركة في مقاربة المسألة الثقافية على العموم. إن التنوع الثقافي للجزائر مُستحضر أحسن نسبيا كما أن التنوعات اللغوية مأخوذة بعين الاعتبار، لكن بدون ترجمات واضحة و هي بالخصوص ليست شرعية إلا عندما يتم تأميمها، بمعنى دمجها كتراث مشترك لكل الجزائريين، و ليس خاصا بجماعة ما. في الواقع و ضمنيا، إن براديغم المواطنة و الدولة-الوطنية و الخوف من الفتنة هما جد فاعلان في المقاربة الجديدة. تُجبر الضغوطات القوية للقطاعات الإسلاموية أو تلك المتعلقة بالشرائح السياسية المعادية لكل إعادة بناء مقاربة مسألة طرق الانتماء و طبيعة الرهانات السياسية و التقسيم الشديد للحقل السياسي، زعماء القضية على البحث عن المصادر القابلة للتعبئة أكثر ما تجبرهم على البحث عن البدائل المبنية بجدية والمفكر فيها و المتقاسمة من قبل العدد الأكبر و التي تحدث التمهيد للتقدم المعقول. ستؤدي عوامل كثيرة خلال نهاية عشرية التسعينات إلى التلاقي بين توترات هوياتية قوية و بين بلورة ثورة خرساء ذات إسهاب اجتماعي أكبر و ذلك ما بين سطور المواجهات الدامية.

2.2.2  عندما يتذبذب العالم: سنوات التمزقات الكبرى

يحدث الاحتجاج الهوياتي إذا في نهاية السبعينات، في سياق تبقى فيه بوضوح على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي، آمال الاندماج و/أو الترقية الاجتماعية بواسطة المعرفة بالخصوص، ضمن جدول أعمال الممكن، إن قيمة نهاية الثمانينات أكبر بسبب الممكنات التي توحي بها القطيعة السياسية سنة 1998. إن الاحتجاجات هي إذا نتاج فاعلين مندمجين اجتماعيا بشكل أقل نسبيا أو في كل الأحوال هي نتاج الذين لهم آمال قوية في أن يكونوا مندمجين اجتماعيا. الفاعلون من ناحية أخرى، هم في الغالب على مسارات مخصبة بالنقاشات حول المسائل التي تتجاوز الحدود الوطنية. هذا هو الحال بالنسبة للهويات الإيديولوجية اشتراكية/رأسمالية، للقسمة شمال-جنوب، تعاسات الحرب الباردة، ضرورة التصنيع و اللحاق بالركب[58]...ليست نهاية الاستعمار و الوطنية حقيقيتين بعيدتين بالنسبة للجيل المنبثق على ساحة الاحتجاج السياسي و الهوياتي في نهاية السبعينات و تتميز نهاية الثمانينات من جانبها، بنهاية كل هذه اليقينيات و من وجهة النظر هذه، فإن البيئة العالمية هي أيضا في خضم الطفرة.

لم يعرف الجيل الذي خرج إلى الشارع في ربيع 2001 لا زمن اليقينيات الوطنية الكبرى و لا زمن المواجهات الإيديولوجية الكبرى سنوات 1960-1970 و الذي له في الطفولة أو في وقت الشباب المبكر، ذكريات أكتوبر 88 و سنوات الشغور المفروضة من طرف كبار السن سنة 1995 (مقاطعة الدراسة في القبايل). بالإضافة، إلى أن عشرية التسعينات هي تلك المتعلقة بالتمزقات الكبرى الناتجة عن المواجهة الداخلية ذات العنف الذي لا مثيل له بالنسبة لأجيال احتجاجات سنوات 1970-1980. و بنفس الطريقة، فليست صورة دولة-الرعاية حقيقة واضحة بالنسبة لهذه الأجيال الجديدة، إلا على المستوى التربوي، على الأقل في المرحلة الابتدائية من الدورة التعليمية. إن الممكنات تنحصر بشكل مُعتبر. و علاوة على ذلك، و هذا شيء أساسي، فإن الهويات تتحول أكثر فأكثر إلى الداخل:

1) واحدة من نتائج نقل مؤسسات التكوين إلى الريف و إعادة تأهيل الفضاءات المحلية و الجهوية. تتوفر المناطق القبايلية على جامعتين كبيرتين (بجاية وتيزي وزو).[59] و تدفق المهارات داخلي المنشأ، لأن البحث عن الشغل عند نهاية الدراسة أو التكوين، يتم ضمن هذه الحدود.[60]

2) وهذا مفروض فيما يخص السكن، بسبب إشباع المراكز العمرانية الكبرى ذات التوجه الوطني و لكن مفروض أيضا بالنسبة لغياب عروض العمل، خصوصا بعد إعادة هيكلة الاقتصاد بعد سنوات 1989-1990.

3) و بدورها، فإن المدن ذات التوجه الجهوي مثل تيزي وزو هي أقل تزويدا فيما يتعلق بالسكن و فرص العمل. و إذا مثلت هذه الفضاءات في الظروف المثلى للاندماج، الدائرة الأولى للعودة إلى المحلي في سنوات السبعينات و بداية الثمانينات، فإنها تمثل في ظروف نهاية التسعينات و في أحسن الأحوال، فضاء لحركات تأرجح يومية قوية انطلاقا من المناطق الجبلية الداخلية.

4) أصبحت هذه الأخيرة من الآن فضاء مرغمة على الانتظار (انفجار المراكز الحضرية الصغيرة للجبال يجلب شيئا فشيئا النشاطات الصغيرة للخدمات بالنسبة للإمكانات المشكلة من مستويات إعادة التأهيل المختلفة)، ولكن صارت أيضا فضاء لجوء في حالة غياب الموارد الذاتية والمسكن. في حالة النقص والهشاشة، تطرح الدائرة العميقة للمحلي والقرية والعائلة الكبيرة نفسها كملاذ أخير.

5) لكن، في نفس الوقت الذي تنغلق فيه دائرة المحلي بشكل ملموس على الأفراد، فإن كل شيء يحمس الطموحات الفردية.

6) وهذا هو حال الصور "التي تسقط من السماء" (الباربول/الهوائيات المقعرة)، منتجات تملأ الأرصفة، موسيقى، ألبسة...، ولكن أيضا حال طرق العيش. يترجم الشباب المنزوي في الدائرة العميقة للمحلي ذلك بتصرفات و بتنشئة اجتماعية (أنظر على سبيل المثال إلى الجمعيات) يتردد صداها مثل العديد من الوسائل المتنافسة في الوسط القروي المنتج لمراقبته الاجتماعية الخاصة. يمنح هذا الأخير فضاءات و لكنه يجعلها خاضعة لقيم الجماعة و يرشح نفسه للحد من الدوافع و التطلعات الجديدة على مستوى الأفراد، من أجل المحافظة على النظام القروي. ما يؤدي في النهاية إلى مضاعفة التوتر بين البراديغم الشامل و الكلي و بين إعادة التركيب الافتراضي للرابط الاجتماعي.

7) في الأخير، و من أجل قول الأشياء بطريقة سريعة، فإن الدولة في وضعية إعادة تعريف أشكال التدخل و الضبط الاقتصادي، هي أقل فأقل ميلا إلى الاستجابة للطلبات و هي ليست متصورة إلا في وظائفها السّيادية. تسود سنوات التسعينات وضعية الضرورة الأمنية، التي تعزز على الأقل عند شريحة من السكان، صورة قوة تتجاوز الأفراد بلا ثقل فعلي موازن. تتعرى العلاقة مع الدولة أو مع السلطة العمومية كلية. الحقرة المشجوبة بكثرة خلال ربيع 2001، تُعَرّف في مفهومنا بهذا التصور.

إننا نعتقد من أجل كل هذه الأسباب، بأن الاحتجاج الذي حدث في منتصف سنة 2001 ليس إعادة إنتاج مطابق لذلك الذي سبقه. و إذا أمكننا أن نكشف مقدمات الشغب في الفترة القصيرة من جوان 1998، فلا بد من تسجيل انفصالات نوعية و حتمية مع سنوات 1980 الثمانينات (أنظر أعلاه)، على مستوى طبيعة الحركة، الفاعلين (و أماكن المثقفين)، طرق الاحتجاج، السياقات و البراديغمات التي هي بصدد التطبيق في حركة الاحتجاج هذه.

3. أي قراءة لاحتجاج 2001؟

للأسباب المُقدمة أعلاه، تحمل حركة 2001 في صميمها هوية قوية داخل المحلي و الخصوصي، اللذين يشكلان بالنسبة للأفراد سياجا و يستفيدان من صناعة الرموز و من ذاكرة الصراعات التي حصلت. في المقابل، هذه التعابير هي بوضوح متشتتة أكثر، بقدر ما تشمل من وجهة نظرنا على اليأس وتمزقات عشر سنوات اضطرب العالم فيها. و علاوة على ذلك، فإن حركة الاحتجاج هذه موجهة أساسا ضد التجليات التعسفية للدولة، و هي توحي على مستوى تطلعات الفرد بكثير من دوافع المواطنة، أكثر ما توحي بثقل جماعاتي لاسيما في طريقة عملها.

1.3 دوافع مواطنية: "الصراخ" من أجل إسماع الصوت

"لقد قتلوا مسينيسا، يعتقدون أن كل شيء مسموح لهم. بالإضافة إلى أنه شاب مثلنا و الشباب في هذا البلد ليس لهم أي شيء، و الآن يقتلونهم...لا يمكن للأمور أن تسير هكذا. نحن كذلك نعرف كيف نصرخ...سَيَرون...سيسمعوننا...". قيلت هذه العبارات أثناء المظاهرات المنطلقة بـ تيزي وزو في 27 أفريل 2001 من تلميذ بالثانوية يبلغ من العمر 17 سنة. إنها تلخص بشكل دقيق وضعية زعماء القضية، أي أولئك الذين يعتقدون أن كل شيء مسموح به (ممثلو الدولة) و تلخص وضعية أولئك الذين لا يملكون شيئا و الذين يحسون بأن لهم الحق في الصراخ من أجل أن يُسمعوا صوتهم. في الواقع، تجاوزت مظاهرات شباب الثانويات (طلاب الثانويات) و التي سبقت الطوفان، كل أطر المراقبة المؤسساتية أو العائلية و القروية. تُتابع المظاهرات في مدن مثل تيزي وزو، من طرف مجموعات الشباب التي تشتغل على شكل عصابات منظمة على مستوى الأحياء و التي تنتقل إلى المواجهة مع قوات الأمن. توحي الشعارات و يوحي تنظيم المواكب بغياب إطار تنظيمي و بتدفق المطالب المتناثرة. هذه الأخيرة، ملتفة بالإطلاق حول شجب الحقرة، الإقصاء الاجتماعي و القمع.

و فيما بعد، أمكن للمطالب الهوياتية -عندما كانت المظاهرات مؤطرة أكثر- أن تظهر بوضوح و لكن دائما ضمن مجموعة من المطالب الاجتماعية و السياسية. إذا كنا منتبهين في الأساس للتعابير الإمبريقية، فإنها بالفعل حركة تعلن عن نفسها في البداية باعتبارها شريحة من السكان، (الشباب ما بين 16 سنة و25  سنة) الذين يشعرون بأنهم مقصين و مسلوبين من التحكم في مصائرهم ("لا نملك شيئا")، إضافة إلى واقع شعورهم بأنهم "محقورين" بمعنى "مسحوقين" بشيء ما يقع خارجهم. غزت هذه الشريحة من السكان الساحة العمومية مزحزحة كل الأطر للحلول محلها و إسماع صوتها للجميع. نلاحظ على سبيل المثال، أن لجان القرية أو الحي تحاول فقط في حالة ما إذا تم تجاوز عتبة مواجهة دامية، التدخل (نهاية أفريل وبداية ماي) من غير التمكن في الحقيقة من الحد من شدة المواجهة. على الأقل، ترافق لجان القرية حركة الاحتجاج طوال الأسبوعين الأولين من الثورة. و تهيمن بطرق كثيرة دوافع المواطنة في هذه اللحظة الأولى. و حسب فهمنا، فإن تقنية التعبير الأكثر ترجمة لانبعاث الفرد و الشاب بالخصوص، هي تملك الجدران التي عليها أزهرت في هذا الربيع النقوش الجدارية التي تمجد إرادة العيش بطريقة أخرى و ترغب في أماكن أخرى و التي تعبر أيضا عن اليأس. نقشان جداريان يعودان بطريقة متكررة على جدران جنوب المنطقة الحضرية لتيزي وزو، هما: « Dog life »  أي "حياة الكلب" و "يمكن أن تطلقوا علينا الرصاص، فنحن أموات مسبقا". و هما بذلك يشيران بدقة درامية إلى انعدام الكينونة الاجتماعية. و في العمق، فإضافة إلى استعادة الصوت (إسماع الصوت) و استعادة الشارع (أن يصيروا مرئيين)، يتم عند هؤلاء النقّاشين على الجدران، التعبير عن سعي حقيقي إلى المعالم و إلى الاعتراف و الذي يهدف إلى فرض نفسه. نحن في و ضعية جديدة يتمنى فيها الفرد اعترافا ليس فقط فيما يخص الحرية و الحصول على الخيرات و لكن أيضا اعترافا بذاتيته و عاطفته. من وجهة النظر هذه، دلائل إمبريقية متعددة تدعم هذا المسعى. في بداية شهر جوان 2001، احتلت جماعات من الشباب مساكن اجتماعية فارغة بعد أن كسرت أبوابها. وضد كل موانع الرقابة الاجتماعية، وقف بعض منهم قرابة النوافذ ليلقوا دعوات للمارات: "لقد حصلنا أخيرا على مسكن، يمكننا أن نتزوج !!!". بلا شك هذه نادرة، و لكنها واقع قاس و تعبير عن الرغبة المتعالية عادة و المخفية ثقافيا و اجتماعيا، حيث ينفجر غير المباح به علانية و يرن كهدم لقنوات الطلب المقبولة في "العادة".

استعمال المتاريس من طرف مثيري الشغب من الشباب من أجل غربلة حركة المرور أو إعاقتها، هو بمثابة استيلاء فعلي على السلطة في الشارع من طرف الشباب الذين يعتزمون فرض أنفسهم، بما في ذلك عن طريق اللجوء إلى القوة. و بعد ذلك، يحصل تقسيم حقيقي للفضاء العمومي (بالخصوص بـ تيزي وزو) أحدثته جماعات من الشباب أقاموا فيه تجارتهم: "ليس لنا شغل، و بذلك فنحن نخلقه!"، هكذا يقولون. لا بد من ملاحظة أن طرق التنظيم الموضوعة في المكان بـ تيزي وزو خصوصا، مُتجاوزة تماما بواسطة هذه الممارسات. و بشكل ملموس، لا يتم ببساطة المطالبة بالبدائل، و لكن يتم تََرجمتها إلى سلوكات و إلى نماذج-مضادة. لا يهم كثيرا أن نصف هذه التصرفات و المناخ الاجتماعي الذي تنتجه. و لكن يتعلق الأمر بالأحرى، بفهم كيف أن الاحتجاجات تذهب اليوم إلى أبعد من "الانتفاضات" الريفية و تحاول أن تتأسس في الوقائع كأشكال منافسة لتنظيم الحياة الاجتماعية، و التي تنتهي المؤسسات الرسمية التي هي بلا سيطرة حقيقية على الواقع، إلى قبولها في نهاية المطاف (إن لم يكن في نهاية المطاف التعايش مع هذه الأطر). هذه الحركة تختلف من وجهة النظر هذه، عن تلك الخاصة بـ 1980 و عن الاحتجاجات المنتظمة، كتلك الخاصة بشهر جوان 1998.

لقد أصررنا على الجوانب التي يمكن أن تظهر أنها أقل دلالة بالنظر إلى المعاني العامة للمواطنة (الحقوق و الحرية...). يسمح لنا هذا الاختيار في العمق بأن نضع نصب أعيننا الإفلاس الذي تتضمنه هذه المعاني، التي ليس لها إلا توجه إدراك الجوانب العقلانية لعمل ما أو لاحتجاج ما. و مع ذلك، و بالنظر إلى الأسباب التي حاولنا توضحها في الأعلى، يحمل السياق الذي حصل فيه احتجاج 2001 مقدارا من المطالبات الثقيلة الملاحظة كلاسيكيا، أكثر ما يحمل دوافع تتعلق بالإثبات الفردي أو بأكثر دقة إرادات التعبير عن طلبات مستمدة من الذاتيات الفردية. يظهر لنا أنه من الممكن في تقاطع هذه العقلانيات و بالتالي في انفجار ظاهر، فهم انفجار شباب القبايل سنة 2001. لقد أشرنا أعلاه كيف أن المطالبة بالهوية ليست بالنسبة للفاعلين بارزة وجوهرية بالنظر إلى الوقائع، على الأقل فيما يخص الصياغات. و علاوة على ذلك، فإننا نلاحظ إلى اليوم استمرار النقاش، حيث يجادل زعماء القضية في مسألة أولوية المطلب الهوياتي. يظهر واضحا لنا أن هذا التساؤل يشهد على الشبكات الجامدة لتفسير حركات الاحتجاج في الجزائر الراهنة، و التي يتعلق بها الأمر هنا. في الواقع، تكون الدوافع و الذاتيات الفردية، بالنسبة للذين يفضلون المقاربة بأولوية الهوية، مُغفلّة تماما. إن أعمال الاحتجاج هي مُعَينة بواسطة الانتماء إلى جماعة القبايل. و ليس متخيلا بالنسبة لدعاة هذه المقاربة أن تثور القبايل كما يثور الجميع من أجل أسباب اجتماعية و اقتصادية و أن يتركوا بصمات ذاتيتهم في أعمال الاحتجاج (بما في ذلك الهوية الجماعية). و هذا ما يفسر أن حركة الاحتجاج منحصرة أساسا في القبايل، بالإضافة إلى حقيقة أنها ستكون تتويجا لانشقاق طويل نؤرخه الآن بـ 1949. تكمن المقاربة الثانية في دعم أطروحة ثورة هي بالأساس اجتماعية و سياسية و التي كان يمكن أن تحصل في أي مكان من الجزائر. و بالتالي، و في العمق تتفرد القبايل أكثر ما تذوب في المصائر المشتركة للمجتمع الكلي. سيحصل تخفيف المطالبة الهوياتية لصالح مسائل عملية أكثر. في الواقع، لا يتصرف الفاعلون حصريا وفق سجل أو آخر. في القبايل و في ظروف نهاية القرن 20، يُغرق الهوياتي الضمائر التي تم تغذيتها بواسطة الرموز، بإعادة تملك المعالم...، للأجيال الشابة التي تتأثر تنشئتها الاجتماعية بوعي الانتماء الخاص للجماعة القبايلية. بالإضافة، و قد أشرنا إلى ذلك، لا تعرف الأجيال الشابة و في غالبتهم الساحقة شيئا آخر، إلا الحدود الضيقة لمنطقة محلية. لقد شرحنا أعلاه كيف حصل تسييج المحلي. و لكن في المقابل، من الضروري أن نشير إلى أن هذه الأجيال الشابة المُسيّجة في المحلي تدرك أيضا انتماءها إلى الشامل، الوطني و الوطن الأكبر انطلاقا من المكان الذي يوجدون فيه. إننا لا نعتقد أن هذه الحركة -بالنظر إلى ما لاحظناه و سمعناه- تطرح (بالنسبة للولاء) مشكل صراع غير قابل للاختزال. على العكس، يُعاد بوضوح تأكيد الانتماء إلى الأمة الجزائرية، خصوصا بواسطة رفض الوصم.[61] إن الرفض المعارض لتنظيم دورة خاصة للباكالوريا لمناطق القبايل هو مؤشر قوي. سنلاحظ لاحقا أن هذا مُعاد تأكيده أيضا و بوضوح كبير بواسطة نصوص وشعارات التنسيقيات أو/و "القيادة الجماعية".

من غير الممكن موضوعيا أن نجري قراءة واحدة لا لبس فيها لحركة الاحتجاجات هذه دون أن نقاطع بين مقاربات الاستراتيجيات السياسية التي تريد فهم الجانب الأكثر ملاءمة من أجل الدفاع عن هذه الأطروحة أو تلك. الأشياء في الواقع هي بشكل كبير غير واضحة وغير محسومة و مبهمة أكثر و لا يمكن أن تكون مبسطة في نهج عقلاني بارد. لا يتصرف الأفراد-الفاعلون كما "يجب" أن يفعلوا و لكن كما في مقدروهم أن يفعلوا، أي كما يتمثلون أنفسهم وحيث هم موجودون. إن عقلانيتهم و دوافعهم هي في نظرنا مقدار من المفاتيح لفهم طرق الاحتجاج الجديدة في جزائر اليوم، حيث أدت نهاية الإيديولوجيات الكبيرة، نهاية دولة-الرعاية و آثار الاندماج في الرهانات الاقتصادية الجديدة، إلى التحول في المعالم الهوياتية و في القرب الفيزيائي و الإقليمي الأكثر وضوحا و أمنا، حيث يحاول الأفراد إسماع كلمتهم على هذا النحو. حين نحاول أن نكون منتبهين لتجارب أخرى، فإن هذه الوضعية ليست خاصة بالجزائر فقط، بل لعلها الحصة العادية لما نسميه بمجتمعات الديمقراطيات المتقدمة.[62] و الاختلاف يكمن في طريقة الإعراب عنها. و ربما المسألة في حالة الجزائر مرفوضة في مناخ درامي، حيث و بسبب غياب بدائل مدروسة و بسبب التوترات خلال الاحتجاج، فإنه يتم الرد عليها بتوترات من أعلى. هذه الوضعية، تخفي المشكلة المركزية المطروحة بشكل كبير في الواقع، في العيش المشترك و في الاختلاف. و بنفس الكيفية، فإن ثقل و قوة التطلعات الفردية هي أيضا مخفية بواسطة مساعي تريد من الأعلى توجيها استبداديا للتصرفات في المجتمع أو من الأسفل بواسطة طرق تنظيم تُحَيّن براديغم الجماعاتي، الذي ينتهي إلى فرض التصرفات و تقليص اختيارات الأفراد و الآراء الفردية إلى "الصوت الجماعي".

2.3 الأثقال الجماعاتية

على مستوى التنظيم (أنظر أعلاه) بينا كيف تظهر كرونولوجيا، مختلف التنسيقيات بكل أسمائها. تستعيد تعبئة لجان القرية و تنظيم الأحياء من بعد في المراكز الحضرية الكبرى، خصوصا في تيزي وزو، النمط الجماعاتي بطريقة أفقية تلقائية. لا تسفر لجان القرية حيث هي موجودة إلى ولادة سلطة قيادية، بل تؤدي إلى ولادة تنسيقية ليست بديلا عن القرى التي تحتفظ باستقلالية عملها. الإجماع هو طريقة أخذ القرار الأكثر استخداما. لا يُلزم المندوبون داخل التنسيقيات قراهم و لكن يحملون كلمتها و يرجعون إلى لجنة أو مجلس القرية من أجل الحصول على موافقتهما حول قرار ممكن على مستوى تنسيقية البلدية مثلا. حتى و إن كانت تنسيقة العروش، الدوائر و البلديات (CADC) لولاية تيزي وزو توصي و بقوة بانتخاب ممثلين "للمجالس العامة للقرى و الأحياء"، فإنه لا يوجد في الواقع يقين أن يكون الحال هكذا دائما. في العمق، إن البحث عن تمثيل حقيقي و شامل للجماعة هو المبدأ الذي يؤسس مسعى الحركة، و خصوصا أن هذا المبدأ في الحالة الطارئة و في الشدة يُشرعن الأعمال باسم الكل و بالإجماع و بلا خطر تعارض و جهات النظر. من الجدير الإشارة إلى أن هذا المسعى لحظة المواجهات القوية، قد تُرجم بالفعل بواسطة التوافقات و الإجماع اللذين جعلتهما الوضعية ممكنان للعدد الأكبر. بالإجمال، تتجلى بلورة الإحساس الجماعاتي في إسكات الانتماءات السياسية و إبعاد الولاءات الحزبية، و إخفاء ثمن النضال، خاصة بالنسبة للتجار، التلاميذ و الطلبة...يسحق ثقل الجماعة الخصوصيات الفردية و اختلاف الآراء. تَدَعّمت الهوية ذات الأولوية بالنظر إلى الجماعة، في الأطر التي تم تعيين الأفراد فيها. إن طريقة تنظيم المظاهرات هي المؤشر الأكثر دلالة لوجهة النظر هذه. قد نُظمت هكذا "المسيرة السوداء" في 21 ماي 2001 بـ تيزي وزو على شكل مربعات تبعا للانتماءات القروية أو تبعا لـ العرش. من الممكن أن يكون هذا النمط من التنظيم (غير المعهود)، و المُدفوع بالتزامات تنظيم الحشود، قد أجبر الأفراد على التماهي مع قريتهم أولا أو حيهم أو مدينتهم. إنه التحام يمحو الاختلافات الفردية و يُذوِّب الفرد في الجماعة. مؤشرات أخرى كثيرة تعزز ثقل مسعى يرجع إلى إعادة تفعيل النزعة الجماعاتية.[63]

الأكثر دلالة هو نمط اتخاذ القرار و الإكراه الظاهر أو الباطن من أجل ضمان تنفيذه و الذي هو بعيد عن متطلبات التعبير المواطني. في كثير من الأحيان يتم عند الإجماع اتخاذ القرارات في "الاجتماع السري المغلق"،[64] إذا يتم اتخادها داخل شيء ما مغلق. إن لفظا مثل لفظ "العرش" قد فرض نفسه من غير أن يكون معناه الحقيقي مصرحا به. إن براديغم الجماعاتي فاعل في طريقة الاشتغال هذه، بقدر ما يستعيد عظمة الكلمة الكلية و الشاملة للجماعة على حساب تلك الخاصة بالأفراد في اختلافاتهم. بالفعل، تصير الأصوات المتعارضة و النقدية مكبوتة و إذا كان العزل غير معلن بشكل صريح، فإنه يظهر بوضوح في المصير المخصص للأفراد الذين يتجاوزون إجماع "الاجتماع السري" المُفترض أن يمثل جماعة "بلد القبايل".[65] من أجل تبرير طرق تسيير حركة الاحتجاج هذه، تم العثور على الحجج مثل تلك الخاصة بالاستعجال و ضرورة التصدي للمواجهة الدامية. و مع ذلك، يظهر لنا بديهيا أن تبرير هذه الممارسات باللجوء إلى الطرق القديمة (إجماع مجلس القرية بالخصوص) هو في تناقض تام مع دوافع المواطنة المُعبر عنها، خاصة في الأسابيع الأولى من الاحتجاج.[66] إنه تناقض لا يمكن الدفاع عنه، خاصة عندما يتم شجب واقع كون السلطة السياسية تخيف الحريات الفردية و لا تقبل الاختلافات و الفكر النقدي. و هذه الأخيرة ليست أحسن إثباتا و لا مضمونة أحسن من طرف أشكال تنظيم هذه الحركة، بما أن الاتفاق هو ابن الإجماع و أن عظمة الجماعة و الجماعاتي، تحصر الحريات الفردية، خاصة و أن هذه الأخيرة ليست فعالة إلا بالانضمام الحر و الاختيار الحر و الاعتراف بالاختلافات. أصبح تعيين الأفراد بانتمائهم القروي أو بحيهم الحضري (و لكن كصورة عن القرية) قاعدة، لأن الفرد ليس شيئا و الجماعة هي كل شيء. و حول هذه النقطة، ينبغي التأكيد على حقيقة أن مشكل اللجوء إلى سلطات جوارية ليس هو الذي يطرح مشكلا، لأنه يمكن لهذه الأخيرة أن تكون بدائل للمواطنين من أجل مشاركة أحسن في الحياة العمومية. و لكن هذا ينطبق فقط بشرط ألا تُجدد هذه الهيئات الدعوات و القواعد القانونية المُعاد تفعيلها انطلاقا من التقليد الجماعاتي الذي يعيق انبثاق تعابير المواطنة بكل اختلافاتها، و هذا في حرية حقيقية للاختيار. في حين أنه في القبايل، تشير المعطيات الإمبريقية لحركة 2001 إلى توجه تجديد النزعة الجماعاتية المعيقة و التي تقف ضد التطلعات الفردية، مؤدية إلى ممارسات هي في تناقض فاضح مع الشعارات المصاغة من طرف الحركة.[67] يبين تحليل وضعية النخب بواسطة المعرفة من خلال بعض المؤشرات، كيف جرت الانتكاسات المُنتجة بواسطة تعبئة النزعة الجماعاتية خصوصا بالنظر إلى 1980.

يشهد بالفعل غياب الجامعيين والمثقفين بصفتهم الرسمية، في الوقت نفسه من هيئات "القيادة الجماعية" و من حقل التواصل،[68] ليس فقط على "استقالة"،[69] و لكن على تمثل مُشكّل حول ثنائية لا يمكن اختزالها بين إنتاج المعنى و العمل من جهة و استحالة التمفصل بين المعنى النقدي المُنتج من طرف أفراد و بين اتفاق الجماعة من جهة أخرى. لا يتسع العرش المأخوذ كوضع و كوسط فكري و ثقافي مع وجهات النظر الفردية، إنه يقوم بدور من أجل قول "ما يقوله الجميع" بالإجماع و عاطفيا و بما لا يقبل النقاش. خصوصا عندما يتعلق الأمر بجعل "بلد القبايل"[70] موضوعا للقول و التفكير عند الشّدة إضافة إلى الحالة الطارئة. إن الحكم الشعبي القبايلي الذي يقول ("كن كجميع الناس")، يجعل الوضعية ملائمة في السياق الجماعاتي، أي في الجماعة أو خارج الجماعة، في الشمول و الانصهار أو الإقصاء.

إن الميزة الأكثر لفتا لصمت النخب (بما هي كذلك) هي بكل دقة جد واضحة في إقصاء الجامعة، خاصة جامعة تيزي وزو كمنتدى و فاعل. لنشير إلى أن الطلبة شاركوا أكثر الأحيان من محلياتهم في الحركة، و الذين كلفوا في كثير من الأحوال كممثلين في قريتهم و حين ينبثق جامعي في دور قيادي، يكون ذلك في مكان إقامته أو في حيّه الذي يُوصله، يدعمه و يمنحه الشرعية و ذلك بسبب انتمائه أساسا إلى الجماعة المحلية.[71] الحالة الأكثر مشاهدة هي تلك المتعلقة بـ بلعيد أبرك من تنسيقية مدينة و بلدية تيزي وزو.[72] و في المظاهرات الكبيرة كتلك التي تعود إلى 21 ماي 2001 و المسماة بــ "المسيرة السوداء"، لم يكن للجامعة بصفتها الرسمية مربعها و كان يجب على الطلبة و الأساتذة الجامعيين أن يلتحقوا بمربعات عروشهم، حيهم أو قريتهم الأصلية. يمكنهم أن ينظموا مسيرات كالوظائف الأخرى و لكنهم لا يمكنهم أن يتفردوا في تلك الخاصة بـ العروش. باءت المحاولة الوحيدة للتنسيق بين لجان القرى و جامعة تيزي وزو بداية شهر ماي،[73] بالفشل. و عبّر بوضوح مندوبو لجان القرى عن رفضهم لقطب أو نواة جامعية قائدة.

إن أحداث الشغب التي دفعت بالطلبة الطلبة في منتصف ماي إما إلى "الصعود إلى الجبهة" (الالتحاق بصانعي الشغب) و أو الرجوع إلى منازلهم، أحدات لا سابق لها. صار يُنظر إلى بعض النشاطات البيداغوجية المستمرة في حرم بعض الجامعات كإهانة و خصوصا كمحاولة للاحتفاظ بفضاء مستقل بالنظر إلى الجماعاتي الذي هو في حالة عصيان. فيما هو أبعد من القراءات الاستراتيجية السياسية أو القراءات الظرفية في وضعية درامية، تشير هذه الوضعية في السياق المحلي إلى كسر و انتكاسة في الآن نفسه في مركز النخب بواسطة المعرفة و في الطريقة التي صار يُنظر بها إليهم، و بالتالي انبثاق تمثل جديد عن النخبة و تمثلات جديدة عند النخب. و كما أشرنا إليه سابقا، فإن النخب بواسطة المعرفة مرغمة سنة 2001 على العيش في الدائرة الأكثر عمقا للمحلي و في وضعية تبعية. إن استقلاليتهم مقلصة بشكل كبير و عملهم مُتجاوز دائما من قبل الانتماء القروي (لاحظ ما سبق). في الأخير، يثبت بكيفية جيدة غياب النساء في الفضاء العمومي للاحتجاج[74] و بالأخص من لجان القرى و التنسيقيات، أثقال الترسيمات التقليدية الفاعلة بشكل واسع، بالمقدار نفسه في الاحتجاج و في المجتمع بشكل عام.

3.3 ممارسة أخرى للسياسة؟

كان لصوت الشعب (la vox populi) في سنوات 1970-1980 فن مستهلك متمثل في الفكاهة (و بالتالي السخرية) لترجمة رفضه للخطاب السياسي المدحي. و في الإجمال كان له طريقة هادئة للاحتجاج على "بوليتيك" المهيمنين. كثيرا ما نسمع في القبايل عن شخص يمارس الدسيسة و التشاحن الصغير، أنه يمارس السياسة. إنه نوع من الحذر الظاهر في الثقافة الجزائرية اتجاه ممارسة السياسة. الجزائريون مسلوبون بلا شك، و لزمن طويل من هذه الممارسة و قد طوّروا طرقا تُجرد الممارسات السياسية المهيمنة من أهليتها وتحقرها. تحيل السخرية و بطريقة معينة، إلى العلاقة الخارجانية مع الشأن السياسي و السياسة، اللذين يضعان نفسيهما فوق العدد الأكبر. إن الطريقة التي يُنظر بها للرهانات السياسية في قمة الدولة تُبرر صفة "البوليتيك" هذه باعتبارها دسيسة.

يظهر لنا الفهم الكلي لحركة الاحتجاج سنة 2001، أن هذه الخارجانية المعلنة بالنظر للعبة السياسي، تؤدي بالنسبة للعدد الأكبر إلى رفض في الوقت نفسه صورة الدسيسة هذه. و بالرغم من ذلك، فإن هذه الوضعية تشكل في الظروف الحالية المميزة بحرية التعبير و التنظيم السياسي، مفارقة. من الأكيد أن الذهاب إلى عمق هذه المسألة سيستغرق و قتا أطول. من الممكن في المقابل القول أن اللعبة السياسية في الخطابات و النقاشات و النصوص الرسمية لـ "القيادة العامة" للاحتجاج، مستبعدة بما أن ليس لها سلطة على واقع المجتمع و تطلعات السكان. يوجد على الصعيدين الوطني و المحلي تعبير عن خيبة الأمل بالنظر إلى الممارسة السياسية و التي لا يُنظر إليها كقوة مُوجهة للوساطة مع الدولة و منظمة لانحرافات تعسفية و/أو تسلطية لهذه الأخيرة. أحدثت بلا جدال المجادلات المتكررة في القبايل بين ت ث د/ RCDو ج ق إ/FFS و الاستراتيجيات الهادفة إلى السيطرة على المنطقة، ضجرا اتجاه اللعبة السياسية و تحديد هذه الأخيرة كدسيسة و ضربات مؤذية (انظر على سبيل المثال المجادلات حول مقتل المغني معطوب لوناس). بلا شك، ليس غريبا عن خيبة الأمل هذه، جمود بلديات حزب ت ث د/  RCD أو حزب ج ق إ/FFS مثل أقرانهم كالتجمع الوطني الديمقراطي RND و جبهة التحرير الوطنيFLN  أو الإسلاميين. الحقيقة المتفاقمة هي أن كثافة "قضايا" (الضربات المؤذية) فيما يخص المنتخبين المحليين و النشر الإعلامي لوقائع و تصرفات بعض النواب أو عضو مجلس الشيوخ و الامتيازات المرتبطة بوظائفهم[75]. و لكن أيضا الدسائس المفترضة أو الحقيقية في الدواليب المركزية للدولة، انتهت إلى إنتاج لتصور عالم سياسي مستقل بالنظر إلى المجتمع. و بذلك، فقد تم قطع كل الوساطات السياسية. و هذا يفتح الطريق إلى علاقة تمنح الأولوية للمواجهة و البحث ليس فقط عن فضاءات حوار و لكن عن سلطات-مضادة تهدف إلى إسماع صوتها للدولة هنا و الآن. و هذه الأخيرة -من الأهمية بمكان أن نشير إلى ذلك- منفصلة عن موضوع غضب المحتجين. إنه بالفعل، شعار "السلطة المجرمة" الذي ردده محتجو القبايل على طول ربيع 2001. و في الواقع، يتم مطالبة الدولة الجزائرية بالعدالة و التعويض و في نفس الوقت بالاعتراف بالخصوصية الهوياتية. بالفعل، و كما يعبر عنه عفويا المندوب القروي الشاب خلال الجمعية التأسيسية لكونفدرالية عرش ناث-إراثن: "...لا نريد أن نكون بديلا عن الدولة و لكنها ممثلة بشكل سيء من طرف الإداريين الذين ليسوا في مستواها...". يبدو أن ما هو مُطالب به في الظروف الاقتصادية و الاجتماعية الجديدة، ليس هو بالضرورة دولة أقل. على العكس، المُطالب به هو دولة أكثر و لكن في أشكال أخرى من التدخل. من البديهي أيضا أن هذه المطالبة صادرة عن الذين يحسون في ظل المعطيات الاقتصادية الجديدة أنهم مهددين أو مستبعدين. من المؤكد أنه يوجد في القبايل كما في مناطق أخرى من الجزائر مصالح تتحكم في المطالبة بدولة أقل. و هذه المصالح من وجهة نظرنا ليست خاصة بالأغلبية. تُسهم هذه المصالح من ناحية أخرى من خلال تعابيرها في المجتمع و بواسطة لعبة الاستراتيجيات الاقتصادية،[76] في تفاقم الانقطاع بين المطالب الاجتماعية و بين السياسة العمومية. إن عمل الدولة، لاسيما من حيث التنظيم هو محل تشويش من طرف هذه الرهانات، الشيء الذي يحفز هنا أيضا على البحث ليس عن الوساطات و لكن إلى إسماع الصوت مباشرة.

في العمق، يظهر لنا إذا أن هذه الاعتبارات ترِنّ كمقدار من المؤشرات للبحث عن طرق أخرى لممارسة السياسة و طريقة أخرى لتعريف السياسة، بمعنى طرق تنظيم المشاركة في الحياة العمومية.

ليس مستغربا من وجهة النظر هذه، أن تمتد حركة الاحتجاج القبايلية سنة 2001 كما في جميع الاحتجاجات العديدة عبر الجزائر، خارج اللعبة السياسة الحزبية و ضد أشكال السلطة المحلية أو المركزية وانطلاقا من أماكن ملموسة، جوارية و أماكن للاعتراف الداخلي كما هو حال القرية أو الحي أو المدينة. لم يعد الزعماء مختارين على أساس الوظائف ذات الصلة بالسياسة و برامج و مشاريع مجتمع...، و لكن على أساس الولاء للجماعة المحلية. يكون التماسهم إذا (أو الاعتراض عليهم في الحين) في متناول الأيدي و تكون العلاقة معهم شخصية.[77] بالفعل، إنها سلطات-مضادة تلوح في الأفق، و لكن في أماكن و أشكال تريد أن تكون في قطيعة مع تجارب، يظهر أنها لم تنتج إلا خيبات الآمال. هل يجب التعجب إذا من أن تقاليد و ذاكرة الماضي مدعوين من أجل إعطاء شكل و قوة لما يعرض نفسه كبداية، إن لم يكن إعادة التوليف أو على الأقل إعادة صياغة للعلاقة بالسياسي و بالسياسة؟ عند الاستماع بتأن لفاعلي احتجاجات القبايل و عند قراءة النصوص المُعدة من طرف "القيادة الجماعية"، يظهر من البديهي على ضوء هذه الاعتبارات، أن الفاعلين في بعض الأحيان و على حساب أعمال ارتجالية، قد سووا كل الجوانب التي أتينا على الإشارة إليها. و هذه بعض الأمثلة التوضيحية.

يظهر الإبعاد للسياسي و للسياسة عبر مبادئ CADC لولاية تيزي وزو[78] و عبر هدف حركة الاحتجاج الذي تحدده في:

"استقلال واستقلالية الحركة بالنظر إلى السلطة، الأحزاب السياسية و مؤسسات الدولة."

"رفض كل أشكال الولاء و رفض الاستعاضة عن الحركة بالتشكيلات السياسية."

" تمنع الحركة على نفسها التحول إلى حزب سياسي أو إلى رابطة أو منصة انطلاق أحزاب سياسية أو أي جمعية أخرى."

"حركة الثورة هذه ذات الماهية الديمقراطية و السلمية بإطلاق هي إثبات مواطني من أجل رفض الرضوخ و التعسف و الحقرة و الإنكار الهوياتي و ضد الاحتقار و النظام السائد لسلطة مافيا و نظام متعفن."

هذه المبادئ مصرح بها بنص يعبر بوضوح عن أسباب الاستبعاد هذه:[79]

" برهنت الحوادث الدرامية للقبايل على العجز الفاضح للمنتخبين و المسؤولين على كافة المستويات لمواجهة استبسال الدرك الوطني و قبالة القتل الوحشي للأبرياء" و" أمام حدث درامي من هذه الطبيعة، يجب على مجمل المؤسسات أن تسأل نفسها و تعود إلى معايير المواطنة". يحدد النص بدقة "أن إقامة الديمقراطية و النزع الواسع والفعلي للمركزية، يتطلب تفوق السلطات المنتخبة على السلطات التنفيذية و على قوات الأمن". و تجدر الإشارة إلى تكرار الإحالة إلى ممارسة المواطنة. هذه الأخيرة معرفة بالنظر إلى الممارسات المؤسساتية التي تشكل ثقلا موازنا.

في الممارسة، ليست بالضرورة هيئات تنسيق و تسيير الاحتجاج أكثر تماسكا دائما و لا أكثر تطابقا مع المبادئ المُصرح بها بواسطة النصوص كما أشرنا إليه في الأعلى. زيادة، على أن التوتر حول موقف رفض كل حوار و البحث عن إرضاء المطالب بلا أي نقاش و لا أي تنازل، إضافة إلى أنها تحافظ على توتر صعب إدارته بالطرق التي منحتها هذه الحركة لنفسها، فإنها تؤدي إلى طريق مسدود.

الخاتمة

برفض "القيادة الجماعية" ترجمة هذه المطالب سياسيا و إعلانها عدم أهلية الأحزاب السياسية في هذا المسعى، تفاقمت حالة الفراغ السياسي و تجمدت كل إمكانية بديلة من أجل تمديد النقاش حول "العيش المشترك" في التنوع. و هذا مع رجوع نقدي لطرق تنظيم المجتمع و المشاركة في القضايا العمومية، انطلاقا من أمكنة محلية و في الجوار. النقاش الذي شرع فيه فعلا خلال في الوقائع. بالإضافة، يظهر أن فاعلي "القيادة الجماعية" و بشيطنتهم الممارسة السياسية، قد نسوا الطريق الطويل للجزائريين و كلفة الانفصال المفروض من الأسفل فيما يزيد قليلا عن عقد من الزمن، تحديدا من أجل استعادة الحق في الاختلاف على المستوى السياسي. تمر ممارسة هذا الاختلاف في المجتمعات الحديثة بواسطة التنظيم السياسي، الولاءات المتعددة و أيضا بواسطة صيرورات الفردانية. ليست المواطنة تعويذة، بل هي بناء تاريخي وترجمة إلى ممارسات حقيقية في المجتمع. يظهر لنا أن هذه الصيرورة قد شُرع فيها في المجتمع الجزائري، حتى و إن كانت هناك أثقال من الأسفل. و التي لا يخرج احتجاج القبايل في 2001 عنها و قصور ذاتي من الأعلى، إضافة إلى فترة طويلة من التمزق الداخلي التي تعيق تقدمها.

ترجمة: محمد حيرش بغداد

الهوامش

* صدر هذا المقال باللغة الفرنسية في مجلة إنسانيات، العدد 16 جانفي-أفريل 2002، ص. 55-97. 

[1] إننا نقصد بــ "القيادة الجماعية" التنسيقيات الموضوعة عين المكان بداية من 17 ماي 2001 على مستوى الولايات و بين الولايات. بالإضافة، و استطرادا فإننا نشير و بنفس الطريقة إلى تنسيقيات البلديات و القرى. هذه الصفة ليست تعسفية، إنها مقترحة بواسطة طرق اشتغال و اتخاذ القرار الموضوعة محل التنفيذ و المُتبناة من طرف التنسيقيات المعنية.

[2] المترجم: فضلنا استعمال مصطلح "القبايل" للتعبير عن مجموعة بشرية مميزة لها هويتها و ثقافتها الخاصة و الموجودة في الجزائر

و لم نستعمل مصطلح "القبائل" لتفادي كل لبس، لأن صاحب المقال يستعمل أيضا و بالفرنسية مصطلح Tribu (s) الذي يترجم في العربية بالقبيلة في المفرد و القبائل في الجمع و التي يربطهما صاحب المقال مباشرة بـ "العرش" le ‘arch في المفرد و بـ "العروش" ‘arouch في الجمع، في حين أنه يستعمل بالفرنسية مصطلح la Kabylie/Kabyle (s) عندما يتكلم  عن المجموعة البشرية المذكورة آنفا.   

[3] أنظر إلى أحداث شهر ماي و جوان في شرق الجزائر و احتجاجات الصيف و بداية الخريف في المناطق الأخرى.

[4] بقدر ما أن المدن الكبرى بالأساس، خصوصا الجزائر العاصمة لم تكن معنية بتفشي هكذا احتجاج.

[5] بواسطة أداة التحديث، فنحن نفكر خصوصا في الهيئات المنتخبة مثل المجالس الشعبية البلدية APC و المجالس الشعبية الولائية APW.

[6] أي سبتمبر-أكتوبر 2001. و نشير هكذا إلى نوع متقدم في إرادة الحوار المُعبر عنه خصوصا بواسطة النشرة الإعلامية لرئاسة الجمهورية لــ 23 سبتمبر 2001. إضافة إلى أنه ظهر في خضم الحركة انقسام بين "المنادين بالحوار" و بين "الراديكاليين" المناصرين لرفض كل تفاوض.

[7] تلقى رجل شاب في هذه المنطقة المحلية الصغيرة في الجنوب الغربي لـ تيزي وزو، اسمه قرماح ماسينيسا جرحا قاتلا في 18 أفريل 2001 في مقرات فرقة الدرك. ومات نتيجة جروحه في 20 أفريل بمستشفى بالجزائر العاصمة.

RCD * / التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية، FFS: جبهة القوى الاشتراكية.

[8] في الواقع، نشير إلى مبادرتين متنافستين في الأسبوع الأول من شهر ماي، من أجل تنظيم تنسيق أحياء المدينة. بالإضافة، إلى أنه فيما عدا بعض الأسماء المعروفة، خصوصا عبر التدخلات العمومية أو بواسطة الصحافة، فإن عناصر التنسيقية ليسوا معروفين في كل المدينة. و بعض الأحياء ليست ممثلة في التنسيقية و ليس لها حتى لجنة.

[9] هذا ما نشرحه في أطروحة دولة التي هي في صدد الإنجاز، خاصة بالنسبة للعلاقة مع الديني ومع مركزية السياسة...

** CPWB: اللجنة الشعبية لولاية بجاية

[10] إن مقالنا لا يتطرق لهذه المنطقة من حيث أن ميداننا المباشر للملاحظة هو ولاية تيزي وزو. و لكن من الواضح أنه من الجدير فتح طريق للتفكير والذي ما لا شك فيه سيسلط الضوء بدون شك كلية أكثر لتحليل حركة الاحتجاج هذه. أنظر إلى وجهة نظر فاعل مفيدة للغاية في:

« Deux questions à Bedreddine Djehnine. Pourquoi la gauche dérange », Le Régional, n° 1 (7-13 février 2002).

[11] أنظر حول مسألة ثقل وسائل الاتصال في حركات الاحتجاج الجماعية:

Lafarge, J. (1998), La Protestation collective, Paris, Nathan, coll, 128, p. 84-88.

[12] 11. Basagna, R.  et Sayad, A. (1974), Habitat et structures familiales en Kabylie, Alger, CRAPE,. Sur cette question, il existe une littérature abondante, mais souvent répétitive à partir du travail de Hanoteau et Letourneux, La Kabylie et les coutumes kabyles, Paris, Challamel, 1893. Parmi les synthèses récentes, voir tout particulièrement, Mahé, A. (1996), Anthropologie historique de la Grande Kabylie, XIX-XXe siècle. Histoire du lien social des communautés villageoises, Thèse de sociologie, Paris, EHESS, On pourra relire avec attention Favret, J. (1968), Relation de dépendance et manipulation de la violence en Kabylie, L’Homme, vol. 8, n°4, p. 18-44. Mais aussi, pour une clarification sur la question de la tribu au Maghreb, Gellner, E. (1969), Système tribal et changement social en Afrique du Nord, Annales marocaines de sociologie, p. 1-20. Des ouvrages donnent, par ailleurs, des indications utiles pour comprendre le fonctionnement de la société traditionnelle en Algérie, Tillion, G. (2000), Il était une fois l’ethnographie, Paris, Seuil, (pour le cas de l’Aurès) ; Morizot, J. (1985), Les Kabyles. Propos d’un témoin, Paris, CHEAM, Sur les statuts et les positions au sein de la société kabyle traditionnelle, voir les indications et les lectures de Mouloud M. (1980), notamment l’introduction de Poèmes kabyles anciens, Paris, Maspero,. Enfin, pour la description d’un cas précis d’organisation en Kabylie, voir Servier, J. (1966), Un exemple d’organisation politique traditionnelle, les Iflissen Lebahr, ROMM, n 2,

[13] Voir Mahé, A., op.cit., Mais aussi, sur la situation au moment de la mise en place des centres municipaux, les nombreuses remarques dans l’Algérie du demi-siècle, synthèse Gouvernement général. Des indications précises montrent le poids des dynamiques villageoises dans les modes d’identifications. Et Morizot, J. (1962), L’Algérie kabylisée, Paris, CHEAM, Roberts, H. (1981), “Algerian Socialism and Kabyle Question Monographs”, in Developement Studies, 8, School of East Anglia, june.

[14] ما هو محمول بواسطة مائة سنة من الاستعمار و ما هو موضوع من طرف الدولة الوطنية الجزائرية محل التنفيذ من الأعلى.

[15] Salhi, M. (1999), « Modernisation et retraditionalisation à travers les champs associatif et politique : le cas de la Kabylie », Insaniyat, n°8, mai-août, p. 21-42.

[16] Favret, J. (1967) Le Traditionalisme par excès de modernité, Archives européenne de sociologie, vol. VII, p. 71-93.

[17] أنظر إلى مقالنا المذكور سابقا وأنظر ما يأتي به:

Kenzi, A. (1998), Tajm'at du village Leqlaa des Ath-Yemel. Étude des structures et des fonctions, Mémoire de magister, ILCA, Tizi-Ouzou, (particulièrement le volume II).

إن كارثة المخدرات وظهور تصرفات مرتبطة بالجنوح على أبواب القرى ولكن مطالبة الشباب أيضا بأشكال جديدة للتنشئة الاجتماعية بإدراج عوامل غير معهودة في الفضاء القروي. سنسجل أن عدد الانتحارات المصرح بها خلال سنوات 2000 و2001، كما هي كذلك مخيفة (حوالي 150) من حيث أن هذه الظاهرة تمس بالأساس الشباب وهي قروية أكثر ما هي حضرية. تشكل كل العناصر بالإضافة إلى البطالة القارّة علامات لشرخ كبير في الرابط الاجتماعي ولاهتزاز حقيقي للمجتمعات القروية التي تتصور ذلك كتدمير حقيقي للنظام القروي المُحافظ عليه بطريقة أو أخرى.

[18] Salhi, M. op.cit.

[19] أنظر إلى قراءة حول هذه المسألة في مؤلف:

Lacoste-Dujardin, C. (1992), Démocratie kabyle. Les Kabyles, une chance pour la démocratie algérienne.- Hérodote, n°65-66, p. 63-74.

[20] يظهر بالفعل أن الدولة قد اتخذت الإجراءات الاستعجالية لإعادة النظر في هندسة النظام المؤسساتي من خلال إطلاق التفكير عبر مجلس إصلاح الدولة. حاولت أحزاب سياسية من قبيل RCD و FFS تفادي الاقتراحات التي تهدف إلى مزيد من اللامركزية الإدارية.  

[21] والتي صارت فألا إعلاميا.

[22] هكذا، فعندما نتكلم عن الإقصاء الاجتماعي، الاقتصادي والثقافي لكل "بلد القبايل" يمحي خطاب حركة الاحتجاج تماما صيرورة التمييز الاجتماعي الحاصل في هذه المنطقة. من البديهي في الظروف الاجتماعية والاقتصادية الجديدة، أن يكون جلب الريع، تفشي المضاربة على الأراضي ومكافحة شبكات الدعارة والمخدرات وسوق العملات، تكامليا intégratifs بالنسبة "للبرجوازيين الجدد" من القبايل ولكن يشاركون في استبعاد قطاعات كبيرة من المجتمع. تمر هذه الاختلافات أيضا من خلال المجتمعات القروية.

[23] Voir infra des éléments sur la construction de cette imagerie. De façon générale, sur la construction de l’imagerie de la région, voir notamment B. (1980), « L’identité et la représentation. Eléments critiques sur l’idée de région », Actes de la recherche en sciences sociales, Novembre, p. 63-72 ; Bertho, C. (1980), « L’invention de la Bretagne. Genèse sociale d’un stéréotype », Actes de la recherche en sciences sociales, novembre, p. 46-62 ; Mammeri, M. (1986), Les Mots, le sens, et les choses et les avatars de « tamurt », AWAL, p. 7-20.

[24] يبقى بالفعل أن نتحقق انطلاقا من وقائع دقيقة، ما إذا كان تذكر العرش يؤدي في مجمل القبايل إلى نفس التماسك فيما يخص التنظيم و الوصم الإقليمي. 

[25] أسهمت التلفزة بشكل معتبر في صنع صورة قبيحة عن هذه العروش التي "تغزو" الجزائر العاصمة (المدينة) والتي ترجع عند مجيء المساء إلى "منازلها" ليس بدون أن ننسب إليهم كما في 14 جوان بعض الأعمال المدمرة. ليس الوصم واضحا و لكنه مقترح.

[26] حول هذه الأزمة أنظر إلى:

Harbi, M. (1980), « Le FLN, mirage ou réalités », Jeune Afrique, p. 59-67 ; Carlier, O. (1986), La production sociale de l’image de soi. Note sur la crise berbériste de 1949, Les Nouveaux Enjeux culturels au Maghreb., Paris, CNRS, p. 347-371.

[27] تتميز مواطنة الدولة-الوطنية بالانتماء إلى مجتمع سياسي وطني و هي غير منفصلة عن الجنسية و عن الدولة-الوطنية، أين تكون الحقوق و الواجبات محددة من الأعلى. و تضمن دولة–الرعاية بطريقة كلاسيكية الحقوق، خصوصا من خلال هذه التدخلات في الجانب الاقتصادي و الاجتماعي. تستلزم أيضا هذه الطريقة في الانتماء مشاركة في الحياة السياسية. إنه بالطبع بناء تاريخي عرف تحريفات و تغيرات. أنظر فيما يخص مفهوم المواطنة و مناقشتها، بالخصوص إلى:

Constant, F. (2000), La Citoyenneté, Paris, Monchrétien, et un bon résumé du même auteur, (2001), « Quelles citoyennetés ? », in Sciences humaines, n°33, hors-série, juin-août, p. 46-49 ; Schnapper, D. (2000), Qu’est-ce que la citoyenneté ?, Paris, Gallimard, Folio actuel; Leca, J.  « Individualisme et citoyenneté », in Birnbaum, Pierre et Leca, J. (1991), Sur l’individualisme, Paris, Presse de la FNSP, p. 159-209; Touraine, A. (1992), Critique de la modernité, Paris, Fayard, (en particulier p. 233-402), et « Le nationalisme contre la nation », L’Année sociologique, vol. 46, n 1, 1996, p. 15-41, Wierwoka, M. « Le multiculturalisme est-il une réponse ?», Cahiers internationaux de sociologie, vol VC, p. 233-260.

[28] Notamment S. op.cit., et, « Contestations identitaires et politiques en Algérie (1940-1980), le poids du local », Actes du colloque international Villes et territoires au Maghreb, Tunis, IRMC, (à paraître). Voir résumé in Cahiers de l’IRMC, n 1 ; Tassadit, Y. (1987), Poésie kabyle et identité. Qasi Udifella, héraut des Ath-Sidi-Braham, Paris, Ed. MSH, Stora, B. (1989), Les Sources du nationalisme algérien. Parcours idéologiques, origines des acteurs, Paris, L’Harmattan,.

[29] Salhi, M. Contestations…, op.cit.

[30] أنظر إلى وجهة النظر المُطَّورة من قبل:

Meynier, G. « Problématique historique de la nation algérienne », in NAQD, n 14-15, p. 25-54, et Lemenouer, M. « Conjonctures intellectuelles et notions de groupe », In NAQD, n°14-15, p. 55-65.

[31] Harbi, M. (1992), L’Algérie et son destin. Croyants et citoyens, Paris, Arcantère, et, (1980), « Le FLN, mirage et réalité », Paris, Ed. Jeune Afrique, Cf. également de nombreux exemples et détails dans l’ouvrage du même auteur, Mémoires politiques. Une vie debout, tome I : 1945-1962. Mohamed H., livre, par ailleurs, un document qui illustre le poids des réalités locales et des particularismes locaux pendant la guerre d’indépendance, « Des Aurès à Tunis. Le FLN-ALN face aux particularismes locaux », in NAQD, op.cit., p. 239-242.

[32] حول حرب الولايات، أنظر:

Harbi, M., op.cit., p. 335-387.

[33] أنظر بالخصوص إلى:

Aït-Ahmed, H. (1983), Mémoires d’un combattant. L’esprit d’indépendance 1942-1952, Paris, S. Mesinger,. Zamoum, A. (1993), Tamurt Imazighen. Mémoires d’un survivant 1940-1962, Alger, Rahma, L. Anne-Marie, Salah L. (1999), parcours d’un militant algérien, Alger, Dahlab. Voir aussi Lacheraf, M. (1998), Des noms et des lieux. Mémoires d’une Algérie oubliée, Alger, Casbah Edition.

[34] يظهر في المجالس الطلابية بداية السبعينات، -خصوصا تلك الخاصة بالإقامة الجامعية لابن خلدون - التوجه المدافع عن الثقافة البربرية. إضافة إلى ذلك، يشكل درس اللغة المقدم من طرف مولود معمري، نقطة حشد و تعرف هوياتي بالنسبة إلى طلاب القبايل بجامعة الجزائر.

[35] بشكل مفارق، وبقدر ما كانت أعمال الدولة بواسطة المخططات الخاصة للتنمية تهدف إلى اندماج المناطق بقوة أكثر في الوطني، فإن ديناميات إعادة تملك المحلي من الأعلى تؤدي إلى جعل المشروع يدفع بالأحرى نحو إعادة تأهيل المحلي. حول هذه المسألة أنظر إلى:

Lavergne, M. et Duvigneau, G. (1995), Monde arabe, le retour du local, Peuples méditerranéens, juillet-décembre, p. 5-30; Côte, M. (1993), La quête de l’autonomie locale, Peuples méditerranéens, op.cit., p. 123-132 et enfin, L’Algérie ou l’espace retourné, Constantine, Média-Plus.

[36] و لكن هذه مسألة أخرى يجب طرحها على النموذج الاقتصادي لسنوات 1970-1980 و على الاستراتيجيات الموضوعة محل التطبيق في تلك الفترة. يظهر أن س. شاكر و في نص موجه بلا شك إلى تغذية التفكير حول بديل آخر، لا يكترث إلى هذا الفارق الدقيق عند استعارة اختصارات قابلة للمناقشة: "إن الإخفاق على المستوى الاجتماعي و الاقتصادي هو بمقدار كبير، بحيث نتصور بشكل سيء ما يمكن للقبايل أن ينتظروه من عمل دولة مركزية كانت خلال أربعين عاما عاجزة عن تحقيق قدر أدنى من التنمية لهذه المنطقة. و كل واحد يعلم أن القبايل تظل باقية على قيد الحياة بما تقدمه هجرتها الداخلية و الخارجية فقط. و من خلال الاستثمار المحلي الخاص و ليس بفضل كرم الدولة المركزية...".

in Réflexions pour l’autonomie de la Kabylie., Paris, Tamazgha, 2001. Pour une évaluation de la situation économique de la Grande-Kabylie, voir les articles de Bouguermouh, Ahmed et Oussalem, M-O. dans ce numéro, et notamment, Doumame, Saïd, Modernisation socio-économique  et pesanteur socioculturelle en Algérie : le cas de la Kabylie, Thèse d’État, Université de Lille, 1993; Si-Mohammed, Djamel, Croissance urbaine, le cas d’une ville d’Algérie : Tizi-Ouzou. Impacts et développement sur l’arrière-pays, Thèse de 3e cycle, Université de Bordeaux, 1987.

[37] Touraine, A. (1992), Critique de la modernité, Paris, Fayard, p. 301.

[38] "لا يصير الفرد فاعلا بانفصاله عن نفسه، إلا إذا عارض منطق الهيمنة الاجتماعية باسم الحرية، حرية إنتاج الذات"، و يكتب أ. توران الذي يوضح مفهوم الفاعل: "عندما أكتب عن الفاعل، أي عن الفرد كفاعل، فمن المستحيل فصل الفرد عن وضعيته الاجتماعية. يجب على العكس معارضة الفرد المستهلك للمعايير و المؤسسات الاجتماعية للفرد المنتج لهذه الحياة الاجتماعية."

Ibid, p. 300-301. Et le sujet « est la volonté d’un individu d’agir et d’être reconnu comme acteur », p. 242. Voir aussi sur la question Lafarge, J. (1998), La Protestation collective, Paris, Nathan, p. 80-88.

[39] واحد من مطالب حركة 1980 هو ممارسة الحريات الديمقراطية.

[40] إننا نرتكز فيما يخص هذه النقطة على ملاحظات مباشرة في هذه الفترة وعلى إعادة بناء مسارات فاعلي هذه الحركة، انطلاقا من قصص الحياة، التي لا يمكن أن نقدم عنها هنا تفاصيل.

[41] ينبغي الإشارة إلى أن الاحتجاج في لحظته المؤسسة، لم يكن له رمز "الحركة الثقافية البربرية" والذي سيوضع في متناول المستعملين بعد ذلك. كنا حينئذ نتكلم عن "الحركة".

[42] و على خلاف ما تم عرضه سابقا ex-post، لم يكن هناك قيادة رسمية للحركة ولكن كان لها لجان على مستوى الأماكن الرئيسية للاحتجاج والتي كانت أعمالها منسقة فعلا.

[43] معدة في 7 أفريل 1980 بعد مظاهرة منظمة بالجزائر العاصمة، والتي سميت "اللجنة المضادة للقمع" لأن واحد من أهدافها هو تحرير الكثير من المتظاهرين الموقوفين بما فيهم الأساتذة والطلبة.

[44] جانب مخفي اليوم بقوة. نلاحظ هكذا حضور في "اللجنة المضادة- للقمع"، الجامعة وتيارات يسارية مثل PAGS [حزب الطلائعي الاشتراكي] و PRS [حزب الثورة الاشتراكية] أقصى اليسار و FFS. صحيح أن هذا الأخير حاضر بشكل أكثر وضوحا وأحسن تمثيلا. سنلاحظ أيضا أن فاعلين كثر في "اللجنة المضادة-للقمع" ليسوا مرتبطين عضويا بأي توجه سياسي.

[45] النصوص المُوزعة تشهد بوضوح على ذلك. الأول معد بالجامعة من طرف الجماعة الطلابية ويستعيد المطالبة باللغة الأمازيغية كنقطة مركزية، ما يضعه بوضوح في المشروع الاشتراكي ("الاشتراكية الصحيحة") ويستعيد مقتطفات عريضة من الدستور الوطني لسنة 1976.

[46] من الطبيعي، لا بد من اعتبار أن المشادات المتكررة حول المسائل المرتبطة بالإنكار الهوياتي قد سبقت بشكل كبير الحركة وأعلنت عنها.

[47] ليس حضورهم في القرى ضخما و دائما. إن لهم في تيزي وزو و تطلعات للعمل أو السكن بعد تكوينهم.

[48] تقع بشرق مدينة تيزي وزو. و هي تجمع مع تجدير مقرات المؤسسات الوطنية، حوالي 5000 عامل بمختلف مؤهلاتهم. لاحظ:

Maacha, D. (1991), Essai d’analyse des principes de localisation et de gestion des zones industrielles et d’activités en Algérie : le cas de la zone industrielle de Oued-Aïss, Magister, Université de Tizi-Ouzou,. Yacini, A. (1985), Les zones industrielles : un instrument d’aménagement du territoire : le cas de Tizi-Ouzou., Mémoire de fin d’études, Sciences de la Terre, Alger, USTHB.

و حسب هذه الدراسة، عاد 50 % من عمال هذه المنطقة الصناعية من فرنسا أو من مدن جزائرية. في هذه الفترة كان لــ 65 % من هؤلاء العمال إقامة دائمة محصورة في شعاع 30 كلم حول تيزي وزو، إذا نحو المنطقة الجبلية الداخلية.

[49] من الواضح أيضا أن تلعب هياكل حزبية مثل ح ق إ FFS دورا مهما.

[50] عاش أغلبية فاعلي 1980 أو عملوا على الأقل في الجزائر العاصمة أو في بلد أجنبي، و بطريقة أو بأخرى عاش كلهم و/أو شاركوا في نقاشات السبعينات أو في الصراعات النقابية و الطلابية لنهاية سنوات الستينات و بداية السبعينات.

[51] من الناحية العملية، تيزي وزو هي المركز السكني الحضري المهم منذ 1980. لا يزال التعمير المصغر La micro-urbanisation في الجبال في شكل مشروع. لا بد بالفعل من ملاحظة أن هذه المدينة تجلب الاستثمار الكبير لسنوات 1970-1980 وبالتالي، يتركز حولها حوض حقيقي للشغل. ويشجع السكن فيها التوجه نحو الاستقرار في المراكز السكنية الحضرية بجوار تيزي وزو أو في المنطقة السكنية الجديدة بجنوب هذه المدينة. أنظر:

Kitous, Samia,  Processus de production des espaces centraux à partir d’un cas algérien, Tizi-Ouzou.- Magister, Alger, EPAU, 2001.

[52] يسمح القرب بممارسة الرقابة الاجتماعية، خصوصا بواسطة العائلة.

[53] هاجمت فرق CNS [الفرق الوطنية للأمن] في فجر في 20 أفريل الأماكن الرئيسية للاحتجاج، خاصة الجامعة. و في نفس اللحظة، تم اعتقال العديد من ناشطي لجان الاحتجاج. و تم إطلاق سراح بعضهم بعد أسابيع من الاعتقال، في حين أن 24 منهم تم اعتقالهم في سجن البرواقية (جنوب الجزائر العاصمة) إلى نهاية جوان.

[54] عرفت بعض المحليات مثل أميزور مواجهات قبل 20 أفريل.

[55] وُضعت الجامعة تحت المراقبة المباشرة للشرطة من فجر 20 أفريل إلى غاية 16 ماي في المساء. و بعد سلسلة من الجمعيات العامة، و التي كان بعضها عاصفا نوعا ما، تم التوصل إلى إجماع من أجل إنشاء ثلاثة لجان (المحبوسون، النشاطات و التنشيط الثقافي، دمقرطة الحياة الجامعية)، و متابعة الاحتجاج و استعادة العمل و الدراسة. نلاحظ أن النص الأخير المنبثق من الجامعة المحتلة مصاغ في 18 أفريل 1980. و المعنون "نداء الأساتذة الجزائريين للمركز الجامعي بـ تيزي وزو"، هو نتاج خمسة عشر أستاذ جامعيا مناضلا في "الجنة المضادة-للقمع". و المنشور في 19 أفريل، خاصة بالجزائر العاصمة، هذا النص المعروف قليلا و المُحال إليه نادرا، و إضافة إلى أنه يحدد أن الحركة بقدر ما تطالب بالاعتراف باللغة البربرية و الحريات الديمقراطية، فهي ليست "متجهة ضد اللغة العربية"، يشير إلى الربط الذي يقوم بها المؤلفون بين الجامعة و بين المنطقة: "إن التصعيد في القمع و التخويف. يجعل الأخطار الجدية لمداهمة الجامعة من طرف قوات الأمن قائمة. إن عملا كهذا يعني ليس فقط إقصاء مئات الطلبة و الأساتذة الجامعيين و لكن الإلغاء الصريح للمركز الجامعي كله، و إشارة إيقاف جدية لكل إمكانية للترقية الاقتصادية و الثقافية للمنطقة."

[56] تتشتت الحركة الثقافية البربرية إلى اتجاهين: MCB-التنسيقية الوطنية الممتدة عن التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية RCD و MCB-المجالس الوطنية، القريبة في غالبيتها من جبهة القوى الاشتراكية FFS و التي هي أيضا مخترقة في بداية التسعينات من طرف تيارات سياسية أخرى، خاصة من أقصى اليسار. و MCB-التجمع الوطني منشأ من طرف المنشقين عن RCD بعد حركة مقاطعة الدراسة بين 1994-1995، خاصة من طرف المغني فرحات مهني. كل هذه الاتجاهات هي اليوم بلا صوت و غير موجودة في الميدان كمنظمات فاعلة و راسية.

[57] من أجل التذكير، فالمترشحين الأربعة لرئاسيات 1995 هم ل. زروال، سعيد سعدي (RCD) ن. بوكروح )حزب التجديد الجزائري( و م. نحناح من الحزب الإسلامي حماس. يحصل سعدي على 8,94 % من الأصوات المعبر عنها، أي 996 835 صوتا. 85% إلى 87% من هذه الأصوات تم تعبئتها بـ القبايل أين تحول جمهور ناخبين جبهة القوى الاشتراكية )هذا الحزب قد دعا إلى المقاطعة( إلى س. سعدي. بالنسبة للانتخابات التشريعية في 1997، قام التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية بتعبئة 442 271 صوتا لحسابه، في حين حصلت جبهة القوى الاشتراكية على 527 848 صوتا. أنظر:

Fontaine, J. (1996), Algérie, « Les résultats de l’élection présidentielle du 16 novembre 1995 », Monde arabe, Maghreb Machrek, n 151, et Djerbal, D. (1997), « Les élections législatives du 5 juin 1997 en Algérie. Enjeux politiques, logiques et acteurs », Monde arabe, Maghreb-Machrek, n° 157.

[58] لم نشر بالقدر الكافي إلى حقيقة أن الاضطرابات السياسية الكبرى في الجزائر تتصادف مع إعادة تشكيل الخارطة السياسية في العالم. تعيد نهاية الحرب الباردة وانهيار الكتلة الاشتراكية تعريف الهويات السياسية وتنقل المواجهات الإيديولوجية على أرض الهويات. ينبغي مواجهة حقيقة أن الجزائر في وسط الثمانيات و بوسائل اتصالها في تلك الفترة، هي بالفعل حساسة للتغيرات الكبرى في المحيط الدولي.

[59] أنظر إلى معطيات في:

Akrour, S-M. (1996), Essai d’analyse des problèmes que posent la création, la croissance et la gestion d’une université en zone ru rale : cas de l’université de Tizi-Ouzou, Magister de sciences économiques, Université de Tizi-Ouzou.

[60] أنظر إلى مؤشرات مفيدة حول هذه المسألة في:

Amrouche, K. et Amirat, F. (2000), Les rapports formation-emploi : cas des diplômés en sciences économiques de l’Université de Tizi-Ouzou, Mémoire de fin d’études, sciences économiques, Université de Tizi-Ouzou. Ghellal, N. et Mokhtari, R., Insertion professionnelle des diplômés universitaires. Apports de l’Agence nationale de soutien à l’emploi des jeunes, Mémoire de fin d’études, sciences économiques, Université de Tizi-Ouzou, 2002.

[61] يدعو بوضوح قانون الشرف المعد من طرف CADC لولاية تيزي وزو في نقطته الثامنة 8 ممثلي الحركة إلى التعهد "بعدم إعطاء الحركة بعدا جهويا في أي صورة كانت".

[62] Von Barloewen, C. (2001), «Traditions, identités, et mondialisation. La culture, facteur de la realpolitik », Le Monde diplomatique., Touraine, A. (1998), « Les transformations sociales du XXe siècle », Revue internationale de sciences sociales, p. 187-193., Schnapper, D. « Comment reconnaître les droits culturels ? », Revue de philosophie  et de sciences sociales, n°1, p. 15-35. Foucher, M. « Pour une géopolitique des identités en Europe », RPSS, op.cit., p. 349-358, Renault, A. « Le débat français sur les langues régionales »., RPSS, op.cit., p. 381-400. Touraine, A. (2001), « Critique…», op.cit., Sur le cas de l’Espagne, voir notamment « La question basque, confins, violence, confinement », Les Temps modernes, n 614. Et le numéro XXX d’Ethnologie française consacré à l’Espagne.

[63] هكذا، استنتج ممثل من قرية بترونة في مداخلته خلال اجتماع مجالس القرى و الجامعة: "تاقبليت، هي مشروع مجتمع". تقباليت، هي فيما هو أبعد من اللغة، "القبايلية" أي في الحقيقة الإيتوس التقليدي. انظر لاسيما شروحات:

in Mammeri, M., et  Bourdieu, P., « Dialogue sur la poésie kabyle », op.cit.,

[64] معجم لاروس يعرف الاجتماع السري على أنه "اجتماع الكردنالات من أجل انتخاب البابا". كان يمكن لـ تجماعت نتودارت Tajm’at n tudert )مجلس القرى( أو أنجماع anajma’ )الاجتماع أو المجلس الكبير( أن يكون أكثر ملاءمة في سياق معاودة استعادة الهوية.

[65] لفظ "الخائن" مستعمل في الغالب من أجل الإشارة إلى الذين يعبرون علانية عن وجهات نظرهم. هؤلاء معينين للعقاب الشعبي بواسطة الإعلان المنشور. التسجيلات التلفزيونية للمداولات في "الاجتماع السري" و التي يمكن أن تعلن على الملأ، هي وسيلة قوية لتعيين "المعاندين" récalcitrants للعقاب الجماعي. 

[66] لقد تابعنا مثلا مسيرات طلاب ثانويات تيزي وزو، و هي على العموم مختلطة، تعبر لهجتها عن الحرية أو عن تنشئة اجتماعية حديثة تفوز فيها الرفقة بشكل واسع على كل رابط آخر للانتماء (القرية...).

 [67]يضع "يوم المدن و القرى الميتة" لـ 4 جويلية 2001 أمام النظر الأضرار الخطيرة التي مست حرية حركة الأفراد. و يُبين بالضبط الوضع على القائمة السوداء و النداءات العلنية الهادفة إلى عقاب (بالعزل) "المتحاورين" في حضن CADC خلال شهر جوان، جويلية. إضافة إلى صفة "الخونة" (الخبيث)، علاوة على ما تشير إليه من تحيين العقوبات التقليدية المخلة بالشرف، فإنها تبين بالضبط إفلاس الحرية و التعديلات الإجبارية التي يفرضها الأفراد على أنفسهم من أجل التأكيد على انتمائهم إلى الجماعة.

[68] يمكننا بلا شك أن نستخرج من هنا و هناك و جهات نظر متناثرة في الصحافة و لكن ليس من المداخلات المنهجية، الظاهرة و النقدية بصراحة. و لكن التي تجرؤ إذا على تحدي "الرأي الجماعي"؟

[69] أن نستقيل يعني أن نتخلى عن مهمة و في هذه الحالة، المهمة الأولى للمثقفين هي إنتاج المعنى.

[70] ما يمكن أن نفهمه في لحظة المواجهة الأكثر درامية من شهر ماي و جوان 2001. و لكن فيما هو أبعد، من الصعب مفصلة هذه الوضعية مع متطلبات المواطنة.

[71] من الممكن أن تكون وضعية الممثل تعود أيضا إلى المنزلة و إلى الكفاءة بواسطة المعرفة، و لكن هذه العناصر ثانوية بالنظر إلى أولوية الانتماء إلى الجماعة القروية أو إلى الحي الحضري.

[72] المدعوم من طرف حيه و الذي لا يتباهى أبدا بمكانته كأستاذ في جامعة تيزي وزو.

[73] هذا الاجتماع حصل في 8 ماي 2001 بمبادرة تنسيقية المجتمع الجامعي.

[74] كانت مظاهرات النساء في تيزي وزو و بجاية استثنائية و منتظمة. إنها لا تثبت قاعدة إقصائهم شبه الكلي من فضاء التعبير العمومي و من سلطات التشاور أو "القيادة".

[75] يجب بلا شك قياس تأثير هذه الكوارث الناتجة عن المجادلة حول أجور النواب و أعضاء مجلس الشيوخ.

[76] مُتعرف عليهم أكثر على أنهم دسائس و ضربات مؤذية على صورة البزنس الجديد و الممارسات الجديدة للحصول على الثروة بواسطة الريع و الاقتصاد غير الرسمي.

[77] تربط  CADCلولاية تيزي وزو مثل تنسيقية ما بين الولايات  interwilayas صفة الممثل ليس بعقد أو نظام داخلي و لكن بقانون الشرف.

[78]مبادئ مديرة للـ CADC لولاية تيزي وزو. أزفزن في 06/07/2001 و أسي-يوسف في 12/07/2001.

[79] شرح أرضية القصور. لربع ناث إراثن  Larbaa-Nath-Irathen في 31/10/2001.


Modernity, citizenship, and the field of “fiqh” (elements for a problematic approach)

The research worker has tried throughout this article to give a contribution in establishing a problematic approach on the knowledge of “fiqh”. Learning and science of religious Islamic law covering all aspects of life, from modernity and citizenship in the arab, moslem civilisational area.

Based on the following paradox, modernity and citizenship established them selves in a western civilisational spare springing from original resolutions, but these categories could only form themselves in the civilisational arab, moslem space.

Considering this paradox, the article questions the obstacles which prevent this forming?

It is also interested in the aspect of these obstacles, represented by intellectual and mental structures which produced modern arab, moslem thinking, and in particular the intellectual and mental structures related to the domain of “fiqh”.

From an implicit structural hermeneutical methodology, this article covers three points with a view to founding its conclusions, firstly it tries to define space of belonging and institution, then it analyses the question of producing knowledge (in general) and the knowledge of “figh” (in particular) in the civilisational field of institution, while trying lastly, to dismantle the intellectual and mental field structures producing “fiqh”. By relying on the results achieved by other research work, and finally concluding in all self frankness putting structural elements in evidence which make all attempts at a qualitative transformation of arab – moslem thought structures answering the demands of modern times impossible.

Keywords: Modernity - Citizenship - Fiqh - cognitive field - Islam.


"الحقيقة الفلسفية لا تنفصل عن القيمة، و القيمة لا تَتَرسَخ في النفس إلاَ بالحرية، فإذا آمنا بالحقيقة و القيمة و الحرية فقد مَلَكْنا الطريق إلى تحقيق الإنسان"

محمد بديع الكسم

(تكريما له في خطاب المغادرة دون رجعة)

المقدمة

تشكلت الحداثة و المواطنة (كمفاهيم، و كأبعاد حضارية) في الفضاء الغربي في رحم حركة ذات طابع مزدوج:

1- حركة أفكار تنظيرية ذات مسار (من النهضة إلى عصر الأنوار) تنشد الاستقلالية (في أبعادها المختلفة).

2- حركة اجتماعية و سياسية حملت على عاتقها تحويل هذه الأفكار الجديدة إلى أفق التحقق في الواقع الاجتماعي و الحضاري الغربي.

في حين أن الحداثة و المواطنة في فضائنا الحضاري العربي الإسلامي يجدان نفسيهما حتى الآن و كأنما المركب الغريب عنه و الدخيلة عليه.

فما العوائق؟

بدون شك يمكن رصد هذه العوائق في الصيرورة التاريخية لمختلف البنى -الكلية والجزئية- للمجتمعات العربية الإسلامية الحديثة إلا أننا سوف نهتم، في هذا المقال، بأحد أوجه هذه العوائق، المتمثل في البنى الذهنية الفكرية المنتجة للفكر العربي الإسلامي الحديث، وبالتحديد تلك البنى الذهنية و الفكرية المتعلقة بالحقل المعرفي الفقهي.[1]

1. المواطنة، الحداثة: التحديد و الانتماء

.1.1 التحديد

كلمة المواطنة، هي ترجمة لكلمة Citoyenneté  باللغة الفرنسية، و تدل حسب Le Petit Larousse: "أن الفرد له صفة المواطن" و في نفس القاموس يحدد المواطن بأربعة معاني، نذكر منها:

1- في القديم: هو الشخص الذي يتمتع بحق الانتماء للحاضرة.

2- عضو دولة: و هو بهذه الصفة له حقوق و واجبات مَدَنِية و سياسية.

3- في إطار الثورة الفرنسية، صفة تعوض السيد و السيدة[2].

لقد أسست الحَاضِرة اليونانية القديمة دلالة المواطن وفق مشروطية ما اسميه المساهمة و الفعل، فالمساهمة متعلقة بدفع الضريبة من أجل تسيير الشؤون العمومية للحاضرة، أما الفعل فيتعلق بحق المساهم في النظر و النقد لتسيير الشؤون العمومية للحاضرة و واجب الالتزام بقوانين الحاضرة، و بالنتيجة من لا يحق له المساهمة المالية يمتنع أن يكون مواطنا، فالمواطنة اليونانية من حيث هي جامعة للمجتمع الفاعل (بالدلالة التي حددناها) فهي في ذات اللحظة مانعة للمجتمع المنفعل (وفق الثقافة السياسية المهيمنة في الحاضرة آنذاك).

تَـنْزَلِقُ الدلالة الحديثة للمواطنة في اتجاه التعميم، فهي تتجاوز حدود منطق الإنسان المنفعل. إن كل إنسان، من حيث هو حيوان عاقل، لن يكون إلا فاعِلاً، المسألة تتعلق بمأسسة الشروط التي ينبغي أن تتوفر ليكون كذلك، فالتنوير (بالمفهوم الكانطي للاصطلاح) هو مـؤسس للإنسان الفاعل لأنه يقطع الصلة مع كل انفعال، كل سلبية، كل خضوع مقابل وهم لا يأتي، فكل فعل لدى الفاعل هو "وجود بالقوة"، توفير الشروط على مستوى الفرد و كذا على مستوى الكلية المجتمعية يؤدي إلى تحوله إلى "وجود بالفعل".

فالمواطنة بهذا المعنى هي امتلاك صفة المواطن المساهم، المتمتع، من حيث هو كذلك، بمجموع الحقوق المدنية ضمن مجتمع سياسي، فهي هيكليا ذات طابع قانوني تؤسس للفرد الحر المستقل العضو في الدولة (الدولة بالدلالة الحديثة)، لكن و بحكم طابعها الديناميكي (التعليل في سياق لاحق)، لم تبق في حدود المنطق القانوني، بل تجاوزته لتتخذ أبعادا حيوية سياسية، ثقافية، اجتماعية، إيديولوجية و رمزية...

إنها و ارتباطا بهذه الحيوية تدل على انتماء، مكانة و تمتع في فضاء الحريات، باختصار أنها تعبر عن ولادة الفرد الحر، المستقل و بدون تمييز. إنها منتوج تاريخي غير مكتمل الإنجاز (وفق تصورات هبرماس) فهو في سيرورة التحقق يجد نفسه في ديمومة التحول.

أما كلمة الحداثة La modernité، فتثير جدلا سجاليا قاتلا لها، و خلطا مثيرا بينها و بين مفهومي الحديث و التحديث، في حين أنها تختلف جوهريا[3] فهي "ليست مفهوما سوسيولوجيا، و ليست مفهوما سياسيا، و ليست مفهوما تاريخيا خالصا...ليست مفهوما إجرائيا للتحليل، ليس هناك قوانين الحداثة، مميزات الحداثة...بل هناك منطق الحداثة، إيديولوجية الحداثة، إنها نمـط حضاري متميز، منطق يتعارض مع منطق الأنماط الثقافية التقليدية السابقة عليه[4] فمنطق الحداثة يحمل الأبعاد الموضوعية و الكونية، و إيديولوجية الحداثة تحمل الأبعاد الذاتية، أبعاد المعنى و التي تنزع إلى الهيمنة.[5]

1.2 الانتماء

يمكن رصد الحداثة و المواطنة، من حيث هما حصيلة متجددة لسيرورة تاريخية طويلة، وفق المحددات التاريخية التالية:

أولها: مرحلة ما قبل الفكر السياسي، إنها تمثل مرحلة المجتمعات اللاهوتية الباهرة كما يصنفها غوريفيتش،[6] إن مقولة ما قبل الفكر السياسي تعني لدينا أن محددات الفكر السياسي و أطره السوسيولوجية و بنياته الداخلية و عملياته الذهنية المنتجة له مرتبطة عضويا بالمنظومة الفكرية اللاهوتية–الماورائية فهي التي تؤطر كل ما هو سياسي (تنظيرا و ممارسة)، تغذيه و تباركه باحتفالية أو تمنعه و تحرمه بجزر و إكراه.

ثانيها: مرحلة الفكر السياسي، التي تبدأ بتأسيس الحقل الذي يُمكِّن، في الآفاق اللاحقة، بعلمنة الفكر السياسي من خلال تحقيق استقلاليته عن حقل اللاهوت في الفترة اليونانية و الرومانية (بالتحديد قبل تبني روما للدين المسيحي)، إنها المرحلة التي ازدهرت فيها الفلسفة السياسية... و ظهور البذور الأولى المبكرة لفلسفة الحق (جمهورية أفلاطون و قوانينه، أخلاق نيكوماخ و السياسة الآرسطيين....) الـمُعَلْمَنَة.

ثالثها: مرحلة علمنة السياسي المؤسساتي (أقصد الدولة)، لقد تحققت في العصر الحديث، بتلوينات و تمايزات مختلفة، في الفضاء الغربي. ارتكز الغرب الحديث -وفق هذا التحليل- على مكاسب المراحل السابقة كتراكم تاريخي ملائم لصياغة تدريجية لتنظيم سياسي اجتماعي نوعي و متميز عن أنماط التنظيمات المجتمعية السابقة عليه، بل لنقل لقد تمكن الغرب بعبقرية نادرة تاريخيا أن يدخل إلى عالم الحداثة السياسية. إن فهم هذا التراكم، آلياته و كذا الوقوف على منطقه الداخلي المتحكم فيه يمكننا من المسك بأحد أدوات إنارة المسلك، أو المسالك الممكنة التي تؤدي بنا إلى تملك الحداثة الرحم "الشرعي" للمواطنة.

ستصاغ الحداثة، من خلال تثمين المكاسب المتراكمة السابقة، فَتُبَنْيِنُ (بضم التاء و تسكين النون) الفضاء المجتمعي الغربي و تشكل بالنتيجة ثقافة سياسية جديدة يتحدد منطقها الداخلي (أقصد الحداثة) ارتكازا على أُسَّيْن اثنين أحدهما يغذي الآخر و يتغذى منه، الأس الفلسفي العام أولا: مؤطر من خلال الدور المتميز للعقل في علاقته بالكون، نظرة جديدة للزمان، وجود طبيعة لـها قـوانينها الخاصة و حرية الإنسان، و أس فلسفة الحق ثانيا: من حيث أن مصدر الحق لن يتأتى إلا من إرادة البشر و تجاوز الرؤى المعتقدة أن مصدره هو النظام الإلهي، أو هو انعكاس للنظام الطبيعي[7] .

في خضم الصراعات الاجتماعية السياسية في العصر الحديث، تم تدريجيا شرعنة الحقوق الإنـسانية الحديثة، و في قلبها النابض مجموع الحريات الإنسانية بدون استثناء. إن هذه الحريات هي الـمُشَكِّلة لعصب المواطنة النامي، و هي في ذات الوقت الرحم الحي للحداثة، نسغ يغديها و نسيج يشملها.

فمنطق الحداثة يسبح داخل فضاء متنوع، متعدد الأبعاد، ذو بنى مختلفة. متباينة، تتداخل فيما بينها ضمن تمفصل ملائم، متناغم و متجدد. إنه (أقصد الفضاء) يحرك المجتمع في ديناميكية لا مثيل لها في اتجاه العالمية والأبعاد الإنسانية، إن منطق الحداثة، يفرض نفسه على الأبعاد الكونية بصفة موضوعية، أدركنا ذلك أم لم ندْرك، رغبنا في ذلك أو لم نرغب، أزعجنا ذلك أو لم يزعج، إنه يتجاوز موضوعيا الحدود و بالتالي الفضاء الذي أنتجها، و هو بهذا يؤسس لرحم المواطنة المتفتقة دوما و المتفتحة على العالمية باستمرار.

ففي اللحظة التي تتشكل المواطنة في النسيج الاجتماعي و المؤسساتي تجد نفسها مندرجة في مسار تحولها إلى "مؤسسة" فعالة و منتجة تنسج خيوط المؤسسات الاجتماعية لتؤول هي كذلك إلى فضاء الحداثة، و لِتَتَبِنْيِن وفق منطقها الداخلي، فالحداثة هي بمثابة فعل قلب الأرض (أقصد الأرض الاجتماعية) من أجل انبثاق المواطنة.

فلا يمكن لفعل الزرع إلا أن يكون مشروطا مسبقا بفعل قلب الأرض. و في الفضاء الحـضاري العربي الإسلامي، فعل قلب الأرض لم يتم بعد -رغم المحاولات الجادة التي أقيمت هنا و هناك منذ عهد النهضة– بل كَمْ هو عسير تحقيق ذلك تاريخيا، ذلك لأن الحداثة هي منبت مجتمعاتها فهي منطق و معنى إنها كما يقول محمد أركون "تقدم نفسها في آن واحد كنظرية تأسيس فلسفي للعالم و كعلمية لتغيير المجتمعات، في الأنموذج الأول يَتِمٍ إيلاء الأولوية إلى الذات العارفة، إلى "الأنا"، و الذات الكامنة تلك، التي كقيمة أسمى تضطلع بالمعنى و تبني العالم و تؤسس الرابطة الاجتماعية. و هو بطبيعته (أي الأنموذج الأول) لا يمكنه أن يؤسس ذاته، فكان عليه أن ينهل من "كاتالوغ" من القيم: الحرية، الفرد، العقل، الكونية. و بالمقابل في الأنموذج الثاني يَجْري الاهتمام بالتحديث، تلك الحركة التي تضمن الانتقال المعقد و المتعدد الأشكال من الحالة (أ) المجتمع التقليدي إلى الحالة (ب) المجتمع الحديث مع التساؤل عن أسبابها و رصد ميادينها و وصف أطوارها و تفحص أشكالها...في الأنموذج الأول: تأخذ الحداثة بالتقسيم المعياري، أما الأنموذج الثاني: التحديث يأخذ دلالة الحيادية".[8]

إن الدلالة التقييمية، المعيارية مرتبطة موضوعيا بالآليات و الديناميكيات السوسيولوجبة و الأنثروبولوجية الحاملة للمعنى و التي تشكلت (هذه الدلالة) في أحضانها، فهي مُرَشَّمَة (الشدة على الشين و بفتحها) و تُرَشِّمُ بترشيماتها الخاصة؛ لكن –و هذا يتطلب التبصر- من العسير أن نرى بنـية الحداثة تنحصر في المعنى (الرمزي) المحلي الخصوصي (الفضاء الحضاري الضيق الذي أنـجبها)، بالرغم من أنها تتغذى منه نُسُغًا كثيفة. فهي تَنْزَع بطبيعتها إلى أن تكون عالمية، كونية، و هذه هي حيويتها المثيرة لأن عنقها يَشْرَئِبُّ دوما إلى العلى (التوسع و الانـتشار)، فتحمل في حركتها الأفقية حركية مماثلة عمودية، فالكونية هاهنا تتزاوج مع نزعة الهيمنة و يصبح أمر التمييز بينهما مستعصيا.

النتيجة معاداة الكونية تحت وطأة الهيمنة، أو الانسياق وراء الهيمنة و الاعتقاد الوهمي بالظفر بالكونية دون التَّسَلُّح بالأدوات النقدية لتأسيس الذات الفاعلة في العصر.

في جميع الحالات، يندحر الأنا، و تَنْدَحِرُ معانيه الرمزية، ففي أحسن الأحوال ينتج الهيمنة، العداء و من ثم المقاومة (مقاومة الآنا للأخر) و في أسوأ الأحوال يؤول الأنا إلى الاحتضار في اتجاه التلاشي، فلا يعاد تشكيل الذات وفق متطلبات زمانها و تحدياته و رهاناته بل إما انبهار و إما امتعاض، انبهار يولد الاغتراب، و كل اغتراب هو نفي للمواطنة، إنه نفي للفعل و تأسيس للانفعال، امتعاض يولد الصدمة و الصدمة المضادة، فلا تحقق إلا الانطواء على الذات وفق منطق المقاومة، و المقاومة و إن كانت تبدو فاعلة، فهي فاعلة إلا ضمن بنية الانطواء، فيتم استنزاف للقوى و الملكات حتى يتم الاستنفاذ.

إن فهم المواطنة في مجمل أبعادها و في بنية أَمْشِجَتِها، و العمل على تَشَكُّلِها في النسيج الاجتماعي و بالنتيجة إدراجها بتناغم في حداثة عقلية[9] في الفضاء الحضاري العربي الإسلامي، يُمَكِّن من هضم بعدها الكوني الموضوعي و استيعابه من حيث هو شرط ضروري لتملك موقع فاعل في حضارة الإنسان اليوم، و يُمَكِّن كذلك من تملك المسافة النقدية (الكافية) و الروح الجريئة الثاقبة للكشف عن نزعات الهيمنة، آلياتها الصريحة و المضمرة، الثابتة أحيانا، الزئبقية أحيانا أخرى، المتربصة بكل تعبير حر و مستقل لتجليات رأس المال[10] (الذكاء، القدرة، العبقرية، الجرأة في الإبداع و الاختراع) المتجهة للتوظيف الخلاق في فضاءاتها الأصلية (فضاءات الأنا المحلية).

2. المواطنة، الحقل الفقهي و العوائق الفكرية

1.2 مكانة المعرفة الفقهية في حقل إنتاج المعرفة

بانقضاء الوحي، و استكمال الرسالة، و وفاة الرسول (ص)، بدأ يدب في المجتمع الجديد، المتوسع في الأمصار احتياجات جديدة و متنوعة منها (في هذا المقام) الحاجة لإنتاج المعرفة المتعلقة بالله، بالكون، و كذلك بالإنسان، معرفة ملائمة و متناغمة مع النسق الأطولوجي و الأكسيولوجي للنص المقدس (القرآن والسنة). إن حاجة الفرد (المسلم) و المجتمع الـمُنْتَمِي إليه إلى ضبط (في أدق التفاصيل) تشريعيا العلاقة المزدوجة: العمودية أولا، المتعلقة بالمسلم وربه و التي تتشكل من العقائد (كشرط للدخول في دائرة الإيمان) و كذا العبادات، و الأفقية ثانيا و المتعلقة بالمسلم الفرد و غيره (بين المسلم و المسلم، بين المسلم و غير المسلم، بين الفرد و الجماعة، بين الجماعة و الجماعة)، إنها تتشكل من المعاملات، و حاجة المجتمع للرد على العقائد المغايرة للإسلام و المجادلة له.

إن العقل في سيروراته و من أجل هضم و تمثل هذه الاحتياجات المعرفية سَيَتَلَونَّ بلونها، و يتشكل و يتبنين موضوعيا وفق منطق هذه الاحتياجات، و بالنتيجة لن تكون هذه المعرفة المنتجة إلا مستجيبة لهذه المتطلبات الضرورية، معالجة للمشاكل المطروحة على الفرد و المجتمع وفق المعاني الرمزية للنسق الأنطولوجي و الأكسيولوجي للمقدس.

فظهر علم الفقه الذي يهتم بصياغة الأحكام الفقهية، و بعده علم أصول الفقه الذي يهتم بالمعايير التي تجعل تلك الأحكام مشرعنة، كما تشكل علم الكلام الذي سوف يحمل على عاتقه البحث في الأدلة العقلية للرد على العقائد المغايرة.

من حيث المبدأ، لا جدال في الحقل الفقهي و أصوله، إلا فيما يتعلق بالفروع بالنسبة للأول و آليات ضبط الأحكام من أجل أن تكون شرعية بالنسبة للثاني. إن الإيمان شرط مسبق للدخول داخل دائرة دار الإسلام، و التسليم بمسلماته أمر لا يمكن تجاوزه داخل هذه الدائرة. و بالتالي القبول و الإذعان بطيبة خاطر لمنطقه و نتائجه المتعلقة بالأحكام (أي التشريع)، أما في الحقل الكلامي فالجدل هو المؤسس له، بحكم أنه موجه (من الوجهة المبدئية) خارج دائرة الإسلام، إنه موجه للرد على العقائد المغايرة.

في منظورنا، العقل العربي الإسلامي، في إنتاجه للمعرفة، خضع موضوعيا لآلية يمكن وصفها بالمجال المتحور حول نفسه، مجال مغناطيسي ممثل في "مركز-نواة" و الأطراف تأتي لتُبنى حوله. إن آليات المركز النواة، بحكم طابعها المغناطيسي فهي تحدد حركة الأطراف من حيث التوجيه، الضبط و التحكم.[11]  

إن المعرفة الفقهية وأصولها في المركز النواة، و الأطراف تمثل مجمل المعارف المنتجة في الفضاء الحضاري العربي الإسلامي، فالمعرفة الفقهية، معرفة دينية مُشَرِّعه للسلوك الفردي و الجماعي فهي مرتبطة عضويا بالنص المقدس، و علماء الأصول بالرغم من أنهم علماء اجتهاد، فاجتهادهم لن يكون إلا في حدود النص و وفق هذه الحدود فقط و ضمن أطر و بنيات العلوم اللغوية و اللسانية لعصرهم. و من هذا المنظور يعتبر الباحث عبد الجواد ياسين أن الفقه السني[12] قد احتل موقعا ليس له "إن النص الخالص لم ينفرد بتأسيس المنظومة السلفية، و إنما تأسست بوجه عام على مصادر تاريخية مفارقة للنص و إن كانت متاخمة له كالإجماع و القياس فلقد أتى مع الإسلام حين من الدهر لم يكن شيئا سوى النص، ثم أتى على الإسلام حين آخر من الدهر أصبح الإسلام فيه هو النص منضافا إليه الفقه و الفكر.

و لقد صارت للفقه مكانة مرجعية مساوية لمكانة النص من الناحية العملية، تجاوز بهذه المرجعية مكانة النص بقدر غير يسير، إن حجم الفقه في هذه المنظومة أكبر من حجم النص على وجه التحقيق".[13]

ولما كان المجتمع الإسلامي، تاريخيا، قد انقسم من حيث التراتب الفئوي الاجتماعي إلى العامة و الخاصة، و خاصة الخاصة، سنجد العامة تهتم بالمركز- النواة، تدور في فلكه، إنها تخضع للفضاء المغناطيسي للحقل الفقهي، و هو بهذا يزود العامة -و على الدوام- بمختلف الأحكام الشرعية في أدق جزئياتها و المرتبطة بحاجات الناس اليومية المادية و الروحية (الاعتقاد و شروطه، العبادات و المعاملات)، إنه الحقل المعرفي الوحيد الذي في فضائه يُضْبَطُ، يُشَرْعَنُ (بفتح الشين و تسكين الراء) السلوك الفردي و الجماعي للمسلمين و النتيجة، التقنين الفقهي (بفعله، و مفعوله) "يسطو" موضوعيا على البنية الذهنية الوجدانية السلوكية للعامة، إنه يشكلها بالصورة التي تلائمه و تتناغم معه بصورة كلية، و مطابقة له إلى حد التماهي إطلاقا. و هي بهذا (أي العامة) و التي تمثل الجمهرة الواسعة المشكلة للمجتمع الإسلامي، تنفر من كل جدل في العقائد و بالتالي من المتكلمين. فالمعرفة الفقهية إذن هي أقرب إلى العامة و إلى أذهانهم و نفوسهم فهي التي تشكل هيكليا الحس المشترك (Le sens commun) لديهم، إنه نسق ذهني مغلق مشكل لعناصر بنائية في السِّمْتِ[14] (Habitus) بدلالة "بيار بورديو"[15]. أما المعرفة الكلامية بعيدة عنهم إطلاقا، فهي مُشَوِّشَة، بل مُشَوِّهة لبنية أذهانهم مُخِلَّة بقواعد إيمانهم، مُزَعْزِعة لاطمئنانهم، مُعَطِّلة لعزائهم، فهي لا تتناغم مع سمت المؤمن، إنها معرفة غريبة عن عالمه البديهي، و تبدو له و كأنها معادية له، عززوها من أجل تخريب السمت المتناغم و الأنا، المنافي للآخر، بالنتيجة تكون المعرفة الكلامية في وضع معاكس لوضع السمكة في الماء، فيتم الشعور بثقل الماء، و لا يُدْرَك العالم وكأنه بديهي،[16] لذا سيدفع العقل العربي الإسلامي -من خلال بنيته الأساسية- عملية ذات طابع مزدوج و متكامل، صرف أنظار العامة

-أولا- عن المعرفة الكلامية "لوقايتهم" من كل مفسدة إيمانية (من خلال شرعية الأحكام التي تحرم السؤال الذي سكت عنه النص) العمل على إدخال و ترجيح كفة آليات النص و النقل على حساب العقل -ثانيا- من أجل قص أظافر الجدل الكلامي، تهذيبه ثم تدجينه بالصورة التي يتقاطع و يتمفصل مع الفكر الفقهي السني تحديدا في المرحلة الأولى و يتناغم مع نسقه الفكري في مرحلة ثانية ليصبح جزءا منه يتمايز عنه في الدرجة و ليس في الطبيعة، فيلائم السمت و يتناغم معه، إن فرقة الأشاعرة، قد تشكلت موضوعيا لتحقيق هذا الغرض، فقد غَذَّت الجدل و المساجلة من موقع "سني- متعقل". 

إن داخل حقل النواة المركز الذي هو حقل مغذي، مؤطر، مراقب و ضابط لمجمل عملية إنتاج المعرفة، يصطف إنتاج المعرفة الفقهية ذاتها من خلال رافعتين متكاملتين بالرغم من تعارضهما.

الرافعة الأولى: إجماع الأمة لغرض وحدة الدولة، الرافعة الثانية: الاختلاف الذي لا ينبغي أن يمس بالإجماع و بالتالي بالوحدة.

و بناء على هذا لن يكون الاختلاف الفقهي شرعيا إلا إذا كان مندرجا ضمن وحدة الأمة و بالنتيجة وحدة الدولة، إن آلية يجوز أو لا يجوز (الحلال و الحرام) التي هي الآلية الجوهرية في الحقل الفقهي و المحددة لمختلف عملياته الإبستيمولوجية (إن كل مستويات الأحكام الشرعية تصطف وفق تراتب ذكي، معقول و مثير من موقع أعلى و هو يجوز إلى موقع أدنى و هو لا يجوز)، هي سلاح في يد سلطة الفقهاء لتحقيق آلية الغلق حين يتجاوز الاختلاف في الحقل الفقهي الخط الأحمر و يمس بوحدة الأمة، هاهنا لتتقاطع سلطة الفقهاء مع سلطة الأمراء موضوعيا. أما في حقل الجدل الكلامي فيتخذ المسعى صيغة التقارب و النفور، فالتقارب من الأشاعرة و النفور من المعتزلة، ففي الحالة الأولى لغرض التلون بلون الإجماع و الوحدة أما في الحالة الثانية لغرض الإبعاد و الإقصاء خارج الإجماع و الوحدة.

إن تأسيس الرأي شرعا، حين غاب النص لا يمكن أن يندرج إلا ضمن النسق الفكري لعلم الأصول و هو الإجماع الفقهي للسنة بمختلف مذاهبها للحفاظ على وحدة الأمة، على حد تعبير سالم حميش، "فالرأي و الاستحسان، أخذا شكل القياس، و أن هذا الأخير ظهر مثيرا للاختلاف، و برز، أخيرا، التنظير للإجماع بقصد محو آثار الاختلاف أو تليينها"[17] فبالرغم من أن الفقهاء ورجال الفكر، عامة، يقررون الاجتهاد، فلن يكون هذا الاجتهاد مشروعا إلا ضمن هذا الإطار و لا يمكن أن يكون خارجه، "إن كل المفاهيم الفقهية الرئيسية تتسلسل باتجاه الحفاظ على وحدة المذاهب السنية، و يلزم التأكيد على التبعية الصارمة التي تطبع علاقة مناهج الفقه بأصول الفقه و حتى و أن لاحظنا أحيانا في تلك المناهج بعض التوق إلى الاستقلال بذاتها، فإنه من قبيل التهافت أن نرى في الاجتهاد ممارسة للفكر الحر تُخَوِّل للفقه استقلالا بإزاء الأصول و الحق أن الاجتهاد نفسه في هذا الحقل كما أكد الغزالي فيما بعد، ليس مطلوبا، إذ حيزه الخصوصي هو الظنيات وهو بالطبع هامشي وضيق كتحديد القبلة في حالة...".[18]

إنها آلية مضمرة تفعل فعلها من داخل بنية العقل الفقهي الأصولي السني (بدلالة أصول الفقه) فتحدد مساراته، اجتهاداته وتضاريس هذه الاجتهادات والمسارات من أجل كبح الصراع الإيديولوجي بين السنة والباطنية لصالح انتصار الأولى على الثانية لتحقيق "الغلبة" و بالنتيجة الهيمنة، الحصيلة هي أن "...هذا الخطاب، و منذ نشأته، كان يراوده حلم الاكتفاء بنفسه و كفاية ممتلكاته و بدءا من القرن الرابع و طيلة الخامس الهجري كان ذلك الحلم في طور التحقيق و بدأت بالتوازي تلوح في الأفق علامات انغلاقه و نهايته".[19]

2.2 الحقل الفقهي وعوائق انبثاق الحداثة و المواطنة

إن القراءة النقدية التي أنجزتها الباحثة لطيفة الأخضر التي موضوعها رد الشيخ : محمد الطاهر بن عاشور[20] على علي عبد الرازق في مؤلفه "الإسلام و أصول الحكم" و التي اعتمدت فيها على آلية تفكيك الخطاب الديني كما وظفها محمد أركون، تمكننا من الوقوف على بعض أوجه العوائق الذهنية المانعة لانبثاق و تشكل الحداثة و المواطنة:

إن العقل الديني الـمُكَوَّن،[21] الذي يهدف إلى تحقيق اتفاق بين أفراده -تحت وطأة هيمنة قسرية- حول مجموعة القيم العقائدية و القواعد الفقهية التشريعية، و يسعى إلى وضع البقية في صف الملل و النحل،[22] هذا العقل الديني الـمُكَوَّن، و على طول تاريخ الفكر الإسلامي، كان استجابة موضوعية لمتطلبات سياسية إيديولوجية متعلقة بالحفاظ على وحدة الأمة و الدولة، من خلال تحقيق وحدة الفكر و السيكولوجيا و تشكيلها الديني و العقائدي و التشريعي، الـمُؤَسِّسَة للشخصية الإسلامية القاعدية الـمُبَنْيِنَة للسمت كمنتوج لمنطق الهيمنة السنية.

إن هذا التشكيل لا يرى ضرورة للتفاضل "بين الروحي الإيماني و التشريعي القانوني بل لا يرى له أي هامش للوجود المستقل...و هو بهذا يكرس فلسفة الأصول"[23] التي كانت تجديدية في البداية من خلال إمعان الرأي و الاجتهاد، و غدت متحجرة في النهاية "لا يرى للروحاني و الإيماني مكان خارج القنوات التأطيرية التي أرْسَتْها إن كانت أصولا للدين أو أصولا للفقه".[24]

و بهذا الاعتبار الفكر الديني واحد، فهو نسق لا يقبل التجزئة على الإطلاق و بالتالي، هو نسق يشكل للرؤية التي ينبغي لكل مؤمن في كل زمان و مكان أن يتغذى منها و يغديها، فينظر من خلالها لنفسه، لله و للوجود، و للخلق و العدم.

إن الحقل الفقهي الـمُوَظِّف لهذه الرؤية –بحزم وحسم- يقدم صكا يضع به المفكر داخل الإجماع فَيُشَرْعِنُ اجتهاده و إبداعه، و ينزع صكا يضع به المفكر خارج الإجماع فَيُقْصَى و يُكَفَّر. تستخلص لطيفة الأخضر "أن رد الشيخ الطاهر بن عاشور مُؤَسَّس من منطلق نظام ديني مغلق، "إنه يلتجئ إلى حجة تقليدية تضع الطرف الآخر (علي عبد الرازق) خارج الإجماع السني و يعجز عن فهم هذا الاجتهاد الديني و هذه المقاربة النقدية خارج المنظور الأرثودوكسي السني".[25]

تتقاطع هذه القراءة التحليلية النقدية مع ما أطلق عليه الباحث حمادي رديسي[26] التناول الثلاثي لما هو سياسي (أو خطاب السياسات الثلاث): الخطاب النبوي، الخطاب الملكي، الخطاب الفلسفي، فالخطاب الأول ينتمي إلى اللاهوت و الثاني إلى الملك و الثالث إلى المدن (البشر).[27]

ليصل إلى القول " فمن سياسات الإسلام الثلاث: صمد وحده مِلْحَاحًا عنيدا في العصور الحديثة الخطاب الديني البحت (و يقصد نظرية الإمامة) التي تأخذ مشروعيتها من الخطاب النبوي و بذلك أصبحت بمثابة الهوية السياسية للإسلام".[28]

إن نظرية الإمامة التي تستلهم الأفكار و الاجتهادات من السياسة النبوية تستجيب و بالتحديد لمتطلبات السؤال الوحيد و الكافي:

من هو الأصلح لخلافة الرسول (ص) ؟ ما هي الشروط التي ينبغي أن تتوفر فيه ؟ و قد حددته الأدبيات الفقهية من خلال مصطلح الإمامة الكبرى و هو باب من أبوابها أنه ملحق بالمعرفة الفقهية و بالتالي خاضع لآلياتها و قوانينها الداخلية و هو آخر اهتمام الفقيه، و تلك هي المفارقة.

إنه بهذا قد جرى "انزلاق مضمر من السياسات في الإسلام، إلى سياسية الإسلام"[29] و تم الغلق النهائي و النتيجة التاريخية "تهاوى الخطاب الفلسفي ذو الأصل اليوناني (و كان بؤرة لابتكار الحداثة الغريبة) و اختفى من منظومة المعارف الإسلامية، و تمت أسلمة الخطاب الملكي "مرآة الأمير ذو أصل هندي –أوروبي في حين الغرب حَوَّلَه إلى وصفةٍ حكم"،[30] كما تم فتح لإعادة إنتاج الخلافة[31] كمعنى تنزع إلى الهيمنة القسرية، نستلهم منها و ليس من غيرها، نَتَمثَّلها لوحدها و لا وجود لغيرها الرمزي، ففي حدودها و في حدودها فقط تتشكل هويتنا السياسية و يتنمط الفرد المؤمن وفقها، "فعوض الانتقال من اللاهوتي السياسي إلى التعددية الحديثة، واجه المسلمون الحداثة بنموذج واحد هو الأنموذج النبوي...و انطلاقا من هذه اللحظة و ليس قبلها تَمَّ انزلاق الإسلام في خلط بين الروحي و الزماني".[32]

و بهذا الغلق على الرؤية التعددية للسياسة و للإنسان، و للإيمان و فرض رؤية قسرية –على أساس منتوج فقهي أصولي مقدس له محدداته الزمنية المعرفية و الإبستيمولوجية- تنزع إلى الهيمنة و تلوح بعصا التكفير و التفجير، حجبت عنا إمكانية تاريخية و اجتهادية هو تأسيس للحداثة و هي تنبثق من تضاريس العقل العربي الإسلامي و مساراته المعقدة.

و بتشكل هذا المانع أُوصدت الأبواب أمام المواطنة في تشكيلها التاريخي و الطبيعي، إن بقاء  النموذج النبوي في السياسة منفردا يصوغ المسلم و ينمذجه، و يشكل نظامه الرمزي و يتمثله، هو نتيجة لخضوع مجمل حقول المعرفة (خاصة حقل السياسة) إلى حقل النواة –المركز إلى آلية الإبعاد المضمرة لكن الفاعلة، لكل ما يمكن أن يؤدي إلى تحول نوعي داخل آليات العقل العربي الإسلامي وفق ديناميكية باطنية داخل طبقات العقل نفسه.

الأمر الذي انتهت إليه لطيفة لخضر حين ذهبت إلى طرح فكرة ضرورة تكوين نخبة من الـفقهاء الجدد: "الواقع الراهن للمجتمعات الإسلامية يشكو من شغور خطير يتمثل في انعدام وجود فئة من علماء الإسلام، يمكن أن تلعب دور الوسيط المتشبع بفلسفة الحداثة و ذلك بين الجماهير المؤمنة و المعرفة الدينية" [33] و الذين يتكفلون بنقلنا من الأحادية الفكرية إلى رحابة التعددية، من الغلق إلى الانفتاح، من الأرثودوكسية السنية إلى الإيمان الأنطولوجي –من التشريع وفق منطق الإمامة الكبرى إلى التشريع وفق المدن البشرية، و في هذه الرؤية الجديدة تنصهر و تتشكل الحداثة و في حضنها المواطنة.

الخلاصة

إن الحقل الفقهي - من خلال عناصر هذا التحليل- يخضع لهيمنة داخلية (الأرثودوكسية السنية) و ينزع هو كذلك، و في ذات الوقت إلى إخضاع مختلف الحقول المعرفية الأخرى لهيمنتها، إن هذه الآلية المزدوجة هي المحور المحرك والمجمع للعوائق الذهنية و الفكرية المانعة لكل تحـول نوعي في العلاقة بين المسلم و الطبيعة أولا و بينه و بين الحرية ثانيا و بينه و بين مصدر الحق (التشريع) ثالثا إلى الحداثة التي تمثل الفضاء الذي ضمنه تزدهر المواطنة لترتقي بالفرد إلى الأبعاد الإنسانية ضمن جذور تُوِميءُ إلى التفتح؛ ضمن أصول إيمانية متناغمة و حضارة اليوم تُمَكِّن الفرد من الاستلهام و العطاء، الأخذ و النقد بذكاء و كفاءة.

إنها تطلب زحزحة تحديدات المعنى و خلخلتها لتتحرر من هيمنة العقل الديني المكون و تسير إلى فضاء الوعي الديني الإيماني الرحب فَتؤسَّس الظاهرة الدينية وفق الأبعاد الروحانية الإيمانية الأنطولوجية التي يكون مركزها الإنسان في مجمل أبعاده، فيُؤَسَّس هنا لحداثتنا، و ليس استنساخا لحداثة غيرنا، تلتقي حداثتنا بحداثتهم في إحداثيات الإنسان، في إحداثيات المواطنة، في إحداثيات القيم، و تتباين عنها في المعنى بالمفهوم الأنثروبولوجي و الرمزي.

الهوامش

* مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات عدد 11، ماي-أوت 2000.

و أصل هذه المقالة، كما يقول الفقيد هو: « مداخلة قدمت في إطار ندوة "الحداثة في واقع الفكر العربي المعاصر" و التي نظمها قسم الفلسفة، كلية الآداب و العلوم الاجتماعية، جامعة الجزائر بتاريخ 7 إلى 9 نوفمبر 1999؛ لقد أعدنا هيكلتها بما يلائم قراءاتنا الجديدة».

[1] الحقل بالمفهوم الذي حدده بيار بورديو، هو بنية من العلاقات الموضوعية بين أوضاع للقوة، يُسْنِد و يوجِّه الخطط التي بها يبحث المحتلون لتلك الأوضاع بشكل فردي أو جماعي ليَحْموا أو يُحْسِّنوا وضعهم و ليفرضوا مبدأ التراتب الأنسب لحياتهم الخاصة". أنظر بيار، بورديو، و لويك، فاكونت (1977)، أسئلة علم الاجتماع، في علم الاجتماع الانعكاسي، ترجمة عبد الجليل الكور، إشراف و مراجعة بودورو محمد ، دار توبقال، ص. 69.

[2] Voir citoyen, le Petit Larousse, Grand format.

[3] الحديث و التحديث من مكونات منطق الحداثة؛ لكن الحداثة تتجاوزهما من حيث الجوهر و الشكل.

[4] Baudrillard, J. (1996), Modernité, Paris, Encyclopidia Universalis, Tome 15, p. 552.

[5] كل معنى (بالدلالة الأنتروبولوجية و الرمزية) إن توفرت له التربة الخصبة، ينزع بالضرورة إلى الهيمنة.

[6] غوروفيتش، جورج. )1981(، الأطر الاجتماعية للمعرفة، ترجمة د. خليل، أحمد خليل، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع، ص. 182-189.

[7] بن عاشور، عياض. (1998)،  الضمير و التشريع. العقلية المدنية و الحقوق الحديثة، الدار البيضاء، مركز الثقافي العربي، ص. 14-16.

[8] أركون، محمد (1999)، حوار أجراه العرفاني حسان، العقل الاستطلاعي المنبثق و أنواع الحداثة في السياقات العربية الإسلامية، العالم العربي في البحث العلمي (Mars)، باريس، معهد العالم العربي، العدد 10 /11.

[9] تشكيل الحداثة العقلية يتطلب توفير شروط النهضة و تحقيقها من جهة و انبثاق التنوير بالمفهوم الكانطي و سيادته من جهة أخرى.

[10] رأس المال بالمفهوم الذي وظفه بورديو بيار، أنظر المرجع السابق.

[11] عمليات التحديد، الضبط، التوجيه و التحكم لم تكن دائما نافذة بصورة آلية و خطية، إذ في حالات عدة كان يقع "تمرد" داخل هذا الحقل أو ذاك و في الغالب يأخذ أشكال مضمرة، لكن سرعان ما آليات التحكم و الإذعان تستعيد المبادرة لاسترجاع سلطتها الكاملة وفق مفاعيل متنوعة و ملائمة.

[12] صنف الفقه إلى فقه سني، شيعي، صوفي، و هذا وفق الاتجاهات الفكرية و المذهبية للفكر الإسلامي، و قد هيمن الفقه السني على الاتجاهات الفقهية الأخرى، أنظر د. أبو الفتح بدوي عبد المجيد، التاريخ السياسي و الفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي من القرن الخامس الهجري حتى سقوط بغداد، عالم المعرفة، جدة، 1983 (مؤلف يؤرخ لمسار هيمنة الفقه السني على المذاهب الفقهية المخالفة له).

[13] عبد الجواد، ياسين. (1998)، السلطة في الإسلام، العقل الفقهي السلفي بين النص و التاريخ، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ص. 60.

[14] السِّمْتُ (Habitus) هو نظام من الاستعدادات و التصورات التي يصدر الفعل وفقه و بالتناغم معه.

[15] بورديو بيار، و فاكونت لويك.، نفس المرجع السابق، ص. 87.

[16] استعرنا المثال من بوروديو بيار و فاكونت لويك، نفس المرجع السابق، ص. 87.

[17] حميش، بن سالم. (1993)، التشكيلات الإيديولوجية في الإسلام، الاجتهادات و التاريخ، ترجمة رودنسون، ماكسيم، و الحبابي، محمد عريب، دار المنتخب العربي، ص.40.

[18] حميش، بن سالم، المرجع السابق، ص. 40.

[19] حميش، بن سالم، المرجع نفسه، ص. 43.

[20] أصدر الشيخ بن عاشور الطاهر كتيبا في ستة و ثلاثون صفحة عنوانه، نقد علمي لكتاب الإسلام و أصول الحكم، يرد فيه على الشيخ علي عبد الرازق.

[21] ما يميز العقل الديني المكون "بضم الكاف و فتح الواو" عن الوعي الديني هو أن الأول "منظومة القواعد المقررة و المقبولة في فترة تاريخية ما تعطى لها قيمة مطلقة في تلك الفترة التاريخية (التعريف لمحمد عابد الجابري) و التي يسميها محمد أركون "بالأرثودوكسية السنية" أما الثاني فيؤسس للظاهرة الدينية وفق الأبعاد الروحانية الإيمانية الأنطولوجية (التمييز لمحمد أركون).

[22] الأخضر، لطيفة. (1998)، قراءة في منهجية الفكر السني و مسلماته: حول رد الشيخ الطاهر بن عاشور على علي عبد الرازق، نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم في IBAL N° 182, t 61 ص 63.

[23] الأخضر، لطيفة، المرجع السابق، ص. 65.

[24] الأخضر، لطيفة، المرجع نفسه السابق، ص. 65 .

[25] الأخضر، لطيفة، المرجع نفسه، ص. 64.

[26] يعتبر الباحث رديسي حمادي أن التقاءه بالفكر الإسلامي الهندي مكنه من اكتشاف التناول الثلاثي للسياسي في الإسلام.

[27] رديسي، حمادي. (1999)، من التقليد التعددي إلى الحداثة الاستبدادية، العالم العربي في البحث العلمي (Mars)، باريس، معهد العالم العربي، العدد 10/11، ص. 156.

[28] رديسي، حمادي، المرجع السابق، ص. 158.

[29] رديسي، حمادي، المرجع نفسه، ص. 58.

[30] رديسي، حمادي، المرجع نفسه، ص. 158.

[31] تعني الخلافة لدى إبن خلدون (في المقدمة): "حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدُّنْيَوِية، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها لمصالح الآخرة".

[32] رديسي، حمادي، المرجع السابق نفسه، ص. 158 .

[33] الأخضر، لطيفة، المرجع السابق، ص. 74.


Associative movements in a rural milieu. The Bejaia county example

Globally university research has been more interested in associations working in an urban milieu than in a rural one, and this despite the demographic economic and social changes that affect rural territories today. These manifest an organizational dynamism which is shown by local association development and reinforcement. This article tries to explain the influence and importance of this new actor present in a rural milieu that of the Bejaia county, and therefore to help emerging academic works to evaluate associative intervention in a rural milieu.

Keywords: Local associations - organizations - rural change - rural milieu - Bejaia.


1. السياق و الإشكالية

إن الطفرة غير المسبوقة التي عرفها نمو الجمعيات في الجزائر، خصوصاً بعد صدور قانون 87، و بتشجيع وتسريع من قانون 90 أصبحت اليوم واقعاً ملموساً. فعلاً فقد أبرز هذه الملاحظة عدد كبير من الباحثين سواء كانوا من الجزائريين أو الأجانب الدارسين للحركة الجمعوية[1] أو الواقع الجمعوي[2] و الحقل الجمعوي[3] أو الظاهرة الجمعوية[4]، متحدثين عنها كانفجار و دينامية وازدهار و غليان الجمعيات.

غير أن جميع هذه الأعمال اهتمت بالأحرى بالجمعيات التي تنشط في الوسط الحضري. و في المقابل، لم تكن الجمعيات المحلية الناشطة في الوسط الريفي، محل اهتمام الباحثين. لا توجد من جملة الأبحاث التي تم إحصاؤها إلا أبحاث غليرمو [5](Y.Guillermou 1994) التي تدرس الجمعيات الريفية تحت تعبير المنظمات القروية، و هذا عبر تحليل مختلف مواقف الفلاحين الجزائريين في مواجهة ضغوطات متعددة في ظرف سياسي محدد (الاستعمار، الاستقلال، الإصلاح الزراعي، التحرر السياسي...). و توجد في متناولنا أيضاً الأبحاث التي أجراها عمر بسعود[6]خلال سنوات 2004-2008 و الذي انصب اهتمامه على المنظمات الريفية في المغرب العربي و من بينها الجزائر، محاولاً تقييم دورها في عملية التنمية الزراعية و الريفية، و هذا بالتركيز على المنظمات المهنية الزراعية.

يتركز مجال بحثنا، بشكل جوهري، على الجمعيات المحلية الناشطة في الوسط الريفي و التي سنسميها بـ"الجمعيات الريفية" العاملة في ولاية بجاية.

يطرح هذا العمل نفسه كعمل رائد ويقترح المساهمة في بروز أعمال أكاديمية ترمي إلى تقييم الحركة الجمعوية في الوسط الريفي. و في هذا السياق، هناك ثلاث أسئلة متكاملة تفرض نفسها علينا: ما هو وزن الجمعيات الريفية في ولاية بجابة؟ ما هي أصول هذه الجمعيات الريفية؟ و ما هو مجال أنشطتها؟

ورداً عن الأسئلة التي طرحناها على أنفسنا، و استلهاماً لأعمال ابراهيم صالحي[7] (2006)، سعينا لطرح الفرضية التالية: إن نمو وتطور الحركة الجمعوية في الوسط الريفي ببجاية يكتسي أهمية بالقدر نفسه لما هي عليه في الوسط الحضري. فعلاً، إن الفضاءات الريفية في ولاية بجاية تتمتع بمحيط اجتماعي و ثقافي مشجع، و ثري في تقاليده التنظيمية (تجمعت)[8] و في أشكال التضامن (تويزة)[9]، محفزة على إنشاء هياكل جمعوية.

لقد اخترنا، في نطاق هذا العمل، مبدأ التكامل بين منهجين: الكمي و الكيفي. تشمل المعطيات الكمية مجموع الجمعيات التي تم إنشاؤها في ولاية بجاية من سنة 1970 إلى غاية 31 ديسمبر 2008 (و هي معطيات مستخلصة من التصريحات)، و متأتية من قاعدة المعطيات التي وضعتها تحت تصرفنا "مديرية التنظيم و الإدارة العامة"[10]. أما المعطيات الكيفية فتتعلق بجانب من شهادات الفاعلين الناشطين في الجمعيات الريفية التي تم جمعها خلال البحث الميداني[11] في فترة 2008-2009. يتمحور مقالنا، إذن، حول ثلاثة أقسام معبرة عن مجمل التحولات العميقة التي عرفتها البيئة الريفية على الصعيد التنظيمي، و على وجه الخصوص الهياكل الجمعوية الريفية. سنتناول أثناء هذا القسم، في و مرحلة أولى، خصائص التوزيع الجغرافي للحركة الجمعوية، و في مرحلة ثانية، سنحلل ظهور و تطور الجمعيات الريفية و محدداتها، و في الأخير، سندرس في القسم الثالث مختلف أنشطة الجمعيات العاملة في الوسط الريفي.

جمعيات ذات ديناميكيات متباينة

كما ذكرنا ذلك سابقاً، لقد اخترنا العمل في ولاية بجاية بسبب طابعها الريفي الغالب. فهي بالفعل واحدة من ولايات الجزائر، حيث أن السكان فيها أكثر ريفية، ذلك أنها تشتمل على 37 بلدية ريفية من مجموع 52 بلدية التي تتكون منها الولاية[12]، أي ما يقارب 71 %. كما تعتبر الولاية مجموعة جغرافية يغلب عليها الطابع الجبلي. و قد قدر إجمالي سكان الولاية[13] بـ 1.002.644 نسمة سنة 2007، موزعين بين 686.228 من الريفيين، و 316.416 من السكان الحضريين. و في سنة 1997 كان عدد سكانها 807.750 نسمة، أي بزيادة 13 % عن سنة 2007. أما في ما يخص عدد الجمعيات المحلية التي تم إنشاؤها في ولاية بجاية منذ 1970 إلى 31 ديسمبر 2008، فقد أحصينا ما مجموعه 3.856 جمعية محلية بمختلف أنشطتها.

من أجل رصد التوزيع الجغرافي لهذه الجمعيات رصداً جيداً خلال هذه السنوات الأخيرة، سنستخدم معدل[14] إنشاء الجمعيات لكل 1000 نسمة و الذي يشكل مؤشراً مناسباً لأنه يسمح لنا بعزل العامل الديموغرافي (Regourd, E., 2004, 63) [15].

هل الظاهرة الجمعوية، ظاهرة حضرية أم ريفية؟

يكتسي رصد التوزيع الجغرافي للجمعيات و ديناميكيتها أهمية مزدوجة (أنظر الجدول رقم 1). فهو من جهة يشير إلى توزيع متباين للفضاء الجمعوي على مستوى ولاية بجاية، و من جهة ثانية يكشف، في عمومه، عن معدل إنشاء الجمعيات في المناطق الريفية الأكثر أهمية مقارنة بالمناطق الحضرية، مفنّداً بالتالي الفكرة المسبقة عن هيمنة المدينة في هذا المجال. و هذا ما طرحه الباحثان[16] (عبد القادر لقجع، و عمر دراس، 2007)، واصفين الحركة الجمعوية كظاهرة حضرية. و قد ذهب هذان الباحثان من جهة أخرى، إلى القول بوجود علاقة لصيقة بين النمو الحضري و تطور الحركات الجمعوية بشكل عام. في واقع الأمر، نجد ما ذهب إليه ابراهيم صالحي أكثر قرباً إلى الصواب، ذلك أنه ذهب بعيداً، متجنباً حصر الظاهرة الجمعوية في المجال الحضري وحده. فالجمعيات بالنسبة إليه تتركز في الأوساط التي تتميز بنسبة كبيرة من التحضر أو وجود ساكنة في تجمعات حضرية كبرى. (مثل التجمعات الحضرية في عاصمة الولاية، التجمعات الحضرية الثانوية)، و كذا في الفضاءات حيث توجد فيها أنماط من التنظيمات الجماعية أو القروية الأكثر قوة و متانة. و يضيف من جهة أخرى إن الترابط بين الجماعة و الجمعية عامل مشجع لإنشاء هياكل جمعوية متعددة.

و يذكر بهذا الخصوص مثال منطقتي مزاب والقبائل، حيث نجد في ولاية تيزي وزو[17] في سنة 1998، جمعيات القرى التي تمثل 31 % (699) من مجموع الجمعيات المحلية (2258) التي تشتمل عليها ولاية تيزي وزو.

كل هذه "التأكيدات" ليست إلا مجرد افتراضات في غياب معطيات دقيقة و مفصلة حول كل الولايات.

الأمر يحتاج إلى تحليل دقيق، غير أن المعلومات غير متوفرة على المستوى المحلي، بسبب أن المعطيات المتعلقة بإحصاء الجمعيات في كل بلدية لم تكن موضوع تحليل إحصائي في عددها و خرائطها بصورة مفصلة شاملة لمجموع التراب الوطني. و جبت الإشارة أيضاً إلى أنه لم يجر، إلى يومنا هذا، أي إحصاء شامل قائم على الفوارق الحضرية و الريفية أو بصورة عامة حسب نوع المجال.

لقد سمح تحليل توزيع الجمعيات المحلية في أنشطتها المختلفة حسب نوع المجال الريفي و الحضري بالتعرف على 3856 جمعية محلية[18] موجودة، من بينها 1730 جمعية ناشطة في المجال الريفي و 2126 جمعية عاملة في المناطق الحضرية[19].

و هكذا، يمكننا ملاحظة أن الفارق بين المجالين لا يمثل إلا 15 %. كما نلاحظ أيضاً أن معدل إنشاء الجمعيات المحلية لكل ألف ساكن على مستوى ولاية بجابة هو في حدود 3.84 و الذي يعتبر أعلى بكثير عما هو مسجل على المستوى الوطني المقدر بـ 2.35.

يبين التحليل المفصل لهذا المؤشر الأخير أن البلديات المصنفة ريفية في ولاية بجاية تسجل معدلات مرتفعة، بل معدلات تفوق النسب المسجلة في بعض البلديات الحضرية، و حتى على المستوى الوطني الذي بلغ المعدل فيه 2.35 و أكثر من ذلك، فإن البلديتين الأوليتين اللتين سجلتا معدل إنشاء أكثر أهمية هما بلديتان ريفيتان، و اللتان هما في نفس الوقت بلديتان ساحليتان و جبليتان: الأمر يتعلق ببلديتي بوخالفة و تيشي بمعدل 6.93 و 6.90 على التوالي، و كلا البلديتين انبثقتا عن التقسيم الإداري الذي جرى سنة 1984، و تشكلان جزءاً من نفس دائرة تيشي.من بين 16 بلدية، من الأوائل التي لها معدل يفوق 5، نجد 12 بلدية ريفية و 4 بلديات حضرية من بينها بلدية بجاية، عاصمة الولاية بـمعدل 5. و نسجل في هذا المقام أن معظم هذه البلديات، باستثناء بلدية بجاية، تتصف بتأخر في التنمية على صعيد المنشآت القاعدية و المرافق العامة (بسبب انحشارها وعزلتها) مثل الخدمات الأساسية، و التشغيل و ببعدها عن المراكز الاقتصادية و مراكز اتخاذ القرارات.

أما فيما يتعلق بالبلديات الأخرى، فإننا نلاحظ أن التغيرات التي طالتها تبقى هامة. و إذا ما قمنا بقراءة متصاعدة، فسنلاحظ أننا أمام نوع من الاستمرار المتصل، غير أن الفوارق الأكثر أهمية توجد بين طرفي السّلم.

و نسجل من جهة أخرى، أن القرويين، قد سبق لهم أن تكفلوا، و هذا منذ مدة طويلة، عبر أشكال التنظيمات التقليدية (تجمت)، بالانشغالات الأساسية للسكان، خصوصاً و أن الشكل الجمعوي متكيف و متلائم مع حاجيات العالم الريفي (جمعيات و تجمت).

و جبت الإشارة هنا إلى أن كل بلدية تتشكل من قرى متفرقة حيث أن عدد كل منها يختلف من بلدية لأخرى، و نجد في كل قرية تقريباً جمعية على الأقل. و نلاحظ في نفس السياق، أن ولاية بجاية تحصي 895 قرية[20]. نحن، إذن، أمام مجتمع ريفي مجزأ، حيث كل قرية تسيّر إقليمها[21]. غير أنه يجب أن نشير أن هذه القدرة على التكفل بالمشاكل اليومية قد سهلت الظهور الحالي لنوع من التنظيمات (الجمعيات المحلية) في قرى بلاد القبائل و التي عملت على تغيير بنية مشهد القرى، كما أشار إلى ذلك "آلان ماهي" Alain Mahé [22]. و قد كشف هذا الأخير أيضاً عن "عملية مأسسة تجماعات" في العديد من قرى المرتفعات الوسطى للقبائل، و هي مأسسة تجسدت في تغيير اتخاذ القرارات المتعلقة بتسيير القرى، بل و في بسط حكمها عليها.

توجد عوامل أخرى يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، و هي عوامل مفسرة لتطور عدد الجمعيات التي تم إنشاؤها، و خصوصاً تلك المتعلقة بتاريخ الجمعيات و التنظيمات هذه البلديات أو القرى. غير أن الخصائص الاجتماعية و الديموغرافية مثل مستوى التعليم، و مستوى معيشة السكان، و مستوى الانفتاح على الخارج، و عدد العاطلين عن العمل من حاملي الشهادات، يقودنا إلى التساؤل حول العلاقة الموجودة من جهة بين دينامكية الجمعيات و الحراك الجغرافي الناجم عن العودة إلى المحلي للجامعيين، و المغتربين، و لغير المقيمين، و لكن تعود أصولهم إلى هذه القرى، و من جهة أخرى الطابع الدينامي للجمعيات و نوع المجال[23]. (E. Regourd, 2005,48)


جدول رقم 1: ترتيب تنازلي لعدد الجمعيات التي إنشاؤها لكل 1000 ساكن في كل بلدية[24] ريفية (بالأسود) والحضرية في ولاية بجاية

البلدية

المعدل لكل 1000 ساكن

البلدية

المعدل لكل 1000 ساكن

البلدية

المعدل لكل 1000 ساكن

بوخالفة

BOUKHLIFA (M/P)

6,93

خراطة

KHERRATA (U)

4,91

تامزالت

TAZMALT (U)

4,04

تيشي

TICHY (M/P)

6,90

أدكار

ADEKAR (M)

4,89

شلاطة

CHELATA (M)

3,94

سيدي عيش

SIDI AICH (U)

6,68

برباشا

BARBACHA  (M)

4,84

تيزي نبربر

TIZI N'BERBER (M)

3,93

بني جليل

BENI DJELLIL (M/P)

6,46

أمالو

AMALOU (M/P)

4,72

أقبو

AKBOU (U)

3,83

تيفرا

TIFRA (M)

6,08

بوحمزة

BOUHAMZA (M)

4,7

تاوريت إغيل

TAOURIRT IGHIL (M)

3,81

إغيل علي

IGHIL ALI (M)

6,07

بوجليل

BOUDJELLIL (M)

4,6

ملبو

MELBOU (M)              

3,80

سوق الاثنين

SOUK EL TENINE (M/C)

6,04

بن معوش

BENI MAOUCHE (M)

4,62

فنايا لماتن

FENAIA LLMATEN

(M)

3,67

توجدة

TOUDJA (M/C)

5,91

أيت رزين

AIT R’ZINE (U)

4,45

لفلاي

LEFLAYE (U)

3,63

أوكاس

AOKAS (U)

5,86

بن مليكش

BENI MLIKECHE (M)

4,36

سيدي عياد

SIDI AYAD (M)

3,56

بني كسيلا

BENI K’SILA (M/C)

5,67

تينبدار

TINEBDAR (M)

4,27

تيبان

TIBANE (M)

3,54

أميزور

AMIZOUR (U)

5,35

إفري أوزلاقن

IFRI OUZELLAGUEN (U)

4,27

تالا حمزة

TALA HAMZA (U)

3,32

تموكرا

TAMOKRA (M)

5,23

أولاد غير

OUED GHIR (P)

4,26

فراون

FERAOUN (U)

3,15

كنديرا

KENDIRA (M)

5,08

دارغينا

DARGUINA (M)

4,25

سيدي سعيد

SIDI SAID  (M)

3,12

أكفادو

AKFADOU (M)

5,07

القصر

EL KSEUR (U)

4,24

تاسكريوت

TASKRIOUT (M)

3,07

تيمزريت

TIMEZRIT (M)

5,05

سماون

SEMAOUN (M)

4,18

أيت سماعيل

AIT SMAIL (M)

2,99

بجاية

BEJAIA (U)

5

إيغرام

IGHRAM (M/P)

4,16

تامريجت

TAMRIDJET (M)

2,94

صدوق

SEDDOUK (U)

4,98

شميني

CHEMINI (U)

4,15

دراع القايد

DRAA EL KAID (M)

2,94

 

 

 

 

سوق ولفا

SOUK OUFELA (M)              

1,84

Source : H. Hacherouf, 2009 (Calculé à partir des données du DRAG 2008, le recensement de la population des communes de Bejaia. Annuaire statistique, 2007 et le document « La politique de Renouveau Rural »-MADR-CNDR. Août  2006)                                         

أي تفسير يمكن إعطاؤه لنمو عالم الجمعيات في الوسط الريفي؟

لقد تمكنت الجمعيات، منذ ما يقارب خمسين سنة وعبر مراحل متعاقبة، من غزو الوسط الريفي في العديد من ميادين النشاط. ما الذي يفسر هذه الأهمية لهذا الشكل من التنظيم الحديث في وقت كان السكان الريفيون في قرى القبائل معتادين على تسيير شؤون قراهم بالاعتماد على أشكال التنظيمات التقليدية؟ ربما يعود ذلك إلى تشجيعات الدولة، عن طريق التشريعات التي سمحت بظهور تلك التنظيمات الحديثة، أو ربما يعود ذلك بكل بساطة إلى الحاجة إلى الاستفادة من فرص عروض مساعدات الدولة؟

إن القيام بتحليل تطور إنشاء الجمعيات (أنظر المنحنى 1)، في فترات محددة، حسب موضوعها المعلن، سيسمح لنا بتفسير وفهم أفضل لبروز هذه الجمعيات. تشير السهوم المرقمة التالية: 2، 3، و7 إلى جملة من الوقائع الجهوية التي عرفتها ولاية بجاية (على غرار ولايات أخرى) والسهوم: 1، 3، 5 و 8 إلى التغيرات المساعدة أو غير المساعدة لظهور الجمعيات[25]؟

نرى بوضوح أن كل ذروة تتوافق مع قرار سياسي أو مع الأحداث التي طالت ولاية بجاية و كان لها مفعول إيجابي أو سلبي على ظهور الجمعيات المحلية.

شكل 1: تطور الجمعيات التي تم إنشاؤها في ولاية بجاية

                               Source : H. Hacherouf 2009 (élaboré à partir des données du DRAG 2008).  

ريفي :rural ، حضري :urbaine                                                                                                         

المنحنى البياني المبيّن أعلاه يستوجب منا توضيح ملاحظتين أساسيتين: الأولى أن عدد الجمعيات الحضرية أكثر ارتفاعاً نسبياً من الجمعيات الريفية خلال الفترة المحددة، ولكن بمستويات مختلفة نسبياً حسب مراحل التطور، بحوالي 13 % خلال العشريتين: الثمانينيات      و التسعينيات، و بـ27 % خلال عشرية 2000. و الملاحظة الثانية التي يمكن تسجيلها تكمن في أن حركة إنشاء الجمعيات، سواء كان ذلك في الوسط الحضري أو الريفي خلال سنوات السبعينيات إلى غاية سنة 2000، عرفت في مسيرتها نفس الاتجاه في تطورها، سواء في ارتفاعها أو في انخفاضها. في الواقع، ظلت وتيرة إنشاء الجمعيات الريفية و الحضرية منتظمة إلى غاية نهاية سنوات التسعينيات حيث نلاحظ تناقصاً إلى النصف تقريباً في عدد الجمعيات المسجلة في تلك الفترة.

وقبل أن نواصل تحليلنا، فإنه من المفيد تقدير الأهمية النسبية لهذا التطور الهائل التي كشفت عنه البيانات الإحصائية المتعلقة بالجمعيات الصادرة عن قاعدة المعطيات "لمديرية التنظيم والإدارة العامة" التي سمحت لنا بالقيام بهذا العمل. صحيح، فعلاً، أن هناك تقدماً معتبراً تم تسجيله على المستوى الكمي، غير أن المعطيات الإحصائية التي قدمت لنا حول الجمعيات، تخفي، على مستوى نتائج نشاطاتها، فوارق نسبية هامة.

لقد مر ظهور وتطور الجمعيات الريفية بمرحلتين متميزتين:

  • .1مرحلة الظهور التي تزامنت مع المرحلة خلال عشرية السبعينيات: خضع ظهور الجمعيات لإرادة الدولة الراعية. فقد تميزت هذه الفترة بصدور قانون 1971[26] (أنظر السهم رقم 1 في الشكل أعلاه). كان الهدف من هذا القانون تأطير، بل وأكثر من ذلك، مراقبة كلية للمجتمع[27].

بلغ العدد الإجمالي للجمعيات التي تم إنشاؤها خلال هذه الفترة في ولاية بجاية 96 جمعية، من ضمنها 21 % جمعية ريفية، أما الباقي، أي 79 %، فهي جمعية حضرية.

 نجد أن أهم أنشطة هذه الجمعيات الريفية (أنظر الجدول رقم 2) موجهة، تبعاً للعد التنازلي، نحو المجالات التالية: المجال الدين، التربوي المدرسي، الشباب و الرياضة، و الصيد. كل هذه الجمعيات تجد نفسها مدعمة مالياً ومتابعة إدارياً. يجب أن نشير إلى أنه يوجد بموازاة هذه الجمعيات، هيكل تقليدي جمعوي يسمى (تجمت). إن هذا نوع من التنظيم الذي غالباً ما يتدخل في تسيير شؤون القرية، يعتبر كمؤسسة تحكمها قوانين ومعايير يسمى "قانون". إن حيوية هذه التنظيمات القروية تلعب دوراً في تجنيد الجهود المشتركة للسكان لإنجاز أشغال و القيام بأنشطة ذات المنفعة العامة. و حسب إبراهيم صالحي (1999، 33) " أن خلال سنوات السبعينيات، مع تطبيق المخططات الخاصة بالتنمية، عبرت الجماعات القروية، من خلال ممثليها في "تجمت"، عن مطالبها لتحديث المنشآت القاعدية وتحسين خدماتها خصوصاً في مجالات المياه و الكهرباء".

و جبت الإشارة هنا أن ولاية بجاية تعتبر واحدة من بين الست أو السبع ولايات التي استفادت، مبكراً، من برنامج خاص للتنمية.

(A.Djenane[28], 2002, 301)

  • 2. مرحلة التثبيت: تتميز هذه المرحلة بثلاثة فترات ساهمت في تثبيت الحركة الجمعوية الريفية
  • لقد تميزت فترة الثمانينيات بأزمة الدولة الراعية التي تجلت في بداية تطور القطاع الجمعوي بفضل الانفتاح السياسي

و من أجل إبراز آثار هذه التغيرات حول بروز الحركة الجمعوية، سنقوم بتحقيب عشرية الثمانينيات في مرحلتين: مرحلة ما قبل صدور قانون 87 التي تزامنت مع سنوات 1980 إلى غاية 1986، و مرحلة ما بعد صدور هذا القانون من سنة 1987 إلى سنة 1989. و لكن قبل ذلك من المهم الإشارة أن عدد الجمعيات المحلية التي تم إنشاؤها في الولاية قد انتقل من 92 جمعية خلال السبعينيات إلى 388 جمعية في نهاية سنوات الثمانينيات، و في مقابل ذلك، انتقلت نسبة الجمعيات الريفية التي تم إنشاؤها من 21 % إلى 47 % من المجموع على التوالي خلال نفس الفترتين.

تميزت الفترتان الممتدتان من 1980 إلى 1986 بعملية انسحاب الدولة من المجال الاجتماعي و الاقتصادي، الأمر الذي جعل مجالات أوسع مثل المجالات الاجتماعية، الثقافية و الرياضية، تشغلها بصورة مكثفة الجمعيات التي أحياناً ما كانت الدولة تشجعها.

تمثل الجمعيات التي جرى إنشاؤها في ولاية بجاية خلال هذه الفترة 44 % من الجمعيات التي ظهرت خلال السنوات الست قبل صدور قانون 85-15 المؤرخ في 21 جويلية 1987.

سنلاحظ أنها نفس الأنشطة تقريباً التي عايناها خلال سنوات السبعينيات، مع فارق أنها أكثر أهمية في عددها (أنظر الجدول رقم 2). و سنجد ضمن هذه الجمعيات في المقام الأول، جمعيات أولياء التلاميذ بنسبة 50 %، و في المقام الثاني جمعيات المساجد بنسبة 40 %، و في المقام الأخير نجد الجمعيات الرياضية بنسبة 6.5 %. كما نسجل الظهور المحتشم للجمعيات التي تمارس أنشطة جديدة في الوسط الريفي، خصوصاً الجمعيات ذات الطابع الثقافي و العلمي.

يمكن تفسير ظهور هذا النوع من الجمعيات بأحداث[29] "الربيع البربري" لسنة 1980 (أنظر السهم 2 في المنحنى البياني أعلاه) الذي كان متواجداً بتيزي وزو، و لكن أيضا في ولاية بجاية، و إن كان ذلك بصورة متأخرة[30]. و على الصعيد التنظيمي، فقد كان لاحتجاجات الشباب التي كانت في معظمها من الطلبة و تلاميذ الثانويات ترجمة ميدانية في إنشاء جمعيات أو لجان من الشباب بصورة غير رسمية ضمن الوسط القروي. و سيقوم هذا النوع من المنظمات بغزو الفضاءات القروية عن طريق مبادرات تستهدف ترقية الأنشطة الثقافية البربرية. الأمر الذي حملنا على طرح السؤال لمعرفة ما إذا كان ظهور الجمعيات الريفية يعبر عن تدشين عملية تحولات داخلية عميقة للجمعيات التقليدية القروية؟

و الجواب عن ذلك السؤال بنعم. لقد سمحت أحداث الربيع البربري لسنة 1980 بانطلاق عملية اكتساب الأهلية و الشرعية لنخبة محلية كانت في حالة اعتمال و اختمار، ممثلة في شباب من الطلبة و الثانويين، و هذا اعتماداً على تجنيد القيم الحديثة و القيم الجمعوية. و قد أكد هذا الطرح تحليل (أ. ماهي[31]) (2006،480) "....بداية من ربيع 1980، قام شباب الحركة الثقافية، الذين اثبتوا قدرتهم على التجنيد و النضج السياسي لأسلافهم، بإقحام أنفسهم في عملية المشاركة في تسيير شؤون قراهم ومزاحمة كبار السن الذين كانوا يحتكرون دائماً وظائف التأطير و القيادة داخل تنظيم تجمعت.

فيما يتعلق بالتنظيمات التقليدية، ممثلة في "تجمعت"، نلاحظ خلال هذه الفترة أن "جماعت" عرفت نوعاً من التجديد في أهليتها، و هذا باعتبارها لجان القرى، و هي التسمية التي ستقوم فيما بعد سلطات "مديرية التنظيم و الإدارة العامة" لولاية بجاية بتبنيها في قواعد معطياتها للإشارة إلى جمعيات القرى. و خلال نفس الفترة و في سياق اجتماعي، سياسي و اقتصادي الذي كان سائدا آنذاك، استطاعت لجان القرى أن تفرض نفسها كممثل لشؤون الجماعة أمام الإدارة (ابراهيم صالحي، 1999، أ. "ماهي"، 2000).

لقد تزامنت سنوات 87 و 89 مع صدور[32] قانون 87 (أنظر السهم 3 في المنحنى البياني أعلاه). وجبت الإشارة أيضاً إلى الظهور المتأرجح لعدد من النشاطات التي تمارسها الجمعيات (أنظر الجدول رقم 2)، مثل البيئة، و هي منحدرة في معظمها من الهياكل التقليدية المعروفة باسم "تجمعت".

لكن مع ذلك، فنحن نلاحظ دائماً هيمنة جمعيات أولياء التلاميذ بنسبة 58 % متبوعة بجمعيات المساجد بحصة 25 % و بالجمعيات الثقافية بنسبة 9 % من المجموع. تستقطب مجالات النشاطات الثلاثة الأولى أهم الجمعيات المكونة التي تنشط فيها. و تجسد بالتالي اتجاه و خصوصية الفضاء الجمعوي الريفي. يبدو أن إعادة تشكيل المشهد الجمعوي هذا يندرج ضمنياً في استراتيجية الدولة و السلطات العمومية في قطاعات حيث كان لها فيها سابقاً الاحتكار.

سيكون لعملية التغير العميقة الجارية للجمعيات القروية ما يدعمها من خلال الحركة الثقافية البربرية (أنظر السهم 4 في المنحنى أعلاه) التي ستشارك في عملية إنشاء الجمعيات الثقافية، و هذا، بتشجيعها لمختلف الفرق الثقافية التي تم إنشاؤها في إطار "الربيع البربري" لتتشكل في جمعيات.

إن ظهور هذا النوع من الجمعيات في أوساط القرى، سيسهم من ناحية في تجديد و تشبيب تركيبة أعضاء جمعيات القرى، و من ناحية ثانية سيؤدي بالمشهد التنظيمي للفضاء القروي لأن يتدعم بتنظيم جديد و حديث ممثلاً في الجمعية. و قد أشار (ماهي، 2006، 546) في هذا السياق أن "الظاهرة التي أثرت على الحياة المحلية في قرى القبائل كانت، دون منازع، إنشاء جمعيات منحدرة من الحركة الثقافية البربرية".

  • لقد عرفت فترة التسعينيات إعادة تحديد مفهوم الدولة الراعية التي كان من نتائجها ظهور موازين قوى جديدة في القطاع الجمعوي

فكل القوانين الصادرة بعد سنة 1988 جاءت شاهدة على إرادة الدولة الجزائرية للمضي قدماً إلى الأمام في مجال الانفتاح و تحرير المجتمع المدني من الضغوطات السياسية و القيود الإدارية. لقد تم تسريع هذا الانفتاح عقب انتفاضة أكتوبر 1988. فحسب روني غاليسو (R. Gallissot, 2002, 22)، "كان يجب انتظار أكتوبر 88 من أجل أن يظهر و ينتشر مؤقتاً نوع من الجمعيات التي تستظل بيافطة المجتمع المدني". إن النتائج التي ستترتب عن هذه الأحداث، تتجلى بصورة ملموسة، في إقامة التعددية الحزبية، و إصدار قانون 4 ديسمبر 1990 المتعلق بالشروط الجديدة لتكوين الجمعيات.فيما يتعلق بالتعددية الحزبية و الحركة الجمعوية، و خصوصاً الريفية، فإنها لم تسلم من الهيمنة السياسية[33]. و قد أشار في هذا السياق، مختلف الباحثين الذين اشتغلوا على منطقة القبائل تأثير القبضة السياسية على الحركة الجمعوية و خصوصاً لجان القرى. فعلاً، لقد تمكنت الحركة الجمعوية بصعوبة في رسم حدودها مع السياسة، و هذا ما عطل أعمالها و أفقدها مصداقيتها تجاه السكان المنقسمين.

يمكن القول، بصفة عامة، أن قانون 1990 (أنظر السهم 5 في المنحنى أعلاه) قد حرر الحركة الجمعوية من القيود السياسية و الإدارية. على صعيد الأنشطة التي من الممكن أن تقوم بها الجمعيات، فإن المادة الأولى تفسح المجال واسعاً لممارساتها، ذلك أن الأشخاص الذين ينتظمون في الجمعية يمكنهم ممارسة أنشطة ذات طابع "مهني، اجتماعي، علمي، ديني، تربوي، ثقافي أو رياضي". و هكذا صار من الممكن أن تظهر فضاءات للتنشئة الاجتماعية، خصوصاً في القطاعات الجديدة، التي كانت فيما مضى، غير موجودة و ممنوعة، مثل جمعيات النساء و البيئة، و الجمعيات ذات الطابع المهني و الهوياتي...

نسجل هنا نوعاً من الطفرة الجمعوية التي تجلت في زيادة معدلات الجمعيات الريفية التي تم إنشاؤها بنسبة 40 % مقارنة بسنوات عشرية الثمانينيات. تشكل في مجموعها 46 % سنة 1990.   و إذا ما قارناها بالجمعيات الحضرية، فإننا سنلاحظ فارقاً قدره 12 % فقط، في حين كانت تمثل  73 % في سنة 1970.

هذه الزيادة التي عرفتها الجمعيات الريفية جرى تدعيمها عن طريق إنشاء نوع من الجمعيات (أنظر الجدول رقم 2)، التي لم تكن، إلى ماض قريب (عشرية الثمانينيات)، أكثر عدداً أو لم تكن، بكل بساطة، موجودة. و في هذا الشأن نلاحظ ما يلي:

1- نلاحظ انفجارا لجمعيات القرى التي تم إنشاؤها، الذي انتقل عددها من 6 إلى 394 جمعية.

2- بروز جمعيات ثقافية وأنشطة الشباب التي انتقل عددها من 20 إلى 91 جمعية.

3- ظهور نوع جديد من الجمعيات متعلق بميدان أَطلق عليه اسم "الاجتماعي الثقافي" والذي لم يكن موجوداً سابقاً. و هكذا، تم مباشرة تسجيل، بين عشية وضحاها بعد صدور قانون 90، إنشاء 106 جمعية اجتماعية ثقافية في الوسط الريفي. تتميز هذه الجمعيات بتعدد خدماتها، مقارنة بالأنشطة التي كانت تمارسها (الاجتماعية، الثقافية).

غير أن فترة ازدهار الطفرة الجمعوية التي عرفتها بداية سنوات التسعينيات، أعقبتها مرحلة من الهدوء، خصوصاً بداية من سنة 1995، و هي الفترة التي تميزت بأزمة خطيرة متعددة الأبعاد تمثلت بظهور موجات من العنف الإرهابي (أنظر السهم 6 على الشكل أعلاه) التي ضربت على المستوى الوطني و المحلي. و يضاف إلى هذه الأزمة أحداث أخرى هزت بصورة خاصة منطقة القبائل، من بينها، على وجه الخصوص، المقاطعة المدرسية من جانب الحركة الثقافية البربرية في نهاية 1994 و الانسداد السياسي على إثر الانتخابات المحلية في أكتوبر 1997، حيث تعطلت بلدية من ثلاثة بسبب قيام المجلس البلدي بسحب الثقة من رئيس البلدية المنتخب، و هي أحداث تجسدت آثارها في زيادة وتيرة تراجع عدد الجمعيات.

  • تميزت عشرية 2000 باعتراف، برغم ما شابها من الغموض

تميزت هذه الفترة، على الصعيد التشريعي، بصدور عدد من القرارات[34] المتعلقة بمنح ومراقبة الدعم العمومي. سمحت هذه التدابير الجديدة بإرساء آليات مراقبة الإعانات العمومية الممنوحة للجمعيات. وعلى العموم، فإن قانون المالية لسنة 2000 (أنظر السهم 7 في الشكل أعلاه) يربط منح الدعم أو الإعانات العمومية باستيفاء ثلاث شروط: أ) تقديم برنامج النشاط وخطة العمل الواجب إنجازها خلال السنة التي تغطيها نفقات الدعم، ب) إخضاع حسابات الجمعيات لمراقبة دائمة من قبل محافظ الحسابات، جـ) إيداع، قبل 31 مارس من السنة، تقرير النشاط وحصيلة الحسابات والمالية للسنة المنصرمة.

عرفت منطقة القبائل عدداً من الأحداث المتتابعة، خاصة تلك المتعلقة بحوادث 2001-2002 و المقاطعة الكثيفة للانتخابات التشريعية في ماي 2002 (أنظر السهم 8 في الشكل أعلاه) التي كان من نتائجها الرحيل المتعجل للدرك الوطني (و هي القوة الرئيسية في عملية حفظ الأمن في المناطق الريفية)، تاركة وراءها فراغاً أمنياً كبيراً مصحوباً بفراغ مؤسساتي بسبب مقاطعة الانتخابات.

إن الجماعات القروية القبائلية، ممثلة في الجمعيات (لجان القرى، الجمعيات الاجتماعية الثقافية، جمعيات القرى، احتاجت- لمواجهة الفوضى التي طالت عدداً من القرى مثل قطع الطرق من قبل الشباب، السرقات، و الاعتداءات التي قلما كانت بارزة و صعب التحكم فيها- إلى الاستعانة بالسجلات/النُظُم القديمة[35]، و هذا بإدماجها في نشاطاتها.

تميزت هذه الفترة بنوع من البطء الشديد في إنشاء الجمعيات من ناحية، و بظهور أنشطة جديدة من ناحية أخرى التي سنقوم بتحليلها في الفقرة الموالية. نلاحظ على ضوء الشكل 1 تراجعاً في إنشاء الجمعيات التي قدرت نسبتها بـ54 مباشرة من المجموع، التي يوجد من ضمنها 59 مباشرة من الجمعيات الريفية و 51 مباشرة من الجمعيات الحضرية.

  • ما هو مجال تدخل الجمعيات الريفية على مستوى ولاية بجاية؟

إن مجال تدخل الجمعيات واسع. كما رأينا سابقاً، فإن الجمعيات تتواجد في جميع المجالات، فهي تقوم بممارسة العديد من الأنشطة التي تسهم في ديناميكية التنمية الريفية المحلية.

كان من بين أحد الأهداف الأساسية لهذه الجمعيات هو أن تتشكل كرابط حقيقي للسكان القرويين، و هو رابط بالمعنى الذي حدده ميشال كروزييه[36] (1977)، أي الجمعيات "التي تعبر عن وظيفة الحلقة التي تسمح بإنشاء تسلسل و التي تعكس معضلة مرتبطة بدورها".

فعلاً، إن للجمعية وظيفة مزدوجة: فهي من ناحية تعبر عن حاجيات السكان المحليين أو المنخرطين فيها أمام الجماعات المحلية و مؤسسات الدولة، و من ناحية ثانية تقوم بتبليغ المعلومات و نشرها لدى السكان المحليين.

يبيّن الجدول 2، بوضوح أن عدد الجمعيات التي تم إنشاؤها قبل 1987 كان هزيلاً و يقتصر على قطاعات حيث كان مجال النشاط فيها محدداً بصرامة و أثارها لم تكن "خطيرة" سياسياً. كانت تعتبر تلك الجمعيات كرابط متصل بالمهام العمومية بغية الاستجابة لحاجيات السكان الريفيين، كما هو الشأن بالنسبة لجمعيات أولياء التلاميذ، حيث كان جزء من أعضاء المكتب ينتمون إلى سلك التعليم. من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذا النوع من الجمعيات كان جزءاً من أوائل الجمعيات التي تم استحداثها خلال فترة السبعينيات بسبب قوة مطالب السكان المحليين الذين كانوا يولون اهتماماً خاصاً للمدرسة باعتبارها فضاءاً للمعرفة و التي شكلت، على مر الزمن، إحدى الانشغالات الأساسية للسكان القرويين. خلال إجراء التحقيقات الميدانية، عبر رئيس جمعية أولياء التلاميذ لقرية كالة (بلدية إغيل علي) عن رأيه بهذه العبارات "...بسبب واقع الانعزال، و عدم توفر وسائل النقل المدرسي للتلاميذ لتسهيل مواصلة تعليمهم في مرحلتيها المتوسطة و الثانوية (الإكمالية و الثانوية)، و عدم توفر المطعم المدرسي لتلاميذ المدرسة الابتدائية، قمنا بإنشاء جمعية أولياء التلاميذ للحصول على إطار قانوني للدفاع عن حقوق أطفالنا". مضيفاً "... بفضل الجمعية، استطعنا جمع الأموال من المهاجرين في الشتات لشراء حافلة موجهة للنقل المدرسي، كما استطعنا فتح مطعم في المدرسة الابتدائية...".

أما الجمعيات الدينية، فقد ظهرت هي الأخرى خلال سنوات الثمانينيات و تشكلت حول مشاريع بناء المساجد أو ترميمها.

كما لاحظنا، أثناء تحقيقاتنا الميدانية أن الجمعيات الدينية بإمكانها ليس فقط أن تتلقى، في نطاق القانون، الهبات و تسييرها، لكن يمكنها أيضاً الاستفادة من بعض الإعانات التي تقدمها الدولة.

و بداية من سنوات التسعينيات، ظهر تشكّل جديد للمشهد الجمعوي ببروز جمعيات ذات الطابع القروي و الاجتماعي الثقافي و التي شغلت مكانة هامة ضمن العدد الكبير من الحركة الجمعوية في المجال الريفي في ولاية بجاية.


جدول رقم 2: الجمعيات الريفية عددها وموضوعها من سنة 1970 إلى 2008

طبيعة الجمعية

70-79

80-86

87[37]-89

90[38]-99

2000-2008

Total

جمعية أولياء التلاميذ

5

84

128

113

40

370

جمعية ثقافية + نوادي علمية

 

5

19

65

40

129

جمعيات دينية

7

68

55

50

87

267

جمعيات رياضية+ نشطات الشباب

6

12

6

131

40

195

جمعيات الصيد

1

 

2

 

6

9

جمعيات البيئة

 

 

1

5

15

21

جمعيات أبناء الشهداء

 

 

2

12

2

16

جمعية المصابين بالأمراض المزمنة+ الاشخاص المعاقين

 

 

 

2

12

14

جمعية القرى

1

 

6

394

14

415

الجمعيات الاجتماعية-الثقافية+ الجمعيات الخيرية

 

 

 

122

106

228

الجمعيات الإنسانية

 

 

 

3

1

4

جمعيات العاطلين عن العمل

 

 

 

2

2

4

جمعيات المزارعين

 

 

 

6

4

10

جمعية المراكز الريفية

 

 

 

4

 

4

الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي والمهني

 

 

 

1

9

10

جمعية الأحياء السكنية

 

 

 

25

4

29

مؤسسة + فيدرالية الجمعيات

 

 

 

1

1

2

جمعيات النساء

 

 

 

1

2

3

المجموع

20

169

219

937

385

1730

                               Source : élaboré par H. HACHEROUF à partir des données du DRAG 2008.

من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن النشاطات الجماعية لبعض الجمعيات الريفية تستلهم مراجعها من سجلين أو مصدرين: التقليد والحداثة الذين يبدوان، ظاهرياً، متناقضين، غير أنهما يستجيبان اجتماعياً لطموحات متكاملة. حسب رأي ب. فالو[39] (2003،4) "إن الجمعيات تقوم، و هي في قلب المجتمع الحديث، بإعادة إنتاج فضائل المجتمعات التقليدية". خلال مقابلتنا مع رئيس الجمعية الاجتماعية الثقافية لتاكورابت لبلدية إغيل علي، صرح بأن هذه الأخيرة قد اعتبرت من قبل قرى أخرى، قرية نموذجية بسبب تبنيها لميثاق/قانون للقرية، مستلهمة من عناصر السجل القديم "قانون تجمعت". إن تبني الميثاق من قبل السكان القرويين جاء نتيجة تجاوزات ذات خطورة بالغة (سرقات، اعتداءات...) ناجمة عن أحداث "ربيع" 2001، و التي ترتب عنها سحب فرقة الدرك الوطني من جزء كبير من الإقليم الريفي لولاية بجاية. "تجسدت قريتنا خلال السنوات الأخيرة، في صورة محزنة، من خلال عدد من التجاوزات البالغة الخطورة، بسبب تعدد السرقات التي كان عدد كبير من الأشخاص ضحية لها. و قد حان الوقت للتخلي عن ذهنيتنا القدرية و عن لامبالاتنا، و هذا بتبني قواعد مكتوبة..."، أصبح هذا الميثاق، الذي توجد نسخة منه لدى المجلس الشعبي البلدي، معترفاً به من قبل السلطات العمومية.

كل الأمور تجري كما و لو أن هذه الجمعيات- و هي تجمع بين مهام الخدمات العمومية مثل المدرسة و المسجد، و مهام ذات الطابع الخيري، مثل توزيع قفف المواد الغذائية و محافظ للأطفال، و التنمية مثل بناء خزانات المياه، و تعبيد مسالك القرية- تبحث عن شرعية و اعتراف من جانب القرى التي تنشط فيها. فعلاً، فإن تحليل الدوافع التي تكمن وراء تكوين الجمعيات، تبيّن لنا كيف أن هذه الجمعيات، و هي تكشف عن خطاب "حداثي"، قد استطاعت استيعاب و تبني انشغالات "تجمعت". و يبرز هذا الأمر الترابط بين مؤسستين: مؤسسة رسمية (الجمعية) و مؤسسة غير رسمية (تجمعت). إن النشاطات التي كانت تقليدياً محل اهتمام "تجمعت" القرية سيجري نقلها، على سبيل المثال، إلى جمعيات الشباب و ما يحملونه من طموحات "حديثة" قائمة على أساس اتفاق بين الأجيال. البعض من هذه الجمعيات أنزرع (اندرج) في التنظيم التقليدي (تجمعت) الذي كان موجوداً سلفاً، كما هو حال جمعية "الإرشاد الديني" التي أصبح أعضاؤها أيضاً جزءاً من "تجمعت". و في هذا السياق يقول رئيسها: "عندما توجهنا إلى السلطات لعرض و مناقشة حاجيات القرية، طلب منا إنشاء جمعية للحصول على أكبر قدر من الشرعية و من أجل إسماع صوتنا، و في هذا الوقت كنا جزءاً من تجمعت و قررنا، بموازاة ذلك، إنشاء تنظيم آخر متمثل في جمعية".

لاحظنا في العديد من القرى التي أجرينا فيها البحث الميداني اختفاء "تجمعت"، تاركة مكانها لجمعيات اجتماعية ثقافية للقرى، أو لمجرد جمعيات ثقافية حسب الطبعة المستحدثة للـ "تجمعت".

سجلنا، خلال سنوات 2000، تناقصاً في عدد الجمعيات المكونة التي تتعلق خصوصاً بالجمعيات المسماة تقليدية مثل جمعيات أولياء التلاميذ، و الجمعيات الرياضية و الثقافية و جمعيات الشباب، و في ذات الوقت جمعيات القرى، غير أننا لاحظنا، في موازاة ذلك، ظهور أنشطة جديدة مثل الصيد، الأنشطة العلمية و التكوين المتزايد لجمعيات في مجالات البيئة، و الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي و المهني، إلخ.، بسبب ظهور انشغالات جديدة لدى المجتمع المحلي. و تعتبر حالة جمعية التنمية الريفية المستدامة و حماية البيئة تجسيدا جيداً للتحولات الجارية على مستوى المجال الريفي. لقد تم إنشاء هذه الجمعية سنة 2007 في قرية بلايل (بلدية إغيل علي)، و هي القرية التي تعتبر جزءاً من القرى الآهلة بالسكان لبلدية إغيل علي. و حسب رئيسها: "يتمثل واحد من مشاريع الجمعية في القيام بنشاطات للمحافظة على بيئة القرية، و هذا بتخليصها من النفايات المنزلية و وضع حاويات قمامة في محيط القرية، مع تحويل النفايات إلى مكان ملائم بعيداً عن أي خطر يهدد صحة سكان القرية. و من أجل الحد من استعمال الأكياس البلاستيكية، تقرر تزويد كل منزل بقفة من قش...".

تبيّن من خلال تصريحات المقابلات التي أجريناها مع بعض الجمعيات التي تهتم بقضايا البيئة، أن أهم المشاكل التي تواجهها في هذا المجال المناطق الريفية لولاية بجاية في هذه الفترة تتمثل في ندرة المياه، و انجراف التربة، و صرف المياه المستعملة، و النفايات المنزلية، و اقتلاع أشجار الغابات و المشاكل المرتبطة بالتنوّع البيئي الناجمة عن عمليات التحضر.

إن الزيادة المتنامية لهذه المشاكل المتعددة و خصوصيتها المتنوعة التي نجدها في مجال محلي لآخر ضمن الفضاء الريفي لولاية بجاية، دفع السكان المحليين لإنشاء جمعيات بقصد حماية البيئة. تقرر تكوين هذه الجمعيات حسب درجة خطورة المشاكل المطروحة، و حسب الوقت وطريقة التصدي لها محلياً. لقد لاحظنا، أيضاً، على ضوء مقابلاتنا، أن بعض الجمعيات التي تم إنشاؤها منذ زمن طويل، قد أدرجت في برامج نشاطاتها الانشغالات ذات الطابع البيئي. و هي، على وجه الخصوص، حالة الجمعية الاجتماعية لقرية تاكورابت التابعة لبلدية إغيل علي، التي عادة ما كانت تهتم بالجانب الاجتماعي و المنشآت القاعدية، و قد شعرت في السنوات الأخيرة بالقلق من مشكل صرف المياه المستعملة.

الخلاصة

أكدت هذه المساهمة الفرضية المطروحة منذ بداية المقال و المتمثلة في أن الازدحام الجمعوي كان متفاوتاً بين عدد الجمعيات التي تم تكوينها في الوسط الريفي و تلك التي لاحظنا و جودها في الوسط الحضري. بالفعل، فقد لاحظنا، بصورة عامة، أن معدل إنشاء الجمعيات كان أكثر أهمية في المناطق الريفية منها في الوسط الحضري، مفندين بالتالي فكرة مسبقة حول تفوق المدينة في هذا المجال. إن هذه النتيجة، لا تعكس، بطبيعة الحال، الواقع الوطني لوضعية الجمعيات الريفية، بسبب غياب معطيات دقيقة و مفصلة تشمل كافة الولايات. إن تطور الحركة الجمعوية مربوط بمختلفة الفترات التي تعاقبت، و التي أثرت على خصائصها، على التوالي، المراحل المتعاقبة الماضية التي درسناها في مجال المراقبة، و التفاوض و التشاور مع الدولة. و فضلاً عن ذلك، فإن الحركة الجمعوية تستمد شرعيتها و أسسها من التقاليد الاجتماعية و الثقافية المتجذرة في المجتمع الريفي البجاوي (نسبة إلى بجاية)، كما كان هذا التطور أيضاً سبباً في ظهور هذه الديناميكية و العفوية للاستثمار في الحقل الاجتماعي.

يطلعنا تطور توزيع الجمعيات الريفية حسب نوع النشاطات على مستوى ولاية بجاية على تطور انشغالات المجتمع الريفي و قدرته على استيعاب التجديد المؤسساتي. تعتبر الجمعية شكلاً حديثاً من التنظيم مقترح على سكان القرية. يتعلق الأمر، إذن، بابتكار ذي طابع مؤسساتي و الذي طالما تبناه القرويون في كل عصر. لم يأت هذا الجديد، كما رأينا، من فراغ مؤسساتي، بالعكس من ذلك تماماً، فسكان بجاية، كما أشرنا إلى ذلك في هذا المقال، يملكون شكلاً من التنظيم الجماعي ممثلاً في "تجمعت". و في المحصلة النهاية، تبدو الجمعيات، من الآن، فارضة نفسها في الأرياف. و لكن ما الذي يفسر ديناميكيتها الحيوية و مكانتها الهامة في الحركة؟ يبدو لنا أن هناك عاملين دالين على هذه العملية الجارية هما:

  • تأثير الوزن الحالي للفضاء الجمعوي على المستوى الوطني.
  • توافقها اللصيق مع الانشغالات الحالية للريفيين.

ترجمة: مصطفى مرضي

 الهوامش

* مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات، العدد 49، سنة 2010.

[1] Icheboudene, L. « Le mouvement associatif ou la tentative de restructuration sociale », in Les cahiers du CREAD, Alger, n° 53, 2000, p. 5-23 . Gallissot, R. (1999), « Mouvement associatif et mouvement social, le rapport Etat/société dans l’histoire maghrébine », in revue Insaniyat, Oran, CRASC, n° 8, vol. III, 2, mai-avril, p. 5-19. Gallissot, R.(2002), « Mouvement associatif, mouvements de droits », in Les cahiers du CRASC, Oran, n°5, p. 17-27. Hamoum, D. (1995), « Le mouvement associatif en Algérie, fondements en évolution », in CCFD-Touiza, Séminaire ONG Europe-Maghreb, (Elwijt-Zemest), Belgique, 25- 26 septembre, p. 53-60. Izarouken, A. (2004), « Le mouvement associatif en Algérie, état des savoirs, état des lieux », in doc Ronéo, Oran, p. 11.

[2] Derras, O. (1999), « Le fait associatif en Algérie : Le cas d’Oran », in Revue Insaniyat, Oran, CRASC, n°8, mai-avril, vol. III, 2, p. 95-117.

[3] Salhi, B.(1999), « Modernisation et retraditionnalisation à travers les champs associatifs et politiques », in revue Insaniyat, Oran, CRASC, n°8, mai-avril, vol. III, 2, p. 21-42.

[4] Dahak, B. (1982), « Les associations en Algérie / Les stratégies étatiques vis-à-vis du phénomène associatif », Thèse de doctorat 3ème cycle de Droit Public, Montpellier I, p. 389 .Babadji, R. (1989), « Le phénomène associatif en Algérie : genèse et perspectives», in Annuaire de l’Afrique du Nord, Paris, Tome XXVIII, p. 229-242..

[5] Guillermou, Y. (1994), « Encadrement étatique et formes d’organisations autonomes en secteur paysan «Marginalisé » : Cas de l’Algérie et du Congo », in Jacob. J-P et Lavigne D. Ph. (dir.), Les associations paysannes en Afrique « organisation et dynamiques », Paris, APAD-Karthala-IUED, p. 201-217.

[6] Bessaoud, O. et Druguet, S. (2004), « Institutions et organisations du développement rural en Méditerranée » in Bachta, M. S. et Ghersi, G. (dir.), Agriculture et alimentation en Méditerranée : les défis de la mondialisation, Paris, CIHEAM-IRESA-Karthala, p. 276-325. Bessaoud, O.(2008), « Les organisations rurales au Maghreb : leur rôle dans le développement : un essai d’évaluation », in Economie rurale, Paris, n°303-304-305, janvier-mai, p. 8-21.

[7] Salhi, B.(2006), Le mouvement associatif en Algérie : histoire, législation, état des lieux, Alger, UGP/ONG’s, p. 127 .

 [8]هيئة سياسية تقليدية تعنى بتنظيم شؤون الجماعة.

[9] شكل من أشكال التعاون و التضامن الاجتماعي التقليدي.

[10] DRAG : Direction de la Réglementation et de l’Administration Générale de la wilaya de Bejaia.

[11] تحقيقات أجريت في إطار أطروحتنا للدكتوراه المشار إليه سابقا.

 [12]حسب التصنيف الذي أجراه "الديوان الوطني للإحصاء" بناء على إحصاء السكان سنة 1998.

 [13]بلغ عدد السكان الإجمالي لولاية بجاية 697 670 نسمة سنة 1977.

[14]على سبيل المثال، فإن معدل إنشاء الجمعيات لكل 1000 نسمة تم حسابها بتقسيم مجموع الجمعيات، مضروباً في 1000 على مجموع سكان لكل بلدية. و عليه فإن تكاثر الجمعيات كما تمت معاينته لم يكن مقترناً بالوزن الديموغرافي لولاية بجاية. علماً أن هذه النسبة لا تعبر موضوعياً عن حقيقة الميدان.

[15] Regourd, E. (2004), Le phénomène associatif dans la recomposition territoriale : vers de nouvelles ruralités, Thèse de géographie, Montpellier III, p. 621.

[16] Nous citons Lakjaa, A. (2000), « Vie associative et urbanisation en Algérie», in revue Cahier du CREAD, Alger, n° 53, p. 5-23. Derras, O. (2007), Enquête nationale, Le phénomène associatif en Algérie « Etat des lieux, participation sociale et vitalité associative », Fondation Friedrich Ebert, Alger, p. 153.

[17] المعطيات المتعلقة بعدد الجمعيات المحلية في ولاية تيزي وزو تم حسابها على ضوء معطيات الجدول رقم 2 (الجمعيات: عددها

و موضوعها من سنة 1987 إلى غاية 1998)، و هو جدول مستخلص من مقال ابراهيمم صالحي بعنوان :

« Modernisation et retraditionnalisation à travers les champs associatifs et politiques », op.cit., p. 36.

[18] Source DRAG, wilaya de Bejaia, 2008.

[19] Hacherouf, H. (2008), « Le mouvement associatif en milieu rural entre réalités et perspectives : cas de la wilaya de Bejaia », in communication au colloque International, « Développement durable, responsable social des organisations et performances économiques : bilan, enjeux et perspective», Faculté de droit, Marrakech,Maroc, 13 et 14 Novembre, p 25. 

 [20]معطيات مستخلصة من مقال جنان:

Djenane, A.(2002), « Désengagement de l’Etat et économie locale : le cas de l’agriculture de montagne de la wilaya de Bejaia », in Elloumi, M, (dir.), Mondialisation et sociétés rurales en Méditerranée, Paris, IRMC-Karthala, p. 299-310.

[21] نفس الملاحظة سجلها ابراهيم صالحي في حالة ولاية تيزي وزو. فالأرقام المتعلقة بإنشاء الجمعيات في ولاية تيزي وزو تبيّن ، على العموم، أن قرى القبائل تتوفر على الجمعيات. أنظر:  

Salhi, B. (1999), op. cit., p. 35.   

[22]Mahé, A. (2000), «Les assemblées villageoises dans la Kabylie contemporaine: Traditionalisme par excès de modernité ou modernisme par excès de tradition » ?, in Études rurales, Paris, n°. 155/156, juillet-décembre, p. 179-211.

[23] Regourd, E. (2005), « Les associations, porteuses de projet pour de nouvelles ruralités ? », in  Actes du colloque international « faire campagne ? », CNRS-ESO, Rennes, 17-18 mars, p.41-61.

[24] M : Commune rurale de montagne  (بلدية ريفية جبلية); U : Commune urbaine (بلدية حضرية): M/P : Commune rurale où une partie est en montagne et l’autre partie en plaine(بلدية ريفية حيث يوجد فيها قسم جبلي وآخر سهلي)  ; C : commune côtière  (بلدية ساحلية)et M/C : Commune rurale où une partie en montagne et l’autre partie est côtière.

 (بلدية ريفية حيث يوجد فيها قسم جبلي وآخر ساحلي).

[25] 1- صدور قانون 1971 المتعلق بالجمعيات، -2 الاحتجاجات المرتبطة بالهوية في الثمانينات في منطقة القبائل "الربيع البربري"،

-3 صدور قانون 1987 (قانون الجمعيات)، -4  بداية من سنة 1989. MCBالحركة البربرية،  -5 صدور قانون 1990 المتعلق بالجمعيات 6 – المشكلة الأمنية المرتبطة بالإرهاب على المستوى الوطني (من سنة 1992 إلى يومنا هذا) ،. - 7 قانون المالية لسنة 2000 المتعلق بشروط منح إعانات الدولة،. -8 دوامة أعمال الشغب من سنة 2001-2002 والمقاطعة الشاملة للانتخابات التشريعية لماي 2002 في منطقة القبائل.

 [26]و هو قانون صادر بناء على أمرية رقم 71-79 المؤرخة في 3 ديسمبر 1971 التي وضعت حداً لقانون 1901 (قانون الجمعيات)، بناء على المادة 27 التي تنص على "أن كل التدابير المخالفة لهذه الأمرية، أصحبت ملغاة". وهكذا أصبح للجزائر تشريع ينظم الجمعيات.

 [27]ونلاحظ دائماً أنه بناء على المادة الثانية من هذه الأمرية، لا يمكن لأي جمعية أن يكون لها وجود قانوني ولا أن تمارس نشاطاتها دون ترخيص من السلطات العمومية.

[28] Djenane, A. (2002), « Désengagement de l’Etat et économie locale : le cas de l’agriculture de montagne de la wilaya de Bejaia », in Elloumi, M, (dir.), Mondialisation et sociétés rurales en Méditerranée, Paris, Ed. IRMC-Karthala, p. 299-310.

[29] قام كُتّاب بربر سنة 1980 بمحاولة للحصول على الاعتراف بحركة جمعوية بربرية، و لكن دون جدوى. لقد أدى منع انعقاد سنة 1980 لملتقى حول الحركة البربرية في جامعة تيزي وزو إلى إضراب هذه الأخيرة، و هو الإضراب الذي امتد إلى عموم السكان وإلى جهات أخرى، الذي تحول إلى أعمال شغب بعد تدخل قوات الأمن.

[30]ستشهد ولاية بجاية نفس الأحداث بداية من 19 ماي 1981.

[31] Mahé, A. (2006), Histoire de la Grande Kabylie XIXe-XXe siècles « Anthropologie historique du lien social dans les communautés villageoises » , Alger, Bouchène, p. 647.

 [32]التغير الأساسي الذي جاء به هذا القانون يتمثل في المادة الأولى منه و التي تستعمل لأول مرة صراحة تعبير "حرية التجمع..." في النصوص المذكورة خلافاً لنصوص سنة 1971.

[33] كان في المنطقة حزبان سياسيان يتمتعان بنفوذ هما: جبهة القوى الاشتراكية و التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية.

 [34]أنظر في هذا الصدد المرسوم التنفيذي رقم 01-351 المؤرخ في 10 نوفمبر 2001 المقنن لإجراءات مراقبة استعمال أنواع الدعم التي كانت تقدمها الدولة أو الجماعات المحلية والمرسوم التنفيذي رقم 2000-39 المؤرخ في 7 فيفري 2000 الذي ينظم الوضع القانوني وكيفيات إنشاء وسير الأعمال الخيرية.

 [35]إبراهيم، صالحي. (1999) (في مرجع سابق) يتحدث عن إعادة التقلدة (أي عملية إعادة إضفاء الطابع التقليدي) أو إنتاج ما هو تقليدي التي قامت بعض الجمعيات بإدراجه في أنشطتها.

[36] Crozier, M. et Frieberg, M. (1977), L’acteur et le système, Paris, Seuil, p. 448.

[37] صدور قانون 85-15 لـ 21  جويلية 1987.

[38] صدور قانون 4 ديسمبر سنة 1990 المتعلق بالشروط الجديدة لتكوين الجمعيات.

[39] Valéau, P.(2003), «Différentes manières de gérer les associations », in Lavoisier, revue française de gestion, n° 146, 5, p. 9-22.


Associative movements and youth organization reality

Our field of investigation is the youth organizations in which we have tried to follow their evolution through a historical light aimed at the associative movement in Algeria during the colonial period (the 1901 law). Then later, in the 40’s because in 1943, there was an intensive activity in this movement. In this context, it would seem that places are important to understand the nature and structure of these associations, as it is the case for the Sidi El Madani ,Tikjda and Riyad centers. Thus the activities in these associations were carried out in educational centers, particularly in summer camps. The tendency was to use cinema techniques for education and to reinforce the national conscience. On the other hand the youth movements and their organizations from 1962 till 1989, in our opinion, remain an administration product. And, even with the democratic opening up in 1989, these movements stay linked to authority, by financial support. But rumors about these associations’ irrational use of “public money” during this period led the State to a temporary capital freeze and later to a cutting down.

Keywords: Youth association - associative movement - colonial period - post colonial period -democratic opening.


يندرج واقع التظيمات الشبانية تحت خانة الممارسة التي اختارتها لتفعيل نشاطها اليومي المبني على أساس الوجود المستقل كتنظيم له كيان هيكلي منتظم في إطار تقاطع شبكة الأهداف و المصالح و المهام التي تكونت بفعل قناعات الأعضاء و اختياراتهم، من أجل المشاركة أو المعارضة في الساحة الثقافية أو الاجتماعية أو المشايعة السياسية، حسب ما يحقق مصالح التنظيم أو مصالح الجماعة المكونة له. و أحسن وسيلة لمعرفة هذا الواقع هي تتبع الدور الذي تلعبه هذه التنظيمات الشبانية، من خلال حقل الفعل الثقافي و الترفيهي الذي تختص فيه هذه التنظيمات، و ما أكثرها. و من أجل إظهار ذلك تتبعنا مسار صنفين من هذه التنظيمات.

الصنف الأول يعمل ضمن اهتمامات و لائية، و الصنف الثاني ضمن اهتمامات وطنية. و قبل الحديث عن الفعل الثقافي و الترفيهي لهذه التنظيمات، لابد من الاشارة إلى و جود أو عدم و جود هذا المفهوم ضمن أهداف هذه التنظيمات في شكلها العام. و إن وجد، هل يعني أو يؤدي نفس المعنى الذي نعمل على محاولة تعريفه ضمن هذا العمل ؟ و هل مجمل الأنشطة التي تمارسها هذه التنظيمات يمكن تصنيفها في خانة الفعل الاجتماعي الثقافي و الترفيهي الذي نعنيه ؟ هذه التساؤلات و غيرها قد نجد الإجابة عليها في الأهداف و البرامج المسطرة من طرف هذه التنظيمات.

و نتبنى مبدئيا المفهوم التالي: يدخل ضمن مفهوم الفعل الاجتماعي و الثقافي و الترفيهي، كل الأنشطة المتعلقة بتنظيم واستغلال الوقت الحر سواء كان ذلك بغرض تحسين الأداء الثقافي و الفني أو إحياء الموروث الاجتماعي و الثقافي، أو تحديث و ابتكار أساليب ترفيهية جديدة في مختلف التقنيات المعلوماتية، و الإعلامية الاتصالية… الخ.

الإمتداد التاريخي للحركة الشبانية في الجزائر

يعد قانون 1901 بمثابة الإطار القانوني لكافة التنظيمات، سواء في فرنسا أو مستعمراتها، فقد كان هذا النص الإطار الذي بنيت على أركانه مختلف التنظيمات، وبحكم التطورات التي حدثت في مختلف الميادين، و بالأخص ميدان تأطير وتنظيم الشباب، عرفت سنة 1943 نشاطا مكثفا من أجل إيجاد أفكار و مبادئ تقام عليها أسس الحركة الشبانية من أجل تجنيدها و إعدادها لتحمل المهام الجديدة التي استدعتها الحرب العالمية الثانية، و الاستعداد للتحول المرتقب على المستوى الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي بعد انتهاء الحرب. و بسبب هذه الأوضاع التي كانت تعيشها فرنسا، عقد أول اجتماع لمجلس الشباب الفرنسي في الجزائر المستعمرة، حيث نوقشت فيه شروط الاعتماد و إجراءاته، و من ضمن ما عرض من أفكار هو أن الدولة لا تستطيع أن تتعامل بصفة مباشرة مع مختلف فئات الشباب، إذ لابد من وجود تنظيم يضم كل التنظيمات، و تكون معتمدة من طرف الجهات المخولة حسب الطرق المعمول بها، أو تعتمد حسب أساليب و طرق تتناسب مع الظروف و المهام التي تضعها هذه التنظيمات في مسار نشاطها، و في هذا الاجتماع نوقشت لأول مرة شروط تأسيس و تكوين الحركات الشبانية، و تمخض عن النقاش بروز فكرتين أساسيتين: 

ـ الأولى طرحها "فريدريك كاك لان" و تشير إلى ضرورة الإلتزام بالمؤسسات القائمة المتفتحة، التي تستجيب و تتجاوب مع المطالب الجديدة للتعبئة و التحشيد للحركات الشبانية.

ـ الفكرة الثانية: طرحها "روبير باردو" مستشار الشبيبة و ممثل حركة المقاومة و هذه الفكرة أقرب إلى المدلول السياسي السائد آنذاكbasiste ، و من مجريات النقاش برزت مجموعة من الأفكار أهمها: 

فكرة "كاك لان" التي تقول: إن الحركة الشبانية تتطلب أولا انخراطا حرا والقليل من التنظيم الداخلي، ما يؤدي إلى تراتب تنظيمي في المناصب. والهدف من كل هذا هو هدف تربوي. أما "روبير باردو" فقال: "إن الحركة هي تجمع شباني، يتمتع بمبادرة حقيقية، للتنظيم والتفاعل، حسب أهداف و غايات فكرية، من أجل تكوينهم الإنساني، و توحيد أفكارهم للحصول على المطالب المرغوبة"[1].

و في هذ الاجتماع تم اعتماد رؤية و أفكار "فريدريك كاك لان"، و كانت الحركات الشبانية في هذه الفترة هي التى تشّرع و تنفذ في نفس الوقت. لأن مجال العمل و النضال من أجل الحرية كان لا يزال في المراحل الأولى لظهور و عمل هذه الحركات.

لقد أنشىء لتأطير هذه الحركات مؤسسات خاصة لتكوين المؤطرين و القادة، إلى جانب إقامة مراكز لممارسة مختلف الأنشطة التي تخص التنشيط الاجتماعي و الثقافي و الترفيهي الموجه للشباب، و هذا ابتداءا من سنة 1940. و كانت هذه المدارس تحت وصاية كتابة الدولة للشباب، أما المراكز التي تمارس فيها الأنشطة الاجتماعية و الثقافية و الترفيهية فكانت تابعة لوزارة التربية الوطنية.

 أما مدارس تكوين مؤطري الحركة الشبانية في الجزائر، فأنشئت سنة 1941، و كانت تابعة لوزارة الداخلية. "و هذا حتى تكون تحت أعين أجهزة الأمن".

أما إحداث المراكز التي تتم فيها عملية التنشيط الاجتماعي و الثقافي و الترفيهي للشباب، فقد تأخر إلى غاية 1944، حيث صدر في 22 نوفمبر 1944 منشور وزاري، يعين و يحدد صفة و أهداف هذه المراكز، و من أجل إعطاء الصفة التربوية لنشاطاتها وضعت تحت وصاية المديرية العامة لوزارة التربية.[2]

لقد امتد عمل و نشاط هذه الحركات من فرنسا إلى مستعمراتها، حتى و إن كان هذا النشاط موجها إلى أبناء المعمرين و الموالين لهم من الأهالي، فقد أمتد تأثيره إلى أبناء الأهالي في إطار السياسة الاجتماعية و الثقافية التي اتبعت لتمرير الأفكار التعبوية التي كانت تقدم في شكل برامج ترفيهية و تثقيفية و اجتماعية خاصة على مستوى المراكز الريفية و"البلدات" التي دعمت بمؤطرين اجتماعين و نفسانيين يباركون كل عمل يبادر به الشباب من أبناء الأهالي حتى و لو كان متواضعا. فظهرت حركية شبانية في مختلف المجالات، الترفيهية و الثقافية و الفنية…الخ. و ذلك من أجل معارضة ما كانت تقوم به الحركة الشبانية الوطنية التي انتهجت أسلوب الكتابة و النشاط التعليمي و الثقافي كوسيلة مواجهة و رفض للسياسة الإستعمارية لإحتواء الشباب بدمجهم في التنظيمات المدجّنة. و رغم ذلك فقد لعبت هذه التنظيمات دورا مهما في التجنيد و التحشيد الوطني في الوسط الشباني، إلى جانب التجربة و الخبرة التي إكتسبها من العمل في هذه الحركة.

إنشاء مؤسسات لتكوين و تأطير الحركة

كان الهدف الظاهر من إنشاء و إقامة هذه المراكز هو تنمية الثقافة الشعبية عن طريق تكوين المنشطين لدعم الحركة الشبانية و الجمعيات الثقافية المعتمدة من طرف الجهات المخولة، و بهذه الصفة فتح المجال أمام التنظيمات الشبانية، و أعطيت لها حرية العمل و التنظيم في ظل النظام القائم.

و من أجل توفير عوامل نجاح عمل هذه الحركة، نظمت عدة تربصات و لقاءات للتكفل بمختلف الإهتمامات التي كانت الحركة تراهن عليها لإستخدامها كمنفذ للولوج إلى مختلف الأوساط الشبانية بغية استمالتها و استعمالها في ما يخدم أهداف الحركة البعيدة و الظرفية آنذاك، و جعلت من مختلف الأنشطة التي كانت تعرف آنذاك بأنشطة الشباب، مدخلا و بداية للإتصال بالشباب، و استعانت في ذلك بمؤطرين لهم الخبرة و الدّراية بقضايا الشباب، خاصة مؤطري الحركات الشبانية التي قادت مؤسسات التربية الشعبية في فرنسا، و مهدت لإقامتها في الجزائر، من أجل مد خيوط مبدأ المحافظة على الصفة اللائكية لطبيعة النظام التربوي الفرنسي. و جمعت حولها مجموعة من المثقفين والفنانين و الأدباء الذين كانوا يحملون هدف إعادة تشكيل المجتمع بطريقة تخالف الطرق السابقة التي كانت تنظر إلى الشباب على أنه مجرد قوة عمل رخيصة لتحريك عجلة الاقتصاد الكولونيالي. و من هذا المنظور جمعت حولها ما تيسر لها جمعه من الشباب الذي أظهر نوعا من التميّز من الناحية الثقافية و الفنية و الأدبية و الرياضية، و خصتهم بسلسلة من التدريبات الفنية و التقنية على أساليب القيادة و الإدارة لمختلف التظاهرات و اللقاءات، حتى تضمن الولاء و الارتباط بالمباديء التي تحملها الحركة الشبانية الفرنسية و هكذا بدأت الحركة الشبانية المختلطة في الجزائر بمد خيوطها كتنظيم يعمل على إعادة تشكيل المجتمع من جهة و مجال لرعاية المبدأ اللائكي من جهة ثانية.

 المراكز الأولى التي انطلقت منها الحركة الشبانية في الجزائر 

لقد وضع تحت تصرف الحركة الشبانية مجموعة من المراكز نستعرضها كالتي:

ـ مركز سيدي المدني

أنشىء سنة 1945 في نزل كبير في مدخل مضيق الشفة على بعد 15 كلم من مدينة البليدة، و كان يتوفر على كل المستلزمات الضرورية للقيام بالأنشطة و التربصات التي تتطلبها الحركة لتنفيذ البرامج و المشاريع التي تعمل على إدخالها إلى التنظيمات الشبانية العاملة تحت ولائها. 

ـ ملحقة تيكجدة

كانت تابعة تنظيميا إلى مركز سيدي المدني. أسست هذه الملحقة في سنة 1946 على سفوح جبال جرجرة، و من ضمن أهدافها إقامة أنشطة التزلج و تسلق الجبال، كما كان يقدم فيها تكوين إضافي لتعويد الشباب على المغامرة و الحياة الجماعية و قدرة التحمل البدني و الفكري. (و كان هذا المركز مقاما في بناية تابعة للسكك الحديدية وضعت تحت تصرف الحركة). و في فصل الصيف كان المركز يتحول إلى مخيم صيفي كبير، يضم مجموعة من الشباب الوافد من فرنسا و من مختلف عمالات الجزائر من أجل فتح مجال الإتصال أمام شباب الأهالي و الشباب الفرنسي القادم من وراء البحر.

ـ مركز الرياض

يوجد على بعد 12 كلم من الجزائر العاصمة في ملكية تابعة للحركة الشبانية و التربية الشعبية، و كان هذا المركز في السابق مدرسة لتكوين مؤطري الحركة، و أجريت عليه إصلاحات للإستجابة لكل المتطلبات التي تحتاجها الحركة و ظروف التكوين. أما الآن فالمركز حُوّل إلى نزل يدعى: "موفلان دور"، داخل حديقة التسلية أبن عكنون. وانتشرت هذه المراكز فيما بعد في مختلف أنحاء الوطن  تستقبل الشباب من الجنسين، تقدم لهم الأنشطة الترفيهية، و تنظم لفائدتهم الرحلات و معسكرات التخييم في الجبال و الشواطىء، كما كانت تقدم للفتيات مبادئ الرعاية الصحية و التربية المنزلية، مع تحضيرهم لتعلم مبادئ الخياطة و الحياكة، إلى جانب تعليم مبادئ القراءة و الكتابة لمن فاتهم التمدرس العادي. و هذه المراكز تحولت بعد الإستقلال إلى وصاية وزارة الشباب و الرياضة منذ اليوم الأول للإستقلال و بقيت تمارس نفس المهمة إلى يومنا هذا. و أسندت مهامها إلى وزارة الشباب و الرياضة، و التي لازالت تشرف على هذا النوع من الأنشطة الشبانية إلى يومنا هذا.

أهم الأنشطة التي بدأت بها الحركة الشبانية في المراكز التربوية مع بداية إنشائها لتأطير التنظيمات الشبانية

جدول 1 : يبين سنوات وعدد التربصات والمتربصين الذين كونتهم الحركة

السنة

عدد التربصات

عدد المتربصين

نوع التربصات

1945

03

98

منشطو المخيمات الصيفية

1946

09

360

"  "  "

1947

24

760

"  " "

 المجموع

36

8 1 12

"  " "

المصدر: أنشئ هذا الجدول من:Document Algériens service d’Information du cabinet du gouverneur général de l’Algérie. Série social n° 20- 30 mars 1948

لقد كان نشاط التخييم حكرا على أبناء المعمرين، لذلك فعندما شرعت الحركة في ممارسة أنشطتها كان عليها أن تكون من يقوم بتأطير و تنشيط الشباب المنخرط في تنظيماتها، فإذا علمنا أن المنشط الواحد لا يمكنه أن يؤطر إلا ما بين 10 إلى 15 شابا، أمكننا معرفة لماذا ارتفع عدد المنشطين خلال ثلاث سنوات إلى 1218 منشطا، إلى جانب ذلك تجرى خلال فصل الصيف ثلاث دورات لاستقبال الشباب تستغرق كل دورة من 15 يوما إلى 21 يوما، و هكذا يرتفع العدد إلى عشرات الآلاف.

جدول 2 : يبين عدد التربصات والمتربصي- صنف مديري المخيمات الصيفية

السنة

عدد التربصات

عدد المتربصين

نوع التربصات

1945

03

98

مديري المخيمات

1946

05

169

" " "

1947

09

304

"  "  "

 المجموع

17

71 5

"  " "

 المصدر: أنشئ هذا الجدول من: Document Algériens service d’Information du cabinet du gouverneur général de l’Algérie. Série social n° 20- 30 mars 1948

يتطلب تكوين مديري المخيمات مواصفات و شروط، كالمستوى الدراسي و قدرة التحمل العقلي      و البدني، إلى جانب حسن السيرة و السلوك، الذي يؤخذ كقدوة من طرف جموع الشباب الذين يوضعون تحت إشرافه مدة فترة التخييم، لذلك كان يراعى فيه إلى جانب الصفات السابقة، صفة الولاء لمبادئ و أهداف التنظيم الذي حمّله مسؤولية الإشراف الإداري و المالي و البيداغوجي على معسكر التخييم. و بهذه الصفة أسس مشروع اجتماعي ثقافي تربوي، يعنى فيه بتكوين الشباب بطرق تختلف عن الأساليب و الطرق التقليدية المعروفة و المرتبطة بحجرة الدرس، و المراقبة و الطاعة  للأوامر، إلى مجال أكثر حرية و نشاطا، حيث يُعوّد الشاب على الحياة الجماعية و الحوار و المبادرة و المغامرة، دون الخروج عن أهداف المشروع المتبنى من طرف الحركة الشبانية الفرنسية.

جدول 3 : يبين عدد التربصات و المتربصين- صنف "أصدقاء فرنسا"[3]  

 السنة

عدد التربصات

عدد المتربصين

نوع التربصات

1946

01

12

أصدقاء فرنسا" مرافق"

1947

02

54

منشطي المخيمات

المجموع

03

66

" "  "

و معنى ذلك أن الحركة لم تكن تثق في المؤطرين و المنشطين الذين كوّنتهم، فكوّنت بجانبهم منشطين و مرافقين يقومون بالدعاية للمبادئ التي تنشدها الحركة، إلى جانب إشعار المؤطرين الآخرين بأن فرنسا حاضرة معهم في كل مكان، و في أغلب الأحيان كانوا يقومون بدور المخبرين وسط تجمعات الشباب. 

تعدد مجالات التدخل: إذا كان نشاط المخيمات مرتبط بفصل الصيف، فقد وسعت الحركة من عملها بعد انقضاء الفصل، وشرعت في تكوين من يقوم بهذه العملية. في الميدان السمعي البصري "السينماطوغرافي" و في الميدان الفني و المسرحي، و الفلكلور أو ما يعرف بالثقافة الشعبية.

 جدول 4 : يبين عدد التربصات والمتربصين في ميدان التنشيط السينيماطوغرافي

السنوات

عدد التربصات

عدد المتربصين

نوع التربص

1946

01

46

سينيماطوغرافيا

1947

01

44

سينيماطوغرافيا

 المجموع

02

90

سينيماطوغرافيا

لم يقتصر ميدان نشاط  هذه الحركة على مواسم الإصطياف و الرحلات الذي كان موجها إلى شريحة شبانية صغيرة السن، قد لا تستوعب بسرعة ما كان يقدّم إليها من أفكار من طرف قادة    و مؤطري هذه الحركة. لذلك نجدها عمدت إلى أسلوب جديد من التّكوين للتقرب من العامة         و الخاصة في نفس الوقت، بإستحداث نوع جديد من النشاط، و اعتماد أسلوب و تقنية اتصال حديثة، ما يعني بدء مرحلة جديدة للتأثير في الشباب و قبول مبادئ الحركة. إن استعمال تقنيات العرض السنيمائي و نشر الثقافة السينماطوغرافية، يعني عملية اختراق لشرائح عريضة من الكبار    و الصغار بصورة واسعة، و دون حواجز، بينما يرى البعض أن هذا العمل أدخل هذه التقنية و مكّن الكثير من الشباب من استعمالها في ميدان التوعية و بث الوعي الوطني في أوساط الشباب، و مهما يكن فقد و ظفت في الإتجاهين، و لقد تبنى العديد من الشباب هذه التقنية، و أظهر بها للعالم معاناة المجتمع الجزائري من الممارسات التعسفية من طرف المستوطنين و الجيش الفرنسي. كما وظفتها الحركة لإظهار الوجه الآخر للمجتمع الفرنسي، مجتمع المساواة و العدالة و الحرية "كان يوجد بمركز الرياض كم معتبر من الأشرطة و الأفلام التي كانت تستعملها الحركة، و كذا آلات العرض، لكنها أتلفت عند نقلها من مركز الرياض إلى مدرسة تكوين إطارات الشباب ـ تقصراين". 

جدول 5 : يبين عدد التربصات و المتربصين، لتأطيرالثقافة الشعبية، الفنون المسرحية، الحركة الكشفية النسوية، والمدرسة الريفية، و المجموعة الصوتية

السنة

عدد التربصات

عدد المتربصين

نوع التربصات

1946

01

57

الثقافة الشعبية

 

01

12

الفنون المسرحية

 

01

76

المدرسة الريفية

 

01

دون تحديد

الحركة الكشفية النسوية في الجزائر

1947

01

17

الفنون المسرحية

 

01

15

المجموعة الصوتية

 

09

326

المدرسة الريفية

 

01

دون تحديد

الحركة الكشفية الفرنسية في الجزائر

المجموع

16

503

" "

لقد عملت هذه الحركة التي كانت مدعمة بخبراء عسكريين، و أنثروبولوجيين، و اجتماعيين، و نفسانيين وتربويين، إلى جانب تقنيين في السمعي البصري…الخ على اعتماد أساليب مدروسة لإنتقاء و اختيار الفئات الاجتماعية التي تقوم بتنفيذ المشروع، و طرق و كيفيات التعامل معها، و الوسائل المادية و البشرية الضرورية، إلى جانب اختيار مجالات التدخل. كانت الفئات الاجتماعية الهشة أول المستهدفين، على اعتبار أنها تقيم في المحتشدات التي أقيمت قرب معسكرات الجيش، و على أطراف المدن، في أحياء الصفيح و الأحياء الشعبية. و كونت لهذا الغرض من يقوم بالاستدراك المدرسي و تدريب الفتيات على مبادئ المهن المنزلية و التقليدية كالحياكة و الخياطة و الطهي، و تعرض عليهن أشرطة و أفلام تظهر نشاط و عمل المرأة الفرنسية، أما الذكور فتقدم لهم إلى جانب الاستدراك المدرسي بعض الأنشطة الرياضية و الترفيهية، و إدخالهم في فرق مسرحية و مجموعات صوتية و فلكلورية، هذا بالنسبة لمن لديهم هوايات و ميول إلى هذه الأنشطة. كما دعمت و شجعت بعض الأنشطة الكشفية.

لقد دعم هذا العمل بسلسلة من اللقاءات و الندوات و المحاضرات التي كانت كلها تدعوا إلى إعداد الشباب لمجتمع جديد يتعايش فيه الجميع كل في موقعه الاجتماعي و الاقتصادي مع القبول بمبدأ الوضع القائم. 

لقد رفعت الحركة شعارها محاولة إعادة بناء و تشكيل المجتمع الذي جاء بعد أن فشلت سياسة الإبادة الجماعية للسكان الأصليين و توطين شتات من الأجناس الأوروبيية.

لقد انطلقت هذه السياسة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، و نوقشت من طرف السياسيين المحترفين و على الخصوص اليسار الفرنسي الذي كان يساوم على فكرة الاستقلال بفكرة الإندماج.

إن الترويج لفكرة الأخوة و المساواة و الحرية، و لو شكليا، كانت تردد في مختلف التجمعات الشبانية التي تقيمها الحركة، "ففي سنة 1946 أقامت لقاءا في شهر نوفمبر لمدة ثلاثة أيام حول الحركة الكشفية النسوية في الجزائر. و في سنة 1947 أقامت يوما دراسيا في شهر ماي، موضوعه: الفن الدرامي، و أتبعته بأيام جهوية في نفس الموضوع. و في نفس السنة نظمت أياما جهوية حول الحركة الكشفية الفرنسية في الجزائر، كما نظمت قافلة مخيمات للمراهقين، و تقول الوثيقة رغم قلة الإمكانيات المادية، فإن فائدة هذا النشاط كانت كبيرة". [4]

لقد أفادت هذه السياسة في الكثير من المجالات، حيث تعلم الشباب مباديء التنظيم و العمل، و استغل ما تعلمه في تنظيمات الحركة الشبانية "المؤطرة فرنسيا"، في رفع الوعي الوطني بتوظيف النشاط المسرحي و المجموعات الصوتية، و الفلكلورية في تمرير الرسالة الوطنية إلى مختلف الفئات الاجتماعية و على الأخص الشابة منها و وظفت أسلوب السخرية و التهكم في تناول القضايا السياسية حتى لا تلفت إليها انتباه السلطات الإستعمارية. لكن حركية هذه التنظيمات كحركة شبانية لم يبق منها بعد الاستقلال ما يحرك أو يتحرك، لأن بعضها كان مرؤوسا من فرنسيين، و ما كان مجندا منها لخدمة الهدف الوطني فقد حقق الهدف، و تغيرت آليات العمل.

واقع الحركة الشبانية و تنظيماتها قبل 1989

لقد كانت التنظيمات الشبانية أول أشكال التنظيم الجمعياتي في الظهور، إذا ما استثنينا التنظيمات المهنية والنقابية وتنظيمات الحزب الواحد قبل 1988. حتى و إن كانت هذه التنظيمات من صنع الإدارة في بداية الأمر، بغرض إيجاد شريك اجتماعي يُسهم في ترقية الأنشطة الموجهة للشباب آنذاك، و يأخذ بتوجيهات الإدارة كأهداف و برامج يراهن عليها، و يعمل على تجسيدها بما يقدم له من إمكانيات مادية و بشرية و مالية. 

يقول أحد رؤساء التنظيمات الوطنية "فيديرالية النشاطات العلمية" : "تكونت هذه التنظيمات من طرف مجموعة من الموظفين في القطاع، لتسهيل عملية توزيع الموارد المالية خارج نطاق الإجراءات الإدارية المعروفة و هي المراقبة المالية لعمليات الصرف التي تقوم بها الإدارة عند القيام بالأنشطة المختلفة التي ترتبط بالشباب…الخ". و من هنا جاءت فكرة إنشاء هذه الرابطة على غرار الجمعيات الرياضية. إن هذا الواقع استطاع أن يمهد لتجربة غير مسبوقة في ميدان التنظيم الشباني، إذ أعطت للشباب فرصة لينظم نفسه و يبادر باقتراح الأنشطة التي يراها مناسبة، و هو ما أكسبه خبرة التنظيم و القيادة و التوجيه و التحكم في كيفيات التعامل مع الإدارة و الميدان في آن واحد،   و هذه الصفة جعلت مؤطري هذه التنظيمات بعد 1989، و خاصة بعد صدور قانون إنشاء الجمعيات، من أكثر الناس إستشارة من طرف الشباب، لتكوين و تأسيس الجمعيات الخاصة بالشباب و الطفولة في مختلف المجالات. 

لكن مع فتح الباب القانوني لهذه التنظيمات، و اعتبارها مؤسسات حرة لا تبتغي الربح، لم تستطع هذه التنظيمات إيجاد مجال مستقل للعمل، بل بقيت مرتبطة بالإدارة تبحث في نشاطها، تحت مقولة خدمة الصالح العام لنيل المساعدة المالية و التأطيرية، بدلا من البحث في مجال أوسع و أرحب يمكنها من الحركة و المبادرة بالجديد في ميدان التنشيط. لذلك، فالحركة الجمعوية في ميدان الشباب خاصة المرتبطة بمؤسسات الشباب، لم تتمكن من تجاوز جدران هذه المؤسسات، و نعني بذلك ازدواجية النشاط الذي جعل من هذه الجمعيات شبه إدارة موازية، تنفذ برامج و مهام الإدارة، أكثر منها برامج و مهام التنظيم الحر. رغم أن هناك تنظيمات شبانية تنشط في فضاء أوسع معتمدة على تبني بعض الخصوصيات المهنية للشرائح الاجتماعية التي تمثلها أو للمناطق الثقافية التي أسست فيها، متخذة صفة التجميع على أساس المهنة أو الجهة، لتبادر بالأنشطة التي تخدم خصوصيتها في مختلف الظروف و المناسبات.

إن روح التنظيم و المبادرة الحرّة، التي توفرها الجمعيات لمنخرطيها، تعطي فضاءا ملائما لاكتشاف المواهب و القدرات القيادية في أوساط الشباب. فالنشاط، أي نشاط يسهل و يعّود الشباب على الإتصال فيما بينهم، و يشعرهم بأهميتهم في المجتمع، و يزيد من تمتين أواصر المواطنة و حب الوطن، و يرغبهم في العمل الجماعي، و خدمة بعضهم البعض على أساس الانقياد للكفاءات، و ليس للعلاقات الخاصة أو الجهوية المقيتة.

التنظيمات المتعاملة مع قطاع الشباب و نظرتها إلى الفعل الثقافي و الترفيهي

سبقت الإشارة إلى أن مفهوم الفعل الثقافي و الترفيهي يتضمن كل الأنشطة المتعلقة بتنظيم و استغلال الوقت الحر، سواء كان ذلك بغرض تحسين الأداء الفني و الثقافي أو إحياء الموروث الأنطولوجي الاجتماعي و الفلكلوري أو تحديث و ابتكار اساليب ترفيهية جديدة في مختلف التقنيات المعلوماتية و الاتصالية…الخ. وفي ضوء ذلك، أو في هذا المعنى، نقول إن خاصية التنشيط تسير وفق رغبة من يقوم بالنشاط، فقد يكون مجرد وقوف الناس، أو جلوسهم للفرجة على عرض مسرحي، أو سينمائي، أو مشاهدة مباراة رياضية، أنه تنشيط، و هذا دون أن ينال المتفرجون أو المشاهدون أية نصيحة أو توجيه من المنظم أو العارض الذي كان هدفه تجميع الناس فوصل إليه و سمى ذلك تنشيطا في معناه الواسع.

أما إذا أردنا ربط ذلك بمؤسسة مخصوصة أو تنظيم مخصوص فهذا يقودنا إلى الطرح التالي:

1 ـ هل أن التنظيمات المخصوصة و الجمعيات الشبانية التي تنشط على الساحة الوطنية، و تتخذ من مهام قطاع الشباب و الرياضة مجالا لنشاطها، يمكن إعتبار مجمل أعمالها فعلا اجتماعيا و ثقافيا و ترفيهيا، أم لا نعتبره إلا عندما يتعلق الأمر بعقد مبرم بين الطرفين؟

إن هذا الإشكال يقودنا إلى إبعاد بعض التنظيمات التي تؤدي وظائف تنشيطية في غاية الأهمية رغم أنها لم تنل من القطاع أية مساعدة أو دعم. و هذا مؤشر كاف في رأينا لإعادة النظر في طرق و كيفيات الدعم المادي الذي تقدمه الإدارة المكلفة بالشبيبة إلى هذه التنظيات المسماة شبانية.

2 ـ هل إزدواجية النشاط بين مؤسسات الشباب و التنظيمات الشبانية، لايؤثر على مضمون النشاط ؟

إن نشاط المؤسسة الشبانية مرتبط أساسا بهدف تربوي ضمن مهام القطاع، و جندت من أجل تنفيذه أموالا و وسائل مادية و بشرية، تقودها فرقة بيداغوجية متكاملة و مؤهلة لممارسة مختلف الأنشطة الترفيهية، التي ينتظر منها تأدية وظيفة تربوية لاغير. إلى جانب توفر الإمكانيات المادية المتمثلة في الهياكل و التجهيزات، و مختلف الضروريات التي تتطلبها عملية القيام بهذه المهمة، بالأضافة إلى جهاز متابعة و تقويم، مكون من مفتشيين بيداغوجيين و مستشارين تربويين، يتابعون كل صغيرة و كبيرة تبعا لبرنامج مسطر من طرف الوصاية، و كل إنحراف أو تهاون ينجر عنه متابعة تقويمية توجيهية أو تأديبية.

أما التنظيمات الشبانية المتعاملة مع القطاع، فإنها لا تتوفر على هذه الإمكانيات المادية و البشرية، و إن توفرت لها الإمكانيات المالية، و المادية. فالجانب البشري الذي يشرف على التأطير و القيادة في هذه التنظيمات لا يرقى مهما كانت امكانياته إلى مستوى الفرق البيداغوجية المشار إليها.

إن ممارسة الأنشطة الثقافية و الاجتماعية في نفس المكان والموقع و الدخول في نشاط مواز داخل هذه المؤسسات الشبانية من طرف التنظيمات الشبانية قد يحدث إرباكا و تكرارا لنفس النشاط، مع مضاعفة الفاتورة المالية.

إن عمل التنظيمات الشبانية التي وضعت أهدافها من صميم برنامج عمل القطاع، بناءا على عقود برامج مع هذا الأخير، فإن ذلك يحدُّ من حرية النشاط الجمعوي و يغلق آفاق المبادرة أمام هذه التنظيمات. إن الطابع التعاقدي الذي يوفره قانون الجمعيات يعطي حرية المبادرة و المبادأة إلى الأعضاء المتناظمين، و يعطيهم إمكانية التملص من تقويم النشاط الذي يقومون به، إلا من الجانب المالي! فإذا علمنا إمكانيات التأطير و نوعيته لدى هذه التنظيمات، لقلنا أن التنظيمات العاملة  في/ أو المتعاملة مع القطاع أنها وسيلة من وسائل التنشيط أو نقل النشاط و تعميمه في المحيط الاجتماعي، لكن ذلك يبقى مرهونا بمدى قدرة تنفيذ البرامج التعاقدية و قدرة الجهات المانحة للمال على متابعة وتقويم نوعية و جدية العمل، و نظرا لصعوبة التقويم و المتابعة من الجهات الإدارية، و عدم قدرة التنظيمات على التنفيذ الحسن لشروط العقود المبرمة، تعمد هذه التنظيمات إلى تركيز أنشطتها على الجوانب الاستعراضية و الإحتفالية ذات الطابع الموسمي. و يمكن اع تبار هذا العمل مكمّلا لنشاط مؤسسات الشباب، إذا أحسن استغلاله و تأطيره، و تقويم أنشطته و تضمينها بأهداف تربوية ملائمة، تسهم في دعم وترقية تطلعات الشباب المستقبلة. 

مقارنة بين مضامين أهداف الجمعيات الوطنية و الولائية

توفر لنا هذه المقارنة إمكانية الوقوف على رؤى المتناظمين على المستوى الوطني و نظرائهم على المستوى الولائي، و كيف يحدد كل منهم أهدافه:

ـ هل تحددت الأهداف ضمن الخصوصية الولائية بالنسبة للجمعيات الولائية؟

ـ هل سطرت الجمعيات الوطنية أهدافها في ضوء أهداف الجمعيات التي يتكون منها تركيبها الوطني؟

ـ  و هل هناك أوجه التشابه بينهما؟

و الجدولين التاليين يحددان لنا هذه المقارنة:

  1. 1. الجدول الأول

يتكون من منظومة الجمعيات الولائية، لولاية إيليزي، و التي يمتد تاريخ انشائها من 1973 إلى 2001. كما أنه لاتوجد أية رابطة تنظيمية بينها و بين التنظيمات الوطنية التي سنتناول بالدراسة و المقارنة مضامين أهدافها المسطرة في برامجها.

أهداف الجمعيات الولائية

التكرار

النسبة

إحياء المناسبات الدينية والوطنية والمشاركة في التظاهرات المختلفة. 

22

9,73

الإدماج والترقية الاجتماعية للشباب عن طريق ـ التكوين، التشغيل، تحسين المحيط الاجتماعي.

18

7,96

 الدفاع عن حقوق المرأة و الطفل.

02

0,88

السياحة التربوية وتبادلات الشباب في الداخل و الخارج.

18

7,96

 المحافظة على الحرف التقليدية بما فها اللباس والأدوات الخاصة بالمنطقة.

15

6,63

 النشاطات النسوية : خياطة، طرز و حياكة تقليدية، خاصة بالمنطقة.

15

6,63

 ترقية النشاط الفلكلوري الخاص بالمنطقة.
 ـ  إيقاع ورقص، وعادات.

25

11,06

 ترقية الهوايات والإبداعات المختلفة لشباب المنطقة.

23

10,17

 ترقية وتطوير النشاطات العلمية والثقافية والفنية والترفيهية لشباب المنطقة.

49

21,68

 تنشيط الحركة الجمعوية الطلابية والشبانية، إجراء البحوث وإصدار الوثائق، وإقامة الأيام الدراسية.

31

13,71

 حماية البيئة والمحيط الطبيعي الخاص بالمنطقة.

08

3,53

المجموع

226

100

 

  1. 2. الجدول الثاني

يتكون من مجموعة من الجمعيات التي موّلتها وزارة الشباب و الرياضة لإنجاز برامج تعاقدية خلال سنوات 1994 / 1999.


مضمـون الأهـــداف

التكرار

النسبة

 الدفاع عن الحقوق المعنوية و المادية للطفولة و الشباب و المرأة و الفتاة و المعاقين.

  16 

 13.1

ترقية و تطوير النشاطات العلمية والفنية، والترفيهية للشباب.

  24

 19.7

الإدماج والترقية الاجتماعية للشباب عن طريق التكوين، التشغيل، تحسين المحيط الاجتماعي.

  34

 27.9

غرس القيم الاجتماعية و الأخلاقية عن طريق الأعمال التطوعية و الخيرية و المحافظة عليها. 

  13

 10.7

التوعية و التأطير و التنظيم و التجنيد الوطني للشباب.

  16

 13.1

الوقاية و الحماية من مخاطر الآفات الاجتماعية.

  07

 5.7

السياحة التربوية و تبادلات الشباب و حماية الأماكن الأثرية و السياحية.

  10

 8.2

حماية البيئة و المحيط الطبيعي.

  02

 1.6

 المجموع

  122

 100

أهم الملاحظات المستخلصة من الجدولين

أوّل الملاحظات التي يمكن تسجيلها من ناحية التشابه في الأهداف و ترتيبها على قائمة الأهداف هي: 

1ـ ترقية و تطوير الأنشطة العلمية و الثقافية و الفنية و ترفيه الشباب: صنّف هذا الهدف لدى الجمعيات الولائية في المرتبة الأولى بنسبة 21.71 %. بينما لم يرتب في قائمة أهداف الجمعيات الوطنية سوى في المرتبة الثانية، بنسبة 19.7 %. و هذه الحالة تظهر لنا أن الجمعيات الولائية تمارس هذه الأنشطة بشكل عملي مع ما تمليه رغبات الشباب الدراسية و العملية.

2ـ وضعت الجمعيات الوطنية في الصف الأول لأهدافها: الإدماج و الترقية الاجتماعية للشباب، عن طريق التكوين و التشغيل، و تحسين المحيط الاجتماعي و ذلك بنسبة 27.9 %. بينما نجد التنظيمات الولائية لا ترتبها إلا في الموقع السادس بنسبة 7.96 %.

إن الملاحظة الجديرة بالذكر هنا هي أن هذا الهدف لا يدرك في المدى المنظور بل يتطلب العمل المستمر و المواظبة، كما يتطلب الخبرة و الدراية لوضع الخطط و البرامج الضرورية و السهر على تطبيقها الفعلي. و تقويم كل مرحلة من المراحل التي يتم إنجازها، و تؤخذ الملاحظات المستخلصة في المرحلة المقبلة، و تجرى التعديلات الضرورية على البرامج عند اللزوم.

إن إمكانيات الجمعيات المادية و البشرية و الفنية في الوقت الحاضر لاتمكنها من القيام بهذه العملية المعقدة، من محاسبة و ضبط مالي…الخ. و هي تعلم تمام العلم أنها ترفع هذا الهدف كشعار ليس إلا.

3ـ رتبت الجمعيات الولائية في مراتب متتالية مجموعة من الأهداف التي تخص المنطقة التي تنشط في محيطها وهي ترقية النشاط الفكلوري الخاص بالمنطقة إيقاع و رقص و سلوكيات ـ عوائد بنسبة 11.06 %. ترقية الهوايات و الإبداعات المختلفة لشباب المنطقة، نسبة 10.17 %. إحياء المناسبات الدينية و الوطنية و المشاركة في التظاهرات المختلفة، بنسبة 9.73 %، ثم المحافظة على الحرف التقليدية بما فيها اللباس و الأدوات الخاصة بالمنطقة، بنسبة 6.63 %. حماية البيئة و المحيط الطبيعي الخاص بالمنطقة، بنسبة 3.53 %. و هكذا نلاحظ كيف وظّفت الخصوصية الجغرافية التي تسمح بالتطبيق على أرض الواقع، إلى جانب إمكانية مراقبتها و تقييمها ميدانيا. و تمثل نسبة هذه الأنشطة ذات الخصوصية الجغرافية نسبة 40.92 % من مجموع الأهداف الأخرى التي يمكن تطبيق أغلبها ميدانيا مع شباب المنطقة.

4ـ بالإضافة إلى ما سبق ملاحظته على الجمعيات الوطنية فيما يخص صياغة الأهداف: نجد أن أهدافها مصاغة في شكل مرامي و أهداف عامة، و هو ما يعطي لهذه التنظيمات إمكانية وضع أي مشروع لبرنامج تعاقدي لأي نشاط مثل: غرس القيم الاجتماعية و الأخلاقية عن طريق الأعمال التطوعية و الخيرية و المحافظة عليها. ثم التوعية و التأطير و التجنيد الوطني للشباب، الخ. و هذه الصياغة إذا ما وضعت في برنامج تعاقدي، فإنه من غير الممكن للجهات المانحة أن تتمكن من معرفة النتائج، أو توقعها على الأقل بعد إنجاز النشاط أو التصريح بإنجازه، في حصائل التقارير المقدمة، إذ من غير الممكن القيام بعملية تقييمية لمضامين أو مفاهيم إصطلاحية. و حتى الأهداف التي تبدو كأهداف إجرائية: كالسياحة الشبانية، حماية الآثار، حماية البيئة…الخ، فإنها غير محددة بشكل يسمح في نهاية العقد بإجراء تقييم موضوعي. و ما يزيد في صعوبة عملية التقييم (إن وجدت)، تشابه الأهداف التي تجعل البرامج المقدمة للإستفادة من التمويل، عبارة عن برنامج واحد، مكرر!

مجال التقاطع و الاختلاف

1ـ  ركزت الجمعيات الولائية على المنطقة، و أبرزت خصوصيتها عن طريق إحياء التراث الثقافي و الفني المرتبط بعادات و تقاليد المجتمع المحلي، و حرص الشباب على نقل هذا التراث إلى الأجيال، من خلال ممارسة مختلف الأنشطة التي تسهم في تعليم المهن و الحرف، كالحياكة و الطرز و الخياطة في شكلها التقليدي و العصري و استعمال كل ذلك كوسيلة من وسائل التنشيط. 

2ـ  توظيف شباب المنطقة للتنظيمات الجمعوية كمجال للإتصال بين الشباب في المؤسسات التعليمية، الجامعية و الثانوية و التكوينية و إعطائه فرصة التلاقي و التقارب الفكري من خلال منتوج الوثائق و الأيام الدراسية.

3ـ  ترقية و دعم التواصل الحضاري بين الأجيال، من خلال المخزون الأنطولوجي في أشكاله المختلفة و التي من بينها الفلكلور التارقي.

4ـ  اتخاذ مجال حماية البيئة و المحيط كمجال للتنشيط و التوعية بمخاطر الإهمال و اللامبالاة و الإتلاف العمدي. 

إن رؤية هذه التنظيمات إلى الشباب تعتبر رؤية موضوعية، فلم ترفع سهم تأشير الهدف إلى مستوى لا يمكن تحقيقه، بإمكانيات بشرية و مادية محدودة، بل ركزت على القدرات الفردية من خلال الإهتمام بالهوايات و الإبداعات التي تولد دافعية المشاركة في النشاط، ليس بغرض الحصول على الماديات، بل لرغبة داخلية وجدت مجالا للتعبير عنها فيما توفره هذه التنظيمات من تأطير و تنظيم، ولكنها تشترك مع التنظيمات الوطنية في الجوانب الاحتفالية التي تطلب لذاتها، و هذا كمجال لقياس مردودية النشاط لسهولة تحقيقها. 

و هكذا، تبدو نظرة هذه التنظيمات إلى التنشيط على أنه وسيلة من وسائل ربط العلاقة مع المحيط، و تقريب الشباب من واقعه، و جعله يشارك مباشرة في عملية التغيير الاجتماعي و الثقافي، بإعمال فكره و تطوير قدراته الفكرية و الإبداعية و اختيار ما يلائم لبناء مستقبله، و توحيد نظرته اتجاه القضايا المصيرية المشتركة. لذلك، فثمن هذه الأنشطة التي تقوم بها هذه التنظيمات، يعد بسيطا بالنظر إلى الهدف المنشود.

5ـ تتمركز التنظيمات الجمعوية الوطنية في الجزائر العاصمة، سواء من حيث المقر، أو من حيث إقامة أعضاء مكتب الجمعية، و هذا الوضع يجعل نشاطها محصورا في محيط العاصمة، لأن الأعضاء الذين يشرفون على تطبيق البرامج التعاقدية لا يمكنهم متابعة هذه البرامج في مواقع تبعد قليلا أو كثيرا، لأنها مكلفة جدا. لذلك توكل إلى بعض المتعاطفين مع التنظيم فلا تحقق المرغوب منها.

إن كثرة التنظيمات المتمركزة في محيط الجزائر العاصمة، يجعل المنافسة بينها كبيرة خاصة إذا كانت الأهداف متشابهة، و الجهات الممولة واحدة، لذلك أهتدت هذه التنظيمات، إلى رفع سقف الأهداف، وجعلها عامة و تدخل ضمن أهداف جهات و قطاعات الدولة المختلفة، و تحولت هذه التنظيمات من شريك اجتماعي يُسهم في إنجاز بعض أجزاء النشاط، إلى إدارة موازية، على اعتبار أن رؤساء أغلب هذه التنظيمات ينتمون إلى الإدارة التي تقدم التمويل.

و ما تشترك فيه هذه التنظيمات الولائية و الوطنية، هو إقامة التظاهرات التي لا تحتاج إلى الخبرة و التدريب، و لكن تحتاج إلى المال فقط. 

أهم المشاريع الممولة لفائدة الجمعيات الوطنية

سنوات 1994/1999 في شكل البرامج التعاقدية : (أصناف الأنشطة التي فازت بالتمويل على المستوى المركزي) 

التكرار

النسبة

14

11.7

44

36.7

04

3.3

06

05

05

4.2

04

3.3

09

7.5

07

5.8

27

22.5

120

100

إن ما أشيع عن الاستعمال غير العقلاني للمال العام من طرف التنظيمات الجمعوية، و كذا عدم تقيدها بالتزامات العقود المبرمة مع الجهات الممولة، و تناول الخطاب السياسي للظاهرة، و تعرض وسائل الإعلام المختلفة للموضوع، أدى بالدولة إلى التجميد المؤقت للدعم، ثم التقليص، مع العمل على سن قانون جديد يأخذ بعين الاعتبار طرق التمويل و شروطه. كل ذلك جعل مختلف الجهات المانحة تتشدد بعض الشيء، و تعطي لنفسها حق اختيار من تراه مناسبا من التنظيمات لتنفيذ مشاريع عقود البرامج الواقعة في حدود اختصاصها.

و لقد كانت مشاريع البرامج الفائزة بالعقود ذات صفة استعراضية ترفيهية، و إلى حد ما ثقافية. و هذا في رأينا يعود لسهولة الإنجاز، و تقدير التكاليف، و عدم وجود معايير محددة لقياس درجة تأثير هذه الأنشطة على المحيط و الفئات الاجتماعية التي استفادت منها. و تمثل نسبة هذه الأنشطة 36,7 %. كما يلاحظ من الجدول أن بعض التنظيمات حلت محل الإدارة و استعملت ما حصلت عليه من أموال في تجهيز بعض المؤسسات ذات الصفة الإدارية، في شكل دعم و تشجيع لما تقوم به، و تبلغ نسبتها 7,5 %.

إن التجربة التي يمكن معاينتها و رصدها هي العودة الاضطرارية إلى الواقع المادي المتمثل في الإمكانيات المالية و البشرية التي تتيح لأي تنظيم أن يمارس عمله و يضمن استمراره، فالحركة الشبانية كمجموعة قيم إنسانية و اجتماعية و ثقافية، يمكن تفعيلها بإشراكها كطرف مبادر و مسهم فيما يقترح على الشباب من أفكار و مواضيع تخص مستقبله، و أن يكشف على طبيعة الواقع الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي و الثقافي بالبحث و التقصي العلمي، و ألا يستحضر كوسيلة تحجج عند الضرورة، ليبارك الأخطاء.

الهوامش

* مقال سبق نشره في أعمال ملتقى "حوصلة المعارف في العلوم الاجتماعية و الإنسانية: 1954-2004" المنعقد بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية، وهران، 31000، الجزائر(CRASC)  في  2004 و المنشور سنة 2008 ، بمنشورات CRASC.

[1]Tétard, F. (1996), « Les mouvements de jeunesse, furent-ils des mouvements de jeunes ? », in Bernard Roudet des jeunesses et des Associations, Paris, L’Harmattan, p. 134-135.

[2] Documents Algériens Service d'information du cabinet du gouverneur général de L’Algérie, Série sociale, N° 20 – 30, mars 1948.

[3] كان هؤلاء يوزعون على المخيمات الصيفية و التجمعات الشبانية، للدعوة إلى المبادئ التي قامت من أجلها الحركة الشبانية الفرنسية.

[4] Documents Algeriens, Service d’Information du Cabinet du Gouverneur Général de L’Algerie, série sociale, N° 20 /30 mars, 1948.


Urban youth: between marginalization and integration

Recent Algerian history has been marked by upheavals led by urban youth, who burst on the social and political stage and have continued to play a decisive role on that stage.

what characterizes this youth action is that it took place outside the formal economic and political system, leading, therefore, to the maiginalization of a great number.

This paper is an attempt to shed some light on elements which constitute the role of urban youth, two aspects will be examined:

  1. A mistrust of the urban institutions of socialization particularly in the quarter «quartier».
  2. The role 0f the youth- political- culture in shaping the values and attitudes which mediate youth in their actions towards the political and economic system...

Keywords: Youth - City - Oran - marginalization - integration.


مقدمة

الحديث عن الشباب و المدينة، يضعنا أمام أهم مكونات التغييرات الاجتماعية العميقة، العنيفة و المتسارعة في الجزائر.

فتاريخ الجزائر الحديث -خاصة خلال العشرية الأخيرة- عرف أحداثا و حركات احتجاجية سليمة و غير سليمة، كان للشباب فيها دورا أساسيا دفع بهذه الفئة للواجهة الاجتماعية و السياسية.

فالحدث الأكثر تعبيرا عن هذا الدور هو ما أصطلح على تسميته "بأحداث أكتوبر 1988" و التي هزت البلاد لمدة ثلاث أيام و أسفرت عن خسائر بشرية و مادية معتبرة.[1]

إن الحركات الشبابية لم تكن ميزتها العنف دائما، ففي السبعينات مثلا كان الشباب و خصوصا الطلبة منهم، مهتمين بالسياسة بطريقة أكثر سليمة. تكررت هذه الحالة خلال الفترة القصيرة للانفتاح السياسي بين 1989-1991، حيث كان العنصر الشباني السّمة الغالبة للعضوية في الأحزاب والجمعيات الجديدة. كما احتلت عناصر شابة مناصب قيادية في كثير من هذه التنظيمات. إضافة، نجد الشباب في مقدمة حملة العصيان والعنف الذي ميّز الأزمة السياسية ابتداء من سنـة 1992.

إنه وبالإضافة إلى ارتباط الحركات الاحتجاجية في الجزائر منذ بداية الثمانيات بالعنصر الشباني، فالسمة الأخرى لهذه الديناميكية هو عنصر المدينة، فإطار تجلي و نمو الدور الاجتماعي    و السياسي للشباب هو المدينة. ففي بداية الثمانيات كانت المدن القبائلية مسرحا لحركة اجتماعية ثقافية عُرفت "بالربيع البربري"، ثم تلتها مظاهرات أكتوبر 1988 و التي مست مدنا عدة في نفس الوقت. و زيادة على ذلك، فالحركات الاجتماعية و السياسية المنظمة، كالحركات الإسلامية مثلا هي مدنية (نسبة إلى المدينة) الطابع.[2]

شكلت هذه الأحداث و الحركات، و خاصة ما تبعها من تطورات عنيفة، مادة لتعاليق و تحاليل كثيرة، اهتمت بالدرجة الأولى بالحركات الإسلامية، خطابها و تنظيمها، و كذا بالعنف السياسي. كما ركزت دراسات أخرى على العوامل الاقتصادية و الاجتماعية (البطالة، السكن، انخفاض في موارد الدولة) في تفسيراتها للأزمة الجزائرية. و قليل من هذه الدراسات اهتم بدور الفئة الاجتماعية الفاعلة في هذه التطورات و الأحداث -الشباب- و التغيرات العميقة داخل المدينة التي أسهمت في إفراز أشكال من التغير الاجتماعي و السياسي المميز لواقع الجزائر خلال هذه الحقبة.

فإذا كانت العوامل الاقتصادية و الاجتماعية الديمغرافية تشكل المقومات الأولية للأزمة الجزائرية، فالاقتصار على هذه المؤشرات وحدها، يكون اختزالا لواقع أكثر تعقيدا و تداخلا. إن ظروف اقتصادية-اجتماعية مشابهة لتلك التي تميز الجزائر، تسود في مجتمعات عربية و إسلامية أخرى، إلا أنها لم تؤدي إلى شدة و عمق الأزمة التي تعرفها الجزائر.

فالطريقة التي بواسطتها تفسر و تدرك هذه الظروف، و كذا شعور ومواقف الفاعلين الاجتماعيين (هنا الشباب) تجاه من يعتبرونهم مسؤولين عن شططهم و اغترابهم، هي التي تحدد الشكل         و الحدة التي بواسطتها يعبر بها عن السخط أو الرضا. بمعنى آخر، تمنحنا العوامل السوسيوثقافية فهما أوسع وأعمق  للواقع الجزائري المعقد...

لهذا كله، سيكون هذا المقال محاولة تسليط الضوء على بعض الجوانب من صيرورة التهميش و إدماج الشباب.[3] و ذلك بالتركيز على عنصرين

1. خلل التنشئة الاجتماعية في المدينة

نحاول من خلاله تبيان عدم استيعاب أطر ومؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية داخل المدينة للتغيرات الاجتماعية الحضرية، وكيف أدت هذه الصيرورة إلى ظهور جماعات اجتماعية جديدة وجدت لنفسها -بعد فراغ- أطرا جديدة للتنظيم و التعبير أسهمت في لعب دور اجتماعي و سياسي بارز.

2. الثقافة السياسية

من أجل محاولة اقتراب تفهم سلوكات شباب المدينة تجاه النظام السياسي و السياسة بشكل عام، نتطرق في هذا الفصل إلى الثقافة السياسة باعتبارها "مجموع المعتقدات، المواقف، القيم،  المثل، المشاعر و التقييمات السائدة اتجاه النظام السياسي لبلد ما، و كذا دور الفرد داخل هذا النظام".[4]

إن المسلمة النظرية لهذا الاقتراب هو أن مجموع هذه المكونات و العناصر الذاتية للأفراد تحدد إلى حد ما سلوكاتهم و أفعالهم. فانطلاقا من هذا نعتبر أن سلوكات و أفعال الشباب الجزائري فيما يتعلق بالسياسة و نظام السياسي هي نتاج للظروف السوسيوديمغرافية. و أيضا، حصيلة لتمثلاتهم   و مواقفهم اتجاه النظام السياسي. و بمعنى آخر، هي نتاج للثقافة السياسية التي يحملونها.

"إن المعطيات التي سنستند إليها في تحليلنا في هذا الفصل هي معطيات لمسح ميداني للرأي العام في مدينة وهران أنجز سنة 1995 لعينة تتكون من 1000 فرد، من بينهم 321 شابا ( بين 18-30 سنة)، تنطوي استمارة هذا البحث على خمسة فصول: معطيات موضوعية عامة، الأسرة و المرأة، العمل، الدين، الثقافة السياسية ...[5]

خلل التنشئة الاجتماعية

إن صيرورة التمدن، و التي ابتدأت خلال الحكم الاستعماري و تسارعت بعد الاستقلال كان لها أثارا أدت إلى اختلال النسيج الاجتماعي. فعملية التحديث المركزية و السلطوية غير المكتملة، و الحركة العمرانية غير المكتملة، كان لهما كبير الأثر على أنماط الحياة الاجتماعية التقليدية ومؤسسات التنشئة الاجتماعية الحضرية في الجزائر. فهذه الأخيرة اعتمدت سياسات إسكانية فشلت في إدماج العدد الهائل من الوافدين على المدن.

إن صيرورات التفاعل الاجتماعي و التنشئة الاجتماعية في المدن كانت تنظمها مؤسسات اجتماعية مثل العائلة، جماعة الخلان، شبكة القرابة، المجاورة (Voisinage) وكذا مؤسسة الحي (Quartier). و داخل هذه الأخيرة كان الشباب يقضون معظم حياتهم الاجتماعية... كان الحي يشكل الوحدة الاجتماعية الأساسية داخل النسيج العمراني للمدن الجزائـرية، و الذي يضفي هوية خاصة للقاطنين به. فخلال المرحلة الاستعمارية لعبت هذه الأحياء دور الملجأ الاجتماعي الطبيعي للسكان الأصليين. بعد الاستقلال، استمرت هذه الأخيرة في لعب دور دمج السكان الوافدين. إلا أنه و نظرا لحركة التمدن السريعة المتزامنة مع الهجرة الريفية خلال الستينات و السبعينات ظهرت أحياء محيطة جديدة. و قطن بجوار عائلاتهم أو قرابة أناس ينحدرون من نفس مناطقهم.[6]

إن أغلب نشاطات الشباب و تفاعلاتهم الاجتماعية: منافسات رياضية، حفلات موسيقية، الخ...، اتخذت من الحي السكني إطارا لها. فهذا الأخير لعب دور بوثقة للانتماء و الاندماج الاجتماعي. و لكن مع تردي الظروف الاقتصادية و تنامي الضغوط الديمغرافية و كذا تدني الخدمات العمومية، أصبحت جماعة الانتماء (الحي) لا تفي بدورها كصمام أمان و عليه بدأ التصدع في التكافل الاجتماعي.

فمن خلال بحث ميداني قامت به باحثة[7] حول حي القصبة في الجزائر العاصمة، استخلصت أن الحي أصبح لا يلبي مهمة الاندماج الاجتماعي، فقد تحول من مكان للتضامن الاجتماعي إلى مجال يقل فيه النظام و الأمن، حيث ضعفت الروابط الاجتماعية و العلاقات العمودية التراتبية.

إن صيرورة تلاشي آليات التنشئة الاجتماعية التقليدية أفسح المجال لبروز أشكال جديدة للتنشئة و ظهور جماعات اجتماعية شبابية جديدة كذلك. فقد أصبح الشارع عوضا عن الحي، هو حجر الزاوية لنشاط هذه الجماعات الجديدة...

و في بحث ميداني آخر، حول الحي القديم لمدينة قسنطينة[8] تصل كاتبته إلى خلاصة مشابهة، حيث تذكر "أن الشارع الذي كان مكانا للتنشئة و التفاعل، مكانا مألوفا حيث كانت كل زاوية منه تعبير عن شيء، أصبح حيزا للعزلة يخشى فيه الفرد عن نفسه، و مكانا للتهديد و تسوية الحسابات تسوده الإشاعات. قديما، كان المرء يتوقف فيه لتبادل أطراف الحديث مع الزبائن، أما اليوم فيتبضع و يمضي في شأنه... فيتفادى المكوث طويلا في المكان نفسه حتى لا يكون محل شك.[9]

في الجزائر، و منذ بداية الثمانينات ظهرت جماعات اجتماعية شبابية إلى الواجهة الاجتماعية. إن الفئة الأكثر تمثيلا لهذه الجماعات هي ما جرى تسميتها بـ" الحيّاطة"، و هم فئة شبابية يفتقرون إلى مصدر عيش قار و يمضون أغلب أوقاتهم متكئين على جدران البنايات، حيث يصفهم أحد السياسيين الجزائريين بنوع من الازدراء، بأنهم "مخلوقات بشرية لا ارتباط لهم بأي جماعة اجتماعية، غير مكترثين بما يجري من حولهم "و أكثر من ذلك يقول: "إذ كان الكسل أم الرذائل، فإن "الحيّاطة" درجة أدنى. فهو الفراغ الكلي للروح. فهي نظرة إلى سيارات و لباس الآخرين ملؤها الشك..."فالحيّاط" مستعد لأي مغامرة، لأنه يعتقد اعتقادا راسخا أنه جرد من حقّه. فهو يمقت الدولة التي لم تشغله و لم تأوه، فهو غير مستعد للاندماج في المجتمع. على العكس فهو يبحث عن سبل مغادرتها أو الانتقام منها.[10]

 ليس كل الشباب المهمش يسندون الجدران، فإن عددا كبيرا منهم منخرطون في أعمال وأنشطة. في إطار الاقتصاد الموازي والمعروفين في الجزائر بـ « Trabendo » المهربين. فهذه الفئة تبدي حركية اجتماعية و اقتصادية عالية، فطبيعة نشاطاتهم جعلتهم يحتكون بالعالم الخارجي من فرنسا إلى تايلند، بقليل أو بدون تعليم، تعلموا كيف يدبرون أمورهم داخل النظام التجاري و الجمركي العالمي المعقد. و اكتسبوا من خلال ذلك مكانة اجتماعية داخل أحيائهم  و عوائلهم، حيث أصبحوا هم المعيلين لها. و بهذا، و في كثير من الحالات أزاحوا دور الأب أو الأخ الأكبر. إن أفراد هذه الفئة (المهربين)، كأقرانهم من جماعة "الحيّاطة" يخشون الدولة. فمن خلال نشاطهم اليومي يواجهون باستمرار تحرشات أعوان الدولة ويُجبرون على الرشوة من أجل البقاء.

من ضمن الفئات الاجتماعية الأخرى التي برزت في الثمانيات، ما أُطلق عليهم (تشي-تشي). و هم أبناء الموظفين السامين، تجار أغنياء و صناعيين خواص ممن يعيشون في ظل الدولة. و هم بسبب نمط حياتهم التظاهري و التفاخري، شحنوا إحساس الفئات الدنيا باللامساواة.

ففي خضم التعبيرات الاجتماعية العميقة التي أفرزت فاعلين اجتماعيين جدد، و طرق جديدة للوجود الاجتماعي و كذلك طلبات اجتماعية غير ملباة، فلا الدولة و لا المجتمع المدني استطاعا تأطير الجماعات الاجتماعية الجديدة أو توجيه طلباتهم عبر عملية سليمة...

أصبحت المؤسسات التقليدية بما فيها الحي عاجزة عن تلبية تطلعات و طموح الشباب أو التقليل من حدة إحباطاتهم.

لقد نجحت الحركات الإسلامية حيث فشلت المؤسسات التقليدية في تأطير الجماعات الاجتماعية الشبانية. فبعد عملها داخل الأوساط الطلابية في الجامعة، ركزت الحركات الإسلامية جهودها على سكان الأحياء الشعبية و المحيطة. و بهذا انتقل مركز و مجال التفاعل الاجتماعي من الشارع إلى المسجد[11]، حيث أصبحت تناقش داخله و إلى جانب الأمور الدينية، قضايا تمس المسائل المهنية، العائلية و حتى العاطفية. و أصبح الإمام الشخصية الأساسية الذي يمنح نموذجا للسلوك يقتدي به الشباب، يعين لهم أهدافا و سبلا يتبعونها و خيالا و أساطير يسمون بـها.

إن تنامي الحركات و الأحزاب الإسلامية بعد الترخيص القانوني لناشطها عظّم من الهوية الاجتماعية للشباب المنخرطين داخل هذه الجماعات و منحهم شعورا بالاستحقاق و القيمة. إن التجنيد الواسع للأحزاب الإسلامية، خصوصا بين فترة 1989-1991، عزز من شعور الانتماء إلى "جماعة المؤمنين"، هذا الشعور الذي غطى و حل محل التضامن التقليدي للجماعات الاجتماعية كالأسرة، القرابة، الحي و غيرها. إن قوة التنظيم الجديد برهنت على نفسها في عدة مناسبات، و خاصة خلال الانتخابات المحلية و التشريعية (1990-1991)، حيث أن مرشحي الأحزاب الإسلامية تفوقوا على الآخرين، بالرغم من أن هؤلاء كانوا أكثر تجدرا في أحيائهم و مدنهم.

إن بعض المحللين[12] يعزون جزئيا، قوة الحركات الإسلامية في تلك الفترة إلى إرادة الأفراد في التخلص و الهروب من الضوابط التقليدية التي لا تترك مجالا للحياة الشخصية. و فُسر تبني الرموز و السلوكات الإسلاموية من طرف العديد من الشباب على أنه محاولة منهم للإفلات من هيمنة النمط الأبوي: ففجأة اكتسب الشباب مكانة اجتماعية جديدة وأصبحوا ينافسون سلطة الكبار. و بعض الفتيات ارتدين الحجاب لتلافي النمط الذكروي المهيمن. فالشباب وجدوا إجابات لتطلعاتهم التي تمنح قيمة للأفراد المهمشين. فمن خلال انتماء بعضهم للحركات الإسلامية أصبحوا مرئيين  (Visibles) و مميزين (اللحية و القميص)، و نافعين (مساعدة العجزة ، توزيع المعونات...).

و مع ذلك، فإن الهوية الجديدة المكتسبة تطرح مفارقة: فمن يتخلص من روابطه القديمة يصبح عضوا في جماعة جديدة، حيث لا مجال فيها للفروق و التعبير الفرديين. و قد كانت هذه هي الوضعية السائدة حتى نهاية الثمانينات و بداية التسعينات، إلا أنه مع تفاقم الأزمة السياسية منذ 1992، كان موقف الشباب متباينا: العديد التحق بالجماعات الإسلامية المسلحة و اختار الإرهاب كوسيلة للانتقام من الدولة و المجتمع. أما الأغلبية فرجعوا إلى بيئتهم الأصلية بحثا عن وسائل العيش و الأمن. و مع استمرار تدهور المستوى المعيشي للفئات الشعبية، لم تساعد هذه الوضعية الشباب العائدين. و من هنا تعاظم الشعور بالوحدة و الضياع، ما أدى إلى تزايد نسب الانتحار و ارتفاع نسب المتـرددين على أقسام العلاج النفسي و زيادة نسـب متعاطي المخدرات.[13]

3. الثقافة السياسية الشبانية

قليل من الدراسات تناولت موضوع الثقافة السياسية في الجزائر. و هذا القليل المتوفر[14] لا يقوم على معطيات أمبريقية، و إنما على تأويلات تأملية، لهذا يصعب تتبع تطور التغيرات على مستوى الثقافة السياسية، مع غياب بنك أو مخزون للمعطيات يمكن الرجوع إليه للتحليل و المقارنة. و مع هذا، فإن الذين كتبوا حول هذا الموضوع يؤكدون على مجموعة من الخصائص تمتاز بها الثقافة السياسية لدى الجزائريين: أ- عدم الاهتمام، ب- الاغتراب، ج- الصراع الشديد في الثقافة  السياسية عند النخبة.

مع هذا و رغم غياب معطيات تراكمية، فإن المتتبع للتاريخ الحديث للجزائر يمكنه تبيان نمط الآراء و الموافق السياسية في أربع مراحل:

أ- إن السنوات التي تلت الاستقلال تميزت بالتماهي (Identification) مع النظام السياسي، فبعد حرب ثورية طويلة، جنّد السّكان لمهام نادى بها النظام السياسي.

ب- بعد الانقلاب العسكري سنة 1965، ظهرت أولى بذور المعارضة و النقد للنظام داخل النخبة الحاكمة و امتد ذلك إلى الأوساط الطلابية اليسارية، فبعد عمليات القمع الأولى نجحت السلطة في امتصاص معارضيها في بداية السبعينات.

ج- إن أولى معالم المعارضة الشعبية للنظام السياسي ظهرت في أواخر السبعينات و بلغت ذروتها في أحداث أفريل 1980 (الربيع البربري).

د- كانت هذه الأحداث بداية لسلسلة من المظاهرات ميّزت حقبة الثمانينات، و قد حرّكتها في الغالب الفئات الشبانية الأكثر اغترابا.

- إن التغيرات السياسية التي جرت بين 1989-1991، حفزت على المشاركة السياسية المتمثلة في التظاهرات السياسية الكثيرة خلال هذه الفترة، تزايد الجمعيات المدنية، الأحزاب السياسية و المشاركة في الانتخابات.

- بيّن المسح الميداني الذي أنجز خلال المدة القريبة المنصرمة، في ظرف جو سياسي مشحون و أعمال عنف رهيبة، مستوى متدني للمشاركة في الحياة السياسية عموما و في الحياة عامة. إن 6%  فقط من المُستوجبين خلال المسح ذكروا أنهم ينتمون إلى جمعية ما. و صرّح 13%  أنهم يشاركون في أنشطة ذات مصلحة عمومية. فبالرغم من تكاثر الجمعيات و الأحزاب منذ 1989، يبدو أن النساء و الرجال الجزائريين عادوا إلى اللامبالاة و السلبية السياسية. و يمكن رد هذه الوضعية إلى حالة اللاّ-أمن و إلى الضوابط الجديدة المفروضة على الحياة السياسية (فرض حالة الطوارئ، منع المظاهرات والتجمعات...). إن ما يعزّز موقف الشباب من العزوف عن السياسة، هو اعتقادهم أن هذه الأخيرة أمر معقد لا يمكن للمواطنين العاديين فهمه، فأكثر من 64%  من المُستجوبين يتبنون هذا الموقف.

أما فيما يتعلق بمواقف الشباب اتجاه النظام السياسي، فإن 38%  يحملون تقييما إيجابيا اتجاهه، في حين أن 51 % يعتقدون أنه نادرا ما يستجيب أو يهتم بطلبات و حاجيات المواطنين. و أغلب المستجوبين معنيين بالدرجة الأولى بإعادة استتباب السلم أكثر من أي شئ آخر. فهم يضعون هذا الطلب على رأس الأولويات التي يجب على النظام السياسي أن يحققها. و ذلك حين طُلب منهم أن يرتبوا حسب الأولوية مجموعة من الحاجيات التي على السلطات تلبيتها.[15]

لقد تأكد هذا الموقف خلال الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 1995، حيث سجلت المشاركة نسبة غير متوقعة (75%). و فسر أغلب الملاحظين نسبة المشاركة العالية على أنها نداء للسلم و رفض للعنف...ما يمكن ملاحظته في هذا المجال هو وجود فرق كبير بين فئة الشباب و غيرهم.

و فيما يتعلق بجانب آخر من الثقافة السياسية، حاولنا التّعرف على موقف الشباب من الممارسات و المؤسسات الديمقراطية، فيظهر من الأجوبة عدم وجود طلب ملح على إقامة مثل هذه الممارسات و المؤسسات، فإن نسبة 18%  فقط من المستوجبين أجابوا بنعم على السؤال الآتي: "هل تعتقدون أنه من المهام المستعجلة التي يجب على النظام السياسي أن يراعيها هي إقامة و تطوير المؤسسات الديمقراطية". و قد أكد المُستَجوبون على هذا الاتجاه و ذلك بالإجابة على سؤال آخر يرتبط بالصفات التي يجب أن يتحلى بها رجال السياسة، و من بين الصفات المقترحة في السؤال هي: التجربة، الأخلاق، العدالة، الالتزام، الانفتاح على الأفكار السياسية، فلم يقع الاختيار على هذه الأخيرة إلا من طرف 17%  من الشباب.

لا يمكن الجزم أو الاستنتاج من هذا وحده أن هناك غياب لثقافة ديمقراطية و أن هذه الأخيرة محصورة في نخبة صغيرة. و مع هذا –و بتحفظ- يمكن أن نقر أن هناك مؤشرات تبين أن الثقافة الديمقراطية ليست منتشرة بالشكل الكافي. و في أحد المؤشرات، بالإضافة إلى ما سبق هو حصول الأحزاب الديمقراطية في الانتخابات التشريعية في جوان 1997 على نسبة منخفضة (12 %) من مجموع أصوات الناخبين.

إذا كان إرساء قواعد الديمقراطية لا يشغل الجزائريين كثيرا في الظروف التي أنجز فيها البحث، فذلك مرده ربما إلى أن الديمقراطية لدى الكثيرين منهم اقترنت بالفوضى وكثيرا ما تُلام على كل ما وقع في البلاد منذ أحداث أكتوبر 1988. و عرف الانفتاح السياسي بعد هذه الأحداث، ميلاد أحزاب عديدة، ميزه كذلك نوع من الفوضى و غياب معايير العمل السياسي. و كذا تخلى الدولة عن جزء من مهامها التنظيمية، ما أدى إلى أحداث خطيرة: كالعصيان المدني و أحداث شغب أخرى، انتهت بإيقاف المسار الانتخابي و بعده دخول البلد في موجة عنف و أعمال إرهابية خطيرة.

إن هذا الظرف دفع كثير من المواطنين إلى الاعتقاد أن الديمقراطية غير صالحة للمجتمع و ما هي إلا حيلة استخدمت من طرف النظام السياسي ليستمر في الحكم... ما جعل أكثر من 50% يرفضون التعددية الحزبية، التي يحملونها جزء من الأزمة التي هزت البلاد. فظهر إذا، أن رفض القيم و المؤسسات الديمقراطية و آلياتها مرتبط إلى حد ما بالظروف السياسية و الاقتصادية للبلاد. فهذا الرفض لا يظهر أنه موقف مبدئي من الثقافة و المؤسسات الديمقراطية، فعندما سُئل أفراد العينة عن النظام السياسي الذي يخدم أفضل مصالح مواطنيه، فإن أكثر من 65 % عينوا أنظمة سياسية ديمقراطية غربية، تحتل فرنسا الصدارة بـ 39%  و الولايات المتحدة الأمريكية بـ 14% . إن عامل السن يفسر بعض الفروقات في الإجابة عن هذا السؤال: فبالنسبة للفئة التي تزيد أعمار أفرادها عن  الثلاثين سنة و ضعوا فرنسا في الصدارة بنسبة 41%  و الولايات المتحدة بـ 11%، أما الفئة التي تقل أعمار أفرادها عن 30 سنة فأجابوا بـ 36 % و 21 % على التوالي. هذا يعني أن هناك اهتماما متزايدا لدى الشباب بالانفتاح على أمريكا! و النظام السياسي الوحيد غير الغربي و الذي أتى ضمن اختيارات المستجوبين هو العربية السعودية بـ (12% ).

فهل هذه الاختيارات تعكس ميولا للأنظمة الديمقراطية أو هل تدل على انجذاب الشباب إلى حالة الرخاء الاقتصادي التي يفترض أنها تسود في هذه البلدان؟ فالمعطيات التي بحوزتنا لا تسمح بالإجابة الدقيقة عن هذا السؤال. إلا أن بعض الملاحظات الميدانية و الاستجوابات المطولة مع بعض الشباب تفيد أنهم يثمنون في الأنظمة الغربية التقدم الاقتصادي، القوة و كذلك العدالة الاجتماعية و دولة الرخاء التي تمنح كل أنواع الكفالات الاجتماعية كالضمان الاجتماعي و علاوات البطالة و غيرها. كذلك من بين القيم السائدة في الأنظمة الغربية و التي تلقى تقديرا لدى الشباب بهذه القيم السالفة الذكر أكثر من أنها آليات لترتيب و اشتغال المؤسسات السياسية.

فإذا كانت نظرة، مواقف و قيم الشباب لا توافق مواقف و قيم الثقافة السياسية الرسمية و لا تنطبق مع ما أصطلح على تسميتها في الأدبيات السياسة الغربية "بالثقافة السياسة المشاركة"[16] بمعنى الثقافة السياسية الحديثة، فهذا لا يعني البتة أنهم لا يملكون قيما و تصورات حول السياسة و النظام السياسي الذي يعيشون تحت ظله.

ففي الظروف التي تمر بها الجزائر، يؤكد الشباب على تصورات و قيم سياسية أخرى: العدل، النزاهة، المساواة، قيادة سياسية قوية... الخ. و لكن اتساع و انتشار الرشوة و الظلم الاجتماعي قضى على هذه القيم. فما يبتغيه الشباب و يثمنوه اليوم كان في نظر كثير من المواطنين مضيعة للوقت، حيث أن السياسة جعلت في خدمة المصالح الخاصة و تناحر الفرق و العصبيات داخل السلطة أضعف هيبة الدولة.

فالحاجة الملحة لقيادة سياسية قوية، تبرز في إجابة المستجوبين الشباب عن سؤال "أذكر شخصيتين أثرتا في تاريخ الجزائر المعاصر". أكثر الأسماء ترددا هي الأمير عبد القادر و هواري بومدين، نظرا لأن الأول قاوم طويلا الاستعمار و الثاني بدل جهده في بناء دولة الجزائر الحديثة. فعلى الرغم من أن فترة الثمانينات عرفت مرونة للحصول على المواد الاستهلاكية و عرفت حرية أكبر في التنقل، إلا أن لا أحد يذكر الشاذلي بن جديد الذي حكم البلاد في تلك الفترة. فأبرز اسم هو هواري بومدين، ما يدل على ارتباط وتثمين الشباب لقيم العدالة الاجتماعية، القوة و الكبرياء الوطني المنسوبة إلى فترة بومدين.

إن ما يظهر في الثقافة السياسية عند الشباب الحضري، هو استمرار لبعض الملامح و القيم الثقافية الأساسية. فالمساواتي  (égalitarisme)هي إحدى هذه العناصر التي تؤكدها نتائج البحث الميداني. و هي متجذرة في المقاومة الطويلة ضد الاستعمار و المضخّمة بواسطة الأيديولوجية الشعبوية منذ الاستقلال. فقيمة المساواتية تعمل كآلية لنـزع الشرعية عن السلطة و الثروة.

فأحداث أكتوبر 1988 مثلا لم تكن "مظاهرات الجوع" بقدر ما كانت تعبيرا عن مطالب مرتبطة بالعدالة الاجتماعية و سخط ضد الفروق الاجتماعية المتنامية، إذ أن 82 % من المستجوبين يرون أن الهوة بين الفقراء و الأغنياء قد تعاظمت. و شعور الشباب بحرمانهم من الاستفادة من حقهم في الثروة الوطنية، كان حافزا للرفض العنيف للنظام السياسي و النخبة الحاكمة، حيث يسود شعور حاد بين المواطنين الجزائريين أن بلدهم غني جدا، ولكن نظرا لتفشي الفساد، الرشوة و عدم الكفاءة بين المسيرين، فقد تسبب ذلك في إفقار البلد...

إن مرجعية السبعينات السياسية بالنسبة للشباب -رغم عدم معايشة أغلبيتهم لهذه الحقبة- تبرز الحنين إلى دولة الرخاء « L’Etat-providence » و القيم الوطنية، فقد يظهر إلى حد ما فيما سجلته بعض الأحزاب الوطنية الشعبوية في الانتخابات التشريعية لجوان 1997، و المتمثلة خاصة في عودة حزب جبهة التحرير الوطني.

الخلاصة

عرفت الجزائر تحولات عميقة و سريعة خلال الثلاث حقب الماضية. كانت هذه التحولات نتيجة لسياسة تنموية شاملة يرجع الدور الريادي فيها للدولة. فركائز هذه السياسة هي: التعليم الجماهيري، التمدن و التصنيع.

تحققت خلال الحقبتين الأولويتين إنجازات استفادت منها كل الشرائح الاجتماعية و خاصة فئة الشباب بحيث تم إدماجها في المجتمع عن طريق توفير مناصب شغل و منحها دور سياسي. فكانت مرحلة لحراك اجتماعي سريع و تجنيد سياسي كثيف.

إن بروز الصعوبات الاقتصادية، و استمرار الزيادة في نسب النمو الديمغرافي (على الأقل حتى منتصف الثمانينات)، انتكاس في الحراك الاجتماعي و المهني، غياب إصلاح سياسي و تعميق في التفاوت الاجتماعي، أدى إلى تهميش عدد كبير من الشباب الذين عبّروا عن اغترابهم و غضبهم بالنزول دوريا إلى الشارع، و النيل ممن ينظرون إليهم كمصدر لتهميشهم.

فالتظاهر ليست الوسيلة الوحيدة التي يعتمدها الشباب للبحث عن مكانة لهم داخل المجتمع. فاندماجهم الاقتصادي يسلك طرقا صعبة، فهم يستخدمون كل المصادر المتاحة لهم: العائلة، الدولة و الاقتصاد الموازي. و هم يتبنّون مواقفا و استراتيجيات توفيقية بين نماذج و قيم ثقافية لكي يحققوا اندماجهم الثقافي...فهذه الاستراتيجيات التي يحاول بها الشباب التوفيق بين نظام معياري و متطلبات براغماتية خلقت توترات، خصوصا عندما أبعدوا عن المساهمة في المجتمع الاستهلاكي. إن أكبر الصعوبات التي تواجه الشباب ترتبط بالاندماج السياسي، و هذا ما تجلى خلال التمثلات و المواقف التي عبر عنها في سبر الآراء والتي تعكس في جانب آخر مواقف و اتجاهات شعبوية رافضة للنظام السياسي.

إن المعضلة التي تواجه النظام السياسي الجزائـري هي تزامن طلبات ذات طبيعة مختلفة، فمن جهة تواجهه تظلمات اقتصادية، اجتماعية و من جهة أخرى تُطرح عليه طلبات ملحة للمشاركة    و المحاسبة السياسية.

إن تطبيق الإصلاح الاقتصادي لم ترافقه سياسة اجتماعية ملائمة و فعالة، ما زاد في تفاقم أوضاع الفئات الدنيـا. أما الإصلاحات السياسية فلم تنجح أو تعمل على إدماج الشباب في المجتمع. إن ما يبعث على القلق هو أن جزءًا كبيرًا من أسباب الغضب و العنف ما زال قائما، و إذا لم يُبذل جهد حقيقي لاسـتيعابها فقد يكون التظـاهر و العنف هما وسيلتا التعبير الوحيدان المتبقيـتان للشبـاب.

المراجع

Charef, A. (1994), L’Algérie, le grand dérapage, Paris, Éd. de l’Aube.

Boukhoubza, M. (1991), Octobre 88, évolution ou rupture ? Alger, Éd. Bouchène.

Hadj-Ali, S. (1994), « L’Islamisme dans la ville », Monde Arabe-Maghreb/ Machrek, 1er trimestre.

Diamond, L. (1994), Political culture and democracy in developping countries, London, Éd. Boulder.

Benatia, F. (1980), Alger : Agrégat ou cité ? Alger, SNED.

Vergès, M. « La Casbah d’Alger : chronique de survie dans un quartier en sursis », in NAQD, n° 6.

Boumaza, Z. (1997), « La rue dans le vieux-Constantine : Espace public, marchand ou lieu  de sociabilité ? in Insaniyat, Oran, n°2, Automne, p. 27-46.

Al Aïdi, A. (1995), « Jeunesse en Algérie : représentations et enjeux inédit ».

Rouadjia, A. (1990), Les frères et la mosquée, Paris, Éd. Karthala.

Moussaoui, A. (1991), La mosquée au péril de la commune, Document URSAC.

Leveau, R. (1995), (dir.), L’Algérie dans la guerre, Paris, Éd. Complexe.

Quandt, William, B. (1969), Revolution and political leadership: Algeria, 1954-1968, Éd. M.I.T. Press.

Entelis, J-P. (1986), Algeria: The revolution instutionalized, Colorado, Éd. Westwiew Press.

Almond, Gabriel et Verba, S. (1993), The civic culture: political attitudes and democracy in five nations, Princeton.

Bennani, Ch. (1993), M. Les représentations du monde des jeunes Marocains, Thèse de doctorat, I.E.P, Paris.

Tessler, M. (1994), The Origins of popular support for Islamic movements, Center for International Studies of Milwaukee.  

 الهوامش

* مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات، عدد 5، ماي-أوت 1998.

[1] مظاهرات أخرى كان حضور و دور الشباب فيها كبيرا، سبقت أحداث أكتوبر 1988 وقعت في سنوات 1982 بوهران، 1986، في  قسنطينة و سطيف...إلخ و المحاولة التنظيرية لهذه الأحداث راجع:

Colonna, F. (1996), « Sur le passage de l’émeute à l’attentat collectif (1978-1996) », in Monde arabe Maghreb- Machrek, N° 153, p. 40-47.

لأكثر تفاصيل حول أحداث أكتوبر انظر:

Charef, A. (1994), L’Algérie, le grand dérapage, Paris, Ed de l’Aube.

Boukhoubza, M. (1991), Octobre 1988, évolution ou rupture, Alger.

[2] حول الطابع المدني للحركة الإسلامية انظر :

Hadj Ali, S. (1994), « L’islamisation dans la ville », Monde Arabe Maghreb / Machrek, 1er trimestre, p. 69-74.

[3] إن مسألة التهميش هي ليست عملية مطلقة بل تقع وفق صيرورة جدلية: أي كلما حدث تهميش لفئة معينة تقابله محاولات للاندماج حسب طرق مختلفة.

[4] Diamond, L. (1994), Political culture and democracy in developing countries, London, Boulder, p. 7.

[5] أنجز هذا البحث في إطار شراكة علمية بين كل من جامعة وهران ، وجامعة الرباط (المغرب) والمعهد الأمريكي للدراسات المغاربية  .(AIMS)

[6] لأكثر تفاصيل حول هذه النقطة أنظر:

Benatia, F. (1980), Alger, Agrégat ou cité ? Alger, SNED.

[7] Vergès, M., « La Casbah d’Alger : chronique de survie dans un quartier en survie », in NAQD, Alger, n° 6.

[8] Boumaza, Z. (1997), « La rue dans le vieux Constantine : espace public, marchand ou lieu de sociabilité », in Insaniyat, Oran, n°2, Automne, p. 27-46.

[9] Ibid, p. 32.

[10] ذكر في:

El- Aïdi, A. (1995), « Jeunesse en Algérie, représentation et enjeux », Inédit, p. 9.

[11] حول أدوار مؤسسة المجسد و علاقتها مع الحركة الإسلامية، انظر:

Rouadjia, A. (1990), Les frères et la mosquée, Paris, Karthala.

 [12]مثال على هذه الدراسات مجموعة المقالات المنشورة في كتاب:

Leveau, R. (1995), (dir.), L’Algérie dans la guerre, Éd. Complexe, Bruxelles.

[13] Ibid.

 [14]حول المصادر الأنجلوساكسونية التي عالجت موضوع الثقافة السياسية من بين مواضيع أخرى على سبيل المثال:

Quandt-William, B. (1969), « Revolution and Political Leadership: Algeria, 1954- 1968 ». Cambridge, MIT Press.

Entelis-John, P. (1986), « Algeria the Revolution institutionalizes », Westwiew Press.

[15] في سبر للآراء أنجزته الجريدة اليومية El Watan "الوطن" في ديسمبر 1992 كانت الأولويات آنذاك لمشكلة التشغيل و السكن ب  26 %، أما الأمن فجاء في المرتبة الأخيرة ب 12 %.

[16] هذه المصطلحات مستخدمة من طرف إقتراب نظري للعلوم الساسية المقارنة في أمريكا بالخصوص أهم ممثليه :

Almond, G., et Verba, S. (1963), The Civic culture; political attitudes and democracy in Five nations, Princeton (N. J.), Princeton University Press.


The association phenomena in the light of current reforms in Algeria: reality and perspectives

The aim of this study is to enquire into the reality of the association phenomena in Algeria in order to understand its way of formation and evolution by answering the following questions:

1- What does this great proliferation of associations mean? Is for example an answer to the traditional associative movement crisis?

2- Does this phenomena express the deep changes in the socio-political system or does it announce a true rupture and real dynamism in contradiction with former State management characterized by the nationalization of society and the saturation of a welfare State?

3- Are we faced with, through an analysis of association characteristics and way of functioning, questions relating to their importance and influence, to their deeply rooted level and the impact of their activities in the social force space?

4- Can we consider the associative phenomena in Algeria as an adequate organized framework to lay down the bases for a democratic culture allowing the development of an efficient civil society, a primordial partner, necessary for   public power?

To answer these questions, we consider them in detail from three angles:

- Association characteristics and main features,

- Sociological components of the staff involved and the people in charge of the associations,

- Position and performance of the people in charge and the associative activity, current and future

Keywords: civil society associations - human rights - democracy. 


تميزت عملية بناء و إعادة هيكلة المجتمع الجزائري منذ الاستقلال (1962) إلى غاية 1989، بمنطق احتكار السلطة و التصور الشمولي للمجتمع بزعامة الدولة، التى كانت تعتبر نفسها الفاعل الرئيسي و الوحيد في إجراء التغييرات الاقتصادية و الاجتماعية.

عمدت الدولة، لكي تحقق مبتغاها، إلى خلق أشكال من التجنيد و التأطير الاجتماعيين، كالمنظمات الجماهيرية و الاتحادات المهنية قصد المراقبة عن قرب و تطويق مختلف الفئات الاجتماعية و خاصة تلك التي تحاول أن تنشط داخل تنظيمات مستقلة، أي خارج الاطار المؤسساتي الرسمي و الإيديولوجي.

و لكن في بداية التسعينات و بتزامن مع عهد الانفتاح و الإصلاحات التي عرفها كل من المعسكر الاشتراكي و بعض بلدان الجنوب. و تبعا لأحداث أكتوبر (1988) الأليمة و تأزم الوضع الاقتصادي و السياسي و الأمني في الجزائر؛ أجبرت كل هذه العوامل الدولة على الاقتناع بضرورة تليين النهج الاحتكاري التسلطي و إعطاء الفرصة لمختلف شرائح المجتمع كي تشارك و تساهم بطرق حرة و دون و صاية مؤسساتية في تسيير و تشييد البلاد من أجل تحسين أوضاع و ظروف حياة المواطنين.

لقد مكّنت الإصلاحات المؤسساتية و السياسية من حدوث انفجار -فريد من نوعه في تاريخ الجزائر المستقلة- للظاهرة الجمعوية و بالتحديد بعد صدور قانون 4 ديسمبر 1990 المتعلق بشروط إنشاء و تنظيم الجمعيات السياسية و غير السياسية. و بالفعل، عرف الفضاء الجمعوي ظهور عدد هائل و غزير من الجمعيات التقليدية الاجتماعية و الخيرية و كذا الجمعيات العصرية التي انكبت مجالات تدخلها و اهتماماتها نحو قطاعات جديدة مثل حقوق الإنسان، حقوق المرأة، الدفاع عن البيئة، الدفاع عن اللغة الأمازيغية، الحقوق المهنية و حقوق ضحايا الإرهاب و المفقودين إلخ...

نحاول التعرف على واقع الظاهرة الجمعوية في الجزائر من خلال فهم نمط تشكلها و تطورها عن طريق الإجابة على التساؤلات التالية:

1- ما هو معنى و مغزى هذا التكاثر الهائل للجمعيات؟ أهو إجابة على أزمة الحركات الاجتماعية التقليدية مثلا؟

2- هل هذه الظاهرة تنبئ فعلا ببروز تحولات جذرية في النظام السياسي/الاجتماعي، و تعبّر عن قطيعة حقيقية و ديناميكية مخالفة لنمط تسيير الدولة السابق و الذي تميز بدولنة المجتمع (Etatisation de la société) و وصول الدولة السخية إلى مرحلة الإشباع؟

3- من خلال تحليلنا لخصائص الجمعيات و نمط هيكلتها، نتساءل عن وزنها و تأثيراتها، و مستوى تجذرها في المجتمع، و مكانتها و تأثيراتها في القوى الاجتماعية؟

4- هل يمكن أن نعتبر الظاهرة الجمعوية في الجزائر إطارا مناسبا و مُميّزا و مُنظما لإرساء و تطوير ممارسة الثقافة الديمقراطية التي بموجبها يُفسح المجال لظهور مجتمع مدني فاعل و شريك أساسي و ضروري للسلطات العمومية؟

للإجابة على هذه التساؤلات، سنتناول بالتفصيل ثلاثة محاور أساسية و متكاملة[1] و هي:

1- الملامح و الخصائص الرئيسية للجمعيات.

2- المكونات السوسيولوجية لإطارات و مسؤولي الجمعيات.

3- موقف و تمثلات مسؤولي الجمعيات للعمل الجمعوي و وضعه الحالي و المستقبلي.

يُعتبر تاريخ الحركة الجمعوية في الجزائر حديث العهد و لم يحض باهتمام كبير من طرف الباحثين. و يمكن إبراز ثلاث مراحل رئيسية و مختلفة طبعت الحركة الجمعوية في الجزائر نوجزها فيما يلي:

1. المرحلة الكلونيالية

عرفت هذه المرحلة ظهور عدة جمعيات تقليدية من نوع كموني، إثني و ديني (كالزوايا مثلا) في بداية القرن العشرين على وجه التحديد، و اقتصر مجال تدخلها عموما على النشاط الأخلاقي، الخيري، التعاوني ذي المنفعة العامة كـ ''التويزة'' [2] مثلا، و كثيرا ما عمدت الرأسمالية الكلونيالية الى تهميش هذه الجمعيات أو استعمالها خدمة لمصالحها و ترسيخ تواجدها و بسط نفوذها.

تلتها بعد ذاك أشكال جديدة من الجمعيات: نخبوية مختلطة (جزائرية/أوروبية)، حضرية و اندماجية، ثم بعدها جمعيات جزائرية أهلية مطالبة بهويتها المسلمة و معارضة للتواجد الاستعماري، نشطت و ناضلت داخل الجمعيات الرياضية و الثقافية على وجه الخصوص.

و تحولت معظم هذه الجمعيات إلى حركة اجتماعية كرست جهودها للالتزام بالنضال السياسي و الإيديولوجي، إذ أصبحت تدريجيا مصدرا مُعتبرا لتمويل حركة التحرر الوطني من مناضلين عسكريين و أطر سياسية داخل مختلف الأحزاب و النقابات الجزائرية.

2.مرحلة ما بعد الاستقلال إلى غاية 1989

اتسمت هذه المرحلة بعملية دولنة المجتمع، أي سيطرة الدولة و احتكارها لمختلف المؤسسات و الهياكل الاقتصادية و فضاءات التنشئة الاجتماعية و تأميمها بواسطة خلق جهاز تشريعي و قانوني قهري و تمايزي منع كل المحاولات التنظيمية غير الرسمية التي كانت تريد أن تنشط خارج الإطار المؤسساتي للحزب الواحد. و تَرسّم هذا الإجراء نهائيا[3] بعد صدور قانون فبراير 1971 الذي يوضح موقف النظام السياسي من الجمعيات الموازية عن طريق فرض الاعتماد المزدوج و الموافقة الرسمية من طرف الوالي و وزير الداخلية لأي جمعية تنوي أن تنشط خارج مؤسسات الدولة و حزب جبهة التحرير الوطني.

و من نتائج هذه الإجراءات الاحتكارية و مركزية سلطة القرار إفقار و إضعاف الحياة الجمعوية و منع بروز هياكل و مؤسسات و سيطة كالجمعيات ادى ذلك الى توسع الفجوة بين الدولة و المجتمع. و أحدث ذلك تصاعد السخط الاجتماعي و تزايد الاحتجاجات الفوضوية و الفتن و تعطيل نمو الثقافة الديموقراطية و المشاركة في الحركة الجمعوية. و قد تحوّلت المُنظمات الجماهيرية إلى وسائل َمميّزة للحصول على الترقية الاجتماعية و الامتيازات المختلفة.

3.المرحلة الثالثة من 1990 إلى اليوم (نحو فضاء جمعوي غير ناضج و غير مكتمل)

شهدت هذه المرحلة ظهور عدد وفير من الجمعيات التقليدية و العصرية (ما بين 1990 إلى 1995) بموجب قانون الجمعيات المؤرخ في 4 ديسمبر 1990، الذي ألغى أغلبية الشروط التعجيزية و التمييزية السابقة، و على رأسها الاعتماد المزدوج.

و يمكن إرجاع هذا الانفجار الجمعوي حسب رأينا إلى سببين رئيسيين:

أ- سبب سياسي: و الذي يعّبر عن الطلب الهائل و القوي للتحرر الاجتماعي و طلب الحقوق المختلفة نتيجة تراكم الكبت الاجتماعي، مما أنتج ردود أفعال كثيرا ما كانت معادية لكل ما يصدر من الدولة التي انعدمت ثقة المجتمع فيها، خاصة من طرف الفئات الوسطى الحديثة العهد. هذه الأخيرة، تأثرت كثيرا بالأزمات المتعددة الأبعاد كالعجز الواسع للفضاءات الديمقراطية، و التراجع الاجتماعي الدى عانت منه و هنا فسح المجال لبروز الإيديولوجيات المتطرفة من بينها الإسلاموية في الجزائر.

ب- سبب اقتصادي: الذي تزامن مع أزمة الدولة السّخية، و التي تُرجمت بالتراجع الفجائي للدولة في تدعيم أهم القطاعات الاقتصادية و الاجتماعية حتى تُصحح الاختلالات الرئيسية و الهيكلية بإيعاز من صندوق النقد الدولي )البنك العالمي( قصد إتباع و تطبيق سياسة التصحيح الهيكلي كمخرج من الأزمة التي لم تظهر مؤشرات تراجعها بعد.

.I نمط تشكل الجمعيات وخصائصها الرئيسية

عندما نتطرق إلى موضوع تصنيف الجمعيات لا بد أن نشير إلى صعوبة منهجية تتعلق بإيجاد مقاييس موضوعية و إجرائية تمكننا من التعرف على طبيعة تشكل الجمعيات و من ثمة استخراج بعض النماذج و إعداد تصنيف الفضاء الجمعوي و وضعه الحقيقي و آفاق تطوره، إن المعاينة الميدانية و الملاحظات الهامة التي استقيناها ساعدتنا على تقديم بعض الملامح و النماذج التي ما زالت في طور التكوين وهي:

- هناك فوارق واضحة بين الأهداف المعلنة للكثير من الجمعيات و النشطات الفعلية و الواقعية، الشيء الذي يدفعها إلى القيام بعدد كبير من النشاطات، و محاولة تحقيق أهداف مختلفة في الوقت نفسه دون إمكانيات مادية و بشرية، و دون أن تفرق كذلك بين ما هو أهم وما هو مهم. و هذا طبعا يدل -بشكل واضح- على ضعف و قلة تجربة إطارات الجمعيات، و تعدد و تضارب الأهداف بين مسؤولي الجمعيات الرسمية، و رغبات القاعدة الاجتماعية للجمعية.

- وجود بعض الجمعيات ذات الطابع الاحتجاجي المطلبي غير المعلن أو التي تعمل تحت وصاية الأحزاب السياسية أو السلطات العمومية. جمعيات تبتعد تدريجيا عن أهدافها الأصلية لتتحول إلى مركز و أداة للترقية الاجتماعية لبعض مسؤوليها و هذا ما يصعب من تصنيف و ترتيب هذه الجمعيات.

و على العموم، فإن النموذج البارز للجمعيات يتمثل في سيطرة الجمعيات ذات الدور المُكّمل و المدعم للسلطات العمومية في المجالات التي تخلت عنها الدولة، ألا و هي القطاعات الاجتماعية الثقافية و الرياضية بالدرجة الأولى، كما يوضحه الجدول التالي:

 

جدول يوضح توزيع الجمعيات حسب طبيعتها

النسبة المئوية

التكرار

طبيعة ونوع الجمعية

41.72 %

111

الجمعيات الاجتماعية

25.18 %

67

الجمعيات الثقافية

13.53 %

36

الجمعيات الرياضية

7.140 %

19

الجمعيات المهنية

5.260%

14

جمعيات أولياء التلاميذ

2.63 %

70

لجان الأحياء

2.63 %

70

الجمعيات الدينية

1.87 %

50

الجمعيات الطلابية

100% [4]

266

 المجموع

يتبين جليا من الجدول أعلاه نموذجان غير متكافئين للجمعيات: المجموعة الكبرى المتألفة من الجمعيات الاجتماعية، الثقافية و الرياضية و التي تمثل أكثر من 80%  من مجمل الجمعيات. إن معظم هذه الجمعيات لا تشكل خطرا على الدولة، و لا تزاحمها في مجال فعلها، بل بالعكس تُسخرها الدولة لملء الفراغ الذي تركته في هذه القطاعات، أما القسم الباقي (20% )، فإنه يتكون من الجمعيات المطالبة ببعض الحقوق "الخجولة" و التي لا تشكل أي إزعاج للدولة أو السلطات العمومية، مادام أنها مبعثرة و متفككة و غير منظمة، لا يمكنها أن ترقى إلى مجموعة محلية أو وطنية ضاغطة.

تمثل الجمعيات ذات الحجم الصغير و التي يتراوح عدد أعضائها ما بين 20 و45 عضوا، أكثر من 50 % من مجمل الجمعيات المدروسة، بينما تشكل الجمعيات التي يتراوح عدد أعضائها ما بين 45 و 200 عضوا، 35 % من العينة نفسها (جمعيات من الحجم المتوسط).[5]

ما يزيد من ضعف وهشاشة هذه الجمعيات ندرة الجمعيات الوطنية وتمركز جلها في العاصمة، و كثرة الجمعيات الأهلية غير المعروفة، والمتقاعسة، مما لا ينبئ بتكوين فضاء جمعوي فاعل و متماسك.

إن أزمة المشاركة الجمعوية ما هي إلا نتيجة لرفض الدولة التي تخلت عن المجتمع و رفضت الاعتراف بضرورة التعامل مع مختلف الشرائح الاجتماعية و إشراكهم في مجمل المشاريع الإنمائية المحلية. هذا من جهة و من جهة أخرى، بروز المصالح الفردية لمسؤولي الجمعيات، و تضاربها مع أهدافها.

و قد أظهرت دراسة وطنية[6] حول المشاركة الجمعوية أنجزناها في 2007 أن نسبة المشاركة الجمعوية في الجزائر بلغت45 % فقط، بينما وصلت 11 % في المغرب، و تتراوح في فرنسا على سبيل المقارنة ما بين 38 %  و 42 % [7]، حيث تنشأ فيها سنويا 80.000 جمعية جديدة.

عند العودة إلى الفترات الزمنية لنشوء الجمعيات في الجزائر، فإننا نستخلص ما يلي:

- ظهور أغلبية الجمعيات فور صدور قانون 4 ديسمبر 1990 إلى غاية 1995 مقارنة بالفترة ما قبل 1990، إذ أن هذه الأخيرة لم تتعد نسبتها 18 % من العدد الإجمالي، جلها من الجمعيات الرياضية، جمعيات أولياء التلاميذ و الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي، خاصة جمعيات المُعوّقين.

- نشوء الأغلبية العظمى من الجمعيات بعد سنة 1990 وفق منحنى تصاعدي و مكثف، رغم الوضعية الأمنية الصعبة التي عانت منها الجزائر. و لكن هناك تراجع تدريجي ملموس لعدد كبير من الجمعيات بعد سنة 1995، و كذا الموت البطيء لقسم معتبر منها أو فور نشوئها مباشرة، ما يدل على ضعف الثقافة و التقاليد الخاصة بأشكال التنظيمات الجماعية و ركود الالتزام السياسي و المدني و الاجتماعيين في المجتمع بعد ثلاثة عقود من الأيديولوجيا الشعبوية.

التوزيع الجغرافي و نمط استيطان الجمعيات

تعد الظاهرة الجمعوية في الجزائر ظاهرة حضرية، إذ أن التطور العمراني كثيرا ما انجر عنه التضاؤل التدريجي للأطر التقليدية غير الرسمية لفضاءات التنشئة الاجتماعية. إن التحضُّر العمراني و ما تبعه من حراك مكثف في المجال الجغرافي و المهني و الاجتماعي، و كذا تفكك الروابط الاجتماعية و بروز النزعة الفردية و التوسع الفجائي للفئات الوسطى وتزايد حاجياتها وكثرة الآفات والمشاكل الاجتماعية؛ أدّى إلى تمركز جل الجمعيات في المدن، و يبدو أن هناك توزيعا جغرافيا معينا لأنواع الجمعيات، إذ نلاحظ تركز الجمعيات الثقافية، الصحية والاجتماعية في مركز المدينة، بينما تنتشر وبدرجة أقل الجمعيات الرياضية ولجان الأحياء بحواشي المدينة و القرى المجاورة لها.

النشاط و الحياة الداخلية للجمعيات

تعيش أغلبية الجمعيات في السنوات الأخيرة[8] نوعا من البرودة و الفتور، ما أدى إلى شل نشاطها أو عدم انتظامه على العموم، إن العدد القليل من الجمعيات التي تشذ عن القاعدة و تصارع من أجل البقاء تعاني من ثلاث مشكلات رئيسية هي:

- تتعلق الأولى بالجانب القانوني و التشريعي الذي يرسم و يوضح طبيعة العلاقات الواجب تأسيسها و تطويرها بين السلطات العمومية و الجمعيات، فالفراغ و الغموض القانوني أفرزا علاقات الحذر و الاتهامات المتبادلة و إدخال بعض الجمعيات في صراعات سياسوية أفشلت كل محاولة لتنمية علاقات الشراكة و المساهمة الجادة والعمل النزيه و الشفاف بين الطرفين. و بالتالي، العمل على حل المشاكل المتزايدة للفئات الاجتماعية.

- و تمس الثانية الجانب التنظيمي و فن التسيير الديمقراطي للجمعيات و ضعف المهارات المهنية، الشيء الذي أدى إلى غياب الإعلام و قلة الاجتماعات و عدم رفع التقارير المكتوبة و انعدام استراتيجية واضحة لدفع الجمعية نحو فرض وجودها و البحث عن مصادر التمويل؛ كل ذلك أبطل تحقيق البرامج و الأهداف التي تأسست الجمعيات من أجلها.

- و تتمثل الأخيرة في معاناة أغلب الجمعيات النشيطة من قلة الإمكانيات المادية و المالية و المقرات الدائمة، ما يُخضع الجمعيات لأهواء المسؤولين المحليين و كذا للضغوطات المختلفة لأجل إدخالها في اللعبة السياسية، فعلى سبيل المثال تُمثل المشاكل المتعلقة بالجوانب المادية 34 % تليها مشكلة المقرّات بـ 30 % والمشاكل البيروقراطية بـ 16 % حسب تصريحات مسؤولي الجمعيات.

برامج الأنشطة الجمعوية و المساعدات المالية

تدُلنا نوعية وكثافة النشاطات المبرمجة و كذا مصادر التمويل و المساعدات التي تحصل عليها الجمعيات على نوعية ومستوى ديناميكيتها و درجة استقلاليتها. و في هذا السياق، تؤكد أو تدّعي نسبة كبيرة (90 %) من الجمعيات قيامها ببرمجة نشاطات مكثفة سنويا، إذ تتراوح نسب إنجازها ما بين 50%  و 75 %، و لكن جل هذه النشاطات غير منتظمة و ذات تأثير ضعيف و غير فاعل على مستوى التغيير الاجتماعي.

هذه النسب المُعبَر عنها هي إجابة عن استفسار حول غياب مشاريع هادفة، و عن الأسباب التي تحول دون إنجاز النشاطات المُبرمجة. كما تعكس جانبا من المغالاة و التضخيم في المبررات التي كثيرا ما تخضع للمنطق الاتكالي و لإرجاع اللّوم على الدّولة و السلطة المحلية.

تتلخص الأسباب الحقيقية لتفشي فتور وركود النشاطات الجمعوية أساسا فيما يلي:

- سوء التفاهم القائم بين مسؤولي الجمعيات.

- ضعف التنظيم المحكم و المشاركة الجماعية و غياب الحكم الراشد و الثقافة الديمقراطية.

- و أخيرا قلة الإمكانيات و الموارد المالية.

أما فيما يخص المساعدات المالية و مصادرها، نجد أن 68 % من الجمعيات استفادت من مساعدات مالية أغلبها صادرة من السلطات العمومية (الولاية و البلدية)، غير أن الجمعيات الرياضية تستحوذ على 80 % من هذه المساعدات المالية الاجمالية.

فإضافة إلى تحيّز السلطات العمومية في طريقة توزيع هذه المساعدات المالية، فإن هذه العملية تتم في مجملها في ظروف غامضة، و قلما تستفيد منها الجمعيات النشيطة بينما تستفيد منها تلك التي تنشط تحت لواء أحزاب الائتلاف الحكومي بالدرجة الأولى، إذ يتم بالمقابل مكافئها من أجل تعبئة أعضائها خلال الحملات الانتخابية و الدعاية لمسؤوليها و التشهير بمنافسهم.

يحد هذا التصرف بدرجة كبيرة من استقلالية و مصداقية هذه الجمعيات و يعطل تشكل فضاء جمعوي حيوي و قوي، خاصة عندما نتعرف على شبكة العلاقات المتبادلة التي يجب أن تؤسسها الجمعيات لتوحد جهودها و تنسق نشاطاتها كي تنمي روح التعاون و التكامل فيما بينها. و هنا نلاحظ أن هذه الشبكة تكاد تكون منعدمة و تتصف بمحدوديتها جغرافيا و قطاعيا و هي غير منتظمة و لا تتعدى بعض التبادلات أو الاتصالات الظرفية، و لا تتجاوز حدود الولاية.

نموذج وتيبولوجيا الجمعيات

لقد أدّت الاستراتيجيات المختلفة التي تتبعها الجمعيات في تحقيق أهدافها و كذا علاقاتها و تعاملها مع الدولة في ظل موازين القوى القائمة و مكانة كل طرف فيها، إما إلى إفراز علاقة خضوع الجمعيات و مبايعتها للدولة و إما إلى إفراز علاقة تناحرية و مطلبية احتجاجية دون السعي وراء تغيير النظام السياسي أو إما إلى إفراز علاقة شراكة إيجابية تُؤسس حول تنفيذ و إنجاز مشاريع وحل مشاكل المواطنين.

و انطلاقا مما سبق يمكن اقتراح ثلاثة نماذج جمعوية في طور التشكل أهمها:

- نموذج من الجمعيات (وهي الأغلبية) المساندة و الخاضعة لأوامر السلطة المركزية و العمومية، و معظمها من بقايا المنظمات الجماهرية و الاتحادات المهنية التي تأقلمت مع الأوضاع الجديدة، سواء بالاستمرار في الهياكل السابقة نفسها أو بخلق جمعيات جديدة وطنية مثل جمعيات مساندة لبرنامج رئيس الجمهورية أو الجمعيات الاجتماعية و الدينية كالزوايا على وجه التحديد و التي تلقى دعما من طرف السلطة.

- النموذج الثاني: و يقلّ عدديا عن النموذج السابق و نقصد به تلك الجمعيات الاحتجاجية و المطلبية و ذات الحساسية السياسية و هي نوعان:

النوع الأول مما يتكون من جمعيات الدفاع عن الحقوق مثل حقوق الإنسان و المرأة و اللغة الأمازيغية و العربية و البيئة...

و النوع الثاني يتمثل في الجمعيات الدينية الإسلامية المرتبطة بأحزاب سياسية مثل حمس[9] و مناضلي الحزب المُنحل (حزب جبهة الإنقاذ)…الخ

- و قد بدأ النوع الثالث في الظهور تدريجيا و يتمثل في الجمعيات التي تُشبه كثيرا مكاتب الدراسات و التي تتعامل مع المنظمات الدولية مثل الاتحاد الأوربي أو جمعيات التنمية المحلية التي تمولها التنظيمات الدولية و الجالية الجزائرية القاطنة في المهجر و التي تقوم بتمويل الكثير من المشاريع الإنمائية في مناطق مختلفة من البلاد و كذا في القطاع الخاص.

التركيب السوسيولوجي لمسؤولي الجمعيات (نحو إعادة التموضع الاجتماعي و استعادة الموقع الاجتماعي المفقود)

تُعتبر الجمعيات مجالات مميزة للتنشئة الاجتماعية و يأخذ الانضمام إليها معان و خلفيات مختلفة حسب أهداف و مصالح و قناعات كل فرد. و قد تتأرجح دوافع أعضاء الجمعيات ما بين المصالح الشخصية الضيقة كالحصول على امتيازات، سمعة أو ترقية اجتماعية أو الاندماج المهني/الاجتماعي و التطوع لمساعدة الآخرين أو القيام بأعمال مجانية ذات المنفعة العامة. و قد أوضحت نتائج الدراسة أن 80%  من مسؤولي الجمعيات يصرحون بأن الدوافع الرئيسية لتواجدهم في الجمعيات ترمي إلى الاندماج المهني و الاجتماعي و المنفعة الخاصة و العامة.

إن توسع الفئات الاجتماعية الوسطى ما بين فترة 1975 و 1985 جراء تعميم و"دمقرطة التعليم" و الطلب المتزايد و الهائل على الإطارات الوطنية الفنية اللازمة لتسيير الشركات آنذاك؛ كل هذا مكّن العديد من خريجي الجامعات الاستفادة من حراك مهني و اجتماعي مُعتبرين. و لكن بعد انخفاض أسعار البترول سنة 1986[10]، و دخول الجزائر في أزمة اقتصادية و سياسية خانقتين، تأثرت هذه الفئات الوسطى بشكل واضح وأصبحت تعيش تدهورا في ظروف حياتها، و لهذا أقدم الكثير من هذه الإطارات على رئاسة الجمعيات بحكم أن ذلك وسيلة مميزة لاسترجاع مكانتهم الاجتماعية المفقودة و محاولة منهم لإعادة التموضع الاجتماعي.

يتضح لنا عندما نتفحص الخصائص السوسيولوجية لهؤلاء أن جل أعضاء مكاتب الجمعيات يتوفرون على مستوى أكاديمي عال، وهم من أصول اجتماعية متوسطة على العموم كما يبرز في الجدولين التاليين:

جدول يوضح المستوى الأكاديمي لمسؤولي الجمعيات

النسبة المئوية

التكرار

المستوى الدراسي

41.37 %

312

مستوى جامعي

41.77 %

315

مستوى ثانوي

11.93 %

90

مستوى تعدادي (متوسط)

4.11 %

31

مستوى ابتدائي

0.79 %

60

 أمي

100 %

754

المجموع

يتبين من الجدول أعلاه أن 83  %من أعضاء مكاتب الجمعيات يتوفرون على مستوى دراسي معتبر (ثانوي وجامعي)، و لكن مستوى و نوعية التأطير تختلفان من جمعية إلى أخرى، إذ تحظى مثلا الجمعيات الثقافية و الصحية بتأطير جيد و مستوى عال، بينما يتدنى هذا المستوى كثيرا في الجمعيات الرياضية و الاجتماعية (جمعية المعوقين) و كذا في لجان الأحياء.

 

جدول يبرز المكانة الاجتماعية لأعضاء مكتب الجمعيات

المحاسب

الكاتب العام

نائب رئيس

رئيس الجمعية

الفئات الاجتماعية

26.31 %

40

26.66 %

40

31.92 %

53

39.71%

83

الفئات العليا

68.42 %

104

65.33 %

98

63.25 %

105

53.11%

111

الفئات الوسط

5.26 %

8

8 %

12

4.81%

8

7.17 %

15

الفئات الدنيا

100 %

152

100%

150

100%

166

100%

209

المجموع

يتبين من الجدول أعلاه أن نسبة الفئات الوسطى تتراوح بين 53.11%  و ما يقارب 69%  بصفتها إطارات للجمعيات، وإذا أضفنا لها الفئات الاجتماعية العليا، فإن هذه النسبة تتراوح ما بين 85 % و 90 % ، بينما نجد أن نسبة الفئات الدنيا -المتكونة عموما من العاطلين أما العمال المستخدمين البسطاء- لا تتعدى 8 % من مجمل إطارات الجمعيات (رئيس الجمعية، النائب، الكاتب العام، المحاسب).

تقود الظاهرة الجمعوية الفئة الشبانية بالدرجة الأولى، إذ تبلغ الشريحة العمرية لهذه الفئة ما بين 20 و 30 سنة أي 40 % تقريبا، نصفهم من العزاب و النصف الآخر من المتزوجين. و 60 % منهم يحتكون لأول مرة بالعالم الجمعوي و ليست لديهم أي خبرة مسبقة في هذا الميدان، إذ ينشطون داخل هذه الجمعيات بصفة مجانية. و تتواجد ضمن صفوف الجمعيات الوطنية التي تتوفر على إمكانيات مالية منتظمة أقلية من الاجراء الدائمين و هذا مؤشر آخر على غياب الاحترافية في الفضاء الجمعوي.

ما يلاحظ على الظاهرة الجمعوية تهميش العنصر النسوي و نذرته، فضمن الحركة الجمعوية المبحوثة لا يتعدى عدد النساء 35 امرأة و 20 % ، منهن تتواجدن ضمن مكاتب الجمعيات. ويبدو أن مجالات تواجدهن يقتصر على الجمعيات الاجتماعية و الصحية على وجه الخصوص.

أما بالنسبة للفئات المهنية، فإننا نلاحظ سيطرة ثلاث فئات مهنية/اجتماعية في الحركة الجمعوية و هي: إطارات سلك التعليم في المرتبة الأولى تليهم فئة التّجار ثم فئة إطارات القطاع العام.

تشير كل المعطيات إلى توزيع مبني على تقسيم اجتماعي محدد، بحيث يؤطر الأساتذة و الإطارات العليا و الطلبة عموما الجمعيات الثقافية، في حين يسيّر الجمعيات الاجتماعية المستخدمون البسطاء و أساتذة التعليم الثانوي و العاطلون. أما الجمعيات الصحية فيقودها الأطباء و الممرضون، بينما يترأس الجمعيات الخيرية والرياضية العمال و التجّار.

II. تمثلات مسؤولي الجمعيات للعمل الجمعوي و تقييمهم لواقعه و آفاقه

موقف مسؤولي الجمعيات من وظيفة وعلاقة الجمعيات بالسلطات العمومية:

نلاحظ أن مسؤولي الجمعيات يتخذون ثلاثة مواقف مختلقة و متباينة هي:

- موقف أول راديكالي يحث على الاستقلالية الكاملة للجمعيات إزاء الدولة و الأحزاب السياسية و الرفض القاطع للدخول في اللعبة السياسية، إذ نجد أن نسبة 31 % منهم تؤمن بهذا الموقف وترغب فيه.

- موقف ثان معتدل يؤمن بدور الوساطة بين الدولة و السلطات المحلية و المجتمع و يمثل هذا الرأي 43%  تقريبا.

- أما الموقف الأخير، فيمثل الموقف الانتهازي المتردد و الغامض، و الذي يفضل الموقف المطبوع بالتردد و الغموض الذي يُوفق ما بين الاستقلالية و الدعم و مساعدة الدولة و السلطات العمومية و يمثل 36% .

رأي مؤطري الجمعيات من الواقع الحالي للجمعيات:

يعترف ما يقارب 50% ، أي نصف أعضاء المكاتب المسيرة بأن الوضع الحالي للجمعيات غير طبيعي وضعيف جدا، وينفي ما يقارب 10%  وجود حياة جمعوية تماما في المجتمع. و هذا مؤشر هام يعكس الوضع المزري والمتبعثر للفضاء الجمعوي كما يؤكده الجدول التالي:

جدول يوضح وضعية الجمعيات حسب آراء المسؤولين

النسبة المئوية

التكرار

درجة وضعية الجمعيات

26.03 %

69

الاعتقاد بقوة الجمعيات

47.92 %

127

الجمعيات ضعيفة و غير منظمة

9.81 %

26

غير متواجدة تماما

7.16 %

19

بدون رأي

0.75 %

20

لا قوية و لا ضعيفة

8.30 %

22

آخر

100 %

265

المجموع

مواقف مسؤولي الجمعيات من العمل السياسي و علاقتهم بالأحزاب السياسية:

تتعرض الكثير من الجمعيات لإغراءات متنوعة سواء من طرف الدولة و أجهزتها أو من قبل الأحزاب السياسية لأجل إدخالها في اللعبة السياسية، و من ثمة استغلالها في الكثير من المناسبات نظرا لقدرة بعض الجمعيات على تعبئة و تجنيد عدد كبير من الفئات الاجتماعية.

و على الرغم من أن القانون يمنع هذه الممارسات (المادة 11 من الفقرة 2 من قانون الجمعيات)، إلا أننا نجد أن الدولة هي الأولى التي تخرق ذلك و كذلك بعض الأحزاب و لكن كل ذلك يحصل بطرق غير معلنة.

و يبدو ذلك جليا، حتى و إن أكد لنا 60%  من مسؤولي الجمعيات عدم ارتباطهم بأي حزب سياسي. و في المقابل نجد أن 20%  منهم يعترف بانتمائه الحزبي. و قد رفض الباقي أي 20%  أن يبوح صراحة بذلك.

إن الموقف السائد لدى المبحوثين (85%  من مؤطري الجمعيات) يؤمن بإلزامية الابتعاد عن تسييس الجمعيات، إلا أن 30 % منهم تقريبا يعتقدون بضرورة الانضمام تحت لواء حزب سياسي حتى تتمكن الجمعيات من أن تنشط باستمرار و بانتظام، مادام أن الحزب قادر على تمويلها و دعمها و هذا على الرغم من أن أغلبية أعضاء الجمعيات يرفضون هذا الموقف.

الفكرة المراد إبرازها في هذا المجال هي أن الذين يصرحون بتحزب و تسييس الجمعيات غرضهم من وراء ذلك هو الحصول على امتيازات متعددة كالترقية الاجتماعية أو منصب سياسي أو سكن…الخ و كثيرا ما يُفقد هذا السلوك الجمعيات مصداقيتها و يدخلها في صراعات داخلية، ما يزيد في إضعافها و من ثم مقاطعة و استقالة الكثير من أعضائها.

الخلاصة

لقد حاولنا في هذه الورقة أن نبرز واقع الحياة الجمعوية و نمط تشكلها و آفاق تطورها، و توصلنا إلى الاستنتاجات التالية:

يظهر جليا بعد تحليل الخصائص و الملامح البارزة للفضاء الجمعوي أن النموذج السائد يؤول نحو التشكل غير الناضج و غير المكتمل للجمعيات الدائرة في فلك الدولة. و في المقابل، نجد وجود نموذج آخر جنيني يتكون من الجمعيات المطلبية/الاحتجاجية ذات الحساسيات السياسية.

و يعكس العجز الكبير في مستوى المشاركة الجمعوية و عزلة و تقوقع العدد الهائل من الجمعيات المحلية الصغيرة و التغييب الكلي للحياة الجمعوية على الصعيد المحلي و الوطني و كذا على مستوى النشاط الاقتصادي/الاجتماعي.

و على الرغم من تواجد نخبة مثقفة معتبرة على رأس الجمعيات، فإن قلة التجربة الجمعوية و غياب ثقافة المواطنة و الحس المدني و الوعي السياسي...كلها عوامل سهّلت مهمة السلطات العمومية في إخضاعها لاستراتيجيات الاندماجية و جعلها تقوم بوظيفة العضو المطبع و المسالم و المكمل لدور الدولة و ليس كشريك فاعل بالإسهام الجاد في المشاريع الإنمائية المحلية لمصلحة الفئات الاجتماعية الواسعة.

إن كل هذا لا ينبئ بوجود قطيعة فعلية مع رواسب ثقافة الحزب الواحد و الممارسات التسلطية السابقة. و إن تمادي السلطات العمومية في هذه الاستراتيجية لا يشجع مستقبلا بهيكلة مجتمع مدني. هذا الأخير لن يكون قويا و قادراً على فرض وجوده و لن يتمكن من لعب دور شريك له قوة اقتراح ضرورية تسمح بضبط موازين القوى و توازنها على المستوى المحلي و الوطني، و تفعيل الجمعيات للتوسط في النزاعات الاجتماعية و خلق إطار منظم يتم بموجبه إرساء ثقافة المواطنة و الحكم الراشد و ثقافة الديمقراطية الحقّة.

الهوامش

* مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات، عدد 28 أفريل-جوان 2005، ص. 23-38.

[1] هذه المحاور الثلاثة المعروضة في هذه الورقة هي نتائج لدراسة ميدانية قمنا بها حول 266 جمعية بولاية وهران سنة 2000  و 2001.

[2] "التويزة" عمل جماعي تطوعي يقوم به كل رجال القرية أو الدشرة أو العروش في مناسبات الحصاد، الحرث، حفر الآبار، تشييد المنشئات الخاصة (المنازل الفردية) أو العامة (المساجد) ...إلخ.

[3] عرفت هذه الفترة غموضا و تناقضا بين التطبيق الشكلي للقانون الليبرالي الفرنسي 1901 المعمول به و الموروث في الجزائر و بين المنع الفعلي غير القانوني للجمعيات الخارجة عن هياكل الحزب.

[4] منسق العدد: إن جمع النسب المئوية الجزئية لا يعطي نتيجة 100% بل أقل منها (99.9). و من أجل الحصول على النسبة الكاملة لا بد من إضافة أربعة أرقام أو أكثر بعد الفاصلة للنسب المئوية الجزئية الشيء الذي يثقل النتيجة. هذا الإجراء ينطبق على كل الجداول الموجودة في المقال.  

[5] تجدر الإشارة هنا إلى أن الكثير من أعضاء المكتب يضخمون و يغالون في إعطاء عدد المنخرطين و أن معاينتنا الميدانية أظهرت لنا أن التردد المنتظم على الجمعيات يقتصر على بعض أعضاء المكتب فقط.

[6]  انظر دراس، عمر. (2007)، المشاركة و الحيوية الجمعوية في الجزائر، دار النشر  ENAG.

[7] صرح لنا مسؤولون في الولاية أن أكثر من 70 % من الجمعيات المحلية اختفت تماما في الولاية.

[8] أي ما قبل 2005.

[9] حمس: حركة مجتمع السلم

[10] تعتمد الجزائر في مداخيلها من العملة الصعبة على الريع البترولي بالدرجة الأولى، إذ تمثل 96 % من مجمل صادراتها.


Civil society. The Algerian example

This contribution aims at analyzing the political pluralism experience and the birth of associative movements. It starts by defining what “civil society “is and then tackles the historical conditions forming it, which are: The setting up of State institutions and civil society, and this respecting the independence principle and the separation between them. Also, the emergence of a civil society is in direct relationship to democracy, free vote and maintaining legislative elections in view to promoting citizenship. But, in comparing modern institutions of civil society and traditional institutions we notice the following paradox: Modern institutions using the notion of civil society don’t have a sufficient social basis. On the other hand, conservative forces have a wide social basis, enabling them to introduce the desired changes, except that one important sector of these forces generally refuses to enter in the field of political action.

Keywords: Political pluralism - civil society - political action - modern institutions - traditional institutions.


يُعتبر مفهوم المجتمع المدني أحد التعابير الأكثر انتشارا في نهاية هذا القـرن و بداية الألفية الجديدة، و الواقع أن انتشاره مرتبط بتحولات عميقة شهدها العالم في هذه الفترة. كما ارتبط هذا التوسع في استعماله و شيوعه بمفاهيم أخرى نكاد نجزم أنها لصيقة به بينهما من ارتباطات عضوية قوية سواء من حيث أطرها المرجعية الفكرية، أو من حيث علاقات التداخل التي بينها في الممارسة الفعلية. تلك المفاهيم هي الدولة الحديثة، (دولة الحق و القانون)، الديمقـراطية و حقوق الإنسان.

هذه المفاهيم في مجموعها تشير إلى حركية اجتماعية قوية و سيرورة تحولات عميقة عرفها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر في البلاد الأوروبية التي دخلت عهد الثورة الصناعية و التحوّل الرأسمالي قبل ذلك بقرن من الزمن، أي في منتصف القرن الثامن عشر. كما شهدت نهاية هذا القرن انهيار القطبية الثنائية المتشكلة بعد الحرب العالمية الثانية على المستوى العالمي، و زوال دولة الرعاية في معظم البلدان الأوروبية المتقدمة، و فشل أنموذج الدولة الوطنية في البلاد المتخلفة و منها البلاد العربية في تحقيق حلم التنمية الوطنية بمحوريها، الإقلاع الاقتصادي و التقدم الاجتماعي.

من هذا المنطلق، لا نبالغ إن اعتبرنا مفهوم المجتمع المدني، إضافة إلى المفاهيم الأخرى التي أشرنا إليها سابقا، أحد المعالم الرئيسية التي تعطي للمرحلة القادمة هويتها و خصوصيتها. و من ثم يمكننا فهم الاهتمام المتزايد بهذه الظاهرة في الدراسات و الأبحاث التي يقوم بها المختصون في العلوم الاجتماعية سواء في البلاد المتقدمة أو حتى في البلاد العربية. و بالنظر إلى الأهمية الاستثنائية لمفهوم المجتمع المدني من حقنا أن نتساءل عن مسارات التطور التي يعبر عنها، و الدلالات المختلفة التي أعطيت له، و الشروط التاريخية التي تحيط بتكوينه و تطوره، و علاقته بالمفاهيم الأخرى مثل المجتمع الأهلي، و الديمقراطية و الدولة، و نتساءل بخاصة عن مدى تجسيد هذا المفهوم لواقع المجتمعات العربية عموما، و الواقع الراهن للمجتمع الجزائري خصوصا. ذلك ما سوف يتضمنه القسم الأول من هذا المقال.

أما القسم الثاني فيخصص لعرض و معالجة النموذج الجزائري من خلال تحليل تجربة التعددية السياسية، و ميلاد الحركة الجمعوية باعتبارهما أكثر العوامل المعبرة عن قيام المجتمع المدني في الجزائر مركزين على طبيعة التناقضات التي تميز العلاقات بين السلطة السياسية و أجهزتها و مؤسساتها كونها المجسدة للدولة من جهة، و تنظيمات المجتمع الم دني الناشئ ممثلة في الأحزاب السياسية و الجمعيات المدنية.

1. حول مفهوم المجتمع المدني

عرف مفهوم المجتمع المدني كغيره من المفاهيم في العلوم الإنسانية و الاجتماعية تغيرا و تطورا في معناه و دلالاته منذ ظهوره، و يمكننا التّعرف على ذلك من خلال الاستعراض السريع للمعاني التي أعطيت له في الفترات التاريخية المتتالية منذ ظهوره في منتصف القرن السابع عشر حيث حدده الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز بشكل لا يميز فيه بينه و بين الدولة على النحو التالي: "المجتمع المنظم سياسيا عن طرق الدولة القائمة على فكرة التعاقد"[1]. أما مواطنه الفيلسوف جون لوك فقد سجل تحديده للمجتمع المدني نزوعا واضحا لتمييزه عن الدولة دون أن يلغي تماما الروابط التي تجمع بينهما عندما أشار إلى أنّ قيام المجتمع المنظم سياسيا ضمن إطار الدولة مهمته تنظيم عملية سن القانون الطبيعي الموجود دون الدولة و فوقها.

و في القرن الثامن عشر اكتسبت فكرة المجتمع المدني معنى مغايرا كونها تشير إلى موقعها الوسيط بين مؤسسات السلطة و بقية المجتمع، عندما اعتبره جان جاك روسو "هو مجتمع صاحب السيادة، باستطاعته صياغة إرادة عامة يتماهى فيها الحكام و المحكومون". كما نجد نفس الاتجاه عند مونتسكيو الذي ربط المجتمع المدني "بالبنى الأرستقراطية الوسيطة المعترف بها من قبل السلطة القائمة بين الحاكمين و المحكومين". و كذلك لدى الفيلسوف الألماني هيغل الذي أكد الموقع الوسيط للمجتمع المدني "بين العائلة و الدولة بحيث يفصل بينهما" دون أن يغفل حقيقة التداخل الموجود بين المجتمع المدني و المؤسستين المذكورتين بحيث يخترق الواحد منهما الآخر. و نجد عند توكفيل اقترابا من المعنى الحديث المتبادل اليوم، إذ يركز على أهمية "المنظمات المدنية النشطة و دورها في إطار الدولة بالمعنى الضيق للكلمة". و في الأدبيات الحديثة بخاصة ذات التوجه الراديكالي ارتبط مفهوم المجتمع المدني باسم أنطونيو غرامشي المفكر الشيوعي الإيطالي الذي حاول تجاوز التحديد الماركسي كونه يعتبر المجتمع المدني مجتمعا برجوازيا بالأساس، و قد اعتبره غرامشي مجال تحقيق الهيمنة في ظل سيادة الرأسمالية، بمعنى فرض النفوذ الثقافي و الأيديولوجي للبرجوازية، بينما تكون الدولة مجال تحقيق السيطرة.

2. الشروط التاريخية لتكوين المجتمع المدني

مر المجتمع المدني بمراحل عديدة في سيرورة تطوره حتى وصل إلى التركيبة المميزة له في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة في الوقت الراهن. و تنبغي الإشارة إلى أن كل مرحلة تميزت بتوفر حد أدنى من الشروط الضرورية لقيام المجتمع المدني بتركيبته الخاصة. و بهذا الصدد هناك من يحدد مجموعة من الشروط التاريخية التي تشكل من خلال تمفصلها مناخا ملائما، بل ضروريا لبروز ما يسمى بالمجتمع المدني في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة. و لا بد من حضور شرطين على الأقل للدلالة على وجود ظاهرة المجتمع المدني التي ينبغي تمييزها عن ظواهر مثل المواطنة، الليبرالية، الاقتصاد الرأسمالي و غيرها من الظواهر الأخرى المصاحبة لقيامه.

  1. قيام مؤسسات الدولة و مؤسسات المجتمع بشكل منفصل، أو الفصل بين الدولة و المجتمع و هي سيرورة تاريخية تعبر عن مستوى تبلور الوعي الاجتماعي المميز لمرحلة معينة من تطور المجتمع.
  2. التمييز بين آليات عمل الدولة كمؤسسة و آليات عمل الاقتصاد، أي تشكيل المستويين السياسي و الاقتصادي كحقلين لهما وجود مستقل نسبيا. و قد برز هذا الشرط تاريخيا مع قيام الثورة الصناعية و تكوين الطبقة البرجوازية في أوربا الغربية و ما شهدته من تطورات لاحقة.
  3. قيام فكرة المواطنة و ما ارتبط بها من فكرة الحقوق المدنية و السياسية، حيث ظهر الفرد باعتباره كائنا حقوقيا مستقلا بذاته في إطار الدولة بغض النظر عن انتماءاته المختلفة (عرقية، دينية، ثقافية، اقتصادية...).
  4. انشطار الممارسة المجتمعية إلى حقول ذات استقلالية نسبية و بالتالي ظهور الفرق بين آليات عمل المؤسسات الاقتصادية من جهة و المؤسسات الاجتماعية من جهة ثانية، و التمييز بينها بالنظر إلى تباين أهدافها و وظائفها.
  5. تبلور الفرق بين التنظيمات الاجتماعية الطوعية (مثل الجمعيات المهنية، الرياضية، العلمية، النقابات..) المتكونة من مواطنين أحرار ينخرطون فيها بشكل إرادي، و التنظيمات الاجتماعية العضوية ذات الطابع التضامني التي ينتمي إليها الإنسان بفعل المولد (العائلة، الطائفة القبيلة).
  6. ظهور الفروق بين الديمقراطية التمثيلية في الدولة الليبرالية و الديمقراطية المباشرة في التنظيمات الطوعية و المؤسسات الحديثة في المجتمع.

بالنظر إلى هذه المجموعة من الشروط التي تعبر عن التغيرات الحادثة في مستوى الوعي الاجتماعي و التحولات الطارئة على بنية المجتمع و آليات سيره و اشتغاله، و هي ميزات تتحدد تاريخيا و اجتماعيا، يمكننا القول أن أية محاولة لطرح مفهوم المجتمع المدني في محيط لا تتوفر على الحد الأدنى من شروط تكوينه التاريخي (شرطان على الأقل من الشروط السابقة) هي محاولة مآلها الفشل. ليس ذلك فحسب، بل أن عملية سحب المفهوم على الواقع العربي الذي لا تتوفر فيه العناصر المحددة لهذه الظاهرة يعني في الأمر الابتعاد عنها أو الخروج عن طريق المؤدي إليها. هذا الطريق الذي يمر حتما بترسيخ الممارسة الديمقراطية و ضمان حقوق الإنسان.

3.المجتمع المدني و الديمقراطية

هناك عدد من الأسئلة جديرة بالطرح و المعالجة، ليس أقلها شأنا التساؤل عما إذا كان المجتمع المدني شرطا لتحقيق الديمقراطية أو العكس، أي هل الديمقراطية شرط لتكوين المجتمع المدني؟ إذا كان المجتمع المدني بالمعنى الحديث المتداول اليوم يعني مجموع المنظمات غير الحكومية فإنها على أهميتها ليست كافية بذاتها، و لا يمكننا بالنسبة لواقع المجتمع العربي عموما و الجزائري خصوصا اختزال المجتمع المدني إلى تلك المنظّمات دون أن نحدث تشويها كبيرا في المفهوم و الظاهرة على حد سواء.

لقد كان للمجتمع المدني معنى آخر مخالفا لدلالة المفهوم اليوم، حيث كان يعني الحقوق المدينة، التعاقد، حق الاقتراع الحر، الانتخابات البرلمانية، حقوق المواطنة. و بهذا المعنى قاد إلى بناء الديمقراطية في المجتمعات الغربية في مرحلة تاريخية سابقة. لكن علينا تجنب طريقة التفكير الميكانيكي، لأننا عند القول أن المجتمع المدني قاد إلى الديمقراطية فإن ذلك لا يعني تقديم أحدهما على الآخر في علاقة سببية صورية، بل يعني أن سيرورة ظهوره و تكوينه هي بذاتها سيرورة بناء الديمقراطية. أما أن نعتبره أنّ مؤسسات و تنظيمات المجتمع الحديث هي ذاتها المجتمع المدني، بينما لا تعدو أن تكون في الواقع إحدى المظاهر المجسدة له في مرحلة تاريخية معينة من تطور المجتمعات الغربية، ثم نقوم بمحاولة زرعها في بيئة غريبة عنها و بأثر رجعي (بمعنى نتوقع منها أن تحدث اليوم نفس النتائج و الآثار التي أدت إليها سابقا)، فإن ذلك يشير إلى درجة من السذاجة و ربما الوهم القائم على الاعتقاد بأن تلك المنظمات غير الحكومية سوف  تقود المجتمعات العربية نحو الديمقراطية. يصبح من الخطأ في مثل هذه الحالة الاعتقاد أن "المجتمع المدني هو شرط وجود الديمقراطية".

إن مثل هذا التصور عن المجتمع المدني يحيد بنا عن "المعركة الحقيقية" التي ينبغي على هذا الأخير أن يخوضها في البلاد التي لم تتوصل بعد إلى إقامة أسس الحكم الديمقراطي، ذلك أن معركة البناء الديمقراطي هي ذاتها معركة إقامة مؤسسات السلطة الحديثة و بناء الدولة الديمقراطية و ليست شيئا آخر أقل من ذلك.

لهذا فإن استيراد فكرة المجتمع المدني بالمعنى الشائع اليوم (المنظمات غير الحكومية) مقطوعة عن إطارها المرجعي التاريخي يتضمن مخاطر عديدة ليس أقلها الاعتقاد الواهم بوجود عمل سياسي ديمقراطي، بينما الواقع يشير إلى غياب شيء اسمه "الحقل السياسي" له استقلالية نسبية عن بقية الحقول الأخرى الاجتماعية، الثقافية، الاقتصادية...و في أحسن الحالات انغلاق هذا الحقل أمام المبادرة السياسية الحرة و تميزه بدرجة عالية من التقييد و الاستعمال الأداتي من قبل النظام، بل أسوأ من ذلك اغتراب القطاع العريض من المجتمع عن عملية البناء الديمقراطي بسبب الاعتقاد الخاطئ أنها عملية تخص الأقلية من المجتمع (النخب الفكرية، البيروقراطية، التكنوقراطية، الاقتصادية...) و ذلك بسبب الممارسات التي تقوم بها هذه النخب من جهة، و بسبب التصور الخاطئ عن المجتمع المدني الذي يختزله إلى المنظمات غير الحكومية الحديثة بالخصوص، من جهة ثانية.[2].

لعل السؤال الحاسم الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا هو إلى أي مدى تتميز مؤسسات المجتمع المدني بالمعنى الذي تتضمن فيه الأحزاب السياسية و الجمعيات الطوعية الحديثة (المنظمات غير الحكومية) بسمة أساسية هي قدرتها على تحقيق إعادة إنتاج نفسها بصفة مستقلة؟ أم أنها مؤسسات تعتمد على موارد الدولة التي تسعى لأن تشكّل قوة منافسة و موازية لها، أم أنّها تلجأ إلى مساعدات خارجية؟ و هو واقع يبرز ضعفها و هشاشتها و يفتح الباب واسعا أمام عمليات الاستعمال الأداتي لهذه المنظمات من قبل ضعف مموليها سواء كانوا في الداخل أو الخارج. إنه عامل مثير لجدل حاد حول مصداقية تلك المنظمات، فضلا عن كونه يعطي فرصة لكل خصومها للتقليل من شأنها و تقييدها أو مراقبتها و التضييق عليها.[3]

4.المجتمع المدني و المجتمع الأهلي

يطرح مفهوم المجتمع المدني في السياق التاريخي الراهن للمجتمعات العربية مسألة ما يسمى "المنظمات الأهلية" التي تتشكل من كل التنظيمات ذات الطابع "التقليدي" مثل الجمعيات الدينية (التي تشكل الغالبية بين تنظيمات المجتمع الأهلي) الجمعيات الثقافية المعبرة عن خصوصيات المجتمعات المحلية (في الجزائر مثلا الجمعيات الأمازيغية بتفريعاتها المتعددة، و تنظيمات أخرى خيرية ذات طابع محلي أو إقليمي) و التنظيمات الخاصة بالأوقاف العائلية و قد بدأ عددها يتزايد مع نهاية التسعينيات (مثل مؤسسة الأمير عبد القادر، الشيخ عبد الحميد بن باديس، الشيخ بوعمامة، محمد بوضياف، الشيخ المقراني، العربي التبسي...إلخ). و يبدو أن هناك جدلا قويا بين الباحثين حول العلاقة بين المجتمع المدني و المجتمع الأهلي و التنظيمات التي تشكل كل واحد منهما، فبينما يدافع برهان غليون مثلا عن أطروحة التطابق بين المفهومين و بالتالي مدلولاتهما في المجتمع العربية[4]، نجد من يرفض ذلك مثل عزمي بشارة، الذي يميز بينهما باعتبارهما يشيران إلى مستويين مختلفين من التطور المجتمعي، لكن دون استبعاد فكرة أن تكون التنظيمات الأهلية جزءا من "المجتمع المدني" في سياق الوضع العربي الراهن.[5]

و يبدو لمن يلاحظ الواقع العربي عموما و الجزائري بالخصوص وجود نوع من التواؤم في التمييز بين المجتمع المدني و الأهلي من جهة، و تقسيم العمل بين القوى الاجتماعية ذات التوجهات الأيديولوجية و السياسية المتباينة من جهة أخرى. إذ بينما نجد القوى الاجتماعية المحسوبة تقليديا على اليسار و المسماة اليوم القوى الديمقراطية بنزعتها الحداثية و العلمانية تستعمل بقوة مصطلح "المجتمع المدني"، و تسيطر على التنظيمات و المؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان (منظمات حقوق الإنسان، مراكز البحث و الدراسات في حقل التنمية الاجتماعية و المشاركة السياسية...). و نجد في المقابل القوى الاجتماعية ذات التوجه التقليدي و الديني المحافظ حاضرة بقوة في مجال الجمعيات و التنظيمات الأهلية، مفضلة استعمال هذا المصطلح الذي تراه أكثر تعبيرا عن خصوصية الواقع في المجتمعات العربية.

و يبدو وزن و تأثير هذه القوى بخاصة في التنظيمات الأهلية ذات الطابع المهني و بشكل أخص تنظيمات الخدمة و الرعاية الاجتماعية (الخدمة الصحية، التربية و التعليم، الشؤون العائلية...).

لعل الملاحظة المهمة في هذا التمييز بين القوى الاجتماعية هو كون قوى المعسكر الأول (قوى اليسار عموما أو القوى الديمقراطية كما تدعى اليوم) تعاني مشكلة أساسية تتمثل في افتقادها في غالب الحالات إلى قاعدة اجتماعية واسعة و قوية تسمح لها بإعادة إنتاج ذاتها. بينما تحظى القوى التقليدية بتنويعاتها (قوى اجتماعية تقليدية محافظة، تيار الإسلام السياسي، قوى دينية سلفية...) بقاعدة واسعة بخاصة في الأوساط الشعبية و بين الشرائح الوسطى حديثة التكوين (العمال، الطلبة، الموظفون...).

و هكذا يجد الملاحظ نفسه أمام مفارقة: من جهة هناك التنظيمات و المؤسسات التي تنحو بقوة لاستعمال تعبير "المجتمع المدني" و تهدف لتوظيفه كقوة موازية لقوة الدولة السلطوية المميزة للواقع العربي، و بالتالي محاولة توسيع الممارسة الديمقراطية و ترسيخها. هذه القوى تفتقد لقاعدة اجتماعية و للتأثير الذي يسمح لها بتحقيق تلك التغيرات المنشودة في بنية السلطة و ممارستها. بل أكثر من ذلك، تبدو هذه القوى بأفكارها و ممارستها بمثابة الكيان الغريب المغروس في جسم المجتمع، كونها في غالب الأحيان عبارة عن نخب محدودة العدد و التأثير، غريبة و دون جذور، و بالتالي دون قوة حقيقية. و في المقابل هناك القوى التقليدية و المحافظة التي تحظى بقاعدة اجتماعية واسعة، ولها تأثير يسمح لها بإدخال التغيرات المرغوبة في بنية السلطة و ممارساتها، لكن قطاع هام منها عادة ما يرفض الدخول في مجال العمل السياسي (في حالة الجزائر هنالك عدد كبير من التنظيمات الدينية المؤثرة مثل "الزوايا"، الجمعيات الدينية و الخيرية التي تتخذ هذا الموقف). و هكذا تبقى الدولة السلطوية و الأقليات المتنفذة في هياكلها و أجهزتها مثل الجيش و البيروقراطية دون منافس حقيقي يستطيع تحمل عبء المواجهة مع هذه الأقليات القوية.  

إذا كان المجتمع المدني يعني كافة المؤسسات و التنظيمات التي تلعب دور الوسيط بين الفرد، المجتمع و الدولة فإنه يصبح من الضروري العناية بجميع البنى الوسيطة؛ هيئات؛ هياكل، حركات، تنظيمات، جمعيات أو رابطات بما في ذلك التنظيمات الدينية، الأحزاب السياسية، و هيئات الرعاية، التضامن و التكافل الاجتماعي و في مقدمتها تلك التي يكتسي نشاطها طابعا محليا أو جهويا (إقليميا). و تبرز أهمية هذه التنظيمات المحلية أو الجزئية رغم محدودية مجالها، أو لعله من الأحسن القول بسبب هذه الصفة ذاتها. و بالرغم من أنها عادة ما تكون مدانة بسبب محدودية نطاقها، فإن ذلك ما يشكل قوتها لعدد من الأسباب:

يجد فيها الأعضاء بالنظر إلى صغر حجمها و محدودية نطاقها فرصة للتعبير عن همومهم و انشغالاتهم بطريقة صريحة ومباشرة.

و يسمح حجمها للأعضاء بإقامة علاقات مباشرة تساعد على تقوية الروابط و ترسيخ التضامن بعيدا عن الأساليب البيروقراطية المميزة للتنظيمات الكبيرة، فضلا عن مقاومتها لظاهرة التسلط الأوليغاركي التي تؤدي إلى شعور الأفراد بحالة الاغتراب.

كما توفر أحسن وسيلة للدفاع عن الهويات الفردية المتميزة للأفراد و الأقليات في مواجهة النزعة الجماهيرية حيث تذوب الفوارق الفردية و الجماعية في هويات عامة غالبا ما تكون تسطيحية تنتفي فيها خصوصيات الأفراد و الجماعات.[6]

يرى بعض المفكرين أنه من حسن حظ المجتمعات العربية أن تكون هذه التنظيمات الجزئية قائمة فيها غير مندثرة و ذلك بسبب عدم اكتمال تكوين الدولة-الوطنية على غرار ما هو قائم في المجتمعات الغربية المتقدمة. و بخلاف الباحثين الذين يستنكفون من اعتبار البنى التقليدية والتنظيمات الجزئية عنصرا مهما في تكوين المجتمع المدني لارتباط المفهوم في تصورهم بالتنظيمات الحديثة للمجتمعات الغربية، فإن ملاحظة الواقع الخصوصي للمجتمع العربي تسمح لنا باعتبارها كذلك ما دامت تؤدي دور الوسيط بين الفرد - الجماعة - الدولة.

يحدث ذلك، كما يقول عزمي بشارة، لأن التنظيمات التقليدية تلعب دورا قمعيا في علاقتها بالفرد، يحظى بحمايتها لا لكونه فردا مستقلا له حقوق يقرها القانون، بل لأنه يمثل وحدة أولية في بنائها. كما تحقق ذلك الدور من خلال اعترافها و إقرارها بسلطوية الدولة و ليس بمعارضتها و رفضها. و في المقابل تعجز التنظيمات الطوعية الحديثة عن لعب دور الوسيط لأنها تقوم على فكرة الانتماء الطوعي للأفراد، لكنهم دون حقوق معترف بها أو مكرسة قانونيا بسبب الطبيعة السلطوية للأنظمة السياسية التي يعيشون في ظلها. لعل هذه إحدى المفارقات التي يواجهها أولئك الذين يسحبون فكرة "المجتمع المدني، و هي ثمرة سيرورة تاريخية و اجتماعية متميزة على الواقع الاجتماعي العربي دون الالتفات إلى خصوصية المرحلة التي يمر بها في تكوينه. و لعل هذه أيضا معضلة تواجهها التنظيمات غير الحكومية الحديثة في البلاد العربية لأنها "غير قادرة على حماية الأفراد أمام تعسف الدولة، و لا على إعادة إنتاج ذاتها كإحدى مظاهر السوق المحلية".[7]

5. الدولة و المجتمع المدني

تعتبر الدولة الحديثة ظاهرة مصاحبة في تكوينها و تطورها لعمليات التحول الاجتماعي و التغير الاقتصادي الذي عرفته البلاد الأوربية منذ القرن الخامس عشر. كما يمكن القول أن الآليات التي تقف وراء نشوء الدولة الحديثة في شكلها الديمقراطي الليبرالي هي ذاتها التي قادت إلى تكوين المجتمع المدني بتنظيماته السياسية (الأحزاب و المجالس المنتخبة)، الاجتماعية (الجمعيات المهنية، النقابات)، الثقافية (المدارس و الجامعات و وسائل الاتصال) و مؤسساته الاقتصادية (المنشآت، الشركات، البنوك). فهل يمكننا الحديث بنفس الطريقة عن المجتمع و الدولة في البلاد العربية؟ الجواب قطعا بالنفي.

فالدولة في البلاد العربية ظاهرة مستجدة ليست نابعة عن سيرورة التغير الاجتماعي المحلي، بقدر ما تشكل كيانا غريبا وقع فرضه من الخارج بفعل الاختراق الذي تعرضت له هذه البلاد خلال مراحل تاريخية معينة. كما أنها شكلت أداة و وسيلة التحديث الرئيسية التي أنتجت بقية المؤسسات و التنظيمات المختلفة التي احتاجت إليها لفرض هيمنتها و سيطرتها ككيان غريب وقع غرسه في جسم المجتمع المحلي ذي الطابع التقليدي بالنظر إلى بنيته الاجتماعية، الاقتصادية و السياسية. و كان دور تلك المؤسسات و الأجهزة في عهد الاحتلال و الحماية، و لا يزال كذلك في عهد الاستقلال مع فارق تأميمها و إدارتها من قبل نخب محلية، هو ممارسة الرقابة على المجتمع و إخضاعه لسلطوية دولة ذات طابع موروثي جديد néo-patrimoniale state تحت سيطرة أقليات عائلية، عسكرية و بيروقراطية.

و هكذا تشكل مؤسسات الدولة و أجهزتها سواء على المستوى الوطني أو المحلي (المجالس المنتخبة، إن وجدت، و البلديات، و أجهزة الإدارة المحلية و الإقليمية) أدوات إضافية للجهاز البيروقراطي المركزي للدولة أكثر منها مجالس و رابطات و مؤسسات محلية تتصف بحد أدنى من الاستقلالية و التمثيلية، تسعى لخدمة الأفراد و المجموعات و ترعى مصالحهم.

الهوامش

* مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات، العدد 13، سنة 2001.

[1] التحديدات المقدمة وردت في بشارة، عزمي. (1997)، "واقع و فكرة المجتمع المدني، قراءة شرق أوسطية"، منشور في، إشكاليات تعثر التحول الديمقراطي في الوطن العربي. مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، رام الله، ص. 391.

[2] لعل أحسن مثال عن ذلك الأحزاب السياسية التي ظهرت في الجزائر في عهد التعديدية، و كذلك الحركة الجمعوية، بخاصة تلك المسماة الديمقراطية التي تتميز بنخبويتها المفرطة. فهناك مثلا الجمعيات النسوية المتعددة التي تقتصر عضويتها على عدد محدود من النساء، أو جمعية المرأة الريفية التي لا وجود لنساء الريف فيها، و غير ذلك من الأمثلة كثير.

أنظر عملنا، التحول الديمقراطي في الجزائر، الواقع و الأفاق، ورقة قدمت لندوة: الانتقال الديمقراطي في المنطقة العربية، الأردن، جامعة ألا البيت، 30 نوفمبر - 02 ديسمبر 1999.

[3] مثال ذلك الجدل القائم مصداقية حركة حقوق الإنسان و تنظيماتها في البلاد العربية. و قد وصمت هذه الحركة دوما بالخيانة و العمالة للخارج. أخر حالة سجلت بهذا الصدد تخص المنظمة المصرية لحقوق الانسان بشأن الحوادث التي وقعت في الصعيد بين الأقباط و المسلمين منذ نهاية 1999.

[4] أنظر بهذا الشأن Ghalioun, Burhan.

[5] أنظر عزمي بشارة.- مرجع سابق:

Ghalioun, B. (1991), Le malaise arabe : Etat contre nation, Alger, ENAG.

[6] أنظر عزمي بشارة، مرجع سابق، ص. 401.

[7] نفس المرجع، ص. 401.

 تشير الأحداث التي جرت و تجري على الساحة العربية[1] إلى سعي المجتمع المدني لتحقيق المواطنة الكاملة ممثلة في حرية التعبير، المشاركة في اتخاذ القرار و العدالة الاجتماعية... و لم تكن هذه المطالب وليدة اليوم و إنما هي نتيجة إرهاصات سابقة، إذ تطور مسعى المطالبة بالحقوق المدنية، الاجتماعية و السياسية بظهور تنظيمات متعددة من قبيل الجمعيات، الرابطات و الحركات السياسية، إضافة إلى المؤسسات التقليدية. و هناك اليوم رهانات و تحديات جديدة، خاصة تلك المتعلقة بالتنمية الاقتصادية، الحريات الفردية و الجماعية و مسألة الهويات المطروحة في سياق عالمي جديد. ليست المواطنة مفهوما جاهزا و لكنها متطورة بحسب الشروط التاريخية و طبيعة المجتمعات التي تولد فيها. و يمكن أن نستفيد كثيرا من المفاهيم المُجاورة لها مثل: الفضاء العمومي، التفاوض، الهويات المرنة و المُتصلّبة، و ذلك في ظل الرهانات العالمية الجديدة المتعلقة بالثورة العلمية و تكنولوجيا الاتصالات و المعلومات، الحكامة الدولية و الحكم الراشد. و لقد كانت هذه الإشكاليات محور تفكير العديد من فرق البحث وموضوع العديد من منشورات مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية[2].

و تتطرق المقالات التسع[3] المنتقاة لهذا العدد الثالث من دفاتر إنسانيات إلى هذه الإشكالات في الفضاءين المحلي و الدولي، وفق رؤى و مداخل متعددة. بداية، يأتي إسهام العياشي عنصر ليحلل تجربة التعددية السياسية و ميلاد الحركة الجمعوية، حيث يبدأ بتحديد مفهوم المجتمع المدني، مركّزا على المنظمات المدنية النّشطة و دورها. كما يتناول الشروط التاريخية لتكوين المجتمع المدني و التي منها: قيام مؤسسات الدولة و مؤسسات المجتمع المدني بشكل منفصل، التمييز بين آليات عمل الدولة بوصفها مؤسسة و بين آليات العمل الاقتصادي و قيام فكرة المواطنة... و لم يفته التطرق إلى العلاقة بين المجتمع المدني و الديمقراطية القائمة على الاقتراع الحر، الانتخابات البرلمانية و حقوق المواطنة. و أوضح عند المقارنة بين مؤسسات المجتمع المدني الحديثة و المؤسسات الاجتماعية التقليدية، المفارقة الجوهرية الكامنة في أن التنظيمات والمؤسسات التي تنحو بقوة لاستعمال تعبير المجتمع المدني تفتقد لقاعدة اجتماعية. أما القوى المحافظة، فتحظى بقاعدة اجتماعية واسعة تسمح بإدخال التغيرات المرغوبة في بنية السلطة، إلا أنّ قطاعا هاما منها عادة ما يرفض الدخول في مجال العمل السياسي.

و  في السياق نفسه، يتناول أحمد كرومي المواطنة في علاقتها بالحداثة و فق رؤية فلسفية مفاهيمية تُنظّر للعلاقة التي تربط بينهما، مسلطا الضوء على الكيفيات التي يُشكّل بها وعي و معارف المواطن في السياق العربي الإسلامي المُرتبط بالعقل الفقهي. و يشير المُؤلّف منذ البدء إلى أن كُلاًّ من المواطنة و الحداثة اللتين تأسستا في الفضاء الغربي تجدان نفسيهما في الفضاء الحضاري العربي الإسلامي، و كأنهما "المركب الغريب". و بعد هذا التشخيص يتساءل صاحب المقال عن العوائق المتسببة في ذلك و التي يحصرها بعد التحليل في السيرورة التاريخية.

و توافقا مع هذه الطروحات، يحاول عمر دراس البحث في الميكانيزمات التي تُمَكّن المجتمع المدني الحضري من الالتفاف على منطق احتكار السلطة، حيث تكون الدولة ذات التصور الشمولي الفاعل الوحيد في إجراء التغيرات الاقتصادية و الاجتماعية. و في هذا الصدد، يشكّل القانون الجزائري الصادر في 04 ديسمبر 1990 و المتعلق بشروط إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي و غير السياسي انفراجا، حيث سمح و لا شك بإنشاء عدد كبير من الجمعيات، و لكن من غير أن تتمكن هذه الأخيرة من إحداث تحولات جذرية ضد المساعي الرامية إلى "دولنة المجتمع".

و ضمن سلسلة العوائق التي تكبح ميلاد المجتمع المدني، يأتي البحث الميداني الذي أجراه محمد فريد عزي سنة 1995 حول شباب مدينة وهران، للبرهنة على دور هذه الفئة داخل المجتمع المدني، و على دور المدينة بوصفها فضاء تنطلق منه و فيه الاحتجاجات، المظاهرات و الثورات... و لكن في سياق اجتماعي عرف اللاأمن و مظاهر العنف المفرطة، أدت إلى جعل الشارع -باعتباره مكانا يلتقي فيه الشباب- غير قادر على لعب دور التنشئة و التفاعل، بل أصبح مكانا للعزلة، للتهديد و تصفية الحسابات. و قد حصل و أن انتقل مركز و مجال التفاعل الاجتماعي من الشارع إلى المسجد بسبب تنامي الحركات و الأحزاب السياسية.

و انطلاقا من واقع التنظيمات الشبانية التواقة إلى الوجود المستقل، يقوم أحمد بوكابوس بتصنيف التنظيمات الشبانية إلى ولائية و وطنية. و بدأ بحثه بإطلالة على الامتداد التاريخي للحركة الشبانية في الجزائر مذكرا بالقانون الصادر سنة 1901 خلال الفترة الاستعمارية. ثم أشار بعد ذلك إلى سنة 1943، التي شهدت نشاطا مكثفا للحركة الشبانية في خضم الحرب العالمية الثانية. و بعدها قام باستعراض المراكز الأولى التي انطلقت منها تلك الحركة في الجزائر مثل: مركز سيدي المدني، ملحقة تيكجدة و مركز الرياض... و قد نشأ نشاط هؤلاء في المراكز التربوية و خصوصا المخيمات الصيفية ثم الاتجاه بعدها إلى استعمال تقنيات العرض السينمائي في مجال التوعية و نشر الوعي الوطني. تناول بعد ذلك واقع الحركة الشبّانية و تنظيماتها قبل 1989، و التي كانت في نظره من صنع الإدارة. و حتى مع فتح الباب القانوني لهذه التنظيمات بعد ذلك، فقد ظلت مرتبطة بالإدارة لنيل الدعم المالي. و لكن الاستعمال غير العقلاني للمال العام من طرف التنظيمات الجمعوية، أدى بالدولة إلى التجميد المؤقت له، ثم تقليصه في فترات لاحقة.

و من المنطلق نفسه، يناقش هشام حشروف طروحات ضعف المجتمع المدني و هشاشة الجمعيات في الوسط الحضري و قِلّتها في الأوساط الريفية، كما يقيّم صاحب الإسهام جملة من الأدِلّة المبنية على إحصائيات و دراسة ميدانية في الوسط الريفي لولاية بجاية (الجزائر). إذ يتناول عدد الجمعيات، مجالات اهتمامها وعلاقتها بالأطر التقليدية المتجذرة في المنطقة والتي يكون نشاطها موازيا لسلطة الدولة. و يتم التركيز بشدة على "التّجْمَعْت"[4] و على أشكال التضامن التقليدية المعروفة بـ "التويزة"[5] و دورها في تنامي الحركة الجمعوية في المنطقة. و بعد مناقشة نتائج كل من عمر دراس و عبد القادر لقجع، يركز صاحب المقال على دراسة ابراهيم صالحي للظاهرة ببجاية، حيث يصبح بحث هذا الأخير المرجع الفصل في المسألة. و قد أكد على دور الجماعات المحلية المسماة بـ"التّجْمعت" -و التي ستتحول إلى لجان القرى لاحقا- في تقوية المجتمع المدني في فترة السبعينات (القرن العشرين)، توافقا مع مخططات التنمية الخاصة. لقد بدأ المجتمع المدني المحلي حواراته و نقاشاته الأولى مع السلطة المركزية انطلاقا من مطالب اجتماعية هي الماء و الكهرباء. و جاءت أحداث 05 أكتوبر 1988 لتكسب الأحزاب المعارضة و الجمعيات مزيدا من الشرعية و الفاعلية.

و في هذا الصدد، يتتبع محمد ابراهيم صالحي حوادث احتجاج شملت منطقة "القبايل"[6] خلال 2001، ففي إطار المواجهة الشديدة مع السلطة، يلجأ المحتجون إلى تبني أنماط تنظيم تقليدية تستعير من "العرش"، أي من الجماعة القبلية، كيفيات اختيار الممثلين. و إن كانت مطالب المحتجين ذات طبيعة اقتصادية و اجتماعية كما يحصل في جميع مناطق الجزائر، إلا أن المطلب الهوياتي و مطالبة الدولة بالاعتراف به تصدّر جميع تلك المطالب، ما أدى إلى التصعيد و قمع المتظاهرين. إن السلطة المركزية ذات البعد الوحدوي و الأحادي لم تعترف حينها بالخصوصيات المحلية للمنطقة. و في خضم الاحتجاجات برزت مجموعة من الخطابات، الشعارات، النقوش الجدارية و أشكال من تنظيم تجمهر المحتجين في الفضاءات العمومية.

أما الهواري عدي ، فإنه يستقرئ المجتمع المدني من منظار عالمي و دولي، ما يسمح في رأيه بقياس فعاليته و مقاومته ليس فقط على المستوى الوطني، بل أيضا على المستوى العالمي. و قد نَظَر الكاتب فيما إذا كان المجتمع الدولي شبيهًا بالمجتمع الوطني و منقوصا من عناصر محددة، مبيّنا أن البحث في طبيعة العلاقات الدولية يكشف أنها قائمة على النزاعات. و أشار المقال إلى نوعين من المقاربات حول المجتمع الدولي: المقاربة الأولى تُشبّهه بالدولة التي يُفترض أنها هي الفاعل بحكم قدرتها و طابعها السّيادي. أما المقاربة الثانية، فتشبّهه بالأفراد و الجماعات و المنظمات غير الحكومية، ما يسمح بوصل فاعلي المجتمعات المختلفة عبر حدود باتت مخترقة بفعل تكنولوجيات الإعلام و الاتصال الجديدة، و هذا ما يُعبّر عن مجتمع مدني وطني معمم على الساحة العالمية.

و من هذه الزاوية التي تربط بين المحلي و العالمي، يستعرض زهير بن جنات نشأة الدولة في تونس من بداياتها إلى اليوم، و هي البدايات التي لم تَخلُ من تصادمات بين المؤسسات التقليدية و الدولة. و إن كانت هذه الأخيرة تضغط على الجماعات و المجموعات الوطنية، فإن المؤسسات التقليدية تعمل على تحريرها من ذلك. و قد ركز بالخصوص على دور الدولة-الوطنية و علاقتها بالمجتمع المدني في ظل وضع عالمي يتميز اليوم بالتأثيرات التي يمكن أن تمارسها الدول الأجنبية و المؤسسات المالية العالمية. فإذا كانت الدولة على المستوى المحلي تحاول أن تنقص من شأن المجتمع المدني بمؤسساته المختلفة بدعوى عدم قدرته على تسيير شؤونه بنفسه، فإنه و في المقابل تتعرض الدولة-الوطنية إلى ضغوط خارجية تعمل على تقليص حجمها و دورها. و هذه الدولة - في نظر صاحب المقال - لا يمكنها أن تضطلع بدور الحكامة أو الحكم الراشد، حتى و إن كان لها في البداية دور إيجابي تمثل في تبنيها لخطاب يصهر و يوحد قوى المجتمع و روافده المختلفة في سبيل مشروع السيادة و الاستقلالية. و قد أدت رعاية الدولة المفرطة للمجتمع و عنايتها الشديدة به إلى إفلاس علاقتها به، خاصة في ظل سياق عالمي ليبرالي يحرر الطاقات الفردية و الجماعية و لا يعترف بالحدود الوطنية التي صارت مفتوحة و محررة أمام التجارة العالمية بإنشاء المناطق الحرة المعلنة و غير المعلنة.

و قد توصّلت هذه الإسهامات في مجملها إلى أن مؤسسات المجتمع المدني هي في طور الإنشاء، نظرا لنمط الوعي المتشكل و الذي يميل إلى الاحتكام إلى التقاليد و غير القادر على ولوج الحداثة. و قد انعكس ذلك على تمظهرات المواطنة و أشكالها التقليدية و الحديثة. و تبقى المواطنة حبيسة تصورات الدولة- الوطنية الحديثة التي تتميز بكونها الدولة- الرّاعية أو مفرطة الرعاية و المُتجاوزة هي الأخرى بما آل إليه المجتمع الدولي، حيث صارت الدولة تحت تأثير مباشر للاقتصاديات العالمية و الهيئات التي تطالبها بتبني أشكال الحكم المتوافقة مع سياسات "الحكم الراشد".

و يُستنتج من جملة الإسهامات و كأن الدولة تعتبر أن المجتمع المدني لم يصل بعد إلى سن الرشد الذي يؤهله للمشاركة في صنع القرارات المتعلقة بالشأن العام، كما هو الحال بالنسبة لكثير من الجمعيات التي لم تتمكن من العمل المستقل بعيدا عن دعم الدولة لها، هذا من جهة، و من جهة أخرى، يظهر و كأن المجتمع المدني بدوره يعتبر أن الدولة لا تتصف بمواصفات الدولة الحقيقية أو هي دولة منقوصة السيادة و منقوصة الخبرة إما لحداثة سنّها و إما لوقوعها تحت ضغوطات دولية تجعلها تخفق في تحقيق أهدافها الاجتماعية، الاقتصادية و السياسية.

بقلم محمد حيرش بغداد

الهوامش

[1] و هي أحداث ما يعرف بالربيع العربي الحاصلة في تونس، مصر، ليبيا، اليمن، سوريا، البحرين... بداية من 2011 إلى اليوم.

[2] ضمن مشروع البحث حول ممارسة المواطنة في الجزائر (في إطار قسم البحث حول التاريخ و الذاكرة من 2009-2012). أنظر : حسن، رمعون (إشراف). (2012)، الجزائر اليوم: مقاربات حول ممارسة المواطنة، وهران، منشورات مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية، الزبير، عروس (إشراف). (2005)، الحركة الجمعوية في لجزائر الواقع و الأفاق، وهران، دفاتر مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية، عمر، دراس (إشراف). (2002) ، الحركة الجمعوية في المغرب العربي، وهران، دفاتر مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية.  

[3] المقالات المنتقاة لهذا العدد من دفاتر إنسانيات قد سبق نشرها في مجلة إنسانيات سواء باللغة العربية أو الفرنسية و قد تم تنقيحها، تصحيحها و إضافة الشروحات اللازمة في الهامش، خاصة بالنسبة للمصطلحات و الألفاظ المحلية.    

[4] المقصود بهذا المصطلح مجموعات التشاور و القيادة التقليدية الفاعلة في المجتمع القبايلي و غيره، الأمس و اليوم.

[5] "التويزة" هي شكل من أشكال التعاون الجماعي على إنجاز المنشآت ذات النفع الفردي أو الجماعي.

[6] فضلنا استعمال لفظ القبايل بدل القبائل و ذلك مبرر في المقال الُمترجم لمحمد ابراهيم صالحي و الموجود في هذا العدد.

Appels à contribution

logo du crasc
insaniyat@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Recherche