Cahiers Insaniyat


كريم صالحي : عالم الاجتماع، جامعة مولود معمري، تيزي وزو، 15 000، الجزائر. 


     


مقدمة

كيف يبني الشّباب مستقبلهم؟ كيف يسعون للسيطرة على الظروف الموضوعيّة التي يعيشون ضمنها ويتحكّمون فيها بغية تجسيد بعض المبادرات الضرورية التي تعكس تصوّرهم للمستقبل؟ هما التساؤلان الرئيسان لهذه الورقة البحثية التي تستهدف تحليل خطابات هذه الفئة واستيعاب معنى هذا البناء والطرق والوسائل المستخدمة في تجسيد المشاريع وتشكيلها. علينا القول في البداية، أنّ مفهوم المستقبل عند الشباب لا يزال في طور التشكّل وهذا الطرح قد لا يسهّل عملية التحليل. ومع ذلك، يمكن قراءته على مستويين مختلفين هما: مستوى البناء العقلي (التطلّعات) الذي يغلب عليه "أحلام الشباب"، ومستوى تجسيد المشاريع التي تنمّ عن غايات لها علاقة مع طموحاتهم.

يقترح هذا النص عرضا لجزء من نتائج دراسة استطلاعية أجريت عن طريق مقابلات شبه موجّهة وشملت عشرة من شباب الريف بولاية تيزي وزو. تمّ اختيار الملامح الاجتماعية للمبحوثين على أساس معايير متعلّقة بدرجة التحصيل الدراسي والمكانة ضمن التنظيم الاجتماعي الريفي. لم يتجاوز جميع الشباب الذين تمّ انتقاؤهم لهذا التحقيق مستوى التعليم الثانوي، كما أنّهم لم يتواجدوا فترة إجرائه في حالة تمدرس، وهم غير متزوّجين ولا يفكرون حاليا في هذا المشروع. تتراوح أعمار الفئة المبحوثة ما بين 18 و33 سنة، وكلّهم من الذكور[1]. تمّ اختيار هذه الفئة، وفق مكانتها الرمزية بالقريّة، ونظرا لوضعيتها الهامشيّة في علاقاتها بمؤسسات الدولة.

تمحورت مواضيع المقابلات التي أجريت مع هذه الفئة حول علاقاتها مع العائلة وطبيعة توتّرات معيشها اليومي ونظرتهم له، كما تطرّقت أيضا لأشكال التفاوض مع الوسط العائلي والقروي وحالة الروتين ضمنهما. لقد كانت الغاية من هذه المقابلات معرفة الكيفية التي يقدّم بها الشاب نفسه، إذ نعتبر أنّ تقديم الذات متأثر بشكل كبير بالتمثلات التي يبنيها المبحوث حول واقعه الاجتماعي وفق ما يحيط به في أسرته، وبقريته وبالعالم بشكل أوسع والتي تغذّي بدورها نظراته المستقبليّة.

ازدواجية في القرارات وبناء المشاريع

تبيّن سلوكيات الشباب، موضوع هذه الدراسة، حالة التأرجح بين تطلعاتهم للمستقبل وإكراهات الواقع، فالتدابير الاقتصادية، باعتبارها "نظاما مرتبطا بالوضع الاقتصادي والاجتماعي وما يتيحه من إمكانيات موضوعية محدّدة لهذا الوضع"[2]، لا تسمح لهم بالقيام بمبادرات فرديّة مستقلة دون الاصطدام بركائز إيديولوجية وثقافية لاقتصاد موجّه ومركزي، كما لا يفسح لهم المجال إلا جزئيا وبشكل محدود ببعض المساحة لتمكينهم من الاستقلالية، فخطاباتهم عن غياب الدولة تبيّن درجة عدم استعدادهم لإنشاء مشاريع فردية تدفعهم للتميّز اليومي وتكشف نظرتهم وتصوّرهم للمستقبل.

 قد تكون المعادلة المطروحة على الشباب مصاغة على النحو التالي: كيف يمكن ربط الاحتياجات ذات الطبيعة الاستعجالية والفورية والآنية - التي تتطلّب وجود طريقة للنظر إلى الأشياء - بنظرة مستقبلية بعيدة المدى نوعا ما تستدعي التنبؤ؟ هذا الربط بين زمن الحاضر الذي يسيّر الواقع اليومي والزمن الذي يكشف آفاق المستقبل لا يتمّ دون إحداث تعارض بيّن. وفي الواقع، فإنّ الربط بين البنى الزمنية يسلّط الضوء على مهمة شاقة يحاول من خلالها الشباب الحصول على موارد اقتصادية لمواجهة الحياة اليوميّة وإنتاج الفائض المالي، بالإضافة إلى تعبئة الموارد الفكرية لبناء فكرة عن المستقبل.

تُظهر الاستراتيجيات المتّبعة من طرف الشباب في تصميم خطة لمعيشهم[3] أنّهم يستندون على ما يدَّخرونه من وصفات تخفي، بطريقة سيئة، التناقض بين مشاريع متواجدة في شكل ورشة غير منتهية. تتجلى هذه الازدواجية في التناقض الحاصل بين الزمن الدوري والزمن الكرونولوجي. وبما أنّ بناء صورة عن المستقبل غير ممكن سوى ضمن آفاق كرونولوجية، فإنّهم يسعون للتملصّ من القيود المفروضة من طرف الزمن الدوري (أعمال الحقول، البناء، الطقوس الجماعية...) من أجل تموضع ضمن مسار يتجه للمستقبل، فيحاولون بذلك قطع العلاقة مع وظائف إعادة انتاج المجتمع نفسه بحثا عن التموضع بصفتهم أفرادا قادرين على اتخاذ مسار نحو مستقبل مخطّط له نوعا ما.

تبدأ الخطوات الأولى لهذا المسار بتدبّر الشاب لشأنه اعتمادا على نفسه في انتظار وجود أفاق جديدة، وما يدفعنا إلى هذا القول هو المشاريع المقترحة للنشاط المهني في السياق المحلي وبنيتها المتعارضة تماما مع مبدأ تكوين مسار مهني على المدى البعيد. فالتعبير "أكن يلا واس يكساتامكزا[4] (أعيش يومي)" يلخّص عدم وجود قدرة على الانخراط في مشاريع طويلة المدى. سياق التصريح التالي الصادر عن م.أ (24 سنة عامل يومي) يعطي لنا صورة عن ذلك أيضا:

"أتدبر أمري، أعيد بيع الهواتف النقالة ولكن تعبنا حقا تعبنا".

يحصر الشباب عدم الاستقرار المزمن (بطالة، وظائف غير مستقرة، ....) في منظومة تعيق كل مشروع مستقبلي وتمنع تشكّل رؤية واضحة حوله، فعدم انتظام الجدول الزمني اليومي لهذه الفئة يشوّه الأطر الزمنية والمكانية، ويعزّز المواقف المتقلّبة والسلوكيات الازدواجية المتناقضة. يصرّح المبحوث السابق قائلا:

"أنا أشعر بالاشمئزاز في الآونة الأخيرة، أنا أعمل في سقل الحجارة أحيانا ثم أتوقف، وأعود للعمل مجدّدا بعد بضعة أسابيع لجمع المال الذي أنفقه في حالة عدم النشاط".

يتناقض التصوّر المبني بطريقة مصمّمة – والمجهّزة بإمكانيات موضوعية لتنفيذ شيء ما - مع الأوهام الحاليّة التي تتطلّع لمستقبل بعيد المنال. وفي الواقع، فإنّ تصميم مشروع متماسك يستوجب على الأقل أدوات للتمكين من رؤية المستقبل والتخطيط له مثل: التأهيل في ميدان معين، التمتّع بموارد مالية ووجود مشروع موثوق بنجاحه، ولكن الفئة الاجتماعية محلّ الدراسة لا تندرج ضمن هذا الوصف. فمثلا بعض الشباب موجودون خارج أي مسار للتكوين، وأخرون يضاعفون ويعدّدون الدورات التكوينية معتقدين أنّ ذلك يضاعف من فرص الحصول على عمل ليجدوا أنفسهم في الأخير بصحبة العديد من شهادات التكوين المهني دون التمكن من استثمار أي واحدة منها. إضافة إلى ذلك، تتعارض فكرة تكوين موارد مالية ضرورية لبناء المشروع: إمّا بحجة مع عدم وجود رأس مال خاص يمكن الاعتماد عليه وإمّا بسبب تحفّظ البنوك أو كليهما معا.

لا يمكن الحكم على موثوقية نجاح المشروع إذا لم يتوفّر على الشرطين الأولين معا. فقد تتعارض الشروط الموضوعية لإتمام المشروع مع الطموحات، ويبقى الشباب منغلقين في بيئتهم القرويّة خوفا من مواجهة العالم الخارجي الذي يوفّر لهم بعض فرص العمل في ورشات بناء المنازل الخاصة، أو من خلال الاستغلال الموسمي لمنتجات الأراضي للعمل ضمنها، أو ضمن تربية المواشي والرعي، وهذه المهن الظرفية تقدّم على الأقل تأمينا ولو كان عابرا. يجب القول أنّ عاملي مرور الوقت والتقدّم في السنّ يبدّدان من وهم هذا التأمين ويقوّيان التناقضات الداخلية لديهم، والتي تتراوح بين الحاجة إلى البقاء على قيد الحياة وبين التطلّع لحياة سعيدة نحو المستقبل، وبذلك يحاولون بناء مستقبل من خلال ممارسة العديد من الأعمال في العام الواحد.

تمثّل قصة شاب ك.ل. البالغ من العمر 28 سنة مثالا لذلك، فهذا الأخ الأكبر لأخت وأخ، فقد أباه وهو لم يتجاوز الرابعة من العمر وترك المدرسة في سنّ 14 (قسم السابعة أساسي سابقا) و"لم يكن لدينا (أسرته) شيء لنأكله" حسب تصريحه. بعد تربّص قصير في النجارة عند عمه، استلم العديد من الأشغال لإعالة الأسرة. اجتاز ك.ل. في قريته تجارب مريرة وأليمة أثّرت على مساره، فقد كان عليه تأسيس حياته مباشرة بعد مغادرة المدرسة، وكان عليه التشمير عن ساعديه منذ الطفولة: "عمري حاليا 28 سنة ولكن أبدو وكـأني في 60 سنة". تمثل القرية بالنسبة لهذا الشاب مكانا رئيسا للاحتكاك الاجتماعي، ففي طفولته قام بالانضمام إلى فرقة الكشافة الإسلامية تحت إشراف جمعية محليّة، وقد سمحت له هذه التجربة بالتعرّف على وسط آخر غير الأسرة بحثا عمّن بإمكانه أن يحلّ محل الأب، وخفّف جزء من صدمة الغياب المشرفون على تنشيط الجمعية التي سمحت له اكتشاف التفسّح في الهواء الطلق، المسرح، ...

لا يمكن تجاهل معاناة المعيش اليومي أثناء بناء المستقبل، فهذا الشاب الذي نشأ في هذا العالم لا يمتلك الوسائل الضرورية لتأسيس خطّة حياة للمدى البعيد، فبقاء أسرته على قيد الحياة - والذي يستوجب ضرورة تلبية حاجاتها الأساسية - يعرقل تموقعه ضمن سوق العمل، ويجعله مرغما على الاكتفاء بالمهن غير مستقرة والهشّة والمرهونة بتقلب المواسم.

تدعو التجربة الفتيّة للمستجوب المكنى ك.ل. لمجابهة مجموعة من التحديّات منها: بناء مستقبل ضمن ظروف غير مواتية، حماية مصالح عائلته من رغبة عمّه في حرمانهم من الإرث وإيجاد مكانة له بين نظرائه، وكل ذلك ينوي تحقيقه في قريته التي يحرص على حضور اجتماعات مجالسها القروية منذ أن بلغ سنّ العشرين. لقد أوجد ولاؤه لمجلس القرية وانضباطه فيه الرغبة في تأكيد ذاته وتأكيد دوره بصفته خليفة لأبيه يتوجّب عليه إدارة إرث رأس المال الرمزي للبيت، فولوجه لعالم "الرجال" - كما يعلن عن ذلك تواجده في مجلس القرية "التاجمعت" - أعاد تحديد اهتماماته وأوقد لديه سيرورة لتغيير مفهومه للحياة الذي تكوَّن لديه في الوسط الأسري، كما أنّ إلقاءه للكلمة أثناء الاجتماعات الدورية للمجلس أمام من يكبرونه سنّا، ووفق سياق مقيّد بالامتثال لقوانين القرية، هو تأكيد لوضعه بصفته شابا.

ويبدو هذا السعي إلى الاكتفاء - الذي "يحبس" الشباب في قراهم[5] - متّصلا بالتمثّل الذي يكوّنونه عن عالم "ما وراء حدود القرية "، خصوصا وأنّ مؤسسات الدولة عاجزة عن تلبية مطالبهم وتلغي كل أشكال الاستفادة من مشاريع الاستثمار المستقبلية، فالطّلبات الإدارية من أجل الاستفادة من مشاريع لتربية "أسراب النحل أو العجول"، أو الحصول على "القروض المصغّرة"... غير المحقّقة.

يدعّم هذا الرأي التجارب المعاشة من طرف مجتمع البحث، بحيث ينظر الشباب المستجوب للخدمات الإدارية وكأنّها موجودة في برج يصعب الوصول إليه، فتعقيد خطوات تكوين المشروع والمسافات الفاصلة بينه و بين الموظفين من أصحاب القرار على المستوى العلائقي، يفشلان كل محاولة لتكوين مؤسسة خاصة.

تعتبر تصريحات المستجوبين أنّ دار البلدية هي تقريبا الهيكل الوحيد الرسمي الذي يتمّ التردّد عليه من حين لآخر بغرض استخراج وثائق الحالة المدنية، كما أنّه الهيكل الأول الذي تمرّ عليه مشاريعهم لطلب الدعم لإنشاء المؤسسة، لذا نجد أنّ أغلب مشاريعهم تتفادى مساعدات هذه الهياكل المحلية لتعوّضها باستحداث فضاءات مستقلّة أخرى تعتبر شكلا لإنتاج أدوات تحقيق ذاتهم، فالدولة بالنسبة لهم مفهوم بعيد المنال ومجرد من أي شرعية في الميدان، خصوصا عندما يجدون أنفسهم مقصيين من مختلف برامج إدماج الشباب بعد تكرار المحاولات، وهذا الوضع يتطلّب منهم المبادرة بطريقة مستقلّة عن مختلف السياسات العموميّة بحثا عن ظروف ترقيتهم الاجتماعية، فأشجار الزيتون التي يزرعونها والمواشي والأبقار التي يربّونها والحجارة التي يصقلونها هي المشاريع التي ينجزونها بمساعدة عائلاتهم بعيدا عن "البرامج العمومية".

ترتبط الهشاشة الاجتماعية لهؤلاء الشباب بالحياة اليومية، فبدون عمل مستقر لا يتراءى لهذه الفئة أي مستقبل لأنّ حالة العامل اليومي تنافي المستقبل، خصوصا إذا كان مــا بقي من الأشغال المنجزة من طرفهم ذو علاقة برزنامة موسمية تسهم فيه دوريّة الحياة اليوميّة التي تطيل الحاضر ولا تعطي للزمن أي آفاق مستقبلية. كل المشاريع تبقى حبيسة الأدراج ما دام العمل المستقر لم يأت بعد لكسر هذه الحلقة المفرغة التي تزوّد الشباب بوسائل موضوعية تسهّل عليهم الانفصال عن منطق هذه الحياة اليومية. يصرّح أحد المستجوبين (ح.ي. 27 سنة، عامل يومي):

"سأبلغ 30 سنة قريبا وأنا بدون عمل [مستقر] وأتساءل متى سأبني مستقبلي؟ وضعيتي ليست نتيجة عدم المحاولة حيث لا أعرف شابا رفض العمل. في سن معين يتوجب الزواج، العمل والسكن. مشكلة الشباب عدم توفر العمل، ما يفسر اكتئاب وانتحار الشباب".

إيقاعات مرتبطة بالرزنامة العائلية

يعمل بعض الشباب بدون الحصول على أيّ مقابل مادي منتظم يساعدهم على تكوين مشروع مستقل وإنشاء مؤسسة فردية. مثل هذا توصيف ينطبق على الشباب الذين يعملون ضمن الملكية العائلية المسيّرة من طرف الأب من دون الحصول على أجر (العمل في التجارة مثلا).

يشتغل هذا النوع من الممارسات الاقتصادية في المجتمع التقليدي القائم على مبدأ الحيازة المشتركة للملكية غير القابلة للتجزئة (حتى لو كان الأمر متعلقا بالأعمال المرتكزة على الأراضي الفلاحية[6])، بحيث تمثّل مكانا للتعايش بين نشاط حديث وطرق تسيير تقليدية.

تحصر هذه الأنواع من الممارسات الاقتصادية الشباب في عالم يتأرجح بين موقفين متناقضين: فهو خاضع لسلطة نسقها وغير خاضع لها في الوقت نفسه. فبسبب عدم قدرته على إيجاد عمل في مكان آخر وحضور سلطة الأب، يواصل الشاب أداء دور الابن رغم رفضه له بشكل كامل:

"الطريقة التي يسير بها والدي التجارة لا تعجبني وميزانية الأسرة لا تناسبني، بودّي الحصول على راتب شهري هكذا أكون حرا. عندما آخذ بعض المال من الخزينة استهلكه خلال ساعة. هذا ما لا يسمح لي بالتوفير وتحقيق مشروعي، وفي الحالة الراهنة أعود كل يوم إلى نقطة البداية، أي إلى نقطة الصفر" (ب.ك. 29 سنة، يعمل بمتجر والده).

ومع كل ذلك، هناك محاولة لإضفاء شرعية على أسلوب الأب في الإدارة، وهذا ما يجعل من التوازن بين الرغبة في الاستقلالية وواجب الحفاظ على المؤسسة العائلية ضعيفا.

"الأجر؟...، أنا لا أريده. وسيكون حملا على والدي الذي سيدفع أجرين، لي ولأخي، إضافة إلى الإيجار" (المبحوث نفسه ب.ك).

يبدو للعيان أنّ كل شيء متعلّق بقرار الأبّ، فهذا الأخير يمنع ابنه من البدء في تجسيد مشروع خاص به بسبب فشله في أخذ المبادرة بدلا عنه، وهذه اللعبة تتمّ بدهاء وفق قاعدة متقبّلة بين الطرفين، قوامها تحديد مجال نشاط كل فرد حسب منزلته، فالأب هو الذي يضمن وحدة العائلة ويحتل موقعا مركزيا ضمنها، وبالتالي فهو صاحب القدرة على توزيع الأدوار على كل فرد من العائلة.

تمثل العزوبة آخر عتبة في مسار بناء وتجسيد الاستقلالية. وتجنبا للتورّط في مشروع الزواج الذي يزيد في تبعيتهم العائلية، يحاول الشباب الحفاظ على هامش من الحريّة، ولكن في الوقت نفسه يحيل تأخير سنّ الزواج عندهم إلى وجود تصوّر غامض للمستقبل لا يتجاهلون مفهومه وإنّما يخشونه. ويربط الشباب وفق قراءة عقلانية مشروع الزواج بالاستقرار (بمعنى القدرة على التنبؤ وحساب المتغيرات)، ويعني ذلك بالنسبة لهم الحصول على العمل يضمن لهم دخلا قادرا على تلبية احتياجات العائلة، لذا فهم يستبعدون كل مخاطرة من شأنها تهديد الأمان الذي توفّرها لهم حياة العزوبة، بحيث يصبح ارتباط معيش الشباب بالحياة اليومية ملجأ بالنسبة للذين لا يمكنهم خلخلة هذه البنية التي تطلّب منهم التّخلي عن حياة "الولد" في غياب الضمانات التي يوفرها المقابل "الاقتصادي".

ينتظّم هذا المجال وفق منظومة ثنائية: عزوبة/حياة يومية من جهة، والمتزوج/مستقبل مستقر من جهة أخرى. يصرّح أحد المبحوثين (أ.ف.، مزارع):

"أنا لست مستقرا تماما، أي لا يمكنني الاعتماد على إمكانياتي الخاصة، في هذه الحياة لا توجد ثقة، أنا مثلا لا أثق بأبي [مغترب في فرنسا ولم يعد منذ 13 سنة] لأنّني لا أعرفه، أخاف أن أتزوج وأجد نفسي في موقف متفرج، لا لا يمكنني الاعتماد عليه".

يُحدث "الزواج" أيضا حالة من القطيعة مع مفهومه التقليدي خصوصا عندما يتعلّق الأمر بتزويج الأب لابنه، فالاختفاء شبه الكلي لفكرة انقسام العائلة وتفكّكها - لأنّها تمثل وحدة اقتصادية - يعيد تشكيل مفهوم القرابة ويعدّله، لذا يتمّ تأخير مشاريع الزواج في غالب الأحيان. يصرّح المبحوث نفسه (أ.ف.):

"المرأة عبأ لا أستطيع تحمله، أولا لا بد لي من ضمان دخل كاف، في الوقت الحاضر ليس الحال كذلك، لا أستطيع الزواج".

هذا القدر القليل من الاستقلالية مقيّد بمكانة رب العائلة الذي يشغله بعض الشباب في حال غياب الأب، فهؤلاء يستعينون بالأمّ لاتخاذ قراراتهم الشخصية أو المتعلّقة بالعائلة. يمكن القول أنّ المكانة التي تتمتّع بها الأمّ تسمح لهم بممارسة نوعمن السلطة المحجوبة، بحيث ترجع فعالية ذلك للتمثلات التقليدية التي تضع ذلك ضمن المجال الذكوري وتخفيه عندما يتحوّل الأمر للمجال الأنثوي. فعندما يعلن الشباب أنّهم يحتلّون مركز "الأكرو" (رأس العائلة) فهم يخفون من وراء ذلك واقع توزيع الأدوار العائلية، وهذا الإنكار للواقع يعزّز بشكل واسع ميلهم للحريّة والعمل على تطوير أي مشروع فردي.

يفرض غياب الأب وبنية العائلة وضعيات زمنية متعلّقة بجدول توزيع الزمن عندها (أي العائلة)، بحيث تغلق آفاق المستقبل وتضبطه وفق الزمن الحاضر. المستقبل الوحيد بالنسبة لها هو المستقبل المرتبط بباقي أفراد العائلة، ببناء منزل، بالعمل في الأراضي ...إلخ، ويقع هذا بوجه خاص على كاهل الذكر الأكبر سنا، كما هو الحال بالنسبة لهذا المبحوث (ش.م. 25 سنة، عامل يومي) الذي يصرّح قائلا:

"في غياب أبي [مغترب بفرنسا] ومنذ وصلت سنّ البلوغ وأنا المسؤول عن البيت وعن إخوتي (03 إخوة)،فهم يحترمونني كثيرا لأني أكبرهم، ومع ذلك أسمح لهم بالتمتع ببعض الحرية. بناء المنزل، قطف الأعشاب، تحضير التبن... أنا من يهتمّ بالشؤون المنزلية، إخوتي يساعدونني دون أن أجبرهم على ذلك. فيما يخص ميزانية البيت، أتكفل بها أنا وأمي، وعندما كنت طفلا كانت أمي هي التي تسيّر كل شيء، وتواصل التسيير إلى وقتنا الحالي لأني أثق في قدرتها على ذلك".

وفي هذا السياق، يصبح الأخ الأكبر سنا مسؤولا بالتفويض وهكذا دواليك، ولا يستطيع التهرّب من تحمّل مثل هذه المسؤولية لأنّ ذلك يهدّد التوازن العائلي، فبعد رحيل والده يشغل الشاب هذه المكانة بغرض ترميم رأس المال الرمزي للعائلة والمحافظة عليه لأنّ ذلك أساسي لكل مشروع بناء، أو على الأقل لكل لرؤية مستقبلية. لذا يمكن القول، أنّه وفي غياب الاستثمار ضمن مشروع اقتصادي خاص، ينخرط الشاب في بناء مسار ذو قيمة لا يمكن احصاؤه عدديا، أساسه الحفاظ على مكانة عائلته، ومترافق مع المراقبة اليومية لمصالحها ضمن المجال القروي.

يصرّح أحد المبحوثين:

"بصفتي الأكبر سنا في أسرتي فإنّ مسؤولياتي اتجاه أمي أهم من مسؤولياتي اتجاه إخوتي" (ه.م).

من جهة أخرى، يعمل المستجوب (ل.ك.) على بناء صورة عن ذاته تسمح له بالاندماج في هذا المجال خصوصا عندما يصبح المستقبل مرتبطا بالقرية، لذا يشارك في الأعمال الجماعية (تويزة)، كما يحرص على حضور جميع المناسبات التي يدعى إليها بما في ذلك المناسبات الجنائزية. يقوم الشاب المستجوب من خلال هذا الحضور الدائم، وبصفته وريثا والده، بالأدوار التي كان عليه أن يقوم بها أبوه لو كان على قيد الحياة، كما يتشبّث بصيانة صور التربيّة العائليّة الممثلة في "الأمانة"، 'الكرامة' و"التضامن"(خاصة ضمن سياق البؤس)والتي يستثمرها في علاقاته مع الآخرين في مسعاه للبحث عن العمل المأجور.

يدفع الامتثال للقواعد المتعارف عليها والمفروضة على سكان القرية ل.ك. لتتبّع "القواعد الاحتفالية" مثلما يتحدث عنها إرفينغ قوفمان. فهذا الأخير يعتبر أنّها توجّه "التصرّف تجاه الأمور التي نعتبرها قليلة أو عديمة الأهمية ولكن تعتبر رسميا على الأقل ووسيلة تواصل متعارف عليها يعبّر من خلالها الفرد عن شخصيته أو امتنانه للآخرين"[7]. ترافق هذه القواعد سلوك المبحوث بصفته "رجلا" من رجال القرية، فتكبح رغباته الشبابية لغرض تعزيز رأس ماله الرمزي ضمن المجتمع القروي. ووفق هذا السياق، يحافظ الشاب على صورة الذات من خلال مفهوم الجديّة المتوافق مع التعريف الجماعي له عند سكان القرية، ويدفع مِثل هذا الالتزام المبحوث للتصريح بأنّه لم يواجه يوما صعوبات في التوظيف عندما يتوّفر عرض في سوق العمل المحلي، كما يحرص على إرفاق ذلك بطقوس تملّكه للمجال القروي من خلال الحضور في مجلس القرية، والذي بدون الاعتماد عليه لا يمكن لمكانته سوى أن تكون هامشية.

يعتمد المستجوب ل.ك. في تحقيق مشاريعه على الإدارة العائلية للموارد الناتجة عن العائدات المالية للأشغال التي ينجزها بنفسه، ويدعّم ذلك بمساهمات أخيه في ميزانيتها، يضاف إليها بعض العائدات العينية من بيع زيت الزيتون وبعض الأغنام، فهو بمثابة مسيّر الخزينة المنزلية، في حين ترجّح خطاباته أنّ مقترحات الأم مأخوذة بالاعتبار عينه في سياق هذه الإدارة. لقد دفع وفاة الزوج الأمّ لتولي مسؤولية ربّ العائلة، وهذه المسؤولية لا تستطيع تفويضها لأبنها الأكبر دون وجود محتمل لخطر تهديد وحدتها. ومن خلال محادثتنا مع محاورنا، تتبيّن لنا استراتيجية موضوعة بدقة وسلاسة من قبل الأمّ، والتي تهدف إلى اتخاذ وضعية الحكم لتجنّب أي اختلال محتمل للعلاقات بين أفراد عائلة بحيث تصبح (أي الأمّ) مركز الثقل الذي يمرّ عليه كل مشروع، بما في ذلك مستقبل ل.ك. نفسه الذي يقصي أي إمكانية لمشروع زواج عنده قد يبعده عن المنزل العائلي ويضعه بمنأى عن "تمنيارت نيما" (أي الأم). يصرّح المبحوث قائلا: 

"لا أقبل أن أتزوج وابتعد عن أمي، لا يمكن الابتعاد عن الانسانة التي ربّتني وضحّت لأجل أن تراني أكبر".

المبادرة الفردية لدى الشباب، عينة هذه الدراسة، ليست مخنوقة لدرجة منع كل حريّة في المناورة. فلـِــشقّ طريقهم في بناء مشروع معين، يلجأ بعضهم إلى التكوين المهني عقب فشلهم الدراسي بغرض التمرّن لدخول سوق العمل وشغل مهنة ذات راتب مستقر والخروج من دوريّة الحياة اليوميّة والتطلّع نحو المستقبل. لكن قد يكون هذا التكوين غير مجدي إذا لم يتبع بفترة تربص تسمح لهم باستغلال معارف شهاداتهم في النشاط المهني أو لمتابعة تكوين أعلى ورفع من حظوظهم في سوق العمل.

وفي الواقع يمثّل الانخراط في التكوين المهني طقس عبور غايته حفظ ماء الوجه[8]، يمرّ بها الشباب المتسرّبين من المدرسة مرغمين على التسجيل فيه وتلبية لرغبة محيطهم وتحسين مظهرهم. ومع ذلك، تبقى طرق التكوين التقليدية الآيلة للزوال موجودة بشكلها الطقوسي في القرية حتى ولو أنّها بدأت تأخذ ألوانا جديدة. التصريح التالي يعكس مكانة التكوين باعتباره طقس عبور بدون أي غاية مستقبلية، خصوصا عندما يخضعون له ويبقون في قراهم ليواصلوا العمل بصفتهم عمّال مساعدين أو عمّال يوميين:

"حاليا، أقوم بتكوين في السمعي البصري للترفيه فقط، بماذا سينفعني مثل هذا التكوين؟"(ب.ك.).

التواجد ضمن التصنيف المهني الأدنىsous-prolétariat  هو ملجأ هذه الفئة التي تنتظر المستقبل بدل أن تتجه نحوه. يصرّح أحدهم قائلا:

"عندما رسبت للمرة الثانية في امتحان البكالوريا تردّدت طويلا في الالتحاق بتكوين في تخصص تقني أشغال كبرى، ولكني لم أبحث عن عمل بعد التخرج. الأرجح أنني سأواصل التكوين للحصول على مستوى تقني سامي ثم سنرى ماذا سأفعل بهذه الشهادة" (ه.م.).

الرحيل: ملجأ الشباب

"المستقبل موجود خارج الوطن" عبارة يستعملها بعض الشباب الباحث عن الاعتراف الاجتماعي وعن هويّة تمكنهم من الاندماج في المجتمع القروي المحلي. فهم يربطون مشاريعهم المستقبلية بالسفر إلى الخارج، وهذه الفكرة تندرج ضمن منطق متعاكس مع الإطار التقليدي للعائلة وموجودة في قطيعة مع ما هو غير معتاد عندها. "الخارج" يمثل ملجأ مبنيا وفق نظرة خيالية تعتبره مجالا بديلا:

"هنا لا يوجد مستقبل، يجب على كل شاب الذهاب لأجل عمل، ربح المال ثم العودة، إنّه المستقبل الوحيد الممكن، لكن يجب العودة بعد سنتين  أو ثلاث سنوات لأنّ العيش هناك يعني الشيء نفسه والعمل وإنفاق المال في بلد أجنبي غير مجد"(م.أ.).

التحرّر من سلطة الأب، تحقيق الذات والاستقلالية هي مشاريع صعبة المنال محليا لأنّ القواعد الاجتماعية تمنعهم من الوصول إلى مكانة الفرد، وبما أنّ الحصول على ذلك لا يكون إلا في ظل المجتمعات التي تتجلي فيها الفردانية، يستثمر الشباب وقته في مشاريع مربحة للمال من أجل الوصول لمبتغاهم المتمثل في الاستقرار ببلد آخر. تثير صورة المرويّة عن "الخارج" من طرف المهاجرين والمتقاعدين العائدين لأرض الوطن رغبة في الالتحاق به، فوظيفتها الإنكارية تخفي عن الشباب القدرة على تحقيق ذواتهم ومستقبلهم وأحلامهم في أرض الوطن، فــ"الهجرة وفق نظرتهم المثالية هي مصدر ثراء وفعل حاسم من أجل التحرّر، أمّا الغربة المتعمّد إنكار معانها التقليدي، فتسعى إلى التعريف بحقيقة أخرى تتماثل معانيها مع كلمات الفرح، السعادة، الأمان...."[9].

يقودنا هذا المثال للحديث عن (م.أ.) الذي يعمل بمهنة صقل الحجارة بهدف توفير المال لغاية الهجرة للخارج. يبلغ هذا الشاب 24 سنة، وهو الأكبر ضمن خمسة إخوة وثلاث أخوات. توقف عن الدراسة في سن 12 سنة (الصف السادس ابتدائي)، وتابع دروسا في الفرنسية ليتعلّم "ما لم تلقنه له المدرسة العموميّة". يصرّح م.أ. الذي يشتغل والده بمؤسسة الالكتروميكانيك قائلا:

"تركت المدرسة في الصف السادس، ما أندم عليه هو عدم تعلمي للفرنسية، لكني أحاول استدراك ذلك بمتابعة دروس خصوصية لتعلّم القراءة والكتابة بهذه اللغة، إنّه نوع من التحضير للذهاب للخارج".

يعمل المستجوب (م.أ.) في الحجارة المستخرجة من أراضي عائلته، وهو نشاطه الأساسي على الرغم من صعوبته وطبيعته المؤقتة، ويلجأ في فترات أخرى لاستبدال هذا النشاط الأساسي بأعمال أخرى ينجزها لدى الخواص في قريته وتستدعي منه التحوّل إلى مجرد عامل مساعد manœuvre. بدأ المبحوث باستخراج الحجارة عند بلوغه العشرين من عمره، وحول ذلك يصرّح قائلا:

"كان عندي عشرين سنة عندما بدأت العمل بالحجارة. في البداية كنت أجمع حمولتين ممّا يمكن أن يحمله الجرار من أجل بناء مستقبلي في الخارج". كان المستجوب في هذه السنّ يعمل بدون انقطاع في هذا النشاط لتحضير مستقبله بالخارج، وخلال السنوات التي قضاها في هذا العمل كان يكسر الحجارة التي يبيعها لمحوّليها ويدّخر مداخيلها من أجل توفير رأس المال "للهجرة".

يتأثّر يوم عمل بالنسبة لـ (م.أ) بالتغيّرات الجويّة، بضوء النهار، بسوق الحجارة وباستعداداته النفسية، وينتج يوميا ما معدّله 50 حجارة في حالتها الأولية، يجمعها في موقع الاستخراج بانتظار توجيهها للعرض في الطريق الوطني بواسطة جرار زراعي. تكدّس الحجارة على حافة الطريق إلى غاية بيعها بثمن يتراوح ما بين 60 و80 دج للوحدة. يعود تعلّق الشاب بهذا العمل لأمله في مستقبل خارج الوطن. للتوضيح فقط، يهيمن على الخطابات مع الأقران والنظراء من الشباب موضوع طرق الحصول على "التأشيرة"، وتؤطره الاستفهامات التالية: كيف تتمّ اجراءات تقديم طلب الحصول على التأشيرة؟ عبر أي القنصليات؟ ماهي التدابير المتّبعة؟

يصرّح المبحوث نفسه بأنّه قام بتقديم 60 طلبا للحصول على تأشيرة فرنسا وغيرها من الدول الأوربية:

"التأشيرة موضوع أساسي للحديث بيني وبين أصدقائي. نتبادل المعلومات حول الدّول التي تقدمها بسهولة، وحول القنصليات التي يمكن أن نقدم لها ملفاتنا.....إلخ".

تتخلّل دورة الحياة عند الشباب سلسلة من المحطات الأنوميّة الراجعة للقيود التي تعيقهم في تحقيق مشروعهم الأساسي، فالذهاب للخارج - الذي يمثل بالنسبة له الدخول للمستقبل - هو سبب الضغوطات الداخلية، وعند رفض طلب التأشيرة تبدأ مرحلة من الإحباط تدخل (م.أ.) في دوامة، يتوقّف فيها عن العمل، ويقضي وقته في الذهاب والإياب بين القرية ومدينة عزازقة، إحدى مدن الضاحية البعيدة بمسافة 8 كلم عن مقر سكناه، وتصبح المقاهي المكان الذي "يقتل فيه الشاب وقته" مع من يشاركونه الأحلام نفسها.

يتقاسم الكثير من الشباب، الذين وجدوا أنفسهم في العمل ضمن مهن الحجارة، المسار نفسه لـ (م.أ.)،بحيث يتعلمون في ميدان تقنيات استخراجها، وكيفية التّعامل مع أدوات الانتاج وسبل الترويج للبضاعة. فهؤلاء الشباب ينتمون إلى جيل تلقى حرفة متوارثة عن الأجيال السابقة في القرية، يستعملون معارفهم المجرّبة سابقا ويطوّرونها بهدف تكثيف الإنتاج وإضفاء التحسينات التي تمسّ شكل الحجارة المنحوتة، بحيث تصبح في صورتها النهائية قطعا مستطيلة. لا تتوقف تحسينات على الشكل فقط، بل تمسّ أيضا طرق البيع في شكل تعاونية يتفاوض فيها مع المحوّلين حول أسعار الحجارة المستخرجة.

أخيرا، تأخذ القرية نوعا ما شكل مجال مدمج للإنتاج من خلال الاستثمار في المرحلة الأخيرة من سير العملية الإنتاجية المتمثلة في التحويل. فهؤلاء الشباب يعيدون استثمار ما تحصلوا عليه في التنقيب في وحدات إنتاجية صغيرة الحجم من أجل توفير منتوج كامل في السوق، وهذا النشاط يمثّل المصدر الأساسي للعمل بالنسبة للمستقرين في القرية في انتظار تحقّق ما يحلمون به ويخطّطون له والمتمثل في "الذهاب للخارج".

لا يبدو أنّ فكرة الرحيل تقلّص الشباب إلى مجرد فرد حالم بالهجرة وفق ما ينتجه من صورة ذهنية نمطية عن "بلد العجائب"، بل يقوم هؤلاء بمتابعة مشاريع مقاولاتهم الصغيرة والتي قد تكشف عن توجّه نحو الاستقرار في القرية وبحث عن الرفع من هامش الاستقلالية الفردية بشكل واع أو غير واع.

يعيد مثلا (م.أ.)استثمار إدخاره في وحدة صغيرة لتحويل الحجر بعد أن تخلى لفترة وجيزة عن مشروع الهجرة إلى الخارج، فيشتري آلة لقطع الحجارة ويوظّف شابين في ورشته البدائية دون اللجوء إلى مساعدة أي مؤسسة. يحقّق هذا المبحوث مشروعه بإمكانياته الخاصة دون تدخل عائلته، بحيث يتحوّل إلى مقاول يحاول صعود السلم الاجتماعي بغية تكريس عملية بناء مجال استقلاليته منذ سن العشرين، وهذه الخطوة المدعّمة من قبل الأب، لا تخضع (م.أ.) لالتزامات دفع حصة من عائدات مشاريعه للمصلحة العائلية (المساعدة في بناء المنزل)، ووفق هذه الطريقة يبني الشاب المقاول عالمه الفردي الخاص به، غايته في ذلك تجسيد مشروع الهجرة حتى ولو بدأت أسباب تبنيها كمشروع مستقبلي نحو "الخارج المنشود" في الزوال التدريجي:

"لا زلت أحتفظ بالنقود التي ادخرتها للهجرة".

تتلاشى هذه الطموحات المتوالية - الموجودة في مرحلة التجريب والتي يبحث الشباب فيها عن نفسه ويسعى ليكوّن نفسه - أمام الرقابة الاجتماعية التي تتواجد بالقرية. فبالرغم من وجود مشاريع الهجرة، لا يزال هؤلاء الشباب يحرصون على صون صورة القروي ذو السلوك الحسن ما دام حلم الهجرة لم يتحقق بعد، فعلاقاتهم مع أفراد القرية تظهر لهم إلى أي مدى توفّر لهم الأنظمة التقليدية الإحساس بالأمان في الأوقات الحرجة رغم هوامش الاستقلالية التي يسعون للحفاظ عليها ضمن المحيط القروي. إنّ عدم لعب دور الفاعل الاجتماعي في المجال القروي لا ينفي احترامهم لقرارات الجماعة (تاجمعت) ولا ينفي المشاركة في الأعمال الجماعية ولا ينكر الخضوع للقواعد التي تحكم العلاقات مع كبار السنّ، فالقرية بالنسبة للشباب الراغبين في الهجرة هي بمثابة قاعة انتظار في جو من الطمأنينة.

علينا التذكير بأنّ صعوبات تحقيق مشروع الهجرة تعود إلى الإجراءات الصعبة المفروضة من قبل الدول الأوربية في معالجتها لملف التأشيرة من جهة، وأيضا متعلقة ببنية العائلة وترتيب الأخوة ضمنها. فعلى الأخ الأكبر سنا يقع عبأ الاشتراك في المشروع العائلي، وعليه أيضا يقع عبأ لعب دور الأب في حال غيابه، وهذان العنصران كفيلان بتعطيل وعرقلة مسار التفرّد والاستقلالية ومشروع الهجرة، خصوصا إذا كانت الأيديولوجية (الفكرة) التي تشرّع توزيع الأدوار ضمن العائلة موجودة لتحدّد مصيره بمصير العائلة:

"أنا مشتّت بين الهجرة إلى الخارج وواجب البقاء، عندما أفقد الأمل أحاول الهجرة لكن يشدّني سبب أقوى، ليس لدي الرغبة في ترك أمي وإذا ذهبت لن أعود أبدا" (ب.ك.).

مبحوث آخر يصرّح قائلا:

"لا أستطيع الذهاب إلى الخارج وترك أمي العجوز هنا (في القرية)، أعمل بشكل عاد، أنا قانع بما لدي لا أستطيع الذهاب هناك لأنّه لدي ما يكفي عيشي هنا، لدي مكان أنام فيه، لدي عمل (بل أعمال كثيرة)" (ل.ك.).

ترويض المستقبل. هل ذلك ممكن؟

لا يستعمل الشباب الأعزب مدخرات دخلهم فقط لتلبية حاجات عائلاتهم (الوالدين، الإخوة، الأخوات)، بل يستغلونه أيضا في تحقيق أحلامهم التي تستوجب الاعتماد على الإمكانيات المادية (في غياب التأهيل المهني والشهادات الدراسية) لتحقيق مشاريعهم المستقبلية، مستعينين بما تمّ كسبه من مال خلال ساعات العمل التي تمتّ بشكل متقطع بغية استبداله بوضعية قادرة على توليد الدخل الدائم.

تعتمد محاولة تجسيد الاستقلالية على التنبؤ بما يجب القيام به مستقبلا دون الحاجة للجوء لوصاية عائلية أو سياسية، وعلى الرغم من الأرباح الضئيلة التي تمّ جمعها من خلال بعض النشاطات التي لا تزال في بداياتها إلا أنّ الشباب يحاولون تكديس رأس المال لتوسيع أعمالهم بعيدا عن الأطر المؤسساتية. فبالنسبة لـ (أ.ف.)

"أحب الرعي وأترك حيواناتي، ليس هناك لا الدولة لا أي شخص، ليست لي علاقة بهم ".

فالرعي هو فعل يعتمد على الحساب الاقتصادي ويهدف إلى تنمية رأس المال الأولي المستثمر فيه في الأعمال التجارية، وهذا الحساب ليس نتاج تكوين مدرسي[10] فقط بل هو مرتبط بثقافة عائلية تزوّد الشباب بأدواتها العقلانية القادرة على تنمية مشاريعهم.

وفي الواقع لا تزال أساليب الإدارة الاقتصادية الحديثة أو على الأقل القريبة منها - بما أن مشاريع الشباب ترتكز على مفاهيم مضى عليها الزمن إلى حد ما ولكنها ليست بدائية - لم تلق بعد مجالها في بيئته المألوفة، فباستثناء بعض العائلات التي وصلت إلى المعرفة الجامعية بفضل المسارات الدراسية لبعض أفرادها، لا تزال هذه المجالات، إلى حد كبير، مكانا للاقتصاد التقليدي. وضمن هذا السياق، يستمد الشباب العبر من تجارب نظرائهم أثناء رسم الخطوط العريضة لمستقبلهم دون الإخلال بإيقاعهم الاجتماعي. الوعي بهشاشة التوقعات يبعد كل المجازفات التي ترهن فرص النجاح، فالمستقبل بالنسبة لهذا الشاب يماثل حال الدابّة التي يجب ترويضها، وهذه النظرة تتطلب فترة طويلة للاستثمار فيها، ويبدو أنّ إعادة تحديد مفهوم الزمن لدى الشباب ضروري من أجل تعبئة الإمكانيات التي تفرضها هذه "التضحية ". وفي الواقع، يلجأ الشباب إلى تأخير الإجراءات المدوّنة في "مذكراتهم " أو إلى إلغائها من أجل التركيز على مشاريعهم الحالية وجني عائداتها على المدى الطويل.

يُحدَد المسار الاجتماعي للشاب بمحطات زمنية، كما يتحدّد وفقها على وجه الخصوص مفهوم المستقبل لديه، وإذا جرى استبطان هذا الأخير على أنّه "نجاح" فذلك لا يكون له معنى إلاّ إذا تمّ وضعه في سياق سلسلة الأحداث والتجارب التي عاشها. يُنظر للنجاح، بوصفه تحقيقا لطموح الفرد إلى الترقي لمكانة اجتماعية أعلى ممّا هو عليها، نظرة الرضى خصوصا عندما تكون المكانة الاجتماعية الأولى (في مرحلة ما من سيرته الذاتية) في درجة أدنى من السلّم الاجتماعي، وبالخصوص عندما يجد الشاب نفسه مبكرا في وضع رب أسرة في ظل غياب الأب.

تتواجد الرزنامة البيوغرافية للسيرة الذاتية في وضع متأخر أثناء إعادة تحديد الحاضر والمستقبل، وفي الواقع تبدأ طموحات النجاح الاجتماعي في الظهور مبكرا، وتتوافق مع سنّ مغادرة الشاب مقاعد الدراسة من أجل العمل في المرحلة الابتدائية أو الثانوية، فيعيش مرحلة الشباب بالموازاة مع مرحلة طفولة أقرانه، بحيث ينظمّ إلى عالم ليس عالمه، خصوصا إذا رجعنا إلى عمره البيولوجي. تجربته كشاب تتمدّد وتتواصل عبر الزمن لتقارب مستقبلا يتخذ معنى تغيير المنجز في الظرف الاجتماعي، وباختصار، يمثل التخلّص من البؤس في حد ذاته تحقيقا للمستقبل. يصرّح ل. ك. قائلا:

"أتذكر ذلك مثل تذكري لأحداث اليوم، لا يوجد شاب ترعرع كما ترعرعت (الأب توفي عندما كان سن المبحوث أربعة سنوات)، اشتريت بقرة بنفسي، لدي حساب بنكي، أملك أشياء مثل البقية، كل هذا حققته بساعدي لأننا كبرنا في البؤس".

ويتوافق الحاضر مع المستقبل بشكل عشوائي عندما يتم إثارة حالة العامل اليومي (ه.ي.)، يتيم الأب والبالغ من العمر 27 سنة، فبعدما تجاوز هذا الأخير محنة فقدان الوالد التي أعاقته على توفير ظروف لمجابهة الحياة اليومية، يطمح هذا المبحوث لرؤية مستقبل يبدو كأنّه قصر من رمال ضمن سياق مغامرة تعسى لمواجهة الزمن القادم. يعتمد المبحوث في ذلك على تسيير مداخيله المحصّلة من عمله بصفته عاملا مساعدا، وتسمح له عمليات الادخار بتكوين رأس مال يمكن استثماره في بناء المنزل العائلي (في طور الإنجاز كما هو الوضع بالنسبة لأغلبية محدثينا) أو في شراء بعض الأغنام، أو في العناية بأشجار الزيتون الموروثة عن الأب، ومثل هذه الطرق في التسيير تعطي للمستجوب الفرصة لتسيير الوقت بشكل يتيح له تخصيص جزء منه للاهتمام والعمل بالنشاطات المأجورة على مستوى ورشات  القرية، كما تمكّنه من المتابعة الدائمة للمشاريع العائلية.

يسعى المستجوب (هـ.ي.)من خلال هذه الحركية المهنية المبرمجة لكي "يكون مثل الآخرين"، فمجهوداته كلها تصبو نحو البحث عن الترقية الاجتماعية التي تؤهله ليكون في الوضع الاجتماعي الذي يحتلّه أبناء العائلات الميسورة. تمكّن إعادة إنتاج الأفعال المؤطرة للمفهوم الجماعي للنجاح الاجتماعي كما يمارسها المبحوث (العمل الدائم المنتظم حتى وإن كانت الورشات غير ذلك: بناء المنزل، الحرص على تكاثر قطيع الغنم...) من الخروج تدريجيا من مكانته الهامشية للاندماج في العالم القروي، بحيث يؤسس مشاريعه ويحدّد المعالم الخاصة به، فالعمل بالنسبة لـ (هـ.ي.)،سواء كان ماديا أو رمزيا، يعطيه فرصة إعادة التموضع في السلم الاجتماعي القروي في وجود نظرة مستقبلية.

يضع الشباب استراتيجيات بهدف الدخول لسوق العمل وتجنّب الأشغال المؤقتة التي ترمز للهشاشة، وهذا يستوجب عقلنة الاجراءات الضرورية لكل مشروع مستقبلي ممكن. فهم يستعملون معارفهم وشبكاتها من أجل تقديم ترشيحهم لفرص العمل، بحيث تنسج هذه الشبكات اعتمادا على روابط القرابة العائلية أو ضمن أماكن التنشئة الاجتماعية المتمثّلة في الأحزاب السياسية والجمعيات. يصرّح (د. ر.، 33 سنة) قائلا:

"لقد وعدوني بعمل في صونالاك SONILEC (الصناعات الالكترونية عزازقة)". الشخص المعني بهذا القول ينتمي لمكتب جبهة التحرير الوطني. أعلم أنّه بانتظار "التشيبة" (رشوة) التي أحوّلها له بمجرد استلامي للعمل، ليس لدي خيار، إن توجّب عليّ الدفع من أجل عمل سأقوم بذلك".

لا يتقاسم هذا الموقف كل الشباب المستجوب، فبعضهم تتحدّد هشاشتهم الاجتماعية انطلاقا من مقاربة أداتية للعمل خصوصا عندما لا يتيح لهم أفاقا لبناء نظرة للمستقبل (حالة النشاطات المهنية المؤقتة)،في حين يتمثّل الشغل، حتى المؤقت منه لدى الشباب (ل.ك.) الذي لا يملك أيّ مؤهل، في مجموعة من النشاطات التي تعطي فرصة للحصول على دخل، وهذه الأشغال المنجزة خاضعة للتقويم الدوري ومعترف بها، فلكل موسم عمله ونشاطاته. يقسّم المبحوث (ل.ك.) في هذا المقام وقته كما يلي:

"أشغال البناء توافق فصل الربيع والصيف المصادفة لفترة عودة المهاجرين من المهجر وشروعهم في بناء منازلهم. فهذه الفئة تنفق مبالغ معتبرة من أجل البناء في القرية، وتُعرف منازلهم بكبر حجمها وواجهاتها المزخرفة، كما يتخلل وقت العمل في البناء نشاط جمع التبن عندما ينمو العشب. يتواصل وقت العامل اليومي هذا إلى غاية فصل الخريف وبداية فصل الشتاء، بحيث أشتغل في البساتين والحقول وأقوم بتطعيم أشجار بعض ملاّك الأراضي من المتقاعدين، كما أعتني بأشجار الزيتون التي ورثها عن والده (ورث بستان من ثلاثين شجرة قام بمضاعفة عددها خمس مرات)، ويتفرغ لجمع محصول الزيتون وعصره في معصرة القرية".

يمثل العمل المؤقت عائقا بنيويًا في مسار بناء محكم للمستقبل، فتقسيم الزمن يشبه "المسبحة" التي تضفي على المستقبل أكثر ضبابية. يبقى المستقبل بنية لفظية معجمية غير مدركة وصعبة التحكّم، فالمخطّطات التي تنشئ هذا التنازل عن طريق "ترويض" الزمن القادم تنتهي عند عبارات: "ستأكل عندما يقدر الله لك ذلك".

خلاصة

لا يهيمن على ممارسات الشباب، خصوصا عينة بحثنا، مفهوم الحياة القائم على البحث عن المتعة والترفيه، فما يتحصّلون عليه من الدخل الناتج عن العمل في مشاريع مختلفة يعيدون استثماره في محاولة لبناء المستقبل، لكن ذلك لا يتضمّن تجسيدا لمشروع تكوين الأسرة المرتبط في تمثلاتهم الاجتماعية بمخطّط واضح للحياة، فمثل هذا النوع من المشاريع (الزواج) مؤجل، ويحدث اضطرابا في الأطر التقليديّة ويولّد الضغوطات مع كبار السنّ. أخيرا، يبدو أنّ مشروع الهجرة الذي يتغذى من تجربة الشباب وطموحاتهم وأحلامهم يتمّ إعادة بنائه من منظور تحقيق الذات.

ترجمة هند بوعقادة وفؤاد نوار


 

بيبليوغرافيا

Boukhobza, M. (1989). Ruptures et transformations sociales en Algérie. 2e vol., Alger : O.P.U.

Bourdieu, P. (1977). Algérie 60. Structures économiques et structures temporelles. Paris : Éd de Minuit.

Bourdieu, P. (1984). La « jeunesse » n’est qu’un mot, Questions de sociologie. Paris : Éd de Minuit.

Bourdieu, P. (2002). Le bal des célibataires. Crise de la société paysanne en Béarn. Paris : Éd du Seuil.

Chamboredon, J.-C. (1971). La délinquance juvénile, essai de construction d’objet. In Revue française de sociologie, XII.

Charest, M. et Tremblay, P. (2009). Immobilité sociale et trajectoires de délinquance. In Revue française de sociologie, Vol. 50, p. 693-718.

Darbus, F. (2008). « L'accompagnement à la création d'entreprise » Auto-emploi et recomposition de la condition salariale. In Revue Actes de la recherche en sciences sociales, n° 175, p. 18-33.

Ebersold, S. (2004). L'insertion ou la délégitimation du chômeur. In Actes de la recherche en sciences sociales, n° 154, p. 92-102.

Galland, O. (1991). Sociologie de la jeunesse. L’entrée dans la vie. Paris : Armand Colin.

Goffman, E. (1993). Les rites d’interaction. Paris : Éd de Minuit.

Haddab, M., Kennouche, T., et Khenniche, I. (1981), (dir.), Les jeunes ruraux et l’école. Mythes et réalités. Alger : CREAD.

Hadibi, M.-A. (2011). Projets en fragments et avenir de jeunes de Kabylie. In Insaniyat, n° 49, juillet.

Lacoste-Dujardin, C. (1976). Un village algérien. Structures et évolution récente. Alger : SNED/CRAPE.

Mauger, G. (1994). (dir.), Jeunesses populaires. Les générations de la crise. Paris : l’Harmattan.

Mauger, G. (1991). (dir.), Enquêter en milieu populaire. In Genèses. Sciences sociales et histoire, vol. 6, n° 1.

Pialoux, M. (1979). Jeunes sans avenir et travail intérimaire. In Actes de la recherche en sciences sociales, Vol. 26-27, mars-avril, p. 19-47.

Rarrbo, K. (1995). L’Algérie et sa jeunesse. Marginalisation sociales et désarroi culturel. Paris : l’Harmattan.

Renahy, N. (2005). Les gars du coin. Enquête sur une jeunesse rurale. Paris : La Découverte.

Sayad, A. (1999). La double absence. Paris : Éd du Seuil.

Thevenot, L. (1979). Une jeunesse difficile. In Actes de la recherche en sciences sociales, Vol. 26-27, mars-avril, p. 3-18.

الهوامش 

*مقال منشور في مجلة إنسانيات باللغة الفرنسية، عدد 55-56 | 2012، ص. 43-61 بعنوان:
   " Entre un avenir de rêves et un futur rêvé : l’ambivalence des jeunes dans l’élaboration de leurs projets d’avenir"

[1] تحقيق آخر حول الشباب من جنس الإناث في طور الانجاز ضمن مشروع بحث مندرج من مشاريع مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية يشرف عليه فريق من الباحثين المشاركين. بدأنا الاهتمام أولا بالذكور من الفئة نفسها لأسباب ترتبط بسهولة التواصل معها ومرئيتها، لذا لا نضع تأخير الاهتمام بفئة الإناث ضمن خانة الإهمال بل تمّ تأخير ذلك لمرحلة ثانية تستهدف مشروع بحثيا أكبر حول الشباب.

لقد تمّ نشر نتائج هذين المشروعين بعد نشر هذا المقال في مجلّة إنسانيات (المُترجم). للاطلاع عليهما أنظر:

Mohand Akli Hadibi (coordonné) (2014), Les jeunes filles en Kabylie dans les années 2000. Ces absentes omniprésentes, Oran, Editions CRASC.

Mohand Akli Hadibi (coordonné) (2014), Les jeunes face à la famille et aux institutions de l’État : stratégies et représentations, Oran, Editions DGRSDT/CRASC.

[2] Bourdieu, P. (1977), Algérie 60. Structures économiques et structures temporelles. Paris : Ed de Minuit, p. 115.

[3] Ibid., p. 89.

[4] العبارة باللغة الأمازيغية.

[5] على الأقل فيما يخصّ وسائل تحقيق مشاريعهم المستقبلية، فالقرية لا تمثل مجالا مغلقا يفصل الشباب عن العالم الخارجي كما أنّ الحراك الجغرافي لهذه الفئة تجعل قابليتهم لاستقبال التأثيرات الخارجية ممكنا.

[6] ضمن تحقيق ميداني مسَّ الواجهة البحرية لمنطقة القبائل في بداية سنوات 1970 أجرته كامي لاكوست دو جاردان Camille Lacoste–Dujardin تبيّن الباحثة: "أنّه لم يبق في سنة 1971 أي مستثمرة فلاحية هامة تجمع في مجال واحد للإنتاج والاستهلاك أفرادا من أصول أو فروع متعدّدة يعيشون اعتمادا على موارد مستخرجة حصريا من الزراعة". أنظر:

Camille Lacoste-Dujardin (1976), Un village algérien. Structures et évolution récente, Alger : SNED/CRAPE, P 62.

تبدو هذه الوحدة معتمدة في بقائها على اقتصاد حديث ينفصل عن الأرض على الأقل فيما يخص إنتاج الخيرات الموجهة للاستهلاك والتي تحافظ على شكل من اللاتقسيم في تسير الأمور العائلية (مصاريف عائلية، نشاطات اقتصادية، تسير المنتوجات الرمزية...).

[7] Cf., Goffman, E. (1993). Les rites d’interactions. Paris : Ed Minuit, p. 48-49.

[8] Ibid., p. 21.

[9] Sayad, A. (1975). « El ghorba : le mécanisme de reproduction de l’émigration », in actes de la recherche en sciences sociales, n° 2, mars, p. 65.

[10] للتذكير، فأغلبية الشباب المستجوب لم يكملوا مسارهم الدراسي بعد الطور الابتدائي أو المتوسط، بينما آخرون (الثلث) واصلوا دراستهم الثانويّة دون تمكنهم من الحصول على شهادة البكالوريا.


عزالدين كنزي(1)  : جامعة مولود معمري، 15 000، تيزي وزو، مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية،31 000وهران.



مقدمة

هذا المقال نتاج تحقيق ميداني أجري خلال شهر أفريل 2004 حول نشاط شباب قرى بلدية "تيمزريت"[1]. تتميّز وضعية هذه الفئة "بالهشاشة" في علاقاتها بالمؤسسات التقليدية الممثّلة في العائلة والمجلس القروي (تاجمعت، يسمى أيضا ب"لجنة القرية)" واللذان لا يمثلان فضاء خاصاًّ بهم ومجالاً لإبراز تعابيرهم وأفعالهم. يعمل الشباب - موضوع هذا التحقيق الميداني -خارج قراهم في عاصمة البلدية لتوفّرها على فضاءات الترفيه والممارسات الجمعوية، فتمركز هذه المرافق على مستوى "تيمزريت" يدفعهم إلى مغادرة مكان إقامتهم مؤقتا بحثا عن الانفلات من الرقابة العائليّة والقرويّة، والتي تتمظهر في أشكال السّلط التي يمارسها كبار السنّ من الأولياء أو أعيان، وبحثا عن تملك فضاءات جديدة.

نتساءل في هذا المقال عن معيش مجموعة من الشباب المنتمين إلى قرى مختلفة من هذه البلدية الكائنة في منطقة القبائل بالجزائر، والذين التقوا لتأسيس جمعية شبابية تسمى "جمعية نشاطات الشباب" المختصّة في التعابير الفنية والموسيقية الكائن مقرها بدار الشباب في عاصمة بلدية "الأحد". الهدف من هذه المساهمة هو مقاربة الصعوبات التي تواجهها هذه الفئة في الوسط القروي، وعلاقاتها الصراعية مع "تاجمعت"، وإشكالية العلاقة مع الذات خارج القرية، كما نسعى أيضا إلى التساؤل حول رغبة هؤلاء الشباب في استحداث فضاء خاص بهم يسهم في تشكيل فكرة المواطنة عندهم وتعزيزها.

علينا القول (الفرضية) أنّ عدم الاعتراف بالشباب في تسيير الشؤون العامة للقرية، خاصة في إطار "تاجمعت"، وصعوبة تحقيق طموحاتهم يحتّم عليهم اللجوء إلى فضاءات شبابية ونشاطات أخرى خارج قريتهم، بحيث يمثل الاستثمار في نشاطات هذه الجمعية في دار الشباب     - المكان الذي يسمح لهم بالالتفاف حول نشاط موسيقي - صيغة من هذا التملّك[2].

يرتكز تحليلنا على فئة من الشباب تتراوح أعمارهم ما بين 26 و28 سنة وينشطون في الجمعية التابعة لدار الشباب "الأحد" في بلدية "تيمزريت" خلال سنوات 2000. وقع تفضيلنا منهجيا على تقنية المقابلة بشكليها المفتوح وشبه الموجه[3] في هذا التحقيق الميداني، وهذه المقاربة سمحت بالوصف الإثنوغرافي[4] للفعل الشبابي في الوسط القروي في القبائل، كما اعتمدنا على تقنية الملاحظة التي أجريت في بعض فضاءات تواجد الشباب (تاجمعت، الساحة العامة للقرية، المقهى، الجمعية...).

ينتمي المستجوبون إلى المرحلة العمريّة نفسها تقريبا، فأغلبهم توقفوا عن الدراسة في المستوى الثانوي، موجودون إمّا في حالة بطالة أو يمارسون مهنا غير مستقرة، ويعيشون مع عائلاتهم تحت وصاية الوالدين، إلا في حالة "يحي" الذي يعتبر الولد الوحيد ويتيم الوالد، حيث تعتبر وضعيته مختلفة عن نظرائه، لأنّه يشغل مكانة ربّ العائلة.

بعض ملامح الشباب المستجوب

الاسم

السن

القرية

المهنة الشاب

مهنة الأب

م. فريد

28

إغزر

تاجر بقرية الأحد

عامل

م. يحي

26

إغزر

ملتزم بالنقل العمومي

أب متوفي

م. امحمد

28

إغزر

بطال

مهاجر متقاعد

ح. يوسف

27

أقابيو

حلاق متربص

معلم (متقاعد)

المجلس القروي (تاجمعت): الشباب في خدمة كبار السنّ

ينتمي المستجوبون خصوصا إلى قرى "أيت يمّال"، "إغزر" و"أقبيو"، ويحتلون - على غرار بقية المجموعات الأخرى - وضعية "ذوي الحقوق"[5] التي تعطي لهم مزايا الاعتراف بانتمائهم إلى الجماعة communauté، وفي المقابل فإنّهم يخضعون لالتزامات القرية المتمثلة في المساهمة في الأشغال الجماعيّة، والمساهمة في العمليات التضامنية الجماعية (tabezzart).التزامهم الجماعي ذو خصوصية، فهم فاعلون سلبيون ولا يبحثون عن المشاركة في تسيير شؤون القرية حتى عندما يتعلّق الأمر بموضوع الترفيه. ففي "إغزر" مثلا لا نجد أثرا لنشاط الشباب على مستوى المجلس القروي تقريبا، فغيابهم الملحوظ عن القرية طيلة النهار بالإضافة للامبالاة التي يبدونها اتجاه هذه المؤسسة، يعكس في الواقع طريقة تخليهم عن القرية وترك تسيير شأنها العام لكبار السنّ الممثلين "للجنة القرية" والذين يتدخلون في القرارات الخاصة بالحياة العامة مثل تسيير المقبرة، أو تسيير الحنفيات العمومية، أو تسيير المسجد وإصلاح الطرقات وقنوات المياه، وتسوية المنازعات بين أهل القرية.

"لجنة القرية" بنية اجتماعية مستغلّة بشكل واسع من طرف كبار السنّ، الآباء، أبناء الأعمام أو الإخوة من كبار السنّ، فهي تعتبر نموذجا تطوّريا للبنية التقليدية لـ"تاجمعت"، وهذه التسمية أخذت شكلها في ثمانينات القرن الماضي في المرحلة التي حاولت فيها الإدارة المحليّة التقرّب من القرى بهدف إشراكها في تسيير شأنها العام، والذي يخصّ حسب تصريحات الشباب المستجوبين كبار السنّ والعقلاء. بالنسبة لـ"يوسف" ذو 28 سنة والقاطن بـ"أقابيو":

"الشؤون العامة للـ"تاجمعت" هي من مسؤولية أبيه".

ومثل هذه التمثلات تمّ التعبير عنها في الاتجاه نفسه من طرف شباب قرية "الحمّام" التابعة لـ "سيدي عياد"[6].

لقد أدت التغيّرات في بنيات ووظائف وملامح الأعضاء الذين يمثلون[7] هذه المؤسسة إلى تنامي اللامبالاة بهذه التنظيمات القروية لدى شباب القرية خاصة في سنوات 2000، بحيث بقيت مشاركاتهم في "تاجمعت" محدودة في الأفراد الأكبر سنا، لكن ذلك لم يمنع من وجود بعض الاستثناءات خصوصا عندما تحتاج القرية إلى قوى عضلية تستوجب تواجد هذه الفئة، أو عندما تكون هناك حاجة لوساطة بين القرية والبلدية من أجل إصلاح الطرقات وقنوات المياه والإنارة العامة.

يكشف التحقيق الميداني أنّ المؤسسات التقليدية لبعض القرى مثل "أقابيو"،"اغزر"، إغيل قمور" لم تأخذ يوما في الاعتبار هموم الشباب، وهذا ما يفسّر حالة عدم النشاط عند بعضهم ضمنها، بحيث يغادرون القرية بحثا عن فضاءات أخرى للنشاط والتعبير، كما يفسّر استثمارهم لأماكن خارج القرية اتجاهات للانفصال والابتعاد عنها وعن مؤسساتها خصوصاً عندما يتواجدون في الحقول والوديان، كما تبرز في بعض الأحيان عدائية هؤلاء الشباب نحو هذه التجمّعات القروية والتي تتجلى في شكل صراعات أو حالات من التشنج يعبّر عنها بحدّة الجدل أثناء اجتماعات[8] هذه المجالس.

تناقش "تاجمعت" أحيانا بعض أمور الشباب، وتشركهم في التعبير عن قلقهم بشأن "أهل القرية" من خلال البحث عن لعب دور الوسيط بينهم وبين المؤسسات المحلية (البلدية مثلا). فمثلا، سبق أن شارك "فريد" في اجتماعات خاصة بين أعضاء لجنة القرية ومسؤولين إداريين محليين لمناقشة موضوع إصلاح الطريق أو تموين القرية بالغاز، وحلّ مشاكل المياه، وهذه الحالة ليست منفردة بحيث أنّ شبابا آخرين ممن شملهم التحقيق كانوا قد شاركوا في كتابة عريضة موجهة لرئيس البلدية. أمّا بالنسبة للبقية فإنّ القرية بعيدة عن أن تكون محطّ الاهتمام على حسب تعبير شاب من قرية ''أغزر'' الذي يصرّح: ''تاجمعت لم تستطع للاستجابة لحاجات شباب القرية''، وهذا الخطاب يدلّ على واقع تعامل المؤسسات مع هذه الفئة رغم أنّها تعلن دائما استعدادها للاهتمام بأمرها.

عموما علينا القول أنّه مهما كانت درجة انفتاح مجالس القرية على الشباب وعلى همومهم إلا أنّ نقص الإمكانيات يرهن نموذجية العناية الكافية بمطالبهم، وهذا ما يلاحظ عندما يتعلق الأمر ببناء مرافق خاصة بهم، وفي هذا الوضع يزداد إحساس الشباب بالتهميش والاستبعاد عن سيرورة اتخاذ القرار، وتترسخ لديهم صورة لـ''تاجمعت'' باعتبارها مؤسسة خاضعة لسيطرة مفترضة أو حقيقية من طرف كبار السنّ.

يعترف ثلاثة مستجوبين من الشباب من قرية ''إغزر'' باهتمامهم بالمشاركة في اجتماعات مجالس القرية على غرار بقية سكانها من جنس الذكور البالغين سنّ الرشد، وفي المقابل يعترفون أيضا أنّهم لا يداومون على الحضور الدوري في هذه الاجتماعات ويفضلون أن يكون تمثيلهم منحصراً في آبائهم أو في أحد الأقارب، وقد تكون هذه الاجتماعات أحيانا مغلقة ومحصورة بين الأعضاء الدائمين للجنة، وهذا ما يكرّس غيابهم.

يتصرّف الشباب داخل اجتماعات مجلس القرية ضمن سياق مصلحة الجماعة المحليّة انطلاقا من الإحساس بالانتماء للقرية بوصفهم فاعلين فيها، ويتمظهر ذلك في مشاركتهم في الأشغال الجماعية المتمثّلة في النظافة والأعمال الخاصة بالمقبرة وإصلاح الطرقات وبناء المنشآت العمومية مثل المساجد أو السكن الخاص بإمام المسجد أو حضورهم لتشييع الجنائز. وباختصار فهم يشاركون، بدون أي إرغام من ''تاجمعت''، في الأشغال الجماعية المنظّمة من طرف هذه الأخيرة. يصرّح ''فريد'' 28 سنة :

"أشارك تلقائيا في أشغال النظافة الخاصة بالطرقات أو المقابر، كما أشارك في الجنازة إن صادفتها بدون استدعاء من طرف ''تاجمعت''، بحيث أقوم بذلك تلبية للواجب، مع العلم أنّ هذه النشاطات الجماعية تتطلّب يدا عاملة متفرغة لذلك".

وفي السياق نفسه، لم يبدِ أياً من الشباب المستجوبين شعورا بمعارضة المشاركة المباشرة أو غير المباشرة فيما يتعلّق بجمع المساهمات الجماعية (تابيزارت) لتمويل أي نوع من المشاريع لفائدة القرية، إلا أنّ أغلب هذه المساهمات تكون المشاركات فيها غير مباشرة لكون الآباء أو كبار السنّ هم من يتكفلون بذلك. الاستثناء قد يمثله يحيى (26 سنة) الذي يتميّز عن بقية المستجوبين بكونه الابن الوحيد في عائلته ويتيم الأب، وهنا تكون مساهمته المالية مباشرة حسب القواعد القروية المتعارف عليها. وبالنسبة لهؤلاء الشباب، فهم مستعدون للمساهمة ماليا أو جسديا في النشاطات المقترحة من طرف مجلس القرية بصرف النظر عمّن ينخرط في نشاطاتها ذات المنفعة العامة للجماعة، فعلاقتهم مع هذه اللجنة هي علاقة انتماء للتّراب، فهم يشاركون أحيانا انطلاقا من شعورهم بالواجب نحو الآخرين بدون تمييز بين أهل القرية، ومثل هذه الممارسات الواجبة في بعض النشاطات الجماعية تمثّل فرصة لتأكيد الانتماء للمجتمع المحلي.

أمّا فيما يخصّ انشغالاتهم وطريقة معالجتها فالمسألة تطرح بطريقة مغايرة تماما خارج لجنة القرية، لذا يقع على عاتق الشباب مهمّة استحداث مجال للنشاطات المستقلة عنها، بمعنى آخر، البحث عن الحلول الخاصّة بالاهتمامات خارج هذا التّنظيم المحلي وبناء على مبادراتهم الخالصة. ونستعرض في هذا السياق بعض الأمثلة التي تدلّ على عدم اهتمام الشباب بشؤون القرية:

يصرّح ''يوسف'' القاطن بـ ''أقابيو'' (27 سنة) قائلا :

"شؤون مجلس القرية من مسؤولية والدي الذي تعود أصوله للـ''قْصَر''[9] والذي سبق له أن اشتغل في مهنة التدريس في الطور الابتدائي. فهو من يتدخل أحيانا في الحياة العامة للقرية من خلال مشاركته في الاجتماعات ومساهمته في جمع التبرعات الجماعية، وهو من يتعامل مثل الجميع مع شؤون القرية حتى وإن كان غير مندمج كليا ضمن نشاطاتها، فقد كان دوما يعتبر ''شيخ (معلم القرية) وعليه أن يكمل إحدى مهماته".

في حين يعبّر ''يحي'' (26 سنة)، يتيم الأب والمسؤول الأوّل عن أمه وأخته قائلا:

"أكره شؤون القرية ولا أحبّ أن يُشركوني فيها...".

لكن مع ذلك يشارك المبحوث - منذ عدّة سنوات - في بعض الأعمال الجماعية المنظّمة من طرف "لجنة القرية" والمتمثلة في عمليات دفن الأموات وتنظيف المقبرة، وهذه المشاركة تصنّف في خانة المشاركة الإجبارية.

يضيف المبحوث نفسه قائلا أيضا أنّه:

" لا يحب الحضور لاجتماعات مجلس القرية ويفضل بدلها أن يقضي بعضا من الوقت في دار الشباب ضمن تنشيط الجمعية التي ينخرط فيها ويشارك في فرقتها الموسيقية".

من القرية إلى ''الأحد'': الشباب في بحث عن فضاءاتهم

مثّلت ''الأحد''- عاصمة بلدية ''تيمزريت'' - مكان جذب وفضاء لبروز ميولات الشباب من مختلف القرى. فهذه المنطقة كانت ولا تزال مركز النشاطات السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة منذ الاستقلال. يمكن للعديد من الأسباب أن تفسّر الكيفية التي أصبحت بها هذه القرية بامتياز فضاءً لجذب الشباب على مستوى بلدية ''تيمزريت'' رغم أنّها لا تزال في طور التشييد. لقد كانت ''الأحد'' قبل الاستقلال سوقاً أسبوعية تقام عادة يوم الأحد، في قرية ''أيت يمّال'' ومن هنا جاء مصدر اشتقاق تسميتها، قبل أن يتمّ تحويل يوم انعقادها للجمعة ابتداء من 1976، كما تعتبر عاصمة للبلدية منذ الاستقلال، وقد كانت تابعة لـ''فناية'' إلى غاية التقسيم الإداري الموافق لسنة 1974.

تعرف هذه البلدية منذ سنة 1962 توسّعا حضريا سريعا وتشغل دورا هاما في النشاط الإداري، الاقتصادي، الثقافي والسياسي نظرا لموقعها الذي يتوسّط العديد من القرى المجاورة (20 قرية تقريبا). فهي تستفيد من بعض المنشآت العمومية المتواجدة ضمنها مثل: المقاهي، دار الشباب، مقرات الجمعيات والأحزاب السياسية، إلخ، كما أنّها تمثّل مركز استقطاب لعدد كبير من سكان القرى خاصة الشباب منهم خلال ساعات اليوم تقريبا وفي جلّ الفصول، وهذا ما يؤدي إلى فراغ جلّ القرى المجاورة لـها تقريبا من الشباب الذكور بالنظر لانعدام المرافق الاجتماعية مثل المقاهي.

يمثل التحاق الشباب بـ ''الأحد'' فسحة لقضاء أوقاتهم وفق فترات زمنية مختلفة، كما يمثل أيضا شكلا من أشكال الهروب من البطالة وقساوة الحياة القرويّة، فهذه الأخيرة تمثل مجال تمركز الرقابة الاجتماعية التي ينظر إليها على أنّها سلطة قسرية. ففي هذا المكان يشعر الشباب - بغض النظر عن ملامحهم الاجتماعية المختلفة - بتواجدهم في منطقة تتّسم برقابة أقل مقارنة مع القرية، بحيث يجدون بعضاً من المرونة في ممارساتهم وسلوكاتهم وعلاقاتهم مع الشباب المنحدر من قرى مختلفة، فينسجون ضمنها فضاءاتهم الخاصّة ويبنون عالمهم المصغّر ويقيمون علاقاتهم البينية، مستثمرين في ذلك عدة فضاءات يمكن إحصاؤها كما يلي:

  • المقاهي: وعددها ثمانية، مفتوحة طيلة النهار، يتداول عليها الشباب خاصة، وبالنسبة للبطالين منهم فهي ملجأهم خلال النهار.
  • دار الشباب: وهي مكان خاص بالنشاط الجمعوي بالنسبة لبعض الجمعيات مثل جمعية نشاطات الشباب التي ينشط فيها مستجوبو هذا التحقيق.
  • الجمعيات: هناك عدّة مقرّات لجمعيات متواجدة في ''الأحد''، وتجمع شباب مختلف القرى المجاورة لها وتتنوع نشاطاتها بين الرياضي والثقافي.
  • مكاتب الأحزاب السياسية الوطنية: خاصة مكتب حزب جبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس)، التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية (الأرسيدي) وجبهة التحرير الوطني (الأفالان)،وتواجد هذه المقرات في ''الأحد'' جعل جزء من شباب هذه المنطقة يهتمّ بالعمل السياسي.

تتمركز مختلف هذه المساحات بعاصمة البلدية، وتشكّل فضاءات مناسبة لكثير من الشباب الذين يجعلونها ملجأ لهم من أجل التعبير والفعل الاجتماعي واللقاءات، وحتى الزمالة، فالملامح الاجتماعية للوافدين على هذه الفضاءات متباينة، وأعمار الفئات الاجتماعية الأخرى التي تلتحق بهذه الأماكن - في أوقات خاصة من اليوم - تؤكد مركزية ''الأحد''.

يتناغم وقت تملّك الفضاءات المتواجدة بـ ''الأحد'' مع الحركيّة الخاصة بالسنة الدراسية ومع أوقات الدخول والخروج من المدارس، وهذه الفرصة يغتنمها الشباب الذكور لملاحظة مسارات البنات المتمدرسات في الطور الإكمالي والثانوي سواء المقيمات منهن في القرى التي ينتسبون لها أو في القرى المجاورة، وهي فرصة للتعرّف والتقرّب من بعض الشابّات المتمدرسات، كما تعتبر ''الأحد'' أيضا مكانا متميّزا للشباب البطال لأنّه يتخذ منه فضاء لاستهلاك بعض "المخدرات الخفيفة"، وهذه الممارسات تكشف عن تواجد شبكات مكوّنة من بائعين ومستهلكين لمثل هذه المواد في مواقع خاصة، يشتغلون في شكل عصبة سريّة إلى درجة أنّ ''الأحد'' أصبحت توصف بأنّها مكان رمزي للبطالين وأيضا للمنحرفين.

يسمح تموقع ''الأحد'' وتمركزها بين القرى المجاورة لها باحتضان نشاطات ظرفيّة مثل حفلات موسيقية واجتماعات ونشاطات ثقافية، وجمعوية واقتصادية وسياسية، كما يسمح لها بجلب الشباب من جهات مجاورة، ومن قرى بعيدة عن البلدية التي تتواجد فيها جمعية نشاطات الشباب[10] (الموضوع الأساسي لبحثنا) والتي تضمّ النشاطات الموسيقية التي ينشط فيها المستجوبون في دراستنا.

من المقهى إلى الجمعية أو من الجمعية إلى المقهى

يَتوسّط مقهى "ويسكي" المسار بين القرية والجمعية بحيث أصبح مجالاً ثانيا مناسبا للالتقاء بأعضاء الجمعية المستجوبين. لا نعرف أصل تسمية المقهى، ولكن ما يشاع هو أنّ اسم "ويسكي" يطلق على الشاب مالك المقهى الذي تعود أصوله إلى قرية "أمسيوان" التابعة إداريا لبلدية ''الأحد''. يتواجد المقهى في مركز ساحة قرية ''الأحد'' التي كانت تستخدم سوقًا أسبوعية، وهي قريبة من بعض المقرات الممثّلة للدّولة مثل مقر الدائرة ومقر المجلس الشعبي البلدي والحرس البلدي. "مقهى الويسكي" هو مكان صغير جدا بـه 05 طاولات داخل المحلّ وبعضها الآخر خارج أسوارها.

يتردّد على هذا المقهى مجموعة من الشباب، خاصة المنخرطين في جمعية نشاطات الشباب، وهذا المكان يمثل بالنسبة لهم مجالاً عموميًا لموقعه الجغرافي الواقع بين القرية ومقر الجمعية. يتواجد هؤلاء الشباب في المقهى ويعتبرونه ملكا لهم و"حلقة لقاء بين الأصدقاء" في فترات معيّنة من ساعات النهار بمجرد تواجدهم في ''الأحد''. تتنوع أوقات تردّدهم على هذا المجال، فمثلا في الأيّام التي يخصّصونها للتواجد في مقرّ الجمعيّة يلتقون في المقهى قبل الساعة السادسة مساء، بينما يتقدّم توقيت التقائهم فيها يوم الجمعة إلى الساعة الرابعة مساء، والحال نفسه بعد حصص النشاطات الجمعويّة. لكن لماذا يتمتّع هذا المجال بمثل هذه المكانة التي تجعل منه فرصة لتبادل الأفكار بين الشباب الذين ينشطون في هذه الجمعية؟

هناك أسباب متعدّدة مفسّرة لذلك حسب المستجوبين في هذا التحقيق الميداني: أولها قرب المقهى من دار الشباب التي يمارسون فيها النشاط الموسيقي، يضاف إلى ذلك سبب رئيس يرتبط بمالك المقهى الذي لا يتعدّى سنه 21 والذي سبق له أن شارك في أحداث منطقة القبائل سنة 2001[11]. تقارب السنّ بين مالك المقهى والمستجوبين والتبادلات الناتجة عن هذه المؤانسة جعلت لهذا المقهى جاذبية عند الشباب الممارسين لفن الموسيقى. علينا الإشارة إلى أنّ مقهى ''الويسكي'' لا يتضمّن ألعاب ''الدومينو'' أو لعبة الورق[12] كما هو الحال في المقاهي الأخرى، لكنه مساحة للقاءات بين أعضاء الفرقة الموسيقية ومساحة للتواجد مع بقية الشباب والأصدقاء، فهم يجدونه مكانا هادئا خاصة وأنّ أغلبية المتردّدين عليه من نظرائهم، ويشتركون في حبّهم للاستمتاع بالموسيقى المنتقاة من صاحب المقهى والتي توافق أذواقهم. يمكن القول أنّ "مقهى الويسكي" هو امتداد للجمعية، يسمح لهم بمناقشة النشاطات الجمعوية والتعليق عليها وهو الفضاء العمومي الثاني لهؤلاء الشباب بعد الجمعية.

الجمعية: فضاء للتعبير والفعل الفني للشباب

تعتبر الجمعية - بالنسبة لعلم الاجتماع - فضاء للتنشئة الاجتماعية صمّم وجودها لهذا الغرض لتعبيرها عن التوجّهات الحقيقية للتغيّر الاجتماعي[13]، والجمعية محلّ اهتمامنا في هذه الورقة تقوم تماما بهذه الوظيفة، فقد تأسّست في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وهي واحدة من الجمعيات الأكثر نشاطا على مستوى البلدية بسبب الدعم المادي والسياسي[14] الذي تحصّلت عليه من المؤسسات العمومية المحلية، وتمثل الموسيقى أحد أهمّ نشاطاتها، وقد ساهمت في تكوين عدد معتبر من الفرق الموسيقية في المنطقة.

يرجع التراث الموسيقي المستثمر فيه من طرف شباب القرية إلى فترة الاتحاد الوطني للشباب الجزائري (UNJA)[15] الذي استمرت نشاطاته حتى اليوم. ففي عام 2003، أسّس شاب ناشط في هذه الجمعية فرقة موسيقية مكوّنة من عشرات الأفراد المحبّين للموسيقى، ومن بينهم كانت الفئة المبحوثة المذكورة أعلاه.

ينتمي هؤلاء الشباب المكونين للفرقة الموسيقيّة لبعض قرى المنطقة، ويقيمون في ضواحي "الأحد" مثل إغزر وإغيل غمور وأقبيو. فهم يتقاسمون الانتماءات نفسها، وبالخصوص شغفهم بالموسيقى والالتزام بها سواء كانوا بطالين أو متواجدين في حالة نشاط مهني. تعتبر الجمعية فضاء للتعبير عنهم ومجالا لبروز لغتهم، فهم يتجمعون ضمن فرقة موسيقية محدّدة الأدوار، تكوّنت لديهم خبرة في مجال العمل الفني بعد ثلاث سنوات من النشاط الموسيقي، أمّا عن وضعهم في القرى التي ينتمون إليها فالأمر يختلف تماما، ولو كانت هناك جمعية ثقافية ناشطة على مستواها لما كان لهم الفرص نفسها مثل ما هو حالهم في ''الأحد''.

الفعل الجمعوي يخضع لجدول توقيت

تخضع نشاطات الجمعية لجدول توقيت زمني يومي وأسبوعي محدّد بالاشتراك مع المسؤول على تسيير دار الشباب، وبالرغم من أنّ هؤلاء يلتقون غالبا في ''الأحد'' في مقهى ''الويسكي'' في أوقات معلومة إلا أنّه لا يمكنهم أن يجتمعوا في مقر الجمعية إلا في الأوقات المبرمجة، فـهم ينشطون بمعدل مرّة واحدة كل يومين.

ينظّم هذا التوقيت النشاط الجمعوي للشباب، إذ يحضرون بانتظام لحصص التدريب، ممّا يسهل عليهم تقسيم الأدوار بين أعضاء الفرقة. فمثلا يتولى ''يحي'' العزف على ''الباس''(basse) أو ''الباتري'' (batterie)، ويتولى فريد العزف على ''القيتارة'' (guitare sèche)، والدور نفسه بالنسبة لـ''محمد'' و''يوسف''. ولا تمثل المعدّات الموجودة في هذه المؤسسة أهمية بالغة بالنسبة لهؤلاء الشباب، بل المهم هو النشاط الموسيقي الذي يحتلّ مكانة خاصة لما يقدمه لهم من فرص للقاء والتعرّف على نظرائهم وتقاسم المشاعر والطموحات والانتماءات الفنية[16] نفسها، وبالنسبة إليهم تمثل فترة النشاطات المبرمجة داخل مقر الجمعية لحظات للفرار والهروب من المعيش اليومي، ومن خلال هذه الجماعة - التي نعتبرها متماسكة - يسعى أعضاء الفرقة استحداث عالم شبابي خاص بهم بناء على عامل الصداقة.

النشاط الفني بوصفه طموح الشباب

تسمح ممارسة الموسيقى والفرص التي تعرضها الجمعية لشباب المنطقة بفتح آفاق نحو الممارسات الثقافية الأخرى، فنشاطاتهم لا تتحدّد بتواجدهم فقط في حصص التدريب في مقر الجمعية ولكن تتوسّع لعرض إنتاج هذه الفرقة الموسيقية أمام الجمهور. تظهر بعض أعمالهم أيضا في بعض المناسبات مثل الحفلات العائلية والمهرجانات الثقافية والجمعوية المنظّمة على مستوى البلدية أو في بعض المدن الأخرى أو القرى والبلديات التابعة لـمنطقة ''الصومام''، وهؤلاء الشباب يختصون فقط بالموسيقى العصريّة، وملاحظاتنا التي قمنا بها في الجمعية تكشف أنّ المقاطع الموسيقية التي يختارونها خلال حصص التدريب مقتبسة من الموسيقى الغربية التي يحبذها شباب القرى.

يسمح هذا الفضاء الفني والموسيقي للشباب بالتعبير عن ذواتهم في سياق فني حيث يختارون الموسيقى العصرية من أجل محاكاة كبار المغنين في منطقة القبائل، أمثال ''إيدير''، ''جمال علام''، ''أبرانيس'' و''تاكفاريناس''، كما يردّدون أغان أخرى من الموسيقى الغربية (بينك فلويد، Pink Floyd) وموسيقى "الرّاب". لقد كشف تساؤلنا عن مصدر اكتساب هذه الثقافة الموسيقية عن إجابات متعدّدة، فبعض المبحوثين يرجعون ذلك إلى الاستماع للأشرطة الموسيقية التي يشترونها، أمّا آخرون فيربطون ذلك بتتبّعهم للقنوات التلفزيونية الأجنبيّة[17] التي يشاهدونها عبر الهوائيات المقعرة التي تحضر في أغلب منازل القرى.

من الفعل الجمعوي إلى اقتحام فضاءات تعبير أخرى للشباب

لا يتحدّد نشاط هؤلاء الشباب من خلال استحداث فضاءات التعبير داخل مقر الجمعية فحسب، بل من خلال استحداث ديناميكية جماعية تدفع هؤلاء الشباب للظهور على الخشبات الفنية الموجودة في الولاية باسم فرقتهم الموسيقية، كما يتوسّع نشاطهم الفني خارج دار الشباب ليتمّ عرضه في الساحة الفنيّة أمام جمهور أغلبيتهم من الشباب، كما لا يتوقّف نشاطهم ضمن فضائهم الاعتيادي الروتيني بل ينفتحون من خلال برنامجهم الفني على فضاءات تعبيرية أخرى، مردّدين إنتاجهم الموسيقي على مستوى بلدية ''تيمزريت'' سواء كان ذلك ضمن الحفلات العائلية في العديد من القرى أو ضمن المهرجانات الثقافية والجمعوية التي تنظّم في قرى ومداشر من ولاية ''بجاية''.

يفرض هؤلاء الشباب الذين يشكلّون الفرقة الموسيقية ذواتهم في بيئة تبدو عدائية أو مغلقة أمامهم، يحاولون التعريف بأنفسهم ويبحثون عن الاعتراف بهم من طرف الجمهور، ومثل هذه النشاطات تزيد في طموحاتهم الموسيقية للذهاب بعيدا بحثا عن جمهور آخر، وهو ما حصل بالفعل من خلال برمجة هذه الفرقة - ضمن إطار التبادل الثقافي مع ''جمهورية التشيك'' - لعرض منتوجها الفني بناء على وساطة أحد الأساتذة الشباب من سكان المنطقة.

يكشف البحث الدائم للشباب عن إمكانيات التعبير والتنظيم ندرة الفرص الممكن تحقيقها في قريتهم أو في إطار المجالس القروية التي يمثل فيها كبار السنّ المختلفون عنهم حرّاسا للقيّم[18]، فهؤلاء يمثلون عائقا أمام ازدهار الموسيقى المحليّة، كما أنّ القرية لا تتيح لهم إمكانية استحداث عالمهم الخاص بهم نظرا لنوع التنظيم الاجتماعي ضمنها وطبيعة علاقاتها الاجتماعية بين فاعليها.

خلاصة

يجب أن تفهم العلاقة التي تربط الجمعية بالقرية على أنّها إطار استراتيجي يتّخذه الشباب من أجل الاعتماد على النفس والابتعاد عن ضغوطات كبار السنّ وثقل القيم القرويّة، كما يجب أن تُفهَم أيضًا على أنّها عامل لتغيّر البيئة الاجتماعية في السياق المحلي. ويمكن القول أنّ العملية التي يشارك بها هؤلاء الشباب في استحداث فضائهم وتأكيد ذواتهم الجماعيّة لا تشير إلى صقل فكرة معينة عن المواطنة، بل تحاول هذه الفئة بطريقتها الخاصة دعم نفسها والهروب من تحكّم كبار السنّ بحثا عن بناء ذواتهم وتأكيدها.

ترجمة نوار فؤاد وعادل يوسف خوجة

بيبليوغرافيا

Abrous, O. (2002). Kabylie, Printemps noir: de la revendication identitaire au projet de société. Alger : SAEC-Liberté.

Adjati, H. (2007). El Kseur: mon village. Bejaia : Talantikit.

Gallissot, R. (1999). Le mouvement associatif et mouvement social: le rapport État et société dans l'histoire maghrébine. Oran : Insaniyat, n° 8, mai-aout.

Hadibi, M.-A. (2007). Conquérir les espaces publics par force en Kabylie, In Breviglieri, M. et Cicchelli V. (dir.), Adolescence méditerranéenne, l'espace à petits pas. Paris : l'Harmattan.

Hadibi, M.-A. (2010). Projet en fragment et avenir des jeunes en Kabylie. Oran : Insaniyat, n° 49, juillet-septembre, (vol. XIV, 3).

Kaufmann, .J-C. (1996). L'entretien compréhensif. Paris : Nathan.

Kinzi, A. (1998). Tajmâat du village El kelâa des At yemmel: études des structures et des fonctions, mémoire de magistère, Université de Tizi-Ouzou. (Non publié).

Kinzi, A. (2007). La jeunesse en milieu rural kabyle et ses rapports conflictuels avec les institutions traditionnelles villageoises. In Breviglieri, M. et Cicchelli V. (dir.), Adolescence méditerranéenne, l'espace à petits pas. Paris : l'Harmattan.

Lescanne, G. (1994). 20/30 ans. De jeunes adultes à découvert. Paris : Desclée de Brouwer Panorama, p.78

Roudet, B. (1996). (dir.), Les jeunes et des associations. Paris : l'Harmattan.

Salhi, M.-B. (1999). « Modernisation et retraditionalisation à travers les champs associatif et politique: cas de la Kabylie », in Insaniyat, n° 8, mai-aout.

Salhi, M.-B. (2002). « Le local en contestation: citoyenneté en construction: le cas de a Kabylie », in Insaniyat, n° 16, janvier-avril, (vol.VI, 1).

 الهوامش

*مقال منشور في مجلة إنسانيات باللغة الفرنسية، عدد 55-56 | 2012، ص. 63-77. بعنوان: " De l’assemblée villageoise à l’association : les jeunes villageois en quête d’affirmation ".

(1) جامعة مولود معمري، 15000، تيزي وزو، مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، 31 000وهران.

[1] أجري هذا التحقيق في 2004 في قرى "أيت يمال"، "تيمزريت" و"سيدي عياد"، وفي إطار مشروع بحث معتمد في مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية الموسوم: "البناء السوسيولوجي لفكرة الشباب" والذي أشرف عليه حديبي محند أكلي. تمّ خلال ذلك تحقيق إجراء 17 مقابلة مع الشباب (15 شابا وشابتين)، وكان اختيار ملامحهم متطابقا مع الإشكالية، فالعينّة تتكون من شباب تتراوح أعمارهم ما بين 20 و30 سنة، ممن توقفوا عن الدراسة في مستوى المتوسط والثانوي. في هذا المقال تمّ اختيار فئة من بين هؤلاء الشباب الناشطين في الجمعية التابعة للبلدية والتي تمارس أساساً الموسيقى.

[2] تمت مناقشة أشكال أخرى لتملك الفضاءات العمومية من قبل الشباب في ميادين قريبة أخرى. أنظر مساهمة محند أكلي حديبي.

Cf., Hadibi, M.-A. (2007). « Conquérir les espaces publics par la force en Kabylie », in Breviglieri, M et Cicchilli. V. (dir.), Adolescence méditerranéenne, l’espace à petits pas. Paris : L’Harmattan. 

[3]Cf., Kuffmann, J. -C. (1996). L'entretien compréhensif. Paris : Nathan.

[4]لتفصيل أكثر عن هذه المقاربة، أنظر:

Laplatine, F. (2005). Description ethnographique. Paris : Armand Colin.

[5] نعني بـ''ذوي الحقوق'' في القرية، جميع القروين المعترف بهم من طرف "تاجمعت" ضمن إطار قانوني واجتماعي محدد، والذين يملكون كامل العضوية فيها، فـ"ذوي الحقوق " يشاركون في اجتماعات القرية وفي اتخاذ القرارات الخاصة بالشؤون العامة، وكذا أشغال البلدية. أنظر:

Cf., Kinzi, A. (1998). Tajmâat du village des At yemmel: études de structures et des fonctions, mémoire de magistère, université de Tizi-ouzou, p. 584-605.

Cf., Hadibi, M.-A. (2007). « Conquérir les espaces publics par la force en Kabylie », in Breviglieri, M et Cicchilli. V. (dir.), Adolescence méditerranéenne, l’espace à petits pas. Paris : L’Harmattan.

[6] هذه القرية من "أيت يمال"، أحد ميادين تحقيقنا في سنة 2004.

[7] أنظر أساسا الفصل العاشر (بنيات تاجمعت) والفصل الحادي عشر (وظائف تاجمعت) من مذكرة الماجستير سابقة الذكر ص. .222-351

[8] Kenzi, A. (2007). La jeunesse en milieu rural kabyle et ses rapports conflictuels avec les institutions traditionnelles villageoises. In Breviglieri, M. et Cicchelli, V. (dir.), Adolescence méditerranéenne, l'espace à petits pas. Paris : L’harmattan, p. 263-276.

[9] ''القصر'' من المدن الصغير والهامّة في الصومام بحيث تبعد من مدينة بجاية بحوالي 20 كلم. حول هذه المدينة الكولونيالية أنظر:

Adjati, H. (2007). El kseur: mon village. Bejaia : Talantikit.

[10] للتذكير فقط، تحتوي مراكز الشباب على مثل هذه الجمعيات التي يهتمّ على أعضاؤها بتنظيم الأنشطة الثقافية، وتأخذ الاسم نفسه "جمعيات تنشيط الشباب".

[11] حول أحداث منطقة القبائل سنة 2001، أنظر:

Salhi, M.-B. (2002). Le local en contestation, citoyenneté en construction: le cas de la Kabylie. Insaniyat, (vol.VI, 1), 06, janvier-Avril, p. 55-97; Abrous, O. (2002). Kabylie printemps noir: de la revendication identitaire au projet de société, Alger : SAEC-Liberté; Ait Si Salmi, O. et Sadi, N. (2008), les évènements de 2001 à travers les récits de jeunes, mémoire de licence, université de Tizi-Ouzou.

[12] في هذا النوع من المقاهي يستقبلون أيضا الشباب الهاربين من قراهم في أوقات محددة، فهي في الواقع أماكن تنشئة رفاهية الشباب، أنظر: Hadibi, M.-B., op, cit. p. 190-191

[13] أنظر أمثلة عن ذلك في مساهمات قاليسو :

Gallissot, R. (1999). Le mouvement associatif et mouvement social: le rapport Etat et Société dans l'histoire maghrébine. Insaniyat, n° 08, mai-août, p. 5-19 ; Salhi, M.-B. (1996), « modernisation et traditionalisation à travers les champs associatif et politique: le cas de la kabylie. Associations, Paris : l'Harmattan.

[14] هذه الجمعية مدعّمة من طرف "الأفالان'' الذي كان من مؤسسيها.

[15] هذه الجمعية الشبابية التي أسست في أوائل السبعينات في ''الأحد'' موجهة أكثر للنشاط الموسيقي، بحيث استطاعت أن تكوّن عدة فرق موسيقية شاركت في عدة مهرجانات وطنية.

[16] Hadibi, M.-A. (2010). Projet en fragment et avenir des jeunes en kabylie .Insaniyat n° 49, juillet-septembre, (vol. XIV3) p. 49-50.

[17] للقيام بذلك، اجتمعت بعض القرى حول هوائي جماعي ينقل برامج القنوات الأجنبية المختلفة، بحيث تلقى الكثير من هذه البرامج صدى كبيرا لدى الشباب. جميع المستجوبين (17 مستجوبا) يؤكدون امتلاك هذا الهوائي (عند الآباء خاصة)، بحيث يعتبر بعضهم الهوائي المقعر والتلفاز الوسيلتان الوحيدتان للترفيه.

[18] Lescanne, G. (1994). 20/30 ans. De jeunes adultes à découverte. Paris : Desclée de Brouwer Panorama, p. 78.


مصطفى مجاهدي : مختص في علم الاجتماع الاتصال، أستاذ بحث بمركز البحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران، 31000، الجزائر.

حفيظة قباطي : مختصة في علم الاجتماع، باحثة بمركز البحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران، 31000، الجزائر.



مقدمة

تحيل تسميات "حرّاقة"، مُهاجرين غير شرعيين، مُهاجرين من دون أوراق... إلى وضعيات تتقاطع وتتباين من وجهة نظر قانونية ولكنها تتشابه في معاشها الاجتماعي. لقد أسهبت الخطابات بشـكل جليّ فـي سرد المعطيات الاجتـماعية والاقتصادية مختزلة أسباب الهجرة السّرية في مستوى علاقة "الحرّاق" بمحيطه القريب، وكثيرا ما رُبطت بالبطالة واعتُبرت العامل الحاسم في تفسير الأسباب. من الطبيعـي أن يحصل هـذا، كـون ظاهـرة "الحرْقة" تنـتشر كـظاهرة واقعية وإعلامية في ظل تأثير النقاش الساخن حول مسألة الشباب في الجزائر، والتي يأتي على رأسها عامل البطالة بوصفه سمة شبابية قبل كل شيء. ولا تبدو الظاهرة شأنا محليا فحسب، بل تتعداه بفعل امتداداتها الاقتصادية، الثقافية، السياسية والإيديولوجية لتصبح جزءًا من النقاش على مستوى العلاقات الدولية.

وَضـعت "الهجرات الحديثـة [...] نـوايا وخطابـات الدول ممارساتها والجماعات المعنية بها على المحك"[1]، بحيث فرضت على الدارس تناولها في شموليتها بوصفها "ظاهرة كلية"[2] مثلما يذهب لذلك عبد المالك صياد. ولم يكن وضعه لمصطلحي هجرة-غربةémigration -immigration اعتباطيا وإنّما لكونهما يوفّران السبيل الأمثل لكشف نقاط التلاقي بين الأوضاع المنتجة للهجرة والسياقات الموجودة في الدول التي تستفيد من الظاهرة. وبناء على مقاربة عبد المالك صياد لمسألة الهجرة، نفترض أن عملية إنتاج وإعادة إنتاج الخطاب المأسوي الذي يُشرعِن من خلاله الشباب ممارسات "الحرْقة" قد أفضت إلى حجب حقائق يمكن من خلالها فهم أسباب انتشار الظاهرة ولم يَجْنِ منها الفاعلون  - المشاركون بشكل مباشر أو مضمر - المنفعة، وبالتالي المشاركة في تنميتها بشكل أو بآخر لتأخذ الزخم الذي أخذته وتصبح بذلك هاجسا مؤرقا.

تشكلت حول "سلعة الهجرة" سوق متكاملة الأركان، إذ حقّقت هذه التجارة لأصحاب "الشبكات" والزوارق مداخيل معتبرة. ولئن كانت الحركة الجمعوية بإسبانيا تضفي على اهتمامها بـ"الحرّاقة" ومساعدتهم صبغة إنسانية واجتماعية، فإنّها تحصل جراء هذا العمل على موارد مالية تسمح لها بتوظيف عدد كبير من الشباب الإسبان بالأساس، وتوفّر من وراء نمط نشاطها فائضا في اليد العاملة لمصلحة المستخدِمين الإسبانيين، تكتفي بما يعطى لها من أجر ولا يحميها القانون، وترضى بكل شيء وتتفادى أي مشكلة يجعلها مهدّدة بالطرد، ضياع حلم النجاح الاجتماعي الذي بنى عليه الشاب المراهنة بحياته.

شكّل المهاجرون الشباب للصحافة - لاسيما الخاصة منها - مادة رائجة تمكّن من استمالة القارئ وضمان رواج العدد الأكبر من النسخ خصوصا لدى الشباب المتتبعين ليوميات الهجرة والساعين إلى الحصول على أكبر قدر من المعلومات حول المسألة، وجلبت هذه الهجرة الشهرة للفنانين الذين تغنوا بها وأنتجوا بيومياتها الأفلام الوثائقية وغيرها.

حاولنا تبنّي إطار نظري مستمد من أعمال عبد المالك صياد[3] لتفادي إعادة إنتاج الخطاب المأساوي عن "الحرْقة"، والذي يمكن أن توقعنا فيه الأدبيات ذات المصادر المختلفة التي لفّت الظاهرة بالتصوّر المأساوي[4] أو التعامل الأوّلي مع إجابات الشباب. انطلقت الدراسة من الأسئلة التالية: ما هي المسارات الاجتماعية والمهنية لهذه الفئة الشبانية بعد وصولها إلى الأراضي الإسبانية؟ ماذا ينتظرون من الهجرة، وما الذي يتوقعون جنيه من وراء ذلك؟ ما الذي يدفع الجمعيات في إسبانيا إلى مساعدة "الحرّاقة" ؟ ومن المستفيد من نشاط  هذه الجمعيات؟

العمل الميداني

يستند هذا العمل إلى تحقيق ميداني أول أُجري خلال الفترة ما بين الرابع إلى الواحد والعشرين من ديسمبر 2009 بمدن "أليكان"، "آلتش" و"توريبيخا"'[5] بإسبانيا، وإلى تحقيق ميداني ثاني أجري ما بين الثاني عشر والتاسع عشر من شهر فبراير 2010 في مدينة "أليكانت" و"آلتشي"، فضلا عن تحقيقات في أرض الوطن حول التصوّرات التي يمتلكها الشباب حول الهجرة. أجرى الفريق مجموعة مقابلات مع شباب لـهم مسـارات متـباينة نجحـوا فـي الوصـول إلـى إسـبانيـا، كما أجرى مقابلات مع مجموعة من المسؤولين في الإدارات ذات صلة بالهجرة فضلا عن الحركة الجمعوية[6]، ويهدف التحقيق إلى الوقوف على حقائق ميدانية تتصل بتجارب الشباب الجزائري الذي خاض مغامرة الهجرة السرّية، لاسيما الذين اختاروا طريق البحر لبلوغ الأراضي الاسبانية.

تقربنا خلال بحثنا الميداني من نائب القنصل الجزائري (مقابلة، ديسمبر 2009) بأليكانت وتحدثنا معه عن الهجرة، ويرى أنّ "إسبانيا اعتمدت منذ الانطلاقة الاقتصادية على الفلاحة والبناء في استراتيجيتها للتنمية المستدامة، إضافة إلى السياحة وهي البلد السياحي الأول في العالم (حوالي 68 مليون سائح سنويا)، لذلك أغلب المهاجرين يعملون إمّا في البناء أو الفلاحة وخصوصًا في جني الزيتون خلال مواسم جنيه. أغلب المهاجرين في إسبانيا من فئة الأميين (ويقدرهم بنسبة 99 بالمئة من مجموع المهاجرين إلى هذا البلد)"، ويرى أنّ هجرة المتعلمين هي هجرة مغامرة. لم يقدم لنا الإحصائيات التي اعتبرها سرّية، بل أخبرنا بأنّ نسبة المهاجرين ممن يطالبون بورقة عبور إلى الجزائر ارتفعت بـ 60 بالمئة سنة 2009. يتوافق هذا التصريح إلى حد كبير مع ما يذهب إليه 'كوك' و'فوجر' في قولهما إن:

"المهاجرين الذين يصلون الى دول (أ.س.د.ي)O.C.D.E.[7] الغنية، لهم مميزات سوسيواقتصادية مختلفة عموما عن مميزات العمّال المحليين. هؤلاء المهاجرين أكثرهم شباب ذكور، يتمركزون في المدن الكبرى، مستواهم الدراسي ضعيف ويقومون بأعمال أقل تأهيل والشائع أنهم بطّالون"[8].

تبرير مشروع "الحرْقة"

يطرح التعامل مع التبريرات التي يشرعن بها الشباب إقدامهم على "الحرْقة" صعوبات كبيرة في كيفية التعامل معها، فكثيرا ما تُقرأ التصريحات على أنّها الأسباب الحقيقية وراء الهجرة السرّية، فيكفي أن يبرر الشاب إرادته في "الحرْقة" بعجزه عن إيجاد عمل حتى يُستخلص من ذلك على أنّه السبب الموضوعي. لا يكمن الغرض في الاستماع للشباب حول الأسباب التي دفعتهم للهجرة في استخلاص الأسباب الحقيقية لذلك وإنّما البحث في الحجج التي يشرعون بها ممارسة يسعون من خلالها أن تكون مقنعة للسامع ويعرفون في بعض الأحيان أنهم يتجاوزون فيها حكم الدّين. فلا غرابة إذن أن تأتي على رأس التبريرات الظروف العائلية ومسألة البطالة، فالشاب يعلمُ مسبقا مدى التأثير الذي سيتركه على المستمع عندما يصرّح قائلا:

"الوالد مسكين يشتغل براتب شهري لا يكفي، لاسيما في هذا الوقت الذي وصلنا إليه، إذا كنت تملك المال فلك مكانة، إذا لم تكن تملك فأنت لا شيء. وصلت إلى السنة الثالثة ثانوي، خسرت الباكالوريا وتوقفت عن الدراسة. الأشياء التي دفعتني إلى التفكير في الحرْقة هي أنني وجدت نفسي في وضعية صعبة (لا مستقبـل ولا أمـل)، والأكـثر مـن ذلـك لا أملـك أي حـق، فـقط أصـحاب الرشـوة والمعرفـة والمحسوبية هم من يعيشون والمسكين يُداس" (شاب عمره 25 سنة).

يذهب البعض الآخر إلى أبعد من ذلك عندما يبرّر إقدامه على المغامرة بالمسؤولية العائلية التي وجد نفسه مرغما على تحمّلها بعد وفاة والده ليصبح هو المعيل للأسرة:

"كنت أنا معيل الأسرة، وصلت للحظة التي سئمت فيها من العيش ولم تعد أمامي سوى "الحرْقة"، خاصة عندما سمعت أن هناك العديد ممن ذهبوا وهم اليوم في خير يسير" (41 سنة).

ويرجع شاب آخر الأسباب إلى انفصال الوالدين وزواج أمه بالخارج وهو يريد الالتحاق بها.

"وجدت نفسي بلا مستقبل، لا شيء... عندما تعمل لا تجد سوى من يستغلك ولا يؤدي لك حقك وكلنا يعرف الوضع. تزوجت أمي بأوروبي (قَاوْرِي) بعد طلاقها من والدي، لم تسمح لي المشاكل العائلية بإكمال دراستي، وأنا أصلا لم تكن لدي رغبة في الدراسة، فتركتها في مرحلة المتوسط .بدأت فكرة "الحرْقة" تدور في ذهني رغم أنني كنت أعيش مع الجدة بخير، كانت ترعاني ماديا لأنّها تتقاضى منحة جدي الشهيد ولم يكن يعنني المال ولكنني أردت ملاقاة أمي" (40 سنة).

نلمس كذلك قوة التبرير المعتمد على الأوضاع العائلية في حالة "نسيم 25 سنة بطّال، متحصل على شهادة ليسانس في الأدب العربي"، الذي توفيت أمه واضطر أبوه إلى الزواج مرة أخرى، إلا أنه يؤكد أنه بعد الزواج ساءت الأمور كثيرا في وسط الأسرة، بفعل النزاعات يومية (ويلقي باللوم كله على زوجة أبيه، وعلى أبيـه الذي لم يكـن في المسـتوى لحمايتـه هـو وإخوته)، وهنا يبدأ البحث عن منفذ للتخلّص من هذا الوضع. سعى المبحوث جاهدا إلى الحصول على فرصة للوصول إلى الضفة الأخرى، وتُوّج سعيه بما كان يصبو إليه بعد أن التقى في مقهى الحي بأحد أصدقائه الذين زاولوا معه الدراسات الجامعية، والذي كان يقاسمهم الاهتمام نفسه. لم يشد أمين (15 سنة) عن القاعدة. قال لنا خلال اللقاء الذي جمعنا به بمركز آلتشي للقاصرين[9]، المتواجد في طابق عمارة داخل حي سكني، أنّ فكرة "الحرْقة" برزت لديه منذ طلاق الأبوين وبقائه هو مع أمّه، ورأى أن هجرته إلى إسبانيا ستمكنه من مساعدة أمّه لمواجهة صعوبة العيش. هذه القصة التي يرويها "أمين" للقائمين على العمل الجمعوي أكسبته تعاطفا كبيرا من قبل هؤلاء (كل القصر الذي تحدثنا معهم في هذا المركز كانوا متمدرسين قبل الإقبال على "الحرْقة").

يقع الخطاب التبريري الذي يستند إلى الظروف العائلية في تناقضات فيما يخص دور العائلة، حتى وإن صعب تحديد دورها بدقة في مسألة "الحرْقة"، فهناك حالات نادره يعمل فيها (الإخوة بالدرجة الأولى) على دفع الشاب إلى الهجرة، بينما في الأغلبية العظمى من الحالات تجهل العائلة (الوالدين بالأساس) تماما فكرة المغامرة التي سيقدم عليها الإبن. سألنا "جيلالي"، عضو جمعية CEAR، من أصل جزائري ومرافقنا في أليكانت، بحكم تجربته الطويلة في التعامل مع "الحرّاقة"، وكان مضمون السؤال :هل يلعب الوالدان دورا محفزا أو ردعيا أمام إقدام الشاب على تنفيذ مغامرة الهجرة السريّة؟ يقول جيلالي :

"هناك حالات أين تكون العائلة أو أحد أفرادها، خاصة الأخ، على علم بفكرة "الحرْقة"، وفي أغلب الحالات يخفي الشاب تماما هذه الفكرة ولا يذكرها إلا للذين يرافقونه في الرحلة، هذا راجع لخوفه من عرقلة مشروعه". تتكرر هذه المواقف عادة لدى الشباب "الحرّاق"، حتى وإن اختلفت الكلمات، مثل مقولة: "لا أبي ولا أمي كانا يعرفان أنني سأهاجر، ولم أخبرهما إلا بعد وصولي". (أحمد 25 سنة).

الهجرة، العمل والنجاح الاجتماعي بمنطق الطفرة

لا تطرح مسألة العمل في خطاب "الحرّاقة" ضمن ثنائية العمل/البطالة، وإنما يطـرح موضوع العمـل لدى المـهاجرين السـريين في عـلاقته بالنجاح الاجتماعـي، وكأن في مخيلة الشباب أن هذا النشاط من المسلّم به أنّه يؤدي حتما إلى جمع الثروة في وقت قياسي، وإن لم يحقق ذلك فلا يرون أي جدوى من ممارسته، فالعمل مرتبط في أذهانهم بالثروة، معتقدين في الوقت نفسه أنّ العمل في الداخل لا يحقق لهم ذلك بينما في الخارج يؤدي إلى التحصيل الآني والآلي للثروة. كانت الأغلبية الساحقة ممن حاورناهم من الشباب "الحرّاقة" تزاول عملا سواء في القطاع الرسمي أو غير الرسمي، إلا أن العنصر المشترك بينهم هو الإحساس باللااستقرار[10].

يندفع "أحمد 25 سنة"، فـي الحديث ليـبرّر هذه الأسباب بقـوّة وكأنّه ملزم بذلك ويقول:

"تشتغل في البلاد كل حياتك ولا تملك لا منزل ، لا سيارة، ولا شيء، ما تحصل عليه من مال لا يكفيك حتى لإتمام مصاريف اليوم، أقول لك دفعت 24 مليون لتحقيق مشروع "الحرْقة"، وقد ساعدت الكثير من بين 22 "حرّاق" الذين كانوا معي على متن القارب، منهم طفل عمره 14 سنة، وأتمنى لو أنني أستطيع أن آتي بكل أهلي، وأقول لك إن الشباب لو استطاع دفع المال الكافي لما بقي واحد منهم هناك".

يملك أحمد المال، وكان قبل الهجرة صاحب قاعة حلاقة في وسط مدينة وهران يشغل معه بعض الشباب. لم تكن البطالة هي السبب وراء مغامرته وإنّما كشف لنا قبل أن ننهي المقابلة معه أنّ هناك أمرا شخصيا دفعه إلى ذلك ولا يمكنه الخوض فيه، وعندما أصررنا عليه علمنا منه أنّه متابع قضائيا جرّاء مخالفات قام بها خلال مرحلة الخدمة الوطنية، أردنا استدراجه أكثر للبوح بالتفاصيل، رفض أن يدلي بأية تفاصيل حول هذه المسألة.

لم تكن العلاقة بالعمل لدى الشباب سوى وسيلة لإضفاء الشرعية على المغامرة القاتلة، فهم يعلمون أنّ المستمع إليهم سيعذرهم إن بادروا بذلك ووضع هذه المسألة على الواجهة.

يأتي الزواج الناجح على رأس قائمة مؤشرات النجاح في خطاب "الحرّاقة":

"كنت محظوظا، وجدت إنسانـة رائعـة، والأكثر من ذلك تمـلك ثـروة وأراضـي ومحلات سجلتها كلها بإسمي واليوم أعيش وأتنقل في كل مكان والحمد لله". يستبشر الثاني بأقل درجة من النجاح: "وصلت إلى إسبانيا في أول محاولة للحرْقة، وبالصبر والعمل والانضباط استطعت الحصول على أوراق الإقامة. لما عرفوا أنّنا نشتغل ولا نتسبب في أية مشاكل سووا لنا وضعيتنا ومنحونا الجنسية والوثائق، واليوم الحمد لله أذهب إلى الجزائر وأعود وفرت قليلا من المال. لو لم أتشجع وأهاجر ربما لا زلت لم أحقق شيئا هناك وأبقى ربما مفلسا. تعلمت الكثير من الأشياء في حياتي وأصبحت أكثر إحـساسا بالمسؤولـية ومتديّنا أكثر".

العلاقات وتشكّل شبكة الهجرة السريّة

بدأ توظيف مصطلح شبكة اجتماعية في التحليل السوسيولوجي والأنثروبولوجي يلقى اهتماما خاصا، إذ يرى هنري باكيس (Henry Bakis) في كتابه: "الشبكات ورهاناتها الاجتماعية" أنّ "مصطلح شبكة أضحى أداة إجرائية للبحث السوسيولوجي في مختلف الميادين، العائلة، التضامن الاجتماعي، الأحياء... وبفضل مصطلح شبكة تجلّت الأهمية الخاصة للثقافة والروابط الاجتماعية اليومية، إلى جانب دور الرقابة الاجتماعية المؤسسة وموقعها كمحدّد هيكلي"[11]، ويتوافق ذلك مع ما يذهب إليه (Pierre Mercklé) في كتابه "سوسيولوجيا الشبكات الاجتماعية" "ليس هناك تنظيم إنساني بدون شبكات اجتماعية... التنظيم الاجتماعي والفضائي يستند إلى الشبكات البشرية أو المعلومات"[12].

يعرف مصطلح "شبكة" نجاحا متزايدا منذ عدة عقود، ولا يتناول علم اجتماع الشبكات الأفراد في حدّ ذاتهم، وإنّما العلاقات بين هؤلاء الأفراد التي تمرّ حتما بالاتصال الاجتماعي بما يعنيه من حوامل ومحتويات ويترتب عنه إقناع يؤثر في السلوك والممارسات .

يحيلنا هذا المدخل النظري ضمنيا إلى علاقات اتصالية في الأساس ولكنها مفتوحة على أغراض متعددة لهذا الاتصال، منها ما هو تعبوي ومنها ما هو تحفيزي من شأنه أن يولد لدى الشاب شحنــة وطاقة تجعله قادرا على اتخاذ قرار الهجرة مهما كانت المخاطر التي تكتنف هذه المغامرة ومن هنا يأتي "الانفتاح على هذه الشبكات كونها تسمح بشكل أو بآخر بتعبئة كبيرة للمعلومة الضرورية"[13]. وعلى هذا الأساس فالسؤال الذي نهدف إلى أن نجد له جوابا لدى الشباب الذين خاضوا عملية هجرة سواء ناجحة أو فاشلة، مفاده: من حفزهم على ذلك؟ وبأي خطاب؟ وكيف تتشكّل الشبكة؟

نعلم ولو "افتراضيا" ما للأقران من سلطة في إقناع الشاب للإقدام على خوض عملية الهجرة السريّة، وعليه يكون من المفيد دراسة محتوى الاتصال الاجتماعي المرتبط بموضوع الهجرة والذي تتداوله جماعة "الحرّاقة" قبل الشروع في العملية، وفي تقديرنا أنّ هذا من شأنه أن يعطينا فكرة واضحة عن الصورة التي تتبلور لدى الشاب حول الهجرة والبلد الذي سيهاجر إليه. من جهة ثانية، فتنظيم عملية الهجرة السرية أصبح خلال السنوات الأخيرة، يشكل لدى بعض منهم مشروعا تجاريا مربحا، وعليه فهناك من تحوّل إلى صاحب شبكة سرية تستثمر في رغبات الهجرة لدى الشباب. وإذا سلمنا بهذه الفرضية، فأنّنا نقول أنّ نجاح هذا المشروع يقتضي من صاحبه أن يروج لخدماته حتى وإن بقي ذلك في إطار سري، ولكن ما هي "استراتيجية" هؤلاء في الترويج لمعلوماتهم وخدماتهم لدفع الشباب إلى الهجرة؟ هذه هي التساؤلات التي سنسعى إلى ايجاد أجوبة لها في هذه الفقرة، ولكن ما دام الأمر هنا يتعلّق بمسألة تثير الشكوك والمخاوف لدى الشباب، ارتأينا أن نعتمد على المقابلات شبه الموجهة (المعمقة والمتكررة) وذلك حتى نكسب ثقة المستجوبين، وسمح لنا ذلك باستخلاص الملاحظات التالية:

يخضع تشكل شبكة الهجرة السرية لمقتضيات اجتماعية، إذ تتأسس انطلاقا من علاقات الجوار، بمعنى أنّ الاتصال بها يتم سواء داخل الأحياء السكنية أو ضمن علاقات الثقة. تلعب هنا العلاقات الاجتماعية المباشرة الدور القويّ في تحقّق مشروع الهجرة. يقول "سفيان" صاحب زورق نقل العديد من الشباب نحو إسبانيا:

"نحن نعرف كل المخاطر التي تحيط بنا، ولا يمكننا مباشرة أي سفر إلا إذا كنا على دراية تامة أنه ليس هناك أي واحد مشكوك في أمره، مما يستدعي القيام بتحريات حتى على الأفراد الذين يسافرون معنا، ولي علاقات قوية في كل الأحياء تمكّنني من الحصول على معلومات دقيقة وصحيحة حول كل الأفراد الذين نقلتهم" (38 سنة).

لم يتم كشف سفيان، وإنّما تعرض لعقوبات في إسبانيا لها علاقة بترويج المخدرات، وقد اقتنى شقتين ويملك من المال ما يكفيه،

"فالشبكات الاجتماعية هي أقدم الشبكات، لا تحتاج بالضرورة إلى هياكل قاعدية. يمكن أن تكون المقاهي والحمامات التركية أو اليابانية في الأساس أَلْوِية للشبكات الاجتماعية، كأي علاقة تتأسس في أماكن يلتقي فيها الناس بطريقة غير رسمية"[14].

يقول مجيد (24 سنة، خاض المغامرة مرتين، لم تفلح الأولى، فعاد من وسط البحر إلى الشواطئ الجزائرية، وفي المرة الثانية وصل مع مجموعة من شباب الحي إلى الأراضي الاسبانية)، "اشتغلت نادلا في العديد من المقاهي، وكان أصدقائي يرتدون المقاهي ولم يكن لديهم أي عمل، ونجحوا في "الحرْقة"، وكانوا يتصلون بي في الهاتف، فمنهم من كان يملك هناك مسكنا رائعا، ومنهم من تعرف على أجنبيات ويعيش في غاية السعادة، وفي كل مرة يرسل الهدايا والمال إلى عائلته، وأنت تعلم أنني إذا اشتغلت نادلا في المقهى طيلة سنة، فلا أستطيع جمع الفائض الذي يرسلونه لعائلاتهم".

يتفادى الشباب "الحرّاقة" الذين يعانون من وضعيات صعبة التصريح بوضعيتهم الحقيقية عندما يتّصلون بأصدقائهم. سألنا محمد - ينحدر من الشرق الجزائري، يشارف على الأربعين سنة، دخل إسبانيا عن طريق الأراضي المغربية - عن ما يقوله عندما يتّصل به الأهل والأصحاب في الجزائر، فردّ قائلاً:

"ماذا تريدني أن أقول: بخير والحمد لله ولا ينقصني أي شيء". ينام محمد في غرفة واحدة يؤجرها بالاشتراك مع خمسة من المهاجرين من المغرب، يعمل حمّالا في نواحي المنطقة الصناعية بأليكانت، لم يحقق أي شيء من وراء هجرته التي طالت في إسبانيا ويرفض العودة إلى البلاد خالي الوفاض حتى لا يكون مصدر سخرية لأبناء المنطقة".

 يسمح السرد الـذي يقدّمه الشباب عـن كيـفيات اتصـالهم ببـعضهم البـعض وبصاحب الزورق (أو شرائه مباشرة بما في ذلك المستلزمات الأخرى الضرورية عن طريق جمع المساهمات) طرق تكافل كبير بينهم، وكثيرا ما يشترط أحدهم في سفره أن يرافقه صديقه وقد يدفعه ذلك ليساعده في دفع المبلغ المستحق.

سألنا المبحوثين عن فئة الشباب الجامعي فكانت الإجابة :

"نعم هاجروا معنا وكانوا معنا في مركز برشلونة، واحد منهم حامل لشهادة عليا في الهندسة المدنية وآخر في الهندسة المعمارية، وقال لنا زملاؤنا أن هناك طبيبا كذلك، وحسب قولهم قرروا الهجرة لأنهم لم يجدوا عملا في الجزائر، لكن هؤلاء ينتقلون إلى فرنسا لا يبقوا هنا بسبب مشكلة اللغة".

يصرّح السيد ميلود (شاب، مسير الفندق الذي يستقبل "الحرّاقة" بأليكانت) في السياق نفسه عن حالة يتذكرها جيدا تعود لشاب طبيب أسنان وصل عن طريق "الحرْقة" وعانى وتضرر صحيا من السفر، قائلاً:

"هذا الشاب قام "بالحرْقة" لأنه لم يتمكن من الحصول على الفيزا بالشهادة حيث قيل له أن الشهادة الجزائرية غير معترف بها في إسبانيا. وجد هذا الشاب نفسه مجبرا على العمل التطوعي في الصليب الأحمر الاسباني والحفلات الكثيرة التي تقام في إسبانيا حيث يستعدون فيها لأي طوارئ".

يتطلب العمل في هذه الحالة ثلاث سنوات دون ارتكاب أي مخالفة تسجل لدى الشرطة ليتمكن من الحصول على وثائق الإقامة.

الدور المبهم للجمعيات

بعد أن تمرّ رحلة "الحرْقة" بسلام إلى الشواطئ الإسبانية بألميريا[15] أو مالاقا، ويمسك حرس الشواطئ الإسبانية بـ"الحرّاقة"، يضعونهم في معتقل لمدة 62 ساعة، وَيبعث بهم بعد انقضاء المدة إلى أحد المراكز المتواجدة عبر التراب الإسباني منها: مالاقا، برشلونة، فالينسيا[16]...إلخ. يعتبر المبحوثون أنّ مركز برشلونة هو أفضل المراكز. يمكث "الحرّاقة" في هذه المراكز 40 يوما (القانون يحدد الفترة بـ 60 يوما) وبعد انقضائها تتكفّل بهم إمّا جمعية CEAR أو الصليب الأحمر الإسباني. تستقبل هاتان الجمعيتان الشباب "الحرّاقة" الذين "تعذّر" تنفيذ حكم الطرد فيهم من الأراضي الإسبانية رغم صدور حكم قضائي بذلك، لأنَّ ظروفا كثيرة تحول دون تنفيذ الحكم، فيُسلَّم هؤلاء الشباب للجمعيات لتلقي تكوين أقصاه أربعين يوما يضمن لهم المبيت في فندق تربطه اتفاقية مع الجمعية.

يعتبر "الحرّاقة" أنّ المحظوظين هم الذين يتكفّل بهم الصليب الأحمر الإسباني، فيستفيدون من الأكل والشرب والإقامةَ لمدة غير محدودة إلى أن يجد المهاجر حلا لوضعيته أو يتصل بأحد المعارف أو الأصدقاء أو يختار الرحيل إلى وجهة يريدها. ويصرّح أحد المبحوثين قائلا:

"هناك من المحظوظين من يتكفل بهم الصليب الأحمر الإسباني، هؤلاء يبقون في النزل، يأكلون ويشربون وينامون لمدة غير محدودة حتى يجدون حلا لوضعيتهم "(20 سنة ، تاجر سابق بوهران).

لا تقدم جمعية CEAR الامتيازات نفسها التي توفرها جمعية الصليب الأحمر، ف CEAR لا تضمن الإقامة إلا لمدة 15 يوما بفندق خاص بالمهاجرين غير الشرعيين. تعطى بعدها لكل مهاجر مقيم خلال هذه المدة مبلغ 100 أورو لمصاريفه الشخصية. صرح لنا مبحوث آخر بما يلي:

"مثلا أنا ومجموعتي لو أخذتنا جمعية CEAR لكنّا محظوظين، أخذتنا جمعية الصليب الأحمر الإسباني".

تسلّم لهم الجمعية وثيقة تدلّ على متابعتهم للدورة التكوينية، قبل أن تشتري لهم تذكر سفر للوجهة التي يختارونها في الأراضي الاسبانية. ينظر لهذه الوثيقة بطرق مختلفة، فبعض الشباب "الحرّاق" المهووس بتسوية وضعيته من القادمين الجدد ينظرون لهذه الوثيقة على أنّها تسوية نهائية لوضعيتهم القانونية وتسمح له بممارسة حياته العادية على الأراضي الإسبانية، بينما يجتهد "جيلالي" عضو جمعية CEAR - ومرافقنا في مدينة أليكانت - لإقناع هؤلاء الشباب أنّ هذه الوثيقة لا تثبت سوى متابعتهم للتكوين ضمن برنامج الجمعية المذكورة، ويحذرهم من مَغبّة الدخول في نزاع مع الشرطة خلال عملية المراقبة عند التنقل من مدينة أليكانت إلى الوجهة التي اختاروها طواعية.

يسمي الشباب الذي أمضى فترة في إسبانيا والمقتنع بعدم جدوى هذه الوثيقة بـ"كاغط السكر" الشبيه بالورق الذي تُلف فيه مادة السكر في دكاكين. يروي الشباب الكثير من التجارب التي حصلت لهم مع رجال الشرطة الإسبانية الذين يضحكون ضحك السخرية عندما يقدم لهم أحد الشباب هذه الوثيقة، رغم أنّهم لا يتعرضون إلى التوقيف[17]. لقد كان بإمكانهم التواجد في وضع أفضل وهم بجواز يحمل التأشيرة إلا أنّ الكثير منهم يقول:"قدمت ملف التأشيرة مرتين ولم أفلح في الحصول عليها" (33 سنة).

هذا الدور المسند للجمعيات التي تشتغل تحت وصاية الدولة يدعو إلى التساؤل، وأقل ما يقال عنه أنّ الشاب يدخل تحت حماية الجمعية بوصفه مهاجرا غير شرعيّ ويخرج منها و هو في الوضعية نفسها، فتواجد نسبة من هؤلاء الشباب في هذه الوضعية وفّر فائضا في اليد العاملة لا يطلب إلا في الحالات الضرورية وفي الأعمال التي يتنازل عنها المواطنون المتمتعون بحقوقهم الكاملة، فهذه الجمعيات تضمن مناصب شغل للعديد من الشباب الإسباني. كان لجوء جيلالي ذي الأصول الجزائرية لـ CEAR بغرض الترجمة وتسهيل الاتصال بالشباب المغاربي الذي يشكل أغلبية "الحرّاقة". وتمتلك هذه الجمعيات هياكل استقبال تفتقد إليها العديد من الإدارات الأخرى، فالاهتمام بالفئة "الحرّاقة" - التي تثير التعاطف - يسمح لها بالحصول على موارد مالية معتبرة.

خلاصة

ارتبطت الهجرة السرية في السنوات الأخيرة بموجات الهجرة التي شهدتها الجزائر خصوصا على حدودها الصحراوية مع دول إفريقية ومرور قوافل الأفارقة قاصدين الأراضي المغربية للوصول إلى "سبتة" و"مليلة" ومن ثم إلى الأراضي الإسبانية. لقد أخذت شكلا جديدا بعد التقدّم الاقتصادي الذي عرفته إسبانيا ابتداء من تسعينات القرن الماضي والذي تزامن مع تشكيل الاتحاد الأوروبي وتضييق الخناق على الشباب في الحصول على تأشيرة دخول الأراضي الأوروبية. شكّلت إسبانيا الباب المفضل لأوروبا لاسيما بالنسبة لشباب الغرب الجزائري، وفي ظل هذه المعطيات لم تدّخر هذه الفئة جهدا في المجازفة والمغامرة لاقتناص فرصة عمل بإسبانيا. تزامن هذا مع الظروف السياسية والسوسيواقتصادية التي عرفتها الجزائر والتي قلّصت من فرص الشباب في تحقيق أحلامه داخل الوطن.

أجبرت المتغيّرات الجديدة الشباب الذين يملكون حلمًا مشتركًا، أن يواجهوا مصائر متباينة، ورغم هذا ماتزال فئة أخرى تحلم إلى غاية هذه اللحظة بهذا المشروع وينتظرون الفرصة السانحة للانطلاق نحو ما يرون فيه أرض الممكن والعمل والأمل. الاتجاه الذي برز بشكل واضح من خلال المقابلات، يتمثل في اعتقاد الشباب أنّ نجاح مغامرة الهجرة يعني انقلابا جذريا في وضعهم الاجتماعي والمالي، فالشباب المستجوب يعتقد أنّ المرور من الفقر إلى الغنى لا يتطلّب بالضرورة المرور بمرحلة طويلة من الوقت، فلئن أخفقوا في انجاز هذه النقلة داخل الوطن، فإنّ تحقيق الهجرة بالنسبة إليهم يعني نجاح مشروع الانتقال.

نعتقد أنّ التحاليل التي أعطيت لظاهرة "الحرْقة" أو الهجرة السرّية، كانت متأثرة بالبعد المأساوي للحرقة (غرق سفن الشباب في عرض البحر والمفقودين إلى غير ذلك) وما يترتب عن الظاهرة، وربطت أسبابها بالبطالة في أوساط الشباب وما يترتب عليها من فقدان الأمل . يعيد الشباب إنتاج الخطاب نفسه الذي روجت له وسائل الإعلام وأضحى مقبولا اجتماعيا بما يوفره من مبررات لأسباب "الحرْقة" التي تستدعي التعاطف.

تتشكل، بعيدا عن هذا الخطاب المأسوي والداعي إلى التعاطف، سوق حقيقية يجد كل واحد من العاملين فيها منفعة يجنيها سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو دولا، وما كان لهذه الظاهرة أن تستمر وتؤدي إلى خلق شبكات، منظمات وجمعيات لولا الفائدة التي يجنيها كل طرف والذي قد يرغب في بقائها واستمرارها ليبقي على مصالحه أو على الأقل على وظيفته المتصلة أصلا ببقاء "الحرّاقة".

بيبليوغرافيا

دحو جربال، "مقدمة" في "الهجرة، الغربة، "الحرْقة"، ترجمة منتهى قبسي، مجلة الدراسات والنقد الاجتماعي، تنشر بدعم من المركز الوطني للكتاب ومعهد مغرب/اوربا. العدد 26/27، خريف/شتاء 2009. ص .5.

Arab, C. et Sempere, J.- D. (2009), « Des rêveurs aux bruleurs : les jeunes harragas Maghrébins se dirigeant vers l’Espagne », Migrations et société, vol.21, n° 125, septembre–octobre.

Bakis, H. (1993), Les réseaux et leurs enjeux sociaux. Paris : Que sais –je ? PUF,

Fougère, D. et Cahuc P. (2002), « Synthèse introductive : immigration, emploi et salaires », in Héran, F. (dir.), (rapport du séminaire), Immigration, marché du travail, intégration. Paris : La Documentation Française.

Lahlou, M. (2005), « Les migrations irrégulières entre le Maghreb et l’Union Européenne : évolutions récentes», rapport de recherche CARIM-RR, institut universitaire européen, RSCAS, Mars.

Mercklé, P. (2011), Sociologie des réseaux sociaux. Paris : La Découverte.

Sayad, A. (1999), La double absence. Des illusions de l'émigré aux souffrances de l'immigré. Paris : Seuil.

الهوامش

*مقال منشور في مجلة إنسانيات، عدد 55-56 | 2012، ص. 15-29. بعنوان: " سيّر ذاتية و خطابات حول تجارب "الحرْقة"

يتضمن هذا المقال حوصلة نتائج العمل الذي انجزناه ضمن فريق بحث اشتغل في مشروعين حول:

« Migration clandestine de l’Algérie vers l’Espagne dans la période contemporaine », projet de coopération internationale (Crasc/Université d’Alicante, Programme PCI inscrit sous le N° A/027905/09(, sous la direction de Zemmour Zine Edinne.2009-2011.

"الهجرة الدولية في الجزائر في الفترة المعاصرة، حالة الهجرة السرية بالغرب الجزائري"، مركز البحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية - وهران، تحت إشراف: مراد مولاي حاج، سبتمبر2007-ديسمبر 2010.

[1] دحو جربال، "مقدمة" في "الهجرة، الغربة، الحرْقة"، ترجمة منتهى قبسي، مجلة نقد، العدد 26/27، خريف/شتاء 2009. ص .5.

[2] أنظر كتاب عبد المالك صياد، الغياب المزدوج :

Sayad, A. (1999), La double absence. Des illusions de l'émigré aux souffrances de l'immigré. Paris, le Seuil.

[3] سمحت لنا الفرصة بالمشاركة في ثلاثة ورشات تكوينية نظمها مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بالتعاون مع المعهد الفرنسي بوهران وجمعية أصدقاء عبد المالك صياد و جمعية المحافظة على موقع لافيلات (La villette) بفرنسا APSV ضمن برنامج  جُسّد ما بين سنتي 2011-2012. انصبّ فيها العمل على عرض، تحليل و مناقشة نصوص و أبحاث عبد المالك صياد لاستخلاص الأطر النظرية التي تُمكّن من مقاربة موضوع الهجرة بشكل أنجع. نظمت ضمن البرنامج نفسه ثمان لقاءات، قدم خلالها باحثون من الجزائر و فرنسا محاضرات تناولت أعمال هذا الباحث.

[4] بمعنى" الابتعاد عن التأويلات السياسية والمأساوية" مثلما ورد ذلك في مقال حفيظة قباطي الموسوم :

"المهاجر الجزائري من فاعل اقتصادي إلى مهاجر غير شرعي: مسارات "حراقة" الغزوات نموذجا"، مجلة الواحات للبحوث والدراسات، جامعة غرداية، العدد 16-جوان 2012، ص. 184، الجزائر.

[5] Alicante, Elche et Torrivieja.

[6] CEAR: Commission Espagnole de l’Aide aux Réfugiés, Fondation Diagrama « Centro de Recepcion y Acogida de Menores, Lucentum », Cruz Roja Espanõla.

[7] Organisation de Coopération et développement économiques.

[8] Fougère, D. et Cahuc, P., (2002). « Synthèse introductive : immigration, emploi et salaires », in  Héran F. (dir.), (rapport du séminaire), Immigration, marché du travail, intégration, la Documentation Française, Paris, p. 325.

[9] Centro de Recepcion y Acogida de Menores, Lucentum.

[10] هذه الملاحظة وقف عليها الباحثان "خوان دافيد سمبيري"، و"شادية عراب" من خلال التحقيقات الميدانية حول ظاهرة الحرْقة التي أجريت في الجزائر والمغرب، ووردت في المقال الذي نشراه في مجلة الهجرات.

والمجتمع، ينظر إلى:

Arab C. et Sempere J.-D. (2009). « Des rêveurs aux brûleurs : les jeunes harragas Maghrébins se dirigeant vers l’Espagne », Migrations et société, vol. 21, n° 125, Paris, septembre-octobre.

[11] Bakis, H., Les réseaux et leurs enjeux sociaux, Que sais–je ? PUF, Paris, 1993, p. 83.

[12] Mercklé, .P., Sociologie des réseaux sociaux, La Découverte, Paris, 2011, p. 87.

[13] Bakis, H., Op.cit. p. 85-86.

[14] Bakis. H., op.cit., p. 82.

[15] Almeria.

[16] Malaga, Barcelone, Valencia.

[17] تشير الفترة ما بين 1996-2000 الى انخفاض نسبة الاعتقال الحراقة مع نهاية 2000  (1,5) بالمئة والى اهمية هذه النسبة سنتي التي قد رتب (14,2) بالمئة خلال الفترة ما بين 1997-1998.

Lahlou, M., Les migrations irrégulières entre le Maghreb et l’Union Européenne : évolutions récentes, rapport de recherche CARIM-RR, institut universitaire européen, RSCAS, 03/2005.p.6.


 مصطفى ميموني : مختص في علم النفس الاجتماعي، أستاذ باحث بجامعة مستغانم، باحث مشارك بالمركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران.



مقدمة

يعدّ الانتحار من المشاكل الإنسانية الأكثر خطورة لأنّه يثير مخاوف عميقة تجعل الإنسان منشطرا بين الاشمئزاز والانجذاب الغامض. حُرّم القتل (قتل الذات أو ذات أخرى) مبكرا في بداية التاريخ الإنساني، ربّما كان ذلك لسبب نفعي، غايته حماية البقاء وتطوّر الجماعات الإنسانية، لكن هذا الأمر غير كاف لجعل الإنسان يحرّم القتل بهذه الصرامة. ويبدو لنا أنّ هناك سببا آخر غامض جدا يجعل الإنسان متجاذبا بين حبّه للحياة ورغبته في إنهاء هذه الحياة. ولم تستعمل كلمة الموت عمدا لأنّ الإنسان لا يرغب في الفناء، بل في نهاية مطاف يمكن أن يكون أليما بالنسبة له وفي هذه الحالة يسعى الإنسان إلى إنهاء هذا الألم، وهذا ما نجده كثيرا في محاولات الانتحار. أمّا في الحالة الثانية، فإنّ الشعور بمنتهى السعادة يجعل الفرد يرغب تارة في توقيف مسار حياته في هذا المقام وكأنّه يريد توقيف الزمن.

حرّمت كل الدّيانات[1] القتل والانتحار وجعلت منه المحرّم الأكبر، لكن الثقافات المختلفة تجعل من القتل في الحروب والانتحار فضيلة في بعض الظروف الخاصة، وقد سمّاه "دوركايم"[2] الانتحار « altruiste » مثل انتحار "الصاموراي" في اليابان الذي يعيد للمنتحر شرفه وكرامته. وفي الثرات الدّيني الإسلامي وديانات أخرى قد تعتبر العمليات الانتحارية جهادا، لكونها تهدف إلى الدفاع عن رموز أو مثل عليا مثل الحرّية، الاستقلال.. إلخ، فالانتحار هنا محاط بقيم اجتماعية[3].

هذا النوع من الانتحار لا يهمنا في هذه الورقة البحثية، بل ما يهمنا هو الانتحار أو محاولة الانتحار التي لا تدخل في هذه الحالات الاستثنائية والمقنّنة اجتماعيا وثقافيا.

تثبت البحوث الأنثروبولوجية وجود الانتحار في المجتمعات البدائية، إذ نجد أنّ "ب. مالينوفسكي" على سبيل المثال يصف نوعين منه في جزر "تروبرياند"  (Trobriand Mélanésie)وهما:

  • إنتحار تكفير الذنب بعد خطيئة.
  • إنتحار احتجاج وانتقام لمن أساء إلى المذنب أمام الناس وجعله في وضعية مؤلمة[4].

وكما يشير الكاتبان (بودلو وايستابلي) إلى أنّ هذا النوع من الانتحار الانتقامي كان موجودا في الصين ولا يزال معمولا به إلى الآن في الصين الحديثة خاصة في الأرياف، إذ تنتقم النساء عن طريق الانتحار من عنف أزواجهّن وأسرهم (Baudelot et Establet, 2006 ).

كما يلاحظ أنّ الصين هو البلد الوحيد الذي يشهد فيه أنّ عدد الإناث يتجاوز عدد الذكور خاصة في المناطق الزراعية، وهذا ما يجعل "الانتحار من المؤشرات التي تسلّط الضوء على المجتمع وتفسّره أكثر مما يفسّره المجتمع " كما يقول بودلو واستابلي (المرجع نفسه).

يمكننا أن نذهب من هذا المنطلق إلى أنّ الانتحار في الجزائر غير منطقيّ باعتباره بلدا مسلما، إذ تشير الدراسات أنّ الديانات الموحّدة وخاصة الإسلام هي من العوامل الواقية من الانتحار وهذا يجعلنا نتساءل: ما هي العوامل التي تغيّرت لدى المسلمين اليوم؟ هل أنّ الضغوط الاجتماعيّة والاقتصادية والنفسيّة تجاوزت حدود تحمّلهم؟ أم أنّ هناك تحوّلات جعلت عقلية المسلمين تتغيّر إلى حدّ أصبحت لا تخاف فيه من المحرّم ؟

بالنسبة لنا، بوصفنا نفسانيين، فالإنسان مهما كان ديـنـه وإيمانه، فإنّ لقدرته على التصدّي للمحن والآلام حدود، وهذه القدرة التي تسمى  [5]résilience والتي ترجمناها بـ "اللدونة" وتجعل كلّ واحد فريدا من نوعه بفضل خصائصه الداخلية (وخاصة بطبعه وقدراته) والخارجية (أسرية اجـتـمـاعـيـة)، والسبب في ذلك أن الأفراد غير متساوين أمام ظروف الحياة، وهذا هو العائق الأساسي لتحديد عوامل الانتحار.

إنّ الانتحار ومحاولات الانتحار متعدّدة ومتنوّعة - باستثناء الحالات المصابة بالأمراض العقلية - فهي مرتبطة بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية الرديئة وبالصعوبات الوجدانية والوجودية ذات العلاقة بالعوامل النفسيـة والخاصة بالفرد وعتبة تحمّله وتصديه للصعاب. وتثبت الدراسات (Baudelot Establet, 2006 ; OMS, 2007) أنّ الانتحار مرتفع جدا في البلدان الغربية وغير مرتفع في البلدان النامية، وهذا ما يجعل العامة يتسرّعون في الحكم على أنّ التطوّر الاقتصادي يجرّد الإنسان من قواه الروحية، إلخ. لكن هذا التأويل خاطئ في أساسه، لأنّ الانتحار يكثر في هذه البلدان لكنه يمسّ الطبقات قليلة الدخل والجاه إذ يقول "بودلو" و"استابلي": "حيثما تحصلنا على إحصائيات فيها مهنة المنتحرين وجدنا أنّهم موجودون في السلم الاجتماعي الأدنى"، فالعلاقة بين الغنى والانتحار دالّة.

ويعتبر الدّين من العوامل الواقية، إذ نجد أنّ البلدان المسلمة عامّة رغم انخفاض معدّلات نموّها لا توجد فيها نسب انتحار مرتفعة على الرغم من أنّ الصحف والبحوث تتكلم عن ارتفاع  نسبه ومحاولاته. لكن يمكن التساؤل : هل حقيقة هناك نسب قليلة أم أنّ ذلك راجع لغياب إحصائيات وافية ؟

يجب، التساؤل عن دور التعصّب الديني في البلدان المسلمة وتأثيره على ارتفاع نسب الانتحار ومحاولات الانتحار. وهذا لا يرجع في نظرنا إلى نقص الإيمان أو ضعفه بل يدلّ على تغيّر في مفهوم المحرّم الأكبر "القتل" سواء للنفس أو للغير، وهنا نتساءل عن دور "الإرهاب وانتشار الجرائم الإرهابية" والفتاوى العشوائيّة لعملية القتل ومنها الانتحار في بعض الحالات.

تجدر الإشارة إلى أنّ الإرهاب باعتباره اضطرابا اجتماعيا حادا دام أكثر من عشر سنوات ودمّر التوازن الاقتصادي والثّقافي والنفسي، قد خلّف صدمة نفسيّة جماعيّة ما زالت تدسّ سمومها في المجتمع الجزائري، ومن أهمّ أعراضها القلق، نقص الثّقة في الذات وفي المحيط، ضعف الاتصال والعنف داخل الأسرة، ...الخ.

وفي دراستنا[6] حول الانتحار ومحاولة الانتحار عند الشباب في وهران، واجهتنا صعاب كثيرة مرتبطة بخطورة الموضوع وما يثيره من مخاوف لكونه من المواضيع المحرّمة. لكن الارتفاع الملحوظ، على الأقل، في الأرقام الخاصة بمحاولات الانتحار تبيّن العكس: إذ سجّلت مصلحة الاستعجالات (UMC) بوهران:

  • 295 حالة سنة 2001،
  • 400 حالة سنة 2002،
  • و508 حالة سنة 2003،
  • 649 حالة (483 إناث و166 ذكور) سنة 2004،
  • 589 (469 إناث و120 ذكور) سنة 2005،
  • 571حالة سنة 2007.

كما وجدنا صعوبة كبيرة في الحصول على أرقام واضحة ومتشابهة من كل الجهات المعنية. فأرقام الصحافة متناقضة ومشبّعة بالأخطاء، وأرقام الدّرك الوطني لا تتناسب مع أرقام الحماية المدنية والوسائل الأخرى، وتتناقض مع أرقام المستشفيات، وهذه الصعوبات ليست خاصة بالجزائر فحسب بل تمسّ كلّ البلدان لكن بمستويات متفاوتة، ولهذا الأمر أسباب عدّة، نذكر منها:

- العوامل السوسيو-أنثروبولوجية، إذ أنّ عملية الانتحار ومحاولة الانتحار تعاش بوصفها أفعالا مناهضة للحياة وللأخلاق وللدين، ممّا يجعل الأسر، وحتى المؤسسات تخفيه أو تخفي أسباب الوفاة أو الاستشفاء في حالة محاولة الانتحار.

- كما أن المؤسسات الصحيّة بالجزائر لا تعتبره واقعة أو حدثا يستحقان الاهتمام، ولذا لم تقم بإحصائه وحتى تسجيله بوصفه انتحار. ونادرا ما يسجّل على هذا الأساس في سجّل الطب الشرعي مثلا، بل يُذكر فيه سبب الموت (نزيف، صدمة دماغية، إلخ) وهذا التلبيس يمنع الإحصاء البعدي (Rétrospectif).

- غياب التواصل ما بين المؤسسات الوطنية، لذا نجد أرقاما متناقضة عند مختلف الجهات والمؤسّسات الوطنيّة، ولا توجد هيئة تجمع الأرقام من كلّ الجهات المعنية.

- تجزئة المهام، فالدرك الوطني يأخذ على العموم الحالات خارج المدن، والحماية المدنية تأخذ الجثّة للطب الشرعي والأمن يقوم بالتحقيق. وهناك عدد من الذين قاموا بمحاولة الانتحار يتوفون في المستشفى دون أن يتم إحصاؤهم من قبل الحماية المدنية ولا من قبل الدّرك الوطني ولا من طرف الأمن الوطني.

يجدُرُ بنا القول إلى أنه تمّ تسجيل سنة 2005 بالجزائر 503 حالة انتحار[7]، إذ يشير الدرك الوطني إلى 192 حالة انتحار على المستوى الوطني، أمّا الأمن الوطني فإنّه يشير إلى 311 حالة، وعلى الرغم من ارتفاع هذا العدد إلاّ أنه غير كامل ويجب ربّما مضاعفة هذا العدد مرتين لأنّ حالات الانتحار على مستوى الوطن لم تحص بدقة، بسبب عدم انتظام وسائل الإحصاء وتبليغ الأرقام. والذي يستوجب من جمع كلّ الأرقام في المراصد الجهوية للصحة (ORS) ثم في مرصد وطني أو في الوزارة.

تشهد كل البلدان العربية تطوّرا لظاهرة الانتحار ولكنها تتكلّم عنها باحتشام، وحتى المملكة العربية السعودية مثلا تشير إلى ارتفاع في نسبها[8]، إذ تقدّم أرقاما رسمية حول ذلك بحيث سجّلت سنة 1997، 276 حالة انتحار وقد تضاعف هذا العدد سنة 2000 ووصل إلى 596 حالة.

محاولات الانتحار بوهران

ولتفادي التناقضات ونقص المعلومات فيما يخص هذه الظاهرة، حاولنا فهم وضعية وهوية الأفراد الذين يقومون بمحاولة انتحار ومعرفة خصائصهم السوسيوديمغرافية.

كما هو الحال في العالم، فإنّ محاولات الانتحار متواجدة بكثرة عند النساء. ودراستنا تشير إلى نسبتهم تبلغ 75% عند إناث و25% عند ذكور. لم نجد دراسات عديدة في المغرب العربي، وهذا لا يعود لعدم وجود البحوث في الموضـوع بـل لقلة الـنـشـر والتوزيع. ومع ذلك عثرنا على دراسة أجريت بمستشفى "موناستير" التونسية[9] إذ تشير إلى أن نسبتهم تبلغ%60  عند الإناث و40% عند الذكور ومعدل السنّ هو 26 سنة، لكن الدراسة قديمة نسبيا (1988). أمّا العوامل المؤثرة، فيشير الباحثان إلى غياب النشاط الثقافي وصعوبة ظروف المعيشة ورداءة أو غياب النشاطات الترفيهية. في مرجع آخر تشير الطبيبة النفسية ر. الخياط'[10] أنّ محاولات الانتحار في المغرب العربي كانت مرتفعة بعشر مرّات عند الإناث ممّا هي عند الذكور، لكن هذا الفارق تقلّص خلال السنوات الأخيرة، كما تشير أيضا أنّ الانتحار انتشر عند الإناث مثل ما هو الحال عند الذكور.

كشفت دراستنا الميدانية عن النتائج التالية:

- ثلاثة حالات من ضمن خمس (3/5) يتراوح سنّهم ما بين 15 و24 سنة.

- 1/5 منهم سنّهم ما بين 25–35 سنة وقرابة 12% من الحالات يتجاوز سنّهم 36 سنة.

- متوسط السنّ هو 24 سنة، 87% من محاولي الانتحار لا يتجاوز سنّهم 36 سنة.

- أما حالتهم الاجتماعية: 65% منهم عزّاب و35% متزوّجون.

أغلب الحالات المسجلة ضمن فئة المتزوجين من النساء، والبعض ممن أجرينا معهنّ مقابلة يشرن إلى الخلافات القائمة مع الزوج أو مع أسرته أو هما مـعـا والعنف الأسري هنا يلعب دورا مهمّا، كما أنّ الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة أو البسيطة تساعد على ذلك، ممّا يدلّ على أنّ الحالات المدروسة تعيش وضعيات معقّدة وصعبة تتداخل في إنتاجها عوامل مختلفة.

أسباب القيام بمحاولة الانتحار

للتعرّف على أسباب القيام بمحاولة الانتحار، أجرينا مقابلات مع 173 حالة (في مصلحة الاستعجالات، في مركز الصحة النفسية CISM، الخ)، وتوصّلنا إلى أنّ الأسباب متنوعة، لكن يحتلُّ سوء التواصل والعنف الأسري المرتبة الأولى، كما تحتل المشاكل الغرامية مرتبة متقدمة بين الأسباب وتنقسم إلى فرعين: الشجار بين العاشقين ورفض الأسر لخطيبة ابنهم أو خطيب ابنتهم، فأمام تصلّب مواقف الأباء يحتجّ الشبّان بهذه الطّريقة اليائسة ويبدو حسب دراستنا أنّ هذه الوضعية في تكاثر ويخُصُ الاحتجاج الإناث أكثر مما يخصّ الذكور.

وفي كّل الحالات، تبدو محاولة الانتحار خاصة عند الشباب - الذين تتراوح أعمارهم ما بين 16 و25 سنة - وكأنها تعبير عن رأي ومطلبٌ للحوار ورفضٌ لوجود ذاتية تريد أن تقرّر مصيرها الخاص دون أن يشكك أحد في اختياراتها وسلوكها.

أما المواقف الصلبة لبعض الأسر وتمسكها ببعض التقاليد الخانقة في نظر أبنائها، فقد ترجع إلى أسباب مختلفة:

- عدم القدرة على استيعاب التغيرات الاجتماعية وما تتطلبه من ليونة في معاملة الأبناء وخاصة الإناث منهم.

- مشاكل خاصة بالأسرة وعدم نضج الآباء وتفهمهم لأبنائهم.

- تأثير النزعة الإسلاموية على تصوراتهم والتراجع الملحوظ خاصة عند الأسر البسيطة التي تتبنّى بصلابة الفتاوى المتسرعة والصادرة عن الأفراد و المؤسسات غير المؤهلة، فهذه العوامل أدت على العموم إلى التعسّف اتجاه حرية المرأة، ولكن الضغوط نفسها تمارس أيضا على الذكور، ويلاحظ تضاعف العنف الذي أصبحت له "مشروعية".

تبرز لنا المقابلات مع الأفراد الذين حاولوا الانتحار معيشا نفسيا صعبا أمام محيط أصمّ لا يصغي إليهم أو يعاملهم كقُصر عندما يتعلق الأمر بمصيرهم، على الرغم من أنه يلزمهم بأدوار ومهام في الحياة اليومية. هذه الوضعية تذكرنا بـ"القبض المزدوج" (double bind) (double impasse) أو المأزق المزدوج كما وصفته مدرسة Palo Alto من Bateson ورفاقه، إذ يقال لهم في آن واحد: أنت مسؤول وغير مسؤول. أما فيما يخصّ الفتاة فهي مسؤولة على أشغال البيت وعلى الأخوة ولها مهام عديدة، لكنّه قد يحرّم عليها أن تخرج دون إذن أو دون مرافقة، كما قد يتحكم في تصرفاتها أخوها الأصغر ويحرّم عليها العديد من الممارسات، ولا يمكنها أيضا أن تختار الشريك الذي تريد الزواج منه، إلخ.

لقد استثنينا من دراستنا الحالات المرضية (انهيار، ذهان، فصام...)، فتحليل المقابلات العديدة التي أجريناها مع محاولي الانتحار بيّن لنا الصعوبات العلائقية ونقص الاتصال داخل الأسرة ووجود عنف بدرجات متفاوتة. وانطلاقا من تحليل المقابلات، يمكننا تلخيص دوافع[11] القيام بمحاولة الانتحار إلى ما يلي:

  • محاولات الانتحار باعتبارها رفض لعادات خانقة ومدمّرة.
  • محاولات الانتحار باعتبارها رفض للأدوار المفروضة من الأسرة على الفتاة خاصة، حيث تقول فتاة مبحوثة "أنا قادرة على كلّ شيء إلا على نفسي" وتفسّر فعلها كمحاولة "حماية حقوقها المهضومة"..
  • محاولات الانتحار باعتبارها رغبة في فرض فردانيتها (individualité) ووجودها، إذ تقول فتاة لأمّها التي أرادت أن تزوّجها من فرد لا تريده وعارضت رغبتها في الزواج من شاب تحبّه: "سأتزوج منه وإلا سأعيدها (محاولة الانتحار) مرّة أخرى وأموت".
  • محاولات الانتحار وبوصفها تعبير عن يأس وآلام أو شعورا بالعجز وتارة شعور بالغضب والرغبة في الانتقام من الظالم العنيف! في هذه الوضعية وجدنا حالة شاب متزوج وهو في صراع مع "أب جبّار" يعامله بقسوة واحتقار. وجدنا أيضا حالات نساء معنّفات من الزوج أو من أهلهنّ وحالة معنّفة من ابنها: "ليس لي رغبة في حياة ممرمدة هكذا".

نظرا للدور الكبير التي تلعبه الصراعات داخل أسر الحالات المدروسة، أجبرتنا هذه الوضعية على دراسة المحيط الأسري لها وكانت هذه المقاربة صعبة، لأنّ هذه الأخيرة تعيش محاولة الانتحار (أو الانتحار) عند أحد أفرادها وترى في ذلك مساسا بسمعتها، وبكرامتها وصورتها الاجتماعية، ("كشفنا"، هذه "الكشفة") لأنّها تضع الأسرة عرضة لأقوال الناس، لشفقتهم عليها أو نقدهم لها، لتأنيبهم أو احتقارهم لأفرادها، إلخ.

هذا المساس يمتدّ إلى نرجسية أعضاء الأسرة ويسبّب لهم جرحا يؤلمهم، هذا بالإضافة إلى الألم الناتج عن الصدمة والخوف من فقدان أحد من أفرادها. وهكذا فزيادة على الألم والعيب والعار والحشمة[12] فإنّ أفراد الأسرة يشعرون بغضب واحتقان نحو هذا العضو الذي أراد أن ينسحب منهم. وانطلاقا من المشاعر المسجلة لدى الأسر المدروسة، يمكن تصنيفها إلى نمطين وفق استجابتهما:

- يتّسم الصنف الأول من الأسر بالقلق والحيرة والاهتمام بمصير ابنتهم/ابنهم، وبالبحث عن السّبب قصد مساعدته وحمايته. هذه الأسر لا تعاني من اضطرابات كبيرة في نسقها، وهي مرنة وقابلة للتحسّن، إذ تبقى متفتحة، وبعد إجراء المقابلات معها، تعي وتتفطن عموما بتناقضاتها وصراعاتها البارزة أو الكامنة وتساعد فعلا من أقدم على هذا الفعل.

- الصنف الثاني أكثر صلابة وتزمتا، وبدلا من أن تتساءل الأسرة عن نقائصها أو صراعاتها فهي ترمي الخطيئة على مرتكب المحاولة وتتهمه بكلّ العيوب، فيصبح في مقام كبش الفداء، أو يأخذ مكان الموضوع "السيئ" في منظور". كلاين[13]. نرى لدى هذا النوع من الأسر مدى الاضطرابات والتصلب في السلوك والمواقف. عندما تكون الأسرة غير قادرة على التعاطف مع أحد أعضائها وهو في حالة ألم كبير، وغير قادرة على وضع الفعل في إطاره الخاص، في هذه الحالة، يزيد هذا الفعل في تعميق الفجوة المـوجـودة بـيـن أفـراد الأسـرة وفي تأزّم العلاقات بينهم ويُصبح معيش محاولة الانتحار وكأنّه مساس بسلطة الأباء[14]، مما يثير حقدهم وهذا يذكّرنا بأنّ "اليونان والروم كانوا يتقبّلون انتحار الإنسان الحرّ ويرفضونه ويحرّمونه على النساء والأطفال والعبيد، إذ يُعتبر الانتحار في هذه الحالات مساسا بالملكية الخاصة"[15]، وصعوبة فهم محاول الانتحار لا تتوقّف عند الأسرة بل تتوسع لتشمل المحيط الإستشفائي وإلى محاول الانتحار نفسه، إذ يعتبر من قام بمحاولة الانتحار في المستشفى مريضًا مزيّفًا « un faux malade » حتى وإن كان في حالة يُرثى لها، لأنّه سلب سرير مريض في حالة "استحقاق"، وهذا يثير مشاعر متناقضة تجمع بين الشفقة واللوم والاشمئزاز تارة، والعدوان من طرف السلك الطبّي تارة أخرى، ورأينا في بداية هذا النص التناقض الوجداني الذي يثيره الانتحار ومحاولة الانتحار.

أما عن رأي محاولي الانتحار فيقول بعضهم: "لم أفهـم مـاذا حـدث وكيف قمت بفعل مثل هذا" "الشيطان، مقدرة، مكتوب"، وهؤلاء يندمون على فعلهم ويشعرون بذنب وندم تجاه الدّين وتجاه آبائهم. وهناك صنف آخر لا يشعرون لا بالندم ولا بالذنب بل يصمّمون على المضي في هذا السياق: "سأعيدها" تقول شابة بعد أن تمّ إنقاذها وهي تسبّ وتشتم الممرضين. إنّ الغضب والتمرّد على الوضعية المعاشة واضحان لديها، إذ تعبّر عن ملل ضخم من المعاملة القاسية والظلم: "بزاف الحقرة"[16] "لا أطيق" إلخ، ولهذه الجمل دلالتها الواضحة. وفي هذه الحالات نجد نوعيّة استجابة الأسرة التي بتعاطفها أو برفضها، ستساهم في مساعدة محاول الانتحار على الاطمئنان والبحث عن سبل تعبير مسالمة، أو تساهم في تصميمه على العنف المدمر له ولأسرته.

خلاصة

نستنتج من خلال هذه اللمحة الوجيزة لعمل مجموعة البحث[17] أنّ محاولة الانتحار ليست فعلا بسيطا يمسّ مرتكبيه بل هو صدمة عميقة تمسّ كلّ أفراد الأسرة والمحيط، فهو فعل متشعّب المعاني وعميق الجذور في مجتمع ومحيط وفي أسر تعيش وضعيات مختلفة تجعلها تتفاعل مع أفرادها بطرق يمكنها أن تؤدي إلى سلوكات مميتة.

 ما أثار اهتمامنا في هذه الدراسة الجانب العلاجي الذي يكاد ينعدم، إذ يعتني العلاج بالجانب العضوي فقط، فإذا كانت الحالة بسيطة يخرج المريض من المستشفى بعد "غسل" المعدة، وفي الحالات الخطيرة يرسل إلى الأجنحة المتخصّصة حيث لا يوجد مختص نفساني، وعندما يكون موجودا، فإنّه لا يملك مكتبا يستمع فيه إلى المرضى، وفي حالات أخرى مثل مصلحة الاستعجالات، نجد نفسانية واحدة تواجه كلّ الحالات الاستعجالية.

وأخيرا، يدفع التزايد المستمر لحالات الانتحار و محاولاته إلى جعله قضية أساسية لاهتمامات المجتمع، وهو ما يدفعنا إلى إعداد علاج لهذه الفئة والاهتمام بمحيطها للتخفيف من آلامها أولا، ثم لمساعدتها على بناء علاقات جديدة مع أفراد أسرها تكون مبنية على الإصغاء والتفاهم والتسامح، حتى لا تتكرّر هذه الأفعال، أو نعمل على التقليل من العود لمحاولة الانتحار                    (la récidive)  والتي يمكن أن تكون أشدّ خطورة.

Bibliographie

Baudelot, C. ; Establet, R. (2006). Le suicide, l’envers de notre monde. Paris : Éd. du Seuil.

Bendella, S. ; Boustani, M., La tentative de suicide et ses liens avec le mode d’éducation, Mémoire de fin de licence dirigé par M. Mimouni, Université de Mostaganem, 2003-2004.

Bensmail, B. (1999). Suicide et culture au Maghreb, in Kiss, Adam (dir), Suicide
et culture
. Paris : L’harmattan.

Boublenza ; Belhadj; Tadjeddine, A., CHU de Sidi Bel Abbès, Evolution du suicide dans l’ouest Algérien. Boucebci M. Psychiatrie et société, Alger : SNED, 1978.

Boudarene et Ziri. (2005). Le suicide à Tizi Ouzou. Colloque CRASC : l’état de la recherche sur le suicide en Algérie. B. Mimouni-Moutassem et coll.

De Gaullejac, V. (1994), Aux sources de la honte, Desclée de Brower.

Gaha, L.; Skhiri, T.; Bouchoucha, S.; Tunisie médicale 1988, vol. 66, n° 2, p. 103-106.

Hiba, Kh., Bentounès, M., Sahnoun, A. (2003-2004). Le deuil chez les parents ayant perdu un de leur fils par mort naturelle, par accident ou par suicide. Mémoire de Fin de licence dirigé par M. Mimouni, Université de Mostaganem.

http://www.elaph.com

 http://www.who.int/media/en/suicide.jpg

Kiss, Adam (s/dir), Suicide et culture. Paris : L’harmattan, 1999.

Klein, M., La psychanalyse des enfants. Trad. J. B. Boulanger, Paris : P.U.F., 1959.

Mimouni, M. (2006), Avant-projet d’unité de prise en charge de suicidants et de leur famille, Colloque organisé par le groupe « suicide des jeunes : modalités de prise en charge », Oran : CRASC, 25 janvier.

Moutassem-Mimouni, B ; Sebaa F.- Z. ; Mimouni, M, Djaoui, B., Rapport de recherche suicide et tentatives de suicide des jeunes et prise en charge des suicidants. Oran : CRASC, 2002-2007.

Moutassem-Mimouni, B. (2005). Je me suicide donc j’existe communication du groupe, table ronde, 5 octobre, Oran : CRASC.

Moutassem-Mimouni, B., Naissances et abandons en Algérie. Paris : Karthala, 2001
et Ibn Khaldoun, Oran 2003.  

OMS, Figures and Facts about suicide, 1999.

El Khayat, R. (2006). Condition féminine dans le Monde arabe et psychopathologie, Arabpsynet, e.Journal, N° 10&11- printemps – été.

Sebaa, F.- Z., (2002). Adolescence et délinquance en Algérie. Oran : Dar El Gharb.

Therozi, M., Le syndrome de l'infirmière autrichienne, in Kiss, Adams (dir.), suicide
et culture
.

Ziri, Le suicide en Kabylie. Congrès : le suicide de la culture aux neurosciences. Association Franco Algérienne de psychiatrie, Montpellier, 8 et 9 juin 2007.

الهوامش

*مقال منشور في مجلة إنسانيات باللغة الفرنسية، عدد 72-73 | 2016، ص. 95-113. بعنوان:
 " Les retraités : retraite ou retrait, Repos ou esseulement ? Enquête auprès d’enseignants à Mostaganem "

[1] Mimouni, M. (2006). Exploration d'un concept : le suicide », colloque 2006, Oran : CRASC.

[2] Durkheim, E. (2004). Le suicide. 12ème édition, Paris : Quadrige, P.U.F.

[3] Les religions face au suicide, in congrès franco algérien, «  le suicide : de la culture aux neurosciences », Montpellier, juin 2007.

[4] Baudelot, C. et Establet, R. (2006). Le suicide, l’envers de notre monde. Paris : éd du Seuil.

[5] Cyrulnik, (1998). Un merveilleux malheur. Paris : Odile Jakob, P.U.F.

[6]مشروع بحث "محاولة الانتحار بوهران"  تحت إشراف الأستاذة بدرة  معتصم-ميموني، فاطمة السبع، مصطفى ميموني    وبن تمرة جاوي. مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (CRASC) وهران 2002-2004 و2005-2007. لقد شاركت خ. كبداني في المشروع الأوّل (2002-2004).

[7] أنظر تقرير البحث حول "محاولات الانتحار بوهران" لجماعة البحثCRASC ،2007.

[8]قناة "العربية"، حصة "صناعة الموت"، تقديم ريما صالحة، يوم 27 ابريل 2007.

[9] Gaha, L. ; Skhiri, T.; Bouchoucha, S. Tunisie médicale 1988. vol. 66, n° 2, p. 103-106.

[10] Rita, El Khayat, (2006). Condition féminine dans le Monde arabe et psychopathologie. Arabpsynet, e.Journal, N° 10 &11- printemps - été.

 [11]مشروع بحث "محاولة الانتحار بوهران" تحت إشراف الأستاذة ب. معتصم-ميموني، ف. السبع، مصطفى ميموني وبــــــــ. جاوي. مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (CRASC) وهران 2005-2007.

[12] De Gaullejac, V. (1994). Aux sources de la honte. Paris : Desclée de Brower.

[13] Klein, M. (1959). La psychanalyse des enfants. Trad. J.- B. Boulanger, Paris : P.U.F.

[14] Moutassem-Mimouni, B. (2006). Mourir, d'aimer, Colloque sur la prise en charge des suicidants. Oran : CRASC.

[15] Therozi, M. Le syndrome de l'infirmière autrichienne, in Adams, Kiss (dir.), suicide et culture.

[16]كلمة تعبر بقوة عن الاستفزاز والابتزاز واللاعدل.

[17] للاطلاع على نتائج مشروع البحث، أنظر:

معتصم ميموني، بدرة (2011)، محاولات الانتحار وانتحار الشباب في وهران: يأس أو إثبات الذات؟ وهران، منشورات مركز البحث في الأنثربولوجيا الاجتماعية والثقافية.


محمد مرزوق



مقدمة

يبدو الشّباب في الجزائر اليوم، وبحكم غالبيتهم الإحصائية مقارنة مع بقية فئات المجتمع، عنصرا اجتماعيا محوريا[1]. ولا تعود هذه المكانة إلى المعطى الديمغرافي فقط، وإنّما أيضا لدورهم الفاعل في التغيّر الاجتماعي خصوصا في شقه الدّيني. ويشهد على هذا المعطى التحاقهم الواسع بالجبهة الإسلامية للإنقاذ في تسعينات القرن الماضي، كما يتمضهر في مشاركتهم الواسعة وبفعالية في المظاهرات التي قادها هذا الحزب المحلّ وتجمعاته[2]. يتبيّن من مثل هذه الظواهر التي عرفتها الجزائر في الفترة السابقة من تاريخها بأنّ الشباب يُشكّلون فئة اجتماعية مهمّة يمكن أن يؤخذ سلوكها على أنّه مؤشر هام لتفكّك الحقل الدّيني وإعادة تشكّله في الجزائر.

إنّ محاولة فهم الحركيّة الدينيّة والتي تقودهم اليوم إلى منطق التماثل الهوياتيlogique identificatoire)) للشباب هو غاية هذه الدراسة التي أجريت خلال الفترة الممتدة ما بين 2007 و2009، والتي اتخذت من جامعات وهران، باعتبارها فضاء للتجمع الشبابي بامتياز[3]، مجالا لإنجاز هذا البحث الميداني. وقد تمّ استعمال ثلاثة تقنيات بحثية في هذه الدراسة هي: الاستمارة، المقابلة والملاحظة المباشرة.

أعدّت الاستمارة هذه الدراسة الميدانية بهدف تقييم مدى انتشار التديّن في الوسط الطلابي، وتمّ اختيار المكتبة البلدية بوهران لكونها مكانا لتردّد الطلبة بشكل كبير. ينتمي الطلبة المبحوثون والمتردّدون على المكتبة إلى تخصّصات علمية مختلفة، وبلغ عددهم 500 طالبًا جامعيًا. لقد كان الغرض من هذا التحقيق فهم المعاني الحميميّة المرتبطة بالمرجعيّة الدينيّة لدى الطلبة المستجوبين، وتمّ استكمال هذه المقاربة الكميّة وتعميقها بمقابلات أجريت على عينة فرعية مشكلّة من 30 طالب، كما استعملت تقنية الملاحظة لمقاربة وفهم أنماط التنظيم والفعل الدّيني السائدة في الأوساط الجامعيّة.

كشفت المعطيات المتحصّل عيها بفضل هذه الأدوات التقنية الثلاثة عن حقائق متعدّدة. فقد أشارت أولى النتائج إلى تمسّك قويّ وواسع للطلبة بالدّين، ثمّ بيّنت ثانيا بأنّ الانتماء الإيماني للطلبة لا يستقى من نموذج واحد ولكن يتوزّع وفق أنماط متعدّدة، ثم أنبأتنا في الأخير أنّ الإسلام السياسي لا يزال يتمتّع بنشاطه الأيديولوجي خاصة على مستوى الإقامات الجامعية رغم تراجعه السياسي في الجزائر.

الدّين، من حيث هو مطلب طلابي قوي

تختلف معايير قياس التديّن تبعا لاختلاف الأديان، أمّا المعيار الإمبريقي الذي وقع عليه الاختيار لقياس "تديّن الطلبة" في هذه الدراسة - بالنسبة لنا - فقد ارتكز على ممارسة الصلاة، أكثر من أي واجب ديني آخر، فممارستها تستلزم تفرغا شخصيّا والتزاما يوميّا (الالتزام خمس مرات بهذا الطقس الديني)، وهو ما يتيح لنا استعمالها كمؤشر مناسب لدراسة التديّن[4] في علم اجتماع.

لقد عبّر 94 بالمائة من الطلبة المستجوبين عن ممارستهم للصلاة بشكل منتظم، وإذا تبنينا الفرضيّة القائلة بأنّ العلاقة بالدّين تبنى اجتماعيا، فإنّ هذه النسبة تبدو لنا منطقية جدا لكونها تستمد مصداقيتها من السياق الديني العام الذي تأسس انطلاقا من سنوات 1990 والمتزامن مع صعود الاسلام السياسي، فكل شيء يشير هنا إلى أنّ حركية الأسلمة التي أطلقتها الجبهة الاسلامية للإنقاذ لم تختف مع زوالها السياسي، إذ يبدو أن الانفجار الإسلاموي الذي أحدثه هذا الحزب قد أطلق سيرورة لا تزال مستمرّة من جيل لآخر، وهذا ما أسهم في تقوية الالتزام الدّيني وأدى إلى إعادة إحياء المخيال الدّيني السائد في المجتمع (صرح 97% من الأولياء ممارستهم للشعائر الإسلامية).

إنّ هذه الفرضية، وبعد إعادة صياغتها بمفردات فيبيرية، تؤكد أنّ الحزب المحلّ، وبعدما كان حزبا كاريزميا قد انتهى به المطاف إلى التمظهر في صورة روتين اجتماعي، وخلّف ممارسة دينية أصبحت معهودة في الممارسات اليومية. إنّ دخول الممارسات الدّينيّة في "مجال المعهود والمتداول" قد انطبعت بتديّن يشمل كلّ أبعاد الحياة الخاصة والعامة على حد سواء، لذا يعرف "اللباس الإسلامي" انتشارا متزايدا عند النساء والرجال معا، كما لا نكاد نجد متجرا لا يستقبل زبائنه من دون أشرطة سمعية ترتل القرآن، أو دون لوحات جدارية عليها شواهد دينية[5].

إنّ التسيير السياسي للإسلام من طرف سلطة الدولة ليس غريبا عن هذا التديّن المنتشر في المجتمع، ذلك أنّه قد دخل في شكل من المزايدة مع الإسلاميين بحثا عن شرعية جديدة مستعيرا منهم المرجعيّات نفسها. وما انفكت السلطة السياسية، التي تستعمل السلطة الرمزيّة للديّن على شاكلة الإسلاميين، تضاعف من إشارات الولاء المؤسساتي للإسلام من خلال إدراج الآذان في الإعلام السمعي البصري الرسمي، والشروع في بناء أكبر مسجد في إفريقيا بالجزائر العاصمة. لقد اتخذت هذه الخطوات الرامية إلى إعادة إدماج الدّين في حقل الأنشطة العمومية بطريقة سلطوية شكل سياسة مضادة لحركة الدنيوة، وسارت في الاتجاه المعاكس لتلك سياسة المنتهجة من طرف النظام السياسي الحاكم بعد الاستقلال.

تمكنّنا المعطيات المرتبطة بسياقاتها الاجتماعية والثقافية من فهم التديّن القويّ للشباب المستجوب، فلا يمكن تفسير الالتزام الذي يبديه الشباب أمام شعيرة الصلاة إلا إذا أرجعناه لهذا المحيط المتأثر بشدة بالمرجعيّات الدينيّة التي تذكّر باستمرار كل واحد بإيمانه وتحثهُ على التمسّك بالواجبات الدينية. يمثل المسار الدراسي المتّبع من طرف الطلبة عامل تحفيز آخر للالتزام الديني، فالتنشئة الدّينية تشكل جزء من تنشئتهم القاعدية التي تصاحب مسارهم الدراسي، فهي تنحو بهم في اتجاه تأويل الواقع على أساس "قاعدة نمط واحد" مبني سلفا، بحيث يتكيف شباب الجيل الجديد طيلة مسارهم التكويني مع ذلك ليصبح فيه الدّين مستبطنا عندهم في الهابيتوس (التطبّع)، ومنتجا نسقا مهيمنا يحدّد نظرتهم للعالم، وبما أنّهم قد نشؤوا على قاعدة دينيّة فإنّ تصوّراتهم للمعايير لا يكون إلا من خلال تلك القاعدة.

يخفي الارتباط الوثيق للطلبة بالدّين، كما بينته لنا هذه الدراسة، حقيقة أخرى أكثر أهمية تتمثل في إحلال الجيل الجديد للمذهب الحنبلي بوصفه مرجعيّة مذهبيّة وفقهيّة مكان المذهب المالكى. ويعبّر هذا التحوّل المذهبي عن الهيمنة التي يمارسها الخطاب الإسلامي على الأجيال الجديدة، ولهذا فإنّ حصرنا لمعنى الإسلاموية على الاحتجاج السياسي فقط يؤدي بنا إلى إغفال مهمته الأولى التي تتجسّد في التطهُريّة الدينية[6].

يؤكّد الإسلام السياسي، ومن خلاله ميراث المذهب الحنبلي، بأنّ هدفه الأكبر والأهم هو استرجاع نقاء الإسلام الأصيل، ومن هنا فإنّه يقود حملة على أشكال العبادة التي يراها بدعيّة ولا يتوقّف عن إدانة وشجب التوسّل بالأولياء والطقوس الطرقية وكل الممارسات التي طالما تعايش معها المذهب المالكي. يمكننا القول، في هذا الصدد واستنادا على معطيات هذا التحقيق، بأنّ سيرورة نزع شرعية عن المذهب المالكي الذي ظل لقرون طويلة مذهب الانتماء الديني "الطبيعي" بالجزائر لم تبق من دون أثر، إذ أنّ 91% من الطلبة المستجوبين يعتبرونه مذهبا بِدعيا بدعوى أنّه يعطي الشرعية لطقوس انحرافيه، مثل التوسّل بالأولياء وإقامة الولائم والنذر عند أضرحتهم. ولا يتوقف التغيّر الديني الذي أتى به شباب الجيل الجديد عند انتقاد المذهب المالكي فقط وإنّما يتعداه إلى استحداث مقاربة جديدة للتديّن تتميّز بالتثمين الفرداني والمشخصن.

الدّين، مطلب طلابي نابع من شخصنة الإيمان

يتفق علماء الاجتماع في تعريفهم لمرحلة الشباب على أنّها مرحلة تأكيد الذات، وبعبارة أخرى السنّ الذي تنشأ فيه أهم المرجعيّات الهوياتية. ويمثل الطلبة الفئة الاجتماعية الأكثر ارتباطا بسنّ الشباب بسبب طول مدة الدراسة، والأكثر تعلقا في هذا الصدد بنمط التجريب[7].يجب أن نعي بأنّ بناء الهوية الدّينيّة لدى الكثير من هؤلاء الشباب يتمّ عن طريقة "التهجين" من أجل استحداث منظومة من المرجعيات الخاصة بهم - بحيث يحاول كل واحد منهم تبعا لمسار حياته وحسب المعالم التي يصيغها - أن يجد توافقات وتفاهمات بين هويّته الفرديّة وهويّته الجماعية، وهذا ما يكشف إمكانيات تطبيق نمط التجريب المذكور آنفا على الكثير من الطلبة المستجوبين.

يبدو أنّ تعلّق الكثير من الطلبة بالإيمان ناتج عن ضغط اجتماعي أكثر من كونه انتماء واعي والمفكر فيه حول العقيدة الدينيّة. وبعبارة أخرى، يحيل هذا التعلّق بالإيمان إلى انتماء جماعاتي أكثر من كونه انتماء ذو بعد إيماني، فأن يكون الفرد مسلما يعني بالنسبة لهم أولا وقبل كل شيء: الالتزام بالصلوات الخمس اليومية. أمّا بالنسبة للبقية منهم، فإنّ الالتزام الدّيني يبقى مسألة توافقات شخصية مع التعاليم الدينية.

لا يَحّرم الشباب، المنخرطون والمندمجون كليا في الثقافة الشبابية المعولمة، أنفسهم من استهلاك الرموز الأجنبية من قبيل تقليد لبس الشباب الأوروبي ومشاركتهم أذواقهم الموسيقية، وهذا يُظهر شكلا من التديّن المتسامح، بل وحتى المتساهل. وبعيدا عن كل طموح ثيولوجي، لا تحتوي معرفتهم الدّينيّة غير النسقية سوى بعض السّور القرآنية والأحاديث النبويّة وقصص السلف الصالح المتواترة شفهيا في مناسبات مختلفة (نقاشات مع الأقران، خطب الجمعة أو بعض البرامج الدينية المتابعة عرضا، على الراديو والتلفاز). وباختصار، يمكن القول أنّنا أمام مجموعة من الطلبة يتساوى عندهم احترام قواعد الحياة الدينية المفروضة مع تحقيق الذات بوصفهم شبابا. مثال آخر لهذه العلاقة بالإيمان المتحرّرة يقدمه لنا في هذا الصدد ذلك الشاب الذي يعتبر نفسه مسلما ملتزما ويعترف في الوقت نفسه بتخصيص بعض وقت فراغه في البحث عن علاقات عرضية، فعلى الرغم من النزعة الدينية التحريمية لمثل هذه الممارسات، يبقى هذا الشاب معتقدا بشدة أنّ سلوكه هذا لا يخالف القواعد والواجبات الدينية، كما يبقى مقتنعا بأنّ العبادة التي يخصّصها لله بالالتزام اليومي بالصلاة تشهد بشكل كاف على التزامه تجاه الدّين.

وعلى العكس من ذلك، تبدو الممارسة الفرديّة للدّين لدى قسم آخر من الشباب أكثر احتراما للقواعد الشكلية له، فهم وبحكم حرصهم على توافق سلوكياتهم مع التعاليم الدينية يرجعون لتلك الرموز الجديدة - التي تعرف إقبالا كبيرا في الجزائر - المتمثلة في بعض الدعاة مثل عمرو خالد، عمر عبد الكافي وطارق سويدان، لأنّها تتجنّب الخطاب النضالي وتؤكّد على الاحترام الفردي للمبادئ الدينيّة. يستشهد هؤلاء الدعاة بشكل كثيف بالآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة وسيّر السلف الصالح المستندة على النصوص الإسلامية، إلا أنّهم يحدثون قطيعة مع نهج الإسلامين في إشعار أتباعهم بالذنب، فهم يعالجون في خطبهم المواضيع الدنيويّة، كما يعالجون المواضيع الدّينية العقائديّة، ومن أكثر المواضيع طرحا نجد الحياة الزوجيّة وطرق التخلّص من الحزن والوصول إلى السعادة والإيمان بحسن الطالع[8]، وهي مواضيع شديدة التعلّق بالنزعة الفردانية.

هل تعتبر سيرورة فردنة الحياة الدينية عند الشباب مؤشرا أوليا على ظهور الفرد بوصفه فاعلا مستقلا ومتحرّرا؟ وبعبارة أخرى هل تمثّل هذه السيرورة بداية لفردنة المجتمعات الإسلامية كما تحاول أن تثبته دراسات كثيرة[9]؟

في محاولة للإجابة على هذا السؤال، يجب أخذ بالاعتبار عينه طريقة اشتغال المجتمع الكلي المنتج لأطر الهيكلة (structuré et structurant) التي تعطي للسلوكيات الفرديّة معناها. يحافظ "الإسلام" أكثر من أي وقت مضى على خاصية الشمولية، وهو ما تبيّنه لنا هذه الدراسة التي أكّدت قدرته القوية جدا على الهيكلة الرمزيّة للحياة الفردية والاجتماعية. ويكشف عن تلك القدرة الطلبة المستجوبون، فبالإضافة لوضعهم الإيمان والدين في محور وجودهم وحياتهم، فهم لا يتصوّرون قواعد للحياة الاجتماعية غير تلك التي يقرّرها الدين[10]، فالإسلام يمثل بالنسبة للغالبية منهم الضامن لشرعية النظام الحاكم وأخلاقيات العلاقات الاجتماعية. وكمثال توضيحي لهذا الطرح، صرّح 71% من الطلبة المبحوثين أنّهم يرون في الدّين حلاّ للامعيارية (الأنوميا) المستشرية التي تصيب البلاد، كما عبّر78%منهم عن رأي يصبّ في اتجاه الدعوة إلى قوانين مستوحاة من الشريعة، وعليه نرى أنّه على الرغم من تعدّد الهويّات وتنوعها فإنّها تبقى مؤطرة بقوة بالدين[11].

الدين، مطلب طلابي متأثر بالإسلام السياسي

لا يعني إعادة تشكّل الأشكال الشبابية للديني، والتي تنحو اتجاه فردنة الممارسات، زوال أشكال الالتزام به والمتمحورة حول النضال السياسي، فقد ظلّ هذا الأخير متواجدا على هامش الجامعة ولاسيما في الإقامات الجامعيّة التي تحوّلت إلى فضاءات للتنشئة الإسلامويّة.

تتوفر وهران على خمسة عشر إقامة جامعية، يتصارع على زعامتها تنظيمان إسلاميان. يعود التأثير الأكبر فيها لحركة مجتمع السلم القريبة من تنظيم الإخوان المسلمين[12]، إذ تمتد قبضتها الايديولوجية تقريبا على كل الإقامات الجامعية، ولم يفلت من سيطرتها سوى حيّين جامعيين تمكّن السلفيّون من السيطرة عليهما في الآونة الأخيرة. ظل السلفيّون ولمدة طويلة ممنوعين من النشاط الطلابي بسبب تماهيهم مع الأيديولوجية "الجهادية"، ولكن، ومنذ أن ابتعدوا عنها وامتنعوا عن نقد النظام السياسي - مفضلين الدعوة الدينية[13] - أصبحوا يتمتّعون "بدعم ضمني" من السلطات العمومية خصوصا بعد أن استبعدوا السياسة من مجال نشاطهم[14].

تخوض كل من التنظيمات الطلابيّة القريبة من حركة الإخوان والسلفية صراع نفوذ لا هوادة فيه[15] في بعض الأحياء الجامعية بوهران، إذ اندلعت بينهما سنة 2003 معركة بأتمّ معنى الكلمة بالحي الجامعي زدور ابراهيم، وقد دار الخلاف بينهما حول السيطرة على قاعة للصلاة دشنت حديثا والتابعة للحيّ الجامعي، وكان كل من التنظيمين يريدان الاستباق في الاستحواذ على هذا المكان. لقد كان رهان هذه العملية بالنسبة للطرفين رمزيا بامتياز، فلم يكن يقتصر الأمر فقط على السيطرة على فضاء مقدّس وإنّما - وهو الأهم هنا - كانا يريدان التموضع من موقع القوة أمام الهيئة الإدارية للحيّ.

تعني السيطرة أولا على المصلى بالنسبة لكل من التنظيمين الطلابيين إظهارا للقوّة قبل كلّ شيء، وتعبيرا عن نفوذهما في الحيّ الجامعي الجديد[16]. لقد عملت هذه المقاربة المتمثلة في السيطرة على أماكن العبادة دور إثبات القدرة على الحشد في كل الأحياء الجامعية، بحيث سمحت لكل من "الإخوان" و"السلفيين" من فرض أنفسهم كشريك لأمر واقع في عملية تسيير المصليّات، وفي الوقت الذي كان فيه من المفترض الاهتمام بشكل خاص بالنشاطات الثقافية والعلمية نجحت هذه التنظيمات في تحويل الإقامات الجامعية إلى فضاءات مخصّصة حصريّا للتديّن، فكل الكتب التي تتضمّنها المكتبة وكل المحاضرات المنظّمة والملصقات الحائطية، ذات طابع ديني[17]. كل هذا للتدليل على أن الهيمنة التي يمارسها الطلبة - القريبون من "الإخوان" و"السلفيين" - على الأحياء الجامعية لا تعود إلى فعالية خطابهم الديني بقدر ما تعود إلى فعالية نشاطهم الميداني.

تتواجد التنظيمات الإسلامية في كل مكان من الحي الجامعي، فلا يكاد يفلت من سيطرتها شيء، ولا سيما الحياة الجماعية للطلبة التي أصبحت مجال نشاطها المفضّل. للتنشئة الطلابية في الجزائر خصوصيّة تجعلها تتمّ خارج إطار الفضاء الجامعي، فالطلبة لا ينشطون في الجامعة إلا بوصفهم مجرد مستهلكين للدروس فقط، كما لا تمتد الحياة الطلابية إلى المدينة بحيث تنعدم تقريبا كل الأنشطة الترفيهية والثقافية المناسبة لأعمارهم، وأكثر مكان تتركز فيه الحياة الطلابية هي الأحياء الجامعية بوصفها أماكن تجمّع طبيعية لهم.

استفاد "الإسلامويون" بشكل كبير من تلك المؤانسة sociabilité الطلابية عبر تطوير استراتيجية حقيقية للتجنيد. ومثلما تمت ملاحظته في هذه الدراسة، فإنّ أهدافهم تتجه نحو الطلبة الجدد الذين يدخلون الجامعة لأول مرة، فهؤلاء يواجهون الغربة بسبب حرمانهم من التأطير العائلي وبسبب مواجهتهم لمحيط جديد، بحيث يتمّ التقرّب منهم بمجرد رصدهم عارضين عليهم المساعدة، ويمكن لهذه المعونة القائمة على الصداقة القريبة أن تكون ماديّة، كما يمكن أن تكون معنويّة، ولكن هذه المعونة التي قد تساعد الطلبة على معالجة عزلتهم العاطفية والعلائقية وفي مقابل ذلك الإدماج في جماعة مبنية على الانخراط في المشروع الإسلامي[18]، وتطبّق هذه السيرورة بشكل منتظم ومنهجي في كل الإقامات الجامعية من طرف التنظيمين المتنافسين على حد سواء.

كلا التنظيمين المتواجدين على مستوى الأحياء الجامعية، وإن كانا يشتركان في الأصل الايديولوجي نفسه إلا أنّهما لا يستقيان من المرجعية العقائدية نفسها، فالفوارق بينهما تتمظهر بشكل خاص في خلافهما حول الالتزام السياسي. ففي الوقت الذي تتبنى فيه التنظيمات الطلابيّة القريبة من "الإخوان" موقفا يجعل من السياسة فريضة دينيّة على قاعدة مبدأ "من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم"، يعتبر السلفيّون مقابل ذلك أنّه "من السياسة ترك السياسة"، وهو شعار يرى أنّ العمل على القضية الإسلامية يمكن أن يكون من خلال الدعوة فقط. وخلافا للسلفيين الذين يقدمون أنفسهم على أنّهم جماعة لا تنشد إلا الدعوة، ينهج "الإخوان"، الذين يدعون إلى الفعل السياسي باعتباره واجبا دينيا، نشاطا متعدّد الأشكال سواء كان حزبيا، نقابيا أو جمعويا[19]. ويهتمّ هذا التنظيم السياسي كثيرا ببسط سيطرته في كل الأوساط، ولهذا يتعامل ببراغماتية مبتعدا عن التشدّد العقائدي، فلا يمثل ارتداء اللباس الاسلامي بالنسبة لهم إلزاما دينيا، لذا يمتنع الطلبة المنتمون إليه عن التميّز في اللباس خلافا لنظرائهم السلفيين الذين يصرّون على إبداء ذلك علنا بإظهارهم للشارات الدّينيّة في الجسد واللباس تمكّن من التعرّف عليهم فورا بفضل لحاهم الطويلة وعباءاتهم القصيرة التي يرتدونها فوق الكعبين ويظهرون بذلك السروال.

خلاصة

كيف يمكن أن نفسّر أنّ الوسط الطلابي الذي ينبغي أن يكون مجالا لممارسة الفكر النقدي بامتياز والذي تمثل الجامعة فضاء له قد تحوّل إلى فضاء مناسب للتأثيرات الدينية؟ من الصعوبة أن لا يتمّ ربط ذلك مع حالة الارتياح الهوياتي الذي يعيشه الطلبة إزاء قابليتهم لتلقي النداءات
أو الدعوات الموجّهة لهم باسم العقيدة والإيمان. فهم يواجهون مسألة مستقبلهم في مجتمع غامض وغير مضمون، يعيشون بشكل استباقي تدني القيمة التشغيلية لشهاداتهم التي لا تضمن لهم بالضرورة الشغل، فعدم إيمانهم بمستقبل شهادتهم الجامعية يغذي لديهم شعورا منقوصا تجاه انتمائهم للجماعة الوطنية، ومن هنا تأتي راديكاليتهم وإحباطهم الذي يدفع الكثير منهم نحو الانكفاء على شكل من التديّن، بحيث يجدون فيه نسقا مستقرا من المعايير والتوجيهات للواقع، والمفارقة قد تمثّلها حالة نموذجية لذلك الطالب الذي اختار فجأة التخلي عن دراسة الكيمياء لاقتناعه بأنّ "العلم الحقيقي هو الاسلام."

ترجمة فريد مركاش ونوار فؤاد


 

بيبليوغرافيا

Ababou, M. (2001). Changement et socialisation de l’identité islamique. Fès, Imp. INFO-PRINT.

Bourqia, R., El Ayadi, M., El Harras, M., Rachik, H. (2000). Les jeunes et les valeurs religieuses. Casablanca, EDDIF-CODESRIA.

Burgat, F. (1995). L’islamisme en face. Paris : La Découverte.

Burgat, F. (1995). L’islamisme au Maghreb. Paris : La Découverte.

Chérif, H., Monchaux, P. (2007). Adolescence : quels projets de vie. Alger : CREA.

Cherqui, A., Hamman, P. (2009). Productions et revendications d’identités. Eléments d’analyse sociologique. Paris :L’Harmattan.

Dubard, C. (2000). La crise des identités. L’interprétation d’une mutation. Paris : PUF.

Galland, O. (1996). Les étudiants. Paris : La Découverte.

Galland, O. (2004). Sociologie de la jeunesse. Paris : Armand Colin.

Haenni, P. (2005). L’Islam de marché. L’autre révolution conservatrice. Paris : Seuil.

Hervieu-Leger, D. (1993). La religion pour mémoire. Paris : Éd. du Cerf.

Hervieu-Leger, D., Willaime, J.-P. (2001). Sociologies et religion. Approches classiques. Paris : PUF.

Kepel, G., Richard, Y. (1990). Intellectuels et militants de l’Islam contemporain. Paris : Seuil.

Lamchichi, A. (2001). Pour comprendre l’islamisme. Paris : L’Harmattan.

Merzouk,M. (2012). Religiosité et quête identitaire en milieu étudiant. Les Cahiers du CRASC, n° 24.

Merzouk, M. (1997). Quand les jeunes redoublent de férocité : l’islamisme comme phénomène de génération, Archives de Sciences Sociales des Religions, janvier-mars, n° 97.

Roy, O. (1992). L’échec de l’Islam politique. Paris : Seuil.

Roy, O. (1995). Généalogie de l’islamisme. Paris : Hachette.

Roy, O. (2002). L’Islam mondialisé. Paris : Seuil.

Weber, M. (1996). Sociologie des religions. Paris : Gallimard.

Willaime, J.-P. (1995). Sociologie des religions. Paris : PUF.

 

الهوامش

*مقال منشور في مجلة إنسانيات باللغة الفرنسية، عدد 55-56 | 2012، ص. 121-131. بعنوان: " Les nouvelles formes de religiosité juvénile : enquête en milieu étudiant "

[1] لقد ظهر الشباب منذ سنة 1996 كفئة عمرية غالبة في المجتمع. فقد كانوا يمثلون حينها 56 بالمــــــــائة من الســـــاكنة. (المصدر: الديوان الوطني للإحصائيات) وتعاظم هذا المعطى الديمغرافي مع مرور الزمن.

[2] Cf., Merzouk, M. (1997). « Quand les jeunes redoublent de férocité : l’islamisme comme phénomène de génération », in Archives de Sciences Sociales des Religions, janvier-mars, n° 97.

[3] أنجز هذا العمل الميداني ضمن مشاريع البحث المندمجة في مركز البحث في الأنثربولوجيا الاجتماعية والثقافية. للاطلاع الكامل على هذه الدراسة، أنظر:

محمد مرزوق (تنسيق) (2012)، "التديّن والبحث عن الهويّة في الوسط الطلابي"، وهران، منشورات الكراسك.

[4] يتضمن الإسلام خمسة أركان: الشهادتان، الصلاة، الصوم، الزكاة والحج. إنّ الشهادة وإن كانت تمثل الفعل المؤسس للإيمان بالله، إلا أنّها تمثل التزاما شفهيا مقارنة مع الصلاة (الحفاظ على الجسد في حالة طهارة والاستجابة خمس مرات في اليوم لنداء المؤذن). أمّا صوم رمضان، فإنّه يحترم من طرف الكل الملتزمين منهم وغير الملتزمين، بسبب ارتباطه القوي بالبعد الثقافي. لا يمثل صوم شهر رمضان بالنسبة للكثير التزاما دينيا فقط فهو يمثل تأكيدا للرابطة الجماعاتية، وذلك ما يشهد عليه حتى مستهلكو الكحول الذين يمتنعون طواعية عن شربه طيلة شهر رمضان. حول هذا البعد الثقافي لرمضان أنظر الدراسة التي أجريت في فرنسا على الشباب المغاربة :

Ababou, M. (2001). Changement et socialisation de l’identité islamique. Fès, ImpInfoPrint

أما الزكاة فلا تخصّ إلا الميسورين، وفي الأخير يمثل الحج واجبا اختياريا مشروطا بالاستطاعة المادية.

[5] يوجد اليوم قرابة (المعطيات مرتبطة بتاريخ المشروع) 1500 مسجدا في ساكنة متكوّنة من 35 مليون نسمة.
Le Quotidien d’Oran, 02 août 2009. يظهر جليا بأن هذا العدد من المساجد لا يكفي، إذ تحتل كل جمعة الأزقة والساحات المجاورة للمساجد.

[6] وعليه فإن الفيس وكما تعنيه التسمية التي أطلقها على نفسه (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) يحب تقديم نفسه على أنّه حزب موكل من الله لإنقاذ الناس. فقد كان يعد الجزائريين في حالة تمكنه السياسي بتغيير عاداتهم في الملبس والمأكل، العادات المفترض منها أن تتوافق مع الإسلام الأصيل.

[7] أدرج كلود دوبارClaude Dubar (2010)  مفهوم التجربة للدلالة على أنّ الهوية الفردية في المجتمعات العاصرة خاضعة لعمليات البناء أكثر مما هي موروث.

من بين العوامل التي تساعد على توسيع هذا النموذج التجريبي وتوسّع سيرورة فردنة الحياة الدّينيّة اندماجها في مجال مرجعي واسع مرتبط بتنمية سوق جديدة للسلع والخدمات الدّينيّة، فالعرض في هذه السوق تضاعف بفعل توسّع معروضاتها: الأشرطة السمعية والمرئية، المؤلفات الصغيرة، انتشار توزيع الكتب الدينية والهوائيات المقعّرة. فضمن 500 طالب مستجوب عن طريق الاستمارة 71.80% منهم يصرّحون أنهم يتعلّون أمور دينهم من القنوات الفضائية، وتأتي الكتب الدينية في المرتبة الثانية من حيث الأولويات (69.80%) والمواقع الافتراضية الاسلامية على الانترنت بنسبة تعادل 18.60%.

[8] تحيل هذه المواضيع لعناوين المطويات التي كان يعرضها الطلبة خلال إجراء هذه الدراسة.

[9] لاسيما دراسات أوليفييه رواOlivier Roy، على الرغم من أنّها لا تعنى مباشرة بالجزائر إلا أنّها تمس التطوّر العام للمجتمعات الاسلامية المعاصرة. فهذا الباحث يرى بأنّ ظهور الأشكال الخصوصية للحياة الدينية في البلدان الإسلامية تعلن عن نشوء الفرد بوصفه فاعلا مستقلا وسيدا على نفسه.

[10] أنظر" التديّن والبحث عن الهوية في الوسط الطلابي" المرجع مذكور أعلاه.

[11] لا يسمح سياق من هذا القبيل للفرد من التصرّف كفاعل حر في قيمه كما بينته جيدا حالة هؤلاء الشباب المحالين على المحاكمة بسبب عدم احترامهم الصوم في شهر رمضان، أو لأنّهم تحوّلوا إلى ديانات أخرى، فالمجتمع لا يعترف لهم بوضعية الفرد الحر والمستقل.

[12] حماس هو المختصر لـ"حركة المجتمع الإسلامي"، وقد أصبح سنة 1997 حمس "حركة مجتمع السلم" امتثالا للقانون الذي يحظر على الأحزاب السياسية الاستغلال السياسي للدين. فضلنا هنا استعمال تسمية حماس، على حمس لأنّها تدل بشكل أفضل على المشروع الإسلاموي الذي يحرك الحركة.

[13] تكرس التسمية التي أعطوها لأنفسهم : "السلفية العلمية" عوض "السلفية الجهادية" تخليهم عن الراديكالية الدينية، وتأكيد انتماءهم "لأهل السنّة والجماعة"، فهم يخصّصون جل خطبهم لإدانة "البدع" أي الممارسات غير الواردة صراحة في القرآن والسنّة، ويعدّ التديّن الشعبي والتصوّف والتشيّع أهدافهم المفضلة.

[14] يدعم السلفيون سياسة "المصالحة الوطنية" التي بادرت بها السلطة السياسية من خلال خطبهم الداعية إلى نبذ العنف.

[15] ينعت السلفيون أعضاء حماس بالخوارج وهي أشد تهمة بالنسبة لأي سني.

[16] تخضع المصليات في الإقامات الجامعية للمراقبة المستمرة لكيلا تسقط تحت سيطرة الخصم.

[17] تحتوي هذه الملصقات تعاليق دينيّة متعلّقة بكل تفاصيل حياة "المؤمن الحقيقي"، وتضمّ فضلا عن الفتاوى والأحاديث الأدعية الملائمة لكل مناسبة في الحياة اليومية.

[18] بالنسبة للطلبة الجدد المجندين في أحد التنظيمين يماثل هذا الانتقال من الصداقة إلى جماعة، تحوّلا هوياتيا حقيقيا. فبتبنيهم للقضية الاسلامية يستبطنون عالما رمزيا جديدا. ويتم هذا الاستبطان تدريجيا وفق مسار إدماجي يبدأ بقبول الانضمام إلى "الأسرة"، الخلية الأساسية التي تضم سبعة أعضاء تحت سلطة المربي ومهمته إمامة الصلوات الجماعية وبشكل أهم ينظم الحلقات دورية التي تمثّل جلسات لإعادة تعلّم الدين وتجري بشكل شبه سري في غرف الإقامات الجامعية.

[19] مارست "حمس" العمل الخيري من خلال "جمعية الإرشاد والإصلاح" والعمل النقابي الطلابي من خلال "الاتحاد العام الطلابي الحر" وقد أوكلت إليه تأطير المجتمع الطلابي.

 


جمال بولبيار : Sociologue (1950-2006), Université de Constantine, chercheur associé au CRASC

طيب رحايل : Sociologue, chercheur permanent au CRASC



مقدمة

يوجد فرق بين رياضة المدن ورياضة الحقول من حيث الامكانيات والوسائل، فالتوسّع الحضري المنطلق من المناطق الريفية والمتواجد على أبواب المدن يجعل من الجزائر بلدا متناقضا خصوصا في مجال الرياضة، بحيث يبدو واقع الريف فيها بعيدا عن واقع المدينة، وهذا يستوجب التفريق بين هذين العالمين من حيث الممارسات. تتقاسم العديد من الجمعيات الرياضية الممثلة للأحياء الكبرى للمدن الجزائرية المشاكل نفسها التي تواجهها الجمعيات الرياضية في القرى المعزولة، وإذا كانت هناك فروقات جوهرية بينهما، فهي قبل كل شيء متعلّقة بطابع التمييز بين الرياضة المؤسساتية والرياضة غير المؤسساتية، أو بين ما نسميه عادة رياضة النخبة وبقية الرياضات.

تبدو الرياضة في الريف، على العكس من ذلك، في بعض خصوصياتها بحالة جيّدة، فعامل الرغبة لدى الشباب في ممارساتها متوفّر على الأقل، وكأنّها تمثّل بالنسبة لهم شكلا من الانتقام لأنّهم لم يولدوا في المكان الصحيح. لا ينبغي نسيان أنّ "ممارسة الرياضة البدنية، بوصفها دليلا ماديا على وجودهم، هي في الوقت نفسه محرّك للفرد وعنوان هشاشته"[1]. إنّ تسليط الضوء على هذا الشكل من الرياضة هو التأكيد على تعدّد الواقع الرياضي في الجزائر وعرض لثراء الظواهر الاجتماعية والرمزيّة التي ترافقه. وعلى هذا الأساس نسعى إلى توضيح ما إذا كان شباب القرية يتقاسم الأحلام نفسها والطموحات ذاتها، التي نجدها عند شباب المدن أم أنّهم سيستحدثون طرقًا خاصة بهم لممارستها تضفي عليها طابعا خاصا بهم.

تمكّننا الحياة الرياضيّة اليوميّة لشباب بلدية سيدي مزغيش[2] من فهم المعيش الاجتماعي في هذه البلدية المصنفة منطقة دائمة العزلة والمنسية تنمويا. يمكن القول أنّ تواجد نادي رياضي مع مرافقه مكلّف من الناحية المادية ولا يمكن لبلدية مثل سيدي مزغيش أن تضمن تمويله، وهذا الوضع يؤدي إلى سيطرة تخصّصات رياضية (كرة القدم في هذا المثال) على أخرى بسبب قلّة الإمكانيات. ففي مثل هذه المناطق النائية لا يمكن رصد الإمكانيات المادية التي تسمح بتمويل نادي رياضي يشرف على تخصّصات رياضيّة متعدّدة (ميدان، قاعة متعدّدة الرياضات لممارسة كرة اليد، جمباز...)، ويبقى، على الرغم من كل هذه الصعوبات، الملعب البلدي مجالا مركزيا للقرية ونقطة ارتكاز في منطقة مهجورة نهاية كل أسبوع.

تترافق أيام إجراء المقابلات الكرويّة في هذه البلدية مع أوقات الاحتفال أو العنف أو التعبير عن استياء الجمهور من النتائج الرياضية المسجّلة من طرف فريق كرة القدم، فالشباب المتابع للمباريات الكرويّة لا يملك إلاّ الرياضة للتعبير عن الهويّة القرويّة للسكان، ولا يجد سبيلا لذلك سوى الرياضة من خلال إنتاج صور طبقا للأصل لمظاهر الولاء والدعم المقدّم للجمعيات الرياضية المتواجدة في الأحياء الهامشية للمدن الكبرى، أو المتواجدة في بعض قرى الشرق الجزائري. وتقوم هذه الممارسات بوظيفة أساسية، بحيث تعيد تفعيل العلاقات الاجتماعية المجزأة، لكن يجب التنويه بأنّ وضعية الروح الرياضية في مثل هذه المناسبات مرتبطة بنوعية النتائج وطبيعة المنافسة وثقافة النجاح، بغض النظر عن المستوى الفني لممارسة كرة القدم.

من ممارسة كرة القدم في الأحياء إلى ممارسة كرة القدم بشكل رسمي

فضلت المنشورات العلمية حول الرياضة في الجزائر، على قلتها، التركيز على رياضة النخبة وأشكال ممارساتها ضمن النوادي الرياضية الكبرى في المدن، في حين تناست أنّ نسبة السكان في المناطق الريفية تقدر بـ 40% من سكان الجزائر (حسب الإحصاء العام للسكن والسكان لسنة 1998)[3]، وهذا ما يفسّر اهتمام أبحاثنا اليوم بهذا الواقع الرياضي غير المعروف. هذا النصّ المقترح هو نتيجة لبحث بدأ أواخر ماي 2004 في إطار مشروع بحثي موسوم: "الرياضة، فضاء ومجتمع: قسنطينة بين الماضي والحاضر"[4]، وقد أجري العمل الميداني على مستوى قرية صغيرة في الشمال الشرقي للجزائري[5]، وأردنا من خلاله تحليل واقع "رياضة الحقول في الجزائر"[6] - باعتبارها رياضة غير النخبويّة وغير المؤسساتيّة - بناء على معطيات الميدانية.

يستوجب هذا البحث تقديم لمحة أوليّة عن "رياضة الحقول". لقد عرف هذا مصطلح رواجا إعلاميا في فرنسا، خصوصا مع تطوّر نشاطات "الفدرالية الوطنية للرياضة في الوسط الريفي"، وكان الهدف من الاستعمال الأكاديمي لهذا المصطلح - من طرف الباحثين في الجغرافيا البشرية -قياس درجة توغّل ممارسة كرة القدم وانتشارها في المناطق الجهوية وفق منهجيّة مقارنة. أمّا مقاربتنا فمختلفة لكونها تسعى إلى تحليل الممارسات الرياضيّة والاجتماعية والثقافية، بغية تقديم قراءة سوسيو-أنثربولوجية حولها ضمن مجال قروي انطلاقا أسئلة أوليّة مثل : من يمارس الرياضة في القرية؟ كيف يمارسها؟ وأين يمارسها؟

يعود تركيزنا على كرة القدم في هذا البحث إلى شعبيتها في الجزائر، وهنا علينا أن نفرّق بين ثلاثة أشكال لممارستها ضمن الحقل الرياضي وهي: كرة القدم المؤسساتية، كرة القدم في الشارع، كرة القدم الممارسة ضمن الجمعيات.

سيدي مزغيش، عناصر مونوغرافية[7] والسؤال الهام حول المرافق الرياضية

تنتمي بلدية سيدي مزغيش[8] لولاية سكيكدة، وتقدر مساحتها بحوالي 94.5 كم2. تقع هذه البلدية ضمن إقليم ذي الطابع الزراعي والتجاري، وتتميّز المنطقة بكثافة حدائقها وزراعتها للخضروات والحبوب المختلفة. لم يمكن للقرية حظوظا للاستفادة من المشاريع الصناعية الكبرى، فهي لا تضمّ سوى بعض الورشات التي تجمع عددا محدود من العمّال المنتجين للبضاعة المستهلكة محليا.

يقدر تعداد الفئة الناشطة اقتصاديا في بلدية سيدي مزغيش بـ 3664 فردا، ويتواجد من بينهم 754 عاملا في القطاع الزراعي الذي يغلب عليه الطابع الموسمي، بينما يتوزع الباقون على  قطاعي الصناعة والخدمات بتعداد يقدر بـ2910 عاملا، كما تعرف البلدية نسبة مرتفعة من البطالة تناهز 30% من نسبة الفئة الناشطة محليا (حسب إحصائيات 1998)، أمّا بالنسبة للمرافق العمومية فهي إمّا غير موجودة أو غير مجهّزة، والحال نفسه ينطبق على معظم الطّرق غير المعبّدة، كما نسجل غياب بعض المقرّات الأساسية على تراب هذه البلدية مثل مقرّ الشرطة والبنوك وشركة الكهرباء والغاز (سونلغاز) على الرغم من أهميتها في الحياة اليومية للمواطن بهذه المنطقة. هذا التوصيف يدفع للتساؤل عن واقع المرافق العمومية الرياضية الضروريّة خصوصا إذا كانت نسبة الشباب والمراهقين في البلدية تقارب 79.33% من ساكنة البلدية[9].

تقلّ الفضاءات المهيأة لتكون أماكن للّعب على مستوى تراب البلدية، بحيث يمكن أن نحصيها في قاعتين أو ثلاث لرياضة كمال الأجسام وقاعة صغيرة بمساحة تقدر بـ 60 م2 تابعة لدار الشباب وتستعمل للتدريبات الخاصة بستة أصناف رياضية هي: الجيدو والكونغفو والكراتي، وملعب ترابي لكرة القدم -من دون مدرجات- يعود للحقبة الاستعمارية (أواخر الخمسينات من القرن الماضي)[10]، وملعب لكرة اليد ذو أرضية غير ملائمة لمثل هذا النوع من الرياضات وفي غياب لغرفة تبديل الملابس والمدرجات. ويعكس هذا الوصف فقرا في البنى التحتيّة الرياضيّة، وإن وجدت فهي بعيدة عن المعايير الضرورية لمثل هذا النوع من الرياضة.

من جهة أخرى، تتواجد الملاعب الهامة المخصّصة للممارسة الجوارية لهذه الأنشطة خارج المجال السكاني وبعيدة عن الشباب، خصوصا المتمدرسين منهم. من هنا نتساءل عن المنطق الذي يحكم التوزيع الجغرافي لهذه المرافق الرياضية: فهل هو تعبير عن استمرارية ثقل المحدّدات السوسيولوجية المحلية والتي تفرض، وفق الأخلاق السائدة، السعي من أجل إبعاد أماكن عرض الأجسام الذكورية العاريّة - التي تتوافق مع المتطلبّات الجديدة للممارسات البدنية - عن النسيج العمراني؟ أم أنّ تواجدها خارجه يعود ببساطة لاعتبارها مصدرا للفوضى والإثارة وللتجرّد من الملابس ومصدرا للإزعاج الصوتي باعتباره مظهرا من مظاهر عدم التحضّر؟  

الكلّ يسعى في أن يستثمر الشباب، من خلال الممارسات الرياضية والألعاب، الشارع والفضاءات العامة بحثا عن زعزعة ما بقي من رواسب النظام الاجتماعي القروي. مثل هذا الشكل لتملّك المجال القروي من طرف الشباب يضفي المزيد من الشرعيّة على الفرضيّة التي تعطي لهذه الممارسات غير المؤسساتية وظيفة إدماجيّة في الوسط الحضري أو في الوسط الريفي. وفي الواقع، تعتبر أشكال تملّك الفضاءات العامة قديمة في الجزائر، ففي قسنطينة مثلا، ومنذ بداية القرن 20، كانت شوارع المدينة تعجّ بالضجيج الصادر عن الألعاب الرياضية المدرسيّة، فشارع دان ريمو(حاليا سيدي عبد الله بوهروم) ونهج الشرق وشارع فرنسا (شارع 19 جوان) كانايتحوّلان إلى حلقات (agoras) يختلط فيها لاعبو الكرة الحديديّة مع رماة الحجارة ولاعبي الكرة القدم (جريدة الاستقلال يومي 3 و4 أفريل 1906)، فالعديد من المتغيّرات تشير إلى انتشار ألعاب رياضية جديدة، ميزاتها الأساسية أنّها تمارس في الهواء الطلق، ضمن أجواء يسودها اللهو و"العنف المسيطر عليه"[11]. تظهر الرياضية بهذه الطريقة في المجتمع وفق نمط لا تسيطر عليه التنظيمات الرياضية، ولكنها مع ذلك تترافق مع حركة ثقافة جديدة للجسد وللتمثلات حوله، ويمكن قراءتها يوميا عن طريق الرموز الجديدة للألبسة التي تسطير على مظهر الشباب ومظهر الرياضيين والتي تحاكي ما هو موجود على المستوى العالمي.

إنّ دراسة الممارسة الرياضية في الفضاء القروي، وعلى عكس ما يمكن أن نتصوّره، أمر معقّد لكنّه هام وضروري مثلما هو حال الممارسات الرياضيّة في الوسط الحضري. لقد ركزنا اهتمامنا على ثلاثة أنواع من ممارسة كرة القدم، وسنحاول من خلالها فهم سيرورة المجال الرياضي[12] في الجزائر وتناقضاته[13] وحالات عدم المساواة الاجتماعية التي تنتج عنها، وهذا ما يسمح بمقاربة قنوات الاستقلالية والتمكين التي يطوّرها بعض الشباب في سيدي مزغيش ضمن المنظومة الاجتماعية التي يعيشون فيها.

كرة القدم الحقول: من صور اجتماعيّـــة للنجاح إلى صناعة يوميات الرياضة في الشارع

تعتبر كرة القدم رياضة الحقول الأكثر استقطابا للشباب بلا منازع، ولكن عن أي نوع كروي نتحدث في هذا البحث؟ فــمن خلال ملاحظتنا لمختلف أشكالها البارزة للعيان، تظهر لنا هذه الرياضة، ضمن السياق المحلي، في شكل إعادة إنتاج للتفاوتات المكوّنة للمنظومة الرياضيّة الجزائريّة. ولفهم هذا الواقع المعقّد، سننطلق من ثلاث نماذج سوسيوثقافية لممارسة كرة القدم و"استهلاكها" في سيدي مزغيش.

النموذج الأول والثاني هما شكلان من ممارسة كرة القدم ضمن سياق منظّم أو خاضع للمراقبة المؤسساتية و/أو سياسية، ويتباينان من حيث نوعيّة الفرجة الكرويّة المصنوعة تبعا للأهداف المسطّرة في التظاهرات الرياضية وحسب توقيت إجراء المنافسات.

  • النموذج الأوّل، هو دورة كرة القدم التي تقام مـــا بين الأحياء فترة إحياء الذكريات الوطنيّة والمترافقة مع طقوس احتفالية، وهذه التظاهرات الرياضية تجمع بين الترفيه الاحتفالي وتفعيل الشعور الوطني في تاريخ محدّد.
  • أمّا النموذج الثاني فهو المباريات التي يجريها الفريق المحلي للقرية المسمى "الاتحاد الرياضي لسيدي مزغيش"، وهذه التظاهرات الرياضية تقام تبعا لتوقيت رياضي محدّد وتبعا لعادات وتقاليد خاصة بها، ومن ميزاتها الأساسية الديمومة (انخراط هذا المشهد الرياضي ضمن رزنامة سنوية مبرمجة من طرف الرابطة) والالتزام المستمر لمختلف الجماعات الاجتماعية الذكورية المكونة للنسيج الاجتماعي القروي بهذا النشاط الرياضي.
  • النموذج الثالث مستنبط من فكرة "رياضة الشارع"[14] التي يتحدث عنها مارشيزي جيل Marchiset Gilles Vieille، بحيث تمثل تسمية المكان مرجعا عن نوع آخر من الممارسة الكرويّة وتعبيرا عنها، وهنا نتحدث عن حي في بلدية سيدي مزغيش يسمى "ويجيأس" WJS، وهذه تسمية ترمز إلى فريق كرة القدم "الوداد الرياضي لسكيكدة".

دورة كرة القدم في سيدي مزغيش ليوم 5 جولية 2004: شكل من أشكال التنشيط الرياضي في القرية

تمثل الاحتفالات الرسميّة السياسيّة بالنسبة للعديد من الشباب المنتمين للجمعيات الرياضية (رسمية أو غير رسمية) فرصة للظهور أمام أهاليهم وفسحة لعرض مهاراتهم، فدورة كرة القدم المنظّمة يوم 5 جولية 2004 في سيدي مزغيش يمكن أن تعدّ فرصة لتأطير الاحتياجات للتعبير عن الانشغالات عند فئة الشباب الذي تجذبه كرة القدم، فـ" الحدث الرياضي" الذي يمكن اعتباره بناء اجتماعيا على مستوى القرية يمكن أن يقدم لنا العديد من الدروس.

عرض الاجتماع الذي انعقد على مستوى دار الشباب لسيدي مزغيش يوم 30 ماي 2004 شروط المشاركة في الدورة الكروية المصادفة للاحتفال بعيد الاستقلال الوطني، كما حدّدت ذلك رابطة الرياضات الجوارية والرياضة للجميع التي يرأسها بوكادوم رشيد[15]، ومن بين ما حرصت الرابطة على اشتراطه نذكر النقاط الآتية: تحديد تكاليف الانخراط في الدورة بقيمة
200 دج للاعب، وتحديد السنّ الأدنى للمشاركة بـ 30 سنة. مثلت الشروط التنظيمية لهذه الدورة الكروية شكلا من أشكال الإقصاء لعدد كبير من شباب[16] القرية - من ذوي السنّ الأقل عمّا هو محدّد سلفا - من المشاركة على الرغم من أنّ هذه المناسبة المزدوجة مناسبة للاحتفال بعيد الاستقلال والشباب في اليوم نفسه. وهذه الوضعية دفعت بمسؤولي دار الشباب إلى الانسحاب من تنظيم الدورة.

تعبّر مثل هذه المعايير الاقصائية غير واقعية في معظم الأحيان عن سوء معرفة كاملة بفئة الشباب حسب أعمارهم، وهذا قد يدلّ على جهل مسؤولي الاتحاديّة المشرفة على فدرالية الرياضة للجميع والرياضة الجوارية بالإحصائيات الرسميّة الصادرة عن الديوان الوطني للإحصاء حول نسب الشباب وتوزيعهم العمري.

بعد مرور عشرة أيام من نشر الإعلانات الأولى على مستوى دار الشباب وفي بعض الأحياء، بدأت بوادر فشل تنظيم هذه الدورة تتجلى خصوصا بعد ما واجه بعض الشباب مشكل جمع فريق من اللاعبين بسبب عامل تحديد عتبة السنّ المشاركة بـــ 30 سنة بوصفه حدا أدنى. دفع هذا الوضع الرابطة إلى تعديل الإعلان وصياغة مقرّر آخر نُشر في الفترة الممتدة ما بين 13 و16 جوان والذي خفّض سنّ المشاركة إلى حد أدنى عند عتبة 25 سنة، وهذا القرار مكّن من تسجيل 10 فرق للمشاركة.

تمّ سحب القرعة أثناء انعقاد سلسلة لقاءات جرت ما بين 21 و23 جوان، واقترح لذلك برنامجا للمنافسة في حضور رؤساء الفرق المشاركة، وقد تمّ توزيع المشاركين على مجموعتين، تحتوي كل منهما على خمسة فرق، وتقام المنافسة في شكل بطولة مصغّرة، يليها دور اقصائي مباشر لتكون المقابلة النهائية مصادفة ليوم 5 جويلية، مع العلم أنّ فترة هذه المنافسة قد حدّدت بعشرة أيام[17].

أنماط تنظيم الدورة: من سحر النموذج التنافسي إلى حريّات وقف أنماط الممارسة الرسمية

زيادة عن القانون الداخلي للدورة الذي وزّع على رؤساء الفرق، يجب التذكير أنّ شكل المباراة قد حدّد في شوطين من نصف ساعة لكل منهما، بحيث تقام المباريات على مستوى نصف ملعب كرة القدم فقط، بفريق متكون من ثمانية لاعبين بما في ذلك حارس المرمى (مرمى المباراة المختار هو مرمى كرة اليد)، وهذا التنظيم يعكس بالنسبة لنا فقر إمكانيات البنى التحتيّة الرياضيّة في هذه القرية.

وبعيدا عن النتائج التقنيّة والرياضيّة المنتظرة من طرف كل مشارك في الدورة الكروية المنظمة بمناسبة عيد الاستقلال لسنة 2004، وبعيدا أيضا عن كون مثل هذه الدورات بإمكانها تنشيط حميمية العلاقات الاجتماعية وتفعيل الرابط الاجتماعي المنهك بفعل الأزمة الاجتماعية وبفعل التعمير الذي تشهده هذه القرى، على الأقل فترة المنافسة الرياضية، فإنّ هذه المنافسة كشفت عن عدم مقدرة المنظّمين على التحكّم النسبي في تنظيم اللقاءات الكرويّة، كما كشفت في الوقت نفسه أنّ العنف يمثل نمطا للتعبير عن النديّة الموجودة ما بين الأحياء.

فمثلا، عرفت المباراة الأولى التي جمعت بين حي "بوخادوم بشير" وحي "الأمل" تأخرا بفعل عدم اكتمال عناصر أحد طرفي المقابلة، أمّا في المباراة الثانية التي جمعت بين حي "علال بلوصيف" ((WJS بنظيره حي "القبية" فقد أدى منح بطاقة حمراء لعنصر من فريق الحي الأول الفائز بهدف لصفر إلى بروز مظاهر العنف نتيجة عدم رضا اللاعب المقصى عن قرار التحكيم، كما يمكن أن نذكّر أيضا بإجراء مقابلة في توقيت أقل ممّا هو مدوّن في القانون الداخلي للدورة بسبب النقل التلفزيوني لمباراة نصف نهائي كأس أوروبا على المباشر في توقيت 19سا و45د، ومثل هذه الممارسات التي تدعو إلى "الضحك" تكشف عن جانب من المخيال لدى هؤلاء الرياضيين المناسباتيين.

إنّ استثمار شباب سيدي مزغيش لأوقاتهم في متابعة المنافسات الأجنبية، والتي تتجلى نتائجه الأولية في محاكاة أشكال التعبير والتشجيع الرياضي الأوروبي، تعلن عن العلاقة الجديدة بين المجتمع المحلي والعالم الخارجي[18]

كرة القدم والصور الاجتماعية للنجاح: الرياضات المؤسساتية، مصدر من مصادر تموين النوادي الرياضية الكبرى

بعض العناصر التاريخية لولوج كرة القدم في سيدي مزغيش[19]

يرجع تاريخ نشأة الفريق المشهور بالقرية للفترة الاستعمارية التي عرفت تكوين العديد من الفرق في كرة القدم شهدت تواجدا لبعض "الأهالي" ضمنه. ارتكز نظام المنافسة سابقا تنظيم الدورات التي كانت تجمعهم مع فرق القرى المجاورة. فقد نافس فريق سيدي مزغيش، التي كانت مجرد قرية صغيرة وليست بلدية، نظيره المتمثل في فريق بلدية مجاز دشيش، ونظرا للانخفاض الديموغرافي لتواجد العنصر الأوروبي في المجال القروي صَعُب التسجيل الرسمي لفريق كرة القدم.

وبعد الاستقلال، عرف هذا الشكل من الممارسة توسّعا، خاصة لدى فئة شباب، وقد نظّموا بأنفسهم العديد من اللقاءات مع مختلف فرق الأحياء. توجد بالقرية العديد من الفرق التي تنشط بشكل غير رسمي نذكر منها:  فريق "كور بوراس"، فريق "كور بوخادوم"، "فريق الشهداء"، "فريق الخوبية" و"فريق WJS"، أمّا الفرق المميّزة من القائمة سالفة الذكر فهي: فريقي "كور بوراس" و"كور بوخادوم"، بحيث كان اللقاء بينهما يعدّ من اللقاءات الأكثر إثارة بالنظر لانتهائها في معظم الأحيان في شكل عنيف نظرا لرفض الفريقين للهزيمة.

كرة القدم والتاريخ التوبونيمي لأحد الأحياء: الويجيأس WJS

يبدو أن تاريخ فريق الحي المسمى "ويجيأسS" الموجود في بلدية سيدي مزغيش مرتبط بهذه المرحلة في ممارسة كرة القدم في الشارع، فقد كان الفريق سابقا مكوّنا من أقليّة عدديّة من الشباب ذوي التكوين الدراسي المعتبر، خاصيتهم الأساسية عدم الاحتجاج عن النتائج السلبيّة المسجلة حتى ولو بلغت الخاسرة مـع الفريق المنافس ما بين 8 إلى 9 أهداف كاملة مقابل صفر.

في الفترة نفسها، كان في مدينة سكيكدة فريق يسمى وداد شباب سكيكدة (WJS)، وقد عرف عن هذا الفريق ضعف نتائجه المسجّلة في المنافسات الكروية، ومن هنا جاءت التسمية المستعارة للحي المسمى حاليا علال بلوصيف كناية عن تشابه النتائج السلبية المسجلة من طرف الفريقين. علينا أن لا ننسى أنّ تاريخ تأسيس الرياضة في الجزائر وتنظيمها يعود بنا إلى سنة 1901 وهذا التاريخ المتلازم مع ظهور القانون الذي سمح بتأسيس الجمعيات في فرنسا، وعليه تعتبر الفترة الكولونيالية الفترة الأولى التي أدت إلى بداية تجلي التأطير المؤسساتي الرياضي.

مأسسة كرة القدم وبناء الهوية الرياضية للقرية: الاتحاد الرياضي لسيدي مزغيش

جذبت كرة القدم بعد الاستقلال شباب القرى التابعة للبلدية، وقد سعوا إلى تنظيم أنفسهم في شكل فرق تابعة للأحياء. شجّع إقبالهم الموسّع على هذه الرياضة تنامي ظاهرة متابعة نتائج منافسات كرة القدم على المستوى الوطني، كما بيّن توسّع اهتمامهم بالنوادي الرياضية والرياضة المؤسساتية ورهاناتها محدوديّة المستــوى المحلي[20]. ساهم هذا التغيّر في بروز ظاهرة تحديد الانتماء المرتبطة بالفرق موضوع التشجيع، وهذا الوضع قرّب ما كان يُعتبر بعيدا. فمثــلا استبطان بعض شباب سيدي مزغيش للفشل الرياضي لفريق وداد شباب سكيكدة WJS عكس شكلا مــن أشكال الانتماء المحلي والاعتراف الهوياتي للفريق.

يعود تكوين نادي كرة القدم في القرية وانخراطه الرسمي في الرابطة للموسم الرياضي 1969-1970 تحت اسم الاتحاد الرياضي لسيدي مزغيش (USSM)، وبعد الإصلاح الرياضي الموافق لـسنة 1977[21] غيّر النادي تسميته الفرنسية من USSM إلىIRBSM  (الاتحاد الرياضي لبلدية سيدي مزغيش)، وقد كان هذا التغيير في التسمية الفرنسية للنوادي فرصة لفرض تأميم النادي بغية منحه طابعا وطنيّا بعيدا عن الميراث الاستعماري، كما مثّل هذا الإجراء في الوقت نفسه طريقا لتحكّم السلطة السياسية في الوضع الاجتماعي ومحاولة لتعريب رموزها (ذاكرات النوادي وأولوانها)، وأيضا مسارا لبعث سياسة "رياضيّة حقيقيّة" مماثلة لنظيراتها في المُعسكر الاشتراكي.

وعلى الرغم من أنّ الأشكال الأولى للتأطير الرسمي لم تظهر إلا مؤخرا في سيدي مزغيش، إلا أنّ النشاطات الرياضية كانت موجودة، وكانت تتمظهر خصوصا في شكل منافسات رياضية بين المعمّرين و"الأهالي"[22]. وبعد الاستقلال، كشف تماهي شباب سيدي مزغيش في انتماءاتهم الرياضية مع فرق النخبة عن الاهتمام هذه الفئة بشكل عام في هذه القرية بالرياضة أثناء المنافسات الرياضية التي كانوا ينظمونها خارج الأطر المؤسساتية.

لقد التحقت فئة من شباب القرية الموهوبين[23] ومن ذوي القدرات الفرديّة والفنية بالهيئات الرسمية للرياضة المؤسساتية، وقد كانت دوافعهم، رغم قلة الوسائل، البحث عن انطلاقة نحو النجاح الرياضي بحثا عن أمل الوصول إلى بناء مسار رياضي يمكّنهم من الحصول على رأسمال اجتماعي رمزي ومادي يتيح لهم ترقية مكانتهم الاجتماعية، ويضفي نوعا من الهيبة لديهم أمام أنظار السكان المحليين. مثلت هذه الممارسة ضمن الإطار المؤسساتي بالنسبة لهؤلاء الشباب، رغم مستواها التنافسي المحدود، الوسيلة الوحيدة لعرض مهاراتهم وبروزهم على مستوى ناديهم الصغير والتي كثيرا ما اعتبرت خزانا لتموين النوادي الكبرى بالمواهب الرياضية.

لقد عرضنا هنا فقط مثالا حول كرة القدم بصفتها رياضة جماعية، لكن بالنسبة للرياضات الخمس المؤطرة مؤسساتيا على مستوى القرية، فهي لا تمنح للشباب المحفزات الكافية لممارستها أو الانخراط في فرقها، فعلى الرغم من النتائج المعتبرة التي يمكن أن يحصل عليها بعض شباب هذه القرية إلا أنّ ذلك لا يسمح لهم بالتموقع ضمن الخريطة الرياضيّة الوطنيّة، كما لا يستفيدون من الدعم المادي الضروري مثلما هو الحال في بعض المدن ذات الأقطاب الصناعيّة. علينا القول أنّ رياضة الحقول، المحرومة من الإمكانيات المادية الضرورية، يمكنها أن تحقّق نتائج تضاهي النتائج المحصل عليها من طرف رياضة النخبة من حيث عدد التتويجات، ولكن رغم تسجيل هذه النتائج من طرف الرياضيين، والتي يمكن تصنيفها في خانة مطلب البحث عن الاعتراف بهذا النوع من الممارسة الرياضيّة والاهتمام بها وتمويلها، إلا أنّها لا تلقى الالتفاتة الضروريّة من طرف المسؤولين على الرياضة، كما أنّ الجانب المادي لرياضة النخبة على مستوى فرق المدن الكبرى لا يضفي صعوبات على استقطاب رياضيي الموهوبين الذين تنتجهم رياضة الحقول، والتي يمكن اعتبارها خزانا لرياضة النخبة في الجزائر.

رياضة الشارع: صرخة جسد وقاعدة للتعايش الاجتماعي لدى الشباب

لا تملك الرياضات المؤسساتية القدرة الكافية على تأطير كل الشباب الذين يبدون رغبة في ممارسة الرياضة، سواء لعدم انتقائهم من طرف منظومة اختيار الرياضيين الراغبين في ممارسة الرياضة، أو بسبب إكراهات الالتزام بالتوقيت الواجب احترامه وبالتقييم الدائم من طرف المؤطرين، وهذا الوضع يدفع الكثير من شباب القرية، إمّا مرغمين أو مخيّرين، للتوجّه نحو ممارسة الرياضة غير المؤسساتية، وهذا الاختيار يجعل من الشباب أسيادا على ممارساتهم لأنه يسمح لهم بممارسة الرياضة حسب رغبتهم و بعيدا عن مقاييس التقييم وهم بذلك يعودون بها إلى جذورها الأولى المُرتبطة باللارياضة[24] ممّا يجعل من هذه الفئة تمارس الرياضة حسب إرادتها ووفق منطق التسلية والاسترخاء والحريّة واللعب بعيدا عن مقاييس التقييم.

تسمح اللدونة التي تمثلها مختلف الرياضات ومرونة القوانين المحدّدة لممارساتها لدى الشباب بالإقبال على الرياضة بكثير من الرغبة والأصالة وبعيدا عن التزامات التقييم، ووفق توقيت غير محدّد، معتمدين في غالب الأحيان على التحكيم الذاتي، فتعداد لاعبي فريق كرة القدم قد يكون متغيّرا فترة المباراة، وبعض الرياضات يمكن ممارستها على مستوى أي مساحة[25] انطلاقا من آليات التفاوض المحدّدة لأشكال تملك المكان، والذي هو في الغالب مجال حضري أو امتداد لطريق عمومي أو ساحة عمومية، ويكون التفاوض عموما عندما يصعب ممارسة الرياضة في الملعب البلدي[26].

خلاصة

يكشف التفاوض على تملّك فضاءات الممارسات الرياضية المختلفة عن هرمية العلاقات داخل المجموعات الشبابية، ففي الوقت الذي يلعب فيه صغار السنّ في شوارع ضيقة أو على أرضيات لا توفّر لهم القدر الكافي من المتطلبات، يحتكر المتقدّمون في السنّ لدى فئة الشباب الأماكن المرموقة في القرية لممارسة الرياضة. الحضور الدائم للصراعات والتحدّيات البدنية واللفظية ضمن المجموعات الشبابية ضروري لأنّه يمثل العامل الأساس الذي يسمح بإعادة تشكل التراتبية ضمن هذه المجموعات، فرياضات الشارع تمثل أيضا قاعدة للمؤانسة الاجتماعية بين الأحداث لأنّها تحثّ على الالتقاء بين الشباب من مختلف الأحياء وتحفز عليه، كما تكشف لنا أيضا عن قدرة هذه الفئة على التنظيم الذاتي.

يتم التعايش مع الشارع والتفاعل معه من طرف الشباب عن طريق الرياضة، فهو مكان للتنشئة الاجتماعية والتعبير وليس مكانا للإقصاء أو الرفض[27] مثلما يقدم دائما. ويسمح تملّك هذا الفضاء من طرف الشباب بالمشاركة في الحياة العامة للقرية، مشاركة يمكن اعتبارها وسيلة للمطالبة من السلطات الرياضية المحلية إضفاء الطابع الرياضي على النسيج العمراني، وفي هذا السياق يتخذ الشباب، المهمّش وبدون سلطة، من صرخة أجسادهم وسيلة أصيلة للمطالبة من السلطات الرياضية المحلية بحقوقهم بعيدا عن الإجراءات البيروقراطية وعن الخطابات السياسية.

ومثلما بيّناه سالفا، تتموقع الأماكن المهيئة لممارسة الرياضة خارج النسيج العمراني للقرية، في حين تمثل رياضة الشارع تعبيرا عن حاجة الشباب اليومية لمثل هذه الفضاءات، ولكن داخل أحياء وإقامات النسيج العمراني نفسه. وإذا كان منطق ممارسة هذا النوع من الرياضة قائما على الطابع الاستعراضي والجمالي للعبة ولا تتحكم فيه نتائج المباريات، فإنّ استهداف الأحياء الشعبية بوصفها "أماكن الحياة" لممارسة الرياضة ضمنها يبدو دائما على أنّه تعبير عن إرادة الاقتراب ما أمكن من المجال السياسي، فرياضة الشارع تسمح لهؤلاء الشباب[28] بالبقاء معا واستثمار التواجد في الأماكن العامة التي تمكن من النظر لهم[29].

ترجمة كهينة شاكر وفؤاد نوار

الهوامش

[1] Ehrenberg, A. (1991). Le culte de la performance, Paris, éd. Calmann-Lévy. Voir aussi Alain, Ehrenberg, « Aimez-vous les stades ? Architecture de masse et mobilisation », Recherches, n° 43, 1980 ; Actes de la recherche, « les enjeux du football », n° 103, juin 1994 ; Autrement, « L’amour foot. Une passion planétaire », n° 80. Mai 1986.

[2] بلدية تابعة ولاية سكيكدة (شرق الجزائر العاصمة).

[3] الأرقام المقدمة من طرف الديوان الوطني للإحصاء في سنة 2008 وخلال السنوات الأخيرة تعلن عن تراجع ملحوظ في نسب المجال توزيع السكان في "المجال الريفي" مقارنة مع "المجال الحضري".

[4] مشروع بحث مسجل في مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية جانفي 2003-جوان 2005 تحت إشراف بولبيار جمال، أجري رحايل طيب ضمنه بحثه حول : "الرياضة والشباب في سيدي مزغيش".

[5] حول هذه الأماكن الرياضية المهمشة (الحضرية والقروية)، أنظر:

Boulebier, D. (1999). « Le foot, l’urbain et la démocratie », Revue Insaniyat n° 8, Mai-Août, et Boulebier, Djamel, « Le stade et la question urbaine à Constantine : positions de recherche », communication à la rencontre nationale du 13 novembre 2005 sur La ville et les transformations contemporaines. Problèmes et solutions, organisée par le laboratoire L’homme et la ville et le département de sociologie et de démographie de l’Université Mentouri de Constantine.

كذلك التاريخ الرياضي لمولودية الخوص (ولاية جيجل)، أسس في سنة 1984 بناء على تغطية إعلامية لجريدة يومية ناطقة باللغة العربية "الأيام" في 15 ديسمبر 2004، أو فريق جيل سيدي سالم بولاية عنابة التي تمكن من الصعود إلى المرتبة الأولى محليا بعد أربع سنوات من المنافسة ضمن المجموعة الولائية، خصوصا بعد مشاركته في الدور 32 من نهائيات كأس الجزائر موسم 2004/2005، أين رفع رئيس الفريق شعار "زوالي وفحل" كنوع من الأساليب الدفاع على شرف الفريق (اليوم 04 جانفي 2005).

[6] Gillon, P. Grosjean, F., Marchiset, V. (1999), La pratique du football en Franche-Comté : un football des champs et un football des villes ? IMAGES de Franche Comté, n°20.

[7] من أجل الاطلاع على عمل منوغرافي معمق لهذه القرية الجزائرية نوجه القارئ للاطلاع على مذكرة الماجيستير لـ: رحايل طيب، (مقاربة أنثروبولوجية لواقع الممارسات الاجتماعية عند الشباب البطالين الجزائريين)، جامعة منتوري، قسنطينة 2005.

[8] نظرا لنقص البحوث التاريخية الجيدة، تبقى مرجعية تأسيس هذه المراكز الإنسانية غير معروفة وتؤوَّل في شكل أساطير، فحسب مصطفى (من المجاهدين القدامى) سيدي مزغيش شخصية متعلمة من أصل بربري جاء من باتنة وأقام بالمنطقة. ونظرا لعلمه جعله سكان المنطقة علامة وشيخا لهم. وبعد وفاته شيع جثمانه في مقبرة المنطقة، واعترافا بما انجزه تمّ اتخاذ قبره جامعا لهم وحمل بذلك اسمه "سيدي مزغيش" وبقيت هذه التسمية حتى وقتنا الحالي.

[9] هذه الإحصائيات تخص الفئة العمرية الأقل من 40 سنة.

[10] هذه الوضعية نفسها خاصة في المحيط القروي، رغم كل المبادرات التي اتخذت في إطار تصحيح قانون التربية البدنية والرياضية في 1977 والتي تقدم للخريطة الوطنية للمنشئات رياضية ذات "طبيعة نوعية" (24 ملعب متعدد الرياضات و 63 قاعة متعددة الرياضات تتمركز في الشمال في سنوات الثمانينات 1980). هذه الإمكانيات لم تعد تكفي لسد حاجة المواطنون المتزايدة في هذا الميدان. لقد كان الهدف الرئيس لقانون الاصلاح الرياضي الوصول إلى تشبيك جيد يُقلّص المسافات مع ولايات الجنوب لكن ذلك أعاقته الأزمة المالية و الاقتصادية التي عرفتها الجزائر نهاية 1980. يمكن للتحسّن المالي النسبي الذي تعرفه الدولة والانحرافات التي يعرفها قطاع الرياضة أن تدفعه التراجع عن تلك التغيرات التي استُحدثت نهاية السنة المذكورة أعلاه.

[11] Voir Elias, N. et Dunning, E. (1994). Sport et civilisation, la violence maîtrisée. Paris : Fayard.

[12] Cf. Faure, J.-M., et Suaud, Ch. (1999). Le football professionnel à la française. Paris : PUF.

[13] يمكن أن نظيف أن هذا الهيكل لا يوظف عن طريق الناجعة (خاصة في ما يخص رياضة الملاكمة). هذا ما جعل على مستوى القرى الصغيرة الإمكانيات تبدو قليلة ويبدو معها تأخر نسبة التنمية.

[14] Vieille Gilles Marchiset, Sports de rue et pouvoirs sportifs : conflits et changements dans l’espace local. Presses Universitaires franc-comtoises 2003.

[15] معلّم ومراسل صحفي رياضي، هو أحد أقارب بوكادوم حفيظ الدي يمثل وجها رياضيا مرجعيا لشباب قرية سيدي مزغيش نظرا لمساره الرياضي  الاجتماعي. عرفت هذه الشخصية النور خصوصا عندما إلتحقت بكرة القدم النُخبوية من خلال الفريق العريق وِفاق القُل، فهذا الأخير كان يُمثل أحد مُخرجات الاصلاح الرياضي سنوات 1980، وقد ساهم بشكل واضح هذا الفريق في إبراز هذا الوجه الرياضي القادم من رياضة الحقول.

[16] يفقد مفهوم الشباب بُعده الإجرائي عندما يتمّ مقاربته انطلاقا من الفئات الاجتماعية المختلفة، وما استعمالنا له في هذا النص في شكله الصّوري إلاّ من أجل تسهيل القراءة.

[17] قام الباحث طيب رحايل أثناء هذه المناسبة الرياضية بمبادرة تهدف إلى إخراج شريط وثائقي إثنوغرافي حول دورة كرة القدم الموافقة لـ 05 جويلية 2004 في سيدي مزغيش من دون أن يكون له تكوين في هذا المجال. لقد كانت أهداف المنتظرة من هذا العمل جمع المعلومات حول ممارسات الشباب أثناء هذه الدورة الموافقة للمواجهة السلمية بين مختلف أحياء القرية، كما كانت الغاية أيضا الوقوف على أشكال الفرجة المصاحبة لتنظيم هذه الدورات الرياضيّة خصوصا أنّها تقترح علينا معلومات قيّمة حول العلاقة بين مختلف الشباب حسب انتمائهم للأحياء.

لقد سعى الباحث من خلال هذه المبادرة إلى تسجيل الممارسات، أوقات المباريات، خطابات مختلف الفاعلين والمساهمين في صناعة الفرجة، ولكن لأسباب تقنية مرتبطة بغياب النص السينماتوغرافي وعدم الدراية بتقنيات التركيب المتعلّقة بالتشريط الوثائقي  الإثنوغرافي لم نتمكن من استغلال كل المعطيات المجموعة. تعتبر هذه المبادر تجربة جيّدة يمكن أن يتمّ اللجوء إليها في مشاريع مستقبلية.

[18] Erhenberg parle du football comme d’une nouvelle vision du monde. Voir également Boulebier, D. (1999), « Le foot, l’urbain et la démocratie », Insaniyat n°8, Mai-Août.

[19] معطيات تمّ جمعها أثناء المُقابلة التي أُجريت مع بوسيف حبيب يوم 4 جوان 2004 على الساعة 17 و30 دقيقة في حي 50 سكن.

[20] التعريف بالشباب في النوادي يمكن أن يذهب إلى حدّ التعريف بالمجموعات والأماكن (تسمية الوجس على سبيل المثال).

[21] للمزيد من التوضيحات حول هده الاشكالية، انظر:

Boulebier, D. (1994). « L’Algérie au miroir du sport », in Remaoun, H. (dir.), L’Algérie, histoire, société et culture. Alger : Edition Casbah, 2000 et Fatés, Youssef (1994), Sport et tiers-monde. Paris : PUF. 

[22] هذه المعلومات جمعنها مع مسؤول سابق ورياضي لفريق .IRBSM

[23] يمكن تقديم بعض الأمثلة للكرة القدم ومنهم بوراس، حميد، بوكادوم حفيظ ...الذين تمّ استدعائهم للفريق الوطني، أمّا بالنسبة للمُلاكمة فنذكر زعلاني، نورالدّين، ساعد حميدش رضوان.

[24] Bouet Michel (1998), Question de sportologie, Paris, l’Hamattan, p. 11.

[25] يُمكن تقديم مثال حول المرمى الصغير الذي يُعتمد عليه في إجراء مقابلة مصغرة في كرة القدم مع مراعاة الشروط المحددة مُسبقا. مثل هذا الشكل من الرياضة هو الأكثر شعبية و لا يبدو أنه الوحيد.

[26] تمثل أيام الخميس والجمعة والعطل مدفوعة الأجر فترات امتلاء الملعب البلدي للشباب، وأثناء ذلك يمكن متابعة أشكال التفاوض من أجل تقاسم أماكن اللعب.

[27] Tessier, S. (1995). De l’enfant des villes à l’enfant des rues, in : Langages et cultures des enfants de la rue. Paris, éds. Kartala, p. 40.

[28] « Le faire est moins important que l’être ensemble », in : Lalive d’Epinay, Christine, Loisir : dynamique et différenciation sociales, in : Société (revue des sciences humaines et sociales), n° 32, 1991, éds. Dunod, p. 166.

[29] Kokoreff, Michel. Jeunes et espaces urbains. Bilan des recherches en France, 1977-1994, in : Sociologie et société, vol. XXVIII, n°1, printemps 1996, p.159-176.


خولة طالب الإبراهيمي



"تبدو المدينة العتيقة المعروفة باسم القصبة، كأنها تحفة بيضاء. ومن بعيد تلوح هذه المشاهد لناظرها كأنها باخرة تتأهب للإرساء بشاطئ المدينة. كما أن الإنارة التي تضيء أزقتها زادتها رونقا وجمالا، تبدو وكأنها حزاما وضع على جوانبها، وهو محاط بمجموعة من العمارات المستوية المواقع، التكعيبية الشكل ذات التصنيف المعماري الأوروبي وهي بذلك تشبه جحافل من جيوش نابليون وهي تحاصر عدوها لتقطع أمامه طريق النفوذ إلى واجهة البحر. إن المشرق والمغرب يتصادمان في حاجز من المتناقضات. الجزائر، التي تولدت عن الرجال والبحر والشمس، مدينة الصراعات وخلاصة المزج، في احتضان فريد، لمزيج من الثقافات والعادات جعلتها تكتسي حلة ذات الملامح المتوسطية الأبية."

Mohamed Badaoui, (1995), « Alger ville de synthèse » in Tassili, n°1.

مقدمة

الجزائر البيضاء، الجزائر الإفريقية التي ترعاها سيدتنا الإفريقية، الجزائر البربرية لبني مزغنة الحرة والمتمردة، الجزائر العربية والتركية والموريسكية، وجزائر القراصنة الرياس، وجزائر القصور الجميلة وفوارات الماء الدافقة (جمع عين) الجميلة، الجزائر الأوروبية ذات البنايات الجميلة والشوارع الفاتنة ذات الأقواس الهاوسماتية، الجزائر مدينة المتناقضات، مدينة ذات الأعالي والمنحدرات، المدينة المتعددة الطبقات والتي مركزها (ولنقل قلبها) الممزق والمجروح يأبى الرضوخ للألم والمعاناة.

جزائر القصبة الأبية و"باب الوادي الشهداء "[1]، بلكور الثورة الشعبية تلك الأحياء الشعبية التي تحاصرها بالأحياء الأنيقة والثرية أحياء المرتفعات : حيدرة والأبيار لكنها تختنق تحت وطأة الضواحي والنزوح الريفي المتعدد ذلك الذي يصفه عبد المجيد مسكود في أغنيته "العاصمة" الجميلة والحزينة في نفس الوقت[2]. الجزائر، وعاء بؤس هذا البلد الشاسع وثرواته التي لا تنضب.

العاصمة، الصورة المصغرة للجزائر الوطن، حيث تتعايش كل اللغات واللهجات، تتصادم وتتداخل وتتعارض وتتزاوج في انصهار سمته التعددية، انصهار يمقته أعل العقد والحل وحراس القانون وأصحاب اللغة والفكر الوحيدين.

إنّ تعددها اللغوي لا يشاهد فحسب، بل يسمع ويدرك إدراكا شبه مادي نظرا لوجوده الكثيف في جدران الشوارع ومن على اللافتات والملصقات، داخل المقاهي والأسواق، في صمت البيوت، في المدرسة، وفي كل مكان يجري فيه التواصل ويسير ويبوح اللسان بالمباح وغير المباح.

بالجزائر، يوجد حي باب الوادي[3] الحي العاصمي عنوان العاصمة، الحي عنوان الشباب والثورة، عنوان آمالهم ومعاناتهم. باب الوادي حي للأقدام السود في عهد الاستعمار، كما يشهد على ذلك معماره، نزح إليه بعد الاستقلال السكان المسلمون من الأحياء المجاورة، خاصة منهم سكان القصبة، حي خلده مرزاق علواش في فيلمه الأخير Bab el Oued الذي امتداد ليوميات الباب الوادي التي شرع في تصويرها في فيلمه الخالد عمر قتلاتو سنة 1976 هو حي الشبان المعروفين بالرجلة الهوزية[4]، مثل موح باب الوادي، الماهر في استخدام الخنجر وشرب النبيذ الأحمر، والذين يتكلمون تلك اللغة المتميزة. هو حي الإسلام السياسي المظفر في بداية العشرية الأخيرة للقرن الماضي، حول مسجد السنة وشخصية علي بلحاج[5] يبدو أن هذا الحي يختصر في مبانيه وسكانه تعدد وتنوع الجزائر العاصمة وتناقضاتها.

أردنا أن نفهم وأن نشاهد معالم الجزائر التعددية والجزائر المتعددة اللغات، وباب الوادي الذي هو في نفس الوقت حيّ الأسطورة والحي الأليف المحبوب لدى سكانه وسكان العاصمة، باستماعنا إلى حديث الشبان. فمن أجل ذلك عدنا لاستماع بعض تسجيلات الحصة الإذاعية « sans pitié » "دون شفقة"، الحصة المشهورة للقناة الإذاعية الثالثة، التي أنتجها وقدمها أحد أبناء باب الوادي، محمد علي علالو[6].

وقد طلبنا من إحدى طالباتنا في قسم الماجستير والقاطنة بباب الوادي أن تتكفل بدلا عنا بتسجيل شباب هذا الحي، لأنه تعذر علينا القيام بذلك شخصيا نظرا للظروف التي كانت سائدة آنذاك.

انصب اهتمامنا في هذا المقال، وبصفة خاصة، على تسجيل حديث مطول، جرى بين مجموعة من شباب باب الوادي، أثناء إحدى الليالي الحارة لشهر أوت بالعاصمة وهم أربعة : محمد ويوسف ومحمد ومصطفى، منهم العامل والبطال. (أثناء الحديث كان يلتحق بهم شبان آخرون بالتناوب)، يلتقون في محل أحدهم (وهو حانوت صغير)، يتناولون بعض المشروبات ويتحدثون، محاولة منهم لقضاء الوقت، في زمن العنف ومنع التجول .

عمّ وكيف يتحدثون ؟ هذا ما سنحاول الكشف عنه بالاستماع إليهم.

عمّ يتحدثون ؟

عن حياتهم، عن الحياة بصفة عامة، بلغة فريدة نحاول أن نرسم حدودها في القسم الثاني من هذا المقال، عن العالم المحيط بهم، عن علاقـاتـهـم بالـغـيـر (الآخر أي الأجنبي، الآخر أي غير العاصمي والآخر أي المرأة)، نجدهم يبلورون رؤية تشاؤمية مخلوطة برغبة ملحة في العيش الكريم والمناسب لطموحاتهم. إنهم يتحدثون عن كل شيء في الحياة، عن العمل، عن أوقات الفراغ، عن الفتيات، عن المدينة، عن الظروف التي كانت سائدة والتي أخذت حصة الأسد في كلامهم. في بداية حديثهم، نعلم أننا في 1996، في شهر أوت، إنه فصل الصيف، الحياة صعبة، الناس متعبون "عام مزير، crispé الواحد راه عيان"، ما العمل إذن.

يلي ذلك حديث مطول عن العطلة وأوقات الفراغ. هذا الموضوع يستحوذ على الموضوعات الأخرى. ما العمل لملء الفراغ، في السهر والسمر، في الخرجات ومعاكسة الفتيات،"profiter"، اليوم كل شيء غالي،"il n’y a pas de moyens" لـكـن رغـم ذلـك، لو يـعـود الأمـن، "لــو كــان الــدنــيـا" tu peux créer ton petit monde stable !".

صار كل ذلك مستحيلا اليوم، الظروف الحالية لا تسمح بذلك. هذه الظروف هي في نفس الوقت المعاناة، البطالة، انعدام العمل :

" الواحد نهار كامل وهو واقف"أحنا عايشين période شويا le moral عيان وللينا ماشي اعباد واحد ما يبوجي ما يدير والو le couvre-feu خلق  une mentalité, le taux de  natalité طلع و le taux de mortalité طلع وعلاشparce que  طاح شانا أحنا فهاذ لبلاد" إنه الوضع الأمني، ولكن أيضا الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، قلبت القيم يقولون. إنه زمن المال، المال السلطة "المادة" (المادي المقابل للروحي) المال الذي يعطي البشر الجاه ويجلب إليهم الاحترام حتى ولو لم يكونوا أهلا لذلك".

مقطع لافت للانتباه ذلك الذي يعرضون فيه صورة المعلم "شيخ لمسيد" وأصحاب الشهادات العاطلون عن العمل (حتى الأطباء منهم)، بمقابل "البزناسي" صاحب المال الوفير الذي غالبا ما يكون قد فشل في المدرسة.

هذا القلب في القيم - كما يقول محمد الذي يبدو محور المجموعة والمحاور الرئيسي فيها - الذي يجعل الناس "indifférent hypocrite تعلمنا هطيك انتاع أخطيني خاطيني أخطي راسي"…"اللهفة"

من أين كل هذا ؟ إنهم النازحون من خارج المدينة، غير العاصميين، الريفيون النازحون من القرى نحو المدن، هم الذين يجهلون معنى المدنية والمدينة، إن للمدينة شروطًا "شروط باش نسكن فلمدينة"… هؤلاء الذين لا يحترمون قواعد المدينة، المعايير "الحرمة"، ويجد المرء نفسه يغني نغم مسكود بالعبارة التي جلبت له المتاعب والانتقادات اللاذعة "الزحف الريفي جاب غاشي"، كيف صارت  العاصمة يا للروع "دشرة"[7]، لاحظ كيف تتحول بمناسبة عيد الأضحى .

ثم الجزائر، ما الجزائر؟ دزاير تبدا في Saint Eugène تروح Notre Dame جوز لبوزريعة السكالاة، تحبط لهنا حيدرة[8] خطينا انتاع القور لابيار تحبط بلكور كانت الحراش ماشي دزاير نروح للحراش نحس روحي في بوفاريك". الغريب في الأمر أن تحديدهم ذلك لحدود العاصمة يتوافق وتحديد محمد بدوي الذي أوردنا نصه في مقدمة المقال. هذه هي الجزائر، لا غير، سكانها هم القاطنون في هذه الأحياء "أحنا أولاد دزاير انتاع الصح ما عندناش اللهفة قناعة عندنا". إنهم حضريون، يتقنون أنماط العيش الحضري، يعرفون قواعد الحرمة والحشمة، إنهم ليسوا شرهين، إنهم يتأسفون من تدهور سلوكات الناس في الشوارع والحافلات والشواطئ، تحدث أشياء "العجب"، ويلي ذلك حديث كله سخرية وتهكم عن ذلك الرجل الذي يمشي دون أن ينتبه لأولاده وزوجته "ارر يمشي برك".

حتى الرياضة كرة القدم، و"المولودية" المحروسة لم تسلم، فقد لوثت ورشيت، قبل هذا كانت كرة القدم رياضتهم المفضلة. كانوا يعملون كالسويديـين "الخدمة سويدي"، أما الآن فقد أفسد المال كل شيء "دخلو فيها الكلفات لحسابات…el boulitik…". وإذ هم يعبرون عن تمسكهم بفريقهم المحبوب، إلا أن ذلك لم يمنعهم من مقارنته بفريق اتحاد العاصمة الذي سلم من نفس المتاعب[9]. ظلت كرة القدم الرياضة الأكثر شـعـبية "نحب sans pitié el foot"، إن المباريات التي تجري بين الفريقين تثير حماسا كبيرا حتى ولو "ما داروا والو".

إذن بعد أن ضاع كل شيء، لم يبق إلا البرابول (الهوائية المقعرة)، هذه النافذة على الخارج، حلم الحياة الراغدة، "عيشة seul loisir…ailleurs تشوف فلام". نعم، لكن هذه التلفزة التي تمطرنا بوابل من الأفلام والمسلسلات العربية والأمريكية والبرازيلية، خلقت لنا مشاكل "كاين بزاف les jeunes وكاين بزاف les tabous"، لا نستطيع أن نشاهد كل شيء مع العائلة، هناك الكثير من الطابوهات والشبان يشعرون بالضيم والكبت القاتل.

وكل هذه النساء، خاصة منهن العازبات اللواتي تحلمن "de devenir كما هذوك elle rêve trop تشوف فلم انتاع مصرDallas, les feux de l’amour  تعرف واش قالي واحد على حسب ما راني نشوف أنا كاين بزاف أنسا عندنا تحب تلبس شغول لهيه تقطيعة تحفيفة انتاع لهيه وتزيد جيب عقلية انتاع لهيه".

إنّهم يستنكرون كل تلك المظاهر ويعبرون عن خوفهم من التغريب الذي يطال المرأة الجزائرية، هذه المرأة التي يقولون إنها تلعب دورا هاما في المجتمع، مثل موضوع المرأة - تلك الحاضرة    الغائبة - هو الموضوع الكثير الورود في حديث الشبان، المرأة ربة البيت وراعيته "تكون عندك امرأة فحلة « tsauver » حياتك"، مبهمة ومفارقة تلك هي صورة المرأة التي يعرضها شبابنا، صورة مثالية للمرأة التي يريدونها متعلمة ومتقدمة دون أن تفقد روحها بتقليد المرأة الغربية الغريبة عنا وعن تقاليدنا "عندنا تقاليدنا عقليتنا" يقول مصطفى "أنا ما عنديش الحال قالي باش توللي تعاند القورية نجيب قورية".

نلاحظ أن خطاب هؤلاء الشباب كله وتقريبا في جل الموضوعات التي تناولوها، مبني وفق بناء ثنائيّ : هنا،"دزاير" والجزائر (الوطن) ولهيه فرنسا، "في لوروب فلمريكان" و"احنا ولاخر" والأجانب وغير العاصميين وأخيرا بكري (الماضي) " دوق دركة دوكة" (اليوم) في شعور يكتنفه الحنين إلى زمان ولى، زمان باب الوادي الشواطئ والبنات والشمس، زمان الحومة[10] والحرمة، شعور بالندم لأن العيش مختلف عما هو في بلدان برة، عيش مرغوب وممنوع في نفس الوقت لأنه مرادف للاستلاب وضياع النفس والهوية. كيف السبيل للرجوع لأيام زمان حيث كانت "دزاير هي دزاير انتاع الصح؟"

ولكن كيف يعبرون عن هذا الحنين وهذا الضيق المشوب بأمل قوي في غد أحسن وأسعد يجد فيه كل واحد منا مكانه ؟ بعبارة أخرى كيف يتكلمون؟

يتكلمون ؟

لقد قيل الكثير عن لغة الشباب الجزائري عامة، وشباب العاصمة بصفة خاصة، كثيرون هم الذين يرغبون في جعلها لغة الجزائريين "اللغة الجزائرية" كما يقولون.

نحاول في ما تبقى من هذا المقال أن نرسم حدود هذه اللغة قبل أن نحاول وصفها. لأن ذلك يتطلب منا أن نجيب عن مجموعة من الأسئلة تتطلب تحليلا أكثر انتظاما للغة هؤلاء الشباب في محاولة تشبه تلك التي قام بها اللغوي الأمريكي وليام لابوف مع لغة الشبان السود في مدينة نيو يورك[11].

بعد إصغائنا لتسجيلات الحديث الذي جرى بين محمد وأصدقائه، هذا وقد استعنا قبل ذلك بالرجوع من جديد إلى التسجيل الذي كنا أجريناه لحصة« Sans pitié »  ليوم 12 أفريل 1990 وأغاني بعض المطربين الجزائريين أمثال حميدو، KG2[12]، باعزيز، عبد المجيد مسكود...) .

يمكننا أن نفترض افتراضا أوليا يفضي أن لغة الشباب العاصمي تتكون من ثلاث طبقات تذكرنا في بنيتها بفضاء العاصمة العمراني الذي عرضناه في بداية هذا المقال.

الطبقة الأولى : التي تمثل نواة اللغة حيث تتمحور حولها الطبقات الأخرى وهي التي يمكن أن نسميها اللغة العاصمية، لقد رغبنا في تسميتها اللهجة العاصمية القديمة ولكننا لا نعرف إن كان هناك فعلا لهجة عاصمية جديدة، لذلك آثرنا استخدام مصطلح العاصمية باعتبارها لهجة مدينة الجزائر، لهجة سكان العاصمة، وهي تختلف في العديد من خصائصها الصوتية والمعجمية والتركيبية أحيانا، معنى اللهجات الأخرى للجزائر الوطن. والواقع أننا استعنا بمعرفتنا لهذه اللغة لأننا ولدنا بالعاصمة.

إن هذه الطبقة تتميز، بصفة أساسية، بمعجم خاص ومتميز، وتصويري،  يستلهمه المتكلمون من المحيط الذي يعيشون فيه، وكذلك بعبارات متوارثة جيلا عن جيل، تنطق في نبرة مفخمة ومضخمة خلدها موح باب الوادي تلك الشخصية المشهورة. احتوى حديث الشباب العديد من هذه الكلمات والعبارات، نذكر بعضها مثلما التقطناها في التسجيل :

         *"بوقلاق" أي القلق،

         *"الطوايش" أي الأعمال الطائشة،

         *"كح كحه"أي هيا هات المال،

         *"القرنيط" نوع من السمك يقال عن الرجل الشرير،

         *"المقنين" طير صغير يقال عن الفتى الوسيم،

         *الجايح" أي المغفل،

*"يا الخو" ربما يا صاحبي،تعبر عن العلاقات الودية التي تربط الأصحاب وتستعمل أيضا لمناداة الشخص احتراما له،

         *"عفسة اعفاسي" أي حيلة من الحيل،

         *"يمرڤ" أي اكتشف اللعبة،

         *" ضاقتلي" أي لم أعد أطيق، أشعر بالضيق.

نجد بعض العبارات العاصمية المتميزة، بنطق خاص لهوي مفخم مثال ذلك "تقعد في الخير" وهي عبارة تعبر عن الاحترام، ندعو فيها الشخص إلى الجلوس، كذلك "إذا ما يقيمش روح" بمعنى إذا لم يحترم نفسه لن يحترمه الآخرون.

أثناء الحديث، عندما كان هؤلاء الشبان في نقاش حول احترام الزبون ويستاءون من انقلاب القيم، يروي لهم محمد نكتة بخصوص سيارات الطاكسي وسائقيها. سنقدمها كما هي، لأنها تمثل بوضوح لغة هؤلاء الشبان العاصميين، تصور أحسن تمثيل الخصائص الأساسية لما أسميناه اللهجة العاصمية، فإنها قد برزت بقوة في هذه المقطوعة. "نحكيلكم انتاع الطاكسيور ،أركبنا أنا أو صاحبي صباح أركب واحد أجون استغفر الله… أركب واحد أجون … أركبنا … الطاكسيور هو déjà  خامج الطنوبيل انتاعو خامجة حشاك (يعزك الله) أركب واحد مضروب من وتشو يحكيو على السركاجي على بالك يا الخو هكذايا السنين هكذايا موشم وأنايا كمية البارح مليحة سهرنا في هذيك دار العالية … أنا تقلقت الحق تقلقت … أحبط أركب جون propre داير الريحة  parfumé شعره bien حطة style أحبط واش قالي الطاكسيور … قالي داير الريحة شغول  madama قلت لو لآلا."

تعتبر هذه المقطوعة نموذجا حيا  للغة الشباب العاصمي لكونها تحتوي على مختلف الطبقات التي تكونها فالكلمات الخاصة باللهجة العاصمية المذكورة "يالخ" أي يا أخي، "أحدايا" أي بجانبي، "وتشو" تنطق هذه الأخيرة  بإدغام حرفي التاء والشين تنوعا لهجي للجيم والهاء الموجودتان في الكلمة الأصلية (وجهه) ليصيرا تشينا، "على بـالـك" أي فـي عـلـمك، "كمية" للمقبلات من المأكولات و" حطة" أي أناقة.

الطبقة الثانية يمثلها المتن المعجمي والنظام النحوي المشتركان بين كل اللهجات العربية، وهي التي تشكل، في الواقع، البنية النواة Matrice لكل اللهجات العربية من حيث أن نظام الجملة القياسي محترم في أساسه وأن العديد من الكلمات متشابهة.

هذا من جهة ومن جهة أخرى، كنا قد افترضنا ظهور بصمات تأثير المدرسة أو اللغة الفصحى (اللغة المكتوبة) التي اتسعت رقعة تعليمها مع تقدم حركة التمدرس[13]، على لغة هؤلاء الشباب، إلا أنه يبدو، من خلال تسجيلنا أن هذا المستوي (اللغة الفصحي) لم يظهر بصفة بارزة، باستثناء عبارة "تلعب المرأة دورا مهما في المجتمع" التي على الرغم من بنائها الصحيح  تمثل في رأينا صورة من صور التأثير القوي لوسائل الإعلام الرسمية والقنوات الإعلامية المسموح بها على لغة العامة من الناس فما بالك بالشباب.

أما فيما يخص ما سجلناه من كلام هؤلاء الشبان فيتجلى تأثير اللغة الفرنسية، وهي اللغة التي تعلموها منذ سن الثامنة في المدرسة (اللغة الفرنسية تدرس ابتداء من السنة الرابعة من التعليم الأساسي) والتي يستمعون إليها منذ صغرهم وهم يعيشون في بيئة مزدوجة اللغات، إن لم نقل ثلاثية اللغات ولو لم نعثر على عبارات بربرية الأصل في الكلام الذي سجلناه.

تتمثل الطبقة الثالثة في لغة الشباب بإدراج اللغة الفرنسية حيث تبرز مجموعة من ظواهر الاحتكاك المعروفة باعتبارها علامات لاستراتيجيات مختلفة لتواصل المتكلمين المزدوجي أو المتعددي اللغات.

أولاها تتمثل في الاقتراض الذي يتجلى في إدراج المتكلم كلمات جديدة في معجم لغته سواء أغيرها أو لم يغيرها لتتماشى مع نظام لغته.

خلاصة

غالبا ما نجد كلمات مقترضة في لغة الشباب، تستعمل استعمالات خاصة لا يفهمها إلا هم .الدليل على ذلك، ما وجدناه في حديث محمد وأصحابه عندما نسمعهم يتلفظون بكلمتين هما normal وentik وكنا قد حللنا هاتين الكلمتين في مقال آخر. إنّ في تلك الصور المختلفة للمزج والتناقل اللغويي[14] والتسجيل غني بالأمثلة تبرز مظاهر التلاقي والاحتكاك بين الطبقات العربية والفرنسية التي تكون لغة الشباب العاصمي الذي تمثل مجموعة محمد وأصحابه عينة منه.

بيبليوغرافيا

Badaoui, M. (1995). « Alger Cité. Ville de Synthèse », Tassili magazine, Air Algérie, n°1, janvier 1995.

Benhabib, L. (1994). Bab El Oued. Témoignage d’un pédo-psychiatre, OPU, Alger.

Guettas, L. (1995). L’enfant algérien et l’école fondamentale. Essai d’analyse des compétences narratives et textuelles de l’enfant algérien de 5 à 9 ans. Thèse de Doctorat, multigraphiée, Université Stendhal, Grenoble.

Taleb-Ibrahimi, K. (1983). « Analyse et confrontation des productions langagières de jeunes algériens en milieu d’origine et en milieu d’accueil », Les Algériens en France. Genèse et devenir d’une migration. Coordonné par J. Costa Lascoux et E. Temime, CNRS, Publis-Sud, Paris.

(1993). « A propos de l’école algérienne d’Ibn Badis à Pavlov de M.Boudalia Greffou. Quelques Réflexions sur les pratiques didactiques dans l’enseignement de la langue arabe dans le système éducatif algérien », Naqd, n°5, Alger.

(1997). Les Algériens et leur(s) langue(s), Dar El Hikma, Alger.

(1998). « de la créativité langagière au quotidien. Le comportement langagier des locuteurs algériens » in  De la Didactique des langues à la Didactique du plurilinguisme. Hommage à Louise Dabène. CDL/LIDILEM, Grenoble.

الهوامش

[1] باب الوادي الشهداء، هكذا لقبت منذ أحداث أكتوبر 1988، بسبب القمع الذي راح ضحيته العديد من شباب الحي، لا ننسى أن المشادات، ابتدأت ليلة الخامس من أكتوبر 1988 بباب الوادي.

[2] عبد المجيد مسكود، مغني، أصله من حي عاصمي هو الحامة أسفل حي بلكور، عرف في الطابع "الشعبي" أي الأغنية الشعبية الخاصة بالعاصمة وضواحيها، وقد اشتهر بأغنيته عن الجزائر العاصمة التي ضيعت رونقها الأصلي.

[3] باب الوادي : حي بشمال الجزائر، محاط بحي القصبة شرقا وغربا سانت أو جين على البحر.

[4] الهزية : بمعني ذوي المزاج الخشن وبحارة ميناء العاصمة اشتهروا بتلك الصفة.

[5] علي بلحاج : أحد زعماء الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS)، وهو شخصية محبوبة لدى شباب الجزائر، بخطبه اللاذعة المنتقدة لسلطة بمسجد السنة، بباب الوادي.

[6] حصص أخرى من هذا النوع تلت هذه الحصة إلى السنة 1992-1993 في القناتين العربية والفرنسية، وقد كان ينشطها محمد على علالو إلى أن أجبر على الهجرة إلى فرنسا، في نفس الفترة وضمن نفس المنحى أنشئت إذاعتي البهجة والمتيجة على موجات F.M..

[7] الدشرة : قرية في الجبل وباستعمال هذه العبارة يعبر الشبان عن استنكارهم لترييف العاصمة.

[8] إنه لجدير بالاهتمام أن نلاحظ كيف كان ينظر شباب الأحياء الشعبية إلى حيدرة ، هذا الحي السكني الواقع بمرتفعات الجزائر، كان في الماضي حيا يقطنه الفرنسيون [Gwer] وصار اليوم حي الأثرياء، و Latchichi وأبناء الشخصيات بالجزائر.

[9] مولودية الجزائر، واتحاد الشبيبة المسلمة العاصمية، هما أكبر النوادي المشهورة والمحبوبة بالعاصمة. وكانت المولودية من أقدم النوادي المسلمة (تنافس الفرق الفرنسية أثناء فترة الاستعمار) في الثمانينات، تبنت الشريكات الاقتصادية النوادي الرياضية حيث انضوت المولودية تحت لواء سوناطراك أكبر الشريكات البترولية، ومن هنا ظهرت حسب الشبان الرشوة والمشاكل.

[10] الحومة، بمعنى الحي، ويعني أيضا الروح الجماعية لسكان هذا الحي، وتعارفهم واحترامهم المتبادل، فهم يقدرون قيم الأخلاق والحرمة.

[11] Labov, William : Le parler ordinaire, la langue dans les ghettos noirs des États-Unis.- Paris. Editions de Minuit, 1978.

[12] حميدو: مغني عاصمي معروف بأسلوبه الشباني العاصمي، KG2 فرقة شابة من المغنيين، اشتهروا آنذاك بأغنية (حشيشة طالبة معيشة) بمعنى نبتة تبحث عن رغد العيش.

[13] نحن نفترض في هذا الإطار أن الشباب غير المتقدم في السن هم الأكثر تأثرا باللغة العربية التي تعلم بالمدرسة، رغم أن الأستاذة شريفة غطاس في أطروحتها حول تحليل الملكات السردية والنصية للأطفال الجزائريين، أثبتت أن الأطفال يطورون وعيا حادا للفرق بين لغتهم ولغة المدرسة، لغة البيت ولغة المعلمة، والمؤسسة والتلفزة...

[14] Hamers J., & Blanc, M. (1981). Bilingualité et Bilinguisme, Mardaga, Bruxelles.

 


مصطفى مجاهدي : باحث دائم بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.



مقدمة

يحيل الحديث عن قدرة فضاءات الـتواصل الاجتماعي على التعبئة السياسيـة وإشعال الثورات إلى توجهين مختلفتين. ينبثق الأول من توجه تقني يفسّر الثورات بالقدرة التي أضحى يمتلكها الفضاء الافتراضي[1] في التأثير، بينما يرجع التوجه الثاني أسباب الانفجار الاجتماعي إلى عوامل اقتصادية، سياسية، اجتماعية وثقافية ولا يسند لهذه الفضاءات إلا أدوارا ثانوية.

يضع التوجّه الأول الأنترنيت على رأس العوامل التي تفسّر الاحتجاجات. تنطوي هذه عن انبهار بالقدرة الساحرة لهذه الوسيلة ويشكر معتنقوه الفايسبوك وتويتر لأنّهما كانا في مستوى تطلعات الجماهير.دفع الترويج للقدرة السحرية التي تمتلكها فضاءات التواصل الاجتماعي ببعض الملاحظين إلى الاعتقاد أن الجزائر لم تعش التجربة التونسية أو المصرية وغيرهما فقط لأن فضاءات الحوار الافتراضي مثل فايسبوك وتويتر لم تؤدي دورا يذكر في الجزائر فيما يتعلق بقدرتها على التعبئة السياسية ولم تنجح في احتواء وتجميع الإرادة وتوجيهها على شاكلة ما حدث في تونس ومصر وغيرهما من الدول العربية التي عاشت تجارب الانفجار الاجتماعي.ويبين التصريح التالي مدى الاعتقاد الذي خلّفه الترويج للقدرة المطلقة لفضاءات الحوار الافتراضي: "في الجزائر، ليس هناك جيل الفايسبوك، تويتر أو حتى انترنوت باختصار… "[2]، وكـأنّه يكفي وجود هذه الفضاءات لتحدث الثورة بشكل حتمي، ومن وراء هذا الاعتقاد انطلقت محاولات عبر فضاءات الحوار تسعى إلى التعبئة السياسية، إلا أن هذه المحاولات راهنت على معطيات لم تكن دقيقة. يبقى الآن أن نذكر بأنّ الجزائر حقيقة تعرف تأخرا في مجال انتشار الإعلام الآلي والتواصل عبر الانترنيت، إلا أنّه يجب التساؤل فيما إذا كان هذا الـتأخر هو العامل الحاسم الذي يفسّر فشل التعبئة السياسية خلال موجة الاحتجاجات؟

يرجع التوجه الثاني الغارق في منطق اجتماعي[3] الاحتجاجات إلى أسبابها الاقتصادية، السياسية والثقافية ويقلّص في الوقت ذاته من دور فضاءات الحوار الاجتماعي، لاسيما فيما يتصل بتحليل موجة الانتفاضات التي تكتسح جزءا مهما من العالم العربي. لا تؤدي فضاءات الحوار وفقا لهذا التصوّر إلا دورا ثانويا لاسيما في تقديم أي تحليل لموجة الثورات. يعتقد المتمسكون بهذه القناعة أن الثورات لا تفسر تفسيرا منطقيا إلا بالعودة إلى الظروف الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية والثقافية التي أوجدت خزان الوقود الذي أضرمها. فوجود فايسبوك أو غيابه ليس عاملا حاسما في ذلك، فهذه الشبكات ليست في النهاية إلا وسائل العصر حدثت قبلها ثورات وستحدث ربما بعدها، فهي لا تؤدي بالتالي إلا دورا مسرّعا للأحداث ولا تضفي عليها سوى لون عصرها.

يعتقد بعض الكتاب الذين تمسكوا بهذا التوجه، أنّ الوضع الاجتماعي، السياسي والاقتصادي في الجزائر لا يختلف كثيرا عمّا هو عليه في باقي الدول التي عرفت ثورات. ففي المقال الذي صدر في الكتاب الموسوم: "الربيع العربي إلى أين؟" يزعم توفيق مديني أنّ هناك تشابه في المعطيات ويدرج الجزائر في هذا التشبيه قائلا:"هذه الثورات اندلعت بسبب، ارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة الفقر، وارتفاع متوسط معدل البطالة للفئة العمرية مابين15 و24 سنة في تونس ومصر، والجزائر، واليمن إلى نحو 35 بالمائة، مقابل متوسط معدل عالمي 14,4 بالمائة، وتجاهل الدول العربية التسلطية هذه المشكلات ذات الطابع التنموي والاجتماعي، وتأثيراتها الأمنية والسياسية"[4].

إذا كان مثل هذه القراءة صائبة فيما تذهب إليه، فمن المفترض أن تتوفر لدى الشباب استعدادات تدفعهم إلى الانسياق وراء محاولات التعبئة، ومادام أنّ هذا لم يحدث وجب البحث في الأسباب التي جعلت الشباب ينأى بنفسه عن النداءات التي تداولتها مختلف المواقع على الشبكة الافتراضية خلال عاصفة الاحتجاجات التي كانت تهب على المنطقة المغاربية؟

من أجل تقديم عناصر إجابة لهذا الموضوع سنعتمد على نتائج دراسات مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية[5] التي سمحت لنا الفرصة بالمشاركة فيها ولاسيما المحور الذي يتناول علاقة الشباب بالأنترنيت، بالإضافة إلى متابعة للحوارات المختلفة التي كانت تدور على مواقع التواصل لاسيما نداءات التعبئة والردود التي أثرتها على الشبكة الافتراضية.

يقتضي تقديم بعض عناصر الإجابة إعادة تشكيل صورة واضحة عن السياق الذي جرت فيه محاولات التعبئة وتسليط الضوء على الواقع الذي واجهته هذه المحاولات، ويدفع بنا هذا إلى إثارة العناصر التالية: يتعلّق الأول بالدور المسند للأنترنيت في المجتمع وهذا يسمح بمعرفة امتداد وانتشار استعمال فضاءات الحوار الافتراضي على رأسها فايسبوك وتويتر اللـذان أحاطت بهما البهرجـة والزخم خلال موجة الاحتجاجات؛ أمّا العنصر الثاني فيرتبط بعلاقة الشباب بالفضاء السياسي ومدى الاستعداد المسبق لديهم للاستجابة لمحاولات التعبئـة. ونتـناول في العنـصر الثالث المبادرات الـتي اتخـذتها السلطات السـياسية قبـل وأثناء موجة الاحتجاجات لتأطير الشباب بما في ذلك توجيه استعمالاتهم لفضاءات الحوار الاجتماعي، ونتساءل إن كانت الأسباب ترتبط بتجربة تاريخية تتعلق بمعطيات السياق الخاص بكل دولة والتي لا تزال تتحكم في النظرة للاحـتجاج ومآله، علما أنّ الجزائر عرفت احتجاجات انطلقت في الخامس من شهر أكتوبر سنة 1988 وكان لها آثارا كبيـرة على الحرّيات العامة، منـها "تحرير" قـطاع الإعـلام، و"بروز الأحزاب (1989)" وتبعتها سنوات من العنف التي خلفت نفورا تلقيا من العودة إلى التجربة الأليمة.

وضعية الانترنيت في الجزائر

لا يمكن في تقديرنا الحديث عن أيّ دور لفضاءات الحوار الاجتماعي وانتشار استعمالها دون العودة إلى وضعية شبكة الانترنيت ومدى استعمالاتها في الجزائر. تبين الإحصائيات التي قدمها الديوان الوطني للإحصائيات من خلال عملية الإحصاء الوطني للسكان (2008)، أنّ %3,4 فقط من العائلات في الجزائر موصولة بالأنترنيت.

المخطط رقم 1 : وسائل الاعلام والاتصال في الفضاء العائلي الجزائري

 

المصدر: الاحصاء العام للسكان ((ONS :2008

حتى وإن بدا من الصعب إجراء مقارنة مع الوضعية في تونس، كون المعطيات التي يقدمها الديوان المذكور تتعلق بوصل الانترنيت بالفضاء الأسري، إلا أنّه من المهم معرفة أنه من " بين 10 ملايين ساكن بتونس، يقدر عدد مستعملي الانترنيت ب3,5 مليون"[6]، أمّا في الجزائر التي يفوق تعداد سكانها 33 مليون فلا يزيد عدد مستعملي الشبكة عن "4,5 مليون"[7]. ويوضح (المخطط رقم 01) المكانة التي يحتلها الانترنيت الذي يأتي في مؤخرة الترتيب مقارنة بباقي الوسائل الأخرى لاسيما السمعية البصرية. هذا التأخر في وصل العائلات بالشبكة لا يعكس في الواقع الحقيقي لاستهلاك الأنترنت إذا ما علمنا أنّ عدد "مقاهي الانترنيت" قد بلغ سنة 2010 ثلاثة آلاف مقهى[8]، بحيث يبقى هذا الأخير هو المكان الذي يمارس فيه هذا النشاط. ووفقا لمعطيات التحقيق المذكور يوجد فقط %32,2 من مجموع الشباب الذين يمتلكون الانترنيت في البيت، في حين يلجأ %74 منهم إلى المقهى الافتراضي، ويفسّر الطلب الشباني على هذا النشاط الذي يزاول خارج الفضاء الأسري مدى الانتشار المتزايد وحتى بشكل غير منظم لهذه التجارة المتنامية.

حدود القدرة السحرية [9]لفضاءات الحوار الاإفتراضي

تسمح قراءة للإحصائيات الخاصة باستعمالات الفايسبوك بمقارنة الجزائر بباقي الدول العربية لاسيما تلك التي عرفت احتجاجات قيل أنه كان للفايسبوك دورا فيها. تحتل الجزائر المرتبة الثامنة بنسبة %4,6، في حين تتربع على القائمة دولة قطر(المرتبة الأولى) بنسبة مستعملين تقدر بـ%59,7، تليها الإمارات العربية المتحدة بـ%42، ثم البحرين%36,9 ، بينما يحل لبنان في المرتبة الرابعة بنسبة %23,4. ومن الملاحظ أنّ الدول التي عرفت أولى الاحتجاجات لا ترد سوى في المراتب الوسطى، فتونس مثلا لا تأتي إلا في الترتيب الخامس بنسبة %20، تليها مصر بـ%16,5، ثم المغرب بـ%7,6 وليبيا بـ%4,5 واليمن في آخر الترتيب بـ%1 [10]. هذا التربيت يبين أنّه لا توجد علاقة آلية وخطية بين انتشار فضاءات الحوار الاجتماعي (مثل الفايسبوك) وحدوث الثورات، بدليل أنّ الدول التي حدثت فيها ثورات لم تكن في مقدمة الترتيب.

وفي غياب هذه العلاقة لم يكن لنداء "الشباب الجزائري غير المنتسب لأي حزب سياسي، أو مؤسسة عسكرية أو تيار أجنبي، وحريص على مستقبل البلاد لمسيرة يوم 19 مارس من البريد المركزي إلى مقر الرئاسة"[11] أي حظوظ لبلوغ الأهداف المرجوة ولم تكن المراهنة على فضاءات الحوار الاجتماعي صائبة، ولم تثار بالمقابل اللعبة الاقتصادية والاشهارية التي كانت وراء ذلك. وما دامت العلاقة بين انتشار فضاءات الحوار الاجتماعي واندلاع الاحتجاجات غير واضحة من خلال المعطيات الميدانية، فلا يمكن بالتالي تفسير عدم انتشار الاحتجاجات في الجزائر بقصور هذه الفضاءات.

يبقى الآن أن نتساءل، إن كانت هناك علاقة جلية بين انتشار فضاءات الحوار الاجتماعي (مثل الفايسبوك وتويتر) ولماذا أحاطت بها كل البهرجة؟ من المعلوم لدى الجميع أن هذا المشروع مكّن مارك زاكربارغ أن يصبح الملياردير الرابع عشر في الولايات المتحدة  بثروة قدرت بسبعة عشر مليار دولار ولم يبلغ بعد الثلاثين سنة، وكثيرا ما يسوّق هذا الشاب الأمريكي على أنه مثل يقتدي به شباب العالم ويبجل لأنه وضع في خدمة الإنسانية القوة التحريرية لشبكته. يغفل البعض الآخر على أن استعمال عبارة " شبكات التواصل الاجتماعي"، هي تسمية تخفي الأبعاد التجارية، السياسية والإيديولوجية[12] لهذه الشبكات.

مراقبة فضاءات الحوار الاجتماعي

أثار الحديث حول دور فضاءات الحوار وقدرتها على إشعال فتيل الاحتجاجات ردود أفعال تجاه الفايسبوك والتويتر. فلئن كانت هذه الفضاءات مصدر إعجاب في البلدان التي حدثت فيها احتجاجات، فإنّ الأمر على خلاف ذلك في دول أخرى، إذ ينظر لها على أنّها سلاح ذو حدين يتوقّف ذلك على كيفيات استعمالها، فقد تكون مثيرة للبلبلة والفوضى وخلق عدم الاستقرار، وقد تؤدي أدوارا ايجابية . هذا ما يمكن أن نستخلصه من تصريحات المشاركين في اليوم الدراسي الذي نظمته لجنة الشباب، الرياضات والنشاط الجمعوي في البرلمان في ماي 2011 تحت عنوان : "فضاءات الحوار الاجتماعي على شبكة الانترنيت"، حيث صرح آنذاك وزير الشباب والرياضة قائلا:

"إن فضاءات الحوار الاجتماعي مثل فايسبوك وتويتر يمكن أن تكون حلا".

ولدرايته بالفجوة الموجودة بين الشباب والمجتمع وما يضمره هؤلاء من إحساس بالتهميش، أردف قائلا:

"بمعزل عن بعض السمات السلبية، ففضاءات الحوار الاجتماعي يمكن أن تلعب دورا في المسائل المتعلقة بالتواصل بين الأجيال، بين الإدارة والمواطن وحتى داخل الجمعيات، التنظيمات والأحزاب السياسية، بمعنى إشراك هذه الفضاءات في تدعيم قيم المواطنة وخاصة في صيانة الهوية الوطنية".

يهدف هذا الخطاب إلى توجيه استعمالات فضاءات الحوار الاجتماعي نحو المشاركة في" تعميق عملية التغيير التي انطلقت فيها الجزائر"، وتعكس وجهة نظر السلطة السياسية الساعية إلى المحافظة على الاستقرار الضرورية للتنمية، وعليه وجب إشراك هذه الفضاءات في المحافظة على الاستقرار المنشود. انطلقت من هنا وسائل الإعلام الثقيلة في حملة تقدم للشباب ما تراه السلطة: "استعمال أمثل لفضاء الحوار الاجتماعي". لم تلق هذه النظرة التي تبنتها السلطة لأدوار فضاءات الحوار الاجتماعي إجماعا من قبل فئة من الشباب التي عبرت عن آراء مخالفة عبر الشبكة.

المبادرة السياسية: "الاستشعار المسبق"

يمكن تصنيف تدخلات السلطة العمومية قبل مرحلة الاحتجاجات (أثناءها) في عنصريين. يتعلق العنصر الأول بالبرامج[13] المختلفة التي وضعتها السلطات العمومية لفائدة الشباب والتي كانت قد انطلقت مبكرا أي قبل هبوب رياح الاحتجاجات على المنطقة. أمّا المستوى الثاني فيعكس التوجس الذي ساد أنداك من خطر فضاءات الحوار الاجتماعي مما استدعى التدخل في توجيه استعمالات الشباب للأنترنيت على رأسها مواقع الحوار الاجتماعي والذي ترجمه شعار "الاستعمال الأمثل لفضاء الحوار الاجتماعي" الذي لقي الدعم من قبل وسائل الإعلام الثقيلة مثل التلفزيون مما يعكس التخوف من قدرة الفضاء على تحريك الشارع.

انطلقت المبادرة السياسية في حقيقة الأمر مبكرا، ففي 2006 وبمناسبة اللقاء الحكومة/الولاة أواخر سنة 2006 طرح "ملف الشباب" بقوة إثر تنامي ظاهرتي "الحرقة" وانتشار العمليات "الانتحارية" التي كان وقودها الشباب. كانت الحصيلة السلبية التي خرج بها المشاركون آنذاك بمثابة جرس إنذار سمح للسلطات العمومية بتدارك الأوضاع ولو جزئيا قبيل انطلاق موجة الاحتجاجات. ففي الوقت الذي كانت تهب فيه رياح الاحتجاجات على المنطقة، كانت الاجراءات التي اتخذتها السلطات العمومية قد عرفت طريقها إلى التجسيد الفعلي وجلبت إليها فئة واسعة من الشباب لاسيما تلك المتعلقة بدعم تشغيل الشباب (أكثر سرعة في معالجة الملفات، امتيازات خاصة بالضمانات وتمويل المشاريع...). سهلت هذه الوضعية للمسؤولين احتواء الوضعية من خلال تنظيم "الجلسات العامة للمجتمع المدني" التي شارك فيها أكثر من ألف شاب يمثلون مختلف التنظيمات. لا شك أن هذه المناسبة سمحت لهم بالتعبير بكل حرية عن رؤاهم ومطالبهم المختلفة في قصر الصنوبر (دون أن تستوعبها فضاءات الحوار الاجتماعي)، ولكنها سمحت في الوقت نفسه للسلطات العمومية بتحويل الاحتجاجات نحو فضاء يسهل مراقبته واحتوائه، وسد السبل أمام محاولات استغلال الغضب الشباني في تلك الظروف الاستثنائية وتوجيهه في مسارات أخرى تفضي إلى المواجهة. وإستفادت هذه الجلسات من تغطية إعلامية كبيرة كانت تهدف أصلا إلى انخراط الشباب الذي لم يشارك مباشرة في الحدث من خلال متابعة الأحداث عبر وسائل الإعلام. من بين المسالك التي تم التركيز عليها مباشرة بعد هذه الجلسات يبرز برنامج الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب حيث سجلت مصالح هذه الأخيرة إيداع 360.000 ملف خلال 2011 أي ما يعادل زيادة قدرها %1000 مقارنة بالملفات المودعة سنة 2001.

الشباب: مواقف متعارضة على الشبكة

لا تتعلق الأدوار التي يمكن أن تؤديها فضاءات الحوار الافتراضي فيما يخص التعبئة فقط بالعناصر التي ذكرناها سابقا، وإنّما يجب العودة كذلك الاستعمالات المسندة اجتماعيا وثقافيا للشبكة العنكبوتية وضعف التوظيف السياسي لدى الشباب المرتبط أصلا بتراجع انخراطهم في الحياة السياسية، وبالتالي فالمواقف المتعارضة على فضاءات الحوار الافتراضي لم تكن تعني سوى أقلية من الشباب، ويبقى أن نشير إلى الصعوبات التي تنجم عند التعامل مع النص، فهذه الكتابات يبقى منتجوها في كل الأحوال شخصيات افتراضية، إذ الشبكة نفسها تحرر الكاتب من هويته إذ بإمكانه أن يصنع لنفسه أي هوية شاء.

مكانة السياسة في اختيارات الشباب على مواقع الانترنيت

تبيّن طبيعة المواقع التي يتم زيارتها من قبل الشباب (تحقيق 2006) على الشبكة الافتراضية تدني الأهمية المولاة إلى المواقع ذات المحتوى السياسي، فمن بين مائة شاب من الجنسين مسهم التحقيق عن طريق المقابلة لم يذكر سوى ثلاثة منهم اهتمامهم العابر بالمواقع السياسية. كانت الاختيارات متجهة أكثر نحو المواقع التي توفر المعلومات. ويبين التحقيق الذي أجري بالمقاربة الكيفية باستعمال المقابلات أنّ الشباب البطال ذو المستوى التعليمي المتدني يهتم أكثر بالمواقع التي توفر معلومات ذات صلة بالعمل في الخارج، الزواج بالأجنبيات إلى غير ذلك مما له صلة بالهجرة، في حين يصرّح طلبة الجامعة والثانوية أن ما يهمهم أكثر على المواقع هي المعلومات العلمية أو تلك التي لها صلة بالثقافة العامة.

وليس هذا النفور من المواقع السياسية على الشبكة سوى انعكاس لواقع العلاقة الفعلية التي يبنيها أفراد المجتمع مع الفضاء السياسي، فقد بيّنت نتائج الاستطلاع الذي مسّ 12 دولة عربية
- من بينها الجزائر - تدني الاهتمام بالسياسة، حيث أنّ %39 غير مهتمين تماما بالشؤون السياسية في بلدهم، %41 مهتمين قليلا، و%2 أعربوا عن اهتمامهم البالغ بالشأن السياسي[14].

ويؤكد التحقيق الذي أجرته الجمعية الموسومة "التجمع لحركة الشباب" بالاشتراك مع إيكوتكنيكس خلال تشريعيات 10 ماي 2012 هذه المواقف المتحفظة وتراجع ثقة اتجاه المترشحين مما ينعكس على علاقة الشباب بالحقل السياسي. وهذا النفور للشباب من الحقل السياسي ليس ظاهرة مستجدة على الفضاء العام، فقد سبق أن بينت نتائج التحقيق الذي أجري سنة 2004 عن طريق الاستمارة والذي مسّ 500 شاباً من وهران أنّه ما يقارب %12,7 فقط عبروا عن اهتمامهم بالسياسة ولكن لا يعني ذلك بالضرورة انخراطهم في تنظيماتها رسمية[15].

ولم تشر نتائج التحقيق الذي أجري في الجزائر العاصمة إلى أي اهتمام من قبل الشباب بالمواقع ذات المحتوى السياسي، بل مهما كان الاختلاف بين المنطقتين التي أجري فيهما التحقيقان إلا أنّ هناك تشابه في الخيارات المتعلقة بالمواقع على الشبكة، إذ أنَّ: "%68 من الشباب العاصمي يستعملون الانترنيت للحصول على المعلومات، %43,3 للاتصال، %32,3 لنسج علاقات الصداقة، %29,5 يستعملونه للعب، %12,1 للبحث عن العلاقات العاطفية"[16].

وكما نلاحظ، فالسياسة غائبة مجملا بوصفها اهتماما شبانيا على الأنترنيت، وهو ما يؤكد انسحاب هذه الشريحة من الفضاء السياسي مهما كان اهتمامها بالأحداث السياسية، إذ يتابعون باهتمام كبير مجريات أحداث الاحتجاجات في بعض أقطار العربية لاسيما دول الجوار، إلا أنّهم منسحبون من التواجد ضمن الأحزاب، والجمعيات وغيرها من التنظيمات ذات صلة بالنشاط المنظم. لم تكن لدعوات السياسية للاحتجاج التي تداولتها الصفحات على الشبكة الافتراضية حظوظ كبيرة في إنجاح التعبئة التي سعت إليها أمام هذا الانسحاب للشباب من الفضاء السياسي وضعف الارتباط بمواقع الحوار الاجتماعي، وفضلا عن هذه المعطيات الموضوعية كان للمبادرات التي تبنتها قبل مرحلة الاحتجاجات وأثناءها آثار هامة في فشل حملات التعبئة.

أفرز السياق العام وجود مواقف متعارضة فيما يخص التعبير عن الاستعدادات للتعبئة الخاصة بالدفع إلى الاحتجاج، فالموقف الأوّل المؤيد للتعبئة والداعي لها يمكن أن نلاحظه في التصريح التالي:

"إلى متى في الجزائر؟؟؟؟ فالأمور عندنا أسوء مقارنة بإخواننا في تونس ومصر".

يعلم كل مشتغل في حقل العلوم الانسانية والاجتماعية أنّ هذا التشبيه لا يعبر عن حقيقة علمية، إذ يقتضي ذلك الوقوف على المعايير التي تتطلّبها أيّة مقارنة علمية وموضوعية، وإنّما يعبر هذا الرأي عن مدى قدرة وسائل الإعلام على تقديم "ثورة الربيع" على أنّها "موضة" لمرحلة، ولا يجب تفويت فرصة الدخول فيها، ويفسّر هذا مدى انشغال مجموعة بالتعبئة في الفضاء الافتراضي اعتقادا في القدرة اللامحدودة لهذه الفضاءات.

أما الموقف المعارض للاحتجاج فيسوق حججا أخرى يمكن أن نقرأها في هذا التصريح الذي يقول صاحبه:

"الجزائر بخير، ليس هناك سوى بعض الطامعين، ولا يتبعهم أحد، ألا ترون ما أنجزه بوتفليقة في 10 سنوات؟ لا شك أنّ التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سينفجر، تحيا الجزائر، تحيا بوتفليقة"..." عن أي غليان تتحدثون؟ ألقوا نظرة على أكبر جريدة والأكثر ديمقراطية في العالم العربي لتعرفوا أن كلهم مع بوتفليقة، الجزائر ليست تونس أو مصر، نحن لم يكن لنا رئيسا لمدة 23 سنة مثل تونس أو 30 سنة مثل مصر، أظن أنكم تريدون الدخول في لعبة الجزيرة؟ أنتم مخطئون"[17].

توضح هذه التصريحات أهمّ الموقفين اللذان برزا في الحوار السياسي على الفضاء الافتراضي في مرحلة الاحتجاجات، بحيث يعبر الأول عن عدم الرضا عن الوضع ويستند في ذلك إلى البطالة وتراجع القدرة الشرائية ومشكل السكن ...، بينما يؤيد الثاني الخطاب الرسمي، يذّكر بالإنجازات ويرفض أي تشبيه بينما يحصل في الدول العربية التي عرفت الاحتجاجات والوضع في الجزائر، ويرى في الداعين إلى الاحتجاج مجرد انتهازيين وحتى خونة عند البعض الآخر.

لا تحدث الثورات بشكل اعتباطي، فلهذه الانتقالات شروط تحكمها، إذا كانت في بعض المجتمعات قد نضجت هذه الشروط بما يكفي فالاحتجاجات لا يمكن لا يوقفها أيّ قمع قد يمارس ضدها، وإن لم تتوفّر لدى المجتمع "شروط موضوعية" لحدوث ذلك فلا يمكن لفايسبوك أن يعوضها، فالتحولات العالمية فرضت على المجتمعات استيعاب جملة من التغييرات مرتبطة بالديمقراطية، ضمانًا حقوق الأفراد والجماعات وحرية التعبير والتجمهر وغيرها من حقوق.
لا يحدث استيعاب هذه المتطلّبات في الفترة التاريخية نفسها بالنسبة لكل الدول لأنّ السياقات المحلية تختلف فيما بينها مهما التشابه في الكثير من العناصر، فالجزائر بعد أحداث أكتوبر 1988 وما تلتها من تجارب أليمة بدأت "تخرج للتو من النفق"، ولكن هذه التحوّلات تفرض نفسها على مجتمعات أخرى في الفترة الراهنة وربما في مناطق أخرى من العالم في فترات لاحقة.

خلاصة

نستطيع القول أنّ محاولات التعبئة الجماعية على الشبكة الافتراضية في الجزائر واجهت ظرفيا على الأقل سياقا أفرز مجموعة من العوائق الموضوعية. تتعلق مجموعة منها بجوانب تقنية مرتبطة ببنية الانترنيت في الجزائر واستعمالاته التي تعرف تأخرا مقارنة بدول أخرى. ولما كان انتشار وامتداد استعمال فضاءات الحوار الاجتماعي ( فايسبوك وتويتر) مرتبط بمدى اتساع الاستعمالات عامّة للشبكة، فإنّ ذلك لم يوفر فرصا أمام هذه الفضاءات لتلعب دورا كبيرا مثلما راهنت على ذلك القوى السياسية التي انساقت وراء الاعتقاد في القوة السحرية لفضاءات الحوار الاجتماعي.

واجهت كذلك محاولات التعبئة الساعية وراء جلب الشباب إلى الاحتجاجات في الساحات العامة مبادرات سياسية كانت استشعرت مسبقا الوضعية التي تعيشها هذه الشريحة وكانت انطلقت في الترويج لبرامج تمكنت منه جلب فئات عريضة منهم إلى البرامج التي اقترحتها السياسات العمومية لاسيما فيما يتعلق بالتشغيل. هذا السبق مكّن السلطة من احتواء الشباب من خلال فتح باب الحوار حمل شرائح كبيرة من الشباب إلى التعبير والاحتجاج في فضاءات منظمة يسهل مراقبتها. وقد اتبعت السلطة هذه الخطوات بتوجيهات لاستعمالات فضاءات الحوار الاجتماعي، تدخلات اقنعت على الأقل فئة من محبي الفايسبوك وتويتر حتى وإن لم تكن كبيرة .

بقيت محاولات النداء إلى الاحتجاج رهينة الأساليب القديمة، واعتقد بعض السياسيين أنّه بإمكانهم القيام بالتعبئة، وفاتهم أنّ مختلف موجات الاحتجاج التي حدثت لم تكن لها زعامات، ولم تقم على الزعامة والكارزما التقليدية.

تفرض هذه الخلاصة العودة إلى بعض الأفكار التي طفت على السطح مع انطلاق موجة الاحتجاجات والتي بدت من كثرة تداولها من قبل وسائل الإعلام على أنّها مسلمات. من أهم هذه الأفكار الرائجة، الاعتقاد أنّ الثورة تحدث انتقالا مباشرا، آليا وآنيا إلى وضع أفضل، أمّا الثانية فتتمثل في الاستبشار والتسليم بالقدرة السحرية لفضاءات الحوار الافتراضي في إشعال الثورات والسير بها إلى نهاية المطاف، وقد تبيّن شيئا فشيئا أنّ الأمر ليس كذلك على الأقل في المدى القصير إذ أظهرت نتائج المسح الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في 2011 ذلك الشعور الذي ينتاب المواطن في تونس ومصر حول تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية بعيّد الاحتجاجات وسقوط الأنظمة. يصرح %53 في تونس أنّ الوضع الأمني أسوء ممّا كان عليه على عهد نظام بن علي، وتبدو الأمور أسوء في مصر إذ %72 من المستطلعة آرائهم يرون أنّ الوضع الأمني أسوء مقارنة بما كان عليه خلال فترة حكم نظام مبارك. يسري ذلك أيضا على المجال الاقتصادي، أين يرى %43 من المستجوبين في تونس أنّ الأوضاع الاقتصادية في البلاد أسوء ممّا كانت عليه على عهد النظام السابق، وفقط %21 يرون أنّها أفضل مما كانت من قبل، ويعبر المصريون عن تشاؤم أكبر إذ أنّ %66 من المستجوبين يؤكدون أنّ الوضع الاقتصادي أسوء الآن مما كان عليه على عهد نظام مبارك[18].

ومهما يكن من أمر هذه النتائج، إلا أن فضاءات الحوار الافتراضي برزت أو أريد لها أنّ تبرز بوصفها فاعلا في إشعال وإنجاح هذه الثورات، ومن كثرة الحديث عن الفايسبوك وتويتر اعتقد البعض أنّ الغالبية العظمى من الشعب المصري كانت عاكفة في تلك الفترة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تكن في حقيقة الأمر كذلك إذ تبيّن وفقا للمعطيات الميدانية أنّ فقط" %3 من المستجوبين في مصر ذكروا أنهم شاركوا بدعم الثورة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي"[19].

بيبليوغرافيا

توفيق مديني، "ربيع الثورات الديمقراطية العربية"، مقال صادر في كتاب لمجموعة مؤلفين: الربيع العربي...إلى أين؟ أفق جديد للتغيير الديمقراطي، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة كتب المستقبل العربي (63)، بيروت: لبنان، 2011، ص. 59.

"الشباب الجزائري بين الاندماج والتهميش"، مشروع بمركز البحث في الانثربولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران، تحت إشراف مراد مولاي الحاج، قدم التقرير في أبريل 2004

"الشباب والمجتمع في الجزائر: واقع وممارسات"، مشروع بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران، تحت إشراف مراد مولاي الحاج، قدم التقرير في جوان 2007.

-تقرير " المؤشر العربي 2011"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر 2011.

Denécé. E.  (dir.), (2012). La face cachée des révolutions arabes. Paris : Ellipses.

Aggoun, H. (2006), « L’utilisation de l’Internet en tant que moyen de communication chez les jeunes en Algérie », Algérie, Institut des sciences de l’information et de la communication en collaboration avec l’institut de sondage Imar et la société Média Marketing.

Karima, S. (2011), «l'Algérie incapable de contrôler des réseaux sociaux», http://www.algerie360.com/algerie/lalgerie-incapable-de-controler-les-reseaux-sociaux, site consulté le 28-10-2011.

Manuel Manrique, « Réseaux sociaux et médias d’information», Confluences Méditerranée, N° 79, /4, Paris : L'Harmattan, 2011.

Office National des Statistiques, 2008

Sites consultés sur Net

http://www.tsa-algerie.com/politique/ils-appellent-a-une-marche-le-19-mars-a-alger_14731.html, page Facebook dénommée pompeusement : « 19 mars 2011 : marche de la jeunesse algérienne ». Site consulté le 24/06/2011.

http://forumdesdemocrates.over-blog.com/article-mohamed-vi-et-facebook-69315250.html

http://www.jeuneafrique.com/Articl_ Reaction_detail /ARTJAWEB 2011 0204182555 /page  /2/algerie-tunisie-internet-islamismel-internet-algerien-en-effervescence-malgre-les-promesses-de-bouteflika.html

http://www.paristechreview.com/2011/02/28/revolution-facebook-printemps-arabe-futur-politique-reseaux-sociaux

هوامش

 [1]حتى وإن تغيرات الكلمات، يحيل المعنى في كل الكتابات إلى منطق القوة المطلقة لوسائل الإعلام، وهذا ما يبرز بشكل واضح في المقال الافتتاحي:" ثورة الفايسبوك: الربيع العربي والمستقبل السياسي لفضاءات الحوار الاجتماعي" أين يؤكد الكاتب أن " الفايس البوك الذي اعتبر وسيلة تسلية للمراهقين أضحى أداة سياسية من الدرجة الأولى".

Paris Tech Review, 2011, site, http://www.paristechreview.com/2011/02/28/revolution-facebook-printemps-arabe-futur-politique-reseaux-sociaux.

[2] Sam abed., 11/03/2011, 19:45:36: http://forumdesdemocrates.over-blog.com/article-mohamed-vi-et-facebook-69315250.html, Site consulté le 28-06-2011.

 [3]لا يوافق كتّاب آخرون على هذه الرؤية، وهو ما نفهمه من خلال قراءة المقال الموسوم:" الفايسبوك لم يقم بالثورة" أين يضع المؤلفان دور الفايسبوك في الثورة محل تساؤل من خلال تصريحهم بما يلي:" كم من مرة سمعنا أو قرأنا هنا وهناك أن فضاءات الحوار الاجتماعي على الانترنيت مثل فايسبوك وتويتر أسقطت الدكتاتوريين العرب، لم يحدث في السابق أن تم الجمع بين وسائل الاتصال وتحولات سياسية بهذا العمق. أضحت الثورات العربية مدينة لهذه الوسائل التي أصبحت في أعين العديد من المعلقين، الوسائل السياسية الحاسمة في التعبئة الجماهرية والجالبة للحقوق وللحريات الجديدة. هذا النوع من التفسير هو نصف الحقيقة".

Smaïn Laacher et Cédric Terzi, Mediapart, 16 mars 2011.

ويذهب مانييل مونريك  في الاتجاه نفسه في المقال الموسوم: " شبكات الحوار الاجتماعي ووسائل الإعلام".

Manuel Manrique, va dans le même sens dans son article: « Réseaux sociaux et médias d’information», Confluences Méditerranée, N° 79, /4, Paris: L'Harmattan, 2011.

[4] توفيق مديني، "ربيع الثورات الديمقراطية العربية"، مقال صادر في كتاب لمجموعة مؤلفين: الربيع العربي...إلى أين؟ أفق جديد للتغيير الديمقراطي، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة كتب المستقبل العربي (63)، بيروت: لبنان، 2011، ص  59.

 [5]المشروع الموسوم: المرأة والاندماج السوسيو - اقتصادي" مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران، تحت إشراف نورية بن غبريط-رمعون، قدم التقرير في أبريل 2006، والذي تناول عناصر متعلقة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال في الفضاء الأسري.

المشروع الموسوم: "الشباب الجزائري بين الاندماج والتهميش"، مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران، تحت إشراف مراد مولاي الحاج، قدم التقرير في أبريل 2004.

مشروع تحت عنوان: "الشباب والمجتمع في الجزائر: واقع وممارسات"، مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران، تحت إشراف مراد مولاي الحاج، قدم التقرير في جوان 2007.

مشروع بحث موسوم: "الأسرة، التربية والصحة"، تحت إشراف بدرة متسم ميموني، 2011، واشتغلنا فيه حول تحليل علاقة الأسرة بوسائل الإعلام ولآثار ذلك على الرابط العائلي.

[6] توفيق مديني، مرجع سابق، ص. 61.

[7] Karima Sebai, 2011, « l'Algérie incapable de contrôler des réseaux sociaux », http://www.algerie360.com/algerie/lalgerie-incapable-de-controler-les-reseaux-sociaux, site consulté le 28-10-2011.

[8] Semmar Abderrahmane, «  l’étau se resserre sur les cybercafés », in El Watan, Dimanche 26 septembre 2010.

http://www.algerie360.com/algerie/letau-se-resserre-sur-les-cybercafes/

[9] يذكرنا الاعتقاد في القدرة السحرية لفضاءات الحوار بنظرية التأثير الميكانيكي التي صيغت وفقا لمنطق المنعكس الشرطي عند بافلوف (حافز/استجابة)، ويمكن مراجعة هذه النظرية في أعمال هارولد لاسويل وسيرج تاخوتين.

[10] Malek Naïli, « Internet et révolution», http://kapitalis.com/kanal/36-internet/5473-internet-et-revolution-lipemed-attribue-la-palme-a-la-tunisie.html, consulté le 22- 10-2011.

[11] Http://www.tsa-algerie.com/politique/ils-appellent-a-une-marche-le-19-mars-a-alger_14731.html, page facebook dénommée pompeusement : « 19 mars 2011 : marche de la jeunesse algérienne ». Site consulté le 24/06/2011.

[12] يمكن الإشارة هنا لكتاب " الوجه الخفي للثورات العربية" الذي قراءة مغايرة للأحداث في جوانب إيديولوجية وسياسية.

Denécé. E., La face cachée des révolutions arabes, Paris, Ellipses, 2012.

[13] هذه البرامج ليست وليدة المرحلة الحالية وإنما وجدت منذ تسعينات القرن الماضي مع تعاونيات الشباب، ثم برنامج الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب، القرض المصغر، القرض الحسن، الشبكة الاجتماعية، عقود ما قبل التشغيل وغيرها.

[14] تقرير"المؤشر العربي 2011"، مرجع سابق.

[15] Makedhi. M., « Les élections n’intéressent pas les jeunes », le quotidien El Watan, n°6680 du 4 octobre 2012.

[16] Aggoun, H. (2006). « L’utilisation de l’Internet en tant que moyen de communication chez les jeunes en Algérie », Algérie, Institut des sciences de l’information et de la communication en collaboration avec l’institut de sondage Imar et la société Média Marketing.

[17] mado- 04/02/2011 à 22h:02, http://www.jeuneafrique.com/Articl_ Reaction_detail /ARTJAWEB 2011 0204182555 /page /2/algerie-tunisie-internet-islamismel-internet-algerien-en-effervescence-malgre-les-promesses-de-bouteflika.html

 [18]تقرير "المؤشر العربي 2011"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة قطر 2011، ص. 21-28.

[19] "المؤشر العربي 2011"، مرجع سابق، ص. 27.


نورية بنغبريط-رمعون : أستاذة في علم الاجتماع، مركز البحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران.

عبد الكريم العايدي:  أستاذ في علم الاجتماع، جامعة وهران 2.



 مقدمة

ترتبط التمثلات الاجتماعية للشباب، والتي يعرفها أوليفي غالون O. Galland على أنّها تعبير عن علاقة انتساب متجانس مع العلاقات التربوية والجيلية، بسيرورة متجدّدة للتنشئة الاجتماعية، وعند التساؤل حول بعض معايير العلاقات الاجتماعية لدى هذه الفئة، خصوصا ما تعّلق منها بمسألتي "الاحترام"(اتجاه الكبار) و"الولاء" (اتجاه السلطة)، يجد الشّباب في الجزائر صعوبةً في طرح أهّم مطلب لهم والمتمثل في: الاعتراف الاجتماعي بهم في جميع المستويات. ويرتبط الاستخدام اليومي لكلمة "ما قَيَمْنِيش"[1]، والأكثر من ذلك "حْقَرني"[2]، بالبحث عن الاعتراف، كما تندرجان في الواقع ضمن نموذج مرجعي أساسه مبدأ العدالة والمعاملة المنصفة باعتبارهما عنصرين جوهريين لإنتاج المعنى عند هذه الفئة في حياتها اليومية أو ضمن شبكاتها العلائقية.

يشغل الشّباب الذين تقلّ أعمارهم عن ثلاثين سنة - والذين يُعتبرون بصفة أساسية أحد أهّم ضحايا البطالة - مكانة "حيطيست"[3]، يحلُمون بالهدّة (الهجرة) ويمارسون التجارة غير الرسمية (ترابندوا). عرفت هذه الصورة النمطيّة السائدة عن الشّباب الجزائري تراجعا ملحوظا بسبب نظرة المجتمع إلى هذه الفئة فترة سنوات الإرهاب من تسعينيات القرن الماضي، بحيث ألحقت بها صفة جديدة تتمثل في "الإرهابي"، كما ساهم بروز ظاهرة الانتحاري أو "كاميكاز" في التأكيد على عدم الدراية بهذه الفئة وحدّة القطيعة معها. لقد تعوّد الشّباب، على الرغم من اختِلاف أعمارهم وجنسهم وأصولهم الاجتماعية وانتماءاتهم الجغرافية، على الانخراط في ممارسات "الشغب" تعبيرا عن رد فعل سريع ودال على عدم التوافق مع أداء السُلطات العمومية وعدم رضاه عنها ومعارضته لها.

الإطار العام للتحليل

تكشف الخطابات الارتجالية حول الشباب، والتي تقدمه في صورة نمطيّة موحّدة، عن تشوّه عميق لواقعه المتعددّ. ففي الوقت الذي يُنظر فيه لهذه الفئة على أنّها واقع اجتماعي غير فعّال، ترى نفسها عكس ذلك وتعتبر أنّها جيل (أو أجيال) مؤهّل ويملك القدرة على الاستِخلاف، وهذه القدرة مرتبطة بإدراكها للآمال التي تحملها، على الرغم من اختِلالات المجتمع والصِراعات التي تظهر في أشكال من العنف خلال فترات زمنية متقاربة. لا يستبعد هذا الأمل الشعور بالقلق بما أنّ هذه الفئة ينظر إليها أيضا على أنّها حاملة لطموحات يحتمل أن تكون مزعزعة للاستقرار افتراضيا. ومن هنا، يشكّل الشّباب وفق التمثلات الاجتماعية الواسعة والمهيمنة "فئة-موضوع"، فأدواره الاجتماعية مؤجلة "لمستقبل بعيد"، وهذا ما يؤخّر بناء مقاربة جوهرية مختلفة تضفي وضوحا عن دورها كفاعل اجتماعي في ظل التحوّلات الجارية داخل المجتمع الجزائري.

لا يشار في هذه الورقة البحثية إلى الشباب على أنّه "فئة-موضوع" إلا لكونه لم ينل حظّه من التحليل مقارنة مع باقي فئات المتعدّدة للمجتمع، كما أنّ استعمالنا له في صيغة الجمع هو نتاج واقعها المتعدّد الذي قد يخفيه هذا اللفظ. يدعو تشابك المجالات الاجتماعية غير المألوفة وتداخلها إلى تبني مقاربات بحثية متكاملة، فالاضطرابات والتحوّلات التي يعرفها المجتمع الجزائري، والتي أشار إليها العديد من الملاحظين والمحلّلين، نادرا ما تمّت دراستها على أنّها نتاج لإعادة بناء اجتماعي شامل أسهم في ظهور بعض الفئات الاجتماعية مثل الشّباب، النساء، ...إلخ. وعليه: "ألا يجب تجاوز فكرة التي ترى أنّ التغيّرات العميقة الحاصلة في المجتمع الجزائري ليست فقط مجرد ظواهر سطحية بل هي مرتبطة ببنيات اجتماعية في طور النّشأة؟

تبدو حصيلة المعارف المتوفّرة حول الشّباب بوضوح عند تتبع مختلف السياسات العمومية التي تمّ اقتراحها لفائدة هذه الفئة والتي اتخذت شكل التكفّل الاجتماعي  (assistanat)باعتباره مقاربة بنيوية مهيمنة. والسؤال الذي لا مناص من طرحه في هذا المستوى هو: هل هذا التكفّل، وهذه المساعدات المقترحة، تمثل نموذجا لمعالجة أوضاع الشّباب بحثا عن نوع من الفعالية الاجتماعية، أم هو بالأحرى منتوج لتصوّرات ذهنية تاريخية حول هذه الفئة؟ يمكننا كذلك أن نتساءل: لماذا تقتصر مبادرات الشّباب - عند الدفاع عن مصالحهم - على مجالات التبادل السلعي والتجاري ولا تنخرط مبادراتهم ضمن المجال الجمعوي؟ ألا يجب التساؤل عمّا إذا كان الاستثمار في مجالات التبادل السلعي والتجارة يعبّر عن عدم قدرة السلطات العمومية على ضمان تكوين ذو علاقة إيجابية مع قيمة العمل؟

يركّز الشّباب عند صياغتهم لتطلعاتهم المستعجلة ومطالبهم اتّجاه السلطات العمومية والمجتمع على بعدين أساسين وهما :الاندماج المدرسي والاندماج المهني، وهذان العنصر ان يعكسان قيمتين هامتين هما: قيمة التكوين وقيمة العمل، ولكن في حدود هذين البعدين الجوهريين يكمن فضاء "التهميش" و"الإقصاء". وفي المقابل، تعتمد السلطات العمومية على هذين البعدين قدر المستطاع ولكن وفق منطق آخر: فهل التّدابير والقرارات المقدّمة من طرف هذه السلطات العمومية - حسب منطقها ومنطق الأعوان الذين ينفّذونها - تحمل إجابات معترف بها من طرف الشّباب وتستجيب لتطلعّاتهم؟ علينا القول أنّ الشّباب، باعتباره فئة اجتماعية ديناميكية، له قدرة كبيرة على "التحايل" على المجتمع وعلى تمثلاته، ففي بحثهم عن التموقع الاجتماعي، يحوزون بشكل جليّ على مكانة اجتماعية ويكتسبون أشكالا معيّنة من الاستقلالية التي تساهم في قلب النّسيج الاجتماعي، لذا يمثّل الاستثمار في أنشطة التبادل السلعي والتجاري والمشاركة فيه عن سيرورة بناء لاستقلالية ذاتية تهدف إلى إعادة بناء علاقات السلطة.

يمكننا أيضا أن نتساءل فيما إذا كان ما يهيمن، في هذا المستوى، هو اتجاه نحو جعل علاقات الشّباب بفئات اجتماعية أو أجي الأخرى علاقات ذات فوارق محدودة وأقل تمييزا، غايتها في ذلك بلوغ مستوى من الشراكة والتي ستصبح، إذا ما تحقّقت، منتجة هي الأخرى لمطلب الاستقلالية. يجب الإشارة إلى أنّ الشباب ينتج، أثناء بحثهم عن تحقيق تطلعاتهم، ممارسات تستوجب التحديد ومعان تتطلّب الفهم، وما يلفت الانتباه هو فيض المعنى الذي يجد المجتمع صعوبات في استيعابه وإعادة إدراجه وتوجيهه.

يكشف الشّباب أيضا، انطلاقا من مقاربة تعتبرهم "فئة من فاعلين"، عن مقدرتهم على إظهار قوتهم في "نصب الكمائن" لمختلف مؤسسات المجتمع بدءً بالسلطات العمومية، مركزية كانت أم محلية، وذلك عن طريق تطوير استراتيجياتهم الخاصة ومبادراتهم، وهذه الأخيرة تكشف عن جانب من الإكراهات الاجتماعية التي يواجهونها، كما تكشف عن قدرتهم على تسيير ذواتهم وتسيير التمثلات الاجتماعية حولهم، وإذا كان الشّباب أحد هذه الفئات الفاعلة فذلك لأنّهم تعبير عن هذا بناء اجتماعي.

عندما يتمّ تعريف الشباب من طرف ريمون بودون[4]R. Boudon  على أنّه فئة تجمع "حسب الملاحظين، كل الذين خرجوا من مرحلة الطفولة دون أن يكونوا جزء من فئة الراشدين"،فإنّ هذا التوصيف غير كاف، فالتفكير في مرحلة الشباب على أنّها مرحلة انتقالية، أي "ممرّ يسمح بالاستكمال شبه نهائي لعملية البناء الاجتماعي في حين لا تزال الملامح الاجتماعية للفرد في شكل نقاط أو محطات غير مكتملة" - مثلما يقترحه أولفييه غالون[5] - يعلن عن برنامج بحثي كامل، فالتعريف المقترح يعني أنّ المرور من وضعية الارتباط بالعائلة من جميع النواحي، أي من فترة الطفولة إلى مرحلة الرشد، يكون عندما نتمكن من تحديد ذواتنا اجتماعيا ومهنيا وأسريا، وإذا كان الدخول إلى مرحلة الرشد لا يمكنه أن يكون نتيجة للجمع بين العديد من المؤشرات المرتبطة بالدخول إلى الحياة العملية ، تكوين أسرة، ...، فإنّ مجتمعاتنا تؤسس معنى الشباب وفق أنماط متعدّدة.

التساؤلات المقترحة في مشروعي البحث

سعى مشروع البحث الموسوم "الشّباب وأنماط التنشئة الاجتماعية"، والذي أنجز في الفترة الممتدة ما بين (1994-1995)، إلى دراسة طموحات الشباب وتمثلاتهم وممارساتهم أثناء عملية إنشاء تعاونيات مهنية، أمّا مشروع البحث الثاني، الذي أُجري ما بين (1996-1997) فقد تناول "وضعية الشّباب ومكانته بين حالتي "تهميش" و"اندماج".

فتحت مبادرة السلطات العمومية، المتمثلة في دعم الشّباب لإنشاء التعاونيات في إطار برنامج "تشغيل الشباب"، مجال التساؤل عن مصير هذه التجربة، خصوصا في المرحلة التي عرف فيه هذا البرنامج تطوّرا ملحوظا وجنّدت له موارد مادية معتبرة لا يستهان بها. ولقد تمحورت أسئلة فريق البحث حول ذلك كما يلي: هل نحن أمام تشوه للعلاقة (أين تبقى دلالتها الاجتماعية والرمزية محلّ بحث) بين مبادرات السلطات العمومية (الساعية إلى وضع الإطار القانوني، توفير الإمكانيات المالية والوسائل...إلخ) من جهة وطموحات وتطلّعات وتوقعات مختلف فئات الشّباب من جهة أخرى؟ وهل يعتبر الشباب مبادرة إنشاء التعاونيات، التي تهدف إلى إدماجهم ضمن القنوات الاقتصادية والخدماتية، ضمن سيرورة بناء لاستقلاليتهم الذاتية؟

تكتسي هذه التساؤلات بعضا من الشرعية بما أنّ الأمر يتعلّق بمبادرات إيجابية، يتكتّل فيها الشّباب بشكل فردي أو جماعي، أو في إطار جمعيات، من أجل الخروج من وضعية إقصاء أو تهميش دفعتهم إليها القطيعة مع المنظومة التربوية نحو البطالة. في سياق التساؤلات نفسها، هل تعتبر مبادرة إنشاء التعاونيات تجسيدا للمشروع الشخصي أو الجماعي في ميدان معين؟ وهل هذه المبادرة قادرة أيضا على تحفيز وإثراء تجربة تستجيب لتطلعّات الشّباب المتمثلة في: التحفيز على المبادرات والنشاط، تلبية الحاجات المالية والمادية...إلخ؟ ما هو المنطق الذي تقوم عليه هذه التعاونيات بالنسبة للفئة المعنية بهذا البحث؟ وهل تمثل علاقة تعاقدية مؤسّسة على منطق المصالح المتبادلة للجماعة وترتكز على حريّة الشراكة ضمن علاقة تعاقد إرادية، أم هي تعبير عن منطق للتكفل  (assistanat)الذي يحيل إلى بناء علاقة الطاعة القائمة على منطق انتماء وإنتاج وضعية الزبونية تلغي كل إمكانيات العلاقة التعاقدية؟ وفي هذه الحالة الأخيرة، ماهي استراتيجيات الشّباب اتجاهها وما هي ردود أفعالهم نحوها؟ هل هو الإعلان عن فشل التجربة، أم هو التوجّه نحو نشاطات عمل أخرى، أم هو اللّجوء إلى مبادرات تجريبية جديدة؟

مثّلت المقاربة السوسيولوجية إطارا مرجعيا ومجالا للمقاربة الميدانية لهذه الدراسة، وتمّ تحليل جميع مراحل الدخول في النشاط التعاوني لدى الشّباب بوصفهم فئة من الفاعلين[6]، كما تمّ التركيز بشكل خاص على معيشهم الفردي بعد قطيعة مع المسار الدّراسي والمرور الحتمي بعملية التكوين المهني، وتمّ التطرّق إلى الانشغالات الأخرى قبل الدخول في مرحلة المقاولاتية[7]، كما سمح تتبّع الأعمال التحضيريّة للولوج إلى وضعية التعاونية بتحليل التحوّلات والتواصل ما بين الأجيال.

البطالة في تسعينات القرن الماضي والسياسات العمومية

ترتبط إشكاليات الشّباب في المجتمعات الحديثة بالتصنيع والتمدّن، أمّا في الجزائر فقد عرفت نظرة السلطات العمومية إلى الشّباب - باعتباره فئة متجانسة - تزعزعا خلال سنوات 1980-1990، حيث برزت في هذه الفترة خطابات متعدّدة التوجّهات داخل هذه الفئة خاصّة على المستوى الاجتماعي والسياسي والثقافي، وقد شَكّل برنامج تشغيل الشّباب المُستحدث سنة 1987 أوّل أشكال الاعتراف بالبطالة بوصفها واقعا ملموسا لدى هذه الفئة في الجزائر. لكـــن كيف تمّ إدراك البطالة وتحليل مضمونها؟

سمحت القراءة الأولية لفعاليات الورشة الدولية حول "تشغيل الشباب والتحّولات الاجتماعية والاقتصادية" المنظمة من طرف المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي (CNES) بالاقتراب من نظرة السلطات العمومية لإشكالية البطالة والتي وصفتها بـ: "التحدّي الجديد، ظاهرة عالمية، ظاهرة خطيرة، آفة اجتماعية، تهدّد السلم الاجتماعي واستقراره وتحطّم الشعور بالانتماء والمواطنة، تقوّي الشعور بالإقصاء وتُسهّل ظهور العنف، ترهن التماسك الداخلي للمجتمع وتسبّب الوهن النفسي والاجتماعي الذي يؤدي إلى الانحراف واللصوصية والرعب"[8]. ففي سنوات 1987-1990 ظهر الشّباب بأشكال مختلفة أثار الاهتمام والمخاوف واعتُبر قوة افتراضية أو واقعية تهدّد الاستقرار[9].

قدّرت نسبة البطالة سنة 1994 بـ 24.4%، وقد بيّن التقرير أنّ الغالبية الساحقة من هذه الفئة - أي ما يعادل 80% من الفئة التي تقل سنّها عن 30 سنة - الموجودة في حالة بطالة ولديهم مستوى دراسي منخفض نسبيا، كما قدّرت نسبة البطالة لدى الفئة العمرية الممتدة ما بين 16-19 سنة بـ ـ66%، وقاربت نسبة 44.3% لدى الفئة العمريّة الممتدة ما بين 20-24 سنة[10]، وشكّل البطالون الباحثون عن العمل منذ أكثر من سنتين ما نسبته 34.4% سنة 1992، وبلغت نسبة الشّباب غير المؤهّل (بدون أي تكوين) في السنة نفسها 74%[11].

خضعت عمليات تحديد المراحل العمريّة للشباب مقارنة بالتجارب التي بدأت في هذا السياق لتغيّرات متعدّدة، وهذا ما يؤكّد أنّ "الشباب بناء اجتماعي" وموضوع لرهانات كثيرة. الأمثلة التالية تبيّن ذلك بوضوح: ففي 1975 تمّ الإعلان عن "ميثاق الشّباب" (الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية  المنضوية تحت حزب جبهة التحرير الوطني) وحدّد سنّ هذه الفئة في المرحلة العمرية الممتدة ما بين 16-27 سنة، وفي سنة 1982 حدّدت اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني الشباب بالمرحلة العمرية 17-27 سنة؛ وفي سنة 1984 حدّدت وزارة الشباب هذه الفئة بالمرحلة العمرية التي تقلّ عن 30 سنة؛ وفي 1988 حدّدت مصلحة التخطيط وتهيئة الأقاليم "الشباب" بالمرحلة العمرية الممتدّة ما بين 12-25 سنة، أمّا الديوان الوطني للإحصاء ONS فقد اعتمد على تصنيف هيئة الأمم المتحدة التي تربط الشباب بالمرحلة العمرية 15-24 سنة، وهو التصنيف الذي اعتمد من طرف معدّي برنامج تشغيل للشّباب.

وأمام الانتشار الواسع لظاهرة البطالة، وضعت عدّة استراتيجيات لترقية التشغيل، وقد احتل فيها جهاز الإدماج المهني للشباب مكانة هامّة منذ سنة 1990[12]، بحيث مثّل استجابة من السلطات العمومية لمواجهة "الخلل في توقّعات إدماج الشّباب مستقبلا"، وكان الهدف الأول من تنظيم هذا الجهاز "استجابة للشّباب وانشغالاتهم"[13] وإعطائهم إمكانيات تكوين أولى خبراتهم المهنية، وقد ترافق ذلك مع بداية سياسة الدولة في تشجيع الحركة الجمعوية (جمعية الشباب، جمعية البطالين، إلخ..). لقد أدّى تقييم هذه التجربة بعد أربع سنوات إلى إنشاء أشكال جديدة لترقية التشغيل، ومكّن هذا التقييم من إحداث قطيعة مع مقاربة مشكل البطالة من خلال الانتقال به من "المنطق الاجتماعي" نحو "المنطق الاقتصادي" (المؤسسة المصغّرة).

بدا الطابع الانتقائي لمعايير الاستفادة من آليات دعم الدولة (المساهمة المالية الأولى، المهارات المهنية...إلخ) معروفا مسبقا، كما كانت صيغة المؤسسة المصغّرة خاضعة للتجريب ضمن سياق إكراهات الوضعيات المختلفة التي واجهتها والمتمثلة في البحث على فرص استثمار جوارية، أو من خلال البحث على نشاطات المناولة، أو من خلال عقود الشراكة...وفي الظرف السياسي نفسه، أوجدت الدولة نظاما للتضامن وطني يهدف خاصّة إلى إدماج الفئات الاجتماعية المعوزة بطريقة خاصة.

قدّمت وزارة العمل[14] حصيلة تجربة إنشاء التعاونيات في سنة 1994، وقد أعدّت ذلك وفق مؤشرات نوعيّة "نشاط عمل الشّباب" و"نوعهم الاجتماعي"، ومسّ التقييم الذي أجري سنة 1995 حول جهاز الإدماج المهني للشّباب 90% من مجموع الكلي للتعاونيات التي تمّ تكوينها عبر التراب الوطني والمُستحدثة سنة 1990. فمن بين 10335 تعاونية موزعة على 43 ولاية، نجد 9658 تعاونية بدأت فعليا نشاطها، و300 تعاونية استفادت من القروض ولكنها لم تكن في وضعية نشاط، و377 تعاونية لم يتم التواصل معها بسبب عدم العثور عليها، إمّا لأنّها لم تحدّد العنوان أو لأنّها كانت مغلقة فترة مرور المحققين.

ساهمت التعاونيات التي بدأت فعليا نشاطها، والمقدرة بـ (9658)، في استحداث 26766 منصب عمل مباشر، من بينها 1794 منصب عمل للإناث، وهذا الرقم يعادل ما نسبته 7% من مجموع المناصب المستحدثة. تركّز نشاط النساء، وبنسبة تقدر بـ 57%، ضمن تعاونيات خياطة الملابس الجاهزة، كما كشفت المعطيات الإحصائية عن توجّه النساء نحو الانسحاب من العمل المأجور العمومي، وهذه الملاحظات القائمة على تحليل نتائج إحصائية دُعّمت في جزء منها بنتائج تحليل المقابلات.


نوع العمل

المجموع

ذكور

إناث

خلق أنشطة

5922

5126

796

العمل المأجور

115582

101515

14067

التكوين

2462

859

1603

المجموع

123966

107500

16466

المصدر: معطيات وزارة العمل (1994).

مثلت الفئة العمرية الممتدة ما بين 20-24 سنة في الفترة نفسها ما نسبته 46.6%، وقد غلب على هذه الفئة العمريّة طابع العزوبية عند النساء البطّالات، وبلغت نسبتهن 92% في سنة 1991، في حين لم تتجاوز المتزوجات ما نسبته 3.8% والمطلقات ما نسبته2.2%، والنساء المتواجدات في حالة انفصال ما نسبتهُ 0.8%[15].

تجربة التعاونيّة: فرصة للشباب لتحسين الوضعية الاجتماعية وترقيتها

تمركزت ملاحظة فريق البحث على أحد المناطق الحضرية بغرب البلاد والمتمثل بالتحديد في دائرة السانية (ولاية وهران)، وأيضا بضاحية صغيرة متواجدة بالهضاب العليا والمتمثلة في بلدية المشرية (بولاية النعامة).عرفت هاتان المنطقتان ظروفا مختلفة من حيث تواجد المؤسسات ومن حيث نشاط شبكات التضامن، وأُجري التحقيق الميداني ما بين شهري جويلية وأكتوبر سنة 1994، وقد شمل عينة من الشّباب الذين ينتمون إلى التعاونيات المعتمدة والمستفيدة من القرض البنكي، وأخرى مموّلة ذاتيا. تمحورت التساؤلات الرئيسة حول معرفة كيفية استثمار هؤلاء الشّباب في هذا الشكل من التنظيم ومن العمل، وكانت الغاية تحديد مواقفه من هذه المبادرات المقترحة من طرف الدولة.

بداية، قدّرت نسبة البطالة الوطنية عند الشّباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين16و19 سنة بحوالي 40.9% في حين بلغ المعدل الوطني كان في حدود 21.1%[16]. أمّا الدّراسة حول "البطالة" التي أجراها الديوان الوطني للإحصاء (ONS)، في شهر ماي سنة 1993 بطلب من ولاية وهران، فقد كشفت أنّ 80% من البطّالين يتراوح سنّهم ما بين 19 و35 سنة، بحيث تمثل الفئة الأقلّ من 25 سنة ما نسبته 62.1% (7.82% بالنسبة لأقلّ من 30 سنة)، في حين كانت نسبة البطالة 25%، أي شخص بطّال مقابل كل 4 أفراد متواجدين في حالة نشاط مهني[17]. إذا كانت المدّة المتوسطة لانتظار الحصول على منصب بعد نهاية مرحلة التعليم تفوق 6 سنوات على المستوى الوطني (O.N.S, 1985)، فهذه المدّة لم تتجاوز 3.5 سنة بالنسبة لعيّنة الدّراسة الخاصّة بالشباب المستثمر في التعاونيات في منطقة السانية، بحيث بلغت مدّة البطالة المصرّح بها من طرف العينة المستجوبة كالآتي:

عدد السنوات

1

2

3

4

5

6

8

عدد شباب التعاونيات

4

7

1

4

1

4

2

يجب الإشارة إلى أنّ ما يقارب من ثلثي هذه الفئة المبحوثة (15 مبحوثا من 23 أي 65.21%) لديهم شهادات تكوين مهنية تتناسب في أغلب الأحيان مع نوع النشاط المهني الذي استثمروا فيه، وستّة من بينهم ليست لديهم شهادات علمية ولا شهادة تكوين مهنية في الفترة التي تم استجوابهم فيها، على الرغم من اعتماد أغلبهم على ماضيهم المهني المرجعي للحديث عن نشاطاتهم المهنية السابقة قبل التواجد في التعاونية.

تشير خطابات الشباب المستجوب إلى رغبة في السكوت عمّا تثيره التمثلات الاجتماعية حول "معنى اللاعمل" الذي يشمل بالنسبة لهم "كل نشاط مؤقت، غير مستقر، وخاصّة في القطاع الخاص، وغير مصرّح به، بأجر زهيد وبدون شهادة كشف الأجر في أغلب الأحيان وغير مستفيد من نظام الحماية الاجتماعية". تدفعنا هذه المقاربة إلى توخّي الحذر عند التفكير في تحليل هذه النسبة الهامّة المتمثلة في 65%[18]من شباب التعاونيات الذين لم يمارسوا أي نشاط مهني من قبل، فتجربة العمل ذات الطابع المؤقت وغير المستقرة والمقترنة بأجر غير كاف سبق أن مرّ عليها ثلاثة أرباع العيّنة المستجوبة في القطاع الخاص، لذا يتشابه النشاط المبذول داخل هذه التعاونيات في الأساس مع التجربة المهنية المكتسبة سابقا حتى عندما يُقلّل من شأنها، أو تتناسب في العموم مع مرحلة التكوين الذي استفاد منها هؤلاء الشباب.

تسلّط نتائج هذه الدّراسة الضوء على بعض العناصر التي تحدّد مكانة العمل في مشروع الحياة. ومن هذه زاوية التحليلية يحاول الشباب، المتواجد تحت الضغوطات الاجتماعية للمحيط ونظرة الآخرين له - والتي تستقبل من طرفهم بشكل سيء - الهروب من نظرة الشّفقة المتلازمة عموما مع المناطق الحضرية الصغرى أو النائية التي لا توفّر مجالا للتخفّي عن نظرة المجتمع. لذا يصبح النزوح نحو المناطق الحضرية الكبيرة والهجرة إليها منفذا بسبب الفشل في الظفر بمكانة اجتماعية "بلاصة" في السياق المحلي. يكشف الفشل الاجتماعي للشباب في هذا المستوى عن ضعف النسيج العلائقي أو غيابه، فالعمل بالدرجة الأولى هو فعل الحجب عن الناس، أي "درڤ[19] راسك من الهدرة"، أو "أحمي نفسك من التعليقات السيئة". وفي هذا السياق، يجب التذكير بأنّ السُلطات العمومية لا تزال تستفيد من هذه الوضعية الظرفية المواتية خصوصا عند الفتيات بسبب أسبقية مشروع الزواج عندهم على المشروع المهني، فبقاء المرأة بالبيت مقبول اجتماعيا حتى ولو أنّ التطوّر الاجتماعي والاقتصادي في السنوات المقبلة يمكنه أن يفرض العمل على جميع أفراد الأسرة الذين هم في سنّ العمل، كما أنّ الصعوبات ستظهر شيئا فشيئا مع ارتفاع سنّ الزواج.

يكتسي البحث عن عمل أو نشاط مستقل أسسا اقتصادية وأخلاقية، فالمحافظة على الاحترام والكرامة هما قيمتان غائبتان عن الشباب في الحالات المجرّبة سابقا قبل الولوج لعالم التعاونيات، فما هو موجود موضع التحدي عندهم في هذا المستوى هو البحث عن نموذج للنجاح الاجتماعي أولا، والحاجة لإظهار أنّهم متحكّمين في زمام أفعالهم ثانيا، فامتلاك الشاب" لحانوته" (متجر صغير) هو أقرب لنموذج المجتمع التقليدي الذي تطغى عليه الذهنيات الحرفية منه إلى النموذج القائم على الثقافة المقاولاتية، وهذا الوضع يمثل تعبيرا عن نظرة مزدوجة حول الوضع القائم: يتعلّق الجانب الأول منها برفض قواعد اللعبة الاجتماعية المعدّة مسبقا والتي تسمح بوجود فرص للنجاح فقط بالنسبة للمتحكمين التقليديين في رؤوس الأموال، ويتعلق الجانب الثاني منها برفض حالة الركود وعدم الحراك الاجتماعي الذي يمثّله نموذج العامل صاحب المكانة الاقتصادية والاجتماعية غير المتغيرة والتي لا تنتج حراكا اجتماعيا تصاعديا.

يغتنم الشّباب كل الإمكانيات من أجل المحافظة على الرابط الاجتماعي رغم كونهم ضحية اختيارات اقتصادية واجتماعية إقصائية يترتّب عنها أشكال تهميش مختلفة. قدرتهم على مواجهتها مرتبطة أساسا بطبيعة ظروفهم الاجتماعية، ومن هنا يبدو الوضع بعيدا عمّا تقترحه السلطات العمومية لمواجهة إشكالية الاندماج المهني-الاجتماعي، فالتعاونيّات تشكّل في الواقع فرصة بالنسبة للذين يملكون تجربة مهنية سابقة تستغل لتحسين وتغيير أو تأمين المكانة الاجتماعية، لذا فهي فرصة لتحقيق الترقية الاجتماعية وليست إدماجا مهنيا. في الوقت نفسه، يمكن اعتبار التعاونيّات الموجودة في حالة نشاط أو التي حوّل نشاطها وكذا ممارسات الطرابندو (التجارة غير الشرعية) من بين الطرق المتّبعة من طرف الشّباب للتنافس من أجل تحقيق الاندماج الاجتماعي.

لقد بيّنّ فريق البحث، الذي أجرى التحقيق مع شباب التعاونيات في الفترة الممتدة ما بين جويلية وأكتوبر 1994 بناء على35 مقابلة معمقّة في بلديتي السانيا (ولاية وهران) والمشرية (ولاية النعامة)، أنّ هذه الفئة تتحرك بطريقتها الخاصة، ولا تكتفي بالخضوع لما تقترحه هذه السياسات العمومية حول مصيرها، لذا فنحن أمام حالة من الفعل الاجتماعي ذات دلالة واضحة، فالشباب يمتحن قدرة سياسة السلطات العمومية المتأخرة في اقتراح الحلول لمشاكله، وإذا كانت الصورة السائدة عن هذه الفئة هي في الأساس صورة مهزومة تواجه مصيرها لوحدها وتواجه خطر التهميش، فالواقع يبيّن عكس ذلك تماما، ويكشف عن نشاط يصنّفها في خانة الفاعل الاجتماعي. فمثلا، تؤدي قدرة الخيّال التي تميّز "الطرابنديست" وَ"الحطيسيت" إلى فرض التفاوض مع بقية فاعلي المجتمع (أسرة، مؤسسات، الذات) وإلى إعادة تشكيل للعلاقات معها.

مسّ البحث أيضا فئة الشّباب الذين ينتمون إلى تعاونيات التي نالت الاعتماد واستفادت من القروض البنكية وبعض التعاونيات المموّلة ذاتيا. وفي هذا السياق أجريت المقابلات مع عشرين شابا و4 من الأئمة، وقد سعى السؤال الرئيس لهذا التحقيق إلى الإجابة عن التساؤلين التاليين: إذا كانت مبادرة السلطات العمومية تندرج ضمن سياق تشجيع الشّباب على استحداث تعاونيات في إطار عملية الاندماج المهني للشّباب، فماهي فئات الشّباب المعنية بهذا البرنامج؟ وإذا كان تجسيد المشاريع الانتاجية والخدماتية التي استفادت من قروض بنكية لم يكن ممكنا في حقيقة الأمر إلاّ بفضل الدعم المادي للأسرة، فما هي القراءة الممكنة حول شروط الحصول على القرض[20] المنصوص عليها في المقرّر الوزاري رقم 371 المؤرخ في ديسمبر 1991؟[21].

قُدِرت القيمة المتوسطة للقروض الممنوحة في إطار تكوين التعاونية الواحدة ببلدية السانية بمبلغ 642.000 دج، وقد استهلكت تعاونيات هذه البلدية كل حصة التمويل باستثناء تعاونية الميكانيكيا العامة (93.3%)، وتعاونية مواد البناء (23.7%)، أمّا النشاطات التي استفادت من هذه القروض فهي كالآتي: النجارة (تعاونية المشعل)، صناعة الحلويات (السعادة)، مواد البناء (السلام)، التلحيم (الشّباب)، تصليح العجلات المطاطية (نجمة)، الخياطة (صابرينة)، صناعة النحاس(الانتصار)، الميكانيكا العامة، الخراطة (السلام)، المخبزة (النجاح).

لا يبدو أنّ أسماء التعاونيات لها علاقة بنوع النشاطات المستثمر فيها، ولكنها مع ذلك تستوجب مقارنتها بتمثلات الشباب وطموحاتهم ومصيرهم ومستقبلهم الجماعي والفردي، فرمزية الأسماء المقترحة من طرف حاملي مشاريع التعاونيات تعبّرُ على التفاؤل والأمل والتوتّر اتجاه بعض المواضيع، وتدفع في الوقت نفسه نحو التهدئة في ظل سياق اجتماعي متّسم بالعنف والإرهاب، لذا يمكن القول أنّ طموح تكوين المشروع الجماعي يتوافق مع المستقبل الفردي، وهنا يظهر رفض الفشل والإقصاء اللذان يعبّران عن قيّم الاعتراف بوجودهم، ويبدو أنّ هؤلاء الشّباب يرفضون الهزيمة من خلال مواجهة كل أشكال الصعوبات التي تعترض طريقهم.

نموذج الشّاب موضوع هذا التحقيق الميداني الذي يشتغل في التعاونيات يختلف حسب النوع (أغلبه من جنس الذكر، أنثى واحدة كانت موضوع التحقيق الميداني)، فمعدل سنه 26.3%[22]، موزعُون بين حالتي العزوبة (سبعة عشر شابا) وحالة متزوّجين (6 حالات)، ومن المستويات الدراسية المختلفة[23]، هو حالهم كذلك إزاء أداء واجب الخدمة الوطنية[24]. من بين الخصائص الأخرى التي تستوجب الذكر، تواجد أفراد من عائلة واحدة في التعاونية نفسها، كما نلمس دعم العائلة ومساهمتها في التكفّل بالمشروع، ونسجّل هذا الإطار تواجدا للشباب الذين لهم قرابة عائلية على مستوى 7 تعاونيات، كما نسجل تكوّن تعاونية بطرق غير متوقعة ونتاج لقاءات غير متوقّعة بين حاملي المشروع مع استفادتهم من محل وضع تحت تصرّفهم من طرف العائلة لمزاولة النشاط المهني، كما نلاحظ وجود 6 تعاونيات تكوّنت بفعل الإسهام المالي للعائلة، دون أن ننسى الإشارة إلى مساهمتها في تذليل الإجراءات الإدارية من دون تجاهل لدعمها المعنوي.

العائلة: الحضور الدائم لمؤسسة اجتماعية قاعديّة

توفّر العائلة للشّباب المأوى والحماية، وتمنحه فسحة اجتماعية مؤقتة في انتظار الاستفادة من نتائج استثمارها الطويل في تربيته. يعتمد الشكل المقترح من طرف السلطات العمومية للتعاونية على الجمع بين نموذجين: نموذج اقتصادي حديث قائم على القرض البنكي، ونموذج اجتماعي أساسه العلاقة التقليدية المتمثل في مساهمة العائلة في هذا المشروع.

يختلط ترتيب الأولويات عند الشباب بين البحث عن الاستقلالية الذاتية والبحث عن المدخول المادي، وحينما يتحقّق هذا العنصر الأخير تبدأ مفاوضات، رهانها الأساسي تحديد المكانة المخصّصة للشاب بين أفراد عائلته، وهنا نلمس التغيير في المكانة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، لا يشكل موضوع الحيازة على منزل فردي مطلبا أوّليا في تمثلاتهم. فإذا اعتبرنا أنّ سيرورة تنشئة الفرد لا تتمّ ضمن فراغ ثقافي، فإنّ إعادة النظر في نموذج التنشئة الاجتماعية المحدّد مسبقا تدفع الباحث لتسليط الضوء على مسؤولية الشّاب بوصفه فاعلا اجتماعيا، فنشاط التعاونية يستوجب توقيع العقود بين ممثلي الدولة وبين حاملي مشاريع التعاونيات، وبمجرّد أن تقيّد أسماء هؤلاء أثناء ممارسة التوقيع على الوثائق الرسمية يتحوّل هؤلاء الشركاء الأساسيون إلى سنّ الرشد. وفي الوقت نفسه تبدأ صعوبات غير منتظرة - مرتبطة أساسا بغياب "المحلّ" الذي يعرقل ميدانيا تنفيذ المشروع - في الظهور بعد مرور ستّة أشهر من انطلاق مشاريع التعاونيات.

وغالبا ما تدفع هذه الوضعية إلى أحد المخرجين: إمّا توقيف المشروع وعرقلة تنفيذه في الميدان، أو تحويل العتاد المتحصّل عليه عن غايته الأساسية باستعماله في المضاربة في ظل اقتصاد النذرة. ومن أجل الحصول على محلّ، والذي يشكّل قاعدة أساسية لمشروع التعاونية، يجب لزاما التواجد في إحدى الوضعيتين: إمّا أن يكون لحاملي المشاريع محلات خاصة بهم، وفي أغلب الأحيان يكون أولياؤهم هم المالكين لها، أو أن يلجؤوا للكراء، وهذا الإجراء في حدّ ذاته أمر عسير ليس بسبب تردّد المالكين فقط وإنّما بسبب ارتفاع أسعار الإيجار المقترحة.

يؤدي إحداث تغيير في التدابير القانونية والتشريعية الخاصة بحماية حقوق المالكين الذين يقومون بكراء محلاتهم إلى تغييرات حقيقية، ففرض شرط "المحلّ" لاعتماد مشروع التعاونيّة الشبانية يعكس جانبا من عدم واقعية السياسيات العمومية، لأنّه يسمح بتكريس هذه التعاونيّات داخل النسيج العائلي فقط، ويحدث انتقاء موضوعيا للمستفيدين من القروض البنكية ويمنح الأولوية لمن تملك عائلاتهم محلا بإمكانها أن تضعه تحت تصرّف مشروع التعاونية، وهذا الشرط المحدّد من طرف المؤسسات البنكية يدفع إلى تطوّر العشوائي للمحلاّت وبروز ظاهرة تحويل المرائب إلى أماكن للنشاط التعاوني في الأحياء الجديدة وضواحي المدن، وبهذا الإجراء تعتمد الدّولة من جديد على العائلة، ويظهر ذلك في صورة نداء تطالبها فيه بالعودة لاحترام "النظام" من طرف كل من له ميل نحو الاستقلالية.

وفي الواقع، أدّى نمط تعامل الدولة مع توزيع الريع البترولي إلى تسيير المجتمع وفق منطقين مختلفين. يرتبط الأول بفكرة النمو الاقتصادي الذي يُنظر فيه للفرد على أنّه فاعل اقتصادي منتج، أمّا المنطق الثاني فهو خاص بالفضاء الاجتماعي، ويُبقي الفرد ضمن نطاق العائلة في ظل تجاهل رغبته واستراتيجيته لامتلاك منزل فردي. وبعيدا عن توصيف ذلك بقصور في النّظر، يعكس هذا النموذج اختيارا غير مفهوم لأنّه لا يؤدي إلاّ إلى سدّ المجال أمام بروز الفرد الاقتصادي المواطن بأتمّ معنى اللفظ. وإذا كان جميع شباب التعاونيات الذين قمنا باستجوابهم يعيشون عند أوليائهم، فالسؤال الذي يُطرح في هذا المقام هو: أين ستجري لعبة تشكيل الاستقلالية؟ وما هي أفعال الشباب الدالة على ذلك؟ وهل يحيل عدم البحث الدائم عن موافقة العائلة إلى ركوب مخاطر "الهدّة" (الهجرة) إلى خارج الوطن، خصوصا أنّ مشروع التعاونيّة "يُبْقي" الشباب ضمنها[25]،على الرغم من محاولة بعضهم الهرب منها؟ وهل تحيل إلى تبني نمط أخر للعيش مع التناقضات والإكراهات التي ستمثل نقاط ارتكاز من أجل رسم مسار مشروع شخصي اعتمادا على التعاونية بوصفها كيانا قانونيا يستند على عوامل ملموسة مثل المحلّ، توفّر المال والوسائل المادية أو من خلال بدايات العوائد المالية للنشاط التعاوني؟ وأمام هذا الواقع الذي لا ينفي وجود العراقيل، فإنّ الشباب لا يتعايش معها بسلبية، بل يواجهها بالقبول لأنّ وضعه مؤمّن بفعل العناصر الموضوعية سالفة الذكر، لذا يمكن اعتبار استخدام الشباب للتعاونيات، الموجودة في حالة نشاط أو التي تمّ تغيير وجهة نشاطها أو ممارسات التجارة غير الشرعية المسماة "تراباندو"، طرقا للنضال من أجل الاندماج الاجتماعي[26].

الحيطيست: من صورة رمزية إلى واقع متحرّك

ماذا يمكن القول عن الصورة الاجتماعية للشاب الموجود في حالة هشاشة اجتماعية والمكنى "حيطيست"؟ تبدو الصورة الاجتماعية "الحيطيست" (مصدر اللفظ من "حائط" أو الجدار) ثابتة غير متحركة (يَستنِد على الحائط) أو في حالة انتظار، فهو ينتمي إلى فئة غير ناشطة، لا يملك القدرة على المبادرة ومستبعد من مجالين اجتماعيين لهما دور في صناعة قيمته اجتماعية وهما المدرسة وعالم الشّغل.

بدت هذه الصورة أيضا في تعاليق أحد قيادات الأحزاب السياسية المترشحة للانتخابات الرئاسية في نوفمبر 1995. فنورالدين بوكروح، رئيس حزب التجديد الجزائري (سابقا)، يقدم توصيفا يمكنه أن يدرج ضمن بعض السيّر الأنطولوجية. فهو يعتبر أنّ الحيطيست: "صورة حيّة للفرد المتروك لشأنه، غير المرتبط بجماعة، وغير المعني بما يدور حوله، وغير المبالى به وغير المشارك فيما يدور حوله"، فهو "كائن مقصى، مكبّل اليدين ومكبل الأفكار ومقتنع بأنّ كل شيء أمامه مسدود"، وهذه الحالة تمثل شكلا من أشكال "الفراغ التام للروح"[27].

لا يقتصر الوصم الذي يلحق بصورة هذه الفئة على الساسة فقط، فبعض المحلّلين يقترحون لهذه الصورة أحيانا صورة سطحية وآنية نوعا ما، وفي هذا المجال يقارن الهواري عدي بين "صورة الحيطيست" و"الصورة مستشرق" الأكثر تنقيبا، إذ يقول عن هذا الأخير: "أنّه لا يمكنه أن يفهم شيئا عن شعبية الإسلام السياسي بالجزائر إذا لم يذهب إلى الميدان ليستوعب تطلعات "الحيطيست"، (شباب عاطل عن العمل) بوصفه عنصرا ميدانيا فاعلا للجبهة الاسلامية للإنقاذ"[28].

ويتكلّم في السياق ذاته عمر كارلي أيضا عن هؤلاء الشّباب الذين "يستندون إلى الحائط"، ويقدّم عنهم الصورة التالية قائلا: "نقصد بهم هؤلاء المراهقين العاطلين، المفلسين، سواء المستندين منهم على الجدار أو غير المستندين عليه، الذين يستهلكون وقتهم في الشارع للتحدّث عن الكرة وأغنية الراي، يترقّبون المارة، يمازحون الفتيات من تلاميذ الثانويات في أوقات الدخول أو الخروج من المدرسة، وعندما يكونون بوسط مدينة مثل الجزائر العاصمة، يتهكّمون عن من يسمونهم بـ"لاتشي تشي"، وهو لفظ يشير إلى الفتاة التي تنتمي إلى الأحياء الراقية والتي توقض رغباتهم ولكن تثير حقدهم"[29]، ومن هنا لا يرتبط وصم[30] الشاب الحيطيست بحالة البطالة فقط، ومن المفارقة أنّ الشاب نفسه ينتهي إلى تقبّل هذه الصورة عن نفسه وإذاعتها كشكل من أشكال التحدّي.

ينصبّ اهتمامنا على معرفة من هي هذه الفئة من الشّباب التي تبدو أنّها لا تملك دورا تقوم به؟ وما هي اهتماماتها؟ تسعى المقاربة المقترحة لإيجاد قطيعة مع حالة الجمود التي يميّز مختلف أنواع الوسم والوصم اللصيقتين بالصورة الاجتماعية للحيطيست. حاولنا من خلال هذا التحقيق، استنباط بعض المؤشرات المؤقتة انطلاقا من ثلاثين مقابلة أجريت مع شباب يصفون أنفسهم بالحيطست ويوجدون في قطيعة مع المدرسة ومع النشاط المهني الدائم والمستقر. من بين النقاط التي تطرّقنا إليها في المقابلات المبرمجة مع هذه الفئة نذكر المحاور التالية: محور حول المعلومات الشخصية، محور خاص بالمسار الدراسي والتكوين والنشاطات المهنية، محور حول العلاقة مع العائلة والحياة اليومية، محور العلاقة بالوقت وبـ"الهدّة" والمشاريع الأخرى.

يبدو الملمح الاجتماعي الأولي الذي يتجلى عن الحيطيست كما يلي: هو شاب، ذكر، أعزب، موجود في وضعية ترقّب للعمل المستقر، يمارس أحيانا بعض "النشاطات" ويرفض اعتبارها أو تسميتها بـ"العمل". يعكس التحقيق الميداني الذي تمّ إنجازه مع هؤلاء الشّباب الحيطيست حالة القطيعة الفعلية مع المسار الدّراسي (التّخلّي عن مقاعد الدراسة أو الإقصاء المدرسي)، فهم يجدون صعوبة في الالتحاق بالتكوين المهني أو الحصول على عمل دائم ومستقر، وهذا الوضع لا يختلف عن سياق يجب التذكير به، والمتمثل في ظاهرة التسرّب المدرسي على المستوى الوطني والتي تمسّ سنويا عددا معتبرا من التلاميذ، في حين أنّ التكوين المهني لا يستقبل سوى عددًا قليلاً منهم في إطار التربّصات المهنية.

الصورة التي تتشكّل عن الحيطيست من خلال هذا التحقيق هي صورة ذلك الشابّ الموجود في حالة عدم رضى عن ظروفه بالرغم من استعداده ليكون نافعا في محيطه، لا يقبل في كل الحالات عروض العمل المقترحة عليه خاصة إذا كان ذا مستوى دراسي ثانوي أو جامعي. الشاب الحيطيست، وعلى الرغم من استناده على الجدار، إلا أنّه ليس موجودا أمام أفق مسدودة، فهو يملك هامشا من الحريّة لتجسيد بعض الاختيارات. نقول هذا ونحن نعلم أنّ الفاعلين الاجتماعيين، وإن كانوا يواجهون ظروفا شديدة التعقيد، فإنّ ذلك لا يعني أنّهم محطّمون تماما لأنّهم يتفاعلون مع مشاكل محيطهم[31].

يمكن لعالم الحيطيست أن يحدث فيه كل شيء بما في ذلك ظهور الفرصة الاستثنائية للترقية الاجتماعية، خاصة إذا كانت القواعد المسيّرة لهذا العالم عالم تسير بـ "المْعارف" و"لكتاف أو المحسوبية". من الصعب، في مثل هذه الظروف، تصوّر تحقّق المشاريع على المدى القصير، وهذا الشاب "الحيطيست"، الذي يشعر بحقوقه المهضومة في المجتمع، وبالخصوص حقّه في العمل بالدرجة الأولى، مندمج بشكل أو بآخر ضمن محيطه العائلي، فوالداه، اللذان تمنيا رؤيته يواصل مسارا تكوينيا أو يمارس نشاطا مهنيا يحميه من "الشارع" (الزنقة) يكتفيان بوجوده بجانبهما، و"تحت أعينهما"، بعيدا عن كل مظاهر الخطر التي قد تواجهه. فهو مستفيد من دعمهما، ولا سيما الدعم المالي، بحيث تبدو والدته الفاعل الاجتماعي الأقرب منه. ويمكن أن تنتج وضعية الحيطيست، في بعض الأحيان، صراعات مع الأولياء، خاصة مع الأب أو الأخ الأكبر، ولكن قلّما يؤدي ذلك إلى مغادرة المنزل أو هجرانه، وفي مثل هذه المواقف التي يصادفها مع الأولياء، يعيش الشاب ظروفه بشكل أقلّ مأسوية.

لا يمكن لهذه العناصر أن تكتم الأزمة العميقة التي تعيشها العائلة في ظل إعادة النّظر في دور الأب ضمنها، وهذه ظاهرة سبق أن أشار إليها عمر لرجان[32] على وجه الخصوص، بحيث تظهر وضعية الأب - وباستثناء بعض المواقف النادرة والأكثر حرجا - وكأنّها شخصية توفيقية أو مغيبة إراديا، ولكن هذا الموقف لا يعني قبول الشاب السهل بوضعية "الابن"[33]. نفهم أيضا أنّ مشروع تكوين عائلة عند الشّاب الحيطيست بعيد المنال. وبشكل عام، إذا كان الشاب الحيطيست يعطي لنفسه صورة تعبّر عن معيش التهميش والإقصاء، فذلك يعني أنّنا أمام حاجة جلية وقويّة لمطلب الإدماج، وهذا المطلب يظهر متناسبا مع ما يعبّر عنه جاك بيرك J. Berque بـ"المهزوم الوجودي"[34]، ضحية نظرة المجتمع له وضحية وصم. نقول هذا ونحن نعلم الأهميّة التي تكتسيها نظرة المجتمع اتجاه أفراده: "ففي الواقع، تشير نظرة المجتمع إلى الوضع الاجتماعي الموجود بين حالتي التشكل والتحلّل، كما تشير إلى الحراك الذي يسايره، وتعكس الانطباعات التي يتلقاها الأفراد والجماعات: فكل شخص يقرأ مكانته في عيون الآخرين، ومن هنا يتشكّل مصيرهم المشترك"[35]. يقدّم جاك بيرك هذه الحقائق بعدما أخذ على عاتقه عناية تقديم الشرح التالي حول نظرة المجتمع إذ يقول :"هناك ما هو أسوء من نظرة الإهانة: غياب النظرة أو تدليسها وتزويرها"[36]، ومن هنا تعكس نظرة المجتمع حسب قوفمان E. Goffman أمرا ضروريا بالنسبة للفرد أثناء تكوين صورته عن نفسه والتي يقع عليه دور تحويل الأنظار إذا أراد التمتّع بمظهر عاد وضروري لتجنب أو تجاوز حالات انعدام الاحترام وفقدان السمعة"[37]. ألا نطلب من الشّاب، وحتى من كل شخص يحتمل أن يكون عرضة للوسم والوصم أن يحمي ذاته من نظرة الناس (درڤ راسك من العين)؟

كتب بناني غريبي في خلاصة لتحقيقه الميداني حول الشّباب بالمغرب ما يلي: "الزمن الحالي ليس زمنا للقطيعة ولكنه زمن للتسويّة"، فالعسر متواجد وحاضر، لأنّ التحوّل يعاش في جو منعدم من الأمن، وتأكيد الذات مترافق مع القلق أمام هدم العلاقات الاجتماعية، ومن هنا ينبع الحلم في أن يصبح الفرد مواطنا، أي متصالحا مع الجماعة، لأنّ التفاوض والتأرجح بين ما هو مثالي وما هو معمول به يلاحظ حتى عندما يحاول الفرد الاندماج في المجتمع"[38]، وإذا كان الباحث يتحدث في هذا السياق على سبيل التحديد عن فكرتي "الترقيع" و"التسوية"، فإنّنا نميل في بحثنا هذا إلى الحديث عن ذلك "الغموض" بنوع من الثناء بالمعنى المتناقض للمصطلح.

يظهر الحيطيست دوما على أنّ لديه علاقة وجودية بالوقت، ويمكن أن نرى فيه الشخص الذي يبحث باستمرار عن "قتل" الوقت، وفي بعض الحالات يتمثل نفسه شخصا استهلكه الزمن مع أنّه عندما سألنا بعضهم حول النشاطات الثقافية والرياضية الممارسة وجدنا، من بينهم، من يؤكد عدم مزاولة أي من هذه الأنشطة بحجة عدم وجود وقت لذلك، فاستهلاك الوقت يجب أن يكون في البحث عن العمل، والجري وراء لقمة العيش ("الجري وراء الخبزة")،وفي غالب الأحيان يعكف الشّباب الحيطيست إمّا على ممارسة النشاطات الرياضية، وبالتحديد كرة القدم في شكل مباريات بين الأحياء، أو تشجيع فريق الحي أو "الحومة"التي يسكنون فيها. يصرح عمّار (22 سنة، مستوى السنة الثالثة ثانوي (1991-1992) أحد الشباب المستجوب قائلا: "كرة اليد تسري في دمي"، أمّا بوزيان (26 سنة، مستوى السادسة ابتدائي) فيعتبر "كرة القدم" هي الحياة/هي العمر".

ميل الحيطيست وتوجهه إلى هذه الأنشطة مرتبط بالبحث عن التماثل مع الرجولة (الرُجْلة)، فهؤلاء يعطون قيمة للملاكمة وممارسة فنون الدفاع الذاتي، بينما تأخذ رياضة تقوية العضلات الأسبقية عندهم، فجاذبية قاعات تقوية العضلات بالنسبة للشّباب (المكناة صالت الحديد في التعبير الشبابي) من بين الظواهر التي تلفت الانتباه في السنوات الأخيرة، وهو ما يفسر تضاعفها في كل الأحياء لارتفاع مردوديتها المالية، وهنا من المفيد إعطاء الأهمية البحثية لها لما تمثله هذه الفضاءات الاجتماعية وبوصفها أماكن للتنشئة.

لقد رأينا أيضا أنّ أغنية الراي تعتبر أساسا "موسيقى تخترق الممنوع لأنّها موسيقى الحبّ الجسدي وموسيقى الفرد ورغباته"[39]. نريد في هذا المجال أن نقترح مقاربة لهذا العنصر ترتبط بموضوع بحثنا. يستمع الحيطيست لمختلف أنواع الموسيقى بما في ذلك الأغنية الشرقية، ولكنه يرقص على أنغام أغنية الراي التي "يجد نفسه" متناغما معها، ويتشابه الأمر عنده مع حالة الغوص الذي يشبه الإبحار في نظرة الحبيبة (عينيك كعينيا عينيك شابين).

سبق أن أشار كل من بوزيان داودي والحاج الملياني في خلاصة كتابهما الموسوم "مغامرة الراي: الموسيقى و المجتمع" إلى أنّ هذا النوع الغنائي "أقل من أن يكون تعبيرا عن طفرة أو تحوّل مفاجئ لثقافة حضرية مستهلكة، بل هو حالة انتقالية يجد الأفراد فيها أنفسهم بين مفترق أنماط من سلوكات المعيش الاجتماعي، في الحدود بين المدينة والريف من جهة وبين الفردانية والانتماء إلى الجماعة من جهة أخرى"[40]. تبدو هذه الملاحظة صحيحة، لكننا نميل إلى الاعتبار القائل أنّ الحيطيست لا يجد في أغنية الراي فقط إمكانية الوجود أو التواجد في مفترق فضاءاته ولكن، يمكنه التحرّك وتجاوز مختلف العتبات المحددّة للواقع الاجتماعي المعاش.

لا يمكن تسليط الضوء على بعض أشكال بروز الفرد والاهتمام به فقط من زاوية القطيعة واختراق المحظور، فالواقع يبدو أكثر تعقيدا وأكثر تناقضا، وهذه الظواهر تعكس تجذرا حقيقيا للتراث الشعبي (شعر، موسيقى) وشعورا باستمرارية التواصل معها. ولا ينفصل شعور الحيطيست كليا عن الجماعة ولكن يتجه، مع أغنية الراي، إلى الانخراط في مستويات أخرى من المؤانسة الاجتماعية، وهذا ما يفسر الاهتمام الذي توليه هذه الفئة لمختلف الاحتفالات والتي تمثل فرصا للاجتماع الإنساني بالآخرين، فهو دائم الترقّب للدعوات من أجل المشاركة فيها، وعندما لا يستدعى لمثل هذه المناسبات لتقديم المساعدة أو الحضور يتضاعف شعوره بمرارة الإقصاء.

يعيش الحيطيست حالته الاجتماعية بوصفها شكلاً من أشكال العبور للصحراء، فالنجاح الاجتماعي، بالنسبة إليه، يعني تجاوز العراقيل ورفض كل حالة من حالات الإنطواء والانفصال. علينا القول أنّ مخياله الاجتماعي في حالة انسداد، بحيث لا تكتفي أغنية الراي بجعل المرأة موضوعا لأغانيها فقط، بل تدفعها لكي تحتلّ صدارة المواضيع ذات الاهتمام الاجتماعي، وهذا الوضع تعبّر عنه ألفاظ المغنيات اللواتي يحملن كنية "الشيخة" (الرميتي، الجنية...إلخ.) أو "كنية" الشابة (فضيلة، الزهوانية، إلخ.)، كما يمكن للزوج في الحياة اليومية (الشابة فضيلة والشاب صحراوي) أن يتحوّل إلى ثنائي غنائي ويصبحان في فترة معينة رمزا للأغنية الثنائية في نوع الراي، وهذا التوصيف سيتواصل بشكل تكراري وتداولي على شاكلة الثنائي الغنائي "الشاب حميد والزهوانية"، "الشاب حسني والزهوانية"،"الجنية والشاب عبد الحق...إلخ". ولا يتردّد هؤلاء المغنون في تجاوز الحدود اللسانية المرتبطة بمسألة نقاوة اللغة والتي غالبا ما تكون شعارا لمقاولي الأخلاق والقيم.

من جهة أخرى، ترتبط رهانات "الهدّة" بالدرجة الأول بالمكانة التي يحتلها الشابّ في الوسط الأسري: "ففي تمثلات الشباب تسمح الهدّة، وبشكل متناقض، بإعادة رسم تموقع اجتماعي جديد مقارنة بالمجتمع الأصلي بمجرد الالتحاق بوسط اجتماعي آخر وبمجرد تحقيق التراكم المادي الضروري لذلك"، فالهدّة (الرحيل أو مشروع الهجرة) تعبّر عن حالة من الانسداد والجمود، أين يحسّ الشّباب أنّهم أول ضحايا بحثهم عن عمل وزواج والسكن الخاص، فموضوع الهدّة يجدّد بطريقة راديكالية مسألة التطلّع إلى الهجرة متجاوزا بذلك مفاهيم مثل الغربة.

يشكل التطلّع إلى "الهدّة" قبل كل شيء ضغطا بالنسبة للمحيط العائلي للحيطيست، ويؤكد، وفق ظروف مختلفة، فرضية إعادة التفاوض بشأن مكانته بوصفه شابًا ضمنها، ولكن ما تثيره أغنية الراي "الهربة وين" (بمعنى إلى أين الهروب؟) يكشف عن المفارقة الموجودة بين تقريب المسافات بين الأماكن - مثل ما هو الشأن حاليا بفعل تقلص زمن الرحلات بسبب التحليق الجوي وأيضا بفعل التمكن من تملك الهوائيات المقعرات) - وبين تصاعد عراقيل السفر والتنقل والحركة[41]، وهذا الوضع يستدعي من الشباب التغلّب عليها واستعمال الحيلة في طريقة التعامل مع عتبات ما هو مسموح به اجتماعيا ومع حدود التي يرسمها المخيال.

نساء عاطلات عن العمل

نحاول في الجزء الثاني من هذا المقال الاهتمام بوضعية النساء في مرحلة الشباب من خلال إعادة بناء الإطار المرجعي المتعلّق بمعاشهن وتمثلاتهن للعمل استنادا على تحليل مقابلات أجريت مع شابتين عاطلتين عن العمل (حالتان)، ومع 15 شابة أخرى موجودة في مرحلة تكوين المهني، ومع 4 شابات يزاولن نشاطات مهنية مؤقتة.

الحالة الأولى تمثلها السيِّدة ز، امرأة متزوجة

تتحدّد علاقات البطّالات بالعمل وفق حالاتهن العائلية، فالمرأة المتزوجة، وإن كانت تتمثل نفسها عاطلة عن العمل، فهي تعبّر عن رغبة في مزاولة عمل في منزلها أو على الأقل في مكان لا يتواجد فيه إلا النساء، كما تعتبر أنّ التعليم هو المهنة المثالية بالنسبة لهّا. تصرّح السيدة "ز"، المقيمة في مدينة وهران والبالغة من العمر 26 سنة[42] أنّها بصدد البحث عن الشغل منذ 6 سنوات، "ولكن للأسف عند حصولي على أول استدعاء بعد 5 سنوات من الانتظار كنت قد تزوجت وزوجي لم يرض بخروجي للعمل لأنّه ضد عمل المرأة خارج البيت" رغم مزاولتها الدّراسة في مدرسة للتكوين المهني المتخصّص في الإعلام الآلي، وفي الوقت الذي كانت فتيات أخريات تختار تعلّم الخياطة والطرز. تقول المستجوبة :

"إذا كانت لي حرية الاختيار أفضل العمل في مجال تخصّصي (الإعلام الآلي) وبما أنّني تلقيت تكوينا، فهذه حرفتي...".

حاولت السيدة "ز" أن تضع حدا لوضعية البطالة عندها وذلك بإرسال طلبات عمل إلى العديد من المؤسسات، كما لجأت لتسجيل نفسها في قوائم الديوان الوطني لليد العاملة. تعتبر المستجوبة، وأمام الظروف الاجتماعية الصعبة التي تعيشها (حامل في شهرها السادس، تسكن في عمارة مهدّدة بالسقوط)،أنّه لا حلّ لوضعها المادي المزري سوى تسامح زوجها مع فكرة خروجها للعمل، وبالنسبة لهذه الشابّة، فإنّ إنجاز المشروع العائلي لا يمثل غاية في حدّ ذاته، كما أنّ الزواج لا يمكنه أن يعوّض حالة النشاط المهني. يؤسّس هذا التصوّر لنظرتها الاجتماعية للعمل - والتي تكاد تكون مرتبطة مباشرة بعامل السنّ عندها - ونظرتها لدورها في المجتمع. تصرّح المستجوبة قائلة:

"على الأقل أقول أنّني أنجزت عملا مهما في حياتي... لم أقم فقط بالزواج وإنجاب الأولاد، وإنّما ساهمت مثلا في تكوين الشّباب.... في حين أن التقاعد بالنسبة لي لا يعني لي أي شـيء".(وهنا ترد الأم: "الزوج لا يمنح لك معاشا ولكن العمل يضمنه لك").

لقد غادرت السيدة "ز" المدرسة في سنة 1986، وبعد أربع سنوات من ذلك وجدت نفسها حائزة على شهادة في الإعلام الآلي لا تدري ما العمل بها. التحقت المبحوثة بالحياة المهنية من بوابة البطالة وبقيت على ذلك الحال ما يقارب الثلاث سنوات. أوّل تجربة لها مع العمل المأجور مرتبطة بتقديمها لدروس تدعيمية لأحد أبناء جيرانيها كان يواجه صعوبات التحصيل في المرحلة الابتدائية في بيته. استغرقت هذه التجربة المهنية مدّة سنتين. لا تصنّف السيدة "ز" هذه التجربة المهنية على أنّها فترة عمل ظرفي أو على أنّها عمل بالبيت، فهذه المبحوثة تقدم نفسها دوما في صورة العاطلة عن العمل عندما لا تستعمل صفة الماكثة في البيت لتحديد هويتها لمحقّقي الإحصاء الرسميين، شأنها في ذلك شأن بقية المستجوبات في هذا التحقيق.

تبدي السيدة "ز" نوعا من الواقعية في التعامل مع وضعها الاجتماعي، وتحاول البحث عن توافق بين تحقيق تطلّعاتها الشخصية من خلال العمل وبين مواقف زوجها السلبية منه، وهو ما يتعارض تماما مع موقف والدتها التي تتصوّر أنّه ليس لها أي شيء تخسره في وضعيتها الاجتماعية الحالية:

"أنا لا أبالي لما يقوله الجيران، ليسوا هم من يؤمنون لهم الطعام".

تتصوّر السيدة "ز" نفسها قادرة على الشغل ببيتها ككاتبة بالإعلام الآلي إذا ما توفر لها جهاز كومبيوتر، أو حتى قادرة على تسيير دار صغيرة لحضانة الأطفال وتصرّح قائلة:

"يمكن أن أقوم بحضانة أطفال هنا عندي بالمنزل... فزوجي لا يمانع ذلك بما أنّ كل ما يريده هو أن لا أخرج من البيت".

تعبّر السيدة "ز" عن عجز واضح في التطلّع إلى المستقبل برغم صغر سنها (26 سنة) ووضعها العائلي وشهادتها في تخصّص الإعلام الآلي وتواجدها بمدينة مثل مدينة وهران، فهذه الشابة تجد صعوبة بالغة في اقتراح نشاط مهني أو اثنين يُمكِنها الاستثمار في أحدهما. يترجم هذا العجز بشكل واضح في موقفها المنفعل ضد المسؤولين وأعوانهم، ومن خلال شعورها العميق بالإقصاء عندما تصرّح قائلة :

"المحسوبية أفلست هذه البلاد... من أجل العمل، ومن أجل الدّراسة، ومن أجل كل شيء... المحسوبية هي التي أفلست البلاد، وحده المستفيد من المحسوبية يمكنه العيش .... يأكل مليح، ويشرب مليح، ويمشّي مليح أموره (والله شاهد). أمّا من ليست لديه "المعارف" فيعيش تحت الأرض، فالاعتماد على العمل وحده أو الكفاءات لا تكفي أمام ابن مدير أو مسؤول أو ابن شخص غني...، لأنّه لا يملك مصالحا معاك ياقليلة لشخص متواضع اجتماعيا)، فمصلحتهم مع الآخرين".

الحالة الثانية تمثلها الآنسة "س"

يتوافق رؤية النساء العازبات للتكوين مع فكرة الحصول على عمل خارج البيت ومع تصوّرهن لمشروع حياتهن. تمثل الشابة العازبة "س" التي تبلغ من العمر 21 سنة والمقيمة بمدينة وهران نموذجا لهذه حالة. فهذه المبحوثة أخفقت أربع مرات في الحصول على شهادة الباكالوريا، وتابعت تعليمها في الإعلام الآلي بجامعة التكوين المتواصل، وكانت تعتقد أنّ "التكوين في الإعلام الآلي سيسمح لها بالعثور على منصب في ظل "توسّع الرقمنة". تنظر "س"، المنحدرة من وسط اجتماعي متوسط (الأب يمارس مهنة التجارة بعدما كان مديرا بمؤسسة عمومية، والأم تعمل على جهاز الإعلام الآلي في إدارة) إلى العمل على أنّه مصدر للتحفيز والثراء المعرفي، وتصرح قائلة في هذا السياق:

"البعد المادي حاضر عند البحث عن شغل لكنه ليس هو الأهم. ما أبحث عنه في العمل هو أن أكون متحفّزة ومجدّة على كل المستويات وقادرة على حسن الحديث... فكل يوم نتعلم أشياء جديدة، ومن أجل هذا أرغب في العمل لمعرفة ما يفكّر فيه الآخرون ولأكون في اتصال معهم".

وبالنسبة لهذه المستجوبة، لا يمكن الفصل بين العمل والحريّة، بل أكثر من ذلك، تعتبر الفتيات حريتهن الشخصية مرتبطة حتما بالعمل. يقترب خطاب هذه المبحوثة حول العمل، حسب رأينا، من منطق التسوية الذي تبحث عنه )س( مع محيطها الأسري، فهي لا تمانع في العمل المأجور، "ولكن من أجل ممارسة نشاط قابلة أو طبيبة وليس من أجل الخيّاطة"، وفي انتظار تحقّق حلمها المتمثل في أن تكون مضيفة بالطائرة، لا تتردّد الآنسة "س" في توجيه طلبات العمل بطريقة تفضيلية إلى الخطوط الجوية الجزائرية أو مصالح الجمارك.

تلازم حالة غموض الوضعية المهنية للآنسة "س" وتتساءل فيما إذا كانت طالبة أو عاطلة. التصريح التالي يعكس هذا التصوّر: "لا يمكنني تحديد وضعي: أحيانا أقول عن نفسي أنني طالبة وأحيانا أخرى أقنع نفسي بأنّني عاطلة وعلي أن أبحث عن عمل"، وفي لحظات الملل واليأس لا أرى مجالا لتحقيق مستقبلها إلا من وراء البحر: "مستقبلي لا أعرفه؟ إذا تمكنت من الرحيل فأرحل...، أغادر البلد إذا ما لم أتمكّن من الحصول على منصب عمل أو متابعة الدّراسة". علينا القول أنّ المقترحات المهنية الممكن الاستثمار فيها مثلما، تعبر عن ذلك المبحوثة والمرتبطة أساسا بإنشاء مؤسسة صغيرة، تتوافق مع سنّها ومع محيطها الاجتماعي، وكذلك مع انتظاراتها من العمل خصوصا عندما يتعلّق الأمر بنشاطات تقديم خدمات خاصة بأعياد الميلاد، أعراس، الختان وغيرها من الاحتفالات العائلية التقليدية أو التنشيط (disc-jockey)، أو نشاط تصوير الحفلات.... فهي ترى نفسها قادرة على خوض الغمار في مثل هذه النشاطات، لا تستبعد المبحوثة فكرة البحث عن شخص بإمكانه مشاركتها في إنشاء مؤسسة صغيرة تكون رائدة في هذا المجال.

العاملات في ظروف هشّة

نجحت بعض الشابات منذ سنتين في الحصول على فرصة عمل مؤقتة قابلة للتجديد كل ستة أشهر في إطار برامج تشغيل الشباب بمصلحة الملاحظة والتربية في الوسط المفتوح. وأثناء الإعداد هذا التحقيق الميداني، قبلت ثلاثة فتيات عازبات وامرأة مطلقة، ينحدرن كلهن من مدينة وهران، الإجابة على أسئلتنا.

تتراوح أعمار هذه الفئة ما بين 21 و25 سنة، ينتمين إلى أوساط اجتماعية متوسّطة، ولهن مستوى تعليمي ثانوي بعدما إخفاقهن في الحصول على شهادة الباكالوريا. تقوم الفتيات الثلاثة بتحقيقات اجتماعية غرضها متابعة الشّباب الجانح، يعملن لمدّة 4 ساعات في اليوم براتب شهري يقدر بـ 2300 دج، لكنهن يعتبرن أنفسهن "عاطلات عن العمل" لأنّ نشاطهن المهني غير مستقر، فعدم امتلاكهن لمهنة باعتبارها أساس كل عمل حقيقي، والراتب الزهيد الذي يتقاضينه بطريقة غير منتظمة والتوقيع العشوائي لعقود العمل ولوثائق تجديدها تنتج مثل هذا التمثّل حول واقعهن المهني. يعكس التصريح التالي جزء من هذه التمثلات:

"منذ سنتين ونحن نسمع بأنّ الدّولة ستلغي هذه العقود وهذا ما يجعلنا في حيرة من أمرنا".

تمثل السيدة "ف" حالة الأخرى من الهشاشة الاجتماعية. فهي مطلّقة، من وسط اجتماعي فقير، تعمل منظّفة في إطار عقود تشغيل الشباب، توقفت عن الدّارسة في السابعة من عمرها مباشرة بعد وفاة والدها واشتغلت لمدّة 13 سنة في مصنع خياطة خاص، ثم توقفت عن ذلك لمدّة سنتين خلال فترة زواجها من رجل يعمل بالميناء. كانت تمنى نفسها في أن تجد في الزواج الأمن الضروري (مسكن والإطعام)، لكن ظنّها خاب وانتهى بها الأمر للطلاق. وعندما عادت إلى بيت عائلتها، بعثت السيدة "ف" بالعديد من طلبات التوظيف إلى المؤسسات العمومية بحثا عن العمل في مهنة النظافة. قُدمت لها نصيحة "فهمي روحك"، بمعنى عليك تقديم الهدايا للحصول على عمل" ولكن بدون جدوى. لم يسمح لها وضعها الاجتماعي الناتج عن ضيق المسكن والمشاكل المتراكمة مع أشقاءها بالبقاء البيت (5 بطالين، وأخت تعمل بمصنع والأخرى ماكثة بالبيت).

إذا كان الخجل من التصريح بأنّها تشتغل منظفة في إطار عقود تشغيل الشباب قد لازمها في بداية مسارها المهني، فإنّ هذا الوضع، المعلّل حسبها بضعف مستواها الدراسي الذي لا يتيح لها سوى التواجد ضمن هذه المهن، ما يلبث أن يزول. فلا تقبل هذه السيدة المستجوبة القيام بالنشاط المهني نفسه في البيوت حتى ولو حقّق لها مدخولا جيدا، فمكانتها الاجتماعية داخل الحي بصفتها "ابنة عائلة" تدفعها لرفض ذلك لارتباطه بتمثّل الدونية (تغيضني عمري). تجدر الإشارة إلى أنّ عائلتها أيضا تمانع فكرة اشتغالها بالبيوت بالرغم من أنّ والدتها متقاعدة من المهنة نفسها بعد مسار مهني بمدرسة ابتدائية. تأمل السيدة "ف" في الحصول على منصب شغل دائم بعد نهاية عقد عمل مؤقت الذي دام سنتين في إطار "تشغيل الشّباب"، كما أنّ رضاها عن أدائها المهني يدفعها للبحث عن عمل آخر لتحسين مدخولها المادي في أوقات الفراغ، لكن وفي غياب كل إمكانية مادية للاستقلالية تفتقر للخيال ولا تعتبر العمل إلا مصدرا للرزق سواء كان ذلك في مؤسسة خاصة     أو عمومية.

إذا كان من البديهي تفهّم تمسك السيدة "ف" بعقد العمل المؤقت في إطار تشغيل الشباب بوصفه مصدرا يوفر لها دخلا ماديا، فتجربة الفتيات الأخريات، أتاحت لهن استنتاجات أخرى وبيّنت أن الأولوية في وضعهنّ الاجتماعي ليست مرتبطا بالدخل المادي وإنّما بطبيعة العمل الذي يمارسنه والحرّية التي يتيحها لهن، فالتنقلات إلى بيوت المراهقين الموجودين تحت متابعة مصلحة المراقبة في الوسط المفتوح تتوافق مع إنتظاراتهن في الحركة والتجديد، فإجراء التحقيقات الاجتماعية في الأحياء "الساخنة" "يعطي معنى لحياتهن": "لدينا إحساس بأنّنا نقوم بشيء مفيد"، كما أنّ خصوصية العمل في مجال مصالح التربية في الوسط المفتوح مع شباب جانح الذي تتكفل به شبابات قد أعطاهن الشعور بالاعتراف والأمل على الرغم من أنّ مستقبلهن المهني غير واضح، والشيء نفسه بالنسبة للزواج، ووحده المسار المهني يمكنه أن يحقق قدرا من الأمان.

خلاصة القول، يمكن أن نعتبر أنّ علاقات النساء المستجوبات بالعمل ترتكز على اجتماع عوامل تؤثّر في صياغة معانيه مثل السنّ، الحالة العائلية والمحيط الاجتماعي. وعلى العموم، فإنّ النساء العازبات - مهما كان مستواهن الاجتماعي - يبحثن عن منصب عمل خارج البيت ويرجون التحرّر من الصعوبات العائلية، وهذه الوضعية هي قاعدة العلاقة الموجودة بين هاته الفتيات والتشغيل، أمّا النساء الأكثر نضجا سواء كنّ متزوجات، أرامل أو مطلقات، فيبحثن عن التوفيق بين العمل وتسيير البيت، كما أنّ الفئة العمرية التي يتراوح سنّها ما بين 18 و28 سنة توجد غالبا في حالة ترقب للعمل، في حين يرافق التكوين، أو يسبق، أو يتبع ممارسة أي نشاط مهني. تختلف علاقة هذه الفئة المستجوبة مع المؤسسات التي تمثل الدّولة بحسب التجارب الفردية لهن وتتراوح ما بين وضعية عدم الانتظار بالنسبة للفئة المستفيدة من التكوين وانتظار التكفل التام، فـالوعي القوي بالأزمة الاقتصادية لدى المبحوثات يترجمه وعيهم بضرورة مبادرتهن من أجل استحداث فرص للشغل تفرضه الحاجة إلى دخل إضافي لضمان مستقبلهن الذي لم يعد يحقّقه فقط الوضع الاحتمالي للزواج.

لا تبدو النساء المستجوبات مستعدات للقبول بأيّ نشاط مهني قد يعرض عليهن بالرغم من تواجدهن ضمن ظروف حياة صعبة، كما أنّ العائلة - وإن كانت في وضع غير مستقر - لا تزال تواصل لعب دور الحماية، فالمنزلة الرئيسة التي تشغلها المرأة تعطي كل معناها للعلاقة التي يجب تنظيمها بين العمل وشغل البيت، وهذا الحضور لا يعكسه سوى التفاوض الدائم معها، بحيث تتصرف على أساسها (نصائح الأب أو الأم) وتحاول إقناعها دون المواجهة المباشرة مع المعارضين لها.

نظريا، تملك النساء الحظوظ نفسها مثل الرجال للولوج إلى سوق العمل، لكن الواقع يكشف عن ضعف في التزامهن بهذه المسألة. لا يستوفي تأويل هذه الظاهرة صحته دون اللجوء إلى التاريخ والتحقيقات السوسيو أنثروبولوجية التي بإمكانها المساعدة على استخلاص آفاق عملية وواقعية تعيد النظر في خطابات السلطات العمومية المحكومة بالنظرة الخطيّة والعقلانية الأحادية، فتوسّع تمدرس الفتيات بالخصوص لم تكن له النتائج المتوقعة فيما يتعلق بالرفع من قابلية تشغيلهن خارج منازلهن، ومردّ ذلك لتقاسم المجتمع مع نسائه[43] النظرة نفسها حول مسألة العمل خارج البيت، نظرة تعطي للزوجة وللأم المكانة المحورية في مشروع الحياة.

لقد بيّنت هذه الدّراسة أنّ العمل المنزلي هو النشاط الاقتصادي المهيمن لدى النساء، لأنّهُ يسمح لهن بتنظيم وقتهن وفقا لشغل البيت وتبعا لانشغالاتهن بالأطفال، فالتسيير المرن للوقت الاجتماعي ومرونة أوقات العمل تسمح لهن بتعويض جزئي للاستثمار الملاحظ على المستويات المذكورة أنفا، وفي هذه الحالة يصبح تخفيف ظروف التكفل بالعمل المنزلي ومهام الأمومة أمرا ضروريا. وحده الوعي الحقيقي والتزام أصحاب القرار باستحداث نشاطات داعمة للنساء يمكنها ضمان ظروف نجاح تشغيل النساء مع تنمية مجالات تمنحها القابلية لتجلي نشاطاتها في الفضاء العام، وهذا ما قد تمثله الأعمال ذات المنفعة العامة.

تتضافر آفاق استثمار النساء في مجالات العمل لتشكّل نموذجا من "الواقعية" التي تعبّر عنها كما يلي: "قبول الإدماج في الحياة العملية بدون الدخول في تحد مباشر ومواجهة مع ما يفرضه المجتمع"، وهذه الواقعية ستسمح بالاستفادة النسبية من "أوقات عمل مرنة"، "القيام بما تهواه النساء من النشاطات"، "الاستفادة من مداخيل مالية معتبرة" و"العيش في جو من السلم الاجتماعي داخل الأسرة". تأخذ هذه الواقعية كل معانيها في المجتمع الجزائري (وقد يكون ذلك في كل المجتمعات المغاربية؟) الذي لا يزال لم يدمج كلية عمل النساء ضمن سياق اعتباره عاملا للتغيير الاجتماعي وليس مجرد مصدر دخل إضافي فقط. ومن جهة أخرى، تحثّ دينامية نشاطات النساء في القطاع غير الرسمي - والباحثات عن تحقيق طموحاتهن المتجذّرة - بطريقة جلية نحو تجاوز الحدود المفروضة عن طريق المجتمع إلى البحث عن اعتماد مقاربة للتسوية معه. تجد هذه الواقعية وحالة التسوية تبريراتها في ظل غياب تدابير المرافقة في شكلها الاجتماعي والثقافي، والتي إن وجدت، فإنّها ستدعم وتشجع على تزايد النساء الجزائريات ضمن مجال العمل الرسمي (قلّة في دور الحضانة، غياب المؤسسات المتكفلة بالأشغال المنزلية، ضعف الصناعات الغذائية).

يمكن أيضا لتغيير صورة النساء عبر وسائل الإعلام وتغيير بعض مضامين الكتب المدرسية أن يسمح بظهور سيرورة اقتداء لدى الفتيات الشابات انطلاقا من نواة "الشغل" وليس من خلال الدور التقليدي الذي تمثله الأم أو الزوجة فقط، فاللجوء إلى الصورة والاتصال يجب أن يركز على تثمين عمل النساء خارج المنزل وتثمين الفعالية التي يتمتع بها من يشتغلن بالمنزل، كما أنّ دور السلطات العمومية في تشجيع نشاطهن المهني يمكن أن يترجم أيضا بشكل ملموس من خلال الاستفادة من حماية اجتماعية أفضل.

خلاصة

سمح التحقيقان اللذان قمنا بهما حول الوضعية المختلفة للشباب بملاحظة وعي قوي بالأزمة الاقتصادية. وعي فرضته الحاجة لدخل إضافي لتحقيق مستقبلهم، يترجم بشكل ملموس عندهم من خلال السعي لاستحداثهم فرصًا للشغل الخاص، خصوصا عندما يصبح الزواج عند الفتيات متغيرا احتماليا. لا يعني تواجد الشباب ضمن ظروف الحياة الصعبة قبولهم "القيام بأي عمل"، فالمكانة الهامّة التي تشغلها الفتيات ضمن العائلة تعطي كل معناها إلى العلاقة التي يجب إبرامها بين العمل وبين العمل المنزلي، والتي لا تجد معناها إلا ضمن التفاوض الدائم، فالنساء يحاولن دوما إقناع محيطهن (اتباع نصائح الوالدين) بما يقمن به بعيدا عن أية مواجهة ومعارضة مباشرتين.

إنّ تجربة التعاونيات، التي كانت استجابة من للسلطات العمومية لهدفمحدّد يتمثل في استحداث فرص لتحقيق الإدماج المهني، قد تحوّلت في الواقع وأصبحت تمثل فرصة للحراك الاجتماعي لتحسين وضع اجتماعي مسبق. فتفسير هذا "التحوّل عن غايات الأهداف المسطرة" على أنّه فشل هو الذي دفع بالسلطات العمومية إلى وقف هذه التدابير المرتبطة ببرنامج تشغيل الشباب. علينا التذكير بأنّ السلطات العمومية أعادت صياغة برنامج عمومي آخر مسيّر من طرف الوكالة الوطنية للتنمية من أجل دعم التشغيل ومحاربة البطالة، وقد جاء لمواجهة تبعات تطبيق مخطّط التصحيح الهيكلي (1994)، وكانت غايته استحداث تدابير أخرى لفائدة العاطلين عن العمل وفق معايير سوسيو ديمغرافية تراعي عوامل السن، مستوى التكوين ومكان الإقامة[44]، كما شجّعت التشغيل الذاتي من خلال "الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب" A.N.S.E.J، والصندوق الوطني للتأمين على البطالة C.N.A.C. والوكالة الوطنية لتسيير القروض المصغّرة ANGEM.

يشير التقرير الذي يمثل مقترح "مشروع السياسة الوطنية للشباب والرياضة سنة 2007"[45] إلى أنّ "الآليات والبرامج المقترحة لهذه الفئة تبقى غير فعّالة لأنّ تصميمها تمّ على أساس فئوي في غياب للتنسيق الضروري بين السياسات العامة"، فالتقرير، يرى أنّ الشباب يتواجد في وضعية أزمة"، ويعدّد التدابير والأجهزة والبرامج الموجهة لهذه الفئة غير كافية على أهميتها. وكدليل على هذا التوصيف، يستند التقرير على عدد النصوص القانونية التي تمّ إقرارها منذ الاستقلال: فمن بين 1538 نصًا قانونيًا لفائدة "الشباب"، "التربية"، "التكوين المهني" و"التعليم العالي" المعلن عنها منذ الاستقلال، نسجل وجود 108 نصا خاصا بهذه الفئة المرتبط بالدائرة الوزارية المهتمة بالشباب، وهو ما يعادل 7.02%، يضاف إليها الاتفاقيات القطاعية حول هذه الأهداف الاستراتيجية ضرورية اتجاه هذه الفئة، والتي تشمل 15 وزارة. سبع إدارات يمكنها الاعتناء بفئات الشباب المستهدفة من خلال النشاطات ذات الأولويّة والمتمثلة في: الشباب المدمج ضمن المنظومة المؤسساتية، الشباب غير المدمج ضمن المنظومة المؤسساتية، المنحرفون، الفتيات والأطفال، الشباب في أوقات فراغ، الشباب الذي يواجه خطر مرض السيدا، الشباب والحركة الجمعوية.

أضف إلى ذلك، فماعدا الست صفحات الأولى من هذا التقرير والتي تدعو إلى تغيير النظرة في المستقبل حول قضايا الشباب بالتركيز على مقاربة كيفية، فإنّ بقية ما ورد فيه يعيد استخدام التقليد القائم على عرض تقييم مبني على المعطيات الكمية، كما يحدّد الفئة العمرية للشباب ما بين 6 و29 سنة عوض اللجوء إلى المعايير العالمية والتي تصنف الفئة نفسها ضمن المرحلة العمرية الممتدة ما بين 15 و25 سنة، وهذا الاختيار يضفي غموضا حول الحدود الموجودة ما بين "الشباب" و"الطفولة"، مع دمج آلي بين الشباب والرياضة وإلحاق الوضعية الاجتماعية للفتاة بالطفولة ليجعل منها ضمن وضعية القاصر، كما أنّ التقرير نفسه لا يذكّر بنتائج التحقيق المشار إليه في متن النص الذي أجري حول الشباب في أوت 2007.

تساهم أنماط التنشئة الاجتماعية العائلية والسياسية في سيرورة تكوين هويّات جماعية مبنية انطلاقا من عدد من البرامج التي تعكس الانتظارات المؤسساتية "للدولة، العائلة، المدرسة" و تتجلى في ممارساتهم الخطابية، وهذه الأنماط مبنية على التبعية وعلى مبدأ إبعاد إمكانية اتخاذ القرار، تؤدي إلى تمديد مرحلة الشباب لتشمل أيضا مرحلة البلوغ أو الرشد من حيث التمثلات والممارسات، بحيث يبدو أمر الانتقال إلى مرحلة الرشد متعبا ومؤجلا ومتمايزا. التنظيم الاجتماعي للتبعية يؤدي في كثير من الأحيان نحو الضّرر لأنّه ينمي أكثر فأكثر المطالب الاجتماعية ويزيد فيجعله متشدّدا في الطلب.

بيبليوغرافيا

Abzahd, M. (1991). Activité et chômage des jeunes citadins au Maroc Diagnostic. Communication au 8ème colloque de démographie Maghrébine, Alger, 13,14 et 15 octobre.

Abzahd, M. (1980). Le dispositif d’enquêtes périodiques sur l’emploi urbain : bref aperçu méthodologique et principaux résultats du premier passage 1976. Communication au 47ème colloque de démographie Maghrébine, La main d’œuvre et l’emploi dans les pays du Maghreb-Hammamet (Tunisie) 9-13/06/1980.

Benghabrit-Remaoun, N. (1993). Jeunes en situation scolaire, représentations
et pratiques. Naqd, 5, Alger : avril-août.

Benghabrit-Remaoun, N. (1995). Femmes et développement, Oran : Les ouvrages du CRASC, 358 pages

Benghabrit-Remaoun, N. (1998). L’école Algérienne, transformations et effets sociaux, in l’école en débat. Réflexion, 2, Alger : Casbah Edition.

Benghabrit-Remaoun, N. (1998). Rapport à l’institution scolaire chez les lycéens de terminal, et itinéraires de scolarisation et espaces de socialisation, Insaniyat, 6, septembre-décembre.

Benghabrit-Remaoun, N. et Haddab, M. (2008). (dir.), L’Algérie 50 ans après. État des savoir en sciences sociales et humaines 1954-2004, Oran : Éd. CRASC.

Benghabrit-Remaoun, N. (2002), Les étudiants de première année. Cahiers du CREAD59/60, 1er et 2ème trimestre, formation pédagogique et pratiques d’enseignement dans le supérieur.

Bernard, C. (1991). (dir.), Nouvelles logiques marchandes au Maghreb, Paris, ED.CNRS.

Blanchet, A. (1992). L’entretien dans les sciences sociales. Paris : Dunod.

Boulahbel, B. (1995). Communication sur l’emploi : situation actuelle et perspective – atelier « politique sociale et programme d’ajustement structurel », palais des Nations Alger 10-11 et 12 octobre 1995- atelier organisé par le ministère de travail et de la protection sociale  de l’institut national d’étude de stratégie Globale.

Brahim-Errahmani, A. (2010). L’adolescence délinquante entre responsabilité et fatalité. Alger : OPU.

Cellier, H., et Rouag-Djenidi A. (2008). Algérie-France. Jeunesse, ville et marginalité. Alger : Chihab Edition.

Charmes J. (1991). Mesure statistique de la population active et du secteur informel en Algérie. Situation actuelle et orientation méthodologique, décembre 1991, Rapport de mission auprès de l’O.N.S du 13 au 20 décembre 1991 pour le bureau statistique des Nations Unies pour le développement.

Collections statistique n° 27, Travailleurs à domicile en Algérie. Caractéristiques et structures. juin 1998, O.N.S.  

Collections statistique n° 31, L’activité féminine en Algérie, collections statistique n° 36, Situation de l’emploi, 1990, O.N.S.

Collections statistique n° 52, Situation de l’emploi, 1991-1992, O.N.S.

De Certeau, M. (1994). L’invention du quotidien. Paris : Gallimard.

Délégation Générale du gouvernement en Algérie. «  Résultats générale de recensement de la population du 31 octobre 1954 », vol. III, population active, SSG, Alger.

Guillaume, J.-F. (1998). Histoires de jeunes. Des identités en construction. Paris : L’harmattan, Logiques sociales.

Marouf, N. (1996). (dir.), Le travail en question. Paris : L’Harmattan.

Pitrou, A. (1992). Les solidarités familiales. Toulouse : Ed. Privat.

Recommandations internationales en vigueur sur les statistiques du travail, Bureau Internationale du travail, Genève, 1988.

République Algérienne Démocratique et Populaire, Haut-commissariat au développement de la steppe, cellule de maturation du projet F.I.A., Etude portant sur l’aménagement de 60 unités pastorales. Etude de la Zone Ouest, Rapport n° 6, composante Femmes Pastorales, Étude élaborée sur le bureau National s’études pour le développement Rural. Aout 1993.

Shehr, S. (1999). La vie quotidienne des jeunes chômeurs. Paris : P.U.F, Sociologie d’aujourd’hui.

الهوامش 

* مقال منشور في مجلة إنسانيات باللغة الفرنسية ،عدد 55-56 | 2012، ص. 91-120. بعنوان:

« Jeunes et vécu social en situation de crise : retour sur des recherches menées dans l’Algérie des années 1990 »

[1] ما قيمنيش: تشير إلى نقص في الاحترام والتقدير والاعتبار.

[2] حقرني: وتعني استصغرني أو استهان بي أو نظر إلي بازدراء.

[3] حيطيست (نسبة إلى الحائط أو الجدار) وهو لفظ تداوله الشارع الجزائري (سنوات الثمانيات والتسعينيات) كناية عن حالة البطالة التي عانى منها الشباب.

[4] Boudon, R. (1983). Les jeunes. La grande encyclopédie. Paris : Librairie Larousse, t. XI, p. 679-1610.

[5] Galland, O. (1991). Sociologie de la jeunesse, L’entrée dans la vie. Paris : Armand Colin, collection « U », sociologie, p. 63.

[6] انطلاقا من اعتبار "الشباب بناءً اجتماعيًا"، يبني مسار عبوره إلى سنّ الرشد عن طريق أفعاله و تطلعاته، فقد دفعتنا تحقيقاتنا الميدانية حول الشباب حاملي المشاريع وعناصر التفكير الأولية حول نتائجها إلى توسيع مجال البحث ليشمل "الحيطيست".

[7] مراحل التفكير في المقاولاتية: الدوافع، الاجراءات، العوامل، العجز، الدور، تسيير القنوات الرسمية وغير الرسمية للمعلومات والدّعم. في هذا الاطار، الهيئات التقليدية مثل العائلة والهيئات الحديثة مثل الجمعيات، مراحل تصميم وانجاز التعاونيات، العلاقة مع السلطات، هياكل التمويل، الرقابة الادارية وأشكال العمل بصفة عامة.

[8] C.N.E.S, Forum international sur l’emploi des jeunes, 11-13 mars 1996.

[9] أحداث أكتوبر 1988 وتداعياتها المتعدّدة.

[10] Ibidem., C.N.E.S., données O.N.S.

[11] Ibidem.

 [12]عقد ما قبل التشغيل، عقد تكوين من أجل الادماج، منصب عمل مأجور ضمن مبادرة محلية (1991)، مقاولات للشباب، شغل حر.

 [13]افتقارهم إلى الخبرة المهنية، نقص في التكوين، نقص فرص الادماج ولكن لديهم أفكار ومؤهلات (لخلق نشاطات).

[14] حصيلة عن الشغل من إعداد وزارة العمل والحماية الاجتماعية، سبتمبر 1995.

[15] دراسة قام بها مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية في جويلية 1996 حول "ترقية الشغل عند النساء".

[16] Rapport National à la conférence Internationale sur la population et le développement, le Caire, 5-13 septembre 1994.

[17] Revue El-Bahia, n°10, septembre 1993.

[18] حصيلة مديرية لإدماج الشّباب لولاية وهران من سنة 1990-1993.

[19] بمعنى إخفي نفسك.

[20] تمّ منح القرض على أساس نسبة فائدة مقدرة 14% في سنة 1991-1992 ونسبة 18% منذ سنة 1993-1994. يتعلق الأمر 70% من إجمالي القرض الممنوح للمشروع.

[21] التكلفة الاجمالية للمشروع لا يجب أن يتجاوز 3.000.000 دج، حصة الفرد لا تتجاوز 50.000 دج، عدم تمويل بناء محل من طرف البنوك ولكن إمكانية المساعدة على تحديثه في حدود 20%.

  • تكفل الدولة بـ 30% من القرض البنكي غير قابلة للاسترداد من طرف المقاولين.
  • الكفاءة المهنية ضرورية على الأقل لعضو واحد في المشروع.
  • تسوية الوضعية إزاء الخدمة الوطنية ويمكن إعفائها لمسير المشروع.
  • أن يتراوح السّن ما بين 19 سنة وأقل من 37 (38 سنة للرئيس).

[22] 6 شباب لهم أقل من 25 سنة، و10 لديهم 25 سنة وأقل من 30 سنة و7 لهم أكثر من 30 سنة.

[23] المعدل: تسعة ثانويين؛ ثمانية أساسيين؛ خمسة أميين.

[24] ثلاثة عشر مقاول سووا وضعيتهم إزاء الخدمة الوطنية؛ واحد استفاد من الإعفاء؛ اثنين تأجيل؛ اثنين في وضعيات اخرى.

[25] يبادر الشّاب بالإجراءات والمبادرات دون استشارة والديه. "مجموع التصرفات، نماذج السلوكات الثابتة تحت تأثير تكرار الأفعال الفردية وتشكيل السلوك.

[26] البشري. أنظر:

« Lefort introduction à l’œuvre d’Abraham Kardiner ».

[27] يقدم هذا السياسي صورة حيّة عن نموذج الحيطيست قائلا: "متكئ على الجدار أو مكتوف الأيدي على حافة الطريق، ينظر إلى عبور المارة أمامه ومعهم يتابع مرور وقت حياته. ولد الحيطيست في عالم لا مكانة فيها للمبادرة الفردية، فكل شيء يجب أن يأتي "من الأعلى". لم نفكر في تحرير الناس من علاقاتهم القديمة وواصلنا في إيهامهم والقول لهم أنّ الآلة تعرف نوعا من الخلل وبأنّها ستستأنف نشاطها عن قريب. إذا كان الفراغ مرادفا لكلّ العيوب، فـ "نزعة الحيطيست Hitisme" أكثر منه بدرجة لأنّه مرادف للفراغ الكلي للروح ولعدم حركية جينية، وللنظرات المحملة بالتهم للآخرين، لسياراتهم الجميلة وألبستهم. مثل هذا الفرد مستعد للقيام بأي مغامرة لأنّه يعتقد أنّنا حرمناه من نصيبه، فهو يبدي غضبا صامتا ضد الدولة التي لم توظفه ولم تقدم له سكنا، لا يعطّل نشاطات الصالح العام ولا يحفز نفسه للعودة للمجتمع ولكنّه يبحث عن وسائل للابتعاد عنه أو لينتقم منه".

La nouvelle Algérie – programme officiel déclaration au peuple algérien. El Moudjahid, 8-9 septembre 1995, p.14

[28] Addi, L. (1995). L’Algérie et la démocratie. Pouvoir et crise du politique dans L’Algérie contemporaine. Paris : La découverte, coll. « Textes à l’appui », p.218

[29] Carlier, O. (1995). Entre nation et djihad, histoire sociale des radicalismes algériens. préf. De Jean Leca, Paris : Presses de la fondation Nationale des sciences politiques, p.341-342.

[30] حول موضوع الوصم الاجتماعي أنظر:

Becker, H.-S. (1985). Outsider. Études de sociologie de la déviance (1963). Traduit de l’américain par J.-P. Briand et J.-M. Chapoulie, Préf. De J.- M. Chapoulie, Paris : Éditions A.-M. Métailié, coll. « Observation », p.54-59 et 203.

[31] يبدو من هذا التوصيف أنّ عالم "الحيطيست" تسيطر عليه فكرة الحظ (الزْهَر) التي نادرا ما تقف إلى جانبه. كلمات إحدى أغاني الراي، وهو نوع موسيقي شبابي ظهر في الغرب الجزائري، تتحدث عن ذلك قائلة: " لاَ زْهَر لاَ مِيمُونْ "، والتي تعني لا وجود للحظ ولا للأمل، وهما ملعونان (المغنيان الشابة فضيلة والشاب صحراوي، "أغنية نسال فيك"). أيضا كلمات أغنية أخرى تتحدث عن الشيء نفسه: "لاَ زْهَرْ لاَ مِيمُونْ "، والتي تعني "لا حظ، لا سعادة" (الشاب خالد، "أغنية الديدي").

[32]Lardjane, O. (1997). Identité collective et individuelle, in collectif. Elites et questions identitaires. Alger : Casbah Éditions, p. 13-23 (p. 19 sq. notamment). 

[33] حول موضوع ضعف الرابط الجيلي، نبيل فارسي.

À propos de la fragilité du lien générationnel, Nabil Farés parle plutôt d’une « incapacité d’être le fils de son père ». (Esprit, n° 208, janvier 1995). 

[34] Berque, J. (1979). Le Maghreb entre deux guerres, Paris, Ed. Seuil, coll. « Esprit », 3ème édition, p. 380 (Ire édit. :1962).

[35] Ibid., p.382.

[36] Ibidem.

[37] « L’individu doit s’appuyer sur les autres pour réaliser l’image de lui-même ». E. Goffman, cité par Bourdieu, P. (1984). Le sens pratique. Paris : Éd. De Minuit, p.242 (Ire édition: 1980)

[38] Bennani-Chrabi, M. Soumis et rebelles : Les jeunes au Maroc. Préf. De Rémy Leveau, Paris : CNRS Édition, coll. « Méditerranée 1994 », p.283-284.

[39] Rarrbo, K. (1995). L’Algérie et sa jeunesse. Marginalisation sociales et désarroi culture. Paris : l’Harmattan, coll. « histoire et perspectives Méditerranéennes », p. 230.

[40] Daoudi, B., et Miliani, H. (1996). L’aventure et du Rai. Musique et société. Paris : Seuil, coll. « Points, virgule », p. 226.

[41]غلق الحدود، فرض تأشيرة السفر، غلاء تذاكر السفر...إلخ.

[42] المتزوجة من بائع متجوّل لماء جافيل، تسكن عند أمها التي تشغل منصب عاملة نظافة، تحت السقف نفسه مع أخوها الأكبر المتزوج والذي يقدم نفسه "طرابنديست".

[43] Benghabrit- Remaoun, N. (1995). (dir.), Femmes et développement. Oran : CRASC.

[44] Safar-Zitoun, M. et Abbaci. N. (2009). La protection sociale en Algérie, et traitement du chômage en Algérie. L’État face au débordement du social au Maghreb, Catusse. M et Verdier, E (dir.), Aix-en Provence, Paris : Iremam- Karthala.

[45] ملخص الأعمال التي أجريت بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية حول الشباب.

ترجمة فؤاد نوار وخديجة مقدم وميلود لحمر


محمد داود : جامعة وهران، باحث بمركز الأبحاث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية



مقدمة

عالجت الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية، منذ بداياتها الأولى إلى الآن، موضوعات عديدة، ارتبطت بمختلف السياقات السياسية والتاريخية التي عرفتها الجزائر المستقلة. ونستطيع أن نقول، وبصفة مجملة أنّ الموضوعات الأساسية التي تطرق إليها وتفاعل معها هذا الإنتاج الروائي هي المصائر الفردية والجماعية وتحولاتها ضمن مسار الثورة التحريرية والثورة الاجتماعية التي أعقبت الاستقلال.

والملاحظ أنّ هذا الخطاب الروائي الذي تضمنته هذه النصوص قد تماهى إلى حد بعيد مع الخطاب الأيديولوجي الذي ساد خلال السبعينات، ويرجع ذلك إلى الطبيعة الشعبوية للسلطة الحاكمة آنذاك وإلى احتضانها لهذا النوع من الكتابة بواسطة مؤسساتها الثقافية والأيديولوجية (وزارة الثقافة ومجالاتها الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، واتحاد الكتاب الجزائريين، الجرائد الوطنية).

كان الارتباط بالواقع المرجعي دائما المحور الأساسي لهذه الكتابات، التي كانت تنطلق منه وتعود إليه، باعتباره أساسيا في كل النماذج المكتوبة، لكن ضمن تصور إيديولوجي يشيد بالثورتين لارتباطهما معا، كما كان يعتقد آنذاك.

وقد اختلفت أساليب الكتابة الروائية ورؤاها من رومانسية إلى واقعية ذاتية أو تاريخية واجتماعية، وواقعية أسطورية أحيانا، حيث أمتزج الذاتي بالاجتماعي، وطغت على أجوائها مسحة من التفاؤل بحتمية البناء التاريخي والاجتماعي لوطن يبحث عن ذاته ويتفاءل بمستقبل جديد وزاهر. لكن هذا لا يعني خلو هذه النصوص من الصراعات الاجتماعية والسياسية، بل بالعكس من ذلك عرف الإنتاج الروائي الجزائري نصوصا يمكن تصنيفها ضمن "الأدب السياسي الملتزم" لكل من الطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة ولعرج واسيني ورشيد بوجدرة وغيرهم

وقد وظف هؤلاء الروائيون وغيرهم أبطالا لعبوا أدوارا "إيجابية"، تعبّر عن تعلّق المجتمع بأمل نجاح الثورة الاجتماعية التي شملت مختلف الميادين (الزراعية منها والصناعية والثقافية)، وبالتالي بناء "مجتمع مثالي"، لكن مع حلول الثمانينات والتسعينات القرن الماضي، بلغت الصراعات السياسية أقصاها مع ظهور قوى سياسية جديدة تدعو إلى قيام نظام سياسي جديد، فاختلت موازين القوى السياسية لصالح التراجع عن الخط السياسي التي اعتمد في مرحلة السبعينات وهكذا بدأت الرواية الجزائرية، من جراء هذه الظروف الجديدة، تعرف ما يمكن تسميته بـ "مرحلة الشكّ" إذ عبّرت نصوصها وبطرق مختلفة عن هذا الوضع المتأزّم الذي بلغ ذروته مع بداية التسعينات القرن الماضي والتي اتسمت باستعمال العنف الرمزي والمادي، أي الاغتيال السياسي الفردي والجماعي. إنّها مرحلة تداخل المفاهيم وزعزعة اليقينات وغياب الأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي.

العنف والنصّ الروائي

عرف المجتمع الجزائري على مرّ الأزمنة التاريخية المتعاقبة، عنفا متعدّد الجوانب. وإذا كان العنف، من طبيعة تواجد المجتمعات البشرية المختلفة وملازما لها، فإنّه يقوم على زعزعة الاستقرار الذي قد يميز العلاقات الاجتماعية أو يعيد صياغتها من جديد. ولعل الخصوصية التي يتميز بها العنف الذي يطبع المجتمع الجزائري المعاصر، تجعل التساؤل شرعيا من الناحية المعرفية والتاريخية.

يجب التذكير، في هذا الاتجاه، أنّ الجزائر مرت بمرحلة طويلة من الاستعمار (1830-1954)، استعمل فيها هذا الأخير، كل أساليب القمع والقتل الوحشي والتحقير الثقافي ضد السكان الأصليين لهذا البلد. ثم مرحلة الحرب التحريرية (1954-1962)، حيث ذهب ضحيتها الآلاف من الجزائريين، لكن مقاومة هؤلاء للإدارة الفرنسية واستعمالهم للعنف المادي والرمزي ضدها، كان شرعيا وإيجابيا، باعتباره الوسيلة الوحيدة للقضاء على الظلم والممارسات التعسفية التي تميزت بها هذه الإدارة.

ومع حصول الجزائر على الاستقلال وشروعها في تأسيس الأجهزة السياسية للدولة الوطنية، اتخذ العنف الرمزي والمادي بين أفراد المجتمع الجزائري أساليب أخرى. ولكن هذا لا يعني، خلال المرحلتين السابقتين، أنّ السكان الأصليين لهذا البلد، لم يمارسوا عنفا ضد بعضهم.

لقد كان هذا النوع من العنف الداخلي الموجه من طرف جزائريين ضد جزائريين آخرين موجودا، منذ بداية انطلاق العمل المسلح (الاقتتال بين المصاليين والجبهويين، مجزرة ملوزة، اغتيال عبان رمضان وغيرهم كالطلبة الذين التحقوا بالثورة)؛ لكن هذه الممارسات، وإن كانت هامشية، فإنها ظلت في عداد المسكوت عنه.

لقد سجلت الرواية الجزائرية هذه الأحداث وعبّرت عنها وبخاصة رواية "اللاّز" للطاهر وطار، التي أشارت إلى الخلافات الداخلية التي عرفتها الثورة، وكيف تمت التصفية الجسدية لممثلي اليسار الجزائري الذين التحقوا بالعمل المسلح.

إن بروز الصراعات السياسية والأيديولوجية بين مختلف التيارات التي شاركت في الثورة المسلحة منذ صيف 1962، جعل "الإجماع الوطني" يتصدع ويفقد معناه. وتلاحقت الأحداث منذ انقلاب 19 جوان 1965 وما لحقه من قمع وتعذيب واغتيالا ت للمعارضين؛ إلى أن أحكم النظام على فئات مختلفة من الشعب الجزائري بقبضة من حديد، حيث سيطر الحزب الواحد على كافة النشاطات السياسية.

لم يكن، في البداية، العنف السياسي يمسّ آنذاك سوى فئات المجتمع السياسي، باعتبارها تعيد النظر في التوجه الشعبوي للنظام أو تحاول أن تتمرد على "الإجماع الوطني" أو المطالبة بالتعددية الحزبية والديمقراطية.

وظل الأمر على حاله، إلى بداية الثمانينات، بحيث عرف الشارع الجزائري عدة انتفاضات شعبية (الربيع البربري 1980، وأحداث وهران 1982 وغيرها وما كانت أحداث أكتوبر 1988 التي شملت كل التراب الوطني، إلا إعلانًا عن نهاية "الإجماع الوطني" وتحدث شرخا عميقا داخل النسيج الاجتماعي. وكان للحركة الإسلامية دورا كبيرا في تعميق هذا الشرخ، من خلال الطروحات الأيديولوجية التي طرحتها بقوة في الساحة السياسية منذ نهاية الثمانينات وبداية التسعينات القرن الماضي، وهكذا شمل العنف السياسي والأيديولوجي كل فئات المجتمع المختلفة.

ويتضح ممّا سبق أنّ المجتمع الجزائري قد تعرض لكل أشكال العنف الداخلي منذ انطلاق العمل المسلح ضد المحتل الفرنسي إلى الآن. ولكن المستوى الذي بلغه هذا العنف الداخلي الذي يميّز هذه المرحلة التاريخية "الحالية" يمثل ظاهرة خطيرة بل إشكالية اجتماعية من الصعب التكهن بنتائجه الآنية والمستقبلية، مما دفع بمختلف الباحثين في حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية إلى الاهتمام بها ومحاولة الإجابة عن ماهيتها وخلفياتها وأسبابها ونتائجها.

إنّ العنف يقتضي "فكرة الإنزياج أو مخالفة المعايير أو القواعد التي تعين الوضعيات المقدرة بأنّها طبيعية، عادية أو شرعية. توجد في فكرة العنف، فكرة الاختلال أو الاضطراب، أكثر أو أقل ظرفية أو مستديمة لنظام الأشياء"[1]. وعلى هذا الأساس، تحمل فكرة العنف في طياتها قيما قد تكون إيجابية أو سلبية انطلاقا من الموقع الذي يحتله الأفراد أو المجموعات الذين يمارسونه ضد الآخرين.

ونظرا لكون كلمة "عنف" متعدّدة الدلالات وتخضع في معالجتها للعديد من النظريات العلمية وتقاربها مختلف علوم الإنسانية (من علم اجتماع، وعلم النفس وأنتروبولوجيا، وعلم السياسة)، فإن الاهتمام بها كظاهرة اجتماعية حديث جدا، إذا استثنينا بعض الأعمال الفكرية التي خصصت لهذا الموضوع (فريديريك أنجلز، سيقموند فرويد، وجوروج صوريل، ورنيي جيرار وجون بول سارتر والتربن يامين وأنا أريند).

وفي هذا الصدد، تشير فرانسواز إيرتي إلى أنّ الكلمة نفسها غير موجودة كمدخل في الموسوعة العالمية، وذلك في طبعتها لسنة 1966[2]. لكن بروز هذه الظاهرة في هذا العصر واتخاذها أوجها متبانية ومتنوعة، جعل الحديث عنها يأخذ حصة الأسد من البرامج الإعلامية، ويشغل وسائل الاتصال الجماهيرية بشكل واسع، كما نجد أن الأدب الروائي قد عالج موضوعات العنف والحرب في مختلف المراحل التاريخية التي عرفتها البشرية، ونجد الرواية البوليسية التي تعرضت لموضوع الجريمة والقتل، وقد ظهر هذا النوع من الأدب "مع تطور المراكز الحضرية الكبرى: التي هي عبارة عن متاهات ملائمة لقيام الجريمة"[3]، وإلى جانب الرواية التاريخية أي التي تعتني بالحرب والقتال بين الدول المتنافسة والمتصارعة حول المصالح الحيوية، والرواية البوليسية نجد أدب الرعب الذي يتمثل في التعامل مع الأساطير المخيفة والأموات والأشباح[4].

إنّ هذا الصنف من الأدب، لما يتضمنه من عنف ورعب، لم يعرفه الأدب الجزائري المكتوب باللغة العربية إلاّ قليلا، فما عدا بعض الروايات التي تشير إلى الثورة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي، فإنّ العنف التي تشتمل عليه هو موجه ضد الآخر، أي المحتل الفرنسي ورموزه.

انبثاق حقل روائي جديد

شهدت مرحلة نهاية التسعينات مجموعة من النصوص الروائية المكتوبة باللغة العربية، والتي تتحدث عن المصائر الفردية والجماعية في ظل الأوضاع المفجعة التي عاشتها الجزائر منذ بداية تدفق العنف المسلح ضد الفئات الاجتماعية المختلفة وضد رموز الدولة الجزائرية. وتمتاز هذه الكتابات بأنها:

أولاً: تحمل بصمات جيِل من الأدباء، يكتب لأول مرة الأدب الروائي.

ثانيا : نشرت هذه الأعمال كلها ضمن دور نشر خاصة، أي لم تحتضنها مؤسسات الدولة بصفة مباشرة، مما يمنحها استقلالية كبيرة في النشر والتوزيع.

ثالثا : تحمل هذه النصوص في مضمونها أطروحات جديدة وتعيد النظر في العديد من القضايا الفكرية والأيديولوجية التي سادت وفي الساحة الثقافية وكرستها.

رابعا : تجرّب هذه النصوص كتابة جديدة، يمكن تسميتها "بعنف النص" لأنّها تعيد النظر في الكتابة التقليدية المعروفة بتلاحق أزمتها وأحداثها. فهذه النصوص الجديدة متشظية، تشظي الذاكرة والذات.

خامسا : تعني هذه الكتابات بفئة معينة من المجتمع، وهي فئة المثقفين التي شكلت كبش فداء للصراع الدائر حاليا بين الدولة الجزائرية والجماعات الإسلامية المسلحة، وتنطبق هذه الملاحظات الأولية على كل من روايتي "الانزلاق" لحميد عبد القادر،"والمراسيم والجنائز" لبشير مفتي المعنيتين بالدراسة.

الكتابة والموت

تطرح هاتان الرويتان، إشكالية الكتابة في زمن "الموت المجاني"، وتريد لنفسها أن تكون كتابة استعجالية[5] شهادة ضد الكارثة. إنّ الكتابة هي الوسيلة الوحيدة التي يمتلكها الكاتب لتجاوز محنته وتلطيف الأجواء التراجيدية التي تعيشها فئات المجتمع المختلفة. تعلن هذه الكتابة ثورتها وتمردها على المكرّس والسائد لتكسر الطابو، فهي كتابة تفجّر الذاكرة والنصّ في بحث عنيف عن المعنى، المعنى الجديد المخلّص من التراجيديا. عندما يواجه الكاتب أو المثقف بصفة عامة الاغتيال المجاني، ويدفع ثمن أخطاء السياسيين الذين لم يعرفوا تسيير الأزمة، لا يملك من وسيلة سوى مواجهته هذا الوضع بالقلم والكتابة. وفي ظل هذه الأجواء الخانقة والمرعبة تتحوّل الكتابة إلى نوع من الصراخ الموجّه ضد الصمت القاتل، إلى تنديد بالجريمة ومقتر فيها. ترمي الكتابة إلى تعرية هؤلاء المتسببين في المجزرة الوحشية التي يتعرض لها أولئك الذين لا يملكون من سلاح سوى الكلمة.

الملاحظ أنّ روايتي "الانزلاق" و"المراسيم والجنائز" تعالجان موضوع انبثاق الكتابة في ظل أجواء الاغتيال والقتل. إنّ شخصيات هاتين الروايتين مهدّدة بالقتل ولا مفر لها من هذا القدر سوى ممارسة الكتابة. وتتضمن هاتان الروايتان موضوع الكتابة، باعتبارها ممارسة اجتماعية وسياسية خاصة بفئة اجتماعية احترفت القلم وسخّرته لفضح الواقع المرير، وتطرح وظيفة الأدب وعلاقته بالملتقّى. تظهر هذه الكتابة وتبيّن عن عجزها وضحالتها أمام عنف وهول الحرب الموجهة ضد ممارسيها، إنّها قتل رمزي لأولئك الذين يمارسون العنف المسلح.

إنّها كتابة جنائزية، تعلن عن حدادها وعن سوداويتها القاتلة، لتحدث شرخا في النظام الرمزي المؤسس على الزيف والخديعة.

"الانزلاق"[6] وعنف الذاكرة

تنقل رواية "الانزلاق" القارئ إلى أجواء الرعب الذي تعيشه فئة الصحافيين الذين اعتبروا في بداية انفجار الأزمة السياسية وبداية الإرهاب المسلح عائقا يحول دون وصول الإسلاميين إلى السلطة. ونظرا لكون هذه الفئة لا تملك الحماية الكافية وتشكل أهدافا سهل للجماعات الإسلامية المسلحة، فإنّ المسّ بها وتصفيتها جسديا أصبح أمرا هاما على المستوى الإعلامي والدعائي بالنسبة لها.

تحاول الرواية إعادة كتابة التاريخ في رحلة شاقة وثاقبة للذاكرة، تنتقم للتاريخ من الزيف الذي بني عليه، أي تصفية الحساب مع أولئك الذين تسيبوا في الوضع الحالي متسترين وراء الشعارات الثورية أو الدينية.

إنّ الانزلاق -عنوان الرواية- يعني الخروج عن المعيار، عن ما هو يقيني وجلي، وهو في حدّ ذاته عنف، إنّه تاريخ تكون العنف وتراكمه عبر المراحل السياسية، وما يعيشه المجتمع من تفجر وانحلال ارتبط بتكوين الدولة الوطنية بأجهزتها الأيديولوجية والقمعية. إنّه الانزلاق الذي لا تمس وتماهى مع تاريخ الجزائر، تاريخ العنف الشامل المؤسس على شرعية ثورية قابلة للنقاش.

وهي عبارة عن حكاية لصحافي -شاعر عبد الله الهامل- تنقل القارئ إلى فضاءات مختلفة، فضاءات السلطة وفضاءات الممارسة الدينية (المسجد وهامشه). وفضاءات الصحافة وكذا الفندق الذي لجأ إليه الصحافيون المهدّدون بالقتل. فضّل هذه الرواية، أنّها لا تتوقف عند عنف المرحلة الحالية، بل تشير إلى عنف الدولة، عنف السلطة، أي عنف يستشري في خبايا النظام الذي حكم البلاد والعباد وفرض هيمنته دون إجماع ورضا الجميع.

فعبد الله الهامل الذي يعيش محنته الشخصية أو الفردية يسافر بنا عبر ذاكرته وذكريات جده إلى متاهة التراجيديا الجماعية التي تقاسيها بلدة بني مزغنة، تلك البلدة التي تعاقبت عليها مجموعة من القيادات العسكرية التي مارست كل أنواع القهر والبطش ضد المدنيين والسياسيين، سواء بالإبعاد أو الاغتيال والتصفية الجسدية.

التيه في زمن الوحشية والموت

يحاول النص الروائي عبر لعبة السرد المتقنة إشراك القارئ باستعمال ضمير المتكلم، إذ تفتتح على جو قاتم يحيلنا نوعا ما على أدب الرعب لما يتضمنه من كوابيس وهواجس مخيفة وأحلام مزعجة. "إنّه الحضور الكلي والمهووس للموت"[7]، إن لفظة الموت تتكرر باستمرار - حوالي  ثمانية وستين مرة - عبر كامل فصول الرواية : يضرب الموت حيثما يشاء، في أي وقت وفي أي مكان، إنّه كالكابوس يجثم على صدر هذه الأمة الجريحة. وفي ظل هذه الأجواء، يعيش عبد الله الهامل وحيدا، معزولا، لا يملك سوى أنّ يتعمق في ثنايا طفولته وفي دهاليز التاريخ السادي للبلاد، يواجه مصيره المحتوم، كبطل تراجيدي، يبحث عن شعاع ضوء في ظلام دامس ويحلم بأنّ رأسه قد انتزع من جسده بضربة خنجر صدئ"[8].

إنّ الحالة النفسية لهذا الصحفي الذي يشتغل في صحيفة "الرأي الجديد" والبالغ من العمر ثلاثين سنة محطمة ومتدهورة إلى حدّ جعلته يشعر بالغثيان والدوران، والتقيوء "سائلا أزرق مختلطا بالدم"[9]. غادر منزله ليستقر بغرفة "بنزل حقير رواده من بائعات اللذة التعيسات ورغم كل شيء"[10] أستقر بصفة مؤقتة بهذه الغرفة التعيسة التي تعبق برائحة الرطوبة والانغلاق، تاركا وراءه حي سان كلو الهادئ بالضحية الغربية للعاصمة. إنّه حي الطفولة الجميلة وبه تعلّم مع جده "عشق البحر والشعر والحياة"[11] قبل مجيء كريمو بولحية وجماعته وكتائب الموت التابعة لتنظيم الأئمة الجدد الذي هددوه بالقتل ونشروا الرعب في أرجاء البلدة.

إنّ ظهور الجدّ، ممثلاً لنشأة الحركة الثورية الذي تربى في أحضان العمل النقابي بفرنسا وفي صفوف الحركة الوطنية، كنموذج للطرح السياسي البديل، شهادة حية على مختلف مراحل التاريخية التي عرفتها البلدة منذ بداية القرن العشرين.

إن الروائي يؤرخ من خلال مذكرات الجدّ المتضمنة داخل النص لمسار الحركة الوطنية بمختلف مراحلها ولانحرافاتها وصراعاتها الداخلية، وكذا التصفية الجسدية والسياسية التي تعرض لها "المتمردون" عن الخط السياسي الذي وضعه الزعماء.

إنّ علاقة الجد بحميدة الشاعر مبنية على التماثل بين عزلتين وتعاستين، فالأول ضحية رفاق السلاح الذي أختلف معهم حول الخط السياسي، فهمشوه وحاصروه إلى أن مات غما، لكنه زرع روح التمرد وحب الحياة في وعي حفيدة. هذا الذي يعيش مأساته بسبب تبنيه لمقولة الفارابي : "ليس الروح هو وحده الذي يؤدي إلى الله، بل الفعل كذلك"، وأضاف "إنّ إحلال مقدس ديني محل مقدس ثوري يؤدي إلى الهلاك المحتوم"[12]، وهكذا تتبلور شخصية الشاعر النفسية والاجتماعية والإيديولوجية، شخصية متمردة لكنها عاجزة، إنّها لا تصنع الحدث، بل ترضخ له، تشهد على تحولات الواقع وترحل في الذاكرة. هذا هو منطق التاريخ الذي يسلب سعادة الأفراد ويسلط عليهم عنفا، الذي يسجل "لا معنى الحياة"[13].

يحاول الشاعر من خلال "حواره" مع جده إيجاد معنى لما يحدث له، لا شك أنّ حركة الأئمة الجدد ليس إلا امتداد لممارسات سياسية دشنت في عهد حكم الكولونيل الذي استحوذ على السلطة بالقوة والذي "أراد أن يكون مثل نابليون بونابرت" فقلب كل شيء، حوّل الزعماء الحقيقيون إلى خونة، وأوجد زعماء جدد"[14]. لم يقم الكولونيل وحاشيته سوى بتزييف التاريخ واستعمال السلطة لقهر الناس، وأحتقر السياسيين، كما وظف رجال أمن غلاط "كانوا فيما مضى يشكلون أفراد عصابات التهريب والسرقة المنتشرة في الأحياء الشعبية"[15]. ففي ظل هذه الأجواء، تشكل وعي الشاعر لما كان طفلا، فالعنف موجود في كل مكان، الاحتفال بالثورة عنف، المدرسة تلقن دروس مليئة بحكايات العنف، فالحرب والدم والقتل والأجساد المحروقة والوجوه المشوهة هي ما يتعلمه الأطفال بالمدرسة.

أين المفر؟ فالتوجه إلى المكتبات وإلى المركز الثقافي الفرنسي للبحث عن السعادة بين الكتب والقراءة في كنوز الأدب العالمي، لم يعد يجدي. كل شيء دمّر وأغلق المركز الثقافي أبوابه وانتقل الصراع السياسي إلى قاعة التحرير، وأصبح الصحافيون أعداءا لبعضهم البعض، بسبب الانتماءات الأيديولوجية المتنافرة. لم تبق سوى المقاومة بالكتابة، وحمل مشعل الرسالة الثقافية التي عاد من أجلها من مدينة باريس، بعد أن قضى هناك تسعة أشهر.

الكتابة أو الموت، ذلك هو مصير المثقف الذي يعيش بين تهميش السلطة وتهديد الأئمة الجدد. إن الموت أصبح أكثر شراسة فهو كعجوز ضارية، متّسحة برداء أسود، ومرتدية جلبابا مرقعا وغطت وجهها بنقاب طويل، مثقوب عند العينين"[16] تنتصب كالمسكينة على حصيرة من الديس كل يوم جمعية لتحرض المصلين على قتل الشعراء أولا، وكل المعارضين ثانيا.

العنف وعودة المكبوت

إن العنف الذي يسجله النص الروائي "الانزلاق" انبثق من رحم المجتمع ذات خريف، لم يكن عفويا، بل جاء نتيجة لتراكم الأحقاد والخيبات والإحباطات التي "تراكمت في نفوس الناس منذ أن رمي بالرومي ما وراء البحر. خرج المهمشون، وذو والأحلام الضائعة، وكل الذين نسيتهم الثورة (بعد أن وعدتهم كثيرا) وألحقت بهم الأذى، وقد انحرفت عن مسارها"[17].

فكان خريف الغضب (أحداث أكتوبر 1988) عاصفة هوجاء انفجرت كالبركـان ودمرت وأحرقت كل الرموز التي تدل على السلطة من مباني وسيارات، وتبع ذلك قمع وحشي (حملة الاعتقالات)، واستيقظ الناس على وقع أحذية خشنة، ترفس كل شيء في طريقها، في اليوم السادس من هذا التمرّد على السلطة، فممارسة التعذيب كان شبيهة بممارسة الرومي وكأنّ الزمن الكولونيالي قد عاد[18].

واستغل النظام هذا الشرخ الاجتماعي، لإصلاح السلطة بلفظ المحافظين من صفوفه وإعطاء المبادرة للأوجه الليبرالية، لكن المفاجأة أتت من مساجد الأحيان الشعبية الفقيرة. كانت السلطة تبغي من وراء ذلك ربح الوقت وإحلال السلم المدني، لكن ما لم يكن في حسابها هو التحالف الجديد الذي تشكل من الأئمة الجدد، الذين عادوا من أفغانستان ومن المحافظين الذين لفظتهم السلطة، ومن الأطفال الذين عذبوا في سجون النظام خلال خريف الغضب. هذا التحالف الثلاثي سيقلب موازين القوى السياسية لصالحه، مما يدفع بالحاكم إلى محاولة الاعتماد عليه للبقاء في الحكم.

إنّ البحث عن متعة الحكم والمتعة ببساطة هو سبب إنهيار بلدة بني مزغنة، ودخولها في فوضى عارمة، كان ذلك منذ أن دخلها سي أحمد السرجان، النموذج لأولئك الذين انتسبوا للثورة وعاتوا فسادا في البلاد والعباد بعد حصول الجزائر على الاستقلال. وهم كثيرون وتكونوا في جمعيات أو طائفة الثوريين الذين استحوذوا على خيرات البلاد وريوعها الوفيرة.

إنّ التوزيع اللامتكافئ للثروات الوطنية والاستعمال الأقصى للقوة العمومية لقمع كل تمرّد شعبي أو معارضة سياسية أو فكرية هو التربة التي ستبث العنف الدموي الذي يواجهه كل أفراد المجتمع ومنهم الشعراء، بعد أن انقلبت السلطة على التحالف الجديد من خلال انتخابات اختلط فيها الحابل بالنايل وأجهضت في نهاية الأمر. ولم يبق أمام الأئمة الجدد سوى الانتقام من رموز النظام ومن المجتمع فتدرجوا من الاغتيالات السياسية والمجازر الجماعية، ونكّلوا بالنساء والشيوخ والأطفال.

ضمن هذه الأحداث المؤلمة، حيث العنف مستشري بصفة همجية، يحاول الشاعر ومن خلال ذاتيته فهم وإدراك هذه التحولات المؤلمة، يحاول أن يهرب من الحبّ المزيف والظرفي، بحثا عن حب حقيقي وعن حنان ترتوي به نفسه الظمآنة، فيلقي الموت كقدر محتوم، مثله مثل الأبطال الهوميريين.

إن القتل أصبح هو اللغة الجديدة، في عصر الهمجية والبربرية، يمارسه قتلة من نوع جديد، "أياديهم ملطخة بالدم" وبين أسنانهم بقايا لحم بشري"[19]، يرددون آيات قرآنية بشكل غريب ومقلوب. إنّ الراوي يورد لهم صفات البدائية والوحشية ليعمق جو الرعب الذي تعيشه بلدة بني مزغنة. ويربط ذلك ببعض الرموز التاريخية (الحجاج بن يوسف، الخوارج وهو معسكرون خارج أبواب البصرة، والأزارقة)، وكأنّ القرن السابع يعيد نفسه في ثوب ومكان جديدين، هي بلدة بني مزغنة.

المراسيم والجنائز[20] : العشق في زمن الهمجية

هي الأجواء نفسها : إرهاب ورعب وخوف وقتل همجي، تعيشها مجموعة من الشخصيات التي تنتمي إلى الفضاء الثقافي (الجامعة والصحافة)، وتحترف الكتابة وهي شهادة هذه الفئة المثقفة التي تحمل همّ المرحلة الصعبة التي تعيشها الجزائر، تطالعنا بها رواية بشير المفتى.

إنّ هذا النص على عكس، النص الأول لا يحاول تصفية الحساب مع التاريخ، مع أسباب الانحراف السياسي التي تولد عنها العنف، وإنّما هي عبارة عن رحلة عبر مخيال مجموعة من الأفراد ويبحثون عن ذواتهم وعن ذاتياتهم الضائعة بين الواقع والممكن بين الخيبة والأمل، بين الإرادة والإحباط. ولعل تداخل العلاقات بين أفراد هذه المجموعة التي تشكل عالم مصغر لجيل أصبح ضحية لتلاعبات سياسية تجاوزته معيقة كل رغبة في الحب والسعادة والحلم.

إنّ النص الروائي يضع أمام القارئ مصائر كل من الصحفي والأستاذ الجامعي (ب) وأصدقائه (فيروز ووردة قاسي وحميد عبد القادر وحميدي ناصري)، هؤلاء الذين يعيشون في خضم أحداث العنف، يبحثون عن الصفاء والطمأنينة، ولكن أجواء الإضراب الذي شنه اتباع سعيد الهاشمي واحتلالهم للساحات الكبرى للمدينة، توحي بأنَّ الأمور ستسير إلى ما لا تحمد عقباه. "كان حي بيلكور مملوءا بالحركة والتمرد"[21]، ولا شيء يدل على الطمأنينة فالخوف، والقلق والبؤس، بالإضافة إلى الاغتيالات التي تمسّ المقربين، مثلما فعلوا" بعمر حلزون "الذين قطعوا رأسه. هؤلاء، احتلوا النفوس قبل الكراسي، نالوا في البداية تعاطف جميع الناس لأنّهم حملوا شعار الحرية والإنقاذ لكنهم انقلبوا على المجتمع وعاتوا فسادا في الأرض".

الرواية هي عبارة عن حكاية لعذاب هذا السفر، هذه الرحلة المؤلمة، يحكيها الراوي لفيروز، تلك الفتاة التي أحبها حبا كبيرا، لكنه متردد ولم يحسم موقفه منها.

والسبب يعود إلى أنّه، أي الراوي (الصحافي ب)، كان متناقضا في علاقته بالنساء، يحبّ فيروز ويعشق وردة قاسي ويمارس حياته الجنسية مع أخريات وهذا سبب ابتعاد فيروز عنه. والرواية كلها عبارة عن بحث على هذه الفتاة الجميلة والمتمردة، وكأنّها خلاصه من هذه الأزمة النفسية، الاجتماعية التي يعيشها في ظل أجواء الاضطرابات السياسية والاغتيالات والمجازر الجماعية. وتبرز الرغبة في الكتابة، كحل وسط بين الهرب أو الموت، فالكتابة هي "السلاح الوحيد في هذه المعركة لتعرية الواجهة. نزع الأقنعة، فضح المسكوت عنه لهذا بدأت أكتب روايتي الثانية إنها تصف كل ما رأيت وشاهدت كل ما عانيته كل ما أقسمت بأن لا أقوله"[22].

لكن إلى أين المفر؟ فما عسى أن تفعل هذه الشخصيات العاجزة عن تحقيق ذاتيتها. فالصحافي (ب) الذي حاول أن يستنبطن الهامش من المجتمع، ألتقي برحمة، الكاتبة المنسية، التي تفسّر له أسباب إنقطاعها عن الكتابة بسبب الجو اللاثقافي للبلاد وقمع الحريات، كما يلتقي بجعفر المنسي، الذي يعلمه التاريخ والنضال من أجل الديمقراطية، فيؤسسان مع آخرين لجنة للدفاع عن حقوق الإنسان. لكن الصحافي (ب) غارق في ذاتيته ومتردّد في حبه بين فيروز ووردة قاسي، وعلاقته بصديقه حميدي ناصر وأحمد عبد القادر لم تكن إلا عبارة عن مأساة جماعية لجيل ضائع وعاجز. ولم يكتب لهذه العلاقات إلا النهاية التي رسمت لها، وهي نهاية مفجعة.

سافرت فيروز إلى مدينة الأنوار، هربا من هذه الأجواء الخانقة، ووردة قاسي انتحرت وقد كان فعلها هذا شجاعة كبيرة في نظر أصدقائها، أمّا حميدي ناصر فقد أصيب بانهيار عصبي أدى به إلى التوجه لمستشفى الأمراض العصبية، بعد أن أتمّ روايته "وقصة الثعالب وممتلكات الذئاب"، أمّا أحمد عبد القادر فقد تحول إلى درويش، لم يعد يبرح المسجد، بعد أن أحرق أشعاره وهاجر عائلته وأبناءه.

وأمام تحلل هذا المجتمع الصغير، الذي لم يصمد أمام هول الكارثة، وأصيب في أعماقه من جراء هذا العنف الكبير، لم يبق أمام الصحافي (ب) سوى الفرار من الوطن والاستسلام لإغراءات الذي يعرضها عليه أحد رجال الأعمال الخليجيين وهي تولي منصب رئيس تحرير لمجلة سياحية، أو انتظار فيروز الذي ستعود من باريس.

خلاصة

إن أحداث العنف التي تشهده الجزائر التي رافقت عمليات إصلاح النظام السياسي دون تغييره جذريا، أفرزت العديد من الأشكال التعبيرية، بعضها أنتج ونشر ووزع خارج الوطن، كما أفرزت مجموعة من النصوص الروائية التي تطرقت لهذه التحولات الاجتماعية والسياسية. وهذه النصوص هي عبارة عن شهادات كتبت تحت ضغط الأحداث، بصفة استعجالية، لتسجل الراهن والآني، وتندّد بالمسكوت عنه، وهو قتل ذاتية الإنسان الجزائري، وبخاصة المثقف، قبل قتله ماديا واغتياله جسديا. وإذا كان للعنف دور في إعادة وفي ترتيب ميزان القوى السياسية وإعطاء رؤية جديدة للتاريخ، فإنّ الكتابة الأدبية، عندما تتخذه موضوعا لها، تضفي عليه أبعادا جديدة، تمارس عليه حساسيتها وجماليتها لتجعله أكثر بشاعة ووحشية، والقارئ في هذه الحالة لا يمكن له إلا أن يقف منه موقفا عدائيا.

الهوامش

[1] Michaud, Yves, Violence (Encyclopedia Universalis), Paris-France, P. Editeur, 1996.

[2] Heritier, Françoise, De la violence (séminaire), Paris, Edition Odile tacob, Septembre 1996, p.13.

[3] Raimond, Michel, Le roman, Paris, Armand Colin, 1989, p.31.

[4] Todorov, Tzvetan, Introduction à la littérature fantastique, Paris, Editions du Seuil, 1970, p. 81.

[5] ظهرت العديد من الروايات التي تمتاز بهذه الصفة، والتي أرادت أن تكون شاهدة على الوضع الحالي، وقد نشرت في معظمها باللغة الفرنسية ضمن مجلة "الجيري ليتيراتور- آكسيون" Algérie . Littérature / Action. 

[6] عبد القادر، حميد.- الإنزلاق. – الجزائر، منشورات مارينو، 1998.

[7] الانزلاق، ص. 7.   

[8] م.س.- ص. 7.

[9] م.س.- ص. 15.

[10] م.س.- ص. 16.

[11] م.س.-ص. 17.

[12] م.س.- ص. 13.

[13] Raimond, Michel.- Le roman.- Paris, Armand Colin 3 ètage, 1989- p.69.

[14] الإنزلاق.- م.م.- ص. 28.

[15] م.س.-ص. 32.

[16] م.س.- ص. 48.

[17] م.س.- ص. 56.

[18] م.س.- ص. 59.

[19] م.س.- ص. 10.

[20] مفتى، بشير .- المراسيم والجنائز.- الجزائر، منشورات الاختلاف.

[21] المراسيم والجنائز.- ص. 10.

[22] م.س.- ص. 28.

Appels à contribution

logo du crasc
insaniyat@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Recherche