اللّهجة الأدبية عند الأدباء الإنجليز

 إنسانيات عدد 67 | 2013 | تنوّعات ثقافية | ص33-51 | النص الكامل  


The use of dialect in English literature

Abstract: The aim of this article is to demonstrate the usage of the vernacular in literary writings among English-speaking authors. This way, we question the origin of this literary practice and the different causes capable of intervening, whether be artistic, cultural, psychological or social. To better illustrate this literary situation, we mean in this article to present a number of cases drawn from various literary genres (poetry, stories, novels, etc.) and this starting from the 14th century.

Keywords : english Literature- dialect - theater - poetry - prose.


Ilhem MORTAD SERIR: Université de Tlemcen, Faculté des Lettres et des Langues, 13 000, Tlemcen, Algérie.


 مقدمة

 لم يقتصر الإبداع يوما عند العرب أو الغربيين على لغة راقية تخلو من كل شائبة في الأدب عموما وفي الرواية خصوصا. ولكن تنوّع الإبداع على مستوى الاستعمال اللغوي بين الفصاحة ورقي اللغة حينا وبين اللّهجة العامية بل المحلية حينا آخر في الأدب الانجليزي على فترات تاريخية مختلفة يجنح فيها الكاتب إلى توظيف اللّهجة في السّرد أو الحوار المقام بين شخصياته المختلفة لمبرّرات تواصلية وشفويّة وفنيّة وتقنيّة. والإشكالية المطروحة في هذا المقال ترتكز أساسا على تبيان الجوء إلى استعمال تراكيب لهجية في النص الأدبي. فهل في ذلك اللجوء ضرورات فنيّة أو ثقافية أو نفسية أو اجتماعية ؟ وهل المؤلف مضطر إلى ذلك من أجل صون اللّغة العفوية البسيطة للشخصيّة ؟

أمّا عن منهجية التحليل التي اعتمدتها مدونة الدراسة التي تضمنت نماذج من الأدب الانجليزي، فكانت وصفية حينا وسوسيو-لسانية حينا آخر بغية الخروج بنتائج حول توظيف اللّهجة في أجناس وأشكال مختلفة كالشّعر أو القصّة، وهو توظيف يعتمد لغة تقارب الفصحى، وذلك منذ الانطلاقة الرسمية للأدب الانجليزي في القرن الرابع عشر على يد شوسرChaucer.

تتعدّد الأشكال اللّهجية بانجلترا بتنوّع طبيعتها الجغرافية، ما جعل اللّهجات تتنوّع ليس فقط تنوّعا جغرافيا بل وطبقيا، يختلف فيه الكلام باختلاف الطّبقة الاجتماعية وتنفرد بخصائص صوتية ميّزها نبر الإقليم ،وهو أكثر ما جذب إليه إعجاب الأدباء فنقلوه في تصويرهم لشخصياتهم الأدبية. وبحكم أنّ انجلترا بلد تنقسم فيه الأمّة إلى طبقات، ظهرت اللّهجات الخاصة بالطبقات كنوع من اللّهجات الاجتماعية. ولهذا، فإنّ وجود الأشكال اللهجية ليس جديدا، وتناقلته أقلام كبار المبدعين الإنجليز في نصوصهم الأدبية وذلك في مختلف المراحل التاريخية. وهو ما سنحاول استطلاعه في هذا البحث انطلاقا من العصور الوسطى (القرن الرابع عشر إلى القرن التاسع عشر(. وسنبدأ بتبيان تلك العلاقات الوطيدة بين الأدب والثقافة واللّغة ثمّ الاستشهاد بعينات من أبرز الأدباء.

اللغة والأدب

 لطالما أثارت العلاقة بين اللّغة والأدب اهتمام الدارسين من علماء اللغة والأسلوب والنحويين والأنثروبولوجيين وكلّ مهتم بالدراسة العلمية للإنسان لأنّ اللغة -كما يرى تشومسكيChomsky في كتابه "اللغة والفكر" [1] - ملك خاص بالإنسان ومنه كانت الكتابة في حد ذاتها أداة تربط اللغة بالإنسان. وانفرد الأدباء بالإبداع، فكانوا من أهم مخترعي علم اللّغة وهو رأي يوافقه مونى Mounin حيث يقول: إنّ الناس الذين اخترعوا وأتقنوا الكتابة هم لسانيون كبار وهم الذين اخترعوا اللسانيات [2] .

ولم يعد قائما، الخطأ الشائع قديما، حول أنّ اللّغة لا تكون إلا مكتوبة لأنّ الصيغة الشفوية لأيّ لغة أسبق في الوجود من الكتابة، بل إنّ اللغة تكون شفوية قبل أن تكون مكتوبة ولهذا يجيد ملايين البشر الكلام كما يظنّ مارتيني Martinet [3] .

ويتفق اليوم علماء اللغة والأدب - متجاهلين في ذلك الخلاف الذي كان قائما قديما- حول علمية مادتهم "وزاد انتباههم لأسبقية اللغة الشفوية" [4] . كما اتفقوا على أنّ حقل دراسة اللّغة لا يمكن أن يستقل عن الأدب بل أصبح هذا الأخير- شفويا كان أو مكتوبا - يستقطب إعجاب علماء اللغة مثل بلومفيلد (Bloomfield) الذي قال عنه في 1935 أنه "كلام جميل ومهم". [5]

وليس علماء اللغة فقط من اهتموا بروائع وجماليات الأدب بل الأدباء أنفسهم على وعي بذلك مثل "بنية المتحدث ونغمة السياق اللذين يحددان معا تأويلا دون آخر" [6] ؛ بل أصبحوا يوافقون بعض اللسانين أمثال هايمس Hymes الذي يرى أنه لا يوجد فرد طبيعي ولا مجتمع طبيعي محدود في ذخيرته لنوع واحد من النظام الرمزي ولنغمة ثابتة غير متجددة [7] .

ومن بين أولى المدارس التي دعت إلى توطيد علاقة اللّغة والأدب هي المدرسة الشكلانية الروسية بفضل أعمال بروب في بنيته للفولكلور (Structure of Folklore) وجاكبسون(Jakobson) وطوماشفسكي (Tomachevski) والذين اعتبروا النص الأدبي نظاما بنيويا دلاليا، إلى جانب "ليفي ستروس" (Levi Strauss) في وصفه للغات الأساطير.

ومن بين ما يجمع الدراسة العلمية للّغة والأدب النظرية الإنشائية التي يعتقد تودوروف (Todorov) "أنّ موضوعها في الأدب هو الخطاب فيما أنّ موضوع اللسانيات هو اللّغة، وكليهما يعتمد المصطلحات نفسها [8] . أمّا جاكبسون(Jakobson) فأشار في محاضرة له "بسلامة بناء الجسر الواصل بين اللسانيات والأدب" [9] . ويصرح العلماء أنّ العمل الأدبي إبداع لغوي قبل كل شيء لأنّ الرّواية أو القصّة ليست "المحاكاة التقليدية التي تقوم على العرض أو التمثيل وإنما هي الكلام الأدبي نفسه" [10] .

ونتصور أنّ هذه العروض تعود للحياة اليومية التي يعيشها الإنسان وينقلها الأديب الذي يدرك أنّ واجبه المقدس هو نقل وقائع الأحداث التي تمتلئ بالحزن حينا وبالفرح حينا آخر، لذا كانت لغة الأدب تصويرا حقيقيا للغة الإنسان العادي، "فأكثر ما يقال عن اللّغة الأدبية ينطبق بشكل أو بآخر على لغة الحياة اليومية، سواء تلك التي يستخدمها الفلاحون أو التجار أو العمّال أو غيرهم من فئات الشعب" [11] .

وهو الشيء السهل الممتنع عند الأديب الذي يتقرب من لغة غيره ويحاول فهمها، وفي الآن ذاته يفرض لغته التي يحاول تفهيمها من أجل أن تصبح علاقة اللّغة بالأدب أوضح أثناء قراءة الرواية. وقد توسّع نطاق الاهتمام بهذه العلاقة من الأدباء إلى النحويين وعلماء الأسلوب الذين "أصبحوا على وعي بالتنوّع اللّغوي" [12] .

ولهذا يتفق الكثير من العلماء على أنّ للأدب امتيازات تجعل اللّغة في تحوّل وتعديل حسب تنوّع الأجناس الأدبية "من الأسطورة إلى الأدب الشفوي، ومن الفلكلور والملحمة إلى الرّواية الواقعية والشعر الحديث...وغالبا ما تتشعب لغة مختلف اللهجات ومستويات التعبير" [13] .

ويعود هذا الاختلاف إلى أن الفصيح أو النموذج (standard) في الأصل هو "لهجة وفي نظر بعض اللسانيين يمكن لها بل يجب تسميتها اللّهجة الفصيحة" [14] ؛ لهذا تعمقت الاهتمامات بدراسة اللّهجات وخاصة علاقتها باختلافات لغوية فصيحة تزخر بها كتابات أدبية يستعمل فيها الكاتب مستويات مختلفة للّغة واللهجة معا.

اللّهجة في مقابل اللغة الفصيحة

لاتزال الدراسات العلمية للّغة في السوسيو-لسانيات وعلم اللّهجات في صراع لوضع أسس تتميّز فيها اللّغة الفصيحة عن اللّهجة، لدرجةٍ جعلت مييى (Meillet) يدافع بقوة عن اللّهجات الهندو-أروبية وحجّته في ذلك "أنّه مادام هناك تقارب شديد بين العناصر اللسانية فمن، الشرعية التكلّم هنا عن اللّهجات" [15] . وتوافقه رومان (Romaine) التي تعتقد أنّ "للهجة معاني دلالية تاريخية بين الإنجليزية والهولندية والجرمانية التي تنحدر من أصول اللهجات الجرمانية". [16]

وللهجة جذور عريقة عند الإغريق الذين يسمونها(dialektos) وهي كلمة تعني مختلف الأنظمة باليونان، أو ما مفاده أنّ لكلّ جنس أدبي لغة خاصة بجهة ما وتتميّز بلهجات إقليمية واجتماعية مثل كلمة l’onient في الجنس التاريخي تعني genre historique وdorient في الغناء بمعنى chant choral.

أما اللّغة الفصيحة فهي "بصفة عامة لغة مكتوبة منتشرة في المدارس والإذاعة ومستعملة في العلاقات الرسمية" [17] ؛ وهي على علاقة باللهجة لأنّ اللغة الفصيحة في الأصل لهجة إقليم ساعدتها عوامل اقتصادية وسياسية في التحوّل للغة فصيحة كما حدث للغة فرنسا وإنجلترا، "فاللّغة الرسمية بكل بساطة لغة جهوية امتدت عن طريق الوساطة إلى كامل البلاد" [18] . ومنه بدأت اللّهجة تأخذ تعاريف جديدة تتّصل حتما باللغة، فهي تعتبر مستوى لغوي (variante) وتختلف عنها بعناصر لسانية كالصوتية والفونولوجية وخصائص معجمية وأخيرا المورفو- تركيبية. ولا تعتبر اللّهجة شكلا من الأشكال المنحطة للغة "لأنّ اللغة نفسها ليست إلا نوعا من اللهجة ولأسباب تاريخية وسوسيو- ثقافية ارتقت لمستوى اللغة المهيمنة" [19] .

والاختلاف الواضح بين اللّغة الفصيحة واللّهجة هو في إطار ثقافي واجتماعي غالبا ما تفرضه السياسة، ويكون المحيط في اللهجة أضيق من اللغة لكنها تتميّز هي أيضا بكل الأنظمة اللسانية على كامل المستويات الصوتية والنحوية والمعجمية.

واللّغة الفصيحة بفرنسا هي تلك اللغة التي توحد كامل أشكال اللّهجات في شكل متّحد يقصي التباعد بينها لإعطاء لغة فرنسية مشتركة. وأصبح الحديث في إنجلترا عن لغة إنجليزية فصيحة وعالمية تعمل "كقوة موحدة تسطو على كامل التنوعات اللّهجية التي يمكن لها أن توجد. وهذا المبدأ خاطئ في كل الحالات لأنّه لا يوجد نوع موحّد ومتميّز للغة يمكن فرضه في كل أنحاء العالم" [20] .

وهناك من العلماء السوسيو-لسانيين مثل رومان Romaine)) الذي أرجع اللّغة في مقابل اللّهجة إلى أبعاد اجتماعية وليس لسانية لأنّ دراسة اللهجة أو علم اللهجات تهتم بالحدود التي تصادف خصائص جغرافية مثل الأنهار والجبال "وللحدود، إذن، طبيعة اجتماعية مثل ما بين جماعات الطبقات الاجتماعية (اللّهجات الاجتماعية)" [21] . ولهذا يختلف المتكلّمون حسب انتماءهم الطبقي وعوامل أخرى منها المستوى التربوي والوظيفة والدخل. وكانت الدراسات اللّسانية في القرن التاسع عشر ذات مدلول تاريخي، وأسهمت الأبحاث في اللّهجات نظريا وتطبيقيا في دراسة تغيرات اللّغة، وكما كانت أول هذه الدراسات في ألمانيا وفرنسا اللتين كانتا تمثلان أسس الدلالات اللسانية لأنماط الأسوكلوسات (isogloss).

وزاد اهتمام الدارسين بالتنوعات اللّهجية للغة الإنجليزية مع "بداية القرن السابع عشر، خاصة الدراسة التي قام بها ألكسندر جيل (Alexander Gill)في مؤلفه Polychronicon (1619)،وقارن فيها مختلف الأشكال اللّهجية في مقابل الفصيح في اللغة الإنجليزية" [22] ، ولكن الدراسة العلمية للهجة في إنجلترا ظهرت مع أواخر القرن التاسع عشر من خلال العمل الذي قام به سكيت (Skeat) في بحثه حول مجتمع اللّهجة الإنجليزية سنة 1873. ثمّ بعد ذلك تمَ ظهور العمل الكبير الذي تميّز في علم اللّهجات البريطانية مع Joseph Wright’s بمعجم اللّهجة الإنجليزية (1898-1905) ولم يظهر الأطلس اللساني بإنجلترا إلا سنة 1978". [23]

وإن كل الأعمال التي ظهرت بعد ذلك في علم اللّهجات البريطاني سلطت الضوء بقوة على كلام المدن، مختلفة في ذلك عن الدراسات القديمة حول اللّهجات في الجبال والبوادي. وكان علماء اللّهجات يقومون ببناء حقول بحثهم في المناطق الجبلية والبدوية لتسجيل اللّهجات التاريخية وحفظها من الضياع. والآن يهتم علماء اللسانيات الاجتماعية باللّهجات الحديثة بالمدن، ولم يبدأ وعي علماء اللّهجات باختلاف اللّهجات بالمدينة ذات الأشكال اللّهجية الخاصة إلا حديثا لأنّ شغلهم الشاغل تمركز حول اللّهجات بالبادية خوفا عليها من الاندثار. ولكنهم اليوم أكثر انتباها إلى "تواصل الجماعات في المجتمع المدني الذي يزيد من نشر خصائص لغوية غير فصيحة" [24] ، وعليه أصبح علم اللّهجات حقلا دراسيا واسعا يشمل كل الاختلافات اللّهجية في مجالها الجغرافي والفضائي ويشمل أيضا على كل تـلـك المفردات الخاصة بالإقليم وطريقة النطق به.

ويرتكز البحث الفضائي والجغرافي أساسا على تلك الفوارق الموجودة في كلّ كيفيات الحدث في اللّغة خاصة المفردات والنطق. إنّ اللّهجة في مقابل الفصيح ليست قضية يتصارع فيها العلماء من أجل البقاء ولكنّها إشكالية جذبت إليها أنظار المختصين، ما أوجد هذه المقابلة في مختلف حقول الدراسات. ولم تقتصر على اللّغوية منها وإنّما فرضت وجودها بقوّة في الأدب عامة والأدب الإنجليزي خاصة.

وقبل التطرّق إلى هذا الوجود اللّهجي في الأدب، لا تزال هناك علاقة تقيمها اللغة وهي تمس الأدب من قريب أو بعيد ،تتمثّل في الثقافة لأنّ هذه الأخيرة جزء من اللّغة في الأدب وخارجه.

اللّغة والثقافة

ما لا شك فيه أنّ استعمال لغة مكتوبة فعل تنطوي تحته دلالات ثقافية واجتماعية لا تظهر إلا للدارس المختص، فإضافة إلى كل ما تمثله الثقافة من تصورات ومصطلحات لا يمكن تحديدها، فهي تتشارك مع ذلك المجتمع الخطابي في الفضاء الاجتماعي والتاريخي والتخيّلات المشتركة.

ولقد ربط الدارسون الألمان مثل هردر (Herder) وهامبلت (Humboldt ) التنوع الثقافي بالاختلاف اللّغوي، وأكدا على أنّ تعدد كلام الأشخاص يعود إلى لغتهم التي تمنحهم طرقا مختلفة للتعبير عن العالم حولهم وهي الفكرة التي تبنتها أيضا الدراسات اللسانية بأمريكا على يد بوواس (Boas) وسابير (Sapir)ولي وورف (Lee Whorf) . وإذا أجاد "الإنسان العادي" استغلال العناصر الثقافية في عالمه، فما بال الأديب الذي يعلم أنّ تألقه لا يكون إلا بالارتكاز على ما يزخر به التراث الثقافي لأمة ما، بل هو القاعدة التأسيسية لتوضيح حقيقة الشعوب وعقليتها. ولهذا فإنّ، اللّغة بوصفها مخلوق اجتماعي توجد في مؤسسة اجتماعية يسكن فيها الأدب في السياق الاجتماعي كجزء من الثقافة. ولهذا، فإنّ الأدب يقترب أكثر فأكثر من علم الاجتماع واللسانيات كما يرى ليفي ستروس الذي يقول: أنّك إذا قلت لغة فإنّك تقول مجتمع [25] .

وتتكون اللغة أساسا من أنظمة ثلاث تحكم تركيب الجمل وتضبط نمط الصوت (الفونولوجيا) وتجمع مفرداته وتضبط معانيه (علم المعاني)،وهذا الأخير هو الذي يتحكّم بالفونولوجيا والسانتكس؛ ولكن لا تستطيع كل هذه الأنظمة أن تحمي اللغة من الاندثار إن لم تمتلك طابعا ثقافيا، لأنّه مثلما تتصاعد وتنخفض الثقافات فبالمثل تظهر وتختفي اللغات.

وتتأثر اللّغة بالطبقة الاجتماعية، والوظيفة، والتربية، والأساس التربوي للآباء، والسياق الاجتماعي، والانتماء الوطني والإقليمي، وجنس. وتزيد الثقافة النص جمالا وتألقا بل إنّ متعة الجملة لا تزيد إلا بزيادة ثقافتها [26] .

وتمكننا الأعمال الأدبية التي تنسجها "الأدمغة الكبيرة" من الاتصال مع الأشخاص الذين تزيد ثقافتهم الشخصية لأنّ اللغة مفتاح الإرث الثقافي. يتّفق الدارسون على أنّ كل اللّغات تستعير كلمات من لغات أخرى،" والثقافات في اتصال مع بعضها البعض وتستعير مجموعة من المفردات" [27] ، وهى تضمّ العادات والتقاليد والسلوك الاجتماعي والمعرفة والأشكال الثقافية لجماعة ما وكلّها تمثل قيم المجتمع. إنّ اللغة هي الميزة الوحيدة التي يختلف بها الإنسان عن باقي المخلوقات، وهذا ما يكتشفه كل مولع بقراءة الروايات والشعر والدراما، والذي سيلاحظ بالضرورة أساليب متنوَعة ومستويات مختلفة من اللّغة.

وللبشر انتماءات كثيرة منها: الوطن، الإقليم، الأصل والجماعة، ولهم أيضا لغة وطنية وإقليمية وشخصية وعليه، فهم ينتمون بالضرورة لمجتمع لساني مختلف وخاص، ومنه "كان وعيهم الوطني والإقليمي واختلاف ثقافتهم هو الذي يحدّد معانيهم للأشياء، وعليه نجد لهجات كثيرة للغات عديدة" [28] .

الأشكال اللهجية في الأدب الإنجليزي

هناك إجماع على أنّ اللّغة الأدبية تضمّ مستويات تعبيرية مختلفة من الحياة اليومية إلى أوج هذه اللّغة عندما تصب في قالبها الفني. ولا يوجد اختلاف ملموس بين هذه المستويات على تنوعها وتعددها لأنّ النص الأدبي هو السياق الوحيد الذي تمتزج فيه مختلف التنوعات اللغوية.

وكان كاتب اللّغة الإنجليزية في العصور الوسطى "شوسر" (Chaucer) من بين من وقع في سحر هذه اللّغة الخاصة من حيث أنّها متقبلة لكل المستويات لأنّ فضاءها الفسيح يتّسع دائما للمزيد من التكلمات اللغوية واللهجية.

أ. جيوفري تشوسر : Geoffrey Chaucer

وصفه كبار الكتاب والنّقاد بأنّه زهرة علماء البلاغة (Rose of Rethoricians) وعلى يديه انطلق أدب إنجليزي فصيح ينافس الأدب الفرنسي الذي كان في أوجه في القرن الرابع عشر مقارنة بالركود الذي شهدته النصوص الانجليزية القديمة.

فبعدما كتب أولى مؤلفاته باللّغة الفرنسية مع أواخر1360 وبدايات1370 (The Book of Duchess) ، أنتج مؤلّفه باللّغة الإيطالية(Troilus and إلى أن ناد بلغة إنجليزية أدبية مستقلة عن أي دخيل أجنبي، وانغلق على العنصر الوطني المتمثل في اللهجات الانجليزية خاصة ما تمركز منها بلندن وضواحيها، مواكبا في ذلك جهود علماء اللّغة في تفصيح هذه اللهجة.

ولهذا يغلب على لغة "شوسر" لهجة "الإيست ميدلاند"East Midland) ) التي تختلف شيئا ما عن اللغة الانجليزية الحديثة كما يتضح في المقطع التالي:

So faren we , if I shal seye (لهجة الإيست ميدلاند)

So far we, if I shall see (اللغة الانجليزية حديثا)

"بعيدون نحن، لكي نرى"

هذه التهجئة القديمة تشكل عائقا للقارئ الحديث؛ "لقد استعمل شوسر الكثير من الكلمات اللٌهجية الموجودة هنا وهناك بإنجلترا ما حفّز علماء اللّغة على تحليل سوسيو-لساني عميق لمعاني المفردات عند شوسر" [29] .

واختصت أعماله الأخيرة بالمزيج اللٌهجي الذي صبه في كتابه(Canterbury Tales). وهو مجموعة من القصص الطريفة حول عامة الناس وهم يحجون إلى هذه المدينة المقدسة المسماة (Canterbury). وهم في ذلك يقطعون المسافات الطويلة متحدّين أهوال الطبيعة وقساوة الثلوج لكنّهم يتعرضون لمواقف غريبة ومميّزة أثناء رحلتهم، وذاك ما يصوغه لنا شوسر (Chaucer) بلهجات مختلفة؛ وهي لا تختلف أحيانا عن القصص الشعبية لبعض الشخصيات المعروفة في الأدب العربي مثل حكايات جحا أو شعيب وغيرهما.

ولم تكن كل اللهجات التي استعملها شوسر (Chaucer) تنتمي إلى المنطقة التي ترعرع فيها، بل تنوّع استعماله للّهجات دون جهوية أو تزمّت كما جاء في قصة (Reeve’s Tale). ولم يختلف عنه وليم شاكسبيرWilliam Shakespeare الذي استعمل لهجات مختلفة في مسرحيته "هانري الخامس" Henry the Fifth وفي أعمال أخرى.

ب . وليام شاكسبير

 لا يوجد كاتب أغنى أدبه بالحكايات والأفكار المستوحاة من الحياة اليومية مثل ما فعل شاكسبير في منتجاته البارزة في الأدب الانجليزي. ومع وعيه بأنّ اللّغة الأدبية واستعمالاتها تقتبس من التكلمات العادية، زاد إدراكه للتنوّع اللٌهجي في معظم أعماله خاصة عند وصفه لشخصيات قروية أو منتمية لإقليم ما. وبشكل خاص تميّز بتوظيفه للّهجة منطقة الغرب الجنوبي من إنجلترا. وأكثر المقاطع التي جاءت فيها الأشكال اللٌهجية هي التي يدور فيها الحوار والتي هيأها شاكسبير لباقي المسرحيين من بعده .وصار مثل هذا التوظيف خاصية عامة حتى القرن الثامن عشر وما بعده، مع أوائل كتاب الرواية الذين عمدوا إلى توظيف الأشكال اللٌهجية في الحوار مثل جورج إيليوت (George Eliot) في رواية "آدم بيد" وطوماس هاردي (Thomas Hardy) في الروايات المستعملة للهجات الوسكس (Wessex).

ويجمع النقاد على أنّ لغة شاكسبير ارتكزت كثيرا على التنوعات اللسانية التي خصت اللغة الانجليزية ولهجاتها،ومن بين اللغات الإقليمية التي وظفها مثلا كلمة الكلّ (fullen) في مسرحيته هانري الخامس أو العبارة "شتت عقلي بتلك الانجليزية المكسرة":Break thy mind to me in broken English)). ويقصد بالانجليزية المكسرة لغة تخلو من الرسمية والفصاحة وهي غير شكلية (informal)؛ ومنه تميّز أدبه بالشعبية في قصصه ولغته، فكان شعبيا وأضحى عالميا تتناقل الأجيال حكمته ولغته وأسلوبه.

ولهذا لم تنقطع الدراسات الأدبية والعلمية والإحصائية لأعمال شاكسبير، فمنهم من حصر معجمه من حيث اختلاف الكلمات. وهناك من حاول تعريف به بأن جمع مجمل أعماله ملخصة للأطفال في مجموعة بسيطة مثل ما فعل الأخوان "ماري لامب" و"شارل لامب" في كتابهما المعنون "قصص من شاكسبير". ولعلّ ما جعل شاكسبير "عملاقا" هو احتكاره للمسرح وتحكّمه في اللون الدرامي واهتمامه الكبير باللغة،لذا بقت مملكته محوطة بحصن متين "لم يحطمه" تباعد الأزمنة.

ج. والتر سكوت Walter Scott

هو الأديب الأكثر تميّزا في بداية القرن التاسع عشر- نهاية الفترة الرومانسية وبداية العهد الفيكتوري- لاستعماله للّهجة السكوتلاندية في مقابل اللغة الانجليزية في كتاباته، خاصة في الرواية التاريخية الشهيرة المعنونة في قلب ميدلوثيان The Heart of Midlothian في 1818 وهو اسم السجن بإدينبرةEdinburgh . وهو يلخص اتفاقية الوحدة بين انجلترا وسكوتلاندا عام 1707،وفي هذه الرواية وظّف سكوت شخصيات سكوتلاندية في مقابل أخرى انجليزية. وما يُوقع القارئ في مقابلة بين مختلف اللهجات والأشكال الثقافية، قصة سكوتلاندية شعبية مستوحاة من الواقع المعيش في "سلسلة من المشاهد المضحكة من مقاطع من الحوار الشعبي، أين تشهد الرواية بطولات الفئة البسيطة من المجتمع" [30] ؛ كاستعماله لكلمة (bonny lass) بمعنى المرأة الشابة الجميلة في السكوتلاندية أو كلمة (ane) وهي (one) في اللّغة الانجليزية أي واحدة. والرواية باختصار هي حول قانون لندن ضد قانون سكوتلاندا، والمثير للانتباه في هذه الرواية أن اللهجة لم تأت على لسان الشخصيات غير المثقفة أو المهمة بل حتى على لسان البطلة(Jeanie) التي استعملت التركيب اللهجي في هذا المقطع O ye unhappy boy…do ye ken” “. وهو المقابل في اللغة الانجليزية Oh we unhappy boy…do we can” “. واستعمال سكوت اللّهجة يوحي بواقعيته،بل وبنزاهته في توظيف اللهجة على لسان البطلة. وجاءت معظم مشاهد خصومات الشخصيات واقعية. ولقد بلغ سكوت من "العظمة" في هذه الرواية ما جعل النقاد في أواخر هذا القرن يقارنونه بشاكسبير. أمّا توظيفه للهجة في الأدب الانجليزي فناجم عن واقعيته وكذا وعيه القومي، فنقل عنه من جاء بعده من الكتّاب هذا التوظيف، فكان مثالا يقتدي به الكُتاب الإنجليز.

بقيت ظاهرة استعمال اللهجة في الأدب من شوسر وشاكسبير قائمة تجذب إليها إعجاب كبار الروائيين مثل كاتب الرواية الشهيرة "روبنسون كروسو" دانيال ديفو الذي يروي مقالا عن زيارته لسومرست (Somerset)، وهي تقع على بعد 150 ميل جنوب غرب لندن وهو يقول: "لهجة اللسان الانجليزي أو طريقة تعبير أصحاب البلاد ليست أمرا سهل المنال في فهمه لأنّ الاختلاف لا يقع في التهجئة أو النغمة أو النبرة، بل في تقطيعهم واختصارهم للكلام، الشيء المثير حقا للانتباه، فيقول: cham بدل( Iam / أنا) وchil بدل (Iwill/ سوف) – هي رطانة البلاد التي جعلتني مقيدا ولكن متأملا ومعجبا بذلك" [31] .

ويتذكّر الكاتب الفيكتوري كارليل (Carlyle) في إحدى مؤلفاته [32] كلام أبيه الذي كان ِحرفيا بسيطا يعمل بالقرية، ومع ذلك فإنّ "أسلوبه في التعبير حرّ ومليء بالكنايات (رغم أنه يجهل ما معنى كناية)، مختصر، سريع، ديناميكي، وهو بذلك أعطاني أحسن الصور عن كل اللهجات التي سبق لي سماعها في حياتي" [33] .

ويشاطر هذا الرأي عن اللّهجات معظم الروائيين الذين عايشوا فترة العهد الفيكتوري، وحتى الشاعر الفكتوري (Tennyson) المعروف بجزالة اللّغة وفصاحة التعبير استهوته بعض التراكيب اللهجية التي عمد إلى استعمالها في بعض أشعاره مثل (Grandmother) الجدة أو The Northern Farmer الفلاح الشمالي.

لقد غلب موضوع القرى ولغاتها على الكتابات الفكتورية لأنّها الفترة الأخيرة التي عايش فيها الإنجليز الطابع القروي قبل تحوّله بالضرورة لمجتمع صناعي وتجاري تحت تأثير النهضة الصناعية، ونتج عن التمركز بالعاصمة وضواحيها ظهور مزيج لهجي خاص جلب إليه الدارسين مثل هانري ماثيو [34] (Henry Mathew) في مؤلفه London Labour and the London Poor.

د. هاردي Hardy وآخرون

لم تشهد فترة من مراحل الأدب الإنجليزي غنا في الأسلوب وتنوّعا في مستويات اللّغة مثل ما شهده النثر الفيكتوري على يد روائيين، منهم ديكنز(Dickens) وإيليوت(Eliot) . وأخيرا، الروائي طوماس هاردي (Thomas Hardy)،الذي كان دقيقا في تناوله لمختلف الأشكال اللهجية في معظم رواياتة، وقبله الروائية سيدة كاسقال Mrs Gaskell والأخوات برونتThe Bronte خاصة إيميلي Emily في روايتها الشهيرة (Heights Wuthering) : من ذلك العبارة في هذا التركيب I sud more likenn tooforth horse ، كما وظفت لهجة الشمال على لسان الشخصية التي لعبت دور الخادم المسن من ذلك قوله ye بدل you أنت، أوaister عوض master سيدي أو, , i ,t’ o’ اختصارا لـ of, to, in وهي حروف جر لمقابلها في العربية: إلى، لِـ، في. ولهذا كان توظيف اللهجة في هذه الرواية منحصرا على شخصية جوزيف التي أرادت إميلي من خلالها تمييز الطبقة التي تنتمي إليها الشخصية والذي يظهر أنها مجرد خادم بسيط.

ولقد اختلف الغرض عند هؤلاء الكتاب من استعمال اللهجة، فمنهم من وظفها بغرض السخرية والتهكم، وروائيين آخرين عمدوا إلى تمثيل مستويات ومدونات مختلفة من التكلمات اللهجية أمثال السّيدة كاسقال (Gaskell) وجورج إيليوت George Eliot)) وطوماس هاردي ((Thomas Hardy، ووظّفها هؤلاء في شخصيات منضبطة أو مروّعة وليس فقط بغرض السخرية.

وللكاتبة الروائية كاسقال (Mrs Gaskel) آراء جد واضحة فيما يخص استعمال اللهجة في القالب الأدبي الفني الراقي خاصة لهجة Lancashire التي تتقنها. ولهذا استعملت اللّهجة في روايتها Mary Barton وفي رواية أخرى معنونة الشمال والجنوب (North and South)، حيث جذب استعمالها للهجة أنظار النّقاد وعلماء اللّغة وميّز الروائية بطابع اختلف عن باقي الروائيات الأخريات، خاصة في كلام الشخصية Bessy "wi’, yo’, you’s, dunnot, o’, fro’" اختصارا لـ ” with, you, yours, do not, of, from “.

وزاد إبداع السيدة كاسقال عند توظيفها للبطل طورتن (J. Thornton) الذي ينتمي إلى منطقة صناعية بالشمال، وفي المقابل وظّفت اللّهجة على لسان البطلة مارفريت هال (Margaret Hale) المنتمية لمنطقة قروية في الجنوب، فتضاربت اللهجات البدوية مع اللهجات الحضرية في قالب لغوي صنعته بتأمل وإتقان هذه الروائية. أما طوماس هاردي فكان مميزا في توظيفه للهجة في الشعر والنثر وفي استعماله الكلام القروي في الخيال الإبداعي مع فصاحة شعرية لم تفقده البساطة في التعبير.

ويتفق النّقاد على أنّ هاردي صور العالم القروي الذي نشأ فيه، فمثّله في توظيفه للهجة في معظم رواياته، خاصة لهجة قريته الأصلية دورسيت (Dorset) الواقعة في أعالي (Bockhampton). وعلى خلاف الأدباء الآخرين، استعمل هاردي اللّهجة بغرض التراجيديا والإضحاك، وكذا من أجل التعمق في الشخصية،وهو بذلك "يقيم ويدافع عن لهجة الدورسيت على أنّها ليست منحدرة من اللغة الرسمية الوطنية ولكنها بقايا الكلام القديم للغة الوسكس الساكسون" [35] ، لهذا جاءت روايات هاردي غنية بالتراكيب اللهجية مثل ما جاء في روايته المعنونة (Far From the Madding Crowd) التي تميزت بتراكيب لهجية على لسان الفلاح جابريال (Gabriel).

ولقد أثرى هاردي استعمال اللهجة في روايته المعنونة The Mayor of Casterbridge وهي تصوير دقيق لحياة مجتمع "الوسكس"،كما جاء على لسان الشخصيات البارزة في الرواية مثل مايكل (Michael) الذي استعمل اللهجة في كلمة ye بدل you و o’t بدل of it أمّا الشخصية المدعوة في هذه الرواية فاستعملتSusan thee،وهي صيغة الضمير "أنت" التي كانت تستعمل قديما في اللغة الانجليزية، ولم تعد فصيحة ولكنها بقيت لاصقة ببعض اللهجات. وأبرز ما تميّزت به هذه الرواية هو مقاطع الحوار على لسان الشخصية فارفرايFarfrae التي وظفها "هاردي" بلسان سكوتلاندي.

وفي روايته الشهيرة Jude the Obscure استعمل "هاردي" بعض التراكيب على لسان أقوام القبيلة كقولهم on’y...it do..wi’…un…: بدل only...it does...with…and وهو بذلك يحاول وصف Christminsterوهم ناس مجتمعون بالكنيسة.

من هنا يظهر لنا الروائي "هاردي" على وعي بموقع كل مستوى من مستويات اللغة وتعدّدها بل ووعيه الكبير باستعمال الفصيح على لسان البطلة وكلمات لهجية عديدة أخرى في باقي الرواية، ما يوحي بتفتّح الكاتب على اللغة وإدراكه للتحول الاجتماعي.

ويبدأ الجدال فترة الحداثة ­بداية القرن العشرين­ حول لغة الأدب فيما أنّها لغة خاصة تتميّز بالنغمات الشعرية والرّنات الموسيقية التي لا يتقنها أيّا كان أو أنّها مستوحاة من الكلام اليومي العادي لخدمة واقعية النص كما يقول الشاعر الحديث ت.س. إيليوت: "الشعر النزيه هو ما يخاطب قبل أن يفهم"، فكان الدارج واللّهجة محلّ تداول الكتاب المحدثين مثل "لورانس" والمسرحي "بارنار شو" [36] .

ذ. لورانس D.H.Lawrence

تعدّدت التراكيب اللهجية عند "لورانس"، خاصة روايته أبناء وأحباء Sons and Lovers)) التي تدور فيها القصة حول عائلة السّيد مورال (Morel)،وهو شخصية من طبقة كادحة تجمع قوت يومها بصعوبة لتبذره في آخر المطاف على شرب الخمر، وأغلب التراكيب اللهجية جاءت على لسانه. إنّ السّيد مورال (Morel) يتحدث لهجة الميدلاندز (Midlands) التي تنتمي إلى المنطقة التي ترعرع فيها الروائي،وهو بذلك يحذف بعض الحروف من بداية ونهاية الكلمات؛ إلى جانب استعماله لبعض الكلمات اللهجية مثل (nowt) التي تعني (nothing) لا شيء و(mucky) التي تعني في الفصيح (dirty) أي وسخ.

كما أنّ الروائي وظف لهجة النوتينكهام (Nottingham) التي تضم الميدلاند من أجل خدمة واقعية النص لأنّ عمال هذه المنطقة لا يتحدثون انجليزية لندن. وكونهم ينتمون إلى فئة عمّال المناجم، لم يكن بالإمكان توظيف لغة انجليزية فصيحة، ويعود لورانس بذلك إلى المجتمع الفلاحي تماما كما فعل طوماس هاردي (Thomas Hardy) في كتاباته.

ولم يقتصر استعمال اللهجة في الأدب الانجليزي الحديث على الرواية والشعر فقط،بل تعدى ذلك إلى كتابة المسرحية على يد المسرحي العالمي جورج بارنار شو ((George Bernard Shaw.

ر. جورج بارنار شو

مسرحي وناقد إيرلاندي الأصل، بدأ بكتابة الرواية بلندن، ولم يلق نجاحا كبيرا، فانتقل إلى كتابة المسرحيات التي كان أهمها (Pygmalion)،التي تميّز فيها باستعمال مستويات مختلفة من اللغة ومزيج من التراكيب اللهجية، خاصة وأنّ أحداث القصة تدور حول معلم الأصوات (H.Higgins) الذي يعلم بنت -تتحدث لهجة (Cockney)- لغة الطبقات الراقية من أجل تهيئتها للانضمام إليها. وهدف الروائي من هذه القصة هو إبراز أنّ المراكز الحساسة بإنجلترا لا تعطى إلا لذوي النطق السليم والنبر الموافق لطبقة راقية. واشتهر هذا المسرحي باستعماله في العديد من مسرحياته للهجة في شخصيات ثانوية، وتمعن بدقة في المشكل الاجتماعي الذي تعاني منه اللهجة في مسرحيته ((Pygmalion.

ولقد ذهب المسرحي بعيدا عند مناداته بأبجدية جديدة للغة الانجليزية تأخذ بعض صفاتها من اللهجة الشمالية بانجلترا،ولخص ذلك في مسرحيته (Androcles and the Lion) ولكن مشروعه هذا باء بالفشل.

لقد نبّه برنار شو كثيرا إلى أنّ اللهجة لا يمكن أن تمثل في الكتابة دون نظام صوتي خاص بها، خاصة في بعض الكلمات اللهجية مثل : andred pahnd nathink وهو المقابل في الفصيح الانجليزي nothing, hundred Pounds. وكان جد حريص على أنّ اللّغة الإنجليزية يمكن أن تكون عالمية إذا استوحت نظمها من لغة الاتّصال الهجينة (Pidgin English).

كما دعا إلى تجديدات أخرى كتبسيط تهجئة بعض الكلمات مثل cigaret, program بدل cigarette ,programme وحذف الفاصلة apostrophe في الكلمات المختصرة مثل didnt بدل did’nt. وكذا ترك مكان فارغ spacing بين حروف الكلمة التي توظف بهدف التوكيد emphasis مثل كلمة يجب m /u/ s/ t بدلا من must.

يمتد توظيف اللهجة إلى شوسر وشاكسبير لدواعي تاريخية لم تكن فيها اللغة مفصحة وراسية على قواعد متينة تمكنها من خوض مجال الكتابة الأدبية العالية المستوى ولدواعي الكاتب الشخصية، حين يجعله الحنين يرجع للغته الأصلية (mother tongue) أو عندما يعشق بعض التكلمات اللهجية التي لا يمكن مقابلتها بالفصيح لأنها تراكيب خاصة لا تترجم بسهولة، وامتد هذا العشق للهجة مع الرومانسيين وأبرزهم الشاعر ووردسوورث Wordsworth الذي دعى إلى البساطة في لغة الشِّعر، وتبعه الروائي سكوت الذي وظّف اللّهجة بصورة جد واضحة، ما زاد من اهتمام كتاب الرواية في العهد الفكتوري إلى التداول على إدخال تراكيب لهجية في قالب فني لأغراض مختلفة، ليتواصل هذا التوظيف ما بعد العهد الفكتوري مع الكتاب المحدثين.

خلاصة

أهم ما آلت إليه الدراسة يكمن في أن علاقة اللّهجة جدّ قوية بالثقافة والمجتمع، ولا يمكن محاكاة الواقع بمصداقية دون التوظيف اللهجي في نص فصيح، فمنذ أن انطلق الأدب الانجليزي رسميا مع شوسر عرف تنوّعا لغويا بين فصيح وعامي إلى يومنا هذا. ويوحي التنوّع اللهجي بفساحة الفضاء المكاني والزمني للنص الذي يزخر بمواضيع متنوعة عن الإنسان وعالمه الداخلي والخارجي، وقد تطورت تقنية توظيف اللهجة مع بروز أشكال مختلفة من الكتابة الأدبية أبرزها الرواية كجنس أدبي خاص .


المراجع

عبد السلام، المسدي (1977)، الأسلوبية والأسلوب، ليبيا وتونس، الدار العربية للكتاب.

عثمان، بدري (2000)، وظيفة اللغة في الخطاب الروائي الواقعي عند نجيب محفوظ، دراسة تطبيقية، الجزائر، موفم للنشر والتوزيع.

اسماعيل، عبد المنعم (1981)، نظرية الأدب ومناهج الدراسات الأدبية، الكويت، مكتبة الفلاح.

Chomsky, L. (1980), Traduction de Louis-Jean Calvet. Langage et pensée, Paris, Petite bibliothèque Payot.

Mounin, G. (1971), Clefs pour la linguistique, Paris, éd. Seghers.

Martinet, A. (1974), La linguistique synchronique Paris, Presses universitaires de France.

Lyons, J. (1981), Language and Linguistics, Cambridge, CUP.

Latraversse, F. (1987), La Pragmatique: histoire et critique, Belgique, Pierre Mardaga.

Laffont, R. (1975), Révolution et linguistique, Editions, Paris, Grammont et Salva T. Editeurs.

Turner, G.-W. (1973), Stylistics, London, Penguin Books.

Kristeva, G. translated by Menke, A.-M. (1989), « Language the Unknown: an Introduction into Linguistics », Columbia, Columbia University Press.

McArthur, T.-M. (1996.), Companion to the English Language, Oxford OUP.

Romaine, S. (2000), « Language in Society : an Introduction to Sociolinguistics » Great Britain OUP.

Dubois, J. et all. (2000), Dictionnaire de linguistique, Paris, Librairie Larousse.

Todorov, D.-T. (1972), Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, Paris, Editions du seuil.

Galisson, R., Coste, D. (1976.), Dictionnaire de didactique des langues, France, Hachette.

Crystal, D. (1995), « Cambridge Encyclopedia of the English Language », Cambridge, CUP.

Durranti, A. (1999), « Linguistics Anthropology », Cambridge, CUP.

Barthes, R. (1973), Le plaisir du Texte, Evreux, Editions du Seuil.

Brown, C. et all. (1995), « Language and Understanding », Oxford, OUP.

Sumpf, J., Hugues, N. (1973), Dictionnaire de Sociologie, Paris, Librairie Larousse.

Machan, T., Scott, C.-T. (1992), « English in its Social Context », New York, OUP.

Castex, P., Jumeau, A. (1992), Les grands classiques de la littérature Anglaise, France, Hachette.

Ford, B. (1996), From Dickens to Hardy, England, Penguin Books.3


الهوامش

[1] Chomsky, N. (1980), Langage et Pensée, Paris, Petite Bibliothèque Payot, p. 24.

[2] Mounin, G. (1971), Clefs pour la linguistique, Paris, Seghers, p. 22.

[3] Martinet, A. (1974), La Linguistique Synchronique, Paris, Presses Universitaires de France, p. 16.

[4] «The misunderstanding is being reduced between linguists and literary men…linguists are more assertive as they used to be about the scientific status of their own discipline, and they are more careful in their formulation of the principle of the priority of spoken language» (1981). Lyons, J. « Language and Linguistics », Cambridge. Cambridge University Press, p. 296.

[5] « Literature, consists of beautiful or otherwise notable utterances », idem.

[6] « Les intentions du locuteur…l’intention des éléments du contexte...favorise une interprétation plutôt qu’une autre » Latraverse, F. (1987), La Pragmatique : Histoire et critique, Belgique, Pierre Mardaga, p. 238.

[7] Giglioli, P.-P. (1990), Language and Social Context, Great Britain. Penguin Books, p. 10.

[8] « L’objet de la linguistique est la langue même, l’objet de la poétique, un discours ; néanmoins, L’une et l’autre s’appuient souvent sur les mêmes concepts » Laffont- Grammont, R. 1975. Révolution en Linguistique. Barcelona. Editions Grammonts et Salvat editors. p107

[9] عبد السلام، المسدي، الأسلوبية والأسلوب، تونس، الدار العربية للكتاب، ط 3، ص. 23.

[10] عثمان، بدري (2000)، وظيفة اللغة في الخطاب الروائي الواقعي عند نجيب محفوظ، دراسة تطبيقية، الجزائر، موفم للنشر والتوزيع، ص. 14.

[11] إسماعيل، عبد المنعم (1981)، نظرية الأدب ومناهج الدراسات الأدبية، مكتبة الفلاح، الكويت، ج1، ص. 28.

[12] « Both grammarians and styliticians are aware of variety in language » (1973), Turner G.W. Stylistics, London, Penguin Books, p. 17.

[13] « Literature is no doubt the privileged realm in which language is exercised, clarified and modified…from myth to oral literature, from folklore and the epic to the realist novel and modern poetry, literary language offers a diversity » Kristeva Julia, Language the Unkown : « An Initiation into Linguistics », Translated by Anne M. Menke, Columbia University press, New York, 1989,p. 287.

[14] « Such a standard, however, is in origin also a dialect and in the view of some linguists, can and should be called the standard dialect », McArthur Tom, Oxford Companion to the English Language, Oxford, Oxford University Press, 1996, p. 267.

[15] « Partout où un grand nombre de limites linguistiques coïncident à peu près, il est légitime de parler de dialectes », (1979) Vendryes, J., Langage : Introduction Linguistique à L’histoire, Paris, Albin Michel, p. 275.

[16] « Dialect also has historical connotations : english, dutch ,and german which derive from the ancestors Germanic dialects», (1994) Romaine, S. « Language in Society: an Introduction to Sociolinguistics», Oxford, Oxford University Press, p. 2.

[17] « Le standard d’une manière générale, est une langue écrite elle est diffusée par l’école par la radio, et utilisée dans les relations officielles » (1973) Paris, Dubois, J. et all. Dictionnaire de linguistique, Librairie Larousse, p. 449.

[18] Ducrot, O., Todorov, T. (1972), « La langue officielle est simplement un parler régional qui a été étendu autoritairement à l’ensemble d’une nation », Dictionnaire encyclopédiques des sciences du langage, Paris, du Seuil, p. 79.

[19] Galisson, R., Coste. D. (1976), La langue n’est en effet jamais qu’une variante…que des raisons historiques et socio- culturels ont promue au statut de la langue dominante , Dictionnaire de didactique des langues, Paris, Hachette, p. 148.

[20] Crystal, D. (1995), « there is a world standard english acting as a strongly unifying force…it is misleading in several respects a totally uniform, regionally neutral, and unarguably prestigious variety does not yet exist worldwide », The Cambridge Encyclopedia of the English Language, Cambridge, Cambridge University Press, p. 11.

[21] Romaine, S. (1994), « Boundaries are, however, often of a social nature, e.g. between different social class groups (social dialects) » p. 2.

[22] Ibid, p. .276

[23] Crystal, D. (1995), op.cit., p. 318.

[24] Romaine, S. (1994), « Contact between groups in urban society may also accelerate the use of non- standard features », p. 83.

[25] Levi Strauss, C., cité in : Duranti, A, (1997), Linguistic Anthropolgy, Cambridge, Cambridge University Press, p. 337.

[26] Barthes, R. (1973), Le plaisir du texte, Paris, Editions du Seuil, p. 82.

[27] Hatch, E., Brown, C. (1995), « All cultures that have contact are likely to borrow vocabulary from each other », Vocabulary, Semantics and language Education, Cambridge, Cambridge University Press, p. 170.

[28] Sumpf, J., Hugues, N. (1973), Les différences significatives deviennent plus tranchées dans la mesure où elles se lient à des différences de culture, de territoire, de conscience nationale. On aura des dialectes des langues , Dictionnaire de Sociologie, Paris, Librairie Larousse, p. 58.

[29] « There remains a great deal of work to be done on the sociolinguistic significance of Chaucer’s lexis ».

Machan, T.-W., Scott, C.-T. (1992), English in its Social Contexts, Oxford, Oxford University Press, p. 64.

[30] Castex, P., Jumeau, A. (1992), « With its moving episodes, relieved scenes and vivid popular dialogues, the novel celebrates the sort of heroism of which ordinary people are capable ». Les Grands Classiques de la Littérature Anglaise et Américaine, Paris, Hachette, p. 144.

[31] Machan, T.-W., Scott, C.-T., idem., p. 119.

[32] Tennyson, (1881), Reminiscences.

[33] Gillie, Ch. (1996), « That bold glowing style, flowing free ; full of metaphors (though he knew not what a metaphor was) ; brief, energetic, definite, clear ,of all the dialects I have ever listened to » in Boris F. From Dickens to Hardy, England, Penguin Books, p. 285.

[34] صحفي قام بتحقيق اللغات المختلفة للمجتمعات التكلميّة بلندن.

[35] Tom, M.-A. (1996), « He valued and defended the dignity of Dorset usage which he saw not a deviation from the national standard, but as a survival of the ancient speech of Saxon, Wessex» op.cit., p. 425.

[36] Mc Arthur, T.-M. (1996), op.cit., p. 597.

 

logo du crasc
contact@ crasc.dz
saoe@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

© Copyright 2019 CRASC. Tous droits réservés.

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Plate-forme réalisée par : BAKIR Ilyes & DEKHIR Abdellah Merouan

Recherche