Sélectionnez votre langue

تمثّلات خريجي الجامعة لبرامج التّشغيل. دراسة ميدانية بوهران


إنسانيات عدد 90،أكتوبر – ديسمبر 2020، ص. 27-37



تمثّلات خريجي الجامعة لبرامج التّشغيل. دراسة ميدانية بوهران[1]

زين الشرف لوسداد:  Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle, 31 000, Oran, Algérie.


تعالج أطروحة الدكتوراه الموسومة بـ "تمثّلات خريجي الجامعة حول برامج التّشغيل، دراسة ميدانية بمدينة وهران" موضوع الشغل في إطار برامج السياسة العمومية التي وضعتها الدولة الجزائرية بهدف إدماج الشباب مهنيا، وتوفير مناصب عمل ذات طابع مؤقت أو مقاولاتي بغية منحهم فرصة للحصول على منصب عمل. تتناول هذه الدراسة بالتحليل برامج التشغيل التي يمكن لخريجي الجامعة الاستفادة منها والتي تتيح لهم الإدماج المهني وفق عقود العمل المؤقّتة[2]، أو البرامج ذات الطابع المقاولاتي التي تسمح بتجسيد المشاريع من خلال توفير الدعم المالي والمرافقة التسييرية[3].

تقارب هذه الدراسة تمثلات خريجي الجامعة ومواقفهم من هذه البرامج، بغية الكشف عن تصوراتهم لمسارهم المهني انطلاقا من مسارهم الجامعي، كما تعالج مسألة علاقة التكوين الجامعي وشهاداته بواقع سوق العمل ومتطلباته، وهذا العمل يسمح بتصنيف نماذج من المستفيدين من هذه البرامج بناء على هذه التمثلات.

برز مفهوم التّمثل في مجال علم النفس الاجتماعي، وقد ارتبط بالفكر الإنساني وتفاعله مع مختلف الانتماءات الاجتماعية للفاعلين سواء تمظهر ذلك في شكل معتقدات، ديانات، معارف، قيم، أو إيديولوجيات (Jodelet, 1989, p. 06). يشير سارج موسكوفيشي Moscovici Serge إلى أن التمثل هو مجموعة من القيم والمبادئ والممارسات التي يعتمدها الأفراد في حياتهم، والتي توجّه سلوكهم وإدراكهم ومعارفهم، وتساعدهم على بناء وتكوين إجابات حول استفهاماتهم، كما يرى بأنّ التصور يصبح اجتماعيا إذا كان مشتركا بين أفراد الجماعة، وبالتالي يتميز بالانتشار، كما يعتبر إنتاجيا ومتبادلا بين الأفراد، ويؤدي وظيفة التواصل الاجتماعي (Fisher, 1996, p. 125). وترى دنيس جودلي Denis Jodelet من جهتها أنّ "التّمثلات الاجتماعية هي عبارة عن ظواهر معقدة، دائما نشطة وفعالة في الحياة الاجتماعية" (Jodelet, 1989, p. 52)، وأنّها شكل من المعرفة المحققة والمشتركة اجتماعيا، لها هدف عملي تطبيقي، تسهم في بناء الواقع المشترك لمجموعة اجتماعية محددة كذلك في شكل حسّ مشترك أو معرفة ساذجة طبيعية (Jodelet, 1989, p. 52). فالتمثل هو نتاج عمليّة نشاط ذهني يقوم عن طريقها الفرد أو الجماعة بعملية بناء الواقع الذي يواجهه، والذي يعطيه معنى محدد" (Abric, 1994 p. 13).

إشكالية الدراسة

ترتبط مسارات البحث عن الشّغل لدى حاملي الشهادات الجامعية استنادا إلى السياسات العمومية للتشغيل بالسياق العام الذي يميّز منظومتي التكوين الجامعي والشغل. تعرف الأولى ومنذ بداية سنوات 2000 جمهرة التكوين الجامعي بفعل تزايد تعداد الطلبة المسجلين وتأنيثه، وتوسّع الخريطة الجامعية بحيث بلغت 106 مؤسسة جامعية سنة 2019. أهم ما يميّز هذه المنظومة هو ضعف تأثير السياقات المحلية على الخريطة التكوينية، وهو ما سبق وأشار إليه كل من ياسين محمد فرفرة وتشيرين مكيداش  (Farfara & Mekideche, 2008, p. 96-98).

أمّا المنظومة التشغيلية فتتميز بانتقائية صارمة تجاه حاملي الشهادات الجامعية، بحيث ترفع من تشغيلية بعض الشهادات وتقلص من حظوظ أخرى، وأمام هذا الوضع الذي يؤشر على ملامح العلاقة بين المنظومتين جاءت هذه الرسالة لتبحث في مواقف المتخرجين الجامعيين بمدينة وهران من نوعية تكوينهم الجامعي ومساره ومن برامج التشغيل ذات العقود المؤقتة وذات الطابع المقاولاتي وسيرورة الاندماج فيهما.

منهجية الدراسة

اعتمدت الدراسة على المقاربة الكيفية، مستخدمين في ذلك تقنية المقابلة شبه الموجّهة التي تستند إلى دليل مقابلة يحتوي على أسئلة تتمحور مضمونها حول ثلاثة أجزاء رئيسيّة. تضمّن الجزء الأوّل أسئلة خاصة بتمثلات خريجي الجامعة حول مسارهم الجامعي، أمّا الجزء الثاني فتضمن تمثلات خريجي الجامعة حول برامج التشغيل المقاولاتية، فيما ناقش الجزء الثالث تمثلات خريجي الجامعة لبرامج التشغيل ذات العقود المؤقتة. كما قمنا باستعمال التقنية نفسها مع مسؤولي وكالات التشغيل التي تضمن تسيير برامج التشغيل في مدينة وهران.

تكوّنت عينة الدراسة من 35 فردا متحصلا على شهادة جامعية، ومستفيدا من برامج التشغيل المقاولاتية وذات العقود المؤقتة، تراوح سنهم ما بين 22 و50 سنة، توزّعت كما يلي:

قُسِّمت رسالة الدكتوراه إلى أربعة فصول، حيث تمّ التطرق في الفصل التمهيدي الأوّل إلى "البطالة والتشغيل في الجزائر والمراحل التمهيدية لظهور برامج التشغيل"، مستعرضين لتقديم لمحة تاريخية عن واقع البطالة والتشغيل في الجزائر في ظل المراحل الكبرى التي عرفها الاقتصاد الجزائري. أمّا الفصل الثاني الموسوم "تمثلات خريجي الجامعة حول مسارهم الجامعي" فخصّصناه لعرض أهم المقاربات النظرية للتمثلات الاجتماعية ومفهومها الإجرائي الذي اعتمدناه في دراستنا، وقدمنا فيه لمحة موجزة عن الجامعة الجزائرية وتطوراتها، لنصل إلى تحليل تمثلات خريجي الجامعة لمسارهم الجامعي بما يحتويه من خصائص ومميزات، وكذا تحليل نظرتهم للجامعة ونوعية التكوين فيها وعلاقة ذلك بسوق العمل، كما عالجنا علاقة اختيار التخصصات بالأصول الاجتماعية، وتمثلات خريجي الجامعة حول الشهادة وقيمتها في سوق الشغل.

أمّا الفصل الثالث فقد خصصناه لمعرفة "تمثلات خريجي الجامعة حول برامج التشغيل المقاولاتية"، حيث تناولنا البرامج المقاولاتية ومراسيمها وأهدافها ومهامها، وواقع الظاهرة المقاولاتية في الجزائر، لننتقل بعدها إلى تحليل أسباب ودوافع توجّه خريجي الجامعة إلى الاستفادة من هذا النوع من البرامج، وتحديد تمثلاتهم حولها وحول العمل في إطارها بغية مقاربة استراتيجياتهم من وراء الاستفادة منها، ومعرفة انتظاراتهم من برامج التشغيل المقاولاتية، لنستخلص في الأخير ملامح خريجي الجامعة المستفيدين من برامج التشغيل المقاولاتية التي صنفناها بناء على تمثلاتهم.

أمّا الفصل الرابع المعنون بـ "تمثلات خريجي الجامعة حول برامج التشغيل الخاصة بالعقود المؤقتة"، فقد قدّمنا فيه هو الآخر عرضا لبرامج التشغيل ذات العقود المؤقتة وأهدافها ومهامها ومراسيمها، ثمّ عرجنا على وضعية خريج الجامعة في سوق العمل بصفته حاملا للشهادة الجامعية، وطبيعة علاقة تكوينه ومدى توافقه مع متطلبات سوق العمل، والكشف عن تمثلاته حول هذا التكوين وعلاقته بالمستقبل المهني وحول دور الشهادة الجامعية في الحصول على منصب الشغل والاستراتيجيات التي اعتمدها في ذلك، بالإضافة إلى معرفة دوافع وأسباب توجهه نحو الاستفادة من برامج التشغيل ذات العقود المؤقتة وتمثلاته حولها وحول شروط العمل في إطارها ومدى نجاعتها في إدماج الشباب مهنيا، كما تطرّقنا إلى أهداف هذه البرامج من منظوره وقمنا بوضع تصنيفات لنماذج من مبحوثينا على حسب طبيعة تمثلاتهم.

نتائج الدّراسة

تمّ تكوين التمثلات التي يحملها خريج الجامعة تجاه برامج التشغيل التي استفيد منها على مدار مراحل حياتية متسلسلة، وهي تختلف باختلاف الانتماء الاجتماعي، طبيعة التنشئة، والتكوين الجامعي والقيم والمعايير والايديولوجيات الفردية والجماعية المكتسبة، وهذه التمثلات ناتجة أساسًا عن تجارب، ومكتسبات عايشها الفرد أثناء مسار تكوين مشروعه المهني سواء قبل المرحلة الجامعية أو أثناءها أو بعد تخرجه منها.

 كشفت دراستنا عن مجموعة من التمثلات المرتبطة بالسياسات العمومية الموجهة لخريجي الجامعة والتي يمكن إيجازها في ما يلي:

تمثلات متباينة حول نوعيّة التكوين الجامعي

تباينت تمثلات خريجي الجامعة حول نوعية تكوينهم الجامعي، حيث يرى بعض المبحوثين أنّ مؤسسات التعليم العالي خاضعة لمنطق كمّي يُفقد نوعية التكوين قيمتها في العديد من التخصّصات. حسب المبحوثين تبدو الجامعة وكأنّها تسعى إلى إنتاج أكبر عدد من المتخرجين دون مراعاة لجودة تكوينهم والكفاءات المطلوبة في سوق الشغل، وهذا الوضع يدعّمه حرص الطلبة على  الحصول على الشهادة الجامعية بوصفها شهادة رمزية تسمح بالتنافس على منصب العمل دون إعطاء الأهمية اللازمة لقيمتها العلمية والمعرفية. كما يُنتج غياب التلقين بالوسائل التكنولوجية الحديثة ومشكل عدم إتقان اللغات لدى المتخرج عوائق لغوية على مستوى التوظيف، خصوصا لدى التخصصات الأدبية والاجتماعية والإنسانية، فيما تقل نسبيًّا حدّة ذلك لدى التخصصات العلمية والتقنية، في حين يتصور خريجو الجامعة بأن شهادتهم الجامعية تفتقر إلى المعايير العالمية ولا تتماشى مع شروط الجودة في التكوين، وهو ما يُنتج صعوبات في التأقلم مع الوضعيات المهنية المستقبلية ويؤدّي إلى صعوبة اندماجهم في مناصب عملهم.

تتحكّم العوامل السوسيوديمغرافية المؤشّرة على الأصول الاجتماعية لحاملي الشهادات الجامعية في التمثلات حول القيمة التشغيلية للشهادة الجامعية، ويمكننا أن نميّز- بناء على معطيات ميداننا- بين فئتين اجتماعيتين مختلفتين. تمثلات اجتماعية ترى في الشهادة الجامعية امتدادًا لرأس مال اجتماعي وثقافي للأسرة بحيث تصبح تشغيلية الشهادة ضمنها تحصيل حاصل لوضع اجتماعي واقتصادي. مثل هذه التمثلات حول الشهادة الجامعية يمكن أن نجدها  عند المتخرجين الذين ينتمون إلى الفئات الاجتماعية الوسطى والعليا (المؤشر: الوضع المهني للوالدين). وتمثلات اجتماعية ترى في الشهادة الجامعية مجرد وثيقة إدارية تعطيها فرصة التنافس الصعب من أجل الولوج إلى سوق العمل وتحسين الوضعية الاجتماعية الأولية، ومثل هذه التمثلات نجدها حاضرة في خطابات المتخرجين الذين ينتمون إلى الفئات الاجتماعية الشعبية (المؤشر: الوضع المهني للوالدين).

 يبدي كذلك مبحوثون رأيهم حول واقع التنسيق ما بين الجامعة وسوق العمل ويطرحون من وراء ذلك صعوبات التوفيق بين الخريطة التكوينية الجامعية ومتطلبات الشغل، فانعدام التنسيق بين المنظومتين يؤدي إلى تشكُّل اختلال بينهما ويرهن المصير المهني للمتخرجين. يعتبر خريجو الجامعة بأن مستقبل التكوين الجامعي غامض، ويُنتج لديهم التخوف حول المصير المهني لشهاداتهم، وهذا الشعور ينطبق على فئة المستفيدين من برنامج المساعدة على الإدماج المهني DAIP وفئة المستفيدين من برنامج إدماج حاملي الشهادات PID خصوصا أمام محدودية عقود عملهم بمدة زمنية منتهية الآجال. يعكس هذا الشعور فوارقا بيّنة بين غايات السياسات العمومية التي تمنح فرصة مؤقتة للولوج لسوق العمل وانتظارات المستفيدين من هذه السياسات الذين يسعون للحصول على فرصة شغل دائمة ولائقة. بحيث أن مواقفهم السلبية منها ليست راجعة للغايات الرسمية المسطرة لهذه السياسات بل لانتظاراتهم منها والتي لا تتوافق مع طموحاتهم المهنية.  

يُشكّل انعدام الدراسة والتخطيط المسبق للعلاقة بين منظومتي التكوين والتشغيل عائقا في بناء تمثلات إيجابية حول السياسات العمومية المقترحة، كما يشكل في الوقت نفسه عائقا من أجل بناء المشروع المهني وتجسيده. يجدر التذكير أنّ أهداف المبحوثين من توجّههم للجامعة وحصولهم على الشهادة متباينة بحسب تباين أصولهم الاجتماعية، والتصنيف التالي حول غاياتهم يكشف هذه الاختلافات في التمثلات: الشهادة لهدف علمي معرفي، الشهادة لهدف مادي عملي، الشهادة لهدف اجتماعي قيمي، الشهادة لهدف غير محدّد، والشهادة لهدف إعادة الإدماج في المجتمع.

دوافع توجّه خريجي الجامعة نحو برامج التشغيل ذات العقود المؤقتة

تتحكم في توجّه خريجي الجامعة نحو الاستفادة من برامج التشغيل ذات العقود المؤقتة عدّة أسباب تجعل منها ملجأًا لهم للإدماج في سوق الشغل أمام ضعف هذا الأخير في امتصاص اليد العاملة الجامعية. تُعتبر هذه البرامج لدى المبحوثين حلاًّ بديلاً في الحصول على منصب عمل ولو بصفة مؤقتة بعد فقدان الأمل في الإدماج المهني في القطاع العام أو الخاص عن طريق نظام الأجر الدائم، فالمعاناة من الهشاشة الاجتماعية والمهنية وصعوبات تجسيد المشروع المهني تدفع المبحوثين نحو السعي إلى العمل في إطار هذه البرامج بغية الحصول على التجربة المهنية الأولى (اكتساب الخبرة المهنية) وتكوين علاقات اجتماعية وتوسيع شبكة المعارف (تكوين رأسمال اجتماعي) التي يمكن أن يكون لها الدور الحاسم في الترقية الاجتماعية  من خلال الحصول على منصب شغل نمطي.

 تجدر الإشارة إلى أن الاستفادة من فرص الشغل الآنية التي توفرها السياسات العمومية للتشغيل تضمن على الأقل الاستفادة من منظومة الحماية الاجتماعية ومن التغطية الصحية أثناء العقود المؤقتة.

يعتبر خريجو الجامعة بأنّ الحصول على منصب عمل أصبح مرهونا بنسبة ما يملكه الفرد من رأسمال اجتماعي واقتصادي وهذا ما يشكّل صدمة لدى المبحوثين حول الآليات المتحكّمة في الولوج لسوق الشغل والالتحاق به، فالشهادة الجامعية والكفاءات التي أمكن بناؤها وتكوينها أثناء المسار الجامعي تأتي في المرتبة الثانية من حيث التأثير في سيرورة الإدماج والتفاوض من أجل الحصول على منصب العمل.

يفضّل المبحوثون العمل ضمن عقود DAIP التي تقترحها الوكالة الوطنية للشغل مقارنة مع عقود PID التي تقترحها مديرية النشاط الاجتماعي، وهذا التفضيل راجع لأن شروط الاستفادة منهما متباينة كما أن المستحقات المتعلقة بالأجر مختلفة.

يتصوّر المستفيدون من برنامجي التشغيل PID و DAIPأنّهما يمنحان مناصب عمل لا تتناسب مع المكانة التي يستحقها حامل الشهادة الجامعية، ولا تسهم في الرفع من مستوى مهاراته، فهذه البرامج ذات العقود المؤقتة التي استُحدثت من أجل معالجة الاختلالات والاضطرابات في العلاقة الطردية ما بين التكوين الجامعي والعمل لا تُسهم سوى في تدنّي قيمة الشهادة الجامعية عوض منحها فرصا للتّكيّف مع عالم الشغل. تبدو برامج التشغيل في تمثلات حاملي الشهادات الجامعية وكأنها تُنتج مظاهرا للهشاشة المهنية ولا تعطي فرصا لمواجهة اختلالات موازين تقسيم العمل، فبعدما كان يعاني حاملو الشهادة الجامعية من الهشاشة الناتجة عن البطالة أصبحوا حاليا يعانون من هشاشة منصب العمل التي ستؤدي إلى بطالة للمرّة الثانية بحكم المحدودية الزمنية لعقود العمل، فيما يتصور آخرون أنّ هذه السياسات تُستغل من طرف المؤسّسات المشغلة لفائدته أكثر مما هي نافعة للمستفيدين منها. كما تخلق برامج التشغيل ذات العقود المؤقتة فوارق اجتماعية وتمييزا ما بين الفئات والمجموعات الاجتماعية من ناحية الاستفادة من نوعية العقود التابعة لها، كما تُؤدّي الاستفادة من هذه البرامج إلى ضعف الحراك المهني عن طريق البحث عن فرص عمل أخرى، هذا الوضع تقدّمه الفئة المستجوبة وكأنّه تضييع للوقت في مناصب العمل المؤقتة.

المقاولاتية باعتبارها ملجأ وليس اختيارًا لدى خريجي الجامعة

يلجأ خريج الجامعة نحو ممارسة النشاطات المقاولاتية من خلال الاستفادة من برامج التشغيل العمومية بدافع أسباب قمنا بتحديدها من خلال مجموعة المقابلات التي أجريناها مع المبحوثين، والتي أشارت إلى أن التوجه نحو هذا النوع من النشاطات يكون في حالات منها: عودة الجامعي من المهجر محمّلا بفكرة مشروع مقاولاتي وساعيا لتجسيده بمساعدة برامج التشغيل، أو توجيه هذه الأخيرة لخريجي الجامعة نحو المجال المقاولاتي من خلال خلق دار المقاولاتية داخل الجامعة وزرع ونشر ثقافة المقاولة لديهم، كما قد نجدها عند الفرد الذي ينتقل من العمل كأجير إلى العمل كمقاول (عمل حر) بعد اكتساب الخبرة المهنية والتجربة في تسيير مشروع. علاوة على ذلك، تلعب الظروف المعيشية الصعبة والهشاشة الاجتماعية والمهنية  لحامل الشهادة الجامعية دورا مهما في لجوء الفرد نحو هذا المجال، كما يمكن القول بناء على تجارب المبحوثين أنّ حالات الفشل في الإدماج المهني ضمن العمل النمطي وفقدان الأمل في ذلك قد يكون محفّزا للولوج للمقاولاتية بصفتها آخر حل للخروج من أزمة البطالة. ويرى خريجو الجامعة كذلك بأن برامج التشغيل ذات الطابع المقاولاتي تدفع بصفة غير مباشرة إلى العمل غير الرسمي، بحيث تشترط على المستفيد منها أن يكون بطالا لمدة لا تقل عن سنة واحدة، فيعمل في هذه الفترة بصفة غير رسمية من أجل إعالة أسرته وجمع المال لدفع مستحقات مساهمته الشخصية في تمويل المشروع.

توزِّع البرامج المقاولاتية مشاريعها بدون الاستناد إلى دراسة قبليّة لسوق العمل، وبدون مرافقة وتوجيه في تسيير المشاريع، وهذا ما يؤدى إلى تجميد عدد منها، وفشل عدد آخر ليصبح صاحبها مدينا للبنك بدون قدرة على تسديد أقساط القرض المرتبط بالمشروع. يعتبر خريجو الجامعة أنّ تحديد تكلفة المشاريع المقاولاتية التي ينص عليها قانون البرنامج غير متوافقة مع طبيعة النشاط المقاولاتي (مشروع ذو طبيعة خدماتية ومشروع ذو طبيعة إنتاجية)، كما أنّ طول الإجراءات الإدارية وتَمَيُّزُها بالبيروقراطية تؤخّر إقلاع المشروع وتزيد من تكاليفه المالية. كما يعتبر المبحوثون أنّ وجود مثل هذه البرامج (المقاولاتية) قد أسهم في خلق ثقافة الاتكال على الغير لدى فئة من المجتمع ونزعت عنهم صفة المبادرة والاعتماد على النفس من خلال السّعي إلى تحقيق المشاريع، وهذا ما أدّى إلى بروز فئة انتهازية تحاول الاستفادة من البرامج بهدف الحصول على الدعم المادي مقابل غياب ثقافة العمل والجديّة في تسيير المشاريع. كما تتميّز كذلك برامج التشغيل المقاولاتية بمحدوديّة توفير مناصب الشغل الخاصّة بفئة حاملي الشهادات الجامعية مقارنة بما توفره لفئة المتخرجين من مراكز التكوين المهني، خاصّة أنّ التكوين الجامعي لا يلقِّن الثقافة المقاولاتية ولا يحفّز على ممارستها.

تنتج برامج التشغيل المقاولاتية فوارق اجتماعية ونوعا من اللامساواة بين مختلف الفئات الاجتماعية، كون أن الفئة الاجتماعية الشعبية تُعتبر نوعا ما مهمشة ومقصية من الاستفادة من هذه البرامج  بسبب محدوديّة إمكانياتها المادية وإسهاماتها المالية الأولية المطلوبة.

يهدف خريجو الجامعة عموما من خلال الاستفادة من برامج التشغيل المقاولاتية إلى تحقيق: الإدماج الاجتماعي والمهني، التأمين الاجتماعي، الهروب من البطالة والحصول على هوية مهنية أو إعادة استرجاعها، تحقيق مكانة وترقية اجتماعية، خلق مؤسّسة عائلية، البحث عن الاعتراف، الاحترام والتقدير، الحصول على الاستقلالية في العمل وتحسين العائد المادي.

تمكننا معطيات التحقيق الميداني من تحديد نماذج من المقاولاتية لدى حاملي الشهادات الجامعية والتي يمكن ذكرها فيما يلي: النموذج المقاولاتي التوارثي، النموذج المقاولاتي التنشئوي، النموذج المقاولاتي الانتهازي، النموذج المقاولاتي الإنتاجي الابتكاري، النموذج المقاولاتي المواطناتي.

أخيرا، لا تنكر دراستنا أن برامج التشغيل قد حققت نسبا من النجاح في إدماج حاملي الشهادات الجامعيّة سواء ضمن برامج المقاولاتية أو في إطار التشغيل بالعقود المؤقتة، إلا أن تمثلات الفئة المستجوبة حولها قد ركّزت في مجملها على إبراز الثغرات والشوائب التي تحتويها، والتي تكوّنت لديهم من خلال تجربتهم العَمَلية في إطارها.

 

ANEM : Agence nationale de l’emploi.  

DAIP : Dispositif d’aide à l’insertion professionnelle.

CTA : Contrat de travail aidé.

LA DAS : Direction de l’action Social.

PID : Le programme des primes d’insertion des diplômés.

ANSEJ : L’agence Nationale de soutien à l’emploi des jeunes

CNAC : Caisse nationale d’assurance chômage.

الهوامش :

[1] تمت مناقشة أطروحة الدكتوراه في 13 جوان 2018، كلية العلوم الاجتماعية، قسم علم الاجتماع، جامعة أحمد بن احمد ،وهران 2.

[2] ANEM : Agence nationale de l’emploi, DAIP : Dispositif d’aide à l’insertion professionnelle, CTA : Contrat de travail aidé, LA DAS : Direction de l’action Social. PID : Programme d’aide à l’emploi.

[3] ANSEJ : L’agence Nationale de soutien à l’emploi des jeunes, CNAC: Caisse nationale d’assurance chômage.

 

Appels à contribution

logo du crasc
insaniyat@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Recherche