Sélectionnez votre langue

الثقافة التسييرية في المؤسسات العمومية في ظل التغير الاجتماعي و الاقتصادي. مؤسسة دنيم DENIM- سبدو أنموذجا

إنسانيات عدد 41 | 2008 | الطفولة والتنشئة الإجتماعية | ص 63-81| النص الكامل


Farid MARHOUM : Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle, 31 000, Oran, Algérie



مقـدمة

يعتبر موضوعنا هذا امتدادا لموضوع رسالة تخرجنا في الليسانس في علم اجتماع العمل و التنظيم، و المعنونة: ثقافة الإطارات. و قد انطلقنا في التفكير حول الموضوع من مفهوم التغير الاجتماعي- و هو عنوان مشروع الماجستير الذي تلقينا فيه تكويننا- و ذلك من منطلق أن التغير الاجتماعي يشتمل على ثلاثة مراحل: أولاها تجمع أو تجميع أفراد في تنظيم اجتماعي من أجل هدف معين، يرمي إلى تجميع جهود أفراد ذوي كفاءات و منطلقات مختلفة من أجل تحقيق حاجيات جماعية و فردية. و ثانيها تعرض التنظيم إلى الاختلال أو الاضطراب، بسبب عدم تكافؤ أو تساوي فرص إشباع الحاجات الاجتماعية و النفسية، أو عدم قدرة التنظيم على التشكل كجسد اجتماعي متماسك و متكامل، و التكيف مع متطلبات العيش و التعايش مع مكونات المحيط الذي يوجد فيه، و نعبر عن هذه المرحلة إجمالا بفقدان التنظيم لتوازنه. ثم تأتي في الأخير مرحلة استعادة التوازن، من خلال استراتيجيات و سلوك الفاعلين بهدف المحافظة على بقاء التنظيم الاجتماعي و استمراره في الكيان. و بطبيعة الحال فإن التغير الاجتماعي كما لا يحدث في فراغ، فإنه أيضا لا يحدث من فراغ، و لا بد من توافر آليات لحدوثه، تتدخل في مختلف مراحله، و تشكل وقود حركية التنظيم الاجتماعي. و قد ركزنا في موضوعنا على ثلاثة آليات رأيناها أساسية، و هي: السياسة و الاقتصاد و الثقافة.

 و نحن إذ حاولنا أن نسقط ما سبق على المؤسسة العمومية في الجزائر، أردنا أن نشير إلى أن إنشاء هذه الأخيرة كان بإيعاز من آلية السياسة. حيث أن معظم المؤسسات العمومية نشأت نتيجة قرارات سياسية للدولة الوطنية في إطار خيار النهج الاشتراكي. و لكن تحديات تحقيق النجاعة و الكفاءة الإنتاجية المفروضة من خلال آلية الاقتصاد، أدت بأشكال و درجات متفاوتة إلى حدوث الاختلال    و فقدان التنظيمات لتوازناتها على مستويات عدة. و يأتي في الأخير- حسب رأينا - دور آلية الثقافة في استعادة التوازن الداخلي، و تطوير قدرات التكيف مع المحيط الذي أقر العمل الميداني الذي قمنا به، بطبيعته المتغيرة و الغير مستقرة.

الإشكالية و الفرضيات

إن التغير الذي حدث في الجزائر في نهاية الثمانينيات بالخصوص، كأنما حدث بزاوية قدرها 180°، تحولت فيه الدولة من نمط التسيير الاشتراكي إلى نمط اقتصاد السوق. و لكن التغير الاجتماعي قبل ذلك مس جميع الميادين،      و ذلك من خلال سياسة تحديث و ترقية المجتمع بوساطة التصنيع، و العمل المأجور، و المدرسة... المؤسسات العمومية لم تكن بمعزل عن هذه الوتيرة، فقد كانت في تصور الدولة الوسيلة لإدخال الحداثة من الباب الواسع، فمن التسيير الذاتي إلى التأميم و التسيير الاشتراكي للمؤسسات، إلى الإصلاح و إعادة الهيكلة، ثم إقرار الاقتصاد الحر و فتح السوق للمنافسة، و ما تبعها من إجراءات الخروج من المأزق و تجاوز الأزمة، كفتح رأسمال الشركات، و الخوصصة، و البيع أو التنازل... و في رأينا فإن المشروع التنموي[1] لم يحقق جميع أهدافه المرجوة، ذلك أن التغير مس سياق المحيط العام، و اعتمد على تغيير نمط التنظيم الاقتصادي تكيفا مع متطلبات المحيط الداخلي و الخارجي (العالمي). و قد تجلى التغير التنظيمي في تفجير المؤسسات الكبرى إلى فروع و وحدات مستقلة إداريا و ماليا، و كان الهدف من وراء ذلك تغيير أنماط التسيير و الإدارة في اتجاه تحرير المؤسسات من هيمنة التسيير المركزي و العمل كفاعل مستقل من أجل تحقيق الكفاية الإنتاجية و ضمان شروط البقاء و الاستمرار (أي تحقيق القيمة المضافة و خلق الثروة و الربح)[2].

إن التغير يتعلق بثقافة التسيير، حيث يقحم الإطارات في إرساء أسس ثقافة تسييرية جديدة تفترض التزامات جديدة و قيما تختلف عن تلك التي ميزت التسيير الاشتراكي. الصعوبات كانت على مستوى ترسيخ ممارسات تسييرية سليمة تحقق أهداف مشروع الإصلاح، الذي لا يمكن أن يكون آليا، و إنما يجب العمل على ثقافة الإطارات بالإقناع أولا و التحفيز على تحقيق أهداف المشروع ثانيا، و ترجمة القيم الجديدة إلى ممارسات سليمة و ترسيم القواعد و مرجعيات التعامل ثالثا. فالثقافة لا تتغير بصياغة المراسيم و القرارات و توزيعها للتطبيق و التنفيذ. و لا شك في أن التغير الذي عرفته المؤسسات العمومية يندرج في إطار سياسة الانفتاح و الاندماج في الاقتصاد العالمي، ومسايرة تحديات التطور التكنولوجي و العولمة الاقتصادية، و إشراك المؤسسات العمومية مع القطاع الخاص في مخططات التنمية المستدامة. في هذا السياق يمكن أن نشير إلى ضرورة تحضير و توضيب المؤسسات، و إرفاق المشروع بترسانة من القوانين لتنظيم الساحة الاقتصادية، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المحيط الداخلي و الخارجي، أي ثقافة المؤسسة و الثقافة العامة للمجتمع التي لا يمكن إقصاؤها من ثقافة العامل و الإطار المسير. و ذلك في خضم التطورات و الرهانات التي تمليها الصراعات السياسية و الاقتصادية و الثقافية التي نتجت عن انتشار و توسع نطاق العولمة  منذ سنوات قبل أن نفكر نحن في اقتصاد السوق.

إن الانتقال من نمط تنظيمي إلى آخر، يتجسد على مستوى المؤسسة بمرحلة انتقالية يتم خلالها التعرف على المشاكل الجديدة المطروحة و ابتكار الحلول المناسبة التي تصبح بمرور الزمن نظام مرجعيات لتطوير التماسك الداخلي و تمنح التنظيم المرونة في التعامل مع مقتضيات التعايش مع المحيط الخارجي، المتميز في السياق الجديد بالديناميكية و التغير المستمر أو التقلب و التموج (changements et fluctuations)، ترتفع فيه درجات المنافسة الحرة - و غير النزيهة أحيانا- و هو ما يفرض على التنظيم تطوير قدرات التكيف و رد الفعل. مسؤولية الإطارات في السلم الإداري تضعهم محل مسؤولية جزائية و مدنية أمام العدالة في حالات الإفلاس، و هو ما يتطلب منهم الاستراتيجية و الحذر في التعامل مع المشاكل، و تنشيط و تنظيم الجماعات على اختلاف منطلقاتها، بممارسة السلطة، و ربط قنوات الاتصال، و خلق التميز و الاختلاف و ترميز هوية و ثقافة المؤسسة (ce sont les hommes qui font la différence)[3]. و من أجل تناول موضوعنا من الناحية المنهجية، حاولنا الإجابة على التساؤل السوسيولوجي التالي:

كيف يمكن للثقافة التسييرية أن تواكب التغير الاجتماعي داخل و خارج المؤسسة العمومية؟

و حتى نسهل على أنفسنا تناول الطرح المنهجي، و نوجه صيرورة البحث الميداني اقترحنا الفرضيات التالية:

1- تتبلور الثقافة التسييرية في المراحل الانتقالية كتبرير لاستراتيجيات التكيف مع الأنماط الثقافية الجديدة. حيث يحدث تفكيك للقيم التي لم تعد تلائم تطور المؤسسة، و ترسخ في أشكال جديدة بهدف بناء و تفعيل السلوك  و الممارسات التسييرية السليمة.

2- يتوجب على الإطارات تشييد النسق الثقافي الذي يتماشى مع أهداف المشروع التصحيحي، استجابة لمتطلبات و تحديات المرحلة الانتقالية.

3- يتوقف نجاح صيرورة التكيف على المرجعيات الأخلاقية لقناعات المسيرين، و المرجعية الاستراتيجية في تمثل السلطة و الاتصال و التنظيم، و الكفاءة و الشعور بالمسؤولية تجاه بقاء و استمرار المؤسسة.

منهجية البحث

حاولنا التطرق للموضوع من خلال المنهج التحليلي، و ذلك بوصف العلاقة التوالجية بين التغير الاجتماعي و الثقافة التسييرية في المؤسسة، مركزين على الكيف في إظهار معالم و حدود تمشكل مسايرة التغير بالتكيف، و مدى فعالية الإطار الجزائري في التسيير الاستراتيجي للمرحلة الانتقالية، و استكشاف المفاهيم الجديدة المنبثقة داخل الفضاء الاجتماعي و الثقافي للمؤسسة العمومية. و اعتمدنا على تقنيات المقابلات الحرة مع المبحوثين، لاستقصاء الكيف، و التعرف على تمثلات الإطارات لمختلف المحاور المطروحة في موضوعنا، و استجلاء تمثلهم للتغير الاجتماعي الواقع حولهم من خلال آرائهم و مواقفهم الشخصية. إضافة إلى الملاحظة المباشرة للثقافة المادية في المؤسسة، و متابعة عن قرب ممارسات الإطارات للتسيير اليومي لمصالحهم و أقسامهم و ورشاتهم... أما حقل الدراسة فقد كان في مؤسسة دنيم  DENIM بمدينة سبدو، ولاية تلمسان، المختصة في صناعة النسيج (SONITEX ثم COTITEX ثم DENITEX و حاليا DENIM) من الـ blue jean  و الـsatin  و الـ gabardine ... حيث قمنا بمقابلات استطلاعية في بداية عملنا (ديسمبر 2003) عرضنا فيها موضوع الدراسة و محاور المقابلة. ثم التحقيق الميداني بعد إدخال تعديلات على بعض الأسئلة و المحاور، و الذي استمر من مارس 2005 إلى غاية ديسمبر من نفس السنة. و الملاحظ أن انقطاعنا عن الميدان منذ الدراسة الاستطلاعية إلى غاية التحقيق الميداني، كان مخصصا للبحث في الجانب النظري للمذكرة. لكننا تفطنا عند معاودة الميدان إلى ضياع  جهد و وقت كبيرين في البحث النظري. حيث أنه كان من الأجدر بنا العمل على المستويين بالموازاة، فالكثير من المعارف النظرية لم تجد مكانها بين المستجدات و الحقائق المستقاة من الميدان، و كان لزاما علينا الاستغناء عنها.

و قد احتوت مذكرتنا على مقدمة عامة احتوت إشكالية الدراسة و فرضياتها، و منهجية البحث. ثم أربعة فصول بمدخل لكل فصل، و أخيرا خاتمة عامة. و قد حاولنا أن نتدرج في التطرق للموضوع من البحث النظري الصرف لتحديد مفاهيم الثقافة و الهوية في الفصل الأول، ثم التغير الاجتماعي و التنظيم و التسيير في الفصل الثاني. أما في الفصل الثالث فقد حاولنا فيه الاقتراب من الواقع بالتعرض إلى مراحل و وضعية التسيير في المؤسسة العمومية، مع التركيز على مرحلة الثمانينيات التي عرفت بداية التحولات الكبرى في نمط التسيير الاقتصادي و الإصلاحات التي تبعت إقرار استقلالية المؤسسات في 1988. أما في الفصل الرابع و الأخير فقد كان تحت عنوان ثقافة الإطار المسير في تسيير المؤسسة العمومية الصناعية، و احتوى على كل العمل الميداني، من عرض للمعطيات التي جمعناها من خلال المقابلات و تحليلها، وصولا إلى النتائج العامة في محاولة للإجابة على الإشكاليات و الفرضيات المصاغة في بداية العمل. و أخيرا الخاتمة العامة التي جاءت على شكل تركيب بين المفاهيم النظرية و النتائج الميدانية.

المفاهيم الأساسية في الدراسة

تتداخل الثقافة في مفهومها الواسع مع مفهوم الهوية، إلا أننا حاولنا في الفصل الأول أن نربط بين المفهومين بشكل يكون فيه التكامل من أجل فهم تعقيدات توجيه السلوك و الممارسة من خلال القيم و التصورات المستبطنة في شعور الأفراد، و أشكال هندسة العلاقات بين الأنا و الغير و الآخر، و التي تهيكل لقيام العلاقات الاجتماعية داخل الجماعة بكل ما تحمله من تباين و اختلاف أو تناقض. و في تحليله للفروقات الثقافية بين الجماعات في المجتمعات التقليدية ( القبائل) أو المجتمعات الصناعية و ما بعد المصنعة، فإن بيير بورديو (Pierre Bourdieu) استعمل للتعبير عن الجمع بين الثقافة و الهوية مصطلح الـ Habitus و هو: أنظمة استعدادات ثابتة قابلة للنقل، تمثل بنيات متينة تعمل كمبدأ عام منظم لبناء الممارسات و التمثلات بشكل موضوعي يتماشى مع أهدافها، دون افتراض وجود قصد واع للأهداف أو رغبة في السيطرة على العمليات اللازمة للوصول إليها[4] و تكتسب هذه الاستعدادات عبر سلسلة من عمليات التكيف مع نمط العيش، و تعمل على إضفاء الصبغة المادية الملموسة على الذاكرة الجمعية التي تعيد إنتاج مكتسبات الأجيال السابقة في الأجيال اللاحقة حتى تسمح للجماعة بالثبات في ذاتها. و تسمح هذه الاستعدادات للأفراد بالتوجه ضمن فضاءهم الاجتماعي متبنين ممارسات تتوافق مع انتمائهم الاجتماعي و انتهاج الإستراتيجيات الاستباقية الناتجة عن فعل التربية  و التنشئة الاجتماعية التي يخضع لها الفرد، و الدروس المستخلصة من تجاربه السابقة و التي توجه تجاربه اللاحقة.

 الثقافة و الهوية في التنظيمات

يعتمد عمل التنظيم في المؤسسة على علاقات الفاعلين الاجتماعيين و استراتيجيات حيازة السلطة الفعلية أو التقريرية و أساليب الاتصال و نشر المعلومات. تعتبر هذه المفاهيم جوهرية في فهم نظام الفعل داخل التنظيم، و التي ترتبط بدورها بمفهوم البناء الاجتماعي الذي يطرح مسالة علاقة الفرد بالجماعة، و كيفية نشأة الروابط الاجتماعية بين الأنا و الغير و الآخر. و نستحضر هنا أعمال سيقموند فرويد (Sigmund Freud) الذي ينطلق في تحليله من أن تعبيرات السلوك الاجتماعي تترجم وجود تلك الرغبة الفطرية لدى الإنسان في الشعور بالاستقلالية الذاتية و الرغبة الغريزية في الاعتراف الاجتماعي بها من طرف الغير و الآخر. الروابط مع الآخر تتعلق بالشعور نحوه بالنسبة إلينا (الأنا)، و التي تتجلى أســــاسا في العـاطفة تجــاههم (حب، كراهية، احتـرام، تضامن، تمثل لشخصية ما...). و يشيــر أوجين إنــــريكـيز (Eugéne Enriquez) إلى أنه لا يمكن أن توجد جماعة من دون "أب". هذا الأخير يستثير رد فعل الجماعة تبعا لعاطفته تجاههم (الحنان و الرعاية أو القسوة و الإهمال)، و فقدان هذه الرابطة بين العمال و رئيسهم داخل المؤسسة قد يحولها إلى تنظيم بيروقراطي أصم لا يستجيب إلى التغير.

 التحليل التنظيمي: المؤسسة كبناء (جسد) اجتماعي

اعتمدنا في تحليل المؤسسة على التحليل التنظيمي (l’analyse systémique)، أي دراسة المؤسسة كبناء اجتماعي قائم بذاته، يتفاعل و ينصهر بداخله سلوك الأفراد متبلورا في شكل وظائف ضمن بنيات تنظيمية محددة بالهيكل التنظيمي (organigramme). و ذلك من أجل استكشاف سمات التنظيم و شكل نشأة العلاقات الاجتماعية، و تكون هنا الظروف الخارجية التي أثرت في بناء هذا النسق بهذا الشكل معطيات موضوعية و ليست موضوعا في حد ذاتها. هذا مع الإشارة إلى أن الإصلاح الاقتصادي في أواخر الثمانينيات قد صادف أو ترافق مع إصلاحات عميقة على مستوى التسيير السياسي و هياكل الدولة (دستور 23 فبراير 1989 و التحول الديمقراطي)، و قد لمسنا هذه الفكرة لدى مبحوثينا من الإطارات: "تسيير المؤسسات العمومية ارتبط و لا يزال يرتبط بتسيير الدولة"، "المؤسسة تحتاج إلى أب يرعاها... بالنسبة لـDENITEX الأب هـو الدولة".

البحث الميداني و النتائج المستخلصة

كنا قد تطرقنا في الفصل الثالث إلى التغيرات التي حدثت في الساحة الاقتصادية خارج المؤسسة. و حاولنا من خلال العمل الميداني أن نقارب التغيرات على المستوى الداخلي للمؤسسة العمومية، من خلال تمثلات الإطارات للتغير الاجتماعي، و استراتيجيات الفعل لديهم لترجمة تلك التغيرات على المستوى النظري و المفاهيمي، إلى ممارسات ملموسة في التسيير اليومي للمصالح    و الورشات و الأفراد... إضافة إلى أشكال استيعابهم للقيم الجديدة في ظل استقلالية المؤسسات و تحرير الاقتصاد، باعتبار أن ذلك مثل قطيعة في تاريخ المؤسسة مع نمط التسيير الاشتراكي للمؤسسات (G.S.E).

مؤسسة دنـيـم DENIM أو مؤسسة الصناعات النسيجية، شركة ذات اسهم. أنشأت سنة 1976 من طرف شركة متعدد الجنسيات FAMATEX و بدأت في الإنتاج الفعلي سنة 1979 (usine produit en main)، تحت إدارة الشركة الأم SONITEX، ثم COTITEX سنة 1983، و أخيرا كوحدة DENITEX في 1996، مستقلة ماليا و إداريا تنتمي إلى مجمع الجلود و النسيج، تحت وصاية وزارة الصناعة. يرأسها رئيس مدير عام معين من طرف وزير الصناعة[5]، يساعده في التسيير طاقم إداري من الإطارات بدرجات مختلفة. الملاحظ أن وجود الإطارات في مستويات السلطة و المسؤولية لا يحتكم إلى قواعد واضحة، فهناك من تم تحويلهم من المؤسسة الأم في عهد الـSONITEX أو من الوحدات الأخرى (الكرمة و تليلات)، أو تمت ترقيتهم داخل المؤسسة، مع الإشارة إلى أن الترقيات يكتنفها الغموض و تثير الكثير من التساؤلات لدى العمال و الإطارات على حد سواء، و هي ليست إجابة على متطلبات خدمة المؤسسة (المصلحة العامة) و إنما هي في الغالب استجابة لمناورات نقابية لخدمة مصلحة الأفراد ( المصلحة الشخصية)[6].

قد يحدث أن يتأخر التغير في الثقافة الفردية عن التغير في الثقافة العامة للمجتمع، و ذلك قد يرجع في نظرنا إلى غياب اندماج و مشاركة (intégration et participation) العمال بصفة عامة في مشروع المؤسسة. فالدولة حسب رأي الإطارات لا تطبق قواعد الاقتصاد الحر فعليا، و إنما يبقى ذلك على مستوى الخطاب السياسي المتميز بالازدواجية و البعد عن الواقع المعاش. كم أننا لا حظنا حنين العمال و حسرتهم على فترة التسيير الاشتراكي للمؤسسات. حيث كانت المؤسسة منزلهم و ملكهم، و تذر عليهم الكثير من المزايا من خلال البنيات الملحقة (les structures annexes) بالمؤسسات آنذاك: كالنقل و الإطعام و الرعاية الصحية و التعاونية الاستهلاكية والمخيمات الصيفية للأطفال، و منح التكوين في الداخل و الخارج... و بالتالي فإن الإطار يجد نفسه محاصرا بين المطرقة        و السندان (الدولة و العمال)، و يجعلهم يعيشون حالة من الاغتراب و الإحساس بالاستغلال من طرف الدولة في تسيير رواسب المرحلة السابقة. فكيف يمكن تغيير ثقافة العامل (الشائع حسب تعبير جمال غريد)؟ و كيف يمكن تحقيق التعاون مع "وصاية" تحتكر كل السلطة، و ما تفوضه منها تستحوذ عليه النقابة (الشريك الاجتماعي)؟

و من خلال المقابلات الحرة مع الإطارات، و الممفصلة في خمسة محاور، وجدنا في المحور الأول حول وضعية التسيير و المسير بعد الإصلاحات: أن إدراك التغير يكون على حسب مستوى السلطة و المسؤولية في المؤسسة، و تختلف معاني و أهداف و أسباب الإصلاح حسب الأقدمية، و تغيير المنصب (الترقية)، و مستوى القرب من مراكز السلطة في عهد الـ GSE. حيث أن الإطارات المسيرة ترى قرب نهاية المؤسسة من خلال تلميح الوصاية بعدم جدوى دعم قطاع الجلود و النسيج. أما الإطارات في الورشات فيتكهنون بتطور المؤسسة و تحقيقها للأرباح و استمرارها في الوجود. و بالتالي فإنه يمكن ملاحظة أن موقف الإطارات المسيرة في أعلى الهرم أقرب إلى التحليل السياسي لوضعية المؤسسة، استقلالية المؤسسات في نظر هؤلاء شكلية لا أكثر. أما بالنسبة للإطارات التقنية - في الورشات بالخصوص - فإن التحليل اقتصادي بالنظر إلى الجهود التي يبذلونها في الميدان رفقة العمال و الاستقلالية في نظر هؤلاء فعلية و ملموسة. في جانب آخر فإن انفتاح السوق و تشجيع الاستيراد (جنة الاستيراد) من خلال التسهيلات الجمركية... قد جعل المؤسسة تعاني من المنافسة الشرسة - و غير الشريفة أحيانا - للمنتجات الأجنبية[7].

بالنسبة للمحور الثاني المتعلق بأدوار الإطارات في تجاوز المرحلة الانتقالية، فإن الالتزامات تزداد حدة بازدياد المسؤولية في التسيير. فالإطارات السامية والمسيرة (cadres supérieurs et cadres dirigeants) ترى أن التسيير حاليا يتغير في اتجاه المتابعة بدل المراقبة، و التجنيد بدل الدفع إلى العمل. و في المرحلة الانتقالية – التي طال أمدها حسبهم- فإن العملية تتميز بالتقطع و صعوبة التنبؤ بالمشاكل و بالتغيرات الخارجية لمحيط غير آمن[8].و هذا يتطلب تسيير الثقافة في اتجاه زيادة المردودية، و تأهيل المؤسسة، و تحرير المبادرات الفردية و الجماعية من خلال المرونة و الابتكار و السرعة في الإنجاز.

أما فيما يتعلق بالمحور الثالث حول تسيير العنصر البشري، فقد انطلقنا في صياغة الأسئلة و تسيير المقابلات من أنه لا يكفي تجمع الأفراد كي تتحقق أهداف التسيير، و إنما يجب توافر حد أدنى من التوافق بين القيم الفردية       و القيم التنظيمية حتى يمكن تسمية الكل بناءا أو جسدا اجتماعيا، و التسيير هنا ليس مجرد قواعد و ميكانيزمات جامدة و منعزلة، و إنما فعل إنتاج للقيم         و المعايير لتفاعل مختلف مكونات التنظيم البشرية منها و التقنية. في هذا السياق أوضح الإطارات أن للمؤسسة ثقافة صناعية تشكلت عبر تاريخ وجـودها، لا يسعنا الحكـــم عليها بالإيجاب أو السلب، و لكنها مـــوجودة، تميز الـDENITEX عن غيرها من المؤسسات. قد يفتقر العمال في معظمهم إلى تكوين تقني، و قد يتيه الإطار بين القواعد الكونية للتسيير، لكن الأكيد هو تطور نوع من التعاون بين الإطارات و العمال من أجل تحريك عجلة الإنتاج، من منطلق أن المؤسسة هي ما يجمع بين استراتيجياتهم. فاللقاء في ميدان العمل يحتم على الإطار تكوين العمال ميدانيا و إقناعهم بضرورة الحفاظ على المؤسسة لأنها بيت الجميع، بشكل يجعل الاختلافات الناتجة عن تباعد المستويات الثقافية        و السلطوية تختفي بتطوير الاتصال و فتح مجال المبادرة و الاعتراف بالآخر بالتفاوض و الحوار معه مباشرة. و ترتبط استراتيجيات ممارسة السلطة و الاتصال بالمرجعيات الأخلاقية و العقائدية لدى المسيرين[9]. في جانب آخر، كنا قد أشرنا في القسم النظري إلى أن التغير الاجتماعي يتصاحب معه التوتر النفسي و الصراع الاجتماعي، و الذي يكون محركا لاستعادة التوازن. فماذا عن تصور الإطارات للصراع؟ الفئة القليلة من المبحوثين: ترى أن الصراع شر لا بد منه، شرط أن يكون بعيدا عن الأفكار المسبقة و الأحكام الذاتية. الفئة الأخرى، و هم أغلبية: ترفض الصراع و تفضل بدلا عنه التفاهم و الحوار و التعاون. و يمكن أن نبرر ذلك بالنزعة الجماعاتية (communautarisme) التي تميز سكان المنطقة مع تقاسم نفس القيم و المثل و المعتقدات الاجتماعية و الدينية.

بالنسبة للمحور الرابع المتعلق بدور الإطار في تحقيق التكيف مع المحيط في شكله الجديد، انطلقنا في التفكير من سؤال جوهري حول إمكانية تجاوز المرحلة الانتقالية بنفس الفاعلين الذين أفرزهم النظام السابق. في ردهم على هذا السؤال – و الذي بدا لهم استفزازيا نوعا ما – أجمع الإطارات على أنهم ليسوا إفرازا للنظام السابق، لأنهم لم يشاركوا في وضعه، و كانت التعليمات و التوجيهات تملى عليهم للتطبيق الحرفي دون نقاش، و أن الدولة قد حملتهم مسؤولية فشل التسيير الاشتراكي للمؤسسات من قبل، و الآن يلقي العمال اللوم عليهم عندما يتعلق الأمر بالمشاكل التقنية أو البشرية، متهمين إياهم باحتكار السلطة و تضييق قنوات الاتصال. و لكن موقعهم كوسيط بين الوصاية و العمال جعلهم كباش فداء لتبرير مركزية سلطة القرار لدى الوصاية، و انحراف دور الشريك الاجتماعي إلى خدمة المصالح الشخصية و التقرب من المسؤولين و إثقال كاهل المؤسسة بنفقات الإطعام و الإيواء في المهمات النقابية... و هذا يعود إلى ميل العمال في اختيار ممثليهم إلى الاستناد على علاقات القــرابة و الجهوية و النـــزعات القبلية المنتشرة في المنطقة(أولاد نهار، أولاد ورياش، آل أنقاد، حميان). و يبقى دور الإطار و فعاليته في تحقيق التغير الإيجابي مرهونا بتوفر مناخ اجتماعي يتقبل الاختلاف و التحاور و يمجد التعاون و التكامل، وتوافر محيط اقتصادي منظم تحكمه قوانين واضحة و صارمة تكفل فرص التطور للمؤسسة.

و قد حاولنا في المحور الأخير أن نفسح المجال للإطارات للتعبير عن آرائهم فيما يخص أساليب التكيف مع متطلبات المرحلة الراهنة و المستقبلية. الاستجابات كانت منقسمة إلى فئتين: فئة ترى أن المشاكل المتعلقة بالتسيير تعود بالدرجة الأولى إلى الثقافات الفردية التي تبقى قاصرة عن الإيفاء برفع التحديات في تسيير الموارد البشرية. فهناك غياب للاهتمام بانعكاسات الأزمة السياسية والاقتصادية على نفسيات العمال، فهم مواطنون خارج المصنع. الفئة الثانية ترى أن التسيير المحلي نقمة على المؤسسات، الدولة حولت الابتعاد عن المركزية المفرطة، لكنها وقعت في لامركزية مفرطة. كان الأجدر بالدولة أن تفكر في تكوين نخبة جديدة تقود مشروعها الإصلاحي، تكون على دراية بما أنتج في العلوم الإنسانية حول المؤسسة و التسيير و العامل والموارد البشرية ( علم الاجتماع، علم النفس، الأنثروبولوجيا). إن تركيز المبحوثين على السلطة و الاتصال يتحدد من خلال الموقع في السلم الهرمي للسلطة. فهناك من يرى فيها قوة للتجنيد، و هناك من يرى فيها فرصة لتحقيق الذات الأنانية و فرض الوجود، و تجسيدا للمسؤولية على بقاء المؤسسة و استمرارها.

النتائج العامة

إن النتائج التي توصلنا إليها في دراستنا لا تعبر بطبيعة الحال إلى على جزء من واقع المؤسسة المدروسة، و ذلك يرجع إلى التزامنا بالإشكالية و الفرضيات المصاغة في بداية البحث في إطار مقاربة  سوسيولوجية. و نلخّص أهم هذه النتائج فيما يلي:

* المؤسسات الناجية من حملة الإصلاح الهيكلي و العضوي لا زالت تعاني من رواسب ثقافة التسيير الاشتراكي للمؤسسات (GSE). فإرساء الاستقلالية اصطدم من جهة، بالثقافة العمالية (رفض التخلي عن المكاسب الاجتماعية المحققة في عهد الاشتراكية)، و ثقافة الدولة في الوصاية على المؤسسات العمومية و ذلك باحتكار السلطة الفعلية و أخذ القرار فيما يتعلق بمصير و مستقبل المؤسسات و القطاعات الحيوية في الاقتصاد الوطني.

* تشكل القيم الجديدة للثقافة التسييرية صادف ظرفا سياسيا جديدا و مغايرا، تميزه رهانات جديدة فرضها السياق العام لتوجهات الاقتصاد الوطني في إطار النظام العالمي الجديد (العولمة الاقتصادية و الصراعات الجيوسياسية)، و ذلك بموازاة هيمنة للثقافة العامة للمجتمع على ثقافة الأفراد (العمال و الإطارات على حد سواء). فالتغيرات التي مست ثقافة الأفراد كمواطنين مستهم كذلك كعمال، و هو ما أدى إلى انقلاب التراتيبة الثقافية و ظهور أسئلة من قبيل من أين لك هذا؟ من خول لك سلطة التسيير و الأمر و النهي؟ و شرعية السلطة التنظيمية و مقاييس إسناد المهام و الترقيات...

* المفاهيم الجديدة للسلطة و الاتصال و المشاركة لم تتجاوز بكثير المستوى النظري. و يلاحظ مع ذلك سيطرة نظرة أبوية للسلطة (مستوحاة من سلطة الدولة)، نابعة من عهد الـ GSE، و تصادم الأنا مع الآخر عندما يتعلق الأمر بتحديد المكانات و الصلاحيات بين الآمر و المنفذ، الرئيس و المرؤوس، السيد و العبد (هيغل). و هو ما نتج عنه تطوير استراتيجيات مختلفة للفاعلين حول امتلاك السلطة و هوامش حرية الفعل، و خلق مناطق للشك داخل السلوك التنظيمي: المشاركة الاندماج، المواجهة، الانعزال، أخذ الحيطة و الحذر، فقدان الثقة...

* لا يمكن تطبيق (الإسقاط الخام) المبادئ العلمية العالمية للتسيير على المؤسسة العمومية في الجزائر و العامـــل الجـــزائري بالخصوص ( المبادئ التي صاغها فايول Henry Fayol مثلا). و يتطلب الأمر مقاربة خاصة تعتمد على استكشاف ثقافة العامل الجزائري من جديد و بمناهج ملائمة للزمان و المكان. و إضافة إلى تسيير الموارد و المادية و البشرية، هناك حاجة إلى تسيير الثقافة، و الطوارئ، و الصراع...

* يتعذر قيام المؤسسة كجسد أو بناء (نسق) اجتماعي متكامل نتيجة تضارب المصالح و الاستراتيجيات النفعية، و تجاذب مواقع القوة و التأثير، و استحواذ العمال على مكانة و سلطة رمزية، تحتمل تفسيرات اجتماعية و نفسية عديدة. و يعمل هؤلاء على تحقيق الاعتراف بها من طرف الآخر، في خضم فقدان السلطة للشرعية و تعثر عمليات الاتصال و المثاقفة عموديا بين مختلف المستويات التنظيمية و السلطوية، و طغيان العلاقات غير الرسمية...

* التغير على مستوى المحيط الخارجي يجد له ترجمة على المستوى الداخلي، لكنه يصطدم بالمرجعيات الأخلاقية و الاستراتيجية التي تتدخل في التسيير.،مما يجعل التغير يسير ببطء و يتعرض مساره إلى التقطعات و التحويرات إن لم نقل الانحرافات...

* المحيط غير الآمن للمؤسسة و الضاغط عليها يعيق قيامها بدورها كفاعل اقتصادي حر و مستقل، و يفرغ تعريف المؤسسة من محتواه العلمي كفضاء للمثاقفة و التبادل، و آلية لإنتاج الثروة و استثمار الرأس مال العام، و إعادة الإنتاج الاقتصادي و الثقافي. بل تصبح جهازا سياسيا تتحكم فيه الدولة، يحتدم الصراع داخله مع العمال و الإطارات كممثلين عن المجتمع و ليس كفاعلين اجتماعيين. تستغله الدولة في تحقيق توازنات ظرفية و تتكفل بحمل أعبائه إلى حين. و تصبح المؤسسة بهذا رهانا بين الدولة و المجتمع في يخص امتلاكها كفضاء و كنسق اجتماعي...

* الثقافة التسييرية الناشئة من خلال التغيرات الطارئة في المحيط السياسي و الاقتصادي غير المستقر، يجعل من آلية الثقافة آلية خاملة عاجزة عن إحداث التغير الإيجابي في السلوك و التصورات إلا في النادر من الحالات. و الإطار يكون هنا ملزما بانتهاج استراتيجيات و تنفيذ مهام إضافية لتشييد نسق ثقافي جديد من القيم و المعايير، انطلاقا من ذاته مرورا بغيره من الإطارات، و وصولا إلى الآخر الذي يكون العمال تارة، و الدولة أو الوصاية تارة أخرى. و تبقى الدولة طرفا أساسيا في معادلة التنمية الاقتصادية و خلق الثروة، و إشباع الحاجيات النفسية و الاجتماعية، و تحديث المجتمع من خلال الصناعة و التصنيع. و هو ما يطرح أسئلة قديمة جديدة، و لكنها جوهرية، في ضرورة تساند النخبة مع المجتمع من أجل تحقيق التطور و الرقي و التنمية الوطنية. و تحتاج هذه الأخيرة إلى تفكير عميق و نقاش جاد و موسع على جبهات عديدة...

الخلاصة

إذا كانت الثقافة التسييرية تعمل عمل المحرك للسلوك التنظيمي، فإنها يمكن أن تكون بالمقابل عائقا في تحقيق أهداف الجماعة. و بما أن تشكلها يرتبط بمجموع معقد من القيم الفردية و الاجتماعية السائدة في المجتمع، إضافة إلى الظروف المادية التي تميز المحيط الخارجي و الحالات النفسية التي يعيشها الأفراد داخل المؤسسة، فإن فعاليتها في تحقيق التكيف مع التغير الاجتماعي يتوقف على الانسجام الناتج من التفاعل بين استغلال الكفاءات العلمية و المفاضلة في اختيار استراتيجيات ممارسة السلطة و الاتصال و التنظيم، انطلاقا من المرجعيات الأخلاقية و العقائدية الكامنة في شعور الأفراد. و هذا يشكل في حد ذاته تحديا للإطارات الملزمة بالتوفيق بين المتناقضات الموجودة في التركيبة البشرية، و بحث سبل إضفاء الديناميكية على العملية التسييرية و الإنتاجية، مع توحيد المنطلقات النظرية و الرمزية لتحليل الوضعيات الظروف المادية و المعنوية التي تشكل المناخ الاجتماعي الذي تتجسد فيه شبكة العلاقات الاجتماعية. و من منطلق قيام المؤسسة على أرضية محيط متحرك باستمرار، فإن تسيير التغير يعتبر اللبنة الأساسية لبناء السلوك التنظيم الذي يسمح بانسجام النسق أو البناء السوسيو-تقني الذي تمثله المؤسسة بكل ما تحمله من موارد مادية و بشرية. هذه الأخيرة التي يجب وضعها في المقام الأول عندما يتعلق الأمر باستثمار الرأسمال، من خلال تجميع الجهود في تعاون تنافسي (coopération concurrentielle)، و تثمين الكفاءات و التقييم الموضوعي للمشاكل بتعديل التصورات عن السلطة و الاتصال و المشاركة، و النظر إلى الفرد على أنه فاعل مستقل يحتوي على تركيبة نفسية معقدة يتطلب فهمها و تحليلها الإلمام بقوانين التحفيز و الدافعية، و أنه يتمتع كذلك بهامش معين من الحركية في السلوك يطبق فيه استراتيجياته و يوفق من خلاله بين تطلعاته و انتظاراته و مدى استجابة التنظيم لحاجياته.

إن اعتبار المؤسسة بناءا اجتماعيا ينطلق من النظر إلى المشكلات الداخلية (الاجتماعية) التي تنتج عن تعايش الأفراد و الجماعات عبر الزمن، و المشكلات الخارجية (الاقتصادية) كموضوع يجب التكاثف لمناقشة تفاصيله و تحليل تعقيداته و مواجهة تحدياته. و من أجل ذلك توجب تطوير التماسك الداخلي بالعمل على نقاط التقاطع بين الثقافات الفردية، و تطوير استراتيجيات للمثاقفة و الاكتساب الثقافي للقيم و المعايير التي تستثير الاستعدادات الفطرية (les habitus) في اتجاه التوافق و الاتفاق حول مقومات السلوك التنظيمي الملائم لمسايرة التغير الاجتماعي. حيث يصبح التنظيم أشبه ما يكون بجسد يسعى إلى الحفاظ على التوازن الداخلي بالموازنة في المتغيرات الخارجية. و لا يمكن أن نغفل على أن المشكلات الخارجية و الداخلية ثنائية غير قابلة للتفريق، فالمشكلات الاقتصادية (الخارجية) هي التي تحدد نمط بناء العلاقات الاجتماعية بين أعضاء التنظيم، و ترسم مسارات الحركة لمختلف الفاعلين حسب الوظائف   و الأدوار و المسؤوليات بشكل يجعل التنظيم يبحث عن أشكال التعديل و التقويم، ثم المفاضلة بين ما هو نافع من الحلول و ما هو غير ذلك، و أخيرا الجمع بين ما هو مشترك بين الجميع في هرم ترتيبي للقيم و المعايير و الرموز    و السلوكيات التي تشكل الثقافة التسييرية لمؤسسة بعينها.

قائمة لأهم المراجع

باللغة العربية

السويدي، محمد، مفاهيم علم الاجتماع الثقافي و مصطلحاته، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب،1991، الطبعة الأولى.

الطيب، محمد رفيق، مدخل للتسيير: التسيير، التنظيم، المنشأة، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1995.

العديلي، محمد ناصر، السلوك الإنساني و التنظيمي: منظور كلي مقارن، الإدارة العامة للبحوث، ب م، 1995.

تاوتي، الصديق، تكوين الإطارات من أجل التنمية، الجزائر، دار الأمة،2001، الطبعة الأولى.

دادي، عدون ناصر، اقتصاد المؤسسة، الجزائر، دار المحمدية العامة،1998، الطبعة الثانية.

دادي، عدون ناصر، الاتصال و دوره في كفاءة المؤسسة الاقتصادية: دراسة نظرية تطبيقية، الجزائر، دار المحمدية العامة، 2004.

سفير، ناجي، محاولات في التحليل الاجتماعي: التنمية و الثقافة، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، بدون تاريخ.

عصار، خير الله، مبادئ علم النفس الاجتماعي، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، سلسلة المجتمع، 1984.

مانع، علي، جنوح الأحداث و التغير الاجتماعي في الجزائر المعاصرة: دراسة في علم الإجرام المقارن، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1996.

 محمد، علي محمد، مجتمع المصنع: دراسة في علم اجتماع التنظيم، الهيئة المصرية للكتاب، الإسكندرية، الطبعة الثانية (مزيدة و منقحة)، 1975.

 مسلم، محمد، الهوية و العولمة، وهران، دار الغرب للنشر و التوزيع، 2001.

 قصور، عدي، مشكلات التنمية و معوقات التكامل الاقتصاد العربي، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1983.

 الثقافة و التسيير، أعمال الملتقى الدولي: الثقافة و التسيير (28-30 نوفمبر 1992)، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1992.

المجلات

بوطمين، ليلى، "التكوين النقابي في مواجهة التحديات الراهنة: حالة الفرع النقابي لمؤسسة سيدار"، في تواصل: منطقة عنابة تحليل و استكشاف، جامعة عنابة، سبتمبر 1999،  العدد 5.

 رحال، سليمان، "الثقافة و التسيير في مرحلة التحول الاقتصادي للمؤسسة الاقتصادية العمومية"، في تواصل: منطقة عنابة تحليل و استكشاف، جامعة عنابة، سبتمبر 1999، العدد 5.

باللغة الفرنسية

Bernoux, Philippe, La sociologie des organisations, Paris, Editions du Seuil, 1985, 5ème édition.

Combessie, Jean Claude, La méthode en sociologie, Alger, Casbah éditions, 1998, coll. Approches.

Crozier, Michel, L’entreprise à l’écoute : apprendre le management post industriel, France, Inter-éditions, 1991.

Crozier, Michel, Le phénomène bureaucratique, Paris, Editions du Seuil, 1963, coll. Points.

Cuche, Denys, La notion de culture dans les sciences sociales, Alger, Casbah éditions, 1991, coll. Approches.

Gherid, Djamel (sous dir), Culture d’entreprise, Oran, Editions CRASC, 1997.

Guillerm, Alain et Bourdet, Yvon, Clefs pour l’autogestion, Paris, Editions Seghers, 1977, coll. Clefs.

Hierle, Jean Pierre, Relations sociales et culture d’entreprise, France, L’Harmattan, 1995.

Kauffman, A., Les cadres et la révolution informatique, Entreprise moderne d’édition, sans lieu, 1968.

Letterier, Jean Michel, La culture au travail, Paris, Massidor, 1991.

Lorino, Philippe, L’économiste et le manageur, Alger, ENAG, 1991, coll. Economie.

Thévenet, Maurice, La culture d’entreprise, Paris, P.U.F., 1994, coll. Que sais-je ?, 2ème édition.

Thévenet, Maurice, Audit de la culture d’entreprise, Paris, Les éditions d’organisation, 1986.

Tlemçani, Rachid, Etat, bazar et globalisation : l’aventure de l’infitah en Algérie, Alger, les éditions EL HIKMA, 1999.

Conférence nationale sur le management de l’entreprise publique en économie de marché, Vers une nouvelle culture managériale, Alger, OPU, 1996.

 


الهوامش

*رسالة ماجستير في علم اجتماع التغير الاجتماعي و الهوية، تحت إشراف الدكتورين: العايدي، عبد الكريم، و مولاي الحاج، مراد، أكتوبر 2006.

[1] لا يمكن أن نحكم على مشروع التنمية و التحديث بالفشل الذريع كما يذهب إليه بعض الأساتذة و المفكرين، لأنه حقق نتائجه الخاصة به. ربما لم تكن في مستوى التطلعات، و قد لا يمكن اعتبارها إيجابية كليا. و لكن يجب الاعتراف بأن هناك نجاحات هنا و هناك و على فترات مختلفة، و بالمثل هناك إخفاقات أيضا. الفرق يكمن في أشكال التعامل مع النجاح و الفشل في نمط التسيير الاشتراكي، و في فترة ما يسمى اقتصاد السوق.

[2] إن تحقيق هذه الأهداف مجتمعة يفرض نظرة شمولية و تعريفا جديدا للمؤسسة العمومية، فتصبح في نظرنا: فضاءا اجتماعيا و ثقافيا و تقنيا، و فاعلا اقتصاديا مستقلا قائما بذاته، وظيفته تحقيق المنفعة الاقتصادية التي من خلالها تشبع الحاجات الجماعية و الفردية للدولة و المجتمع. الدولة تتخلى بموجب هذا التعريف عن العديد من الصلاحيات فيما يخص أخذ القرار لفائدة الإطارات المسيرة، و التي يفترض بها أن تكون شريكا للدولة في تسيير المؤسسات العمومية. إن المفارقة التي نراها هنا هي أن الإطارات المسيرة تتمتع بلامركزية القرار على مستوى المؤسسة، و تتحمل تبعات الفشل أو النجاح، و لكن دون أن تحظى بالحرية المطلقة. فالقرارات المصيرية الكبرى و السياسة العامة تتطلب موافقة الوصاية و أجهزتها الرقابية كالهولدينغ و صناديق المساهمة...إلخ. و من هنا يمكن أن نقارب ذلك التمفصل المعقد بين السياسي و الاقتصادي.

[3] Crozier, Michel, L’entreprise à l’écoute : apprendre le management post-industriel, France, Inter éditions, 1991, p. 52.

[4] Cuche, Denys, La notion de culture dans les sciences sociales, Algérie, Casbah éditions, 1998, coll. Approches, p. 81.

[5] الدولة لم تتخل كليا عن التحكم في المؤسسات العمومية، فال ـ PDG لا يمكنه أن يتخذ قراراته المصيرية إلا بموافقة الوصاية، و مصير المؤسسة كما صرح لنا به أغلب الإطارات-المسيرة بالخصوص-مرتبط بتواصل الدولة في تمويل المؤسسة بالمواد الأولية و اقتناء المنتوج للمؤسسات العسكرية. النتيجة هي أن استقلالية المؤسسات هي مجرد وهم، و إقحام للإطارات في تسيير أعباء معوقات التغير الاجتماعي: العزلة الفردية    و الجماعية (النزعات العشائرية و القبلية...)، و عدم تجانس تركيبة البناء الاجتماعي، و تباعد المستويات الثقافية و التعليمية، و تعقد عمليات الاتصال و المثاقفة، و غياب روح المبادرة و الابتكار، و اليأس من تحقيق التغير الإيجابي.و يمكن أن نعبر عن هذه الفكرة بتصريح لأحد الإطارات المسيرة: L’Etat fait clignotant à droite, mais tourne à gauche... on ne sait plus de quelle logique il s’agit dans ce pays?

[6] يتميز دور النقــابة (UGTA) في المؤسسة بالضبابية، وعدم وضوح الموقع.استراتيجيات ممثليها تعتمد على المــرونة في التعـــامل مع الإدارة ( ليس لها شكل محدد، بل هو هيولي لا يمكن احتواؤه)، تستغل الثغرات و الأخطاء التسييرية في الضغط من أجل تحقيق القليل من مطالب العمال، و الكثير من المزايا الشخصية. تستمد سلطتها من العلاقات التي تقيمها المركزية النقابية مع الحكومة ( سيدي السعيد مع أويحي على حد تعبير الإطارات). كما أن انتخاب ممثلي العمال يستند بشكل مضمر إلى علاقات القرابة و الجهوية، و أغلب الأعضاء هم المستويات الدنيا في السلم الإداري (عمال منفذون)، هدفهم الأساسي هو الحصول على الترقية التي تجلب آليا زيادة الأجر و السلطة الرسمية و غير الرسمية.

[7] انفتاح السوق على مصراعيه للاستيراد دون التصدير جعل المنتجات الأجنبية - الصينية بالخصوص - تغزو منتوج المؤسسة من الـ blue jean، و تنافسه بأسعار منخفضة و خيالية، نتيجة التهرب الضريبي و التصريح المزيف بالأثمان، و استيراد القماش على أنه خردة أو شيفون... و هو ما ليس في متناول المؤسسة التي لا تستطيع أن تتهرب من الضرائب و اشتراكات الضمان الاجتماعي أو أجور العمال. فعدم القدرة على دفع النفقات يعني بالنسبة للدولة الإفلاس و بالتالي الحل و البيع أو الخوصصة...

[8] «…On ne fait plus de gestion rigoureuse, on gère la DENITEX le jour au jour, l’environnement est devenu insécurisé, d’ici au lendemain le DINAR peut chuter, nous payeront la matière première en double peut-être…». « …on fait une gestion de pompiers, il faut intervenir pour réparer les pannes techniques des vieilles machines et humaines aussi (anciennes idées de la GSE, conflits), c’est ça un cadre. L’Etat (la tutelle) ne veut plus entendre la moindre plainte du PDG. Il est déjà averti… ».

[9] حول سؤال شبه مغلق يتعلق بأسباب سير الأمور على ذلك الشكل، و حددنا له ثلاثة اقتراحات: الكفاءة العلمية للمسير (11,76%)، استراتيجيات ممارسة السلطة و الاتصال (38,23%)، و المرجعيات الأخلاقية  و العقائدية للمسير (88,23%). الإجابات بالنسب المبينة بين قوسين تشير إلى الثقة في الكفاءة العلمية للإطارات، و تجمع بين الاستراتيجيات و المرجعيات الأخلاقية في ممارسة التسيير، فهو فوق كونه علما يمكن أن يكونا فنا و ثقافة، تتدخل فيه القدرات الإبداعية، و تظهر فيه الروابط الاجتماعية و المعتقدات الدينية. و هناك من الاستشهادات ما لا يسعنا ذكرها كلها، نذكر منها فقط:"... العدل أساس الملك،       و إقصاء الغير يعني تحفيزه على رد الفعل. الـPDG  كان سابقا يمثل الحكم العادل بين الإدارة (الإطارات) و العمال. كان يتم اختيارهم على أساس النزاهة و قوة الشخصية و الحكمة و الصرامة و الصدق... النقابة لم تكن من أجل الترقيات و القروض و... اليوم تغيرت الأمور، أصبحنا ماديين، العامل اصبح تقريبا مجرد رقم... الكثير من المسيرين لا يعلمون أن الإيمان مرتبط بالعمل الصالح...". 

 

Appels à contribution

logo du crasc
insaniyat@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Recherche