Sélectionnez votre langue

تقديم

إنسانيات عدد 50 | 2010 | عدد متنوع | ص07-10| النص الكامل 


 

تَتَعدد الموضوعات والإشكاليات التي تسترعي اهتمام الباحثين والمهتمين، فهي في هذا العدد، تمتد من التاريخ إلى الدين والأدب...وترتبط هذه الحقول المعرفية بعضها ببعض، حيث تنسج علاقات خفية تكشف عن التفاعلات الخاصة بالمجتمعات. و لعل دراسة عدد من المتون وتحليل مضامينها، قد يسمح بالكشف عن مختلف القضايا التي تشغل بال الشرائح الاجتماعية.

وإن إسهام الفاعلين في تنشيط الحياة الاجتماعية والاقتصادية ضروري وهام لحصر و تشخيص أسباب ونتائج الممارسات المختلفة، ولهذا خصته الدراسات السوسيولوجية بحيز كبير من التحليل. وفي هذا الإطار، يتقدم محمد حدايد بمقال موسوم بـ "لعبة الفاعلين و إستراتيجيات تملك المجال في الوسط السهبي. حالة الهضاب العليا بالجنوب الوهراني". ويتتبع من خلاله البرامج التنميوية المتجسدة في سياسات التهيئة العمرانية، الإصلاح الزراعي، التقسيم الإداري... وذلك ضمن مجال يتميز سكانه بالترحال وحيث يسود تنظيم اجتماعي يحتكم في اتخاذ قراراته واختياراته إلى العرش والقبيلة بوصفهما "مرجعيتان أساسيتان". وهو الأمر الذي أدى إلى تبني إستراتيجية "الالتفاف" والتحايل على القوانين المنظمة لمشاريع التنمية.

ولعل الحديث عن هذا الجانب المرتبط بتأثير الجماعات المحلية اليوم والأمس في منطقة بعينها من الجزائر، قد يدفعنا إلى الخوض في دور بعض المؤسسات الدينية ورجالاتها خلال الفترة الاستعمارية. وضمن هذا التوجه، جاء مقال بن عومر رزقي حول "خطاب الهوية عند الشيخ عدة بن تونس من خلال مجلة "المرشد" العلاوية" ليناقش ويبرز فيه إسهامات المدرسة الصوفية فيما يخص العمل بمبدأ "الإحسان في كل شيء". ويشير المقال يتتبع في هذا الصدد وبشكل عملي ومنهجي أعمال الشيخ عدة بن تونس المؤسس لمجلة "المرشد" سنة 1946، منوها بالقدرة التنظيمية والحركية لهذا الأخير.

ودائما ضمن حقل الدين وتجلياته، يطالعنا محمد براهيم صالحي بنص عن "الدين بوصفه شبكة دلالية : مقاربة كليفورد غيرتز (Clifford Geertz)"، وهو عبارة عن قراءة نقدية لكتاب "الإسلام ملاحظا". يذكر المؤلف، في البداية، بأن غيرتز قدم تفسيرات ممكنة عن الدين اعتمادا على بحثين ميدانيين : أحدهما أجراه في أندونيسيا والآخر أجراه في المغرب. وقد حرص المؤلف على إظهار بعدين رئيسيين: البعد الأول منهجي، يتمثل في أن علم الأنثروبولوجيا ليس ملاحظا فقط للحركات الكبرى، بل يشتغل أيضا من أجل بناء فهم مرتبط بالنبضات الحقيقية للمجتمع عبر ما أطلق عليه بــ "السٌمك الغليظ" للحقائق الإمبريقية. وبالاعتماد على منهج "الوصف الكثيف"، يمكن معرفة ما يقوله هؤلاء الأفراد عن أفعالهم وكيفية إنتاجهم للمعنى. و البعد الثاني مرتبط بالمقاربة الاجتماعية، التي هي "أكثر مرونة" لأنها لا تغلق الآفاق ولا تحول دون التعبير عن حساسيات الباحث. و يتوافق هذا مع سعي الأنثروبولوجيا للتفسير والفهم بدل البحث الدائم عن الأسباب. و قد حاول صاحب الدراسة أن يعالج الظاهرة الدينية في الجزائر في التسعينيات.

وفي إطار حقل الأدب الذي يعد حقلا أساسيا لا يقل أهمية عن بقية الحقول في تشكيل التمثلات الفردية والجماعية وصياغة المفاهيم والقيم الجمالية، نسجل ثلاثة إسهامات تقدم بهما باحثان، حاول كل واحد منها معالجة متن معين. ففي موضوع أدب الرحلات يتقدم بن عمر حمدادو بدراسة حول "بعض أعيان و آثار تلمسان من خلال كتاب "الرحلة الحبيبية الوهرانية..." لأحمد بن سكيرج الفاسي". ويرجع أصل تسمية الرحلة وفق ما توصل إليه صاحب المقال، إلى أن محمد الحبيب بن عبد الملك العلوي، مفتي وهران وأحد أفراد الجالية المغربية المقيمة بها، وجه دعوة لأحمد سكيرج المغربي، لزيارة المدينة. فاستغل هذا الأخير الفرصة لزيارة تلمسان وأماكن أخرى من الجزائر. وضمن كتاب الرحلة هناك عروضا مهمة عن بعض المناظرات والمباحثات التي دارت بين سكيرج وبين العلماء الجزائريين. ومن ناحيتها، اشتغلت لين دوسولنيي-مارتينو على الأدب الروائي، إذ تناولت أعمال آسيا جبار في دراسة تحمل عنوان "آسيا جبار: من النسغ إلى المعنى"، حيث فضلت صاحبته أن تجعل من الاستطيقا (الجمال) والإيطيقا (الأخلاق) أداتين متصلتين لدارسة ومقاربة بعض النصوص الروائية. وتكشف صاحبة المقال أن الجهل بالثقافة الجزائرية عائق حقيقي، يحول دون الفهم الجيد لمثل هذا العمل الروائي. أما عن البعد الأخلاقي، فهو كامن حسبها في جدية النظرة والالتزام الكامل في كل ما تعرضه الروائية عن الجزائر، حيث أن مثل هذا الالتزام موصوف عند غاردنر Gardner على أنه أخلاقي. كما يتركز الجمالي والأخلاقي عند الروائية في أنها تمنح من خلال جميع أعمالها، القارئ فرصة معرفة "الجزائر المتعددة"، فهي تعرض رجالا، نساء وأزمنة متنوعة ومتعددة. إنها تَــُرد بهذه الطريقة على النظرة الغربية التي تقدم صورة سوداوية عن العالم العربي-الإسلامي، وفي الوقت نفسه تَـُرد على الأقلية الأصولية التي تحاول فرض قيم أكثر رجعية بدل تلك التي كانت سائدة بعد الاستقلال. إنها في كل ما تكتب تقول لا : " لا لنظرة الآخر عن بلدها"، "لا للتأويل الأصولي للإسلام"...وبذلك يصير العالم محتملا أكثر وجميلا أكثر.

ودائما ضمن الدراسة الأدبية، تسهم أمينة مستار بدراسة حول "بنية الصّوفي في رواية "كتاب التجليات..." لجمال الغيطاني. قراءة تناصية"، إذ يشتغل هذا الروائي على ما يمكن أن يحدثه تقاطع النص الروائي والنص الصوفي. فإذا كان كل نص يتضمن وفرة من النصوص المغايرة، هي حصيلة جملة من عمليات التفاعل بين النصوص الداخلة في نسيجه، فإن "كتاب التجليات" يضم مقدارا كبيرا من التفاعلات النصية المتنوعة المصادر، ما يسمح لها بتجاوز النمط الفني المغلق. وما كان ذلك ليصير ممكنا لولا تدخل الصوفي الذي يمضي بعيدا بأسفاره عبر "لغة الكشف والاكتشاف والغوص في المجهول والانخراط في عالم روحاني عجائبي". وقد بينت صاحبة المقال مدى تأثر جمال الغيطاني بإبن عربي، أبي حيان التوحيدي وأبي عبد الله النفري.

وأخيرا، يطالعنا رابح نبلي بمقال عن "المقاولون، الدولة و المواطنة. الحالة التونسية"، إذ يرجع اهتمام هذا الباحث بهذه الفئة، إلى ما تتميز به تونس من استثمار كبير في المؤسسات الخاصة أو العائلية، وهو الأمر الذي يمكن أن يفسح المجال لإمكان تحقق المواطنة من خلال العمل أو من خلال تنامي المطالبة بحق العمل للحساب الخاص. وفي المقابلات التي أجراها الباحث مع نماذج من هذه الفئة استشف  أن " المقاولين التونسيون يجهلون تماما "مبدأ المداولة" الذي أسسه هبرماس، لكونهم "ينتمون إلى مجتمعات أبوية لم تتعود بعد على اتخاذ القرارات الفردية والشخصية". وعموما لا يغدو نقد المقاولين لأوضاعهم إلا مجرد "استنكار"، لأنه لا يتجه إلى البرامج بقدر ما يتجه إلى "تدمير الأشخاص الشريرين المتسببين في معاناتهم". وهذا التمثل، هو السبب الرئيس في جعل فعلهم الجماعي يتميز بالضعف والإخفاق.

وبالإضافة إلى هذه المقالات، يضم هذا العدد المتنوع أربعة مواقف بحث وجملة من عروض الكتب ومعلومات حول تظاهرات وملتقيات علمية، حيث ندعو قارئي المجلة إلى الاطلاع عليها، لتكتمل القراءة وتَعـُم الفائدة.  وهي أعمال بحثية تصب كلها في مجال معاينة وفهم الممارسات والتمثلات الاجتماعية.

محمد حيرش بغداد

Appels à contribution

logo du crasc
insaniyat@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Recherche