التوسّع الحضري في القرى الاشتراكية الزراعية بالجزائر : مسارات "حضرنة" الريف و"ترييف" المدينة

فـريد مـرحـوم (مؤلف)
سارة بومزواد (مؤلف)
نوال عليوة (مؤلف)
17 – 43
البحث في العلوم الاجتماعية: مقاربات من خلال السياقات
ع. 111 — م. 30 — 31/03/2026

ليس من السهل اليوم، الاشتغال على موضوع القرى الاشتراكية الزراعية بعد القطيعة التي عرفها منذ تسعينات القرن الماضي؛ ولعل أولى الصعوبات تتعلق بالوصول إلى المعطيات الميدانية المحيّنة والأرشيف المتعلق بها والذي يزيد عمره عن الخمسين سنة. لقد أنجز باحثون جزائريون في سبعينات وثمانينات القرن الماضي معرفة سوسيولوجية هامة وقيِّمة، ولكنها لا تعفي الباحثين اليوم من ضرورة إنجاز تحقيقات ميدانية جادة ومعمقة للوقوف على واقع هذه المجالات التي تغيرت شكلا ومضمونا. لقد "شغلت جزائر الثورة الزراعية والتسيير الاشتراكي للمؤسسات اهتمام المختصين لأكثر من عقدين من الزمن (1970-1980)، عندما كانت كل العلوم الاجتماعية منغمسة فيما سمي بسوسيولوجيا التنمية، حيث تهافتت الطروحات على تبرير الاشتراكية كخيار سياسي في مسعى جَعْلِها قابلة للتطبيق على أرض الواقع" (Moussaoui, 2001, p. 53). ولكن الاهتمامات البحثية بدأت تتجه نحو "جزائر أخرى"، انبثقت بعد أحداث أكتوبر 1988 (Boukobza, 1991)، ودوامة العنف خلال تسعينات القرن الماضي (مرحوم، 2018)، اللذين تزامنا مع انهيار المعسكر الاشتراكي، والذي قابله في الجزائر الشروع في إصلاحات عميقة على مستوى التوجهات الإيديولوجية للدولة حيث أُقِر من خلالها التحول من الاشتراكية إلى اقتصاد السوق، ومن الأحادية إلى التعددية الحزبية والإعلامية في دستور فبراير 1989. وقد نتج عن ذلك تغيرا براديغميا أو نقلة نوعية عبّر عنها علي الكنز سنة 1991 بعنوان ذي دلالة قوية : "من الإعجاب بالدولة إلى اكتشاف الممارسة الاجتماعية"، لأن المجتمع بدأ يفرض نفسه كفاعل اجتماعي يحتاج الدراسة والتحليل (الكنز، 2001)؛ وهو ما جسده مدني صفر زيتون سنة 2004 عندما رافع لإخراج السوسيولوجيا الحضرية من هيمنة البراديغم الثقافوي (Safar-Zitoun, 2008).

حظيت القرى الاشتراكية الزراعية خلال حقبة كاملة باهتمام بحثي مكثف، ولا زالت إلى اليوم تطرح تساؤلات جديدة تتطلب مقاربات نظرية ومنهجية مختلفة ومتعددة التخصصات بالنظر إلى التغيرات التي عرفتها هذه الفضاءات، وعرفها العالم الريفي عموما من خلال ظاهرة التوسع الحضري[1] الذي يشكل مفهوما بنيويا ملازما لمتطلبات التنمية، وينبثق استجابة للتزايد المطرد في تعداد الساكنة موازاة مع تنامي النشاط الاقتصادي وما يتبعه من ارتفاع الطلب على السلع والخدمات، لا سيما ما تعلّق منها بالتربية والتكوين والصحة والنقل، بالإضافة إلى كل ما ينتج عن تقسيم العمل الاجتماعي الذي يفرضه العيش على نمط الحياة الحضرية.

في هذا السياق، شهدت المدن في الجزائر مع نهاية الفترة الاستعمارية وخلال السنوات الأولى للاستقلال تحوّلات معتبرة، جعلت منها "مزيجا بين نتاج السياسات العمومية والتحضّر أو التمدن العشوائي... وشكّلت في تفرّدها وعمقها التاريخيين نسيجا متراكبا من المدينة" (بلقيدوم، 2021، ص. 7)، حيث تتجاور في مجال حضري واحد المدينة العتيقة والمدينة الكولونيالية ومدينة ما بعد الاستقلال[2].

تمثّل القرى الاشتراكية الزراعية، موضوع هذه الورقة، سياقا لمقاربة تشكّل علاقات "جديدة" بين الريف والمدينة بوصفها حالة مفصلية تسهم في فهم تفاعلات هذين المجالين ضمن مسارات التوسّع الحضري. فهي، أي القرى الاشتراكية الزراعية، نقطة تقاطع بين المجالين الريفي والحضري أولا، وهي مرآة عاكسة لتأثير الخيارات السياسية والإيديولوجية على إعادة تشكيل الفضاء الاجتماعي داخلها وفق نمط سكني جديد، إذ تعرضت لأنماط توسّع مختلفة أدّت إلى تغيّر هوياتها المجالية والاجتماعية. وإذا كانت هذه القرى لا تزال إلى اليوم موجودة على لافتات التشوير الطرقي وفي المخيال الجماعي للفاعلين الذين عايشوا تلك المرحلة، فإنّ حدودها الجغرافية على الأرض ليست دائما محدّدة بشكل واضح.

تظهر حصيلة بعض القراءات حول موضوع القرى الاشتراكية الزراعية[3] أنّ هذا المشروع التنموي تتكامل فيه رؤيتان : ترى الأولى أنّ تحديث المجتمع الجزائري يمرّ حتما عبر نقله من نمط الريف إلى نمط المدينة بما توفّره هذه الأخيرة من فرص للتعليم والخدمات الصحية والاجتماعية ومناصب الشغل لجميع الجزائريين...، ورؤية ثانية -ذات بعد استدراكي- ترى أنّه لا يجب أن ينتقل جميع الريفيين إلى المدينة، بل يجب أن يبقى الريف ريفا، والمدينة مدينة تجنبا لتفاقم "تبعات" النزوح الريفي السابق (Etienne, 1972, p. 35)[4]. تجدر الإشارة إلى أن التوسّع الحضري في القرى الاشتراكية الزراعية، باعتباره تحوّلا تاريخيا جرى في فترة طويلة نسبيا، قد فرض منطقا آخر لتداخل الحدود نتج عنه مجالات مركّبة أو متباينة تحمل ملامح المدينة ورمزيات الريف.

بناء على هذا، واستنادا إلى المعاينات الميدانية[5] التي نستعرض نتائجها في هذا المقال، نتساءل عن طبيعة التحوّلات التي أنتجها التوسّع الحضري في القرى الاشتراكية الزراعية بغية فهم سياقات حضرنتها أو ترييفها.

من البراديغم الثقافوي إلى فرضية المجالات المركبة

ربما يجب الإقرار من البداية أن الالتزام المنهجي الذي يختص به كل علم أو تخصص علمي لا يكفي وحده لإنتاج معرفة علمية حول ظاهرة ما، ما لم يُطَعَّم بمعطيات التحقيقات الميدانية التي تكشف عما يظهر وما لا يظهر في ممارسات الفاعلين الاجتماعيين...، أي ذلك الضرب من "السوسيولوجيا الذي يعرف الظواهر بما هي، وبما ليست هي، في آن واحد". لقد أشار بيير بورديو قبلا إلى أن "المختصين في كل علم يميلون إلى صناعة إيديولوجية إزاء العلوم الأخرى، تخص علاقات هذه الأخيرة بعلمهم الخاص، بحيث يعتقد كل واحد بنِيَّة حسنة بأن منهجه هو الأحسن [...] وهو الأكثر ملاءمة [...] بحيث يجب أن يُتَبَنَّى ويُعتمد في جميع المجالات (Bourdieu, 1963, p. 9)". من جهته يقر كلود برنارد أن "المنهج وحده لا يلد شيئا، لأنه لن يعطي أفكارا جديدة وخصبة لمن لا يملكونها" (Bernard, 1865, p. 52)، وعليه فإن "البحث الميداني ليس مجرد شكل للميكانيكا الاجتماعية تقتصر على التقاط خطاب الآخر وكأنه مجرد ناقل للمعطيات دون أن نتسلل بالسؤال إلى عمق تعقيد تركيبته وتفرده التاريخي" (Mebtoul, 2015, p. 11).

تستطيع البراديغمات المعرفية في العلوم الاجتماعية إذن أن تقدم فهمها وتفسيراتها حول العديد من المواضيع، ولكن التغير المستمر الذي يميّز الواقع الاجتماعي يحتم على الباحثين تجديد البيانات الميدانية وتغيير زاوية النظر. لقد أسهم التغيير الاجتماعي في تعقيد المسألة الاجتماعية (Castel, 1995) في الجزائر المستقلة، والتي كان الظرف الاستعماري قد أوجد أوضاعها وفاقم من مظاهرها، إذ احتلت المسألة الحضرية ضمنها موقعا مركزيا لارتباطها بالريف وتحوّلاته (Bessaoud, 2008, p. 367-371). لقد تطلب ظرف ما بعد الاستقلال التحرّك بسرعة، والتعامل مع "مشاكل لا تنتظر" وتستوجب معالجتها المرور إلى "الفعل" الذي يقتضي بدوره "القدرة على أخذ خيارات بسيطة وقرارات كبيرة [مصيرية] في آن واحد أمام زخم وعداء الأحداث"، وهو ما يعني في نظرنا، الإقبال على "المخاطرة" [Le risque] كما عرفها بول ريكور (Ricoeur, 1941, p. 3).

في هذا الاتجاه، يمكن الإشارة إلى بعض الأدوار التي "لعبها" علم الاجتماع في الجزائر المستقلة في فترة مشاريع التنمية الوطنية خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وعلاقاته بالمجتمع، عند مناقشة مقارباته للمسألة الاجتماعية (Remaoun, 2005, Lakjaa, 2004)، حيث ناقش العديد من الباحثين في السياق ذاته المسألة الريفية من زاوية الأزمة التي خلفها الاستعمار في الريف وعلى الزراعة على وجه التحديد، حيث وجد البراديغم الثقافوي مرتكزه في كتاب "الاجتثاث : أزمة الزراعة التقليدية في الجزائر"، لبيير بورديو وعبد المالك صياد، الصادر في سنة 1964. يدور موضوع هذا المرجع حول تجربة قاسية وشديدة العنف عاشها عدد كبير من الجزائريين (أكثر من مليوني شخص) تمّ حشدهم قسرا وتحويلهم بالقوة من الحقول إلى المحتشدات : [des Champs aux Camps][6]. لقد ورد في هذا الكتاب أن : "الاستعمار انتزع من الفلاح الجزائري أكثر من أرضه، لقد جرَّده من شيء لا يمكن استرجاعه عن طريق السحر ولا يمكن منحه إياه عطاءً ليعيد بناء ما سلب منه، بل يجب عليه أن يصنعه من جديد، ألا وهو ثقافته" (Bourdieu & Sayad, 1964, p. 170). وبخصوص مسألة إعادة صناعة الثقافة من جديد، يمكننا الافتراض بأنّ تجربة الثورة الزراعية والقرى الاشتراكية في الجزائر كانت حالة مدرسية (un cas d’école) (Elaidi, 2021, p. 11)، جسّدت الرّغبة [السّياسية] في صناعة ثقافة جديدة لدى الفلاحين في المجال الريفي الجزائري، عبر تنمية الأرياف وتجهيزها ليستقر بها الفلاحون "حماية للمدن" من "النزوح الريفي" وآثاره.

ترنو مقاربتنا لهذا الموضوع إلى نقد البراديغم الثقافوي وتجاوزه انطلاقا مما أشار إليه مدني صفر-زيتون بلهجة نقدية (راديكالية) حول الصعوبات التي تعترض الخروج من هيمنة هذا البراديغم على السوسيولوجيا الحضرية في الجزائر، والذي انكبّ على اجترار تحليلات ونتائج ما جاء به كتاب الاجتثاث (Safar-Zitoun, 2008)، إذ يعتبر أنّ هذا البراديغم قد سيطر على الدراسات الحضرية إلى درجة صعُب تجاوزه، طالما لا يزال يقدّم تفسيرات "جاهزة" حول العديد من الظواهر من منطلق المقاومة الثقافية للتغيير، ومن منطلق أنّ المجتمع الجزائري "محافظ"، وأنّ ثقافته التقليدية-الريفية تمثّل عائقا للتحوّل إلى ثقافة حضرية. لقد دعا مدني صفر-زيتون صراحة إلى تجاوز هذا البراديغم التفسيري من خلال تجديد الدراسات الإمبيريقية وإنتاج البيانات الميدانية الجادة (العودة إلى الميدان)، لأنّ استمرار الاعتماد عليه يكرّس، في واقع الأمر، فكرة قصور المجتمع الجزائري عن الخروج من التخلُّف وعجزه عن تجاوز مسبِّباته، والتي من بينها الاستعمار، وبالنتيجة الخروج من ظرف الاستعمار[7] (Berque, 1962, p. 1-15). يقدّم البراديغم الثقافوي المجتمع الجزائري في صورة جامدة لم تتغير، لأنّه لا يعتمد فهما متكاملا عن الديناميات التي تربط الريف بالمدينة، إذ يختزل العلاقة بينهما في مقولة عامة ترى "عجز سكّان الرّيف عن التّكيّف مع المدينة واستبطان الحضرية"، وهي عبارة لا تغطي تعقيد العلاقة الموجودة بينها، وخصوصا في بعدها التاريخي على وجه التحديد، والذي ينبئ عن دينامية التغير الاجتماعي في الجزائر. تدعو المشاكل التي تطرحها المدينة اليوم إلى تجاوز المقاربات التي تكتفي بتفسير المسألة الحضرية عبر مقولات "النزوح الريفي" و"سطوة عقليات البدَاوة" أو "جمود التضامنات الميكانيكية"...، والتي تبدو قاصرة عن تفسير الحركية الفعلية التي ينتجها التوسّع الحضري داخلها وفي جوارها وفي القرى الاشتراكية الزراعية كذلك.

لقد رسّخ الطرح الثقافوي استخدام مفهوم "ترييف" المدينة لتفسير وضعية المدينة في الجزائر وديناميات تحوّلها، حتى أنّه اعتبر طرحا تفسيريا لتخلّف نموذجها مقارنة بنموذج المدينة في الدول "المتقدّمة"، كما استُخدِم لتبرير فشل المشاريع التنموية (الثورات الزراعية، والصناعية، والثقافية)، عندما فسّر أسباب فشل التحديث بـ "مقاومة الثّقافة المحلية التّقليدية" الّتي تسببت في العجز عن الخروج من ظرف التّخلّف نحو ظرف التّقدّم.

لقد أنتج هذا البراديغم، الّذي تركّز اهتمامه على المدينة والحداثة/التحديث، أو المدينة بوصفها أداة لتحديث المجتمع، خطابا وصفيا يصنّفها ضمن "وضع حضري غير مكتمل" أو "شبه حضري" أو "حضري متخلف"...، وهي في مجملها تعبّر عن انحياز معرفي [ذي طبيعة نخبوية] يرتّب الثقافة الريفية في مرتبة أدنى مقارنة بالثّقافة الحضرية.

قد يبدو جليا تَعَسُّر الفهم ناهيك عن التفسير إذا اقتصر التحليل على المسألة الحضرية لوحدها، مع جعلها أهم وأولى من المسألة الريفية، فهما من الناحية العملية يشكلان بعدا واحدا يستوجب التحليل لمقاربة المسألة الاجتماعية بالجزائر، فما ينتجه التوسّع الحضري في القرى الاشتراكية الزراعية يتجاوز الفصل بين الريفي والحضري، لينتج تركيبا يُخفي التّراتب الّذي يضع المدينة أوّلا والرّيف ثانيا، وينأى عن المفاضلة بينهما كذلك، مقترحا مجالات بينية مركّبة [قد تكون انتقالية ربما] تتفاعل بداخلها التصوّرات السوسيو-مجالية وممارساتها لدى مختلف الفاعلين الاجتماعيين والمؤسساتيين.

تبقى الإشارة في الأخير إلى أنّ فرضية المجالات المركّبة تطرح إشكالا حول تحديد مفهوم "ترييف" المدينة وإعادة صياغته. وإذا كان مفهوم الحضرنة، باعتباره ترجمة لمفهوم urbanisation، قد نال حظّه من التعريف والشرح والاستخدام، فإنّنا نلاحظ أنّ مفهوم الترييف بوصفه ترجمة لمفهوم rurbanisation لم يكن له الحظ نفسه من حيث التعريف والشرح على الرغم من استعمالاته في البراديغم الثقافوي.

في ضبط مفهوم "الترييف" أو إعادة تعريفه

هل يصلح مفهوم "الترييف" لمقاربة التوسّع الحضري في القرى الاشتراكية الزراعية؟ لا يمكن القفز على هذا السؤال خصوصا إذا كان لمفهوم "الترييف" حمولة إيديولوجية أو نخبوية تعتبر الريف مرادفا لمجال متخلّف يجب تحديثه من أجل إدماجه في مسار التنمية.

مفهوم الترييف هو ترجمة لمفهومrurbanisation من rurbain الذي ظهر متأخرا في حقل البحث الفرنسي سنة 1976 على يد جيرار بووور وجان-ميشيل رو في الكتاب الموسوم "الترييف أو المدينة المبعثرة" [Gérard Bauer & Jean-Michel Roux]، وهو في أصله توليد لفظي تركيبي بين مفهومين : ريفي «rural» وحضري«urbain» ، يدل على الحضرنة الزاحفة على المجالات الريفية التي تتشابك مع المناطق الحضرية الموجودة قبلها. لكن هذا المفهوم المولّد سرعان ما فقد أناقته وتراجع استعماله في القاموس الجغرافي، وحتى السوسيولوجي، بعد أن حجبه مصطلح الحضرنة المحيطية périurbanisation (Berger, Frust, Plet, & Robic, 1980, p. 304)، والذي يدل على ارتفاع ساكنة الأرياف التي عرفت هجرة نحوها من المدن المجاورة، بحيث تتبعثر المدينة أو تتمدد على محيطها الريفي من خلال السكن الفردي[8] الذي اختاره السكان الحضريون ليكون نمط حياة بديل عن نمط الحياة الحضرية أو المدينية (Bauer & Roux, 1976).

عرف انتقال هذا المفهوم من السياق الغربي إلى السياق العربي تحويرا في دلالاته، بحيث أصبح يشير "عموما" إلى المظاهر السيئة التي خلّفها النزوح الريفي نحو المدن في البلدان العربية، إذ يدل على تدهور الوضع العمراني للمدينة أو تقهقره، وكأنه انتكاسة لها أو تشويه لصورتها، في حين يرى هنري مندراس أنّ "كلمة مُرَيَّف rurbain تفترض أريفة المدينة فعلا [ruralisation de la ville]، بينما هي تعني في الواقع تبعثر المدينة أو انتشارها على إقليمٍ يفقد صبغته الريفية" (Mendras, 1977, p. 149)، أي أنّ هذه الكلمة تشير في الواقع إلى التغير الحاصل في نمط حياة السكان على وجه التحديد بناء على اختيار العيش في مجالات خارج حدود المدينة[9].(Mendras, 1977, p. 148)

يدعونا هذا التفصيل إلى إعادة النظر في دلالات مفهوم الترييف الذي يستعمل في الأطروحات والمقالات العلمية، ويُستَعان به في الخطاب الصحفي والإعلامي، وفي مواقع التواصل الاجتماعي لوصف "آلام المدينة" في الجزائر.

تُظهر الملاحظة[10] استدعاء مفهوم الترييف بوصفه "نظرية شهيرة" لتفسيرٍ "عالِمٍ" لآلام المدينة، إذ يتمّ تقديمها تحت غطاء مفاهيمي مستقيم [مقبول] سياسيا، يخفي في جوهره الطرح الذي يرى في النزوح الريفي مصدرا لكل ما أصاب المدينة من شرور، وهو ما أدى إلى فقدان "نموذجٍ" قوي للتمدّن والتحضّر كان حكرا على "المدينيين الحقيقيين" العارفين بقواعد العيش في المدينة، يضاف إليها كل ما يتصل بذلك من أساطير راسخة مطمورة في اللاشعور الجمعي، عن "عصر ذهبي" للحضرية العاصمية (على وجه الخصوص)" (Safar-Zitoun, 2009, p. 33).

إنّ التعريف الإجرائي لمفهوم الترييف الذي نأخذ به في هذه الورقة، يتلخّص فيما يلي : الترييف في القرية الاشتراكية الزراعية هو عملية حضرنة تدريجية طويلة الأمد، وحين يتم تجريده من حمولته الإيديولوجية، فإنّه يعبّر عن سيرورة طبيعية للتوسّع الحضري للمجال الريفي، باعتباره استجابة لآليات التغيّر الاجتماعي التي تعتمل داخل المجتمع ككل، لذا فهو حالة توفيق بين منطق العمران من فوق ومنطق العمران من الأسفل (بلقيدوم، 2021، ص. 10).

المقاربة المنهجية لموضوع البحث

تنطلق هذه الدراسة من فرضية ترى أنّ ديناميكية التوسّع الحضري في القرى الاشتراكية الزراعية، بوصفها مجالًا وسيطا أو انتقاليا بين الريف والمدينة، تقدّم أمثلة عن مجالات مادية واجتماعية مركّبة تتشكل يوميًا وتتحوّل ضمن شدٍّ وجذب متبادل بين الريفي والحضري بوصفهما "نمطَي حياة" يتعايشان في مجال تُصنَع فيه مدينة اليوم، ويُعادُ تحديد معالمها باستمرار، فعلى حد تعبير الطيب براهيم علي : "الأربعون عاما التي مضت، سمحت لتجربة القرى الاشتراكية أن تأخذ كل الوقت لتصبح على ما هي عليه الآن، وتنتج وضعا مخالفا لما كانت عليه. جزء من الماضي يستمر في الحاضر ويستجيب لمتطلباته" (الطيب براهيم، 2021، ص. 82).

نتوخى من خلال هذا الإسهام طرح المسألة الريفية-الحضرية باعتبارها ثنائية غير قابلة للفصل، ونسعى للمضي قدمًا في فهم منطق التوسّع الحضري الذي تغيرت على أساسه القرى الاشتراكية من حيث الشكل والبنى الاجتماعية، وبتعبير آخر، نسعى لفهم مجالات تواجد "ما بعد الريف" و"ما قبل المدينة" دون أفضلية قيمية بينهما.

وفي سبيل ذلك، وللإجابة على ما تطرحه هذه الورقة من تساؤل، حاولنا الربط بين ملاحظات تحقيقين ميدانيين[11].

أجري الأول، بوصفه تحقيقا استطلاعيا، في إطار مشروع بحث-مؤسساتي لمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (CRASC) (2016-2019)، المعنون بـ : "الحضرية الريفية، بخصوص تطوّر القرى الاشتراكية"، اشتغل فيه المؤلف الأول عضوا في فريق البحث على إشكالية : "علاقات الجوار والاجتماع البشري في القرى الاشتراكية بين الماضي والحاضر"، وقد جرى هذا التحقيق في سنة 2017، وتمّ خلاله تطبيق تقنية الملاحظة المباشرة مع إجراء مقابلات بؤرية -رفقة فريق البحث- مع مجموعة من سكان القرى الاشتراكية الثلاث المختارة في مشروع البحث[12].

أمّا التحقيق الثاني فقد تمّ بالشراكة مع الباحثتين المشاركتين في هذه الورقة، خصّ القرية الاشتراكية 8" ماي "1945، ببلدية سوق الاثنين )ولاية بجاية)، وتضمّن تسع مقابلات، ثم تطوّر هذا التعاون بين مؤلفي هذه الورقة البحثية من خلال توسيع التحقيق الميداني في أواخر ديسمبر 2023، اعتمادا على الملاحظة السوسيولوجية المباشرة وإجراء مقابلات مفتوحة مع بعض الساكنة حول تجربتهم الماضية في هذه القرية وكيفية تعاملهم مع تحوّلاتها. تمّ تدعيم الدراسة الميدانية بإجراء خمس مقابلات شبه موجهة مع مبحوثين تمّ اختيارهم عينة قصدية للإجابة على التساؤلات التي انبثقت من تحليل المقابلات التسع الأولى، كما أجرينا مقابلة مطوّلة مع إطار متقاعد من مصالح الإدارة المحلية (بلدية سوق الإثنين)، عايش مشروع بناء وتسليم وإعمار القرية منذ تدشينها في مارس 1976.بالنظر إلى صعوبة الخروج من الطرح الثقافوي المهيمن على حد تعبير مدني صفر زيتون (Safar-Zitoun, 2008)، وبالنظر كذلك إلى الصعوبات التي تواجه الجمع بين تخصصات مختلفة، فقد لا يكون كافيا ما تمّ استنباطه من محتوى المقابلات والملاحظات التي جُمعت في التحقيقين الميدانيين لقراءة مسألة التوسّع الحضري في القرى الاشتراكية المدروسة منذ تأسيسها في سبعينات القرن الماضي، ولكننا نسعى أن نبيّن أنّ مسارات الحضرنة والترييف تتقاطع فيما بينها و تنتج مجال القرية الاشتراكية الزراعية اليوم، بحيث تتبادل التأثير مع المدينة، حسب المسافة المجالية بينهما، وتتأثر إحداهما بالأخرى بقدر ما عرفاه من توسّع حضري، وتبعا لمدى استفادة كل منهما من مشروع التنمية الوطنية بكل القطائع [les ruptures] التي عرفها منذ بداية السبعينات من القرن الماضي[13].

يمكن قراءة أنماط التوسّع في القرى محلّ الدراسة من خلال نموذجين اثنين نلخصهما فيما يلي :

نموذج الحضرنة المدمجة نحو الخارج

ونقصد به النموذج الذي عرفت فيه القرية الاشتراكية توسّعا حضريا انطلاقا من نقطة نواة نحو مجالات أخرى، متخذة مسارات مخطّطة، وغير مخططة، جعلتها (أي النواة) تتوسّع لتندمج في النسيج الحضري الموجود قبلا، أو تتشكل تدريجيا باعتبارها مجالا في طور التحوّل إلى مدينة في عمرانها وتجهيزها وديناميكيتها.

ينطبق هذا النموذج على حالة قرية فلاوسن بولاية وهران (Nemouchi, 2025)، حيث عرفت هذه الأخيرة، والتي تقع على ساحل ولاية وهران، ببلدية بوسفر، وتمّ تدشينها سنة 1978، "ثلاثة أعمار" (Sayad، 1977)[14]. يبدأ العمر الأوّل مع بناء 220 وحدة سكنية المشكلة للقرية (النواة الأولى) أواخر سبعينات القرن الماضي، ويبدأ العمر الثاني مع تشييد العمارات من طرف ديوان الترقية والتسيير العقاري بوهران ((OPGI مع نهاية ثمانينات القرن الماضي، أمّا العمر الثالث فمرتبط بـــــ"الحي العشوائي"، الذي بناه النازحون خلال سنوات التسعينات من القرن نفسه على أطراف وادي بوسفر خلف عمارات ديوان الترقية العقارية (Marhoum & Souiah, 2019, p. 110).

يوافق العمر الأوّل "الهجرة بأمر"، إذ تلقى السكان الأوائل من بلدية بوسفر "أمرا بالترحيل" لإعمار القرية الجديدة. لكن، وفقا لتصريحات محاورينا من السكان الأوائل فإنّ "بعضا من المُهَجَّرين لم يكن يرغب في ذلك حقًا"، حيث فضّل العديد منهم ترك المسكن الممنوح لهم (مجانا) ليعودوا إلى منازلهم السابقة في التجمع الرئيسي لبلدية بوسفر أو بالقرب منه، بحجّة ضيق المساكن وعدم ملاءمتها لعدد أفراد أسرهم، وصعوبة التكيّف مع متطلبات المساكن الجديدة وتصميمها. وتبعا لموجات العودة هذه، استدعى بعض السكان (المستقرون هناك) بعضا من أقاربهم من الأسرة الموسّعة، من أجل شغل المساكن الشاغرة.

يشكّل هذا المعطى بداية للعمر الثاني المرتبط بفكرة "فقدان السيطرة"، مع تناوب موجات المغادرة والوصول لأسر ذات ثقافات مختلفة، قادمة من أماكن بعيدة عن القرية، وحتى من ولايات أخرى مثل معسكر، وتيارت، والبيض...، حيث نتابع تغيّر التركيبة الأولى لساكنة القرية، ومعها نشهد تغيّرا في التصوّرات والممارسات والمهن والاهتمامات. يتوافق هذا العمر في نهايته مع مرحلة تراجع الدولة التدريجي عن طابع "طوعية الدولة" (le volontarisme étatique)، بسبب إكراهات الأزمة الاقتصادية والأمنية خلال بداية تسعينات القرن الماضي، حيث بدأ التوجه نحو نوع من المرونة[15](Côte, 2002, p. 299-315) ، أسهم في بناء مساكن تابعة لديوان الترقية والتسيير العقاري (OPGI)، وأخرى تابعة للوكالة العقارية تدخل في إطار توسيع القرية لتحتضن سكانا من "الفئة المهنية المتوسطة" من الموظفين في قطاع الوظيف العمومي (التعليم، الصحة والإدارة المحلية) [حي 230 مسكن نصف جماعي سنة 1997، وحي 250 مسكن جماعي بداية سنوات 2000 لـ OPGI. 141 مسكن اجتماعي و10 مساكن اجتماعية ترقوية للوكالة العقارية (Nemouchi, 2025, p. 11)] يبدأ العمر الثالث مع اشتداد وطأة الأزمة الأمنية في تسعينات القرن الماضي، من خلال ظهور مبادرات فردية [ميلاد الحي العشوائي] لبناء مساكن بأدنى ما توفر من مواد (الحجارة والطين وصفائح الزنك) على أطراف وادي بوسفر، على هامش التجمّع السكني الذي يحتوي آنذاك على القرية بوصفها نواة وعمارات السكن الجماعي المبنية من طرف ديوان الترقية والتسيير العقاري (OPGI). جاءت هذه المبادرات لتحتضن أسرا نازحة بسبب أزمة السكن والهم الأمني، حيث توافرت آنذاك فرص عمل في قطاعات البناء والأشغال العمومية والسياحة. يشبه ميلاد الحي العشوائي "مستعمرة حقيقية" (une varie colonie بتعبير عبد المالك صياد) من السكان المحتاجين للسكن، أصولهم من بلدية بوسفر، ومن بلديات وهران الأخرى، استوطنوا بطريقة "غير مشروعة" وخارج القانون في مساكن عارضة، وغير صحية على أطراف وادي بوسفر بالقرب من الإنشاءات الرسمية لفترتي السبعينات والثمانينات[16].

صورة 1 : مواقع القرى الاشتراكية محل الدراسة على خريطة الجزائر

 

المصدر : https://www.marefa.org/w/images/e/ef/Algeria-wilayas-ar.png، معدلة من طرف المؤلفين.

صورة 2 : توسع قرية فلاوسن بين 2003 و 2025

 

المصدر : تطبيق Google Earth، معدل من طرف الباحثين (2025).

صورة 3 : مساكن حي 250 مسكن (بنايات OPGI) [العمر الثاني] في القرية الاشتراكية فلاوسن (وهران)، 2010

المصدر : (Nemouchi, 2025).

ينطبق هذا النموذج أيضا على "قرية 8 ماي" 1945 بولاية بجاية، حيث أنّها بنيت على أطراف النسيج الحضري السابق، وكأنّها حي-ضاحية، ثمّ توسّعت تدريجيا بمعية النسيج الحضري المجاور لها، لتختفي معالمها مع التعديلات والتحويلات التي أجراها شاغلوها على المساكن من خلال إعادة التهيئة أو الهدم وإعادة التشييد.

اختبر السكان المرحّلون إلى هذه القرية تجربتين فريدتين من نوعهما بالنسبة لهم : تجربة السكن في نمط جديد ومختلف، وتجربة العيش غريبا بجوار الغرباء. تحيلنا كلا التجربتين على مفهوم السَّكْنَى (l’habiter)، من حيث كونها "محاولات الساكن لأنسنة مجال السكن وجعله مقبولا لذلك، بحيث يجمع بين بعدين مهمين هما العلاقة مع الأشياء ثم العلاقة مع الأشخاص" (Bousbaci, 2009, p. 22-26).

لقد تمّ نقل السكّان من الجبل ومن مساكنهم التي بنوها بأيديهم (المنزل القبائلي) إلى مساكن القرية الزراعية الاشتراكية، فيما يشبه عملية اجتثاث وإعادة غرس في بيئة (تربة) مختلفة، وبالنسبة لمحاورنا في المقابلة المطوّلة :

"لا عجب إذاً، أّلا يتقبل الناس ذلك، ولا عجب أنّ الكثيرين منهم عادوا إلى مسقط رأسهم في الجبل، لأنهم أحسوا بالغرابة والاغتراب... لقد تشكل لديهم إحساس بأن المساكن الممنوحة لهم في القرية الاشتراكية تسلبهم حريتهم أو جزءاً منها، وهم العالقة في ذاكرتهم فظائع الاستعمار وآلام الحرب التحريرية" (رجل، سبعيني، متقاعد من مصالح الإدارة المحلية).

إن إعادة إسكان ساكنة الجبل (لأنّها بالفعل إعادة إسكان) في القرية تعادل تعريضهم لـ"الآثار الطبيعية لإعادة الإسكان" (Sayad, 1980) من ناحية، وإجبارهم على العيش في وضع يرى كل ساكن فيه نفسه غريبا، يعيش إلى جانب غرباء من ناحية أخرى. فما حدث من تعديل وإعادة تهيئة لمساكن القرى الاشتراكية الزراعيةيتّفق مع فكرة أنّ : "إعادة ترتيب الفضاء [السكني] تعبّر عن الرغبة في جعله صالحًا للسكن، بوصفه سمة أساسية للوجود، حيث تتحقّق الحالة الإنسانية، أي الوجود الأصيل للإنسان" (Hadjidj, 2002, p. 19).

صورة 4 : توسّع قرية 8 ماي 1945 بين 2007 و2024

المصدر : تطبيق Google Earth، معدل من طرف الباحثين (2025).

تختلف مساكن القرية الزراعية الاشتراكية عن خصوصيات السكن في البيئة الجبلية، من حيث كونها تمثل تجمعا بني على أرض منبسطة، على شكل مخطّط منتظم، تتخلّله طرقات وشوارع تتقاطع بشكل متعامد، وتصطف منشآتها على طول طرق رئيسية، تربطها بباقي النسيج الحضري. لقد أحسّ السّكّان في البداية باختلاف الفضاء الجديد عن خصوصيات العالم الرّيفي السابق، ويمكن القول أنّ القطيعة كانت مزدوجة لكونها قطيعة مع فضاء سكني (الجبل)، وأخرى مع أشخاص من "زمن مضى" بقي محفورا في ذاكرتهم ومخيالهم الاجتماعي.

نموذج الحضرنة المنبعثة من الداخل

ونقصد به التوسّع الحضري من داخل القرية الاشتراكية على أطرافها القريبة من أراضي فلاحية، والذي تم بشكل تدريجي وأبطء مقارنة بالنموذج الأول، حيث يشبه الانفجار الداخلي [une implosion] دون أن تصل إلى حدود المدن المجاورة البعيدة عنها نسبيا.

ينطبق هذا النموذج على قرية بلعسل التابعة لولاية غليزان (ربيعي ولقجع، 2018، ص. 43)، التي توسّعت من خلال السكن الفردي المخطّط وغير المخطط، وتمت تسوية وضعية أغلب سكناته لاحقا. لا تزال هذه القرية أقرب للريف منها للمدينة، حيث يثير انتباهنا مسألة إعادة إنتاج المجتمع القروي بفعل تواجد سكّانها أمام تحدي التعارض بين "الفلاح وغير الفلاح"، والذي بدأت ملامحه تظهر في قلب مجتمع القرية تبعا لنوع المهن وطبيعتها، حيث يرى الفلاحون أنّهم السكان الأصليون، ويصفون غيرهم بالوافدين لأنّهم لا يشتغلون في الفلاحة، وهو ما انبثق عنه لاحقا جيلان مختلفان : جيل أبناء الفلاحين، وجيل الأبناء غير الفلاحين.

صورة 5 : قرية بلعسل بين 2004 و 2025

 

المصدر : تطبيق Google Earth، معدل من طرف الباحثين (2025).

صورة 6 : مسكن في قرية بلعسل الاشتراكية (غليزان)، 2017

 

المصدر : نجاة موعزيز-بوشنتوف، مشروع البحث : "الحضرية الريفية، بخصوص تطور القرى الاشتراكية" 2017.

تشير هذه الوضعية إلى عملية الانفصال بين "كيانين اجتماعيين، أين يتمايز السكان حسب المهن (الفلاحون/المزارعون/المهن الأخرى)، وتبتعد القرية شيئًا فشيئًا عن ماضيها الفلاحي، حيث تحجب واجهات المدينة [المخيالية] ماضي الفلاحين" (Bourdieu, 2002, p. 90).

ينطبق هذا النموذج كذلك على قرية أوراس المايدة بولاية عين تموشنت التي توسّعت من الداخل من خلال مبادرات البناء الذاتي في ثمانينات القرن الماضي وبرنامج السكن الريفي في سنوات الألفين. حافظت هذه القرية على معالمها العامة ولم تعرف توسّعا معتبرا. الملفت للانتباه هو أنّ هذه القرية تتميّز بنوع من الانضباط، يمارسه أحد السكان يقدم نفسه على أنّه المسؤول المعين من طرف الرئيس هواري بومدين لتسيير شؤونها يوم تدشينها سنة 1975. نفترض أنّ لهذا الشخص تأثيرا رمزيا على طريقة توسّع القرية، حيث أنّ أغلب المساكن حافظت على تصميمها الأول مع تعديلات طفيفة، أمّا ما بني من مساكن جديدة، فقد تمّ في إطار رسمي عبر برنامجي البناء الذاتي والبناء الريفي، والتي تظهر أن هذا الشخص كان يلعب دور الوسيط من خلال مكانته الرمزية في تمثيل سكان هذه القرية أمام السلطات المحلية.

صورة : 7 توسع قرية أوراس المايدة بين 2006 و 2025

المصدر : تطبيق Google Earth، معدل من طرف الباحثين (2025).

لقد وقفنا في قرية أوراس المايدة على ثنائية التأثير/المقاومة بين المجال الحضري والمجال الريفي، أين يمتد تأثير المدينة على مستوى التصوّرات والممارسات بحيث يمسّ "ضرورات" التنقل من القرية إلى المدينة بوصفها مؤشرا على اعتبار القرية "هامشا" مهملا في تمثلات السكان[17]، كما تظهر مشكلة أخرى مزدوجة الجانب، إذ يعجز السكان الأوائل من جيل الآباء عن نقل نمط حياتهم وممارساتهم باعتبارهم فلاحين إلى جيل الأبناء، ومن جهتهم، يرفض الأبناء إعادة إنتاج نمط الحياة نفسه لدى آبائهم، وبدرجة أقل نمط حياة أجدادهم الذي غالبًا ما يُشار إليه بشكل سلبي لكونه رمزا للفقر والشقاء والحرمان.

حتى وإن فقدت هذه القرى الاشتراكية، بوصفها مجالا سكنيا، بعضا من معالمها وجاذبيتها بسبب الحضرنة الجارية داخل حدودها وخارجها، وكذا افتقارها لمشاريع تنموية كان يمكن أن تغيّر وضعها اليوم، فإنّها تظل حاضرة بصورتين مختلفتين بين الجيل الأول والجيل الثاني من السكان : ذكريات وحنين إلى زمن التعايش "الجميل" على الرغم من الظروف الصعبة للآباء : "الكَسْرَة والمَا، والرَّاسْ فــ السّْمَا"[18]، وطموح يحمله جيل الأبناء يميزه الشعور بالخذلان والحرمان أو الإهمال من طرف الدولة التي كان يجدر بها أن تحوّل قراهم إلى مدن حقيقية : "لا شيء هنا، الحياة موجودة هناك خلف الجبل" (مشيرا بيده في اتجاه مدينة مستغانم).

قد نصل في نهاية هذا التحليل إلى أنّ نمطي التوسّع الحضري في القرى الاشتراكية، موضوع هذه الورقة، لا يصلان إلى مستوى التشكّل كنمطين نقيضين، بل يتواجدان معا، بأشكال ظاهرة وباطنة، ويسمحان بنفاذ المدينة إلى القرية، كما يسمحان للقرية بالنفاذ إلى المدينة، فهما وضع هجين يربط بين الماضي والحاضر، بين الترييف والحضرنة، حيث ينتقي الفاعلون بعقلانيتهم المحدودة (Quinet, 1994) من التقاليد ما يتوافق مع مظاهر الحداثة، وينتقون من هذه الأخيرة ما لا يتنافى مع التقاليد. وإذا كانت هناك حضرية قد بدأت في البزوغ في تسعينات القرن الماضي حسب عبد القادر لقجع (Lakjaâ, 1997)، فإنّها في واقع القرى الاشتراكية الزراعية تعبر عن حضرية مركبة، تجمع بين الريف والمدينة، ويمكن نعتها حضرية ريفية أو ريفية حضرية.

خاتمة

تحيلنا إشكالية التوسّع الحضري للقرى الزراعية الاشتراكية إلى بعض الاستنتاجات حول سيرورتها التاريخية، إذ تشير إلى أنّ الحضري والريفي يشكلان طرفي معادلة واحدة حيث يفترض الاجتثاث فيها إعادة التجذر. فالاجتثاث ليس بداية الدورة، بل هو مرحلة ثانية، أتت بعد وضعية سابقة للتجذر في المجال السكني، بنيت على أساس مفهوم "السَّكْنَى" (l’habiter)، حيث يربط الساكن نفسه بالأشياء (البيئة) والجماعة أو بالأشخاص الذين يتشاطر معهم المجال نفسه والعادات والقيم والمعارف نفسها...

تثير سيرورة التوسّع الحضري في القرى الاشتراكية مسائل أخرى لا تقل أهمية عن مسألة الاجتثاث وإعادة التجذر، كالحق في المدينة وحقوق المواطنة ومسارات التنمية، كما تثير كذلك مسائل الاستبعاد الاجتماعي وتمايز الشرائح الاجتماعية، وتطرح بشكل مغاير مسألة إعادة إنتاج المجتمع في الريف كما في المدينة بعد القطيعة التي يحدثها التهجير والترحيل وإعادة الإسكان، كما تحيل في جزء منها إلى "المسألة الجيلية" التي يمكن من خلالها فهم المسألة الاجتماعية وتحولات الرابط الاجتماعي في المجتمع الجزائري اليوم.

لقد أدى التوسّع الحضري الحاصل في القرى الاشتراكية إلى ظهور تباينات عديدة على المستويين المجالي والاجتماعي، جعلت منها وضعا غامضا، يحتكم إلى منطق التراكم أكثر من خضوعه إلى منطق التغيير بشكله الثوري، فلا يمكن الجزم أنّ المدن قد "تريفت"، كما لا يمكن القول بأن القرى قد "تحضرنت"، ولكن، مع ذلك، يمارس سكانها قدرتهم على "الانتقاء العقلاني" بين رمزيات التقاليد ورفاهية مظاهر الحداثة ومنتجاتها، لرغبتهم في الجمع بين محاسن المدينة ومحاسن الريف في آن واحد حيثما كانوا يسكنون، كونهم مصدر التركيب بين الريف والمدينة.

براهيم علي الطيب،.(2021) مساكن القرى الاشتراكية الزراعية : ماذا بعد أكثر من أربعين سنة؟ إنسانيات،(94)، 63-89.

بلقيدوم سعيد،(2021). تقديم. إنسانيات، (92)، 7-11.

ربيعي سمير ولقجع عبد القادر، (2018). سيرورة الأقلمة والانتماءات القبلية في بلدية سيدي خطاب ولاية غليزان. إنسانيات، (79)، 31-51.

الكنز علي، (2001). من الإعجاب بالدولة إلى اكتشاف الممارسة الاجتماعية. في سعيد بن سعيد العلوي وآخرون، المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية، ط. 2،ص. 211-226 مركز دراسات الوحدة العربية.

مرحوم فريد، (2018). أحداث أكتوبر 1988 والمجتمع المدني في الجزائر : بحث في سوسيولوجيا الشباب وأنثروبولوجيا الغضب. آفاق علمية، 10(2)، 199-218.

Bauer, G., & Roux, J.-M. (1976). La rurbanisation ou la ville éparpillée. Seuil.

Berger, M., Frust, J.-P., Plet, F., & Robic, M.-C. (1980). Rurbanisation et analyses des espaces ruraux péri-urbains. L’espace géographique, 9(4), 303-313.

Bernard, C. (1865). Introduction à l’étude de la médecine expérimentale. J. B. Baillière et Fils.

Berque, J. (1962). Sciences sociales et décolonisation. Revue Tiers-Monde, 3(9-10), 1-15.

Bessaoud, O. (2008). L’agriculture et la paysannerie en Algérie : Les grands handicaps. Dans N. Benghabrit-Remaoun & M. Haddab (Dir.), L’Algérie 50 ans après : État des savoirs en sciences sociales et humaines (p. 359–384). CRASC.

Boukhobza, M. (1991). Octobre 88 : Évolution ou rupture ?. Bouchène.

Bourdieu, P. (2002). Le bal des célibatires. Crise de la société paysanne en Béarn. Seuil.

Bourdieu, P., & Sayad, A. (1964). Le déracinement. Crise de l’agriculture algérienne. Minuit.

Bourdieu, P. (1963). Travail et travailleurs en Algérie. Mouton & Co/La Haye.

Bousbaci, R. (2009). L’habiter, ou le bien de l’architecture. Les ateliers de l’éthique, 4(1), 20-33. doi :https://doi.org/10.7202/1044577ar

Castel, R. (1995). Les métamorphoses de la question sociale. Une chronique du salariat. Fayard.

Côte, M. (2002). L’habitat rural en Algérie : Formes et mutations. Dans P. R. Baduel (Dir.), Habitat, État, société au Maghreb (p. 299–315). CNRS Éditions.

Elaidi, A. (2021). Étudiants volontaires et paysans : Algérie 1970. (1e éd.). DAMMAH.

Etienne, B. (1972). Le flou urbain. L’affrontement des modèles. Annuaire de l’Afrique du Nord, 11, 29-38.

Hadjidj, E. Dj. (2002, Juin). L’habiter : la spatialisation des modes de vie. Revue Sciences Humaines (17), 19-24.

Insaniyat. (2025). Extensions urbaines et défis environnementaux (N° 108). CRASC.

Lakjaa, A. (Coord). (2004). Sociologie et société en Algérie. CASBAH Editions.

Lakjaâ, A. (1997). L’habiter identitaire : Éléments d’une problématique d’une urbanité en émergence. Insaniyat, (2), 77–103.

Marhoum, F., & Souiah, M. (2019). A la recherche des villages socialistes, quelques éléments d’une problématique à propos de la campagne algérienne. Dans K. Dirèche, L’Algérie au présent. entre résistances et cahngements Paris : IRMC-Karthala. (pp. 101-118).

Mebtoul, M. (Dir.). (2015). Les sciences sociales à l’épreuve du terrain. L’Harmattan ; GRAS.

Mendras, H. (1977). Bauer Gérard, Roux Jean-Maichel, La rurabinasation ou la ville éparpillée [Compte rendu]. Revue Française de Sociologie, 18(1), 147-149.

Mezouar, B. (2012). Les sciences socailes en Algérie face au changement. Insaniyat (57-58), 27-38.

Moussaoui, A., (2001). Du danger et du terrain en Algérie, Ethnologie Française, (31-1), 51-59.

Nemouchi, H. (2025). De l’utopie socialiste à la réalité de la périurbanisation. Le cas du village socialiste agricole de Felloucen (Nord-Ouest algérien). Belgéo [En ligne](1), 1-26. Récupéré sur http://journals.openedition.org/belgeo/79708

Quinet, C. (1994). Herbert Simon et la rationalité. Revue française d’économie, 133-181.

Remaoun, H. (2005). Les enquêtes sur la société et recherches empiriques à des fins de gouvernance en Algérie : Éléments pour un état des lieux. Insaniyat, (27), 55–76.

Ricoeur, P. (1941, Juillet). Le risque. Confluences (1), 3-11.

Safar-Zitoun, M. (2008). La sociologie urbaine algérienne ou la difficulté de sortir des paradigmes culturalistes fondateurs. Dans N. Benghabrit-Remaoun & M. Haddab (Dir.), L’Algérie 50 ans après : État des savoirs en sciences sociales et humaines 1954-2004 (p. 473–482). CRASC.

Safar-Zitoun, M. (2009). Alger aujourd’hui : une ville à la recherche des ses marques socailes. Insaniyat (44-45), 33-57.

Sayad, A. (1977). Les trois âges de l’émigration algérienne en France. Actes de la recherche en sciences sociales, 15(1), 59–79.

Sayad, A. (1980). Les effets naturels du relogement. Panorama des csiences sociales (4-5), 11-27.

Souiah, M., & Marhoum, F. (2018). Pour une sociologie des villages socialistes. Revue At-Tadwin, 10(1), 201-208.

[1] حول مفهوم التوسّع الحضري، أنظر العدد الموضوعاتي من مجلة إنسانيات الموسوم : "التّوسّعات العمرانية والتّحدّيات البيئية"، العدد 108، المجلد 29، سبتمبر 2025.

[2] توسعت كثير من المدن الجزائرية عبر ما يسمى "المدن الجديدة" للإشارة إلى الأجزاء التي بنيت أو سوف تبنى في إطار التوسع الحضري (العمراني) تبعا لخطط ورهانات الدولة الوطنية المنبثقة في ستينات القرن الماضي، الطامحة إلى تحديث المجتمع وتجاوز آثار الحقبة الاستعمارية.

[3] أسهم الباحثون الجزائريون في تحليل موضوع الثورة الزراعية والقرى الاشتراكية الزراعية خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، نذكر منهم : مصطفى الأشرف (1972)، مدني صفر-زيتون (1976)، نذير معروف (1980)، علي الكنز (تحت اسم مستعار : الطاهر بن حورية) (1980)، جعفر لسبط (1984)، عبد الكريم العايدي (1997، 2021)، حجيج الجنيد (2002) ... إلخ. للاستزادة، يمكن معاينة قائمة المراجع في مقالين قمنا بنشرهما مع الزميل مهدي سويح في إطار مشروع بحث مؤسساتي CRASC، ما بين 2018-2019 : (Marhoum & Souiah, 2019) و(Souiah & Marhoum, 2018).

[4] نشير هنا إلى أن هاتين الرؤيتين تتجليان في الخطاب السياسي حول مشروع التنمية الوطنية لتلك الفترة، حيث أورد Bruno Etienne مقاطع من خطاب الرئيس هواري بومدين، بمناسبة افتتاح أشغال الملتقى الوطني حول السكن الريفي المنعقد في 20 مارس 1973، ونشر
في جريدة المجاهد، ليوم 21 مارس 1973، بحيث يظهر أن تنمية الريف هي من أجل حماية المدينة : "الأفضل لنا هو تثبيت السكان الريفيين في القرى الاشتراكية الزراعية، أحسن من أن نتركهم يغزون المدن [...].نحن نُقَدر، صادقين في قناعاتنا، أنه من المهم جدا أن نتوجه إلى الأرياف لدراسة مشاكلها في عين المكان، من أجل تجنب نزوح جديد نحو المدن في السنوات القادمة".
[لم نفهم كيف استشهد الكاتب بخطاب الرئيس هواري بومدين فيى سنة 1973، على الرغم من أن مقاله نشر في المجلد 11، من مجلة Annuaire de l’Afrique du Nord،
في العام 1972.

[5] شارك المؤلف الأول في مشروع بحث مؤسسي بالمركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية (CRASC) بعنوان : "الحضرية الريفية : بخصوص تطور القرى الاشتراكية" في الفترة 2016-2019. ويعتبر هذا المشروع البحثي بمثابة إحياء للاهتمام بموضوع القرى الاشتراكية الذي تم تناسيه تقريبا منذ تسعينات القرن الماضي.

[6] من قبيل الصدفة ربما، أنه ليس هناك فرق بين كلمتي Champs وCamps في اللغة الفرنسية سوى حرف [h] صغير لا يوجد في الكلمة الثانية. لقد أقدمت الإدارة والجيش الفرنسيين على تطبيق سياستهما معتقدين أن ذلك سوف يضعف الثورة التحريرية ويحول هؤلاء "المحشودين" إلى سكان حضريين في المستقبل. لكن الأثر غير المتوقع هو أن حرف [h] الصغير ذاك كان يرمز في تصور الجزائريين آنذاك إلى حذف حرف الـ [H] الكبير في كلمتي "honneur" و"Horma"، الدالة على "النيف" والأنفة والكبرياء ومكانة الأسرة والمرأة الجزائرية، والتي تفقد كل معانيها في غياب حرف الـ [H] الكبير هذا.

[7] يمثل الظرف الكولونيالي وما بعده، وعلاقتهما بالمجتمع موضوعا مهما في العلوم الاجتماعية، ويمكن في هذا السياق العودة إلى بعض الأعمال مثل : جاك بيرك حول الموضوع، وكتابات هواري عدي (1995). لا زال الخطاب التعميمي للحس المشترك الذي تسرب إلى الأوساط الجامعية ("الأكاديمية") يصف المجتمع الجزائري بالتخلف والجمود وطابعه المحافظ الصلد الرافض للتقدم، وبأنه لا يتقدم بل يتراجع أو "يتقدم إلى الوراء". استعمل الهواري عدي، في هذا الصدد، مصطلح "التراجع الخصب"، في حين اقترح بلخضر مزوار استبداله بمصطلح "التقدم العقيم" (Mezouar, 2012) [Régression féconde\Progression inféconde].

[8] المقصود بالسكن الفردي هنا هو l’habitat pavillonnaire الذي يدل في اللغة الفرنسية على مجموع من المنازل المرفقة بحديقة خارجية، يشكل حيا [quartier] أو منطقة سكنية [zone] أو تجمعا سكنيا [lotissement].

[9] "إن ما يعلمنا إياه هذا الكتاب الصغير، هو أن هؤلاء المريفين يعلنون أنهم سعداء بالعيش في قراهم الجديدة والخلاص من المدينة، وهذا مع مواصلة العيش مع المدينة التي غادروها دون علاقة مع الريفيين المجاورين (في مدينة نيم مثلا)، أو على العكس، أنهم يعتبرون أنفسهم ريفيين يبحثون بأي ثمن عن الاندماج في القرية القديمة من أجل إحيائها، مثلما حدث في سهل فيرساي مثلا" (Mendras, 1977, p. 148).

[10] والحال نفسه بخصوص مدينة الجزائر العاصمة حسب مدني صفر زيتون
(Safar-Zitoun, 2009).

[11] ولأن المقاربة المنهجية في كلا الميدانين كانت كيفية، ولم يكن التوسع الحضري محورا أساسيا ضمن محاور المقابلات الحرة ونصف الموجهة، فإنه يلاحظ غياب الإحصائيات عن عدد السكان والتجهيزات المرفقة بالمشاريع...، فالأرقام التي بحوزتنا ليست رسمية، بل وردت في سياق المقابلات البؤرية في تصريحات المبحوثين [بشكل ظني ومتعارض أحيانا].

[12] شمل التحقيق ثلاث قرى اشتراكية : قرية فلاوسن بوهران، قرية أوراس المايدة بعين تموشنت، وقرية بلعسل بغليزان. زيادة على المقابلات البؤرية، أجرينا خمس مقابلات حرة مع : مبحوث، قدم نفسه على أنه عين من طرف الرئيس هواري بومدين كمسؤول عن تسيير القرية الاشتراكية أوراس المايدة زمن تدشينها سنة 1975؛ ومقابلتين مع مبحوثين في قرية أوراس المايدة، ومقابلتين أخريين مع مبحوثين في قرية بلعسل. كان معيار اختيار هؤلاء هو اهتمامهم بمحور بحثنا خلال المقابلات البؤرية.

[13] يمكن أن نلاحظ عموما أن مشروع التنمية الوطنية عرف منعرجات بارزة كل عشر سنوات تقريبا منذ سنة 1969. منعرجات تميزت بتغير رؤساء الجمهورية وتعديل دستور البلاد تماشيا مع مستجدات أفرزتها الضرورات السياسية أو الأزمة الاقتصادية أو الحراك الاجتماعي. منعرج أول في سنة 1979، بعد وفاة الرئيس هواري بومدين أواخر 1978، منعرج ثان سنة 1989، بعد أحداث أكتوبر 1988 وتعديل الدستور في فبراير 1989 الذي أقر التعددية الحزبية، منعرج ثالث سنة 1999، مع وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم وبداية تخطي ما سمي "العشرية السوداء"؛ منعرج رابع سنة 2009، بعد فتح العهدات الرئاسية لاستمرار حكم بوتفليقة، ومنعرج خامس سنة 2019، مع حراك فبراير 2019.

[14] حسب التوصيف الذي قدّمه عبد المالك صياد عن الهجرة الجزائرية نحو فرنسا. وللأمانة العلمية، نحن قمنا باستعارة تسميات الأعمار التي حددها عبد المالك صياد في مقاله للمراحل المفصلية في تاريخ هجرة الجزائريين نحو فرنسا : 1) “ l’émigration par ordre » ؛ 2) “ la perte de contrôle »و3) “ une colonie algérienne en France ». جاء استعمال هذه التسميات في هذه الورقة استعارة فقط من أجل تبيان مراحل توسع القرية الاشتراكية فلاوسن، بولاية وهران، وليس القصد بها تشبيه الهجرة نحو فرنسا بالهجرة نحو القرى الاشتراكية، فليس المقام مناسبا إطلاقا للمقارنة بينهما.

[15] عبر مارك كوت عن هذا بما يلي : "لم يعد هناك توجه نحو تحويل الأرياف إلى مدن، بل نحو تأطير الأرياف بطريقة مغايرة، حيث يتم وضع المدينة في متناول سكان الأرياف من خلال شق الطرق الريفية وتوفير وسائل النقل، من أجل تقريب خدمات المدينة من سكان القرى مع بقائهم في قراهم".(1996)،ص. 253.

[16] نشر بعض من أفكار هذا العنصر في فريد مرحوم ومهدي سويح في كتاب :
L’Algérie au présent. Entre résistance et changement تحت إشراف كريمة ديرش أبريل (2019).

[17] إذ أن تعميم الثورة الزراعية في الريف، وتعميم المشاريع التصنيعية في المدن، أسهم
في إخضاع السكان "الريفيين" إلى جاذبية المدينة وما تحتويه من مظاهر الحضرنة. يتعلق الأمر بالأساس بالتفاوت في حجم التنمية، الذي عرفته المدن من خلال التصنيع والتعمير، والمدرة لمناصب الشغل، مقارنة بالقرى (الأرياف) التي أريد لها أن تحتفظ بقطاع واحد هو الفلاحة. يعرف سكان الريف في مخيالهم المثل الشعبي القائل : "يوجد في القرية رزق واحد (الفلاحة)، ويوجد 99 المتبقية في المدينة".

[18] قول مأثور بالدارجة الجزائرية معناه : "نكتفي بالخبز والماء حتى تبقى رؤوسنا شامخة
في السماء" تعبيرا عن الأنفة والكبرياء.

Cite this article

MARHOUM, F., BOUMEZOUED, S., & ALIOUA, N. (2026). التوسّع الحضري في القرى الاشتراكية الزراعية بالجزائر : مسارات "حضرنة" الريف و"ترييف" المدينة. Insaniyat - Algerian Journal of Anthropology and Social Sciences, 30(111), 17–43. https://insaniyat.crasc.dz/en/article/altwsa-alhdry-fy-alqra-alashtrakya-alzraaya-baljzayr-msarat-hdrna-alryf-wtryyf-almdyna