Serge PAUGAM, (2023). L'attachement social. Paris : Seuil, coll. « La couleur des idées », 640 p.

نور الدين ميهوبي (مؤلف)
17 – 20
النوع الاجتماعي والفضاء العام في المدن الجزائرية
ع. 109 — م. 29 — 01/01/2026

هذا الكتاب لسيرج بوغام، مدير الدراسات بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS) بباريس، هو ثمرة أربعة عقود من البحث والتأليف في موضوع الفقر واللامساواة الاجتماعية والرابط الاجتماعي. يحدد المؤلف في المقدمة الغاية الأساسية للكتاب، وهي صياغة مصطلح "الارتباط الاجتماعي" (L’attachement social) الذي يرى أنه يساعد على فهم ارتباط الأشخاص مع بعضهم البعض، مع الجماعات ومع المجتمع، أفضل بشكل أفضل من مصطلح التضامن الذي تعددت معانيه وأصبح من الصعب استعماله كمصطلح خاص بعلم الاجتماع. ينقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء وستة عشر فصل، ويعتمد أساساً على بحوث كمية أجريت في عدة دول حول الرابط الاجتماعي وكذلك على بحوث كيفية.

يحمل الجزء الأول من الكتاب عنوان "الارتباط الاجتماعي: مصطلح سوسيولوجي". يبدأ المؤلف في هذا الجزء بتبيان كيف تخلى إميل دوركايم عن مصطلح التضامن بعد كتابه "تقسيم العمل الاجتماعي" (1893(، ليهتم أكثر بمصطلح الارتباط الاجتماعي كما جاء في كتابه "التربية الأخلاقية" (1925). ثم يتناول علاقة الارتباط الاجتماعي مع التنشئة الاجتماعية والتي ترتكز أساساً على ثلاثية الرقابة الاجتماعية، التطبع (L’habitus) بالمعنى الذي يعطيه له 
بيار بورديو (Pierre Bourdieu) والذاكرة الجماعية. تتفاعل هذه الركائز الثلاثة لتشكل وتحافظ على الروابط المتعددة للأفراد والجماعات.

يقسم بوغام الروابط الاجتماعية إلى أربعة أصناف، يمتد كل صنف في إطار مجال أخلاقي معين: فالرابط العائلي يختص بالأخلاق الأسرية ورابط المشاركة الاختيارية يختص بالأخلاق الجمعوية ورابط المشاركة العضوية بالأخلاق المهنية، وأخيراً رابط المواطنة الذي يمتد في إطار الأخلاق المدنية. تشكل سيرورة تقاطع وانتظام هذه الروابط الأربعة النسيج الاجتماعي الذي ويوفر له الحماية والاعتراف الضروريين لوجوده الاجتماعي. يختم المؤلف هذا الجزء بصياغة أربعة أنظمة ارتباط اجتماعي (Régimes d’attachement social) نموذجية يكون فيها أحد الروابط هو المنظم (Régulateur) للانسجام المعياري الشامل للمجتمع والروابط الأخرى تكون إدماجية (Intégrateurs)، وهي : نظام الارتباط العائلي حيث رابط القرابة هو المنظم، نظام الارتباط التطوعي حيث رابط المشاركة الاختيارية هو المنظم، نظام الارتباط العضوي حيث رابط العمل هو المنظم وأخيراً نظام الارتباط العالمي حيث رابط المواطنة هو المنظم.

تحت عنوان "ديناميكية اللامساواة"، يركز الجزء الثاني من الكتاب على قطيعة الروابط الاجتماعية، فالأفراد داخل المجتمع ليسوا سواسية أمام انتظام الروابط الاجتماعية الأربعة التي تمكنهم من الاندماج الاجتماعي. يبين المؤلف من خلال بعض الاحصائيات أن الأفراد كلما نزلوا في السلم الاجتماعي كلما قلت وضعفت روابطهم الاجتماعية. غير أن تعدد هذه الروابط لا يُحيل دائماً إلى حالة اجتماعية إيجابية، فهناك روابط اجتماعية تسبب الهشاشة مثل العلاقة التي تكون فيها الحماية مفرطة، وروابط اجتماعية تسبب الإحساس بالظلم والقهر مثل بعض العلاقات بين العامل وصاحب العمل. في هذا الصدد، يؤكد بوغام على أهمية استعمال مصطلح صاغه في كتبه حول الفقر والهشاشة وهو "التجريد من الأهلية الاجتماعية"(La disqualification sociale) ، من حيث أنه يعبر عن ديناميكية فقدان بعض الجماعات الاجتماعية القدرة على الارتباط بالجماعات الأخرى والامتثال للنظام المعياري للمجتمع.

"الصراعات، التعويض والمقاومة" هو عنوان الجزء الثالث للكتاب، والذي يقدم فيه بوغام مجموعة دراسات ميدانية تبين المدى التحليلي لمصطلح الارتباط الاجتماعي. تبين الأمثلة التي يذكرها حول الإضرابات العمالية والحركات الاحتجاجية كيف أنها تنتظم في إطار رابط اجتماعي واحد من بين الروابط الأربعة، وتندرج كلها تحت مجال أخلاقي يحدده هذا الرابط. وكذلك الأمر بالنسبة للدراسات حول الأحياء الفقيرة والمهمشة، فهي تبين كيف أن الأفراد والجماعات تلجأ لأشكال من الحماية التكميلية في نطاقهم الخاص، مثل اللجوء إلى رابط المشاركة الاختيارية على مستوى الحي عندما يفتقدون ما يوفره العمل أو المؤسسات من حماية واعتراف. ويذكر المؤلف في نهاية هذا الجزء حالة الأشخاص بدون مأوى (Les sans-abri) واللذين يمثلون في فرنسا شريحة اجتماعية منفكة عن باقي المجتمع، تُثير لدى الأشخاص العاديين تارة الاشمئزاز وتارة التعاطف. تظهر الدراسات الميدانية أن الكثير من أفراد هذه الفئة المهمشة مرتبطين اجتماعيا مع بعضهم البعض من خلال شعورهم الجماعي أنه لم يعد لديهم ما يخسرونه في هذه الحياة.

يحمل الجزء الرابع والأخير، والذي يمثل ثلث الكتاب، عنوان "تنظيم الارتباط الاجتماعي حسب الدول". يبدأ هذا الجزء باختبار نظرية الارتباط الاجتماعي من خلال مقارنة دولية لأصناف الارتباط الاجتماعي اعتمادا على قاعدة بيانات لأربعة وثلاثين دولة موزعة على القارات الخمسة. تُبرز النتائج خمس مجموعات حسب أنظمة الارتباط الاجتماعي، فالمجموعة الأولى يعبر عنها المؤلف بنظام الارتباط العائلي، وتجمع دولا مثل الشيلي والمكسيك وكولومبيا، والمجموعة الثانية التي تمثل نظام الارتباط العائلي تجمع دولا مثل الأرجنتين وإفريقيا الجنوبية وتركيا. يفرق بوغام المجموعة الأولى عن الثانية من حيث أن الأولى أقل نمواً وأكثر من حيث الفقر واللا مساواة. تمثل المجموعة الثالثة نظام الارتباط العضوي وتجمع دولا مثل إيطاليا وفرنسا والأوروغواي. بينما تمثل المجموعة الرابعة نظام الارتباط التطوعي وتجمع دولا مثل الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا. أما المجموعة الخامسة والأخيرة والتي تمثل نظام الارتباط العالمي فتضم كل الدول الإسكندنافية وكذلك دولا أخرى مثل أستراليا وألمانيا.

يحلل بوغام في بقية فصول هذا الجزء العوامل التاريخية والأنثروبولوجية التي تحدد انتماء الدول إلى أحد المجموعات الخمسة. فهو يرى أن النزعة الأسرية (Le familialisme) هي إرث المجتمعات الزراعية، وتشكل حالياً درع الحماية ضد البطالة في المجتمعات المحيطة بالبحر المتوسط، كما تساهم في تشكيل المجال العام والمجال السياسي بشكل واسع في مجتمعات أمريكا اللاتينية. أما فيما يخص نظام الارتباط العضوي ونظام الارتباط التطوعي، فإن الدولتين اللتين تمثلهما أحسن تمثيل فهما على التوالي فرنسا والولايات المتحدة. الأولى يتجذر نظامها في السيرورة التاريخية للدفاع عن الفئات المهنية (Le corporatisme) منذ القرن التاسع عشر وكذلك في الدور الاجتماعي الذي تمثله دولة الرعاية والمركزية السياسية، أما الثانية فهي تستند تاريخياً إلى فلسفة حرية المبادرة وعدم تدخل السلطة السياسية والديمقراطية التشاركية التي يؤدي فيها المجتمع المدني دوراً مركزياً.

وفي الخاتمة يلخص بوغام أهم أفكار الكتاب ويدعو إلى تكامل بين علم النفس وعلم الاجتماع لفهم أعمق لارتباط الأشخاص مع بعضهم البعض ومع الجماعات، لأن عملية الارتباط تعتمد على جانب نفسي وآخر اجتماعي في نفس الوقت. ورغم أنه يذكر أن نظام الارتباط العالمي والذي يتمحور حول المواطنة هو النظام الأقرب لتحقيق العدالة الاجتماعية والتقسيم العادل للثروات وكذلك لحماية الافراد والجماعات، فإنه يحذر كذلك من الميل لترتيب الروابط الاجتماعية الأربعة مثل جعل الرابط العائلي هو الأدنى ورابط المواطنة هو الأعلى ويتوسطهما الرابط العضوي والرابط التطوعي، لأن هذا الترتيب ينجر تحته نظرةتطورية للمجتمعات (L'évolutionnisme social) لا تأخذ بعين الاعتبار الواقع الانثروبولوجي والتاريخي ولا علاقات الهيمنة الاقتصادية والسياسية للدول المتطورة على باقي دول العالم. وفي هذا الصدد يرى المؤلف أن التفكير في الرابط الإنساني هو الكفيل بمواجهة التحديات العالمية الحالية كتحدي التغير المناخي أو تحدي وباء كوفيد-19.

Cite this article

MIHOUBI, N. (2026). Serge PAUGAM, (2023). L'attachement social. Paris : Seuil, coll. « La couleur des idées », 640 p.. Insaniyat - Algerian Journal of Anthropology and Social Sciences, 29(109), 17–20. https://insaniyat.crasc.dz/en/article/serge-paugam-2023-lattachement-social-paris-seuil-coll-la-couleur-des-idees-640-p