تقديم

سيد أحمد سويح (مؤلف)
شنتال شانسون جابر (مؤلف)
9 – 15
النوع الاجتماعي والفضاء العام في المدن الجزائرية
ع. 109 — م. 29 — 01/01/2026

تتمحور مواضيع هذا العدد من مجلة إنسانيات حول مقاربة مزدوجة: نظرية من جهة، وتحليلية من جهة أخرى. وتساءل هذه المواضيع مكانة النوع الاجتماعي في الفضاءات العامة وولوج النساء إلى المجالات الحضرية في مدينتين كبيرتين في الجزائر هما: الجزائر ووهران. تتميز هاتان المدينتان الكبيرتان بماضيهما الاستعماري وتأثير الدين والمعايير الاجتماعية السائدة، التي شكلت هويات محلية، وجب التساؤل عنها انطلاقاً من الحريات الممنوحة والمحظورات المفروضة على النساء، لا سيما في ظهورهن وعلاقتهن بالفضاء العام.

غالبًا ما يرتبط وجود النساء في الفضاءات العامة في هاتين المدينتين الجزائريتين بعدم الأمان والهشاشة، بل وحتى بالمنع والإقصاء. وهو ما يعكس علاقات القوة بين الرجال والنساء، التي تخضع بدورها إلى المعايير الاجتماعية والدينية السائدة.

يدعونا صدام الثورات العربية) 2011 (Guidère, وكذلك تأثير الدين إلى ضرورة إجراء تحليل مقارن لمسألة النوع الاجتماعي في هذه المجتمعات، لا سيما فيما يخص وجود النساء في الفضاءات العامة. من ناحية أخرى، يدعونا حراك النساء ومطالبهن بمزيد من الحرية والكرامة واحترام الحقوق الأساسية(Benzenine, 2016) إلى إعادة النظر في الفضاءات العامة من منظور المواطنة.

تنسجم مقالات هذا العدد مع الموضوع الرئيسي لهذه الدراسة، التي تتناول في آنٍ واحد وضع المرأة وحركتها وجغرافيتها في السياق الجزائري. ويُعدّ المنهج البنيوي الإطار النظري الأنسب لهذه الدراسة. يعتمد هذا المنهج التحليلي على نظرية الحقل (Champ)، التي تجمع بين بُعدين: بنيوي واستراتيجي. ضمن هذا المنهج، تُشغل مواقع غير متكافئة، ويسعى الفاعلون (نساءً كانوا أم رجالاً) باستمرار إلى الحصول على أفضل المواقع الممكنة وما يرتبط بها من مزايا. يُمكّننا هذا المنهج النظري من تطوير حجة متينة قادرة على الصمود أمام النقاشات التي قد تبدو متناقضة.

تتطلب دراسة قضايا النوع الاجتماعي في المناطق الحضرية الجزائرية منهجًا متعدد التخصصات، لا سيما في العلوم الإنسانية والاجتماعية، نظرًا لتعقيد النظام المدروس وأساليبه التحليلية. تتفاعل عدة عوامل لتفسير وضع المرأة، وتحركاتها الجغرافية، وتطورها عبر الزمن، والأنظمة الاجتماعية والسياسية التي تُشكلها. يُمكّننا تحليل هذه العوامل الأساسية في سياق تخصصاتها العلمية من فهم القيود، واستراتيجيات التكيف، وأنواع التمييز الكامنة وراءها.

تجدر الإشارة إلى أنه، بالإضافة إلى مفهوم "الإقصاء"، تستدعي قضية المرأة في الأماكن العامة التحليل من منظور تعزيز أو تغيير التسلسلات الهرمية الاجتماعية وذلك حتى في أكثر المجتمعات محافظة ((Renard, 2011، فضلاً عن العلاقات بين الجنسين (Goffman, 1977). وتؤكد المساحات الحضرية، التي "يمكن أن تصبح، من خلال إعادة التنظيم والتجديد، متاحة ومتنوعة، وأكثر تسامحًا" (Naceur, 2017)، من جهة، على أهمية دور المجتمعات المحلية في وصول المرأة (أو عدم وصولها) إلى الأماكن العامة، ومن جهة أخرى، على "ديناميكيات القيود والتحرر التي تحكم حركة المرأة" (Djelloul, 2021).

تستكشف المقالات المختارة في هذا العدد المناهج النظرية والتخصصات المتعلقة بالنوع، وتقارن بين وجهات نظر علماء الاجتماع والجغرافيا (علم اجتماع الجندر وجغرافيا الجندر الحضري).

وقد أولت هيئة تحرير المجلة ومنسقو هذا العدد الأولوية لدراسات الحالة والبحوث الميدانية، لا سيما في المجالات التالية:

- حضور المرأة في الأماكن العامة (القيود، والعنف، وإمكانية التعايش)؛

- التنقل المرتبط بالنوع (الرقابة الاجتماعية، والقيود الذاتية، والحواجز غير المرئية، والتجزئة والتخطيط المكاني، والوصول إلى وسائل النقل، ومساهمة الخرائط الموضوعية في التنقل)؛

- الحدود الجندرية في المدينة؛

- الاستراتيجيات الجندرية في المدينة.

في هذا العدد الخاص من مجلة إنسانيات، يحلل المؤلفون كيفية تعامل النساء ذوات القدرات النضالية مع الحياة الحضرية، مع الأخذ في الاعتبار عدّة عوامل مثل المواصلات وتحديات الرقابة الاجتماعية والتحرش والعنف، وقيود المسؤوليات الأسرية والتعليمية في المجال الخاص وكذلك القيود على حرية تنقل المرأة.

انطلاقًا من كون هذه الفرضية تمثل إجابة أولية، نقترح ثلاث فرضيات ستشكل أساس الأوراق البحثية المقدمة:

- يمكن للسياسات العامة والأدوات القانونية وخطط التنمية الحضرية
أن تعالج هذه المظالم وتضمن مزيدًا من المساواة بين النساء والرجال في المدن. في المقابل، تَبرُز قوى معارضة وتنظم صفوفها لمكافحة هذه التمييزات. .(Benzenine, 2016)

- وقد تعزى بعض القيود المفروضة على تنقل المرأة إلى أوجه القصور في وسائل النقل العام وتأثير الدين، لا سيما فيما يتعلق بالمكانة التي ينبغي أن تحتلها المرأة في المجتمع، من خلال السيطرة الاجتماعية التي يمارسها الرجال .(De Vilaines, 2019)

- إن انعدام الأمن السائد في بعض أطراف المدينة والعنف الذي تواجهه النساء يرسمان "جدرانًا غير مرئية" تقسم الفضاء الحضري وتدفعهن إلى تبني استراتيجيات الإكراه (Di Méo, 2011).

نعتقد أن هذه المجموعة من الفرضيات تُشكّل أساس المقالات المختارة في هذا العدد. والهدف من ذلك هو فتح آفاق بحثية جديدة من منظور مبتكر يُراعي الظروف المحيطة والتخصصات المتنوعة.

يُقدّم هذا العدد تجارب من مدن جزائرية. وتسعى مقالة نجوى بختي وسيد-أحمد سويح إلى تفسير محدودية وصول النساء إلى مدينة وهران من خلال التغيرات المكانية والزمانية والقيود المفروضة على حركة المرأة. هذا العمل هو ثمرة ملاحظات ميدانية، ومنهجية نوعية من خلال المقابلات، وأخرى كمية من خلال استبيان وُزّع على أكثر من 500 امرأة من سكان حاضرة وهران.

في مقال بعنوان "العنف ضد المرأة في الأماكن العامة: حالة وهران "، يحلل المؤلفان العنف ضد المرأة عند دخولها الأماكن العامة في وهران. ورغم أن التقدم المحرز، وإن كان غير كافٍ ولكنه ملحوظ، في وضع المرأة الجزائرية (من حيث التعليم والعمل وأشكال الحراك الأخرى)، إلا أنه يمنحها علاقة أوثق بالأماكن العامة مقارنةً بالماضي، ومع ذلك، لا تزال الهشاشة وعدم المساواة قائمتين. فالمدينة مكان متناقض بالنسبة للمرأة؛ فهي في آنٍ واحد مكان للتحرر، وفي الوقت نفسه مكان للتهميش والحظر، ممزقة بحدود غير مرئية تخضع لها المرأة أو تفرضها على نفسها لأسباب مختلفة.

تقدم مهدي سويح وأمينة بتقة مساهمتهما حول موضوع "المرأة والبيئة الحضرية في وهران من منظور سوسيولوجي". وفيها يراجعان الأبحاث التي قام بها طلاب الدكتوراه. تهدف هذه الدراسة إلى فهم كيف تَغيَّر وجود النساء في الفضاءات الحضرية في وهران، مع إبراز التغيرات الاجتماعية التي تحدث في المجتمع الجزائري، من خلال دراسة الأطروحات التي تمت مناقشتها في جامعة وهران 2 ،وكيف تتبدل معايير جندرية وتتطور المفاهيم المتعلقة بالفضاء الخارجي، مما يتيح فرصًا أكبر للنساء في تلك الفضاءات.

تركز الدراسة على نقطتين رئيسيتين: المعاناة من العنف الذي تواجهه النساء وزيادة مشاركتهن في الحياة العامة من خلال التعليم والعمل. يسهم هذا التغيير في إعادة تشكيل الأدوار الاجتماعية والثقافية مما يمنح صورة أوضح عن التقدم التدريجي لمكانة المرأة في المدن الجزائرية.

في دراسة محمد الأمين بن خيرة والطيب عثمان بعنوان "تصور الشعور بعدم الأمان حسب الجندر: تحليل اجتماعي إحصائي في منطقة وهران الحضرية"، يستعرض الباحثان تأثير البيئة الحضرية على مستوى الأمن العام ومظاهر الجريمة والخوف منها كما يختبرها سكان ثلاثة أحياء في وهران. استنادًا إلى استطلاع شمل 708 من المواطنين، يُقيِّم البحث مستويات الرضا عن مكونات البيئة الحضرية مثل الإضاءة والمساحات الخضراء والأرصفة والطرق. تظهر النتائج، باستخدام منهجية المطابقات المتعددة، وجود ارتباطات سلبية قوية بين انخفاض الرضا عن البيئة الحضرية وارتفاع مشاعر الخوف من الجريمة وقضايا السلامة العامة وتعرض الأفراد للإيذاء. كما تكشف الدراسة عن التباين بين الأحياء المختلفة، حيث يتضح أن نقص الإضاءة يُشكل مشكلة أكبر في بعض المناطق، فيما تبرز مشكلات الطرق والأرصفة كعوامل رئيسية في مناطق أخرى. تدعم النتائج النظريات التي تربط بين تصميم البيئة الحضرية ومعدلات الجريمة، مشددةً على أهمية اتباع مقاربات سياقية لتحسين أمن السكان وحياتهم اليومية.

تعتمد القراءة النسوية للفعالية المكانية في الجزائر العاصمة، التي قدمتها غالية نجاة جلول تحت عنوان "فنّ السّترة: قراءة نسوية للفعالية المكانية للمرأة في الجزائر العاصمة"، على دراسة استقصائية أجريت بين عامي 2014 و2016. شملت الدراسة25 امرأة من سكان الجزائر العاصمة لتحليل حركتهن في المجالين المكاني والاجتماعي. تسلط هذه الدراسة الضوء على علاقات النوع الاجتماعي من خلال استكشاف تداعيات خروج النساء المشاركات وأُسرهن ومجتمعاتهن من الإطار المنزلي. تركز الباحثة على مفهوم "التقييد"، الذي يتمثل في الردع والرفض الذي يبقي النساء مرتبطات بالفضاء المنزلي، إضافة إلى استعراضها لاستراتيجيتهن للتحرر من هذه القيود، مثل الالتفاف وتحويل المعوقات، بما يتيح لهن استعادة السيطرة وإنشاء فضاء خاص بهن. كما تتناول الدراسة الظروف الاجتماعية المؤثرة على قدرتهم على التنقل بين الفضاءات المختلفة وذلك في محاولة لفهم آليات مقاومتهن والتحديات التي تواجههن لتحصيل الفاعلية المكانية والاجتماعية المنشودة.

في مقالها عن "الجزائر العاصمة، مدينة جنسانية في خضم اختبار الحركية"، تسلط خديجة بوسعيد الضوء على مفهوم "الحركية" الذي تم استعارته من العلوم الطبيعية وإعادة توظيفه ليتناسب مع احتياجات العلوم الاجتماعية، بما يساعد في تفكيك وتحليل الديناميات الحضرية. تقدم الباحثة من خلال ذلك إسهامًا هامًا لفهم التفاعلات المعقدة بين إمكانية الوصول، المهارات، والاستحواذ في سياق المدينة الحديثة. تُعَد الجزائر العاصمة، باعتبارها مدينة ذات كثافة سكانية عالية وتحولات متواصلة، نموذجًا مثاليًا لدراسة الأبعاد الجنسانية للحركية. يستعرض المقال أولاً كيف تعيد الحركة تشكيل إدراكنا للعالم الحضري. كما يتطرق إلى توزيع الجنسين في الفضاءات العامة بالمدينة، ويطرح تساؤلات حول كيفية عيش النساء لتجربة المدينة ومنظومة بنيتها التحتية من منظور الحركة والتنقل. من خلال ذلك، تقدم الباحثة رؤية معمقة للتحديات التي تواجهها النساء في تنقلاتهن اليومية، مع الإشارة إلى الفرص الممكنة لاستحواذهن على مزيد من الفضاءات العامة.

يختتم هذا العدد بمقال متنوع يركز على "التمدد الحضري والاستقطاب التجاري. حالة حي الياسمين في وهران" من إنجاز سلمى روان سريك والطيب عثمان. تتميز هذه المساهمة بتقديمها لحي بضواحي وهران ما فتئ يفرض نفسه كمركز ناشئ وجذاب للغاية للزبائن من النساء.

تجدر الإشارة إلى أن هذا العدد الموضوعاتي يمثل امتدادًا وتجديدًا للمحاور التي تم اختيارها في مشروع التعاون والبحث PHC Tassili 2020 بين (INALCO/CESSMA) جامعة باريس سيتي/INALCO باريس) وجامعة وهران 2 محمد بن أحمد/ EGEAT ، وقد تم تنسيق هذا المشروع على التوالي من قبل ليتيسا بيكاي Laetitia Bucaille، أستاذة في علم الاجتماع السياسي في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO) وسيد-أحمد سويح (جغرافي) من جامعة 2 والكراسك.

يسلط هذا الإصدار الضوء على مسارات البحث ويعزز التبادلات متعددة التخصصات لفهم وتحليل الظواهر المعقدة. وبالرغم من تنوع المواضيع المطروحة، فإن المقالات المختارة، التي تم جمعها عبر "الدعوة للمساهمة"،
لا تعكس جميع القضايا المطروحة عبر مختلف التخصصات. في نهاية المطاف، ركز هذا العدد على محورين يخصان المدن الكبرى في الجزائر.

وبالإضافة إلى ذلك يتضمن العدد أيضاً مقابلة مع الباحث التونسي عماد الملّيتي، عالم الاجتماع الذي يولي اهتمامه للتحولات الدينية ومفهوم الحداثة الدينية في الدول المغاربية العربي. يتميز مليتي بدراساته المعمقة
عن الشباب، حيث يركز على قضايا بناء الهوية وظهور ثقافة الشباب. كما أن اهتماماته البحثية تشمل اقتصاديات الأخلاق ومشاعر الظلم المرتبطة بديناميكيات الربيع العربي والثورة التونسية.

أما منشوراته الأخيرة، فتتناول أوضاع الشباب التونسي خلال الثورة وبعدها، مع تسليط الضوء على العوامل المؤثرة على هشاشة أحوالهم، بالإضافة إلى علاقتهم بالدين وكيفية تأثر حياتهم بعدم المساواة.

Cite this article

SOUIAH, S. A. & CHANSON-JABEUR, C. (2026). تقديم. Insaniyat - Algerian Journal of Anthropology and Social Sciences, 29(109), 9–15. https://insaniyat.crasc.dz/en/article/tqdym-109