المرأة الجزائرية و التغيير: دراسة حول دور وأداء السياسات العمومية

ليس ثمة شك في أن الوجود المتزايد للمرأة الجزائرية في الحياة العامة يمثل أحد ركائز التغيير الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه الجزائر منذ خمسين سنة من استقلالها. تمثل مواكبة المرأة الجزائرية لمسار التغيير الحاصل انعكاسا لدورها وفعاليتها في مختلف الميادين. سواء تعلق الأمر بالمدرسة أو الأسرة أو العمل أو الحياة السياسية، إنّ أداء المرأة و تأثيرها في عملية التغيير و كذلك تأثرها به إنّما يقاس بالدور المنوط بالسياسات العمومية و بمستوى أدائها و فعاليتها. تركّز هذه المحاولة على الميكانيزمات التشريعية و المؤسّساتية المعتمدة من قبل الدولة الجزائرية أولا، ثم على العوائق التي تحُول دون تجسيد السياسات العامة في الشأن النسوي من جهة، و ضدّ توسيعها إلى سبل أخرى كما تؤكد عليه الاتفاقيات الدولية، من جهة ثانيا. و في مسعى ثالث، يحاول هذا المقال فتح أفق للتفكير يرتبط بإدماج بُعد "الجندر" في السياسات العمومية.

تركّز العناصر التي نتناولها في هذه المحاولة على التمثّلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعكسها حضور المرأة في الحياة العامة خلال الخمسين سنة التي أعقبت الاستقلال. هذا الحضور يرتكز على مسايرة المرأة للتحوّلات من جهة، وعلى موقف الحكومات الجزائرية و سياساتها إزاء المرأة بشكل خاص، أي إزاء الروابط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعكسها المشاركة النسوية و الروابط الاجتماعية بين الجنسين بشكل خاص ولا سيما فيما يتعلق بمسألة المساواة. كيف تتدخل السياسات العمومية المتبعة في الجزائر في "تفعيل" دور المرأة اجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا؟ كيف تتجلّى مسايرة المرأة الجزائرية للتغيّرات الحاصلة في الجزائر بعد الاستقلال؟ هل يمكن لمقاربة الجندر المعتمدة في إحداث توازن بين وجود المرأة ديمغرافيا و من حيث التكوين و بين حضورها كفاعل في مسار التغيير؟

لا بد من الملاحظة أولا أن الدراسات و الأبحاث المتعلقة بمسألة وضعية المرأة في الجزائر قد اقترنت أولا و لفترة طويلة بوضعيتها القانونية. لقد خيّم قانون الأسرة لمدة عشريتين من الزمن على مسألة حقوقها ومكانتها داخل الأسرة والمجتمع من جهة و في الشأن العام من جهة أخرى. ومن ثمّ ارتكزت أغلب الدراسات على الجانب الحقوقي. ثانيا، عُنيت كثير من الدراسات بالجانب الاجتماعي فقد و اكبت كثير من الأبحاث التي اهتمت التي ميزت مختلف التغيرات والأحداث الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها الجزائر والتي ارتبطت بشكل مباشر بالخيارات الإيديولوجية للنظام السياسي. ويمكن أخيرا، كان لتزايد الاهتمام بدراسات الجندر (التي تولي اهتماما للجانب الثقافي في دراسة الخصائص والروابط الاجتماعية بين الجنسين) في العالم ولا سيما في المحيط الأكاديمي الأثر الكبير في مواكبة عدد من الباحثين والباحثات في الجزائر لهذا الموضوع.

وتهتم كثير من الدراسات والأبحاث المنجزة في السنين الأخيرة في الجزائر بمقاربات الجندر، ومن المواضيع التي يتم تداولها "المشاركة" من حيث أشكالها ومستوياتها وذلك في كل ما يرتبط بها من إدماج مهني واجتماعي واقتصادي وسياسي. وقد لعبت التقارير والخبرات التي تعدّها الهيئات التبعة لمنظمات الأمم المتحدة مثل برنامج الأمم المتحدة للتنمية وصندوق الأمم المتحدة للمرأة إضافة إلى التقارير العربية للتنمية البشرية دورا مهما في توجيه الاهتمام بمسألة إدماج المرأة[1].

1. المرأة الجزائرية في الحياة العامة: 50 سنة بين الحضور والتهميش

أدّى الحضور القوي للمرأة الجزائرية في المجلس الشعبي الوطني بعد انتخابات 10 ماي 2012 إلى فتح النقاش من جديد حول دور المرأة في الحياة العامة والمعوّقات التي تحول دون تكريس هذا الوجود في كافة المجالات. ويدفع هذا النقاش إلى أبداء اهتمام أكبر بالتناقضات التي تميّز واقع المرأة الجزائرية. ولعلّ أبرز هذه التناقضات تكمن في أن القطاع الأهم الذي عرف فيه الوجود النّسوي تطوّرا كبيرا هو قطاع التربية والتعليم العالي، لكن ذلك لم يؤدّ إلى تحقيق نموّ مماثل في ميدان العمل و في مراكز صنع القرار وفي تبوّأ مناصب قيادية حتى في مؤسسات التعليم العالي التي يعدّ الحضور النسوي فيها ملفتا للانتباه[2].

تجّلى اهتمام النخبة السياسية بدور المرأة وتسليمه في الخطاب حول حتمية إشراكها في بناء الجزائر المستقلة من خلال وثيقة برنامج طرابلس التي نصّت صراحة على أن "تحقيق المهام الاقتصادية والاجتماعية للثورة الديمقراطية والشعبية" يتوقف على تبنّي سياسة اجتماعية لصالح الجماهير لرفع مستوى المعيشة. و يكون "تحرير المرأة" أحد مقاصدها. وفي هذا المنحى نصّ البرنامج على" إشراك المرأة بطريقة تامّة وكاملة في تسيير الشؤون العامة وفي تنمية البلد"، وقد تبنّى البرنامج سياسة تدعو إلى إنهاء كل المعوقات التي تحول دون تطوّر المرأة، ولا سيما" الذهنيات البالية" التي تكرّست لدى النساء أيضا. ومن جهة أخرى كان ميثاق الجزائر (1964) قد مثّل نداء صريحا للمرأة الجزائرية من أجل " المشاركة فعليّا في العمل السياسي" وأن "تجعل طاقتها في خدمة بلدها من خلال المشاركة في الحياة الاقتصادية بحيث يكون العمل، هو السبيل الحقيقي لترقيتها"[3].

يبدو هذا التذكير ضروريا من أجل فهم النهج الذي اتبعه الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) في الفترة الحاسمة التي تمّ فيها تكريس الخيار الايديولوجي، ومما يدعو إلى الغرابة أن الخطاب نفسه تقريبا، مع بعض الفوارق المتعلقة بطبيعة نظام الحكم لا يزال سائدا إلى اليوم، فإشراك المرأة في مسار التنمية وإدماجها في الحياة الاقتصادية ما يزال تقريبا هو الشعار نفسه منذ خمسين سنة.

وبغض النّظر عما ورد في أول دستور للجزائر المستقلة (1963) والذي أقرّ مبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، فإنّ التغيير المهم الذي مسّ شؤون المرأة غداة الاستقلال قد اهتم وبشكل يبدو معبّرا عن حركية التغيير التي سعى إليها النظام السياسي، الجانب التقليدي في الحياة الأسرية والاجتماعية بشكل خاص، ولكنّ ذلك لم يتم إلاّ في مجالات محدودة جدا. والقانون الذي صادق عليه المجلس التأسيسي في 29 جوان 1963، والمعروف بقانون خميستي[4]، مثّل واحدة من أهم المراحل التي أولت لمكانة المرأة اهتماما يتجه نحو إشراكها في الحياة العامة وإعطائها فرصة للتعليم، فبإقرار القانون المذكور عدم أهلية الفتاة للزواج قبل سنة 16 عشر، اتجه اهتمام الحكومة إلى تعليم الفتيات. ارتفعت نسبة التعليم من 37% سنة 1966 إلى 92% سنة 2008. وكان لهذا الارتفاع الملحوظ أثره الإيجابي في زيادة نسبة اليد العاملة التي تضاعفت أكثر من ثلاث مرّات في أقل من أربعين سنة (%5,2سنة 1977 إلى 17.7%) سنة 2011.

ورغم هذا الارتفاع تبقى هذه النسبة ضعيفة مقارنة بدول مجاورة حيث تبلغ هذه النسب 26% في المغرب و 25% في تونس[5]. و لكن أهم التغيرات التي حصلت، و التي يجوز وصفها بالتطوّر الكمّي بشأن مشاركة المرأة الجزائرية تتمثّل في قطاع التعليم. ارتفعت نسبة تمدرس الفتيات ما بين 6 إلى 15 سنة من %36,90 سنة 1966 إلى 92% سنة 2008. وبينما لم يكن عدد الطالبات الجزائريات سنة 1963 يتجاوز 420 طالبة من مجموع 2750 طالب، أي بنسبة 15% فقط[6]، فإن نسبة الطالبات في التعليم العالي قد ارتفعت إلى 59% في قسم التدرج مقارنة بـ 38% لدى الطلبة من الذكور، لكن هذه النسبة تقل في قسم ما بعد التدرج لتبلغ 48%، بينما تصل نسبة الذكور إلى 52%. يبيّن هذا التفاوت في نسبة تسجيل الطالبات يبن القسمين (التدرج وما بعد التّدرج) أنّ هناك اتجاها أكبر لدى الفتيات المتخرّجات من الجامعة نحو الحياة العملية أو الحياة الأسرية، ولكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ضعف الوجود النسوي في الحياة المهنية، أمكن الاستنتاج أيضا أن نسبة النساء حاملات الشهادات الجامعية تمثّلن نسبة هامة من البطالين. يعكس هذا التناقض جانبا من التغيّرات الاجتماعية "غير المتوازنة" من حيث عاملين مهمّين هما: نسبة التمدرس و التعليم من جهة، والمشاركة في الحياة المهنية من جهة أخرى، فالتطور الكمّي إذن لا يمثل فقط جانبا إيجابيا ومهمّا عند الأخذ بعين الاعتبار مكانة المرأة الجزائرية اليوم، كما يرد ذلك غالبا في الإحصائيات المقدّمة، ولا سيما في المناسبات السنوية للعيد العالمي للمرأة، و لذلك ينبغي مراعاة هذا التناقض. إنه يمثل في حدّ ذاته أحد أكبر عناصر التفاوت في المساواة بين الجنسين. يطرح عمل المرأة الجزائرية أيضا مشكل تقلص المجالات المتاحة أمامها في هذا الشأن، فسنة تلوى الأخرى يتجه نشاط النساء المهني إلى القطاع الإداري، ولا سيما التعليم والصّحة حيث تصل نسبة تواجد النساء إلى 63%[7]. وتتقلص نسبة النساء العاملات في التجارة و النقل و الزراعة بشكل كبير أيضا. يبرز هذا التفاوت أيضا مدى تكريس الفئوية المهنية لدى النساء العاملات بما يؤكد غياب استراتيجية إدماج فعال للنساء حاملات الشهادات الجامعية و كذلك شهادات التكوين المهني. و من المفارقات المسجلة بشأن عمل المرأة مقارنة بالرجل، يمكن الإشارة خاصة إلى أن نسبة كبيرة من النساء العاملات هن عازبات وذلك بنسبة 53%، بينما نسبة الرجال العاملين غير المتزوجين تبلغ فقط 29%. تعكس هذه الملاحظة جانبا من الدينامية التي تميّز نشاط المرأة غير المتزوجة و تبيّن في الوقت ذاته أن الزواج يلعب دورا مؤثرا في النشاط المهني للمرأة بحيث يضعف نشاط النساء المتزوجات ليصل إلى 39% بينما يقارب الـ 60% عند الرجال المتزوجين[8]. يطرح هذا الجانب مسألة استقلالية المرأة في حياتها الزوجية من جهة، و كذا السلطة الذكورية التي يمارسها الزوج أو أم الزوج داخل الأسرة بما يصنع قيودا على المرأة العاملة سواء تعلّق الأمر بالعمل أم لا، أو بطبيعة العمل أو بمكان العمل أو أحيانا بفرض لبس "الحجاب"، و مع ذلك فثمّة نوعا من التوافق يبرز في الحياة الاجتماعية والعائلية من خلال اعتماد شروط تجعل من الممكن التوفيق بين العلاقات الأسرية والعمل من أجل تفادي الصّراع داخل الأسرة. وهذا الحال لا يخص فقط بالمجتمع الجزائري، بل هو مرتبط في كثير من الأحيان بكل العلاقات التي تتعلق بالصراع والاندماج بين الأسرة والعائلة عندما تكون المرأة هي الفاعل، وهو مجال يستدعي البحث أكثر في الظروف التي من خلالها يتم تحديد الآثار الإيجابية والسلبية على كل امرأة فيما يتعلق بالعمل و بالأسرة[.

إن طرح مثل هذا الإشكال في موضوع المرأة والتغيير الاجتماعي والاقتصادي في الجزائر يحيلنا إلى البحث في أهمية الروابط الاجتماعية والعلاقات الأسرية في تحديد مدى إدماج المرأة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية ومدى نجاعة مشاركتها. وقد أشارت دراسة لفريق من الباحثين في المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية[10] إلى أنّ النساء الجزائريات يتأقلمن مع مختلف التغيرات الحاصلة في المجتمع، و في مختلف المستويات الاقتصادية، الاجتماعية والعائلية. ولكن ثمّة مجموعة من المشاكل تعترض المرأة الجزائرية، فحسب ذات الدراسة فإن العديد من الصّعوبات تمسّ بحياتهن وتثير شعورا من القلق لديهنّ، و يمكن حصر أهم هذه الصعوبات في الوسط المهني كالنقل و التحرّش وعدم المساواة في الأجر والترقية، ونقص دور الحضانة إضافة إلى تلك المشاكل المرتبطة بالوسط العائلي أيضا بسبب ما تتعرض إليه كثير من النساء من مختلف مظاهر العنف الزوجي.

ولكن هذا التغيّر ما فتيء يصطدم مع مشاكل ترتبط بالتقليد الذي يهيمن (بشكل أو بآخر) في المجتمع الجزائري ولا سيما مع تزايد المدّ الإسلامي في التسعينيات من القرن الماضي ممّا أدى إلى تقليص حضور المرأة في الفضاء العمومي وذلك على الرغم من تزايد عدد النساء المتمدرسات والطالبات والعاملات. فمثلا كان الاحتفال بالعيد العالمي للمرأة في سنة 1964 يجمع أكثر من 6000 امرأة في مواكب تجمع كل شرائح المجتمع النسوي، و هي مظاهر ما كان يمكنها أن تتجدّد بعد خمسة عقود بسبب الذهنيات التي ترسّبت، والتي تقف حجر عثرة في طريق إدماج حقيقي ومتكافئ للمرأة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وممّا يستدعي الانتباه في مثل هذا الشأن هو أن السلطات العمومية الجزائرية تعترف من بداية الستينات إلى اليوم بحاجز الذهنيات و تدعو في الوقت نفسه المرأة الجزائرية لأن تواكب مسيرة التغيير والبناء. لقد كانت المرأة المنشودة في بداية الاستقلال هي تلك التي تمارس الرياضة وتشارك في السياسة وترأس المؤسسة، حتى أن الرئيس بن بلة لم يتردّد في القول أنه من خلال ممارسة الرياضة، مثلا كان يريد أن يرى "امرأة جديدة" قوية مندمجة في الحياة الاجتماعية[12]. ولكن الخطاب السياسي نفسه خضع لردود فعل من الأوساط الإسلامية والمحافظة التي كانت ممثلة في جمعية القيم بما أدخل صيغة جديدة على الخطاب السياسي نفسه. اعتبر الرئيس بومدين مثلا أن تحرر المرأة لا يتمّ إلاّ وفق الاحترام التام للأخلاق الإسلامية. وفي الوقت الذي كانت تستعمل فيه المرأة كأداة من أجل التمكين للخيار الأيديولوجي سياسيا واقتصاديا (الاشتراكية) وذلك بالتأكيد على فكرة الإدماج والمساواة، كان الخطاب النقيض الذي رفعته بعض النساء الجزائرات في الستينيات والسبعينيات يؤكّد حدود هذا الخطاب  ولا سيما التقليص من حرية المرأة ومن التضييق بأشكال شتى على النساء اللواتي من انتقدن سياسة النظام الحاكم في هذا الشأن[13].

وأيا كان الأمر، فإن عاملا مهمّا فرض نفسه في مسار إدماج المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، هو العامل الديمغرافي الذي أدّى بدوره إلى ارتفاع عدد المتمدرسات بشكل متزايد في كل أطوار التعليم والتعليم العالي والتكوين المهني ثم في ميدان العمل. وكان العامل الديمغرافي "مرهقا" و "مكلّفا" لميزانية التسيير لا سيما في قطاع التربية والتعليم والصّحة التي ظلّت مجانية، ومن المهم الإشارة إلى الرقم القياسي العالمي الذي سجلته الجزائر سنة 1970،حيث تم تسجيل معدل 8,1 طفل لكل امرأة وقد انخفض إلى معدّل 2,87 طفل أسرة سنة 2011[14].

2. السياسات العمومية بشأن تمكين المرأة في الجزائر

لقد أشرنا آنفا أنّ من التدابير الأولى التي اتخذت من أجل حماية وضع المرأة هي القانون الذي تبنّاه المشرّع الجزائري بمبادرة من السيّدة خميستي وذلك بتحديد سن زواج المرأة بـ 16 سنة. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن هذا القانون الذي مضى عليه خمسون سنة كان من القوانين القليلة جدّا التي بادر بها النواب الجزائريون لمصلحة المرأة. وحتّى وإن كان هذا القانون غير مُحترم بسبب هيمنة التقليد من خلال الزواج بالفاتحة وعدم الأخذ بالزواج المدني دائما، إلاّ أنّه جعل الجزائر من أولى البلدان العربية والإسلامية التي تولي جانبا من الاهتمام إلى سن الزواج. لكن وطيلة أربعة عقود من الزمن لم يحدث من قبل السلطات العمومية ما من شأنه أن يبدي اهتماما بإشراك المرأة في مسار التغيير الاجتماعي والاقتصادي الذي كان ينشده النظام السياسي. لقد اقتصر التفكير في هذا الشأن على الخطاب السياسي (بالمعنى الحرفي للعبارة). نذكر في هذا الصدد ما قاله الرئيس بومدين في خطابه أمام المؤتمر الثالث للاتحاد الوطني للنساء: "إن النظام الثوري يعمل على مساعدتكم من خلال إعداد تشريع يفتح أمامكم كل الأبواب نحو المستقبل، ولكنّه يتوجّب عليكن تجسيد هذه القوانين وتطبيقها. لا تنتظرن أن نفرض تغيير بعض الذهنيات المتحجّرة بالقوّة..." (2 أفريل 1974). ويمثّل هذا الخطاب تعبيرا عن توجّه النظام الحاكم آنذاك نحو سياسة تقوم على نمط أبوي يعترف بحقوق المرأة ويجسّدها في نصوصه الدستورية، ولكنّه في الوقت ذاته يقف في ممارسة سلطته عند الحدود التي تفرضها "قيم" المجتمع بل وحتى الذهنيات المتسلّطة التي يبدو إزاءها النظام السياسي عاجزا عن أي حراك، حتى أنّه ينظر إليها أنها أصبحت أمرا مقضيا.

ومن المهم التأكيد مرّة أخرى أنّه على المستوى التشريعي، ولا سيما فيما يتعلق بالدستور والانتخاب والترشح فأنّ المساواة كانت مكرّسة رسميا منذ الاستقلال، بل غالبا ما يتمّ التأكيد على هذا الجانب في الخطاب السياسي الرسمي من أجل إبراز احترام حقوق المرأة و كذلك المساواة بين الجنسين. ومع ذلك، فإن التأكيد على البعد الديني ورمزية التقليد، بل وسلطته، إلى جانب الأخلاق، غالبا ما كان يُشار إليها من أجل تبيان التوجه الذي تنهجه السياسات العامّة الحكومية في مجال المرأة. وسواء تعلّق الأمر بإعداد السياسات العمومية، أو بمضمونها وتطبيقها أو بأثرها على المجتمع، وعلى النساء بشكل خاص، فإنها إنما تروم في الواقع التماشي مع التغيير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الحاصل من جهة، ومع مطالب الفئات النسائية من جهة أخرى. وبشكل عام فإن موضوعا مثل هذا لم تتداوله الأبحاث الاجتماعية والسياسية إلاّ بدءًا من منتصف السبعينيات. كان المؤتمر الدولي حول وضع النساء الذي انعقد في مكسيكو سنة 1975 بداية لعمل كبير الشأن في هذا المجال، ومثّلت رعاية الأمم المتحدة لهذا المؤتمر تأكيدا على البعد الدولي لحقوق المرأة، من هنا بدأ جدّيا الاهتمام ببعد "الجندر" في السياسات العمومية، من خلال الأخذ في الحسبان بالفوارق بين حقوق الرجل والمرأة على كافة المستويات. ويغلب على السياسات العمومية في هذا الشأن اتجاهان: ينحو الأول إلى تبنّي سياسات خاصة من أجل تدارك الفوارق وأبعاد اللامساواة الموجودة، والتي تعدّ النساء ضحيّة لها، أو تبنّي سياسات عامّة تدمج إشكالية المساواة في كل جوانب الحياة[15]. بالنسبة للجزائر فإن أهم جانب اهتم به المشرّع الجزائري فيما يتعلق بوضع المرأة كان هو قانون الأسرة. ومن المهم أن نلاحظ أوّلا أن الأمر يتعلّق بإدارة الجانب الخاص في التنظيم العائلي وإعطائه بعدا مؤسساتيا وعامّا في الوقت نفسه لا سيما فيما يخص الزواج مثلا. وربّما كان هذا العامل قد لعب دورا رئيسيا أولا في تأخر تبني قانون الأسرة الجزائري سنة 1984، ثمّ تأخر تعديله فيما بعد لأكثر من عشرين سنة، وثانيا في الاهتمام الذي حظي به من طرف الباحثين من جهة والحركات النسائية والنسوية من جهة أخرى.

لقد فشل النظام الجزائري خلال ثلاث فترات 1964، 1972، 1980 (أي في عهد ثلاثة رؤساء: بن بلة، بومدين وبن جديد)[16] في تبني قانون منصف للمرأة إلى ترك فراغ قانوني فيما يخص القانون المدني الذي صدر سنة 1975. لم يكن عدم إشراك المرأة في إعداد هذا القانون وحده الدافع إلى نمو حركة نسوية معارضة، ولكن تجاهله للواقع وعدم الأخذ في الحسبان بالتغيرات التي حصلت في الحياة الاجتماعية والاقتصادية أيضا، وربّما بشكل خاص، بدور المرأة في هذه الجوانب، جعل نجاح إدماج المرأة في الحياة العامة مسألة مرهونة بتقدم مكانتها في النصوص القانونية. يدفعنا هذا إلى القول أن النظام السياسي قد كرّس المرجعية التقليدية وسمى بالمعايير التي فرضتها الأعراف والقيم التي دافعت عنها بعض المرجعيات الإسلامية. وقد أدى ذلك إلى بروز نضال نسوي خارج الأطر الرسمية للحزب الحاكم )جبهة التحرير الوطني (وللمنظمة الجماهيرية التي كانت تنشط تحت لوائه) الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات(، بحيث اتجه نشاط النساء النضالي إلى الحركة النقابية، التي ورغم التمثيل النسبي الضعيف للنساء فيها إلا أنها كانت ملاذا للتعبير عن مطالبهن المهنية[17]

لقد غابت إذن وفي مرحلة حاسمة من تاريخ الجزائر السياسي والاجتماعي السياسات الحكومية المتعلقة بالمرأة، بشكل يوضح أن اهتمام الحكومات بعد الاستقلال قد انصب على ما سمي في الأدبيات السياسية والصحفية بـ"البناء والتشييد". ولم يكن الرهان منصبا على المرأة في ذلك. وذلك على الرغم من أن أول دستور جزائري (1963) قد أكد في ديباجته على أن نجاح الثورة يتحقق من خلال عوامل عدة، منها اتباع سياسة اجتماعية تُعنى بـ "الإسراع من انبعاث المرأة من أجل إشراكها في تسيير الشؤون العامة وتنمية البلاد". وحتى عندما أصبح اهتمام النظام السياسي منصبا حول إنجاح مشروع "الثورة الثقافية" التي كانت تهدف إلى تكوين "إنسان جديد" في "مجتمع جديد" لم تكن للمرأة مكانة تٌذكر، بشكل بدا وكأنها تحت وصاية ذلك الإنسان الجديد الذي ما هو إلا الرجل الجزائري "المُهيمن".

إن عدم إدراك المشرع الجزائري للتلازم الموجود بين التغيّر الاجتماعي الحاصل منذ الاستقلال وحريّة المرأة وانبعاثها واستقلاليتها التي تمّ تقييدها في قانون الأسرة، لم يحرم المرأة الجزائرية من أداء دورها، ولكنه في المقابل، وهذا ما يهمّنا بشكل أكبر، قد أثّر سلبا على إعداد السياسات العامّة الكفيلة بإشراك المرأة في الحياة العامة. إن مجرّد اعتبار المرأة كقاصر أو غير مؤهلة كالرجل في قانون الأسرة قد أعاق بشكل أو بآخر الاندماج الكامل للمرأة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية من حيث أنه أعطى اهتماما أكبر للجانب الخاص في العلاقات بين الزوجين ولدور المرأة داخل الأسرة بشكل كاد يحصر مكانتها في البيت. وكان انتظار عشرين سنة من أجل تعديل قانون الأسرة مؤشرا على حساسية الموضوع من جهة، وعلى عدم إيلاء الاهتمام الكافي لدعوة النساء الجزائريات إلى إلغاء هذا القانون المسمى مجازا من طرف الحركات النسوية "قانون العار"(Code de l’infamie). وقد عبّر الرئيس بوتفليقة عن موقف السلطة في هذا الشأن عندما اعتبر أن التعديل الذي دعا إليه إنّما يروم إعادة النظر في "القوانين والأعراف التي يكون قد تجاوزها الزمن و التي تتعارض مع طموحاتنا وتطلعاتنا في ترقية المرأة[18].ولكن إلى أي مدى يمكن اعتبار قانون الأسرة ضمن السياسات العمومية؟ الواقع أن هذا القانون يكرّس نزعة مقصدها الرئيس هو تنظيم الروابط الأسرية تحت ضمانة السلطة العمومية بما يضمن حقوق وواجبات أفراد الأسرة، و لكنّه أبعد ما يكون عن تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. ومن ثمّ فإن كل القوانين الأخرى، وكذلك السياسات المتَّعبة من قبل الحكومات المتعاقبة فيما يخصّ قضايا المرأة، كانت تراعي احترام قانون الأسرة بما يقتضيه من مراعاة للقيم والثقافة الإسلامية، أكثر من مراعاتها للتغيرات الحاصلة.

ولم يحصل توجّه جدّي وفعّال نحو اهتمام السياسات العمومية بالمرأة من حيث المقاربة الجندرية أو بدرجة أقل "البعد الجندري" إلاّ بشكل محتشم، وحتى ذلك ما كان ليتمّ إلاّ تحت تأثير الموجة العالمية التي ظهرت بدءًا من الثمانينيات من خلال تبنّي مشروع الاستراتيجيات المستقبلية لترقية المرأة (مؤتمر نيروبي) وتكرّست ميدانيا في مناحي مختلفة ومستويات متباينة بين الدول بعد المؤتمر العالمي الرابع للمرأة المنعقد في بكين 1995. وكان برنامج العمل الذي شاركت فيه الجزائر و صادقت عليه قد أكد على الأهداف الاستراتيجية والتدابير الواجب اتخاذها في المسائل المرتبطة بمعاناة المرأة والتمييز الحاصل في حقها في مجالات التعليم و الصحة و الاقتصاد و اتخاذ القرار وكذلك في شؤون الإعلام و البيئة. ولئن لم يشر تصريح برنامج عمل بكين إلى عبارة السياسة العمومية إلا أنه حمل الكثير من العبارات من قبيل البرامج العامة، الاستراتيجيات الخاصة   و سياسات التنمية.

وبعدما اقتصرت مسألة اقتراح البرامج الخاصة بترقية حقوق المرأة على الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات[19]، ولفترة طويلة، اتجه اهتمام الحكومة بعد مؤتمر بكين إلى اعتماد سياسات تستجيب لمتطلبات برنامج العمل الذي تم تبنيه وكذلك لما تقتضيه واجبات الدولة الجزائرية والتزاماتها من خلال مصادقتها، بتحفظ على اتفاقية إقصاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة(CEDAW)  سنة 1996.

وقد كان لإنشاء الوزارة المنتدبة المكلفة بالأسرة )تحت تسميات مختلفة( بدءا من 1996 والذي تحقق تنفيذه لتوصيات برنامج بكين الأممي للمرأة سنة 1995ـ دورا لا يستهان في إبداء الاهتمام بمسائل كانت مغفلة من قبل محاربة العنف ضد المرأة والتحرش و الاهتمام بالنساء اللواتي يعشن في معزل عن أسرهن... ولئن كانت الإجراءات المتخذة في أمور مثل هذه ضعيفة وغير ذات اهتمام كما سنبيّن لاحقا إلاّ أنها أبانت أهمية تدخل الدولة من أجل تكريس حقوق المرأة في مجال العمل والتكفل بالنساء اللواتي هن في وضعية صعبة. ورويدا رويدا تكرس خيار مقاربات الجندر في إعداد بعض البرامج الحكومية.

وفي تقاريرها الدورية المقدمة أمام اللجنة الأممية المكلفة بمحاربة التمييز ضد المرأة، اعترفت الجزائر بأنها تنتهج سياسات وبرامج تبتغي إدماج بعد "الجندر". ويمكن الإشارة هنا إيجازا إلى ثلاثة برامج حكومية كان الهدف منها إدماج المرأة في الحياة العامة من خلال الأخذ بالحسبان وضعية المرأة وخصوصيتها، وذلك مراعاة لتوصيات الهيئات الأممية في هذا الشأن:

أ. الإستراتيجية الوطنية لترقية و إدماج النساء: 2010-2014

كان من أهداف هذه الاستراتيجية التي تمّ تبنّيها من طرف الحكومة في مارس 2010 إلى السماح للرجال و النساء من الاستفادة من سياسات وبرامج التنمية، (مع الاعتراف بالاختلافات الموجودة) من خلال التأكيد على ضرورة تأهيل المرأة، و تهيئة المناخ الملائم من أجل التعاون بين المرأة و الرجل في اتخاذهم للقرارات التي تهمّهم جميعا.

ب. برامج دعم قيادة المرأة و تجسيد مشاركتها في الحياة السياسية و في الحياة العامة

ويهدف حسب التقرير المقدم إلى لجنة [20]CEDAW  إلى تأهيل المرأة في المجال السياسي وفي الشأن العام، والعمل على إيجاد استراتيجية ترمي إلى تكريس مكانة المرأة ومشاركتها سياسيا على المستوى الوطني والمحلي.

ج. البرنامج المشترك من أجل مساواة الجندر واستقلالية المرأة

 انطلق هذا البرنامج في سبتمبر 2010 من أجل دعم "الجهود الحكومية بشأن المساواة" و تحسين شروط ولوج المرأة لعالم الشغل وتمكينها من الاستفادة من الفرص المتاحة من خلال برامج التكوين والتعليم المخصصّة للنساء وذلك في إطار التعاون الدولي.

الواقع أن الاستراتيجية والبرنامجين اللّذان تمّ اعتمادهما، بإشراف من الوزارة المنتدبة المكلفة بالأسرة وقضايا المرأة، هم بمثابة استجابة لمقتضيات مرحلة أصبحت فيها قضايا المرأة من انشغالات "العولمة". كان لا بد من حراك يأخذ بتوصيات، بل والزامات الهيئات الأممية المخّول لها باسم القانون الدولي الإشراف على مسائل ترقية حقوق المرأة. ونجد ذلك واضحا حتّى في النصوص التي تمّ اعتمادها والتي تكرّس، طوعا أو كرها، خطط العمل المعدّة في هذا الإطار. ولمّا كانت السياسات العمومية كما عرّفها بعض المختصّين ليست إلاّ ما تختار الحكومات أن تفعله أو لا تفعله، أو بمعنى آخر انجازات السلطات العمومية في المجتمع[21]، فإنها تُعبّر بجدّ عن كيفية تعامل هذه السلطات مع مسألة بعينها. و هكذا تعاملت الحكومات الجزائرية في سياساتها العمومية مع مسألة حقوق المرأة وفق ما تفتضيه العولمة ومقرّرات الندوات والبرامج والاستراتيجيات الدولية، وأيضا، وخاصة مع ما تقتضيه الاتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها الجزائر، ولا سيما CEDAW. ولكن السياسات العمومية في مسعاها ذلك لم تطرح بعد "الجندر" إلاّ كآلية أو تقنية تستعمل من أجل إدراك الفروقات الموجودة بين الجنسين في مجالات شتّى. ولئن كان هذا الإجراء في حدّ ذاته مهمّا للسلطات أوّلا من أجل استكمال ما ينبغي تبنّيه من برامج وإجراءات، وللباحثين ثانيا من أجل الوقوف عند المتغيرات الحاصلة ودراستها، فإنه أخذ في أغلب الأحيان شكل معاينة الحال (constat). في المقابل غلب على البرامج، وكذلك التقارير المقدمة في شتى المناسبات، و لا سيما عيد المرأة العالمي، ولمختلف الجهات، الدولية منها خاصّة، الجانب الكمي. هكذا يظهر التركيز على ما يعتبر ايجابيا ويُنسب إلى جهود الحكومة كعدد المتمدرسات، والمعلمات والعاملات في قطاع الصّحة والقضاء والإدارة، وهي حقّا قطاعات سجّلت إدماج عدد كبير من النساء، ولكن هذا العدد الكبير الذي ارتكز في عدد محدّد من القطاعات يطرح بنفسه إشكالات أخرى تقتضي أن يتوجّه إليها اهتمام السياسات العامّة. إن افتقار قطاعات السياحة والتصنيع والصناعات التقليدية للعنصر النسوي يُعبّر عن قصور السياسات العامة في عملية إدماج المرأة في القطاع الاقتصادي.

وبمعنى آخر فإن طرح مسألة "الجندر" في السياسات العمومية لا يكون ذا جدوى، ولا يمكنه أن يحمل انعكاسا ايجابيّا إلا إذا دفع الحكومات وكل المؤسسات المعنية بالمشاركة في الكشف عن أشكال التمييز من جهة، وأيضا وبتعبير المختصين، عن الهيمنة الموجودة الممارسة داخل المجتمع (من طرف الرجال أو المؤسسات الدينية أو الاجتماعية أو حتى الحكومية في بعض الأحيان).

وينغي من أجل فهم أوسع لهذا الموضوع ، الإحاطة ببعض الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ارتبطت في السنوات الأخيرة بالسياسات العامة والتي قصدت بشكل مباشر ترقية حقوق المرأة وإدماجها:

في المجال السياسي: طيلة خمسين سنة من الاستقلال كان وجود المرأة في الحياة السياسية هامشيا، سواء تعلّق الأمر بوجودها في المجالس المنتخبة أو في هيئات اتخاذ القرار. ولكن العام 2012 مثل أهم مرحلة في هذا الشأن، فقد كان لصدور القانون العضوي 02-2012 الذي يحدّ كيفيات توسيع تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة، الأثر الكبير في الرفع من نسبة تمثيل المرأة في المجلس الشعبي الوطني إلى نسبة 31%، حيث يبلغ عدد النائبات بعد انتخابات 10 ماي 2012، 146 امرأة بما يجعل الجزائر تحتل المرتبة الأولى عربيا والثمانية والعشرين عالميا. ومن دون الخوض في الجوانب التي أدت إلى تبني هذا القانون الذي يكرّس باسم القانون مبدأ نسب تمثيل المرأة (أو ما يعرف بالكوطا)[22] فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا التغيير الذي حصل (بشكل ملفت للانتباه حيث كانت نسبة المرأة لا تتعدّى 7% في عهدة المجلس السابق) قد أدرج من طرف السلطات العمومية ممثلة في شخص رئيس الجمهورية ضمن سلسلة "الإصلاحات السياسية التي بادر بها النظام السياسي من أجل تلافي أحداث ما عرف "بالربيع العربي" في الجزائر. وثمّة ملاحظة لابدّ من الإشارة إليها في هذا الجانب، وهي أن تمثيل المرأة الجزائرية في أوّل مجلس منتخب (المجلس التأسيسي سبتمبر 1962 قد بلغ عشر نساء) وهو عدد رغم قلّته لا بأس به مقارنة بعدد مقاعد المجلس و بحداثة التجربة الانتخابية و بالأوضاع السياسية التي جرت فيها الانتخابات. يمثل التمثيل النسبي على الأقل اهتماما، أو لنقل التفاتة، من المسؤولين الجزائريين الذين أداروا هذه المرحلة إلى دور المرأة الجزائرية، وحتى الأوروبية الأصل، التي تم تزكيتها ضمن القوائم المقدّمة. ولكن هذا العدد تقلّص ليصبح تمثيل المرأة مقتصرا على مقعدين فقط في انتخابات المجلس الوطني سنة 1963. وأما بالنسبة لإدماج المرأة في أعلى مؤسسات القرار، فقد سارت الأمور، وما تزال تسير ببطء شديد. دخلت أول امرأة الحكومة الجزائرية سنة 1984، ولم يرتفع هذا العدد في أحسن الأحوال إلى خمس نساء في حكومة بن فليس (أربع منهن برتبة وزيرات منتدبات). و لأجل ذلك فقد كانت ردّة فعل بعض البرلمانيين صارمة تجاه الحكومة لتي سعت إلى فرض قانون الأحزاب السياسية بغية رفع تمثيل المرأة من دون أن تضرب في ذلك مثلا يقتدى به. والأمر سيان في التعيينات التي تمسّ سلك الولاة و رؤساء الدوائر والسفراء ورؤساء الجامعات والمدراء المركزيين.

في المجال الاجتماعي: قد يبدو من المثير أن نذكر أن كثيرا من الدراسات حول المرأة الجزائرية قد ركّزت على مسألة تنظيم الولادات ومنع الحمل كجانب من أبرز الإشكالات التي أثرت في التغيرات الاجتماعية والديمغرافية وحتى الاقتصادية التي مرّت بها الجزائر، فهي مسألة ترتبط بتحسين مستوى الصّحة والتعليم، وولوج المرأة عالم الشغل[23]. ويعبر جيلالي صاري[24] في رؤية ناقدة لغياب سياسة عامّة للسكان في الجزائر أنها تعكس إغفال الحكومة لدور ومكانة المرأة في المجتمع، و هي بذلك تنحو إلى تبني خطاب يغلب عليه اللُّبس والغموض. ويؤكد صاري على أن البرامج الحكومية لم تراع مسألة وضع المرأة إلا من خلال مخططات شاملة كانت تهدف إلى الحدّ من النمو الديمغرافي، وكان مردّ ذلك مسايرة السياسات التي استخدمت في مجالات ديمقراطية التعليم ومجانية العلاج لجميع فئات المجتمع مثل البرنامج الوطني لتباعد الولادات (1974) ثم البرنامج الوطني للتحكم في النموّ الديمغرافي سنة 1983 تحدّيا للسلطات العمومية من أجل تبني استراتيجية لم تكن لتتوافق مع القيم والأعراف السائدة اجتماعيا وثقافيا. كان هذان البرنامجان بمثابة استمرار لمأسسة النظام الأسري في الجزائر، ولم يُؤخذ فيها في الحسبان بتقسيم الأدوار جنسيا، بل اعتمدت على المرأة كعامل رئيسي، بل ووحيد، في إنجاح الخطّة العامة التي وضعت من أجل الحدّ من النمو الديمغرافي، والتي لم تتبلور بشكل جدّي إلاّ بدءًا من نهايات 1980 حيث تمّ إدراج مادة صنع الحمل في تكوين القابلات إضافة إلى تخصيص دورات تكوينية لهن[25]. ولئن بدا الموضوع اليوم تافها، وجب أن نذكر أن تدخل المؤسّسة الدينية من خلال إصدار فتوى في هذا الشأن كان ضروريا من أجل إقرار سياسة تنظيم الولادات. وكانت حماية الأمومة والطفولة التي تمّ إنشاؤها بدءا من السبعينات قد وسعت من خطط الحكومة في شأن آخر من خلال إدماج برامج تعنى بالصحة الجنسية، موجّهة بشكل خاص إلى الفتيات. نذكر في هذا الشأن أنّ انتقال الأداء الحكومي إلى أمور مثل هذه يعتبر جديدا مقارنة بممارسات سابقة.

في منحى آخر يهدف إلى الحد من ظاهرة العنف ضد المرأة، تبنّت السلطات العمومية إجراءات غلب عليها تعديل قانون العقوبات من دون أن يتم تبني قانون خاص بمحاربة العنف ضد المرأة. وفي المقابل وتحت إشراف الوزارة المنتدبة المكلفة بالمرأة والطفولة تمّ تبنّي الاستراتيجية الوطنية لمحاربة العنف ضد المرأة. تكاد تأخذ الاستراتيجية بُعد "المرافعة" واتخاذ موقف من مسألة العنف. واعترافا بضرورة "تغيير السياسات" و"الإصلاح الاجتماعي"، أقرت الاستراتيجية بأهمية تغيير الذهنيات والأفكار السائدة. الأمر الذي يطرح التساؤل بشأن جدوى الخطط الحكومية في إنجاح مقاصدها. إن مجرّد طرح مثل هذا السؤال يقودها إلى استفهام آخر، ليس بالبسيط على ما نعتقد، وهو يتعلّق بمدى قدرة البرامج المتبعة في تغيير المجتمع، أو على الأقل في تغيير سلوكات أفراده بما يتلاءم وطموحات الحكومة وأيضا، بل وخاصة، مُراد المرأة الجزائرية في أن تسهم في الحياة الاجتماعية والحياة العامة كفرد كامل الحقوق وكعنصر فاعل.

ومن مناحي التغيير أيضا تزايد عدد الأمهات العازبات، ومن ثمّ عدد الأطفال المولودين خارج علاقة الزواج[26]. تكاد تغيب في هذا الشأن تقريبا الخطط الحكومية، حتى فيما يتعلّق بالمساعدة التي من شأنها المساهمة في صون علاقة الأمهات بأطفالهن، ويؤدي بالضرر على الأم والطفل في آن واحد بحيث تسوء معاملتهما، ويحدث أن يتزايد خطر المعاناة والتيه بالنسبة للنساء[27]، بل ويهدّد الاستقرار الأسري والتماسك الاجتماعي[28]. أدى غياب خطط جدية إلى إهمال جانب لا يستهان به في مسار التغيير الاجتماعي، حتّى أنه يظهر كأمر يُحظر الخوض فيه من قبل الحكومة. واقتصر كل ما قدم في هذا الشأن على مجرّد مبادرات وزارية لم تجد مجالا للتنفيذ. وممّا يدل على غياب هذه الخطط الحكومية هو أن النساء من دون مأوى يعاملن تماما مثل كل الأشخاص المشردين  حتى ولو كانت هؤلاء النساء أمهات لديهن أطفال و يعشن معهم في الشارع. يعبّر عدد المراكز المخصّصة لاستقبال النساء من دون مأوى والنساء ضحايا العنف والذي يبلغ اثنين فقط عن ضعف السياسات الحكومية لحماية المرأة، كما يشير إلى ضمور في خطط الادماج الاجتماع والمهني (32 امرأة من مجموع 152 موجودة في مراكز الاستقبال) والعائلي (48 امرأة) وإلى أنّ مصير هؤلاء النساء لا يحظى بالاهتمام اللازم، وحتّى و إن ركّزت الهيئات المختصة على المنحة الجزائرية للتضامن والتعويض عن النشاط ذي المصلحة العامة، فإن الاستفادة منها على هزالتها، ليست في متناول كل النساء.

ومع ذلك، فإن أهم شيء ينبغي الإشارة إليه فيما يتعلق بالحقوق الاجتماعية للمرأة في الجزائر هو التأمين الاجتماعي الذي يعتبر إسهاما حكوميا يجسّد بحق الحماية الاجتماعية للمرأة. إن إدماج السياسة الحكومية للبعد العائلي في أوسع معانيه، يؤكد حسب ما تقول غنية غرابة، على أن تأمين الحماية الاجتماعية للمرأة غير العاملة سواء أكانت زوجة أم أختا أم بنتا، فهو "سخيّ" و يجسّد مبدأ المساواة بين الجنسين[29].

تبقى حالة النساء الجزائريات اللواتي تمّ اغتصابهن من طرف الجماعات المسلّحة في سنوات التسعينات من المسائل التي لم تسترع انتباه المؤسسات الحكومية إلا بإلحاح من الجمعيات النسوية، حيث بدأ الحديث بشكل فاتر عن هذا الموضوع وعن ضرورة التكفل نفسيا واجتماعيا بهؤلاء النساء، وحسب الحالة بالأطفال الذين أًنجبوا بعد عملية الاغتصاب.

ويحيلنا هذا الموضوع إلى التفكير في سياق اجتماعي متميّز أبدت فيه النساء الجزائريات إصرارا على أداء دورهن كعاملات وموظفات. أغلب النساء اللواتي تمّ اغتصابهن واختطافهن كنّ يعملن شرطيات، معلمات، عاملات في مصانع، حلاقات، بل وحتى طالبات جامعيات وتلميذات ثانويات، وقد بلغ عددهن حسب إحصائية رسمية لوزارة الصحة 2084 حالة. والواقع أن هذه الحالات وكذلك أيضا حالات كل النساء الجزائريات ضحايا الإرهاب تعكس محنة فئة من النساء وصدمتهن النفسية في فترة عصيبة من تاريخ الجزائر، وهي تعبر عن أدائهن لدورهن كفاعلات في التغيير الاجتماعي، بحيث لم يمنعهن العنف الممارس من التواجد في الفضاءات العمومية[30].

وبشكل عام تبقى حالات اغتصاب النساء بعيدة عن التداول في الاهتمامات الحكومية، بل وحتّى قانون العقوبات لا يعطيها تعريفا. كشف التعدي على النساء في مدينة حاسي مسعود سنة 2001 عن نوع من التعتيم من لدن المؤسسات الحكومية وغياب أي تكفل بالنساء اللواتي يعملن في وسط ذكوري وبعيدا عن أسرهن عن رغبتهن في حياة مهنية[31] مقارنة بظروف العمل( ولكنها تعبّر في الوقت نفسه على أنهن يسايرن التغيير وأن العمل في الجنوب ليس حكرا على الرجال و أن العمل ليس دعارة، بل إن التغيير الاجتماعي والاقتصادي تساهم فيه النساء من خلال تحرّرهن من تقاليد أسرية وأيضا من اعتبارات اجتماعية وثقافية سلمت الحكومة بدرجة سيطرتها إلى درجة أن أداء السلطات الحكومية عجز عن توفير الحماية لنساء هن في حالة من الانثلام والحاجة. وعلى الرغم من وجود كثير من مظاهر التحرر من سيطرة التقاليد كخروج المرأة للعمل بشكل متزايد واشتغالها ببعض المهن التي كانت حكرا على الرجال ومنافستها للرجل في الانتخابات ومناصب صنع القرار، فإن التغيير الذي طرأ على العادات و التقاليد يبقى شكليا. إنه كما هو الحال في كثير من البلاد العربية و على حد تعبير أحد علماء الاجتماع العرب « فقير المضمون مقارنة باستمرار قوة الممانعة » و ذلك بسبب الفجوة بين نسقي القيم التقليدية و الغربية[32].

في المجال الاقتصادي: كما أوضحنا أعلاه، فإن مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية عن طريق العمل قد تزايدت في السنوات الأخيرة، لكنها تبقى ضعيفة مقارنة بالدول المجاورة. ولم تتجه السياسات العامة إلاّ في السنوات الأخيرة إلى إيلاء بعض الاهتمام إلى مسألة إدماج المرأة في الحياة الاقتصادية، حيث أن النساء الجزائريات واكبن بأنفسهم التغيّرات التي عايشتها الجزائر، خاصة بعد الثمانينيات و دخولها عالم اقتصاد السوق. بذلك بدا الإدماج الاقتصادي للمرأة و كأنه اتجاه طبيعي بسبب الظروف الاقتصادية و ظروف المعيشة و متطلباتها.

ولم تستفد النساء من برامج خاصّة للإدماج المهني، إلاّ في حالات قليلة، وكانت استفادة النساء من مبادرات من قبيل العمل المأجور للمبادرات المحلية التي تقدم فرصا للشباب من عديمي الشهادات مجالا متاحا للإدماج المهني على مستوى الجماعات المحلية. وبلغت استفادة النساء من هذه المبادرات 50% (إحصائية 2005)، كما أن استفادة النساء من برنامج المؤسسات المصغّرة لم يتعدَّ في السنة نفسها 17%، بينما كانت الاستفادة الأكبر النساء هي تلك المتعلقة ببرنامج القرض المصغّر حيث مثّلت نسبة الاستفادة 60% من مجموع القروض الممنوحة سنة 2012، بينما لم تتعدَّ نسبة استفادة النساء من برامج الوكالة الوطنية لدعم الشباب 21%، ومن أسباب ذلك عدم معرفة النساء (%60) بوجود مثل أشكال الدّعم هذه المقدمة من طرف الدولة[33]، وهو ما يعبّر عن غياب الاهتمام بالخصوصيات التي ينبغي أن تراعي في هذا الشأن من أجل تحقيق نوع من التوازن بين الجنسين في مسار الادماج المهني والاقتصادي. كان من نتائج ذلك تزايد نسبة النساء العاملات في القطاع غير الرسمي(%18,5) مع كل ما ينتج عن ذلك من آثار على المرأة و لا يستثنى في ذلك حتى النساء المتعلّمات وحاملات الشهادات.

3. في سبيل " استثمار اجتماعي" للتغيير

مما تقدّم يمكننا القول أن السياسات العمومية اتجاه المرأة قد اقتصرت على تبيان حال المرأة مع إعداد تصوّرات ترمي إلى تحسين وضعيتها. ظلت هذه السياسات حبيسة تقارير وتوجيهات المنظمات الأممية وغير الحكومية. ظل التركيز منصبّا عند الحديث عن وضعية المرأة على أرقام اقتصرت على المتمدرسات والعاملات في قطاع التعليم والصحة. ولئن كانت المساواة على المستوى القانوني تعبّر بشكل عام عن توجّه حكومي يرمي إلى إزالة كل أشكال التمييز بين الجنسين، فإن ذلك لم يدفع إلى تبني سياسات قطاعية (politiques sectorielles) تتدارك النقص الحاصل في مسار إدماج المرأة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. يبدو الأمر اليوم وكأن أداء ودور المرأة الجزائرية في التقييم الاجتماعي والسياسي أيضا أصبح تابعا كلية إلى الدّولة، وهي تبعية يمكن مقارنتها، مع مراعاة الفروقات الموجودة مع بعض الدول الإسكندنافية، ويمكن اختصار أوجه التبعية في ثلاث مجالات: أن أغلب النساء يعملن اليوم في القطاع العمومي، أنّهنّ مستفيدات من الحماية الاجتماعية وهن يُعتبرن بمثابة "زبونات" للدولة[34] من خلال الاستفادة من المنح المخصّصة لفئة من النساء (أرامل الشهداء، بنات الشهداء...).

ومن دون أن يدّعي هذا المقال أنّه يبحث في سُبل ترقية حقوق المرأة لتتماشى مع مسارات التغيير المختلفة التي تعيشها الجزائر منذ الاستقلال، يمكننا القول أن الظروف الحالية تتطلب اليوم أن يكون ثمّة وعي لدى الحكومة بأهمية بعد الجندر في تحقيق التوازن المطلوب بين الجنسين في مختلف المجالات بما يجعل النساء والرجال مرتبطين بالمجتمع الذي يعيشون فيه ارتباطا يرتقي بمصالحهم جميعا ولا ينقص من حقوق أي طرف سواء تعلّق الأمر بالاستفادة من خدمات الدولة أو بالمشاركة السياسية والوصول إلى مناصب صنع القرار على كافة. إن المتتبّع لما أقرّته البرامج الجزائرية فيما يخص ترقية حقوق المرأة يلمس أن بعد الجندر قد تمّ تبنيه كأداة أو "تقنية" يفترض أن تستعمل في كافة المجالات: التخطيط، التنفيذ، متابعة السياسات وتقييمها، إعداد برامج ومشاريع التنمية...،[35] ولكن الواقع أن مقاربة الجندر اقتصرت على العمل الإحصائي في مختلف القطاعات. ولم تكن هذه المقاربة عاملا معتمدا لا في فهم التغيير الحاصل ولا في تحقيق التغيير المنشود. إن دينامية التغيير الحاصل، والذي لعبت فيه المرأة الجزائرية دورا هاما على المستوى الأسري والمهني والتربوي، تبقى رهينة تدخل الدولة وحبيسة الذهنيات الأبوية التي ما تزال تمارس سلطانها على المرأة الجزائرية. وكما تؤكد على ذلك إحدى الدراسات[36]، فإن مرافقة مؤسسات الدولة لتكوين النساء من خلال الاعتماد على مقاربة الجندر من شأنه أن يساهم في إدماج أكبر للمرأة الجزائرية في مسار التنمية بما يساعدها على تجاوز حالة الفقر، وتحقيق استقلاليتها المهنية، ومن ثمّ المالية.

لقد غاب في المؤسسات العمومية مثلا ميثاق الجندر الذي يؤكّد ويكرّس المساواة بين الجنسين في تولي المناصب وفي الأجور والترقية والحضور في الهيئات المسيِّرة. وبشكل عام، هيمن الاتجاه نحو  »إنصاف المرأة « أكثر من المساواة بين الرجل والمرأة على اعتبار أن في الإنصاف مفاهيم قيمية و دينية يسهل تبنّيها وتبريرها أمام الرأي العام و الاتجاه المحافظ في الطبقة السياسية و المجتمع المدني وحتى لدى كبار المسؤولين في الدولة. أما اعتماد مقاربة الجندر من أجل تكريس المساواة فغالبا ما قُوبل في الجزائر كما في العديد من البلدان العربية والإسلامية بمعارضة شديدة من التيارات الدينية والمحافظة التي لا يعدو ذلك في نظرها أن يكون فرضا للسيطرة الغربية وهيمنة للقيم الخارجية التي لا تتفق وخصوصيات المجتمعات العربية والإسلامية والتحذير من الوقوع في « فخ الرؤية الاستشراقية للمرأة »[37].

ويبقى عمل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية عاملا مهمّا في الدفع بدينامية التغيير الذي تشارك فيه المرأة كعامل. ومن أهم هذه المؤسسات الحكومية الوزارة المعنية بشؤون المرأة. يلاحظ على هذه الهيئة أنها غير مستقرة من حيث الأداء والأدوار والصلاحيات، بل وحتى التسمية، فبين وصاية الوزارة الأولى ووزارة الصحة ووزارة التضامن فقدت هذه المؤسسة جانبا من أهم ما كان ينبغي أن تضطلع به من دور، فإعداد عدد مهم من القوانين لم يكن من صلاحيتها كقانون توسيع مشاركة المرأة في المجالس المنتخبة مثلا رغم أن الوزارة قد لعبت دورا تحسيسا مهما من أجل بلوغ هذا الهدف. كما أن المجلس الوطني للأسرة والمرأة الذي تمّ إنشاؤه سنة 2006 والذي يضطلع بمهام البحث وإعداد التوصيات بشأن ترقية حقوق المرأة لا يكاد يُرى له أثر. إن كثيرا من البرامج التي تمّ إعدادها في إطار ترقية المرأة تمّت بالتعاون مع مؤسسات تابعة لمنظمة المتحدة وقد شملت خاصّة :

1- تقوية تأثير وقيادة ومشاركة المرأة،
2- محاربة العنف ضد المرأة،
3- تقوية الاستقلال الاقتصادي للمرأة،
4- اعتمادا مبدأ المساواة في إعداد البرامج والميزانيات والإحصائيات،
5- محاربة داء السيدا.

ولئن كانت مثل هذه البرامج مهمّة في النهوض بوضعية المرأة إلا أنهّا، حتّى وإن أخذت بالاعتبار عينه بالجانب العالمي لمسألة المساواة بين الجنسين وحقوق المرأة فإنها لا تهتم بالشكل الكافي بالتمثلات التي يفرضها التغيير وديناميته على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمؤسساتية، وحتى الدينية وذلك من خلال تثمين الوجود النسوي و"استثماره" في كافة المجالات التي يمكن للمرأة الجزائرية أن تسهم فيها إيجابا من أجل تحقيق التنمية تكون فيها الرّوابط الاجتماعية نفسها بين الجنسين تعبيرا عن مشاركة متكافئة للنساء والرجال في مسار التغيير.

وبشكل عام، فقد ارتبط أهم عائق عطّل أو أخّر مسار الإدماج النسوي في الحياة العامة بتكريس تبعية النساء للدولة من حيث هي الضامن لحماية المرأة خاصة من حيث أنها الأكثر توظيفا في المؤسسات الحكومية، وكذلك الأكثر استفادة من مسعدات الدولة سواء بصفتها زوجة أو غير متزوجة، أو أرملة أو حتى عاملة[38]. والواقع أنّ الأمر يقتضي أن تتجه السياسات العمومية إلى تحقيق استقلالية المرأة بغض النظر عن حالتها العائلية وجعلها قادرة على أن تخوض بنفسها و لنفسها ”غمار“ الاندماج في الحياة العامة. ومع ذلك فليس هناك بد من التذكير بالعوائق الاجتماعية والثقافية التي تحول دون تبني سياسيات عمومية فعالة يكون هدفها الأول هو تحقيق المساواة بين الجنسين وترسيخ انخراط المرأة كلية في مسار التنمية والبناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ولاشك أن نجاح ذلك يبقى مرهونا من جهة بإسهام كل القائمين على الشأن العام وكذلك الفاعلين في الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية وبمستوى التفاعل بين الديناميات التي تكون الدولة والحركات النسوية والمجتمع المدني أطرافا فاعلة فيها. ومن جهة أخرى، فإن مكانة المرأة الجزائرية في مسار التغيير الاجتماعي والاقتصادي موصولة بشكل العلاقات القائمة بين الجنسين وبالتحولات التي تطرأ على التغيرات في نوع الأدوار وأدائها. فحتى وإن بدأ الباب يُفتح للمرأة من أجل ولوج مؤسسات كانت حكرا على الرجل مثل الشرطة و الدرك الوطني والجيش وحتى الحقل الديني الذي يوظف منذ 2005 مرشدات دينيات، فإن ذلك كله لم يواكبه تغيير في النمط الثقافي والاجتماعي بشكل يكون معبرا عن اتجاه تكريس المساواة ورفع المعوقات التي تحول دون قبول المرأة في كافة القطاعات وعلى مختلف مراتب المسؤولية في مؤسسات الدولة.

بلقاسم بن زنين*

 

المراجع

وثيقة برنامج طرابلس، منشورات جبهة التحرير الوطني، الجزائر، 1962.

أميمة أبو بكر و شيرين شكري (2002)، المرأة والجندر إلغاء التمييز الثقافي والاجتماعي بين الجنسين، دمشق.

بورغدة وحيدة. (2012)، "المشاركة السياسية و التمكين السياسي للمرأة العربية: حالة الجزائر "، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 36، ص  132-150. 

الوزارة المنتدبة المكلّفة بالعائلة وشؤون المرأة، إستراتيجية ترقية و إدماج المرأة، جويلية 2008.

عرابي عبد القادر. (1999)، "المرأة العربية بين التقليد و التجديد". في المرأة العربية بين ثقل الواقع و تطلعات التحرر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.

André, A. (1965), « Chronique sociale et culturelle Algérie », in Annuaire de l'Afrique du Nord, Centre national de la recherche scientifique ; Centre de recherches sur l'Afrique méditerranéenne (éds.), Paris, Éditions du CNRS, p. 165-193, Vol. 3

Benghabrit-Remaoun, N. (dir), 2006, Femmes et intégration socioéconomique, étude réalisée par le Centre de recherche en anthropologie sociale et culturelle pour le compte du Ministère délégué chargé de la famille et d la condition féminine.

Benzenine, B. (2012), « Les femmes algériennes au parlement : La question des quotas à l’épreuve des réformes politiques », in Revue Égypte Monde Arabe, n° 10.

Dandurand, R.-B., Jenson, J, et Junter, A. (dir), (2002), « Le genre des politiques publiques : des constats et des actions », in Lien social et Politiques, n° 47.

Dauphin, S. (2010), « Action publique et rapports de genre », in Revue de l'OFCE, 3, n°114, p. 265-289.

Dauphin, S. (dir.) (2006), « Genre et action publique en Europe », in Politique européenne. n° 20, p. 268.

Graba, G. (2012), « Genre et droit social : éléments pour un débat », in Benghabrit-Remaoun, N. et Benzenine, B. (coord.), (2012), Les femmes africaines à l'épreuve du développement, Oran, Éditions du Crasc.

Kateb, K. (1965), École, population et société en Algérie, Paris, l'Harmattan (Coll. Perspectives méditerranéennes).

Khodja, S. (2002), Nous les Algériennes la grande solitude, Alger, Éditions Casbah.

Khodja, S., (1985), Les Algériennes du quotidien, Alger, ENAL.

Lalami, F. (2012), Les Algériennes contre le code de la famille. La lutte pour l'égalité, Paris, Presses de Sciences Po. 

Lazreg, M. (2002), The Eloquence of Silence: Algerian Women in Question, New York, Routledge.

Lemieux, V. (1995), L'étude des politiques publiques. Les acteurs et leur pouvoir, Saint-Foy, Presses de l'Université de Laval.

Merdaci, M. (2007), Une clinique des origines, Paris, l'Harmattan.

Moutassem-Mimouni, B. (2001), Naissances et abandons en Algérie, Paris, Karthala.

M'rabet, F. (1964), La Femme algérienne, Paris, Maspero.

M'rabet, F. (1965), Les Algériennes, Paris, Maspero.

Ouadah-Bedidi, Z. et Vallin, J. (2006), Étude sur les déterminants de la fécondité en Algérie, Paris, INED.

Rahou, Y. (2006), « Les mères célibataires : une réalité occultée », in NAQD Revue d'études et de critique sociale, n° 22-23, p. 47-60.

Salhi Smail, Z. (2010), « The Algerian Feminist Movement between Nationalism, Patriarchy and Islamism», Women’s Studies International Forum, 33, p. 113-124.

Sari, D. (2002), « L'évaluation de l'efficacité des mesures prises pour maîtriser la croissance démographique en Algérie », in Gendreau, F. et Nzita Kikhela, D. (dir.), L'évaluation des politiques et programmes de population, Paris, John Libley Eurotext. Locoh T., p. 237-248.

Wharton Amy, S. (2004), « Femmes, travail et émotions : concilier emploi et vie de famille », in Travailler, n° 12, p. 157.


الهوامش

* مختص في العلوم السياسية، مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية، وهران،31000 ، الجزائر

[1] من هذه التقارير نذكر خاصة: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2005، نحو نهوض المرأة في الوطن العربي، عمّان، المطبعة الوطنيّة، 2006. و برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009، بيروت، شركة كركي للنشر.

[2] ينظر في هذا الشأن الأرقام المقدمة من طرف الوزارة المنتدبة المكلفة بشؤون المرأة والعائلة، المرأة الجزائرية، أرقام وحقائق، 2011. و أيضا احصاءات مركز الإعلام و التوثيق حول حقوق الطفل و المرأة.

[3] وثيقة برنامج طرابلس، منشورات جبهة التحرير الوطني، الجزائر، 1962.

[4] نسبة إلى السيدة خميستي أرملة وزير الخارجية الجزائرية التي قدمت مقترحا إلى النواب من أجل المصادقة عليه.

أنظر:

Khodja, S. (1985), Les Algériennes du quotidien, Alger, ENAL, p. 43.

[5] إحصاءات البنك العالمي، 2012.

[6] الديوان الوطني للإحصاءات نشرة رقم 173، 2011.

[7] احصاءات مركز الإعلام و التوثيق حول حقوق الطفل و المرأة.

[8] الأرقام المذكورة مستخلصة من دراسات مركز الإعلام و التوثيق حول حقوق الطفل و المرأة www.ciddef-dz.com

[9] Wharton Amy, S. (2004), « Femmes, travail et émotions : concilier emploi et vie de famille », in Travailler, n° 12, p. 157.

[10] Benghabrit-Remaoun, N. (dir), (2006), Femmes et intégration socioéconomique, étude réalisée par le Centre de recherche en anthropologie sociale et culturelle pour le compte du ministère délégué chargé de la famille et d la condition féminine.

[11] ينظر لمزيد من المعلومات بهذا الشأن:

Collectif. (2010) Violence envers les femmes, Enquête réalisée par le Centre de recherche en anthropologie sociale et culturelle (Algérie), (Crasc) pour le compte du ministère de Famille et des Affaires féminines, éditions de l’UNICEF.

Boutheina, C. (2009), « Le genre et la citoyenneté comme « troc » dans l’Algérie postcoloniale », in Diogène, n° 225.

Collectif (1995), Femmes et développement, Oran, Éditions du Crasc.

Remaoun, M. (1999), « Les associations féminines pour les droits des femmes », in Insaniyat, n° 9, p. 129-143.

[12] أنظر:

André, A. (1965), « Chronique sociale et culturelle Algérie », in Annuaire de l'Afrique du Nord, Centre national de la recherche scientifique; Centre de recherches sur l'Afrique méditerranéenne (éds.), Paris, Editions du CNRS, p. 165-193, Vol. 3

[13] هذا ما حدث مثلا مع المناضلة فضيلة مرابط التي تمّ ابعادها عن منصبها كأستاذة في إحدى ثانويات الجزائر بسبب مواقفها المنتقدة لوضع المرأة.

للاطلاع أكثر حول مواقف فضيلة مرابط أنظر:

M'Rabet, M. (1964), La Femme algérienne, et Les Algériennes (1965), Paris, Maspero.

[14] حول هذه المسألة أنظر:

Kateb, K. (1965), École, population et société en Algérie, Paris, l'Harmattan, (Coll. Perspectives méditerranéennes), p. 195 et suiv.

[15] أنظر بشأن هذا الموضوع :

Dandurand, R.-B., Jenson, J., et Junter, A. (dir.) (2002), « Le genre des politiques publiques : des constats et des actions », in Lien social et Politiques, n° 47.

[16] كان مرسوم 1959 هو المرجع فيما يتعلق بأغلب المسائل التي تخص تنظيم الأسرة في الجزائر و ذلك إلى غاية صدور قانون الأسرة سنة 1984.

[17] أنظر:

Lalami, F. (2012), Les Algériennes contre le code de la famille. La lutte pour l'égalité, Paris, Presses de Sciences Po.

[18] خطاب الرئيس بوتفليقة بمناسبة العيد العالمي للمرأة، 7 مارس 2005، منشور في موقع رئاسة الجمهورية www.el-mouradia.dz/

[19] أنظر في هذا الشأن:

Khodja, S. (2002), Nous les algériennes la grande solitude, Alger, Éditions Casbah.

Lazreg, M. (2002), The Eloquence of Silence: Algerian Women in Question, New York, Routledge, p. 166 et suiv.

[20] انظر:  http://www.un.org/womenwatch/daw/cedaw

[21] Lemieux, V. (1995), L'étude des politiques publiques. Les acteurs et leur pouvoir, Saint-Foy, Presses de l'Université de Laval.

[22] أنظر حول هذا الموضوع:

بورغدة وحيدة، (2012)، " المشاركة السياسية و التمكين السياسي للمرأة العربية: حالة الجزائر"، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 36، ص. 132-150.

Benzenine, B. (2012), « Les femmes algériennes au parlement : La question des quotas à l’épreuve des réformes politiques », in Revue Égypte Monde Arabe, n° 10.

[23] أنظر :

Ouadah-Bedidi, Z. et Vallin, J. (2006), Étude sur les déterminants de la fécondité en Algérie, Paris, Éditions INED.

[24] Sari, D. (2002), « L'évaluation de l'efficacité des mesures prises pour maîtriser la croissance démographique en Algérie », in Gendreau, F. et Nzita Kikhela, D. (dir.), L'évaluation des politiques et programmes de population, Paris, John LibleyEurotext. Locoh T., p. 237-248.

[25] Ouadah-Bedidi, Z. et Vallin, J., op.cit.

[26] أنظر :

Rahou, Y. (2006), « Les mères célibataires : une réalité occultée », in NAQD Revue d'études et de critique sociale, n° 22-23, p. 47-60.

[27] Moutassem-Mimouni, B. (2001), Naissances et abandons en Algérie, Paris, Karthala, p. 34.

[28] Merdaci, M. (2007), Une clinique des origines, Paris, l'Harmattan, p. 24.

[29] Graba, G. (2012), « Genre et droit social : éléments pour un débat », in Benghabrit-Remaoun, N. et Benzenine B. (coord.), Les femmes africaines à l'épreuve du développement, Oran, Éditions du Crasc.

[30] أنظر حول هذا الموضوع:

Salhi, S. (2010), « The Algerian Feminist Movement between Nationalism, Patriarchy and Islamism », Women’s Studies International Forum, 33, p. 113-124.

[31] طرحت هذه القضية جدلا حقيقيا يتعلق بمجال وظروف عمل المرأة الجزائرية، حيث أن حياة عمل النساء بعيدا عن ديارهن جعلتهن عرضة للشبهات، وكان لغياب السياسات العمومية في هذا الشأن أثر في تأجيج حالة من سوء الفهم والغضب على المستوى الشعبي، من جهة ومن جهة المنظمات النسوية من جهة أخرى.

[32] عرابي، عبد القادر (1999)، المرأة العربية بين التقليد و التجديد، في المرأة العربية بين ثقل الواقع و تطلعات التحرر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.

[33] Benghabrit-Remaoun, N. (dir), (2006), Femmes et intégration socioéconomique, op.cit.

[34] أنظر:

Dauphin, S. (dir.), (2006), « Genre et action publique en Europe », in Politique européenne. n° 20, p. 268.

[35] الوزارة المنتدبة المكلّفة بالعائلة و شؤون المرأة، استراتيجية ترقية و إدماج المرأة، جويلية 2008.

[36] Boufenik, F. (2009), « Les activités génératrices de revenu : l’accès des femmes aux ressources économiques en Algérie » in Benghabrit Remaoun, N. et Benzenine, B., Les femmes africaines à l'épreuve du développement, op.cit., p. 291-306.

[37] أنظر أميمة أبو بكر و شيرين شكري (2002)، المرأة و الجندر إلغاء التمييز الثقافي والاجتماعي بين الجنسين، دمشق، دار الفكر المعاصر.

[38] أنظر:

Dauphin, S. (2010), « Action publique et rapports de genre », in Revue de l'OFCE, 3, n° 114, p. 265-289.

 

 

 

Appels à contribution

logo du crasc
insaniyat@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Recherche