السكن العفوي والسياسات العمرانية بمدينة سوسة (تونس)

إيمان الزعق (مؤلف)
Université de Sfax, Faculté des Lettres et Sciences Humaines de Sfax, LR-Syfacte , Sfax, Tunisie. N° ORCID : 0009-0003-8618-2262
15 – 39
الجزائر من منظور الديكولونيالية
ع. 112 — م. 30 — 30/06/2026

أدى النمو الحضري المتسارع الذي شهدته معظم الدول النامية خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى ظهور العديد من مناطق السكن العفوي والتي تركزت بالخصوص حول أطراف المدن. وتعتبر ظاهرة السكن العفوي إحدى أهم مظاهر الأزمة الهيكلية التي شهدتها مدن العالم النامي في الفترة الممتدة بين 1970 و1980 والتي تعد ردة فعل على الأوضاع الاقتصادية، الديمغرافية والسياسية مما دفع بالعديد من سكان المناطق الريفية والمدن الصغرى إلى النزوح نحو العواصم والمدن الكبرى مثلما شهدته عديد بلدان أفريقيا وآسيا بحثا عن العمل والاستقرار) بولمعيز والصادق، 2018).

غير أن هذا التوسع السكاني لم يُقابل بتخطيط عمراني مناسب ولا بسياسات إسكانية فعالة، ما أدى إلى تفاقم ظاهرة السكن العفوي، حيث لجأ العديد من الوافدين إلى إقامة مساكنهم على أطراف المدن أو في أراضٍ غير مخصصة للسكن، دون مراعاة لقوانين مُلكية الأراضي أو نُظم التخطيط الحضري.

يمثل السكن العفوي حسب رضا لمين (2009)، مؤشرا على عجز أو نقص في الحضرية وذلك ليس بسبب شكله فقط بل بسبب ما يكشفه من اختلالات مجالية واجتماعية، إذ أنه ينشأ خارج التخطيط الحضري مفتقرا للتجهيزات الأساسية كالخدمات والفضاءات العامة مما يحد من إمكانيات التفاعل الاجتماعي ومن انتاج حياة حضرية متكاملة.

كما ارتكزت سياسة السكن الاجتماعي في تونس والمقصود به السكن المعدّ للفئات المحدودة الدخل، على القروض السكنية التي تتطلب عملاً قاراً سواءً في الوظيفة العمومية أو القطاع الخاص. ونظراً لسيطرة الاقتصاد الموازي فإن جزءاً كبيرا من الأسر تجد نفسها خارج المنظومة وهو ما يدفعها إلى إيجاد حلول خارج السوق العقارية الرسمية (المنظمة)، مما يساهم في توسع السكن العفوي (على بنصر وبن فقيره، 2020).

ويعكس السكن العفوي الديناميكيات الاجتماعية والمجالية التييفشل فيها التخطيط الحضري والسياسات العمومية في تلبيةاحتياجات الأسر من السكن مما يعكس صورة اللامساواة الحضرية (Ben Othman Bacha & Legros, 2015).

وقد مرت هذه الظاهرة بمراحل مختلفة حسب اختلاف سياسات البلدان في مواجهتها. وكغيرها من الدول النامية، شهدت دولة تونس نموا هاما لظاهرة السكن العفوي وذلك في العديد من المدن الكبرى ونذكر بالخصوص تونس العاصمة، صفاقس وسوسة، والتي بالرغم من تراجع نسق نمو السكن العفوي بها منذ بداية التسعينات إلا أن حصيلة العشرية الممتدة بين 1970 و1980 مثلت ولا زالت تمثل على المستوى المجالي والعددي أهم مظاهر أزمة التحضر بالبلاد. وتركزت هذه الظاهرة بالخصوص بالمدن الكبرى خاصة الساحلية والتي تزامنت مع تركيز مشاريع التنمية الاقتصادية (صناعة، خدمات، سياحة) مما جعلها مجالا لاستقطاب اليد العاملة خاصة من الأرياف والمدن الساحلية المجاورة.

في المقابل، حرصت الدولة على دعم سياسة الإسكان من خلال تفاعل عدة أطراف فاعلة، مثل توفير أحياء سكنية اجتماعية للفئات ضعيفة الدخل، كحي الزهور بسوسة وحي البحري بصفاقس، بالإضافة إلى توفير مقاسم مهيأة عبر الوكالة العقارية للسكن في عدة ولايات. كما شجعت الدولة القطاع الخاص على الاستثمار في قطاع الإسكان. ورغم هذه الجهود، لا تزال التحديات قائمة، مثل ارتفاع أسعار الأراضي، البطء في تنفيذ المشاريع، وزيادة الطلب مقارنة بالعروض المتاحة، مما يسهم في استمرار انتشار السكن العفوي.

تتميز مدينة سوسة عن بقية مدن الساحل بأهمية أحياء السكن العفوي من حيث عددها وامتدادها المجالي، فتاريخ المدينة وموقعها والأنشطة الاقتصادية المتركزة بها يجعلها تحتل المرتبة الثالثة وطنيا. ولكن هذا النمو الاقتصادي تزامن مع توسع سريع للمجال الحضري ولم يقع التحكم في جزء كبير منه وخاصة العفوي والذي امتد في اتجاه جنوب وغرب المدينة أين تشكلت أهم أحياء السكن العفوي مما مثل عائقا لمختلف خطط التنمية.

اشكالية السكن والتوسع المجالي لمدينة سوسة

تقع مدينة سوسة على الشريط الساحلي للبحر الأبيض المتوسط وفي الجزء الشرقي للبلاد التونسية مستفيدة بذلك من موقعها الذي جعلها تشع على كامل منطقة الساحل. كما أدى النمو الاقتصادي الذي شهدته المدينة منذ عقود والمتمثل في تركيز المشاريع الكبرى للبنية الأساسية والتجهيزات العمومية بالإضافة إلى تنوع خدماتها مما جعلها ليس فقط مركزا للولاية بل عاصمة إقليمية تشع على كامل منطقة الساحل (المدن الساحلية) وإحدى الوجهات الأكثر استقطابا للأدفاق الهجرية وخاصة الريفية منها.

تعتبر مدينة سوسة أكبر مدينة في الساحل التونسي، والثالثة على المستوى الوطني من حيث الحجم الديمغرافي. فقد بلغ عدد سكانها سنة 2024[1] حوالي 450.000 نسمة، بعد كل من صفاقس بـ 800.000 نسمة وتونس الكبرى بـ 2.900.000 نسمة.

تضاعف عدد سكان سوسة ما يقارب ثلاث مرات ‏في 30 سنة، حيث انتقل من 83.500 نسمة سنة 1984 إلى 173.047 نسمة سنة 2004، ثم إلى و221.530 نسمة سنة 2014 لتسجل بذلك أعلى نسبة نمو ديمغرافي بـ 4% مقارنة بـ صفاقس 1.5%وتونس1,3%..

يتميز النسيج الاقتصادي لمدينة سوسة بتنوعه إذ امتدت الأنشطة السياحية في الجزء الشمالي للمدينة المحاذي للشريط الساحلي، ممّا ساهم في نشوء أحياء سكنية راقية بهذا الجزء تستقطب العائلات ذات الدخل المرتفع كحي خزامة والقنطاوي. أما مركز المدينة، فقد أصبح محورًا للخدمات والمحلات التجارية. وفي المقابل، يهيمن النشاط الصناعي على الجزء الجنوبي، إذ ساهم امتداد الأراضي الزراعية حول المنشآت الصناعية، بأسعارها المنخفضة إلى استقطاب الفئات الاجتماعية الضعيفة الدخل والتي تمثل هذه الأراضي بالنسبة لها فرصة لانخفاض أسعارها مقارنة ببقية أحياء المدينة. مما ساهم في انتشار هام لأحياء السكن العفوي بالجزء الجنوبي للمدينة.

أدى الامتداد العمراني بالمدينة الى ظهور منطقتين حضريتين متباينتين: منطقة شمالية على الشريط الساحلي حيث المنشئات السياحية والتي رافقتها أحياء بسكن للفئات الميسورة والتي تشهد تطورا من حيث المرافق. أما الجزء الجنوبي فسيطرت عليه الوظيفة الصناعية إلى جانب انتشار السكن العفوي على حوالي 98 هكتارًا، مما يساهم في تعميق الفوارق الاجتماعية والبيئية بين الشمال والجنوب ويهدد التماسك الاجتماعي بالمدينة.

تمتد المساحة العمرانية لسوسة الكبرى اليوم على نحو 2688 هكتارًا، بينما تمثل مساحة الأراضي الفلاحية 427,5هكتارًا فقط، وهي تتكون أساسًا من غرس الزيتون وتتركز بالأساس في الجزء الجنوبي من المدينة، أما المساحات الطبيعية، التي تشمل المناطق غير القابلة للبناء كضفاف الأودية والسبخة، فتبلغ حوالي335,5 هكتارًا، وتتوزع بين شمال المدينة وجنوبها (الزعق، 2019).

تعكس هذه الأرقام اختلالًا واضحًا في استعمال المجال، حيث يهيمن البناء على حساب الفضاءات الفلاحية والطبيعية، وهو ما يُشكل تحديًا بيئيًا واجتماعيًا. كما يُفسر هذا التوسع العمراني – لا سيما في الجنوب – بانتشار السكن العفوي قرب الأراضي الزراعية، مستفيدًا من انخفاض أسعارها وضعف الرقابة العمرانية. وبالتالي، يُسهم الضغط على المجال الحضري في تعميق التفاوت المجالي بين شمال المدينة وجنوبها، سواء من حيث البنية التحتية أو نوعية الفضاء الحضري.

وبذلك فإن النسيج الحضري لسوسة هو نتيجة لهذين النمطين من الإنتاج الحضري وهذا ما بينته الدراسات التي أجراها كل من محمد الجديدي (1985) في عمله حول تحولات الساحل الشرقي التونسي وكذلك رضا لامين (2001) في إطار أطروحة الدولة حول تحولات الساحل الشرقي التونسي، حيث بيّنا أن التنظيم الاجتماعي المجالي لسوسة يخضع للالمنطق القطاعي لم يتم الأخذ بعين الاعتبار هذه الملاحظات« La logique sectorielle » ، حيث يكتسي الجزء الشمالي وظيفة خدمية ويتركز فيه النشاط السياحي مما ساهم في ظهور السكن الراقي من فئة الفيلات والشقق الفاخرة، لكنه لا ينفي وجود بعض التجمعات العفوية (مثل واد بليبان)، أما الجزء الجنوبي فيُعد فضاءً مميزًا لامتداد أحياء السكن العفوي (مثل حي المطار، التطهير، الغدران، إلخ، ) والتي نمت على أطراف المناطق الصناعية أو الأراضي الزراعية الرخيصة، في غياب سياسة عمرانية واضحة. أما بالنسبة للقسم الغربي للمدينة فقد امتد به السكن الاجتماعي الموجه للطبقة الوسطى (مثل حي الرياض، الزهور، ...) في إطار مقاسم مهيأة. ونتيجة لذلك، يبدو المشهد الحضري لمدينة سوسة كفسيفساء من البناءات التي تصل إلى حد التناقض في عدة أجزاء من المدينة.

السكن العفوي في سوسة

بدأت ظاهرة السكن العفوي كرد على عوامل متعددة، منها الاقتصادية والسياسية والديموغرافية والظروف الطبيعية، ممّا دفع العديد من سكان المناطق الريفية وغيرها، للنزوح نحو المدن والعواصم للإقامة على أطرافها، دون التقيد بقوانين ملكية الأراضي، ودون التقيد بنظم ولوائح التخطيط العمراني. في بداية ظهورها شيّدت أحياء ²السكن العفوي من الصفيح أو الزنك أو الخشب أو الكرتون في شكل أكواخ متفرقة، وذات أزقة ضيقة يصعب تحرك المركبات داخلها. وغالباً ما تفتقر مناطق السكن العفوي للخدمات الضرورية كالصحة والصرف الصحي وإصحاح البيئة والخدمات الأمنية وغيرها من الخدمات الأساسية (وثيقة عدد1).

تعددت المصطلحات المعرّفة لهذا النوع من السكن، إذ اتفق الباحثون كمرشد الشابي، جليلة القاضي، بيار جورج؟ على أنه ظاهرة نشأت أساسا في البلدان النامية وقد تزامنت نشأتها مع الانفجار الديمغرافي الذي شهدته هذه البلدان. إذ بينت الدراسة التي أجراها المعهد العربي لإنماء المدن حول الأحياء العفوية سنة 1997 أن نحو 60% من "العشوائيات" في المجتمع العربي توجد على أطراف المدن و30% خارج النطاق العمراني، و8% فقط وسط المدن. كما كشفت الدراسة على أن 70% من تلك "العشوائيات" قد شيّدت بطريقة فردية و22% شيدت بطريقة جماعية، إضافة لذلك فقد بينت الدراسة أن معظم العشوائيات في الدول العربية تفتقر لخدمات الصرف الصحي ومياه الشرب النقية ونقص المواد الغذائية وتنتشر فيها البطالة والجريمة (المعهد العربي لإنماء المدن، 1997).

وثيقة :1 المشهد العام بأحياء السكن العفوي بجنوب المدينة (حي التطهير، المطار وحي الغدران)

المصدر: الزعق (2025).

 

المصدر: الزعق (2025).

ماهية السكن العفوي وإشكالية التسمية

ظاهرة السكن العفوي ظاهرة معقدة وهناك صعوبة في تحديد الخاصية المميزة لهذا النوع من السكن إذ استخدمت العديد من المصطلحات لتعريفه مثل: السكن العشوائي، السكن الغير قانوني، السكن العفوي والفوضوي. غير أنها تعرف بشكل عام بأنها مناطق أقيمت مساكنها بدون ترخيص وهي تختلف عن الأحياء الكوخية أو القصديرية من حيث آليات إنتاجها ونوعية المواد التي بنيت بها. السكن العفوي هو نمط سكن غير رسمي وغير مخطط له، ينشأ عادة نتيجة لعدة عوامل مثل الهجرة الريفية نحو المدن خاصة الكبرى وركود قطاع السكن بالإضافة إلى تهميش المناطق والولايات الداخلية بسبب تركيز مشاريع التنمية بالمدن الكبرى وخاصة الساحلية. يتم بناؤه غالبًا بدون تصاريح أو تخطيط عمراني مسبق وتفتقر في بداية نشأتها إلى المرافق الصحية والخدمات الأساسية.

في تونس، يعرف البناء العفوي على أنه كل بناء لا يستجيب لترخيص قانوني، حيث جاء في الفصل 68 من مجلة التهيئة الترابية والتعمير لسنة 2003[2] والصادر بالرائد الرسمي عدد 104 بتاريخ 30 ديسمبر 2003 "أن كل
من يروم البناء أو إجراء أشغال ترميم لتدعيم بناية موجودة أو إدخال تغييرات علية الحصول على ترخيص".

تحمل كلمة "عفوي" طابعا سلبيا، إذ تعكس في كثير من الأحيان صورة ترتبط بالفوضى وغياب التنظيم، وهو ما قد يعزّز النظرة السلبية تجاه سكان المناطق التي تُوصَف بهذا المصطلح. كما توحي بعدم القانونية، مما يزيد
من غموض الوضع ويحدّ من الفهم الدقيق لطبيعة الظاهرة.

ويزداد تعقيد الفهم الصحيح لهذه الظاهرة نتيجة اختلاف المصطلحات المستخدمة من دولة إلى أخرى؛ ففي بعض البلدان يُستعمل مصطلح "المناطق العشوائية"، بينما تعتمد دول أخرى تسميات مثل "المناطق غير الرسمية" أو "الأحياء الفقيرة"، وهو ما يخلق لبسًا في التعامل مع هذه المناطق وفي تحديد خصائصها الحقيقية. كما أن تداخل المفاهيم لا يعكس بالضرورة مجرد بناء غير قانوني، بل غالبًا ما يرتبط بظروف اجتماعية واقتصادية معقدة. وعليه، فإن استخدام هذه المصطلحات بصيغتها العامة قد لا يعبّر بدقة عن الواقع، ويغيب الأبعاد المتعددة والمتشابكة لهذه الظاهرة.

خصائص السكن العفوي

تشترك أحياء السكن العفوي بمدينة سوسة في عدة خصائص منها:

  • هيمنة الملكيات الخاصة، إذ خلافا لما هو سائد في تونس العاصمة
    من استيلاء على أراضي الدولة وتقسيمها، ففي مدينة سوسة تغيب فيها الأراضي على ملك الدولة باستثناء بعض الملكيات الصغيرة التابعة للبلدية، نذكر منها بعض المساكن بحي بوخزر، بحي المطار وهي حالات نادرة.

أما بالنسبة لأغلبية الأراضي التي تطور عليها السكن العفوي بالمدينة فقد هيمنة الملكيات الخاصة والتي تقسم بطرق غير قانونية ويتم البيع على الشياع بوحدة قيس "الزيتونة" وهي وحدة قيس محلية بمدن الساحل ما يوافق 100 متر2 أو كذلك باستعمال " الحبل" ما يقارب 144 متر2 وفي أغلب الأحيان تكون القطع المقتنات على شكل مقاسم صغيرة تتراوح بين 40 و60 متر2 توفر لسكان الأحياء العفوية لبناء مسكن بسيط يضمن لهم الاستقرار ثم يتوسع تبعا لتطور وتحسن المداخيل المادية للعائلة (الزعق، 2019).

وما يميز شراء الأراضي في هذه الأحياء أنه يتم على مراحل متعددة. ففي حي المطار 20% من السكان قاموا بشراء أراضيهم على فترات زمنية متعددة ثم يتوسع تبعا لتطور المداخيل المادية للعائلة وحسب توفر الأراضي.

  • أن السكن ليس منتجا فقط من طرف النازحين من الأرياف والمدن الساحلية وهو ما يميز أحياء الجيل الأول، بل منتج من طرف سكان قدموا من مختلف أحياء المدينة وخاصة الشعبية منها وذلك بهدف شراء أرض لتحسين ظروف عيشهم، إذ أن أغلب القادمين من الأحياء الأخرى للمدينة كانوا يقيمون في مساكن على وجه الكراء ومن ثم يمتلكون منزلا. يعبر امتلاك مسكن عن وجود مسارات جديدة وتحولات فيالتنقلات السكنية بالمدينة وهذا مالا حضناه من خلال الاستمارة مع سكان حي المطار سنة 2018 (الزعق، 2019). حيث أن 44.5%من السكان كانوا مستقرين بالأحياء العفوية المجاورة كخطوة أولى. كما لا حضنا من خلال الاستمارة أن الشرائح الاجتماعية التي تسكن هذه الأحياء غير متجانسة، فإلى جانب الفئات الاجتماعية الضعيفة الدخل والسائدة في أغلب الأحياء نجد جزءا أخرمن السكان ينتمي إلى الطبقة المتوسطة ويمثلون حسب الاستمارة 3,8% وهم من فئة الموظفين.
  • غياب التهيئة المسبقة فعلى عكس السكن القانوني الذي ينشأ ضمن أمثلة التهيئة والتخطيط العمراني للمدن فإن السكن العفوي ينشأ ويتطور بدون تهيئة مسبقة ويقوم بعدها سكانه بالمطالبة بالتهيئة (المطالبة بربط الأحياء بشبكات الماء والكهرباء). غالبا ما نشأت أحياء السكن العفوي
    على أطراف المدينة مع غياب حد أدنى من التجهيزات، وقد تجاوزت هذه الأحياء الطريق الحزامية من الجنوب والغرب والتي تحدّد المنطقة العمرانية التي يغطيها مثال التهيئة بحثا عن أسعار منخفضة.

وقد ارتبط موقع الأحياء العفوية بثلاث عوامل رئيسية وهي:

  • انخفاض قيمة العقارات لوجودها خارج مثال التهيئة
  • امتدادها على أراض فلاحية تدهورت قيمتها كالأراضي الغير قابلة للتعمير كالأودية والسباخ
  • وجودها قرب المناطق الخطرة والملوثة كالمناطق الصناعية، محطة التطهير، مصبات البلدية للنفايات ونذكر مثال حي المطار وحي التطهير.

وبذلك تفتقر أحياء السكن العفوي للمرافق الضرورية.

  • هي ارتباط نشأة بعض الأحياء العفوية بحركة التعمير الذي شهدتها مدينة سوسة والمرتبطة خاصة بأشغال التعمير الكبرى والتجهيزات، وكمثال على ذلك نذكر حي التطهير الواقع جنوب المدينة فالعمال الذين ساهموا في بناء محطة التطهير هم أول من سكن الحي في شكل بيوت قصديريه تحولت فيما بعد إلى مباني بالمواد الصلبة لتتسع رقعة الحي من نواة صغيرة إلى حي مترامي الأطراف.

كما نشأ حي 9 أفريل على إثر أشغال بناء كلية الحقوق بسوسة وكذلك بالنسبة لحي حمام معروف الذي تكون على إثر تدخل الوكالة العقارية للسكنى لتهيئة المنطقة المجاورة بحي الرياض والذي يحده جنوبا، كما أنشئ بمنطقة تدخل عقاري من قبل الوكالة العقارية للسكنى والمبرمجة لبعث العديد من المشاريع الكبرى مثل مشروع القطب التكنولوجي الذي يحدّه شمالا. كما ظهر حي الصفايا وحي وادي غنيم ضمن نفس الإستراتيجية وذلك على إثر تهيئة حي بوحسينة (وثيقة رقم 2).

  • على عكس الأحياء الحديثة التكوين والتي يغلب عليها اللون الأحمر لون الآجر وتتميز بضيق الأنهج وعدم انتظامها، فإن الأحياء العفوية القديمة لا تختلف كثيرا في شكلها الخارجي عن الأحياء السكنية المخططة. فكلما كان الحي أقدم كلما انخرط في المشهد العام للمدينة وذلك لقدم التعمير ولتحسن ظروف عيش العائلات كما لعبت البلدية دورا هاما في تهيئة الإطار الخارجي لهذه الأحياء بمدها بمختلف الشبكات وبتهيئة بعض الشوارع (وثيقة رقم 3).

وثيقة 3: المشهد العام بحي المطار

المصدر: إنجاز شخصي حسب الصورة الجوية 2024.

المصدر: الزعق،2025.

بالرغم من أهمية وثائق التعمير التي وضعتها الدولة التونسية للتحكم في توسع المدن إلا أنها لم تكن كافية ولم تتمكن من استيعاب الزيادة الديمغرافية التي شهدتها خاصة المدن الكبرى، كما أنها لم تتمكن من احتواء النمو الحضري المتسارع للمدينة مما انعكس سلبا على الواقع الحضري لسوسة وأثر على توسعها العمراني. انتشر السكن العفوي في أغلب أرجاء المدينة مما أدى إلى تشويه نسيجها العمراني وأثر على جماليتها وهي المسماة بجوهرة الساحل، خاصة في الجزء الجنوبي من المدينة والمطل على الطريق الحزامية التي تربط مدينة سوسة ببقية مدن الساحل، لذلك فإن التدخل لمقاومة السكن العفوي كان من بين التحديات العديدة التي تواجهها الدولة.

وحسب التقديرات التي قامت بها وكالة التهذيب والتجديد العمراني سنة 1985، فإن سكان الأحياء العفوية يمثلون حوالي 18% من مجموع سكان مدينة سوسة وفقًا لدراسة قامت بها وكالة التهذيب والتجديد العمراني حول نشأة وتشكل الأحياء العفوية بمدينة سوسة. وقد شهدت هذه النسبة ارتفاعًا ملحوظًا خلال العقود التالية، لتتجاوز 30% حسب نفس المصدر.

يكشف هذا الرقم عن حجم ظاهرة السكن العفوي، والتي تعكس في جوهرها اختلالات عميقة في سياسات التهيئة والتخطيط العمراني، فظهور هذه الأحياء وتوسعها يعكس هشاشة السياسات المنتهجة عن الاستجابة للحاجيات السكنية المتزايدة، ويعمق التفاوتات الاجتماعية والمجالية التي تطبع المدينة.

أشكال التدخل من التهميش إلى الإصلاح

تميزت سياسة الدولة في في مجال السكن العفوي بقدر كبير من المرونة، إذ يصعب تحديد سياسة ثابتة نظراً لكون هذه الإشكالية تُعدّ من بين أكثر المسائل تعقيدًا وتشعّبًا في السياسة الحضرية للدولة. ويعود ذلك إلى الطابع الاجتماعي الذي تكتسبه والذي يتغير حسب الظرفية الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية خاصة وكذلك حسب الموارد المتاحة. لذلك، تنوعت السياسات والحلول التي اعتمدتها الدولة للنهوض بهذه الأحياء، وتفاوتت درجة فعاليتها بحسب المرحلة.

فمنذ الاستقلال انتهجت الدولة العديد من السياسات العمرانية والاجتماعية سعيا منها للتحكم الأمثل في توسع المدينة في محاولة منها لتدارك الوضع العمراني الصعب، واختلفت السياسات حسب المرحلة ومتطلباتها ولذلك يمكن تحديد ثلاث مراحل مختلفة من التدخل بهدف التصدي لظاهرة السكن العفوي والتي مرت من سياسة الردع إلى سياسة التدخل والتطوير ثم المرور إلى مرحلة الاعتراف بالسكن العفوي وإدماجه من خلال سياسة التهيئة والتهذيب والتي تهدف إلى إدماج السكن العفوي ضمن النسيج العمراني الرسمي وتحسين ظروف العيش فيه.

مرحلة التدخل الردعي (1956-1980): المعالجة الأمنية والتنظيمية

تميّزت المرحلة الأولى من تدخل الدولة، مباشرة بعد الاستقلال، بسياسة ردعية ركزت على الجانب الأمني والتنظيمي في التعامل مع الأحياء العفوية. وقد تمثلت هذه السياسة في إزالة عدد من الأحياء القصديرية داخل المدن الكبرى أذكري بعضها، وطرد سكانها لإجبارهم على العودة إلى جهاتهم أماكن سكناهم، باعتبارها خرقًا للنظام العمراني ومصدرًا للمشاكل الأمنية والصحية. انتهجت الدولة هذه السياسة في مرحلة مبكرة من تطور السكن العفوي حيث بنيت المساكن آنذاك على شكل أكواخ مبنية من القصدير ومواد غير ثابتة (البلاستيك، بقايا مواد البناء)، كما أن هذه الأحياء احتلت الأراضي بصفة غير قانونية.

ففي مدينة سوسة تعرضت أحياء بئر الشباك والطفالة إلى الهدم عديد المرات ولكن سرعان ما يعاد بنائهم من جديد في أماكن مختلفة من المدينة مما يبين فشل هذه السياسة وعدم قدرتها على التصدي لظاهرة السكن العفوي، مما جعل الدولة تتراجع عن سياسة الهدم خاصة وأن سكانها اتبعوا استراتيجية مضادة تتمثل في البناء بالمواد الصلبة وكذلك شراء الأرض بدلا من احتلالها بدون وجه حق.

 كما سعت الدولة في هذه المرحلة إلى فرض نموذج سكني رسمي من خلال تأسيس الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية (SNIT) سنة 1957، والتي كُلّفت بمهمة توفير سكن اجتماعي للفئات ذات الدخل المحدود. غير أن هذه السياسات ظلت محدودة من حيث النجاعة، لكونها ركّزت على الحلول التقنية والأمنية دون التأسيس لتصور شامل ومندمج للتنمية الحضرية المستدامة. كما لم تستطع تلبية الحاجيات المتزايدة للسكان في ظل التحولات الديمغرافية والاقتصادية التي عرفتها البلاد، ما أدى إلى استمرار، بل وتوسع ظاهرة السكن العفوي في أطراف المدن.

وأمام عدم توفير البديل لم تجد السلطة حلا سوى التخلي عن سياسة القوة منذ نهاية الستينات وتعويضها بسياسة التطوير والإصلاح.

مرحلة التطوير والإصلاح (1980-1990): نحو سياسات أكثر شمولاً؟

تشمل عملية التطوير محاولة إصلاح الأوضاع العمرانية والاقتصادية والاجتماعية وذلك من خلال توفير ظروف تنموية تُمكّن من إدماج كل الفئات الاجتماعية دون إقصاء أو تهميش. وتعد هذه الخطوة محاولة جادة من الدولة لمعالجة وتدارك أسباب أزمة السكن العفوي. فمنذ بداية السبعينات، تكثفت التدخلات القانونية والتنظيمية التي تهدف إلى ضبط توسع المدن، عبر وضع مخططات التهيئة العمرانية التي تساهم في تنظيم استعمال الأراضي وتوجيه النمو العمراني بشكل مدروس. كما عملت الدولة على دعم السوق القانونية لإنتاج المساكن والتقاسيم القانونية من خلال تأسيس الشركة العقارية للبلاد التونسية سنة 1957، التي بقيت المنتج الوحيد للسكن القانوني حتى سنة 1973، حين تم إنشاء الوكالة العقارية للسكنى، والتي توّلت مهام تطوير قطاع السكن الاجتماعي وتنويع عرضه لتلبية حاجيات الفئات ذات الدخل المحدود، بهدف الحد من ظاهرة السكن العفوي وإدماج هذه الفئات في النسيج العمراني الرسمي.

تأسست الوكالة العقارية للسكنى لتعزيز مجهود الشركة العقارية من خلال توفير الأراضي المهيأة والمعدة للبناء، كما سعت الوكالة إلى التخفيف من حدّة اشكاليات السكن عبر دعم البلديات في إعداد مخططات التهيئة العمرانية وانجاز البنية الأساسية داخل المناطق المعدة لبناء المساكن، بما في ذلك الطرقات والمحاور الرئيسية، ومدّ مختلف الشبكات (ماء صالح للشراب، كهرباء، غاز...). وبفضل هذه الجهود، تمكنت الوكالة العقارية للسكنى حتى سنة 2006 من تهيئة حوالي 925 هكتارًا وتوفير أكثر من 30,000 مسكن.

ولتشجيع الادخار وتمويل السكن، تم تأسيس صندوق الادخار السكني سنة 1973، وصندوق النهوض بمساكن الأجراء، بالإضافة إلى شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية سنة 1977، والتي لعبت دورًا مهمًا في تلبية جزء كبير
من الطلب على السكن بأنواعه المختلفة. كما شهدت العقارات ارتفاعًا ملحوظًا خلال السبعينات، مدعومًا بالتشجيعات التي وضعتها الدولة لتحفيز البناء الذاتي.

غير أن هذه السياسة، على الرغم مما حققته من نتائج إيجابية، إلا أنها أدت إلى إقصاء الفئات ذات الدخل الضعيف لا تمتلك دخلاً قارًا يُمكنها من الدخول في منظومة القروض البنكية، ما دفع بها إلى اللجوء إلى السكن غير المهيكل والذي يتميز بانخفاض الأسعار مع إمكانية الحصول على مقاسم صغيرة تُسدَّد بالتقسيط.

وبذلك توسع من جديد السكن العفوي بوتيرة متسارعةَ وأفرز عدد هام من الأحياء العفوية لم تتمكن أدوات التهيئة والتعمير التي وضعتها الدولة من التحكم في تسيير مجالها، مما دفع بالسلط العمومية إلى تبني سياسة جديدةَ تواكب تحولات المرحلة والمتمثلة في الاعتراف بالسكن العفوي وإدماجه في المدينة.

دفع هذا الواقع السلطات العمومية إلى تبني سياسة جديدة تواكب تحولات المرحلة، ترتكز على الاعتراف بوجود السكن العفوي والعمل على إدماجه ضمن النسيج الحضري، من خلال سياسات التهيئة والتهذيب التي تهدف إلى تحسين ظروف المعيشة في هذه الأحياء وضمان اندماج سكانها في المجتمع الحضري بشكل مستدام.

مرحلة الاعتراف بالسكن العفوي وإدماجه (منذ التسعينيات): سياسة التهيئة والتهذيب

يكمن الإشكال الأكبر في تطور الأحياء العفوية في النقص الفادح في التجهيزات والمرافق العمومية التي تعاني منها أغلب هذه الأحياء، مما يؤدي إلى نتائج خطيرة على المستويين الاجتماعي والبيئي. فغياب البنية التحتية الأساسية يفاقم التوترات الاجتماعية ويزيد من الشعور بالعزلة وعدم الانتماء للمكان، وهو ما يترتب عليه تداعيات سلبية مثل ارتفاع نسب البطالة وانتشار مظاهر الجريمة في بعض أحياء السكن العفوي .

وأمام تفاقم هذه المظاهر كانت الحاجة ملحة لتدخل فعال يُعنى بفك عزلتها ودمجها في المدينة عبر توفير المرافق والخدمات الضرورية. ومن هذا المنطلق، تم منذ سنة 1981 إحداث وكالة التهذيب والتجديد العمراني، التي تكفلت بتنفيذ سياسة الدولة في مجالي التهذيب والتجديد العمراني، وذلك بهدف تهذيب وتجديد الأحياء العفوية والمدن العتيقة في مختلف جهات البلاد، ودعم جهود البلديات والجماعات المحلية لحل مشاكل السكن العفوي.

وتشمل سياسة التهذيب تدخلات متعددة الأطراف، من بينها المصالح الفنية للشركة العمومية لتوزيع المياه والشركة التونسية للكهرباء والغاز والديوان الوطني للتطهير، إضافة إلى مختلف الوزارات والسلطات المحلية. وتتجلى عملية التهيئة في توفير البنية التحتية والتجهيزات الأساسية، إلى جانب إعادة بناء المساكن التي تم هدمها.

شمل تدخل الوكالة بعض الأحياء بمدينة سوسة مثل حي الطفالة، حي الغدران وحي المطار وذلك بتوفير البنية التحتية والتجهيزات عموما. ولكن اختلفت سياسة التدخل حسب أهداف كل مرحلة. تمثلت تدخلات المرحلة الأول من تدخل الوكالة في تحسين ظروف العيش وتوفير الحد الأدنى من التجهيزات والخدمات والبنية الأساسية. وعلى الرغم من أن هذه التدخلات ساهمت ولو بشكل محدود في تحسين النسيج الحضري ودمج الأحياء بالمدينة، إلا أنها أدت بالمقابل إلى توسع أكبر للسكن العفوي وفي زيادة الطلب عليه. فمثلا أدى تدخل الوكالة في بئر الشباك بتوفير التجهيزات الضرورية إلى توسع السكن العفوي في حي الطفالة.

وبذلك، نتج عن عمليات التدخل المتأخرة في أحياء مدينة سوسة الجنوبية تفاقم ظاهرة السكن العفوي والتي امتدّت لتشمل الأحياء المجاورة التي استفادت من قربها من المرافق والخدمات.

وأمام ضعف نجاعة هذه السياسات، بدأ التوجه منذ بداية التسعينات نحو تبني سياسة جديدة للتهيئة العقارية تعتمد على مبدأ التكامل والشراكة بين الجماعات المحلية والباعثين الخواص، قصد توفير الأراضي المهيأة والمعدة للبناء ضمن مشاريع نموذجية. ويُعد مشروع تهيئة وتهذيب حي المطار في مدينة سوسة نموذجًا بارزًا لهذا التوجه الجديد في سياسة التهيئة بالمدينة.

المشروع النموذجي لتهيئة وتهذيب حيّ المطار بسوسة: نحو مقاربة تشاركية للتحكم في الامتداد العمراني

اعتمدنا في معالجة هذا البحث ودراسته على الزيارات الميدانية تخللتها استبيانات أُنجزت خلال فترات زمنية مختلفة، وذلك من خلال القيام بدراسة ميدانية لعديد من أحياء السكن العفوي بمدينة سوسة. أُجريت أول الزيارات الميدانية سنة 2018 وهو ما مكننا من الاطلاع على واقع هذه الظاهرة في المدينة ومن رصد الوضع الميداني في تلك الفترة. وفي سنة 2024، تم تجديد هذه الزيارات في إطار إعداد الدراسة الحالية مما سمح بمقارنة التغيرات التي طرأت على المنطقة المدروسة.

شملت الاستبيانات الأسر وأصحاب المحلات والخدمات وذلك، بهدف الاطلاع على الواقع الـسكني، والاجتمـاعي، والاقتـصادي، والديموغرافي والمعيشي للسكان، وكذلك رصد التحولات الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية التي شهدتها المنطقة. بالإضافة إلى اعتماد مصادر أخرى للدراسة، كوثائق مشروع حي المطار المتوفرة ببلدية سوسة وبوكالة التهذيب والتجديد العمراني.

مثل المشروع النموذجي لتهيئة وتهذيب حي المطار بمدينة سوسة تجربة رائدة في مجال التهيئة العمرانية، إذ يمتد على مساحة تقارب 146هكتارًا، ويهدف إلى إرساء أسس سياسة جديدة في إدارة الأراضي والتخطيط الحضري، تعتمد بالأساس على مبدأ التكامل والشراكة بين القطاع العام، ممثلاً في المؤسسات الحكومية والجماعات المحلية، والقطاع الخاص، لا سيما الباعثين العقاريين وأصحاب الأراضي البيضاء. ويُعد هذا التوجه استجابة عملية لتنامي ظاهرة البناء الفوضوي ومحاولة للحد من توسّعها، من خلال توفير أراضٍ مهيأة ومعدة للبناء ضمن إطار قانوني ومنظم.

يقع المشروع في الجزء الجنوبي من مدينة سوسة، ويبعد حوالي 4 كيلومتر عن مركز المدينة. وقد بدأت ملامح هذا التدخل العمراني تتشكل منذ أواخر سنة 1989، عندما قامت وكالة التهذيب والتجديد العمراني بتشخيص ميداني لحي المطار، باعتباره امتدادًا لحي الغدران الذي تم تهيئته في إطار المشروع العمراني الرابع. ولكن أمام كثرة المباني والمتمثلة في وجود 842مسكنًا مبنيًا بصفة مشتّتة على مساحة تقارب 16هكتارًا من الأراضي الفلاحية، حالت دون إمكانية إدراجه ضمن برنامج تهيئة عادي، وهو ما دفع إلى اعتماد مقاربة شاملة ومندمجة تشمل كامل المساحة المقدّرة بـ 146 هكتارًا (الوثيقة رقم 4).

في سنة 1992، تمّ تصنيف حي المطار كمنطقة تدخل عقاري لفائدة وكالة التهذيب والتجديد العمراني، كما تمت المصادقة على مثال التهيئة التفصيلي بتاريخ 28ديسمبر 1993 من طرف المجلس الجهوي ، مما مهّد الطريق لانطلاق تنفيذ المشروع وفق رؤية تخطيطية واضحة ومتكاملة. وقد تميز هذا المشروع بطابعه التشاركي، حيث ساهمت في إنجازه الدولة ممثلة في :وزارة التنمية الاقتصادية، وزارة المالية، بلدية سوسة، صندوق القروض ومساعدة الجماعات المحلية، بنك الإسكان، بالإضافة إلى مساهمة أصحاب الأراضي البيضاء الذين تحملوا جزءًا من تكاليف التهيئة.

ويمثل هذا المشروع تحولًا نوعيًا في سياسات التهيئة العقارية، إذ لا يقتصر دوره على تهيئة المجال فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى التحكم في ديناميات التوسع العمراني وتنظيم النمو الحضري، من خلال التعاون بين الدولة والخواص، وتفعيل أدوات التخطيط التشاركي.

مكونات المشروع

يُعدّ المشروع النموذجي لتهيئة حيّ المطار مشروعًا للتصرف العقاري بالدرجة الأولى، حيث ترتكز مقاربته على مبدأ التحوّز الفعلي للعقارات كمدخل أساسي لإنجاز مختلف مكوّناته، لا سيّما تهيئة الطرقات ومدّ الشبكات الأساسية من كهرباء وماء وتطهير. تقوم وكالة التهذيب والتجديد العمراني بدور محوري في هذا الجانب، إذ لا يمكنها الشروع في الأشغال دون ضمان الملكية أو حق التصرف القانوني في العقارات المعنية بالتدخل.

ويقوم هذا النموذج على انخراط أصحاب الأراضي البيضاء بصفة تلقائية في المشروع، حيث يتولّون تقديم ملفات تقسيم قطعهم العقارية إلى المصالح البلدية، بهدف ضبط حوزة الفضاءات العمومية من طرقات، ومساحات خضراء، ومناطق مخصصة للتجهيزات العمومية. وتُدمج هذه المساحات لاحقًا ضمن الملك العمومي المحلي، ما يتيح للجهات المشرفة التدخل قانونيًا لتجهيزها واستغلالها وفقًا لمقتضيات مثال التهيئة التفصيلي.

يهدف المشروع النموذجي لتهيئة حيّ المطار في مرحلته الأولى إلى تهيئة منطقة التدخل، من خلال تهذيب النسيج العمراني القديم (النوتات)، ودمجها ضمن مخطّط شامل يضمن توفير البنية التحتية والتجهيزات الأساسية لكامل المنطقة. أما المرحلة الثانية، فقد ركزت على تهيئة الأراضي البيضاء، التي تمثل قرابة 100هكتارًا من مساحة المشروع، والتي تكفلت بتمويلها البلدية باعتبار أن أصحاب الأراضي ليس بإمكانهم المساهمة في ذلك لأن أغلبهم ينتمون إلى الفئات محدودة الدخل.

ونظرًا لهذه الصعوبات، تولّت بلدية سوسة تمويل هذه المرحلة، مستندةً إلى قرض مسند من صندوق دعم الجماعات المحلية، يمتدّ على فترة عشر سنوات، على أن يتم استرجاع تكاليف التهيئة تدريجيًا من المستفيدين من المقاسم المعدّة للبناء. ولضمان تحصيل هذه المساهمات، تمّ منع أصحاب الأراضي من استغلال أو التصرف في ممتلكاتهم إلى حين تسوية وضعيتهم مع البلدية والمساهمة في كلفة الأشغال. وتمثل آلية استرجاع كلفة التهيئة إحدى الركائز الأساسية لضمان ديمومة المشروع ونجاعته المالية.

اما المرحلة الثالثة من المشروع، فتتمثل في التدخل لتهيئة مجرى وادي الحلوف الذي يعبر وسط الحي، على مساحة تُقدّر بـ ثلاث هكتارات، بهدف تهيئته وتوظيفه ضمن النسيج العمراني بطريقة متكاملة ومراعية للشروط البيئية والتخطيطية.

وبالرغم من الأهداف الطموحة والاستثنائية لهذا المشروع في معالجة النمو العمراني، إلا أنه واجه العديد من الصعوبات حدّت من نجاحه. ومن بين هذه الصعوبات تعقد مسالك التمويل وصعوبة الاعتماد على نظام القروض للعديد من السكان نظرا لضعف مداخيلهم وتعدد الأطراف المتدخلة، بالإضافة إلى صعوبة عملية التصفية العقارية وتعقد إجراءات انتزاع الملكية وتحديد الملك العمومي، وهو ما انعكس سلبًا على مردودية المشروع.

وعلى الرغم من أن المشروع يستهدف تحسين ظروف عيش الفئات الاجتماعية الهشّة، إلا أن ارتفاع تكاليف التهيئة أدى عمليًا إلى إقصاء الشرائح محدودة الدخل، التي من المفترض أن تكون المستفيد الرئيسي من المشروع.


وإلى حدود سنة 2018، لم تتمكن بلدية سوسة من استرجاع سوى 10% فقط من مصاريف التهيئة، وهو ما يعكس حدود هذه التجربة ويطرح تساؤلات جدية حول جدواها الاقتصادية والاجتماعية.

وثيقة :4 تطور المساحات المبنية بالحي من 1980 إلى 2016

المصدر: الزعق،2019.

الخاتمة

تكشف تجربة التهيئة بحي المطار، وكذلك واقع الامتداد المجالي لأحياء السكن العفوي بمدينة سوسة، عن عمق الإشكاليات المرتبطة بالتفاوتات المجالية والاجتماعية، الناتجة عن سياسات عمرانية غير منصفة وغير شاملة. فقد أفرز النمو الحضري غير المتكافئ أشكالًا من الإقصاء والتهميش، دفعت فئات واسعة من السكان إلى التموقع في هوامش المجال الحضري واللجوء إلى السوق العقارية الموازية، في ظل عجزهم عن الاندماج في المنظومة الرسمية للسكن.

يعكس الامتداد المجالي لأحياء السكن العفوي بمدينة سوسة ديناميات عمرانية واجتماعية معقدة تعبّر عن الإقصاء المزدوج، المجالي والاجتماعي، الذي تعرّضت له فئات واسعة من السكان. إذ لم تستفد هذه الفئات من برامج التنمية الاقتصادية التي عرفتها المدينة، الأمر الذي دفع بها إلى اللجوء إلى السوق العقارية الموازية، حيث تتركّز المقاسم غير القانونية في أطراف المدينة. وتُعد هذه المقاسم الخيار المتاح الذي يتلاءم مع امكانيات سكان هذه الأحياء، نظرًا لضعف قدرتها الشرائية وعدم قدرتها على النفاذ إلى السوق العقارية الرسمية.

وتتميّز أحياء السكن العفوي بعدّة خصائص مجالية وعمرانية، من أبرزها تشتّت المساكن، واحتلال أطراف المدينة، وضعف إدماجها في النسيج الحضري، إلى جانب نقص حاد في التجهيزات الأساسية والخدمات الحضرية. وقد مثّلت هذه السمات تحديًا كبيرًا أمام السلطات المحلية ومختلف المتدخلين في مجال التهيئة.

ورغم تعدّد برامج التدخّل للتصدّي لظاهرة السكن العفوي، إلا أن هذه البرامج اتسمت بمحدودية رؤيتها وشموليتها، حيث اقتصرت أغلبها على توفير الحد الأدنى من التجهيزات الأساسية (طرقات، كهرباء، ماء صالح للشراب)، دون أن تأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية الفعلية للسكان، مثل توفير مواطن الشغل، ومرافق الصحة والتعليم، ومقومات الحياة الكريمة.

إن فشل هذه البرامج في الحد من تفاقم السكن العفوي يُعزى بالأساس إلى غياب مقاربة شاملة ومندمجة تأخذ في الحسبان واقع السكان وتطلّعاتهم، وتُعيد إدماج هذه الأحياء ضمن المنظومة الحضرية الرسمية بطريقة تدريجية وعادلة. وبالتالي، فإن تجاوز هذا الإخفاق يستوجب بلورة حلول بديلة تقوم على مبادئ الإنصاف الاجتماعي، والعدالة المجالية، والمشاركة المجتمعية الفعالة في بلورة وتطبيق سياسات التهيئة.

ببليوغرافيا

ﺣﺳﯾن ﺑوﻟﻣﻌﯾز واﻟﺻﺎدق ﻗرﻓﯾﺔ. (2018). السكن العشوائي وأثره على النمو الحضري في المدن الصغيرة مدينة الحروش نموذجا. مجلة التواصل في العلوم الإنسانية والاجتماعية، (53) ،394-376 .

محمد الجديدي، .(1986)التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة والشبكة الحضرية الحالية في الساحل التونسي. الكراسات التونسية.

Bennasr, A., & Ben Fguira, S. (2020). Regards sur les mutations du logement social dans les politiques d’habitat en Tunisie. NAQD, 38-39(1), 33-50. https://doi.org/10.3917/naqd.038.0033

Ben Othman Bacha, H., & Legros, O. (Dir.). (2015). Politiques urbaines et inégalités en Méditerranée. Les Cahiers d’EMAM. Études sur le Monde Arabe et la Méditerranée, (27). https://doi.org/10.4000/emam.1168

Lamine, R. (2009). Déficits de citadinité et mal-gouvernance urbaine dans les nouvelles périphéries de Sousse. Les Cahiers d’EMAM. Études sur le Monde Arabe et la Méditerranée, (18), 55-68. https://doi.org/10.4000/emam.196

Zâag, I. (2011). Genèse et formation de la cité Erriadh à Sousse [Mémoire de mastère, Faculté des Lettres et des Sciences Humaines de Sfax].

Zâag, I. (2019). Habitat programmé et habitat informel à Sousse : Cas d’Erriadh et d’El Matar [Thèse de doctorat, Faculté des Lettres et des Sciences Humaines de Sfax].

 

 

 

حواشي سفلية

  1. المعهد الوطني للإحصاء، 2024.
  2. الصادر بالرائد الرسمي عدد 104 بتاريخ 30 ديسمبر 2003.

Citer cet article

ZÂAG, I. (2026). السكن العفوي والسياسات العمرانية بمدينة سوسة (تونس). Insaniyat - Revue algérienne d'Anthropologie et de Sciences Sociales, 30(112), 15–39. https://insaniyat.crasc.dz/fr/article/alskn-alafwy-walsyasat-alamranya-bmdyna-swsa-twns