Sélectionnez votre langue

الطقوس وجبروت الرموز: قراءة في الوظائف والدلالات ضمن مجتمع متحوّل

نسانيات عدد 49 | 2010  | معرفة وديناميات اجتماعية  | ص 15-43 | النص الكامل 


Rituals and tyrannical symbols within a changing society

 Abstract: This article tackles questions relating to so social change accompanied by important symbolic mutations. By questioning the nature of the relationship existing between what is social and what is symbolic, and after theorizing questions of symbol and rites, this study tries to reveal social reaction faced with these mutations.
Social life being globalized and the repartition of tasks having reached its limits, the different activities of daily life nowadays remain independent from religious life. Therefore thanks to this change, symbolic activities and rituals have passed from one level to another one. Nevertheless the attachment of some groups to these rituals, strongly linked to identity, exerts a clinical function which allows them to flee from daily control and cultural tyranny, from software and digital manipulation.

Keywords : Rites - rituals - meanings-social change - cultural arrangements-local society - clinical function - software.


Muncef EL MAHWACHI Département de sociologie, Faculté des Lettres et Sciences Humaines de Sfax, Tunisie.
membre de l'unité de recherche sur «imaginaire»


 

قالت جدّتي مذعورة يوما: "إذا صاحت الدجاجة صياح الديك يوما فلا بدّ أن تذبح.."

إنّ ما يميز الإنسان ويعطيه خصوصية وجودية هو القدرة التي يملكها على عقل الأشياء وإنشاء الرموز وشبكة المعاني، فالعيش بالرموز وتوظيفها فعالية إنسانية بكلّ امتياز، بها يعيش الإنسان ويؤثث وجوده ويبني عالمه المادي والمعنوي ويرسي نظام الأشياء والعلاقات بينه وبين الآخرين من الناس. ودلالة الأشياء والعلاقات لا تدرك إلاّ من خلال استعمالاتها وممّا تتضمّنه من معنى في حياتهم وممّا تتخذه من دلالة في متخيّلهم الجمعي. وكما قال "بيار أنصار" فإنّ المجتمعات سواء الحديثة منها أو التقليدية أو تلك المسمّاة بلا كتابة، تنتج دوما متخيلات "des imaginaires" لتعيش بها وتبني من خلالها رموزها وصورها عن نفسها وعن الأشياء والعالم، وبواسطتها تحدد أنظمة عيشها الجماعي ومعاييرها الخاصّة".[1]

وما يهمّـنا هنا هو ضرب من الممارسات الرمزية المنظّمة التي ينخرط فيها النّاس جميعهم بكثافة وبمختلف فئاتهم، وتكاد لا تخلو منها أفعالهم الجماعية الفردية، ألا وهي الطقوس والممارسات الشعائرية، فالإنسان من زاوية نظر أنثربولوجية كائن طقوسي بامتياز مثلما هو كائن رمزي. وعندما نقارب هذه المسألة تطالعنا مجموعة من الأسئلة الأساسية: ألم تعد الأنشطة الطقوسية في مجتمعاتنا الحديثة حيث طغت العقلانية والنفعية وسيطرت روح الدّنْيَوة (sécularisation) ممارسات مفرغة من المعنى ولا تقع إلاّ في هامش الأنشطة التي تنتج المجتمع: الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية؟ ألم تبق للطقوس سوى مجالات ضيقة في مجتمعات تهزها موجات من فقدان العالم الاجتماعي لسحره (désenchantement du monde) كما يقول ماكس فيبر؟ ثمّ إذا كانت المجتمعات الحديثة قد "تعقلنت" واتجهت أفعال الناس فيها أكثر فأكثر نحو النجاعة، وغمرتها موجات الدّنيوة، أفلا يعني ذلك أنّ مجالات الممارسة الرمزية ذات الشحنات السحرية، والطقوس، قد ضاقت ولم تعد ذات معنى مثلما كانت في مجتمعات التقليد؟  

لكن من زاوية نظر جدلية ثمّة أسئلة أخرى وجيهة تطرح أيضا، أليست الفعل الطقسي لصيقا بكل  الأفعال الاجتماعية وأنّ الاحتفالات الطقسية مناسبات للتعبئة وتجييش الوعي الجمعي بطاقات من المعنى في مجتمعات تتغيّر بسرعة وتعيش أزمة كينونة؟ أفلا تنهض الممارسات الطقوسية بوظائف اجتماعية حاسمة فتشبع حاجات كامنة في حياة الجماعات وتدخل في مبادلاتهم المادية والرمزية؟ ألا تٌوظّف ممارسات الطقوس بوصفها وسائل رمزيّة لتأسيس السلطات والمراكز الاجتماعية (les statuts sociaux) وإضفاء الشرعية (légitimer) على السلطات وأشكال التمايز القائمة بين الأفراد والجماعات؟ ألا تندرج تلك الممارسات ضمن المساعي الفردية لتعزيز ملكية الثروات الرمزية في سوق الشرف و المحترمية (respectabilité) بحسب تعبير بيار بورديو[2]؟

ومهما تكن طبيعة الأسئلة المتفرعة عن هذا الإشكال فإننا نعتقد أنّه ثمّة صعوبة بمكان تطالعنا ونحن نفكّر في الظاهرة الطقوسية أو نقاربها اليوم، وهي تتصل أساسا بأمرين:

-  أمر أوّل يرتبط بموقع الطقوس والمقدّس في المجتمعات الحديثة وبكيفية مقاربتها علميّا. فإذا "كان الدين (الذي يتجسّد دوما من خلال الطقوس) في مجتمعات التقليد، كما قال إميل دوركايم، يكاد يشمل كلّ شيء تقريبا" و"كان الاجتماعي (le social) مرادفا للديني تقريبا"[3] ثم تخلّصت الوظائف السياسية والاقتصادية والعلمية في المجتمعات الحديثة ولو جزئيّا من الوظيفة الدينية ومن القداسة المرتبطة بها لتأخذ الممارسات لاحقا صفة زمنية واضحة، فهل سنبقى نقارب الطقوس على أنّها ملتبسة بالمقدّس والديني وأنّها واقعة في جوهر الاجتماعي؟ أم سنخرجها من قلب الاجتماعي ونبحث عنها في هوامشه وأطرافه[4] بما في هذا الخيار المنهجي من تبعات معرفية وعملية تمسّ وظائف الطقوس  ودلالتها؟

-  أمّا الأمر الثاني فهو متأتّ من الأوّل، فمع اتساع مجال العقلنة الكبير في الحياة الاجتماعية الحديثة وانتشار منطق النجاعة والنفعيّة في العلاقات الاجتماعية، فما الحاجة إذن إلى ممارسة الطقوس في عصر يُمجّد فيه العقل النفعي والتقنية، والبحث عن المردودية والربح المادي المباشر إذن؟ ما فائدة الأفعال والممارسات الرمزية التي "لا تنتج" فائدة؟ أليس الاهتمام بالتأملات ومنتجات الخيال (les produits de l’imaginaire) انشغالا ترفياّ وإضاعة للجهد والوقت؟ ثمّ ألا تستعصي مقاربة الظاهرة الطقوسية عن الضبط العلمي والمعالجة الوضعية كلما حاولنا ذلك[5]، وهو ما يجعل التفكير فيها غير ذي فائدة في زمن يقتضي الصرامة الإجرائية والمعرفة الدقيقة؟

في واقع الأمر ليس في ممارسات النّاس نشاط عقلاني صرف وخال من شوائب "اللاعقل" أو من تأثير "مجنونة العقل" (la folle du logis) والخيال كما يسمّي ذلك "مالبرانش"[6]، أو في منأى عن "بهتان سيدة الخطأ والزيف" كما قال "باسكال"[7] متحدّثا عن ملكة الخيال في أداء العقل. فما نسميه "عقلا" لا يمارس فعله ونشاطه بشكل مستقلّ عن العواطف والخيال، بل يمارسه في ارتباط مع الحلم والمتخيّل والصور الذهنية الماثلة في أعماق اللاّشعور الإنساني. فالخيال و"الجنون" و"الشطحات الذهنية" ماثلة في ذهن أكبر العقلاء. ولذلك يبقى العقل دوما في حاجة إلى طراوة الخيال وحلاوة الوهم كي يشتغل ويعمل. من هذا الاعتبار إذن، لن يكون صعبا نزع القشرة السطحية السّاذجة التي تبدو من خلالها الأنشطة الطقسية مفرغة من المعنى أو لاعقلانية. فبالنسبة إلى الأنثربولوجيا وعلم الاجتماع خصوصا، تمثل دراسة الطقوس ورموزها وممارساتها مجالا خصبا يسمح بفهم شواغل الجماعة وذهنها الجمعي، وميدانا ثريّا لكشف ما ينتجه المتخيّل (l’imaginaire) الجمعي من صور ذهنية ورموز، الأمر الذي يجعل من دراسة هذه المنتجات في المتناول العلمي.

من هنا سيكون علينا ونحن نقارب هذا الإشكال أن نضبط قضاياه الأساسية في مجموعة من المسائل الجوهرية التالية: ما ماهية الطقس؟ وما مضامينه الرمزيّة؟ وبم يتميّز عن باقي الممارسات الاجتماعية؟ وما هي الوظائف الأساسية التي ينهض بها في الحياة الاجتماعية؟ ثمّ كيف تدرك علميّا دلالة انخراط الناس فيه بالنظر إلى شواغلهم وهمومهم؟

في معنى"الطقس"

تشير لفظة "طقس" إلى الكيفية التي يتمّ بها أداء الأنشطة المقدّسة وتنظيمها في إطار احتفالي، ويشار بها في الديانة المسيحية إلى "النظام الذي تتمّ به الشعائر والاحتفالات الدينية المقدّسة"[8]. ومن حيث الأصل اللغوي تتأتّي لفظة "Rite" في اللاتينية من "Ritus" ويعنى مجموع "الأنشطة والأفعال المنظمة التي تتخذها جماعة ما خلال احتفالاتها"[9]، فالطقس يعني من خلال كلّ هذه التعريفات مجموعة من "القواعد" التي تنتظم بها ممارسات الجماعة، إمّا خلال أداء شعائرها التي تعدّها مقدّسة أو من خلال تنظيم أنشطتها الاجتماعية والرمزيّة وضبطها وفق "شعائر" منتظمة في الزمان والمكان. وفي اللغة العربية يشمل مضمون "الطقس" الدلالة على "الشعيرة". ولئن اقترن مدلول الشعيرة في اللغة العربية بما يدلّ على الممارسات المقدّسة التي تدخل المؤمن في حالة القداسة وتجعله يؤتي مناسكه التعبدية، ويحيل أيضا على المراسيم التي تنجز ضمن التعاليم الدينية للدخول في تجربة القداسة (كتلك المرتبطة عند المؤمنين مثلا بفرائض العبادات من صلاة وحجّ، وبشعائر الموت والأضحية وغير ذلك)، فإنّ مجال الطقوس يشمل أيضا إلى جانب ذلك الأنشطة والممارسات غير الدينية بما في ذلك الأنشطة الاقتصادية والسياسية والرياضية، وأفعال التواصل والتبادل التي تتمّ بين الأفراد في معيشهم اليومي. ولقد أولى "ايرفينغ قوفمان" لطقوس التفاعل في الحياة اليومية(rites d’interaction)[10] اهتماما أساسيا في مقارباته السوسيولوجية للممارسات "البسيطة" في حياة الناس اليومية، مبيّنا ما يقع فيها من انتظام، وما تختفي من وراءها من نظم رمزية تسيّر عمليات التواصل الأكثر شيوعا بين الأفراد في الحياة اليومية. وتكمن فائدة أعمال "قوفمان" في أنّه كشف عمّا وراء "فوضى" الممارسات اليومية، من أنشطة منتظمة، ينخرط فيها الناس ويتقيّدون بها دون أن ينتبهوا إلى ما فيها من انتظام رمزي، كما بيّن "قوفمان" أنّ الناس كائنات طقوسية بكلّ امتياز ولا يمكنهم العيش معا إلاّ بواسطة طقوس تنظم مبادلاتهم الرمزية المختلفة. فالمجتمع مسرح يومي تُّؤدّى فيه الأدوار منتظمة وفق طقوس تفاعلية لا تستوي الحياة الجماعية بدونها، وضمن هذه "اللعبة" يملأ كل فرد موقعا له ضمن مسرح المكانات، محافظا خلال ذلك على مقامه ومكانته أو على ما يسمّيه "قوفمان" بـ"ماء الوجه". فالمحافظة على هذا "الماء" أساسية ضمن قواعد التفاعل البشري، والحياة الجماعية إنّما تنهض على ضروب من المجازات المسرحية (métaphores théâtrales) التي تؤدى وفقها  التفاعلات في الحياة اليومية[11].

وتخضع ممارسة الطقوس إلى جملة من الشعائر والمراسم المقعّدة تترجمها رموز الجماعة القولية منها والحركية، وتتحقق من خلالها غايات التواصل وتشبع حاجات رمزية أساسية. وترتبط بالسلوك الطقسي جملة من الخاصيات تميّزه عن باقي الممارسات الجماعية، أهمّها انتظامه وفق تراتيب وضوابط لا يتّم التبادل الرمزيّ إلاّ بها وإلاّ فقد التواصل مضمونه الرمزي. ويجري كل طقس وفق سيناريوهات درامية متكررة تختلف باختلاف وضعيات التفاعل، و الأنظمة الثقافية.

 ومن المميزات الخاصّة التي تعطي للطقس فرادته أنّه يتمّ وفق مميّزات يمكن تحديدها في ثلاثة: أولاها التقعيد بحيث يخضع الطقس لقواعد منتظمة متعارف عليها لدى أفراد الجماعة[12]، وثانيتها التكرار حيث يعاد إنجاز الطقس في مناسبات تتتالى في أوقات مضبوطة من حياة الجماعة، وحسب "توزيعيّة'" زمنية calendrier horaire، مضبوطة. وثالثتها الشحنة الرمزيّة التي تتّخذها، ممّا يعطي الممارسات دفقها وفعاليتها الرمزيّة الخاصّة.

وما سيشغلنا أكثر ضمن ثلاثية المميّزات خصوصا هو ميزتا التكرار والشحنة الرمزية أساسا، فإذ نحن نفكّر في الممارسات الطقوسية نستحضر واقعا مجتمعيا محليّا يتّسم بالتغيّر السريع ويشهد في نفس الوقت كثافة للممارسات الطقوسية. وبخاصّة الدينية والاحتفالية منها. ثمّ إنّ الزمن الاجتماعي يعاش بحسب إيقاعات وأشكال من التحقيب (périodisation) تختلف من الفردي (عيد الميلاد، الزواج...) إلى الجماعي (الأعياد الدينية والوطنية)، وتتخذ دلالات مشتركة أحيانا ومختلفة لدى الجماعات هنا وهناك وخاصّة في وظيفتها أحيانا أخرى. ومن خلال هذا المدخل ربّما سيتاح لنا أن ندرك أكثر مبرّرات "استمرار" هذه الظواهر التي تبدو في الظاهر لا معقولة، وأن نتبيّن مبرّرات ميل النّاس وخاصّة منهم الفئات المنشغلة كثيرا بكينونتها إلى الانخراط بكثافة في هذه الممارسات الطقسية.

إنّ المميّز للممارسات الطقوسية هو تكرارها من قبل ممارسيها خلال أزمنة مضبوطة، لإحياء واقعة مضت أو احتفاء بحدث يعني للجماعة أو لأحد أفرادها رمزيّا الشيء الكثير. و في الحقيقة، ثمّة أوضاع وأحداث كثيرة في حياة الجماعة المحلية يمكن ضبطها وفق لائحة طويلة، تستدعي ممارسة الطقوس، بعضها ديني وبعضها الآخر غير ذلك، وإنما يندرج ضمن مجالات الحياة الاجتماعية المختلفة. ومهما يكن فإنّ ما نشهده من كثافة في الاحتفالية الطقوسية، يؤّكد منذ الوهلة الأولى أنّنا بإزاء ممارسة رمزية ضرورية تشبع حاجة / حاجات في حياة الجماعة. وبنفس العمليات الثلاثة المصاحبة للفعل الطقسي: الشحن الرّمزي والتقعيد والتكرار، يتمّ شحن الزمن بالقداسة، وتستعاد وقائع التاريخ المقدّس مثلما تمثل في المتخيّل الجمعي. يَضمُن استرجاع وقائعها وشخوصها الرمزية تثبيت وإحياء أحداث ملهمة رمزيّا في حياة الجماعة والأفراد (مثل الأحداث.الدينية، أو الوطنية أو حتى الفردية) وتبقى صورها - بالشحنات الرمزيّة الماثلة في المخيّلة حولها- تلهم الذاكرة الجماعية بالرمز والمعنى، وتمكّن المنخرطين في ممارسة الطقوس أن يعيشوا في زمنين اثنين معا: زمن أسطوري متخيّل، وآخر هو الزمن الفيزيائي الحقيقي أو الفعلي. وعند التقاء الزمنين: المتخيّل والحقيقي يوقف الزمن المتخيّل الزمن الحقيقي كما يوقف الوصف السرد في نظام الحكي، وعندئذ يتحقق شيء مما يسمّيه "ميرسيا إلياد" بــ"العود الأبدي إلى زمن البدايات"[13]. وعند "وقوف الزمن" تنشط آلية التكرار والاسترجاع المميزة للطقس.

من هنا ندرك ما يعنيه "ميرسيا إلياد" عندما يشير إلى دور الممارسات الدينية والطقسية في إحياء الأصول والعود الأبدي إليها[14]. فالطقوس وخاصّة الدينية منها تضع حاسب الزمن - وأساسا بواسطة عمليّات الاسترجاع والتكرار- في مستوى الصفر والبدء من جديد Mettre le compteur du temps à zéro.

 وإضافة إلى ما تولّده الممارسة الطقسية من معنى، ثمّة مميّزات "شكلية" تساهم بدورها في تأييد الفعالية الرمزية للطقس وتعزّزها. فالطقس يُجرَي دوما ضمن إطار زمانيّ محدد أو على الأقل يحيل إليه (حيث ترتبط ممارسة الطقوس بمناسبات محدّدة مثل بدايات المواسم ونهايتها، أو بالأعياد الدينية، أو بأحداث تحوّلية مثل الانتقال من وضع اجتماعي (العزوبة) إلى وضع آخر(الزواج) أو من مرحلة عمريّة إلى أخرى (الطفولة إلى الشباب). وجميع هذه المحطّات الزمنية تتصاحب في عرف الجماعة المحلّية بإدراك خاصّ للزمن وبالتحوّل النوعي الواقع في مراحل العمر وفي حياة الجماعة، مما يستوجب الإتيان  بضروب من  الممارسات الرمزية  المنظمة تسمّى  طقوسا.

 من جهة أخرى، يجرى الطقس ضمن إطار مكانيّ مخصوص (الفضاءات المقدّسة ذات الرمزية الدينية أو السياسية الخاصّة)، لكن ضروبا من الطقوس الاجتماعية غير الدينية والملازمة لأفعالنا اليومية (وخاصّة تلك المتصلة بمبادلاتنا الرمزية والتواصلية) لا تحيل إلى زمكان[15] محدّد ولا تشترط بالضرورة وجودهما، إذ يرتبط الطقس وخاصّة الاجتماعي[16] منه بالمضمون الرمزي الذي يحتويه أكثر الطقس أكثر ممّا يرتبط بالإطار الذي يتمّ فيه. بيد أنّه على الرغم من ذلك تبقى للإطار الزمكاني الذي يتم فيه الطقس جماعيا قيمة كبيرة في انقداح المعنى وتجييش الذاكرة وإثارتها، وذلك بفضل الآليات التي يشتغل بها الجهاز الطقسي ويتولّد بها المعنى، إذ يرتبط حاضر المنخرطين بماضيهم (الحقيقي والمتخيّل)، وتستفيق الذاكرة ويشحن الوجدان الجمعيّ، وهو ما يجعل ممارسة الطقوس والاحتفالات التي تصاحبها بوصفها محطّات "يُـتزوّد" فيها الناس بشحنات المعنى وتكسر الرتابة التي يعيشون بها الزمن اليومي المعتاد.

إنّ تعريف للطقس بهذه المعاني يؤكّد على مستويات جوهريّة يعدّ استحضارها أساسيّا في مقاربة الفعل الطقسي بما هو فعل رمزي، أوّلها ما سنسميه أساسا بالمستوى المورفولوجي للطقس. ونقصد به بنية الفعل الطقسي ومكوّناته وكيفية انتظامها بما يسمح للطقس بالاشتغال. وأنّه يتأطر ضمن زمان ومكان يتخذان دلالة خاصّة بالنسبة إلى ممارسيه. وثانيا، البعد الجماعي للممارسة الطقسية، فالطقس يولّد معنى مهمّا بالنسبة للمنخرطين فيه ويشحن بكثافة رمزية. إذ ليست الطقوس في آخر الأمر سوى لغة مشحونة بخطاب كثيف ومختصر. وثالثا، تتّخذ الممارسة الطقسية نجاعة عملية بحكم التأثير الرمزي والوجداني الذي تحدثه في المنخرطين فيها. فبوسع الطقوس أن تحقّق إشباعات رمزية متعدّدة لحاجات الجماعة الكامنة والمتجدّدة باستمرار، كما تمكّن ممارسيها من "تقنيات" للتحكّم في الزمن، وتأمين وضع من التوازن المطمئن وتفادي أوجاع قد تواجهه الجماعة خلال حالات التغيّر الاجتماعي السريع.

في وظائف الطقوس

عند الحديث في شأن وظيفة ظاهرة اجتماعية ما، ثمّة تمييز ضروري يجب إقامته بين معنيين على الأقل للفظة الوظيفة. وضمن هذا التوجه، كان السبق لـ"روبار ميرتون"[17] في تمييزه بين معنى الوظيفة الظاهرة (fonction explicite) والوظيفة الكامنة (fonction latente)[18]: فالأولى ترتبط بالغاية المستهدفة والماثلة في وعي الفاعلين الذين يدركونها عندما ينخرطون في النشاط الاجتماعي، ويسعون إلى تحقيقها عند انخراطهم في ممارستها. أمّا الوظيفة الثانية فتتحقق من فعلهم دونما وعي أو قصد منهم، وتكون عادة غير مدرجة ضمن اهتماماتهم ووعيهم مسبقا. وما يهمّنا هنا كثيرا في الظاهرة الطقوسية هي وظائفها الكامنة أي تلك التي تتحقق في حياة ممارسيها دون سابق وعي منهم. وسنعرض لذلك من زاوية نظر سوسيو أنثروبولوجية أساسا.

أ. الطقس بين المقدّس والمدنّس

تنهض الحياة الروحية والدينية للجماعات على مستويين: مستوى التمثلات والتصورات الماثلة في وعي الناس والمتصلة بالأشياء المقدّسة (كائنات بشريّة، أشخاصا مجردين، أشياء جامدة، حيوانات، أمكنة، أزمنة...) ومستوى الممارسات التي تظهر في أفعال الناس (احتفالات، ممارسات منظمة، عادات جماعية...) والتي تترجم عن تلك المعتقدات الماثلة في الوعي الجماعي والفردي من خلال الطقوس وغيرها من الممارسات. ف"المعتقدات الدينيّة تقوم في شكليها البسيط والمعقّد،- وكما يقول إميل دوركايم- على تمييز جوهريّ بين ما هو مقدّس  وما هو مدنّس"[19]. فما ستعتبره الجماعة مقدّسا تفصله في نظامها الثقافي وتبعده عن المدنّس بجملة من الممنوعات والمحرّمات، وتحميه بجملة من الموانع والشعائر. فالطقوس الدينية تتمثّل "في مجموع القواعد [والممنوعات] التي يتّخذها الإنسان وتتخذها الجماعات في تعاملها وتصرّفها مع ما تعده مقدّسا"[20]، وتترجمها في جملة من القواعد والضوابط تتقيّد بها أفعالها وممارساتها. والمهمّ أن الطقوس والدينية منها بخاصّة، تستحيل إلى وسيلة للاتصال بالمقدّس، وإلى فعاليّة رمزية يتمّ بواسطتها الدخول في حالة ذهنية جماعية خاصّة تتسم بالقداسة، وتتجلّى عندما تنخرط الجماعة في ممارسة شعيرة واحتفالا دينيا ما. إذ أنّ الحفلات الدينية بما تصاحبها من أنشطة جماعية منظمة (صلوات، رقصات، تراتيل وأناشيد...) تولّد لدى المنخرطين فيها حالات ذهنية خاصّة (état d’esprit) من الجيشان / الفوران وتتصاحب باتقاد المشاعر الجماعية و هيجانها.

تصبح الطقوس، بهذا المعنى إذن، طرائق للتصرّف والفعل الجماعي الذي يتمّ بواسطتها تنشيط حالات الوعي الجمعي، وتوضع المخيلة أثناء ذلك في موضع العمل. لقد كانت الطقوس ولا تزال في جانب كبير منها، غير مفصولة عن الدين وعن المقدّس. فالفعل الديني هو فعل طقوسي بكلّ امتياز، بل لن يتّخذ الفعل الدينيّ فعاليته إلا بواسطة الطقس الذي يولّد الشحنة الرمزية ويملؤه بها. وبواسطة هذه الطقوس الدينية، تتمّ الإحالات الرمزية، وينتقل الفعل الرمزي من الدلالة المباشرة إلى الدلالة المنزاحة (le sens écarté) عن "المستوى الصفر من الكتابة" كما يقول "رولان بارط". ونقصد هنا الانزياح عن المعنى والدلالة الأولي، بحيث أن فهم معاني الممارسات الطقوسية ودلالاتها يتمّ من خلال عمليات من الإحالة الرمزيّة التي تضرب في عمق المتخيل الجماعي والديني وتحيل إلى أعماق اللاوعي الجمعي و"أركتيباته" (archétypes) الكامنة حسب تعبير "كارل قوستاف يونغ"[21].

فالممارسة الطقسية الدينية تتضمّن فعلا تواصليا يتم من خلاله إحياء تجربة مقدّسة تدرك دلالتها ضمن المنظومة المعتقدية الخاصّة بالجماعة. و يجد المنخرطون فيها ضربا من التوازن الوجداني الذي يمكن أن يفتقدوه في تجربتهم وحياتهم الجماعية اليومية. معنى هذا أنّ الممارسات الطقسية إنّما تتخذ وسيلة ناجعة لخوض تجربة وجدانية جماعية خاصّة يلوذ إليها الأفراد لملء فراغ ناجم عن خلل في تجربتهم الجماعية. فالانخراط في هذه الممارسات الطقوسية وخاصّة الدينية منها، شبيه بضرب من "العلاج" التطهيري (cathartique)، فالطقوس أفعال تترجم عن حاجات وأفكار ماثلة في اللاشعور الجمعي. وقد سبق "إريك فروم" أن عبّر عن ذلك فقال: " الطقس في نهاية الأمر تعبير رمزي عن أفكار ومشاعر تتحقق بواسطة الفعل"[22]، لكن التعبير عن الأفكار والمعتقدات الماثلة في الأذهان لا يتمّ بطريقة مباشرة. فالرمز يعني إشارة بالدال الماثل في الفعل الطقوسي إلى مدلول كامن، وتقوم العلاقة بين الأمرين على ضرب من المشابهة أو القرابة الدلالية التي تجد ترجمة لها ضمن النسق الرمزي والثقافي للجماعة ومتخيّلها الجمعي، بحيث إنّ استدعاء الأول يعني استدعاء للثاني رمزيا.

وفي هذا السياق لا يمكن أن نمرّ دون الوقوف عند واحد ممّن انشغلوا أنتربولوجيّا بأنشطة المخيلة و إنتاجاتها الرمزية، ونقصد بذلك "جلبار دوران"[23]. فالخيال وفعل التخيّل مكوّن جوهري للذات الإنسانية. ويرى "دوران" أن ثمّة مستويين محدّدين لتشكيل الصور الذهنية والخيالية: مستوى بيولوجي مترسّخ في البناء العضوي للإنسان، ومستوى رمزي تترجمه الثقافة واللغة وأشكال الإنتاج الذهني والفنّي عنده. ويقصد "جلبار دوران" بما سماه "المسار الأنثربولوجي" للمتخيّل (le trajet anthropologique de l’imaginaire) الجدل الذي ينهض بين المستوى العضوي والبيولوجي من جهة والمستوى الثقافي ونظام الصّور الرمزية التي تعمل وتنشط في المتخيّل. فبواسطة هذا الذهاب والعود بين المستويين تتشكل الصّور الخيالية الكبرى، وتترجم عن نفسها من خلال أهمّ أنشطة الإنسان الرمزية الخلاقة مثل الأساطير والطقوس والمعتقدات الدينية، والأنشطة الفكريّة كالأدب والشعر والفنون وحتى العلوم.  و يُدرج "دوران" المتخيّل أوّلا ضمن نشاط الحواس الأساسية عند الإنسان (réflexologie) ثمّ ينتهي إلى تصنيف أنشطة الخيال إلى ثلاث محاور كبرى: موضعيّ (postural) واقتراني (copulatif) وهضمي (digestif). ثم إنّ "جلبار دوران" يؤطّر هذه الأنشطة[24] ضمن نظامين كبيرين للصور التي ينتجها المتخيل البشري :"نظام نهاري" (régime diurne) و"نظام ليلي"(régime nocturne). وما يشغل انتباهنا في مقاربة "جلبار دوران" وهو يتحدّث عن الأنشطة الرمزية التي ينتجها البشر، ومن ذلك الطقوس، أنها تجسّد متخيّلا جمعيا وأنّ صورها تشتغل وفق أنظمة يمكن ضبطها ومقاربتها. ولكي تتضح دلالة الطقس الرمزية ووظائفه نستحضر مثالين، أولهما مألوف كثيرا في أدبيات السوسيولوجية الفرنسية، وثانيهما محلّي يرتبط بالمجتمع التونسي الأهلي القريب.

المثال الأوّل: في دراسة "مارسال موس" لمؤسسات "البوتلاتش" و"الماوري" ودراسة "مالينوفسكي" لنظام التبادل في نسق "الكولا"[25] لدى مجتمعات بدائية في غرب آسيا وشمال أمريكا. ينهض التبادل على ثلاث واجبات رمزيّة (les trois obligations) مترابطة بشكل إلزامي، هي واجب العطاء الذي يقابله واجب الأخذ ثمّ واجب الردّ. وإضافة إلى ما يرمز إليه العطاء ضمن هذه العمليات الثلاثية من تحدّ من المعطي للمعطى له بما يستوجب منه القبول ثمّ الردّ بأكثر ممّا أخذ، فإنّ ما يعزّز نظام التبادل هو الاعتقاد السائد لدى هذه الشعوب في أنّ الشيء الموهوب والمعطى في شكل هبة. إنّما يحمل في ذاته روح "المانا"(Le Mana)، وهي روح تمارس على المنخرط في نظام العطايا والعطايا المردودة ضروبا من المراقبة والإلزام، بحيث أنّها تمنع استحواذ من وصلته الهدية عليها، بل ويتوجب عليه مواصلة مبادلتها مع الآخرين بحيث لن تتوقف العطية على التنقّل بين الواهبين والموهوبين[26]. وبواسطة هذا التبادل يتحقق إشباع جميع الأفراد ضمن الجماعة الواحدة. فالنظام الرمزي الذي قاد عملية التبادل الهبوي بما صاحبه من إلزام وإشباع قد مثّل الأساس الذي نهض عليه نسق التبادل برمّته. يقول "مارسال موس" متسائلا: " أليست الكلمات و التحايا والهدايا المتبادلة، من خلال عمليات الأخذ والردّ الإلزامي، سوى رموز وطقوس؟"[27]. ثمّ ما قيمة الرموز ضمن هذا النسق التبادلي إن لم تكن تلك الهدايا المدفوعة والمردودة كلماتها، ولم تكن أدواتها النساء والأطفال الذين يبادلون في شكل عطايا وهدايا؟ فتلك الأشياء المتبادلة تنقل روحها معها بين الجميع، لتحقّق غاية كامنة، إشباع كلي يتحقق لدى أفراد الجماعة، إشباع يمنع وقوع العنف ويحفظ السلام؟

المثال الثاني: في دراسة أنجزها نور الدين الطوالبي حول مكانة المقدّس والدين والطقوس في المجتمع الجزائري الحديث[28]، يرصد الباحث التشابه الرمزيّ الكبير الذي يقوم ما بين طقوس الختان وطقوس الزواج وخاصّة التشابه بين دم الختان عند الطفولة ودم الافتراع ليلة الدخلة عند الزواج، من حيث الرموز والوظائف. فإذا كان الختان "يشكّل بالنسبة إلى الرّجل أساس تكامله وانطلاقته الجنسية المقبلة، فإنّ التماس غشاء مهبلي بكر بالنسبة إلى البنت ليلة الزفاف يشكّل - بالمقابل- ضمانة لأخلاقيتها"[29] وتوازنها في سوق العرض والطلب على الشرف و"الطهارة". ويبيّن أنّ أقمشة الأم الزواجية – في الجزائر- يستعاد استعمالها يوم يختن أوّل صبيانها. وضمن هذا التماثل تكمن القيمة الرّمزية للطقس، حيث يعبّر هذا الفعل رمزيّا - هنا وهناك- عن ظواهر يحيل بعضها على بعض، و تشتغل في تناسق لا واع ضمن منظومة اللاّشعور الجمعي. فـ" الأقمشة الملطّخة بدم الأم أثناء الافتراع هي التي ستستقبل دم الختان لاحقا! وبذلك تكتمل دلالة دم الختان "الرجولي" بدم "البكارة". وهنا يكمن الارتباط الرمزيّ الواضح بين طقسي الزواج والختان"[30]. وفي كلا المثالين يحيل الفعل الدال: الإعطاء الملزم في المثال الأول (قبول التحدي والتبادل)، وإسالة الدم في الختان (في المثال الثاني)، على مدلول خاصّ، هو التساوي بين فحولة رجالية وطهارة (pureté) أنثوية، ولا يتم إدراك العلاقة بين الرمزين إلاّ بإدراجها ضمن شبكة المعاني الثقافية الخاصة بالجماعة.[31]

ب. الطقوس ووظيفة التجييش

بهذه الفعالية الرمزية التي تتخذها الطقوس لتجييش الذهن الجمعي وتعبئته، تتّضح الوظيفة الحاسمة التي يتخذها في حياة الجماعات. و يمكن القول إنّه لا توجد مجتمعات لا تحتاج إلى تقوية وعيها الجمعي وتثبيته خلال مناسبات محدّدة. و من هنا نتساءل عن الفرق مثلا بين اجتماع آلاف المؤمنين في الحجّ أو التقاء جماعات من اليهود في الكنائس للاحتفال بذكرى "الخروج" أو اجتماع المسيحيين للاحتفال بأحداث عاشها المسيح أو إقامة حفل رياضي جماهيري كبير؟ تقوّي جميع هذه الاحتفالات بالطقوس التي تصاحبها المشاعر الجماعية وتتعهّد الوعي الجمعي بالتقوية، كما تدعم انتماء الأفراد إلى النظام الأخلاقي القائم. ولا تمثّل الطقوس في كلّ هذه الأمثلة هدفا في ذاتها، بل تدرك قيمتها - كل قيمتها- من وظيفة الشحن التجييش التي تلازم الأنشطة الجماعية وخاصّة الاحتفالية والدينية منها. لكنّ السّؤال الذي يثار ههنا، هو كيف يتولّد الشعور بالحماسة وحالة الغليان المصاحب للأنشطة الطقوسية الجماعية؟

و في الحقيقة يعيش الأفراد، وهم أفراد لذواتهم الفردية، و لكنهم عندما ينخرطون في الأنشطة الاحتفالية الطقوس الجماعية، دينية كانت أو غير ذلك، فإن الروح الجماعية تتّقد ويعاد تنشيط الضمير والحسّ الجمعي، وينتقل الأفراد من كونهم أفرادا "منفردين" إلى أفراد "جماعيين" ولقد سبق لـ"دوركايم" أن أكّد مثل هذه الحقيقة في مؤلفه المخصّص للحياة الدينية: "الأشكال الأولية للحياة الدينية" فقال: "يتشكّل لدى الأفراد من خلال حضورهم الجماعي ضرب من الشعور الجمعي الجيّاش لا يدركونه وهم في حالتهم الفردية"[32]. فالأفراد يفتقدون إلى الطاقة الحيوية إذا كانوا فرادى ويبقون غير مبالين بالعالم مستسلمين للفراغ والروتين اليومي، ويتصرّفون كمن أصابهم الإنهاك غير مبالين بما يؤتيه الآخرون، و لكن وحدها الممارسات الجماعية و الطقوسية التي ستجيّشهم وتملأ الفراغ الذي يغرقون فيه، وتدخلهم في الحالة الجماعية. يحيي الاحتفال الجماعي في الفرد قوّة خلاقة تجعله يتجاوز حدود فرديته، إذ يصبح بذلك الفرد كائنا "أكبر" من كونه واحد و مفرد، إذ يعيش في الكون ويشعر بالزمن والفضاء بشكل يختلف عما يشعر به في حال فرديته. فثمّة حرارة وعاطفة يولّدها الفعل الطقوسي الجماعي (لاحظ مثلا أجواء الملاعب، أو جوّ المآتم أو أنشطة الحجّ أو حالات الانتفاض الجماعي في الساحات[33]وغير ذلك) تدخل الأفراد في حالة من الجيشان وتوحّد حسّهم الجمعيّ كما تدخلهم في زمنية (temporalité) خاصة[34]. ومثل هذه التجربة الخلاّقة تثبت أنّ في عمق الذات الفردية ذات جماعية كامنة تجعلها هذه الممارسات الطقوسية الخلاّقة تستفيق.

و ثمّة أمثلة كثيرة تعطينا إياها الممارسات الدينية الجماعية مثل الحجّ وصلاة الجمعة وحفلات الرقص الجماعي الديني ("الزردة"،"السطنبالي"، "العيساويّة" وغيرها)، كما تعطينا إيّاها الاحتفالات الفنية الصاخبة مثل حفلات موسيقى "الفانك" (Funk)"[35] أو موسيقى "المزود" وإيقاعاتها أو حفل "النوبة" خلال بعض الاحتفالات السائدة في المجتمع المحلي التونسي. فما يصاحب هذه الاحتفالات من أنشطة تعبيرية متعدّدة، ومن إيقاعات موسيقية تخمريه (musique de transe) ومن إخراج دراميّ، وتنظيم ديكوري، و توضيب للألبسة الفولكلورية، كلّها- في تناسقها- تجيّش الوجدان وتولّد حالات من الفوران والحرارة  الجماعية وتدعو إلى الدخول في زمن خيالي طقوسي.

سوف لن نبالغ عندما ندرج الاحتفالات الرياضية الجماهيرية في الملاعب والساحات الكبرى اليوم ضمن هذه الممارسات المجلّلة بالقداسة والرّمز والطقوس. فملاعب كرة القدم اليوم أصبحت ساحات للاحتفال الطقوسي بكل امتياز، والمقابلة الرياضية هي بشكل ما مختصر درامي، والجماهير تعيش في ملاعب الكرة تجربة "خلاقة"، حيث يتخمّر المشجّعون ويهتزّون على وقائع المباراة ويرقصون في حالات من الجيشان والغليان، لا للنصر أو للغلبة فقط، ولكن لما يصاحب اللعبة من حالات غليان جماعي. وتتحوّل أجساد اللاعبين والمشجعين معا إلى نصوص / أجساد مجللة بالرموز: ألوان وأشكال و أوشام وأهازيج جماعية وأنواع من الألبسة وحلاقات خاصّة للشعر. ثمّة بالتأكيد بين الاحتفال الرياضي بطقوسه، والاحتفال الديني تشابه كبير. أفلا يحضر السحرة ببخورهم هنا وهناك؟ أفلا يتقاسم المنتصرون التهاني في آخر اللقاء ويتبادلون رفع الكأس الواحد تلو الواحد كما يفعل المحتفلون في الطقس الديني حيث يشربون من الكأس واحدا واحدا؟ لقد أثبت "كريستيان برومبارجي" التماثل الكبير الذي ينهض بين الحفل الرياضي والحفل الديني وبيّن كيف يمكن للمشاعر والعواطف الجياشة التي تهز الملاعب أن تصنع احتفالا جماعيا مُمَسرحا في فضاء شبيه بفضاء المعبد، يتوزّع فيه الجمهور بنفس توزّع جماعات المؤمنين[36]. في الحقيقة كان "دوركايم" على حقّ عندما أشار بشيء من التنبّؤ إلى دور الممارسات الاحتفالية الجماعية في المجتمعات الحديثة قائلا: "سيأتي يوم تعرف فيه مجتمعاتنا لحظات من الفوران الخلاّقة، تنبثق من خلالها أفكار جديدة وتتبلور صيغ صالحة -خلال الزمن- لتكون موجّها للإنسانية"[37] .

ج. الفعل الطقوسي  و النجاعة الرمزية

انشغلنا فيما سبق، بمعالجة الطقس من زاوية ثنائية المقدّس والمدنّس، إذ أن فعاليته وقيمته استمدّت أساسا من ارتباطه بالقداسة والدين. و الحقّ، أنّ فعالية الطقس تتحقق أيضا حتى من خارج إطار المقدّس وذلك مادام النشاط الطقسي يشتغل وفق آليته الأصلية: التكرار والتقعيد. فللطقس دوما نجاعة عملية، لأنه يحدث فعلا تغييريّا رمزيّا على الأشياء والأشخاص. ههنا تتساءل "ماري دوقلاس" مستندة إلى فضيلة النجاعة بوصفها فعالية تلازم الفعل الطقسي، "هل يمكن إنشاء المعنى دونما الالتجاء إلى الطقس؟"[38] وللجواب على ذلك ترى أنّ إرساء علاقة صداقة ما وإنشاؤها لا تقوم دون إجراء طقوس للصداقة، فلكي نعزّز حبنا ونعبّر عن صداقتنا نبعث بطاقة بريد أو إكليل زهور أو نقوم بزيارة مجاملة. معنى ذلك أن حياتنا الاجتماعية تحتاج دوما إلى فعالية الطقس، ولا يمكن للرّوابط أن تتعزّز دون توسّل بالأفعال الرمزية والطقوسية[39]. و في هذا السياق قد لخّصت "دو قلاس" هويّة الإنسان في قولها إنّه كائن طقسي بكلّ امتياز، والطقس "يوجد - كما يقول مارسال موس وتؤكّد قوله " دو قلاس"- حيثما ينتج المعنى"[40]. أي ثمّة تفكير ورمز، وسؤال الرمز والمعنى هو مشغل الإنسان في كل زمان. ومن حيث الكثافة التي تتمّ بها ممارسة الطقوس، يجب القول، أنها تتعزّز عندما يشتدّ قلق الجماعة وخاصّة عندما يواجه أفرادها تشوشا واضطرابا في تمثّل القيم بسبب الصراع بين القديم والجديد، في مجتمع سريع التغيّر تعرف فيه القيم(التي ينظم بها الناس ممارساتهم وعلاقاتهم) تغيرا وعدم استقرار. ووضع مثل هذا يدعو إلى تجنيب الذات الذوبان ويسعى إلى حمايتها من التوتر والقلق.

 ولنقف هنا عند آلية التكرار المصاحبة للطقوس في علاقتها بالزمن. فأن نكرر ونعيد الأفعال الطقوسية (بحسب القواعد المتعارف عليها) يعني أن نحيي زمنا ماضيا ونقاوم تجدد زمن حاضر، أو على الأقل نكسر نزوعه إلى الحركية الرتيبة. فقد بيّن "جلبار دوران" في معرض تحليله للنظم التي يشتغل بها المتخيّل البشري، كيف يلغي عالم الصور الذهنية الماثلة في المتخيّل الجمعي حركة الزمن الفيزيائي السائر إلى الأمام، وذلك ضمن حركة من العود الأبديّ إلى زمن الأصول، الأمر الذي يسمح باستحضار تجربة أو حادثة متخيّلة لتُـعاش من جديد. فتكرار تقنية ناجعة للطقس، يسمح في الآن نفسه بالتحكم في الزمن رمزيّا (باستحضار أحداثه المؤسّسة[41]) والحفاظ على تناغم البناء المعماري للعواطف والصور المشكلة للوعي الجمعي. وتمثّل "الرزنامة الطقسية" (calendrier liturgique) الموزّعة على اليوم وعلى السنة وعلى محطّات العمر، بالممارسات المفصّلة التي يصاحبها زاده الحيوي لأنها تسمح له بأن يرحل وجوديّا[42] ويتزوّد بالمعنى (se restaurer du sens).

 د. الطقوس ووظيفة التأسيس

يتحدّث علماء الإيثنولوجيا وثقافات الشعوب عن طقوس التحوّل أو العبور[43] (Rites de passage) دوما ليشيروا إلى ضرب من الطقوس التي تقام احتفالا بتحوّل نوعي يقع في حياة الأفراد والجماعات. وقد يتمّ طقس العبور احتفالا باكتمال حصول تغيرات بيولوجية في حياة الأفراد (الولادة، الخطوة الأولى من المشي، الختان، التعميد، أوّل عادة شهرية، الزواج، الوفاة...) أو عن التحوّلات تقع في مكانات الأفراد ضمن البناء الهرمي للجماعة التي ينتمون إليها (الختان واكتمال الرجولة، التعميد واكتمال الدخول في المسيحية، الزواج ودخول وضع الزوجية، الحجّ وإكمال القيام بالشعائر، تنصيب المسؤول في مركز..). ويعود الفضل لـ"أرنولد فان قيناب"[44] الذي ضبط بنية طقوس التحوّل والعبور دارسا لطقوس جارية لدى شعوب بدائية وحديثة متعددة. وبيّن هذا الأخير، أنّ هذه الطقوس التحوّلية هي ذات طابع كوني، وهي على اختلافاتها تنهض على سيناريو درامي واحد سمّاه "نظام المقاطع الثلاث"[45]. ففي المجتمعات التقليدية حيث كانت الفواصل بين الأجيال والطبقات العمرية سميكة، يستدعي العبور بين فواصلها وحدودها من الجماعة المحلية إجراء طقوس للعبور غايتها التأسيس الرمزي للحدود القائمة بين المكانات والمواقع في سلم الهرمية الاجتماعية، وضبط الفوارق النوعيّة بين المقامات (statuts)، والحقوق والواجبات المتصلة بها.

لكن ما علاقة الفعل الطقوسي بعمليّة التأسيس (institutionnalisation) وممارسة السلطة؟ في الحقيقة تستوجب عملية العبور إلى المكانة (statut) الجديدة اعترافا وشرعية تسمح بها فعالية طقوس العبور و"التأسيس"، أو طقوس "إضفاء الشرعية" كما يقول بيار بورديو[46]. فأن نؤسّس لمركز اجتماعي أو مكانة ما يعني أن نضفى على الشخص "العابر" إلى المكانة الجديدة اعترافا وشرعية تلازمها "صلاحيات" وامتيازات جديدة. ويساهم الاحتفال الطقسي بحسب ما تصاحبه من شعائريّة سحريّة ناعمة في تحقيق عملية العبور. طقس الختان مثلا – بما هو طقس ديني ذو مدلول جنسي، "ينقل" الطفل  و"يدخله" من جهة في حظيرة الإسلام[47] ، ويجعله واحدا من جماعة "الذكور" ثانيا. وبين عالم الطفولة وعالم الذكورة والرجولة حدود جغرافية وفضائية لا بدّ للعبور بينها من تجاوز الفواصل الرمزية بينها. فأن يُختن الولد يعني أنه يعبر إلى مكانة "الرجل" أو على الأقل أنّ يعدّ له. ثمّة فروق في النوع (genre) بين الإناث والذكور تصحبها امتيازات كثيرة[48] في مجتمع يكرّس الحدود الجنسية، يتمّ إرساؤها والتأسيس لها رمزيّا، وتقام لها احتفالات مكلفة أحيانا كثيرة. وتعطينا نماذج من الحياة السياسية اليومية أمثلة كثيرة عن طقوس التأسيس هذه.. فعندما يدعى عضو ما إلى أداء مهمّة وتحمّل مسؤولية سياسية محددة، تقام له طقوس وشعائر (investitures) خاصّة للتنصيب بشكل احتفالي، وخلال ذلك تُجرى عمليات رمزيّة "سحريّة" تترجمها الأقوال ومجموعة من الممارسات "البسيطة" لكن فائقة الدلالة باعتبارها بروتوكولات لازمة للطقس. فطقس التأسيس أو طقس التنصيب، ينهض بوظيفة أساسية حاسمة. إذ ثمّة شرعية يقع إضفاؤها واعتراف رمزي يتمّ التأسيس له وتمريره ضمنيّا لجعل الفواصل و"الامتيازات" التي تتصل بالمقام الجديد حقيقة قائمة[49] تحظى بالشرعية والاعتراف. فبواسطة الطقس والاحتفالات التي تصاحبه، تبنى الحدود الرمزية بين المكانات القوية و المكانات الأقل قوّة في سلّم المواقع. وتسمح عمليّة التأسيس بالعمليات "السحرية" والبروتوكولات التي تتمّ بها بتعزيز الامتيازات والحقوق المعنوية والرمزية التي يقتضيها المقام الجديد.  

و يتحقّق فعل التأسيس هذا، أيضا من خلال تكرار الشعائر التعبدية الدينية، فتكرار الإتيان بتلك الشعائر بحسب توزيعيّة زمنية يومية وأسبوعية وسنويّة calendrier يساهم في ترسيخ المعتقد في الذهن والجسد، وذلك على شاكلة ما يسميه "بيار بورديو" التطبّع (habitus). لأن الاستعدادات (les dispositions) والطباع تترسّخ تباعا عبر عمليات التكرار والتطويع المستترة، وخاصّة تلك المصحوبة بالشحنات الروحية والوجدانية. فتكرار الطقس بالعمليات التي تصاحبه إنّما يدعم عمليات التنشئة والاكتساب الثقافي، ويساهم في ترسيخ القناعات والميول في الجسد والذهن معا.

لننظر في طقوس الزواج باعتباره من أهمّ طقوس التحوّل مثلا، فالطقس يضبط للمنخرطين فيه مكانات محددة مثل  "وضع العروسين" بما أنّهما محور عملية العبور، ووضع المشاركين (الأهل، الضيوف...) ومثلما قال "كلود ريفيار"، فــ"إنّ الوظائف التي يضطلع بها المنخرطون في طقوس الزواج، هي نفسها تلك الأفعال التي يمارسها الأفراد بوصفها نماذج ممسرحة (théâtralisés)"[50]. فطقس الزواج يهيّئ للعريسين تقمّص أدوار الزوج والزوجة، تتولّد منها علاقات جديدة تتصل بتلك المراكز التي هي علاقات المصاهرة والنسب. كما يساهم في ترسيخ العادات والمثل المشتركة ومعايير الجماعة ويضعها موضع العمل. وتكون الطقوس خلال ذلك مسرحا لأفعال دالّة، كالألبسة (بيضاء للعروس تعبيرا عن العفّة والشرف والرقّة، وسوداء أو زرقاء للعريس تعبيرا عن السلطة والقوّة والفحولة)، أو ضرورة أن تخرج العروس إلي دار زوجها من بيت أبيها، إعلانا عن انتمائها وأصالتها، وغير ذلك من العمال الدالة.

وبالنظر إلى "زمنيّة الطقس"، وخاصّة طقس التحوّل فثمّة نوع من"الإيقاع" والتحقيب الذي يفرضه هذا الفعل، فالعودة من جديد لاستحضار حدث ضارب في القدم للاحتفال به، مثل عيد الأضحى أو المولد النبوي أو حتى عيد الميلاد هو من جهة عودة إلى زمن مضى والوقوف عنده، وفي ذلك ما يشبه تنقيط أحداث الحياة (ponctuation des événements). كما نجد ذلك في طقوس الأعراس، فهي تنقسم إلى أزمنة صغرى / أيام تتوزّع على مساحتها احتفالات الزواج، فنجد يوما لـ"الحمام" ويوما لـ"للحنة' ويوما لـ"إطعام" وليلة لـ"دخلة" ويوما لـ"للصباح"[51]، وغير ذلك. و باعتبار أن هذه الطقوس تتمّ في تسلسل، فإنّها تنتج بنيويّة زمنية دورية، ومثل هذه الزمنية المتكرّرة تلغي عشوائية تصرّفاتنا وتخضعها لزمنية مقدّسة.

وفي كلّ الأوضاع التي نكون فيها بصدد طقوس العبور(طقوس "الدخلة" وفضّ "البكارة" خلال الزواج بوصفها أمثلة)، والطقوس الاحتفالية المصاحبة لعودة الحاج، وطقوس تنصيب المسؤول السياسي وغيرها)، فثمّة فيها دوما عملية تأسيس وإضفاء للشرعية، وثمّة دوما فواصل وامتيازات وحدود سلطوية يتمّ بناء صرحها وتثبيت لإشارات العبور فيها. وفي كل تلك الأحوال يلفت طقس العبور أو التأسيس، الاهتمام إلى وقوع الانتقال من وضع إلى وضع لاحق، ويمرّر بنعومة امتيازات وحقوقا يدعم بواسطتها فواصل الاسمنت بين المكانات التي يحتلّها الأفراد. يقول بيار بورديو في هذا الشأن:" إنّ التأثير الأكبر للطقس [طقس العبور] يكمن في ما يمرّره بخفاء كلّي بحسب اعتبارات اعتباطيّة، وفي ما يقرّه من قناعات لدى الأطراف المعنية بحدث العبور"[52]، فالتمثلات والرموز المصاحبة لعملية العبور إنّما تعزّز الحدود وتضفي عليها الشرعية. وهو ما يعكس الوظيفة التأسيسية الحاسمة التي تنهض عليها هذه الطقوس ضمن الصراعات الاجتماعية وضمن ما يسمّيه "كورنيليوس كاستورياديس" بـ"التأسيس المتخيّل للمجتمع"[53] Institution imaginaire de la société.

هـ. المجتمع المحلّي والترميم الثقافي

ثمّة سؤال مهمّ يثار هنا: كيف يمكن تنزيل الممارسات الطقوسية بالمعاني والوظائف التي أشرنا إليها لفهم مجتمعاتنا المحلية؟ لكي نعالج هذا الأمر يجب أن ندرك حجم التغيّرات الاجتماعية التي هزّت مجتمعاتنا الحديثة وما صاحبتها من تمزقات ثقافية ووجدانية. نشير أوّلا إلى أنّ العمل و اللاعمل لم يكونا في المجتمع التقليدي منفصلين، وما نسمّيه اليوم بـ"وقت الفراغ"(temps du loisir) وأنشطة الترفيه والأنشطة المختلفة التي نملأ بها عطلنا لم تكن منفصلة عن الحياة العملية وأنشطة الحياة اليومية، وكانت الأنشطة الدينية والطقوسية والممارسات الرمزية المتّصلة بها مندمجة في أنشطة الحياة الاجتماعية. أمّا اليوم وقد تعلمنت الحياة الاجتماعية (laïcisée) و تكثـفت حركة تقسيم العمل الاجتماعي واستقلّت أنشطة الحياة المختلفة عن الحياة الدينية. فقد انفصلت أوقات الفراغ وأنشطة الترفيه عن أنشطة العمل والإنتاج، فنقلت معها الأنشطة الرمزيّة والطقوسية التي كانت تنهض بها، لكنّ يجب القول هنا، إن مثل هذه الأنشطة التي قد استمرّت تمثّل ملاذا للاحتماء ومقاومة لما تمخّض عن التغيير الاجتماعي من تبعات (تذرّر القرابة وتمزّق الوجدان الجماعي وتشوّش القيم)، وحتى للتعبير عن أشكال من الهويّة تتخذها فئات اجتماعيّة واسعة – إما أنّها تعيش انبتاتا عن أصولها (الطبقات التي استفادت من ثمرات التنمية  وارتقت اجتماعيّا بسرعة[54]) أو توجه صعوبات في الاندماج، أو تعيش في أوضاع مرتبكة بحكم ما صاحب التغيّرات الاجتماعية الحاصلة من تمزّقات في الروابط الأهلية والجماعية، ومن تشوّش في القيم المرجعية، الأمر الذي خلق ارتباكا في النماذج الثقافية والتصورية. فالممارسات الطقوسية قد مثّلت في هذه السياقات مجالا للاستثمار الرمزي (investissement symbolique) تنخرط فيه فئات منشغلة كثيرا بهويتها ووجودها الاجتماعي.  فتتخذ من هذه الاحتفالات الطقوسية فرصا لتتعهّد رأسمالها الاجتماعي، وتربط "صفقات" تنمّي بها رصيدها العلائقي. ويختلف مثل هذا الاستثمار من حيث أهدافه وكثافته باختلاف الفئات الاجتماعية ومواقعها وشواغلها.

و من هذا المنطلق تفسح ممارسات الطقوس المجال واسعا للفئات الاجتماعية المختلفة بأن "تتزوّد" بالمعنى (se restaurer avec du sens)، فبما يصاحب هذه الاحتفالات من عمليات من التعديل والترميم الثقافي كما يقول "روجي باستيد"[55]، وبما يتحقق للأفراد من إشباعات لحاجات رمزية، ينسدّ جانب من الثغرات وتقع معالجة جانب كبير من الإرباكات و التمزقات التي تواجهها الجماعة في محيطها المحلّي، وتقدر الجماعة المحلية من ثمة، بواسطة الممارسات الطقوسية، على أن ترتق ما هدّمته التغيرات الاجتماعية العميقة وما أحدثته من شروخ في روابطها الاجتماعية ووجدانها الجمعي.

وتعطينا عديد من الممارسات الاحتفالية الجماعية - حيث يمتزج الديني بالاجتماعي- في المجتمع المحلّي مثل الزواج نماذج عديدة لذلك، فخلال الأعراس تقام الأنشطة الاحتفالية الصاخبة وتؤتى خلالها ممارسات مفرطة في التحرّر. و تعتبر هذه الممارسات، ضمن النظام الأخلاقيّ والقيم الدينية السائدة، مستهجنة (احتفالات صاخبة، شرب الخمر، ألبسة خليعة، رقص إباحي)، لكن الجماعة المحلية تغضّ الطرف عن إتيان بمثل هذه الممارسات في هذه المناسبات. ومن منظور وظيفي فإنّ مثل هذه الممارسات، تساعد على تحرير الأجساد من أعباء الضغوطات اليومية، وتقرّب الأفراد المفرّقين بفعل تذرّر القرابة وتأثير الحراك الجغرافي الحاصل، وتسمح للنفوس التي كلّت بأن تفرّغ مكبوتاتها عبر الاحتفال. وهنا تتضح وظيفة الإشباع التي تحققها الممارسات الطقسية في حياة الجماعة المحلية، بحيث تستحيل احتفالاتها متنفّسا تعبّر من خلاله عن مكبوتاتها اللاشعورية، وتصبح الممارسات الرمزيّة مثل المسرّح الناجع الذي يعالج الاختناقات، مثَلُه في ذلك مثل مسرّح الغازات échappatoire الخانقة لمحرّك يعمل في غليان وحرارة.

وبصفة عامّة وتجاوزا للرؤية المخصوصة بوظيفة الطقس هنا أو هناك أو بكيفيات حضوره لدى هذه الفئة الاجتماعية أو تلك، فثمّة حقيقة يجب تأكيدها وهي أنّ الممارسة الطقسية ليست ضربا من الترف الفكريّ الذي تؤتيه فئات تعيش أوضاعا اجتماعيا مرتبكة أو مرضية، وهي أيضا ليست ممارسة فوضوية مفرغة من المعنى، إنما هي فعل جماعي يتوهّج بالمعنى بالنسبة لمن يراقبه سوسيولوجيا كان أو ايثنولوجيا. كما تتضمّن هذه الممارسة بناء يتّسم بالتكامل يمكن ضبطه ومتابعة تواتر مقاطعه المنتظمة، بما يسمح من اكتشاف النظام داخل ما يبدو على أنه فوضى في الظاهر. وعلى مستوى التحليل الوظيفي يمكن أن نتبيّن كيف تتخذ الأنشطة الطقوسية فعاليّة و نجاعة خاصّتين، وتملأ وظائف كامنة في حياة الجماعة المحلية، فتضمن لممارسيها نوعا من العلوّ والسموّ لا تستطيع رتابة الحياة اليومية في الحقيقة أن تمنحهم دوما إياه، كما تتيح لهم الدخول ولو مؤقّتا في حالات ذهنية سارّة. وإذا ما أخذناه إلى جانب هذا بعين الاعتبار الوضع العام الذي يعرفه المجتمع التونسي بوصفه مجتمعا متحوّلا بسرعة – و الشبيه عموما بالمجتمعات المغاربية - حيث عرف هذا المجتمع، إضافة إلى الاستعمار، أشكالا من التحديث السريع والمرضيّ (على الأقل بعيد الاستقلال ومع بداية التجربة التنمويّة) وقد صاحبت ذلك حالات من التمزّق الوجداني وضياع الأبعاد و المعالم. ندرك عندئذ دلالة إقبال الفئات الاجتماعية المختلفة وخصوصا تلك المهمومة بكينونتها ووجودها (أو تلك التي تعيش اجتثاثا عميقا بحسب تعبير "بيار بورديو"[56] الذي يصف الوضع الاجتماعي في الجزائر خلال أزمة الخمسينات والستينات) الكثيف على هذه الممارسات وتشبثها بالتقاليد والعادات القديمة، وندرك علاقة ذلك بهمومها وشواغلها، كما نفهم معنى ما قاله "جون دوفينيو" في ختام مؤتمر تناول مسألة التحوّلات الاجتماعية: "...إنّه لا توجد مستقبلا إلا سوسيولوجيا للتحولات، أو سوسيولوجيا تحولات باتجاه معكوس"[57].

ومن جهة أخرى تساعد الطقوس ممارسيها بحكم عمليات التكرار الذي تلازمها على أن يعيش هؤلاء في الزمن بطريقة مخالفة لأسلوب عيشها بالطريقة الخطية، فبواسطة آلية الاسترجاع والاستحضار المتضمَّنتين في الفعل الطقسي، يتاح للناس بأن يعيشوا الزمن و يحقبونه على طريقتهم الخاصّة، فيتجدّد لديهم الإحساس بالعودة إلى الأصول، ومن ثمة يمكنهم أن يضعوا حاسب الوقت في كلّ مرّة في موضع الصفر (mettre le compteur du temps à zéro)، حسب تعبير "ميرسيا إلياد"، ويبدؤوا من جديد. فالتكرار الطقوسي والعود الأبدي إلى البدايات يساهم في مقاومة الزمن الفيزيائي الدافع دوما إلى الأمام والتغيّر المربك لحياة الجماعة القلقة عن هويتها. ثمّ إن الطقس بما هو نشاط رمزي وجسديّ معا يوفر للأجساد مجالات لتفريغ المكبوتات وتصعيد الضغوطات وتسريح جوانب كثيرة من الرّغبات الدفينة، وحاجات مثل هذه لا يقع إشباعها إلا من خلال استدعاء زمن طقوسي و ميثيولوجي خاص تحياه الذاكرة الجماعية في كلّ مرّة عبر الطقوس المكرّرة، للإفلات من خطّية زمن فيزيائي كوني مصحوب بثقافة كونية آخذة في الانتشار أكثر فأكثر، مذيبة التنوّع واختلاف الهويات المحلية، فارضة قيمها وأنماطها الثقافية.

تراجيديا التكرار

 يشير الأنثربولوجيون وعلماء الاجتماع كلّما انشغلوا بمسألة الطقوس إلى ما يسمونه بحالة الاختلال (décalage) بوصفها ظاهرة ملازمة لأوضاع الناس ولتجربتهم الاجتماعية كلما خضعت للتغيّر السريع، وردّا على هذا الوضع تظهر الممارسات الطقوسيّة (le rituel) أداة لردم هذا الخلل وسدّ ما ينتج عن التغيّرات من اختلالات. إذا لا معنى للحقيقة بالنسبة للطقس إذا كانت غاية يُنتَهي إليها، ولذلك يؤتى به لمقاومة هذا الميل الجارف في سير الزمن إلى الأمام في اتجاه خطّي متّصل. و من هنا إذن ندرك لم يمثّل التكرار المصاحب للفعل الطقوسي نفيا للزمن وعودة به إلى حدث مضى ولِمَ يدرك الطقس ذروته من خلال التكرار. فبواسطة هذه الفعالية يضمن الفعل الطقوسي عَودًا أبديّا للشيء نفسه، ومن هنا يستحيل الفعل الطقوسيّ تقنية ناجعة للتحكم في الزمن والحفاظ على نوع من الانسجام ضمن "معماريّة" العواطف تسمح بتعايش الأضداد وتوافقها. وليس صدفة أن تتمظهر هذه التقنية وتصل ذروتها الحاسمة في دور العبادة (الدير، الأسقفية، المسجد...) وتدخل باعتبارها أداة أساسية يوظفها الساهرون على التربية الروحية(مثل ما يحدث في"اليـوقا"، والصلوات، والترانيم الدينية)، بحيث أنّ حالات الصحو والصفاء والهدوء التي قد تُعاش من خلال التجربة الروحية والطقوسية تمثّل مسارا تًعلُميّا ذا أصل ديني. فالأديان وخاصّة تلك التي تلحّ كثيرا على التزهّد والتعبّد قد أدركت هذه الوظيفة مبكّرا على أنّها أداة مفاوضة يتّخذها المؤمن في مواجهة شعوره بالحرمان، ومن ثمّة فإنّ الرزنامة الطقسية (calendrier liturgique) التي تخضع لها أوقات المؤمنين بما يصاحبها من ممارسات وشعائر مسطّرة ومنظّمة في السنة واليوم، تمثّل زادا يضمن لهم نوعا من الاستقرار الوجودي.

فالطقوس بهذه الوظيفة هي بشكل ما إدراج لتجربة معيشة ضمن صيرورة "كوسموقونية" كلية. وفي مثل هذه السياق يشير "جلبار دوران"[58] إلى وظيفة التكرار الذي يصاحب تقطيع الزمن، بما يوجده من إيقاعية سحرية ومن تعزيم (incantation)، يساهم في ضبط الزمن وحتى إلغائه. ويبيّن "ميشال مافيزولّى" أنّ ضمن آلية التكرار دارة (court-circuitage)[59] تربط بين الزمن والفضاء، فتلقي بظلالها في المعيش اليومي للناس. وفي هذا السياق سبق لـ"دوركايم" أن بيّن في عمله الكبير "الانتحار" كيف يمكن لأشياء كثيرة كامنة في الحياة الاجتماعية أن تستفيق وتعاش من جديد[60] خلال أزمنة متتالية. والموضة نفسها – المحسوبة على التجديد الدائم- لا تحمل دوما المبتكر الجديد بقدر ما تنهض على إحياء موديلات قديمة تجدّدها مع بعض "الرتوشات" المضافة.

يمكن القول هاهنا إنّ التكرار وإحياء الممارسات القديمة ظواهر ملازمة للتغيّر الاجتماعي السريع الذي يقع في تجربة الناس التاريخية. وهو- كما يقول "مافيزولّي"- وسيلة "تتّخذها" "تشكيلة اجتماعية" مهددة بالزوال لتفاوض خطر الانمحاء بفعل آثار التغيّرات الاجتماعية"[61] التي تقع. و بهذا المعنى تصبح ممارسات الطقوس خزّانا حاميا يضمن بواسطة "النفي وإحياء زمن الأصول"، تفادي ما قد يصاحب التغيرات الاجتماعية السريعة من آثار. وعلى سبيل الاستعارة يقيم "ميشال مافيزولّي" تشبيها بين وظيفة "الثقب السوداء" التي يتحدّث عنها علماء الفيزياء الحديثة في الفضاء الفلكي وبين ظاهرة التكرار المصاحبة للممارسات الطقوسية. فالثقب تمثّل خزّانات خاصّة تقاوم أشكال القصور الحراري (entropie) في الفضاء المحيط بكوكب الأرض، وكذا التكرار الطقسي فهو يقاوم القصور الناجم الذي تخلّفه الوقائع والتغيّرات السريعة الواقعة في وضع الناس وأحوالهم[62]. وبهذا الاستعارة (métaphore) نتبيّن أنّ الاجتماعي (le social) وكما يقول"نوربار إلياس"،"لا ينمو ويتطوّر بحسب انفجارات فجائية تُغيّر الواقع الاجتماعي بسرعة، إنّما بحسب تحويرات صغيرة كامنة وغير مدركة"[63] في حياة الناس. من هنا سنعدّ الطقوس الاجتماعيّة، ومن زاوية نظر عيادية كما يقول النفسانيون، خزّانات مقاومة بكلّ امتياز، فمن خلال أشكال الخلق الصغيرة التي تتمّ في اليومي تتشكّل جيوب المقاومة، ويعوّض المجتمع المحلّي، الذي أربكت "جسده" الاجتماعي عوامل التغيّر، عمّا خسره خلال التغيّرات ويسدّ الفراغات الواقعة هنا وهناك.

وفي الواقع إنّ المجتمعات الحديثة واقعة أكثر فأكثر تحت هيمنة المؤسّسات وطغيان منظومة البرمجيات والأزرار ممّا يوسّع من حالات الاغتراب، وثمّة عنف ناعم يخضع له الأفراد وقد صُيِّروا أرقاما واختُصِروا في قوّة إنتاجية تُبَاع وتُشترى. كما جُعِلوا موضوعا يُطوَّع وفق معايير النجاعة الإنتاجية، مما أصاب قيم "العالم الاجتماعي" التقليدي وكس وضمور. ففي هذه المجتمعات المتغيّرة بسرعة حيث التهمت التقنية الثقافة وتتفّه جانب من قيم المجتمع التقليدي وأعيدت جدولتها- بما لم يستسغه أجيال الكبار والمتقدّمون في السنّ، إذ أخذت الثقافة المعولمة مكانها في كلّ مكان آتية على الأخضر واليابس. في هذه المجتمعات، ظهرت "مطالبة ملحّة بحقوق كاملة للخيال عبّر عنه انتشار الإدمان وأنواع من الموسيقى الهائجة، وأشكال من التحمّس للفنّ في أقصى مظاهره وظهور مذاهب لاعقلانية. وفي خضمّ نوع من التزمت الذي تمارسه العقلانية التقنية و البراغماتية الظافرة، ترتدّ الطاقة التخييلية بجدلية انتقامية"[64]، فيظهر الميل لدى فئات كثيرة من الناس تعيش أزمات كينونة إلى الأنشطة "اللاّمعقولة" مثل تلك التي بينّاها أعلاه. وإذا كان ما نردّده هذا أصلح للانطباق على المجتمعات الغربية، فإنّ الأمر في مجتمعاتنا العربية النامية يختلف، إذ تواجه الأجيال الجديدة في ظلّ تحوّلات عسيرة وكأداء أنواعا من ضياع الأبعاد و المعالم. وتخوض هذه الأجيال تجربتها ضمن حداثة مسقطة وتحديث كان مشوّها وتابعا عند انطلاقته، ولم تجد فئات واسعة حظّها في ثمرات التنمية والتحديث. لذلك تلجأ في ممارساتها الثقافية إلى "اللامعقول" باعتباره مجالا لتفريغ المكبوتات والحفاظ على توازن "سيكولوجي" هدّدته التغيّرات العميقة والسريعة وخلفت اختلالات و تمزّقات عديدة، لكن استجابة كلّ فئة من تلك الفئات لهذا الوضع الجديد، إنما تتمّ بحسب وضعها وشواغلها وهمومها[65] الخاصّة بها.

وما يمكن تأكيده أن الطقوس بالميكانزمات الخاصّة التي اشرنا إليها وبالوظائف الكامنة المختلفة التي تنهض عليها، تتخذ دورا بنّاء و عياديا في حياة الجماعة الأهلية بالتأكيد، لأنّها توفّر لممارسيها نوعا من العلوّ لا تستطيع رتابة الحياة اليومية أن تعطيهم إياه. إذ يساعدها على الانفلات من خطية الزمن ورتق الاختلالات الناجمة عن خطر ثقافة كونية معلومة آخذة في الانتشار فتذيب الاختلافات وتفرض منطقها على الجميع.

وفي الواقع لقد أكّد "جون دوفينيو" في نهاية مؤتمر دوليّ حول التحوّلات الاجتماعية[66]، دور هذه الممارسات الني يسمّيها ممارسات في"الاتجاه المعاكس" فقال: "لن توجد مستقبلا سوى سوسيولوجيا للتحوّلات وحتّى سوسيولوجيا خاصّة بتحوّلات باتجاه معاكس"[67]، والرجل يطالبنا هنا ونحن نقارب ظاهرة التغيّر الاجتماعي، أن لا ننشغل فقط بفهم كيفيات الخروج من التقاليد والسير إلى الأمام، بل أن نفهم أيضا أسباب "استمرار" ظواهر "قديمة" تـتمـسّك بها وبلا كلل، فئاتُ واسعة من الناس والحال أنّ التغيّرات تتّجه أكثر إلى المستقبل.

بيبليوغرافيا:

الطوالبي، نورالدين: الدين والطقوس والتغيرات الاجتماعية. ترجمة وجيه البعيني. منشورات عويدات. بيروت-وباريس، ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. 1988.

الطوالبي، نورالدين: في إشكالية المقدّس، أو تحوّلات التغيّر الاجتماعي السيكولوجيّة. ترجمة وجيه البعيني ط. 1 منشورات عويدات - بيروت باريس 1988.

الحيدري، إبراهيم: تراجيديا كربلاء، سوسيولوجيا الخطاب الشيعي. دار الساقي.  بيروت لبنان. 1999.

المعجم الوسيط، ط 2، دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان- 1987.

Bibliographie 

Ansart, Pierre, Idéologie, conflits et pouvoir, Paris,  PUF, 1977.

Bastide, Roger, Mémoire collective et sociologie du bricolage. Année sociologique, 21, 1970, Bourdieu, Pierre, Ce que parler veut dire. L’économie  des échanges linguistiques. Ed Fayard 1997.

Bourdieu, Pierre, et Sayad, Abdelmalek, Le déracinement, La crise de l'agriculture traditionnelle en Algérie, Ed Minuit, 1964, 224 p.

Bromberger, Christian (et autres), Le match de Football. Ethnologie d’une passion  partisane à Marseille, Naples et Turin, Paris, Ed Maison des sciences de l’homme, 1995.

Castoriadis, Cornelius, L'institution Imaginaire de la Société, Éditions du Seuil, collection « Esprit », 1975.

Douglas, Mary, De la souillure. Essai sur les notions de pollution et le tabou, Paris, Maspero, 1971.

Durand, Gilbert, l’imaginaire. Essai sur les sciences et la philosophie de l’image, Hatier, « Optiques philosophie », 1994.

Durand, Gilbert, les structures anthropologiques de l’imaginaire, Ed  Dunod, (1re éd, Paris, P.U.F, 1960, reed à Dunod  2006.

Durkheim, Emile, Le suicide, étude de sociologie, PUF, 1973.

Durkheim, Emile, De la division du travail social, Ed PUF, 9° ed, 1973.

Durkheim, Emile, les structures élémentaires de la vie religieuse Le système totémique en Australie, 1912, éd PUF « Quadrige », 1979.

Durkheim, Emile,  Les formes élémentaires de la vie religieuse, le système totémique en Australie. Livre II  Les croyances élémentaires, Paris, PUF., 5° ed, 1968.

Duvignaud, Jean, « Anomie et mutation », in Sociologie des mutations, Paris, Ed Anthropos, 1970.

Elias, Norbert, La dynamique de l’occident, Ed Calmann - Levy, 1975.

Eliade, Mircia, Histoire des croyances et des idées  religieuses, tome 1 : de l'âge de la pierre aux mystères d'Eleusis. Ed Payot, collection Bibliothèque historique, 1989, 496p.

Fromm, Erik, Psychanalyse et religion, Paris, Epi, T, F, 1968.

Goffman, Erving, Les rites d’interaction, Paris, éd Minuit, « Le sens commun » 1998.

Goffman, Erving, La Mise en scène de la vie quotidienne, t. 1 La Présentation de soi, éd Minuit, coll. « Le sens Commun », 1973

Gennep, Arnold Van, les rites de passage, Paris, Emile Nourry, 1909.

Maffesoli, Michel, La conquête du présent. Pour une sociologie de la vie quotidienne, PUF, 1979.

Malinowski, Bronislaw, les argonautes du pacifique occidental, (1922). (Trad française, par Simone Devyver). Préface de Sir James Frazer. Col  nrf, ed Gallimard, Paris, 1963, 606 pages.

Mauss, Marcel, « Essai sur le don », in Sociologie et Anthropologie, Paris, PUF,  1960.                                  

Merton, Robert King, Eléments de méthode sociologique, Ed. Plon, 1965.

Niset, Jean et Rigaux, Nathalie, La sociologie d’Erving Goffman, éd. La Découverte, Paris, 2005.

Rivière, Claude, Socio-Anthropologie des religions, Paris, Armand Colin (coll. «Cursus », Série. Sociologie), 1997.

Segalen, Martine, Rite et Rituels contemporains, Paris, Ed.  Nathan, 1998.

Toualbi, Nourddine, Changement Social et Pratiques familiales du sacré en Algérie, in ouvrage collectif : «L’avenir de la famille au Moyen Orient et en Afrique de Nord », Cahier du CERES, Série Psychologie N° 7, Tunis, 1990


الهوامش

*  كان موضوع هذا البحث مضمون مداخلة علميّة شفويّة قدّمت ضمن أعمال منتدى نور الدين سريّب للتاريخ الاجتماعي والثقافي بمدينة جرجيس، الدورة الثامنة، تونس، 2007.    

**قسم علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، تونس. وعضو في وحدة البحث حول "المتخيّل" URIMA.

[1] Ansart, Pierre, Idéologie, conflits et pouvoir, Paris, PUF, 1977, p. 21.

[2] M’hamed Sabour, La lutte pour le pouvoir et la respectabilité dans le champ universitaire arabe, in Revue international des sciences sociales, n°135, 1993  p.126. 

[3] Durkheim, Emile, De la division du travail social, éd  P U F, 9° ed, 1973, p. 146. 

[4] سؤال جوهري تطرحه "مارتين سيقالان" في مؤلفها المهمّ حول الظاهرة الطقسية في المجتمعات المعاصرة. انظر في هذا المضمار أساسا:

Segalen, Martine, Rite et Rituels contemporains, Paris, Ed Nathan, 1998, Chap.1, p.24.                                         

[5] بحكم أنّ الأفعال والأنشطة الطقوسية تقوم على ضرب من الإحالة الرمزية بين الشيء ومدلوله، وترتبط بتصورات تخرج عن إطار الضبط التجريبي فإنّ ذلك يستدعي  إلى جانب التحليل الوضعي مقاربات تأويلية و فينومينولوجية أيضا.

[6] للدقّة العلمية، إنّ فولتير هو من أسند لمالبرانش هذه  المقولة المأثورة. أمّا مالبرانش فقد قال حرفيّا "الخيال هو مجنونة تنتج الجنون" أنظر أساسا:

Malebranche, Entretiens sur la métaphysique, Œuvres, t 2, p. 670.

[7] Fgt 44, éd Lafuma, Seuil, 1962, p. 42.

[8] المعجم الوسيط، الجزء الأول، ط 2، دار أمواج، للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان 1987، باب "ط ق س" ص.561.

[9] « Rite», mot  dérive du Latin "Ritus", 1486, in Larousse, Dictionnaire de la langue française, Ed 1988, p.1652.

[10]  Goffman, Erving, les rites d’interaction, (trad. de l’anglais par Alain Kihm,) Paris, Minuit, coll  « le sens commun », 1974, 240 p.

[11] Goffman, Erving, La Mise en scène de la vie quotidienne, t. 1, La Présentation de soi, éd Minuit, coll. « Le sens Commun », 1973.

[12] مثل طقوس السلام :  نزع الرجل للمظلة والانحناء إلى الأمام ، تقبيل يد المرأة ، تقبيل الأنف أو الجبهة، التماس بالكتفين وغير ذلك مثلا.

[13] Eliade, M., Le mythe de l'éternel retour, Folio Essais, 2001.

[14] أنظر بالخصوص مؤلف ميرسيا إلياد:

Eliade, Mircéa, Histoire des croyances et des idées religieuses, tome 1 : de l'âge de la pierre aux mystères d'Eleusis, Ed Payot, collection Bibliothèque historique, 1989, 496p.

[15] للإشارة إلى الزمان والمكان بوصفهما ظرفين متلازمين ومجتمعين في آن معا.

[16] يجب أن نشير إلى أن الطقوس ليست فعالية دينية فقط ، إنّما دخلت الطقوس ميادين عدّة ، وضبط الباحثون في الموضوع ضروبا عديدة للطقس من ذلك الطقوس السياسية والطقوس الإعلامية والطقوس الرياضية وغيرها. انظر في هذا المجال مؤلّف "مارتين سيقالان"، وقد أحيل عليه سابقا:

Segalen, Martine, Rite et Rituels contemporains, op cit.

 [17] Merton, Robert King, Eléments de méthode sociologique, Ed Plon, 1965, p. 167.

[18] نميّز هنا بين مضمون "الوظيفة" كما أشرنا إليه أعلاه، و المضمون الذي تتخذه لفظة "الغايات" وما تشير إليه من حالات الوعي  و القصدية  لدى الفاعلين.

[19] Durkheim, Emile, Les formes élémentaires de la vie religieuse. Le système totémique en Australie, 1912, éd P.U.F. « Quadrige », 1979, p. 50.

[20] Ibid…p. 51.

[21] المقصود بـ "الاركتيب" (archétypes) مجموع البنى الجماعية الأولية الماثلة  في اللاشعور الجمعي العميق وتعبر عن نفسها من خلال الأساطير والطقوس و مختلف الأنشطة الدينية والفنية التي ينجزها الناس سواء في شكل جماعي أو فردي.

[22] Fromm, Erik, Psychanalyse et religion, Epi,  T, F., Paris, 1968, p.138.

[23] Durand, Gilbert, Les structures anthropologiques de l’imaginaire, Paris, Dunod, (1re éd, Paris, P.U.F, 1960, Reed onze fois, la dernière était à Dunod 2006.

[24] انظر كتابيه الأساسيين:

Les structures anthropologiques… op cit. et, L’Imagination symbolique, Ed  P U F, 1964 rééd en 2003.                                                                                                

[25] حيث درس "موس" ظاهرة التبادل في المجتمعات البدائية بما هي ظاهرة اجتماعية كلية مبيّنا إلزاميتها ودورها في محافظة المجتمع على سلمه الجماعية  والانسجام الداخلي. انظر مقالة "مارسال موس" و"مالنوفسكي"  في مؤلفيهما: 

Mauss, Marcel, Essai sur le don, in Sociologie et Anthropologie, Paris, P U F, 1960. 

Malinowski, Bronislaw, les argonautes du pacifique occidental, (1922). Trad française, par Simone Devyver. Préface de Sir James Frazer. Coll NRF, Paris, Ed Gallimard, 1963, 606 p.   

[26] لا يتمّ التبادل بالضرورة بين شخصين أو طرفين فقط، إنّما يتمّ في شكل دائري فالآخذ لا يردّ لمن أخذ منه بل يأخذ من هذا ليعطي لذاك، والعملية متواصلة إلى حد الإشباع الكلي والمشاركة الجماعية، والمكسب في ظاهره مادي ، ولكنه رمزيّ لانّ الإعطاء هو تحدّ يستوجب من الأخذ قبولا وردّا بأكثر مما أخذ، وقد يصل هذا التبادل / التحدّي إلى حدّ الصراع بين "الأسياد' وزعماء الجماعات وخاصّة في النظام التبادلي "الكولا"..

[27] Ibid…p 154.

[28] الطوالبي، نورالدين، الدين والطقوس والتغيرات. ترجمة وجيه البعيني. منشورات عويدات. بيروت- باريس، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1988.

[29]  المرجع نفسه، ص. 49.

[30] المرجع نفسه، ص. 48. أنظر الهامش رقم 2.

[31] لهذا السبب يتوجب فهم الممارسات الثقافية وتحليل دلالاتها ضمن نفس النسق الثقافي الذي تنتمي إليه وهو ما يساهم في تحقيق فهم أفضل لما يسمى اليوم بالحوار بين الثقافات (ويقال خطا "حوارا بين الحضارات").

[32] Durkheim, Emile, Les formes élémentaires de la vie religieuse. Le système totémique en Australie, (1912), éd P.U.F. « Quadrige », 1979, p.p. 370-371.   

[33] يقول الذين شاركوا في الانتفاضات الشعبية  والذين شاركوا في الاعتصامات والمسيرات السلمية  في ساحة "القصبة" في تونس أيام الثورة التونسية وفي "ميدان التحرير " في مصر وساحة "التحرير" في اليمن... أنهم عاشوا لحظات من المجد لن ينسوها ...

[34] يقول دوركايم" في هذا الشأن: "إنّ للحفل حتى غير الديني تأثير كبير على الأفراد، فهو يجمعهم ويدخلهم في جو جماعي متكتّل، الأمر الذي يولّد حالة فوران هي ليست في غير قرابة مع الحالة الدينيّة". انظر: الأشكال الأولية للحياة الدينية. مرجع سبق ذكره بالفرنسية. ص. 640 .

[35] نوع من الموسيقى الأفرو-أمريكية الصاخبة المتميّزة بإيقاعات سريعة تجعل المنخرطين فيها يعيشون حالات من التخمّر الجماعي، بحيث يصل الراقصون جماعيا تحت تأثير إيقاع الموسيقى إلى حالة من الحمّى والاتقاد، وتنضح الأجساد عرقا. ويساهم هذا الجوّ الاحتفالي في تحقيق نوع من   التنفيس الإيجابي: Transpiration positive.

[36] Bromberger, Christian et autres ; Le match de Football. Ethnologie d’une passion partisane à Marseille, Naples et Turin, Paris, Ed Maison des sciences de l’homme, 1995.

[37] Durkheim, Emile, Les formes élémentaires… op cit., p.389.

[38] باحثة انجليزية في الأنتربولوجيا ، وسّعت البحوث التي أنجزها "مارسال موس" حول النجاعة الرمزية للطقوس. تهتمّ في دراساتها بمسألة التلوّث وقضايا الطهارة والممنوعات الغذائية لدى بعض الشعوب.

[39] Douglas, Mary, De la souillure. Essai sur les notions de pollution et le tabou, Paris, Maspéro, 1971, p. 81.

[40] Martine, Segalen, Rite et Rituels contemporains…op. cit, p.18.

[41] لكل جماعة بشرية ذاكرتها وأحداثها المؤسسة التي تحييها أساطيرها وأعيادها الدينية، من ذلك مثلا حدث افتداء إسماعيل بالكبش، وحدث هجرة اليهود من مصر، وحدث صلب المسيح، وحدث هجرة الرسول محمد(ص) وحدث كربلاء وغير ذلك من الأحداث الرمزية المؤسّسة.

[42] Durand, Gilbert, l’imaginaire. Essai sur les sciences et la philosophie de l’image, éd Hatier, « Optiques philosophie », 1994, p.17.

[43]تندرج ضمنها أيضا ما يسمى بطقوس التعليم Rites d’initiation، وهي طقوس تعليمية يمارسها الكبار على الناشئين في المجتمعات الإفريقية والأسيوية. وتتصاحب غالبا بأنشطة تدريبية جسدية قاسية، يتعلّم الأطفال فيها أسرار مجتمع الكهول الذي سينتمون إليه. 

[44] Van Gennep, Arnold, Les rites de passage, Paris, Emile Nourry 1909.

[45] يقوم طقس العبور على بنية ثلاثية:هي مقطع الفصل séparation  - مقطع الهامش marge - ومقطع التجميع Agrégation

[46] Bourdieu, Pierre, Ce que parler veut dire. L’économie des échanges linguistiques, éd Fayard, 1997, p.121.

[47] كما هو الشأن بالنسبة إلى طقس التعميد (Baptême) في المسيحية حيث يدخل الطفل بواسطته حظيرة المسيحية.

[48] نشير هنا إلى بعض الصلاحيات التي يتّخذها الذكور: السلطة الذكورية على الإناث، الشرف الرجولي، أولوية الذكور في عملية الذبح.

[49]سماها "بيار بورديو"  بقوس التكريس : rites de consécration ، أنظر أساسا    

Bourdieu, Pierre, Ce que parler… op cit p, 121

[50] Claude, Rivière, Socio-Anthropologie des religions, Paris, Armand Colin (coll. «Cursus», Série. Sociologie), 1997, p.23.

[51]  هو اليوم التالي لليلة الدخلة في الاحتفالات التونسية بالزواج، وفيه يتلقى العريسان تهاني تمام الزواج.

[52]Bourdieu, Pierre, Ce que parler… op cit p, 122. 

[53] Castoriadis, Cornelius, L'institution Imaginaire de la Société, Éditions du Seuil, collection « Esprit », 1975.

[54] يتحدّث نورالدين الطوالبي عن التفاخر الذي تتخذه بعض الفئات الاجتماعية  المحظوظة من المجتمع الجزائري خلال ممارساتها الاحتفالية الطقوسية، وذلك إمّا لإشهار هوية ما أو إظهار التمسّك بالتقاليد في تنافس محموم مع الفئات الأخرى التي تتهمّها بالانبتات  لمراكمة  الرأسمال الرمزي. انظر أساسا:

Toualbi, Nourddine, « Changement Social et Pratiques familiales du sacré en Algérie », In collectif : «L’avenir de la famille au Moyen Orient et en Afrique de Nord », Cahier du CERES, Série Psychologie, N 7, Tunis.1990. p. 29.

[55] يرجع مفهوم "الترميم" الثقافي في الأصل إلى استعمال وظّفه  كلود ليفي ستراوس في كتابه "التفكير الوحشي" (Pensée sauvage, ed Plon,1962) وقد استعاره  منه"روجي باستيد" وطوّره ليشير به إلى وضع خاصّ تتعرّض فيه ذاكرة جماعية لمجموعة بشريّة ما إلى ما يسمّيه هو بــ"الثقوب"trous الثقافية وقد نتجت عن عمليات من التهجير القسري أو الاستعمار خضعت لها مجتمعات عديدة في إفريقيا وأسيا وأمريكا، الأمر الذي استدعى من تلك الجماعات أن تسدّ تلك الثغرات والنقائص بممارسات ثقافية تبتكرها لحماية نفسها. انظر أساسا:

Bastide, Roger, Mémoire collective et sociologie du bricolage, Année sociologique, 21, 1970, pp.65-108

[56]  أقد ألّف بورديو  وعبد المالك السيّد كتابهما  حول المجتمع الجزائري:"الاجتثاث" Le déracinement ليصوّرا به وضع  هذا المجتمع في الخمسينات والستينات أي مع عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وقد أخضعته ظروف الاستعمار لتغيّرات عميقة ومسرعة ضيعت أبعاده وأفقدته توازنه. انظر بالأساس،

Bourdieu, Pierre, et Sayad, Abdelmalek, Le déracinement, La crise de l'agriculture traditionnelle en Algérie, ed Minuit, 1964, 224 p.

[57] Duvignaud, Jean, « Anomie et mutation », in Sociologie des mutations, Paris, Ed Anthropos, 1970, p.37.

[58] Durand, Gilbert, Les structures anthropologiques de l’imaginaire, Ed. Bordas, 1969, p. 418.

[59] Maffesoli, Michel, La conquête du présent. Pour une sociologie de la vie quotidienne, PUF, 1979, p. 98.

[60] Durkheim, Emile, Le suicide, étude de sociologie, PUF, 1973, 354 pages.

[61] Maffesoli, Michel, La conquête du présent…op cit, p. 98.

[62]Maffesoli, Michel, La conquête du présent…op cit, p. 101.

[63]Elias, Norbert, La dynamique de l’occident ; Ed Calmann- Levy, 1975, p.234.

[64] Durand, Gilbert, Les structures anthropologiques… op cit (conclusion), p.494.

[65] بجب أن نؤكّد قيمة العمل العلمي الذي أنجزه نورالدين طوالبي حول ظاهرة الطقوس في المجتمع الجزائري الحديث، والمهمّ في ذلك حسب اعتقادنا التقصّي النوعي في تحديد شواغل كل فئة اجتماعية بالنظر إلى وضعها وهمومها. أنظر أساسا المرجعين اللاحقين

- الطوالبي، نورالدين: الدين والطقوس والتغيرات الاجتماعية... مرجع ذكر سابقا.

- الطوالبي، نورالدين: في إشكالية المقدّس، أو تحوّلات التغيّر الاجتماعي السيكولوجيّة. ترجمة وجيه البعيني ط. 1 منشورات عويدات - بيروت باريس 1988.

[66]  نقصد المؤتمر السابع للجمعية العالمية لعلماء الاجتماع الفرانكفونيين في جامعة نيوشاتل.

[67] Duvignaud, Jean, Anomie et mutations, Paris, Ed Anthropos, 1970, p. 37.

 

Appels à contribution

logo du crasc
insaniyat@ crasc.dz
C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO Bir El Djir 31000 Oran
+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11
+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Recherche